النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ ٢٥ - باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض کتاب الحیض ٢٥ - بَابُ الصُّفْرَةِ وَلَكُدْرَةِ فِي غَيْرٍ أَّامِ الحَّضِ ٣٢٦ - حَدَّثْنَا تُنَةُ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أُوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمّ عَطِيَّةَ: كُنَّ لاَ نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا . كذا رواه ابن عُلِيَّةٍ ومَعْمَرٌ ، عن أَيُّوبَ (١). ورواه وُهَيْبٌ، [عن أُوبَ)(٢)، عن حَفْصَةً بنتِ سِيرِينَ، عن أُمُّ عَطَّةَ (٣). وزعم محمدُ بنُ يَحيى الذُّهْلِيُّ (٤) أن قول وُهَيْبِ أصحُّ . وفيه نَظَرٌ . وقد خرَّج أبو داودَ من طريق (٥) حَمَّد بن سَلَمَةَ، عن قَتَادَةَ ، عن أمِّ الهُدَّيْلِ - وهي: حَفْصَةُ بنتُ سِيرِينَ -، عن أمِّ عَطِيَّةَ - وكانت بايعتْ رسولَ اللَّهِوَهــ، قالت: كنا لا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ والكُدْرَةَ بعد الطُّهْر شيئًا . ثم قال(٦): ثنا مُسَدَّدٌ: ثنا إسماعيلُ: أبنا أَيُّوبُ ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ ، عن أمِّ عَطِيَّةَ - مثلَه(٧). وظاهر هذا السياقِ: يدل على أن رواية أيوبَ ، عن محمد مثل رواية قتادةَ ، عن أم الهذيل ، وأن فيها هذه اللَّفظةَ: ((بعد الطهر)). مع أن شُعْبَةَ كان يقول : ((مثلُه)) ليس بحديث ، يشير إلى أنه قد يقع (١) أخرجه أبو داود (٣٠٨) والنسائي (١٨٦/١) وابن ماجه (٦٤٧). (٢) سقط من ((ق)). (٣) أخرجه ابن ماجه (٦٤٧) . (٤) حكاه عنه ابن ماجه عقب الحديث . (٥) (٣٠٧) . (٦) (٣٠٨) . (٧) في هامش ((ق)): ((ورواه ابن [مهدي] ، عن حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن أم الهذيل ، عن عائشة . وإنما هو : عن أم عطية - : قاله الإمام أحمد في رواية عبد الله)) . قلت : هو في ((العلل)) لعبد الله (١٦٩٧) والزيادة منه . ٥٢٢ حديث : ٣٢٦ كتاب الحيض التساهلُ في لفظه . وخالفه سفيانُ ، فقال : هو حديث(١). وخرَّجِ الدّارَقُطْنِيُّ (٢) من رواية هشامٍ بن حَسَّنَ، عن حَفْصَةَ، عن أم عطيةَ، قالت : كنا لا نرى التَّرِيَّةَ بعد الطهر شيئًا - وهي الصفرة والكدرة(٣). وروى وَكِيعٌ ، عن أبي بكرِ الهُذَلِيِّ، عن مُعاذَةَ ، عن عائشةَ ، قالت : ما كنا نعد الكدرة والصفرة شيئًا . وأبو بكر الهذلي ، ضعيف . وخرَّج الإمام أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه(٤) من رواية أبي سَلَمَةَ ، أن أمَّ بكرٍ أخبرتّه، عن عائشةَ، أن النبي وَّ قال في المرأة ترى ما يريبها بعد الطهر: (إنما هو عرقٌ - أو عُرُوق)) . وأم بكر - ويقال : أم أبي بكر(٥)- ، لم يُرْوَ عنها غيرُ هذا الحديث ، وليست بمشهورة . ٠ وقد بوَّب البخاري على حديث أمِّ عطيةَ : ((الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض))، ولم يخرِّج الحديثَ بزيادة: ((بعد الطهر)) كما خرَّجه أبو داودَ . ولم يَتَفَرَّد به حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ ، عن قتادةَ، بل قد رواه حَرْبٌ في ((مسائله))، عن الإمام أحمد ، عن غُنْدَرِ ، عن شعبةَ ، عن قتادةَ - بمثله . وقد رُوي حديثُ أم عطيةَ بلغظ آخرَ ، وهو : ((كنا لا نعتد بالكدرة والصفرة بعد الغُسل شيئًا)» . (١) قارن: بما في ((التمهيد)) (١٣/١) وكتابي: ((حسم النزاع في مسألة السماع)) (ص ٤٩). (٢) (٢١٩/١) . (٣) انظر: ما تقدم تعليقًا على الباب (١٨). (٤) أحمد (٦/ ١٦٠ - ٢١٥) وأبو داود (٢٩٣) وابن ماجه (٦٤٦). (٥) انظر: ((العلل)) لابن أبي حاتم (١١٨). ٥٢٣ ٢٥ - باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض کتاب الحيض خرَّجه الدارِميُّ في ((مسنده)(١). وقد سبق ذِكْرُ الصفرة والكدرة في ((باب: إقبال المحيض وإدباره))، وأنَّ الصفرة والكدرةَ لهما ثلاثة أحوال : حال : تكون في مدة عادة المعتادة ، فتكون حيضًا عند جمهور العلماء ، سواء سَبَقَها دمٌ أم لا . وحال: تكون بعد انقضاء العادة، فإن اتصلت بالعادة ولم يَفصل بينهما طُهْرٌ، وكانت في مدة أيام الحيض - أعني : الأيامَ التي يُحْكَم بأنها حيض ، وهي : الخمسةَ عشرَ ، أو السبعة عشر ، أو العشرةُ عند قوم - ، فهل تكون حيضًا بمجرد اتصالها بالعادة ، أم لا تکون حیضًا حتى تتكرّر ثلاثًا أو مرتین ، أم لا تكون حیضًا وإن تكررت ؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء : الأول : ظاهر مذهب مالك والشافعي . والثاني : رواية عن أحمد . والثالث : قول أبي حنيفة والثوري ، وأحمد في رواية . وإن انقطع الدمُّ عند تمام العادة ، ثم رأت بعدَه صفرةً أو كدرة في مدة الحيض ، فالصحيح عند أصحابنا : أنه لا يكونُ حيضًا ، وإن تكرر . وقد قال أكثرُ السَّلَفِ : إنها إذا رأت صفرة أو كدرة بعد الغُسل أو بعد الطهر فإنها تصلي ، وممن رُوي ذلك عنه : عائشةُ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ ، وعطاءٌ ، والحَسَنُ ، وإبراهيمُ النَّخَعِيُّ، ومحمدُ ابنُ الحنفيةَ وغيرُهم . وحديث أمِّ عطيةً يدل على ذلك . وحال : تری الصفرةَ والكدرة بعد أكثرِ الحیضِ ، فهذا لا إشكال في أنه ليس بحيض . (١) (٢١٥/١) . ٥٢٤ حديث : ٣٢٧ كتاب الحيض ٢٦ - بَابُ عِرْقِ الاسْتِحَاضَةِ خرَّج فيه : ٣٢٧ - حديث : ابنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ - وَعَنْ عَمْرَةً -، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِّ ◌َ﴿، أَنَّ أَمَّ حَبَِّةَ اسْتُحِيِضَتْ سَّعَ سِنِين، فَسَلَتْ رَسُولَ اللَّه تَ﴿ عَنْ ذَلَكَ، فَأَمَرَها أَنْ تَغْتَسِلَ، فَقَالَ: ((هَذَا عِرْقٌ» ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لكُلِّ صلاة . هذا الحديث اختلف في إسناده على الزُّهْرِيِّ: فرُوي عنه ، عن عروةَ ، عن عائشةَ. وروي عنه، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ. ورُوي عنه ، عن عروة وعمرة ، عن عائشة كما في هذه الرواية ، ورواية الزهري له عنهما صحيح -: قاله الدَّارَقُطْنِيُّ . واختُلف - أيضًا - في اسم المستحاضة : فقال الأكثرون في روايتهم : أم حَبِيبَةَ ، ومنهم من قال : أمُّ حبيبةَ بنتُ جَحْشٍ . وقد خرّجه مسلم (١) من طُرق ، عن الزهري كذلك . وفي رواية له: عن عَمْرو بن الحارث ، عن الزهري ، عن عروة وعمرة، عن عائشة، أن أمَّ حبيبةَ بنتَ جَحْشٍ خَنَةَ رسولِ اللهِ وَِّ، وتحت عبدِ الرحمنِ ابنِ عَوْفٍ استُحيضت سبعَ سنين - وذَكَر الحديثَ . ولمسلمٍ(٢) - أيضًا - من حديث عِراكِ بن مالكٍ ، عن عروةَ ، عن عائشةَ ، أن أم حبيبة بنتَ جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوفٍ شَكَتْ إلى النبي وَلّ الدمَ ، فقال لها : ((امْكُثي قدرَ ما كانت تَحْسُك حيضتك ، ثم اغتسلي)) ، فكانت (١) (١/ ١٨١) . (٢) (١/ ١٨٢). ٥٢٥ ٢٦ - باب عرق الاستحاضة كتاب الحيض تَغتسل عند كل صلاة . ورواه أبو داودَ الطَّالِسِيُّ عن ابن أبي ذِئْبٍ ، عن الزَّهْرِيِّ ، وقال في حديثه: إن زينبَ بنتَ جحشٍ استُحيضت . ووهم في قوله: ((زينب)) -: ذكر ذلك الدارقطني في «علله)). وذكر أبو داود في ((سنته)) (١) أن أبا الوليدِ الطيالسي رواه ، عن سليمانَ بنِ كَثِيرٍ ، عن الزهري ، عن عروةَ ، عن عائشةَ : استُحيضت زينب بنت جحش - فذكَرَه . وكذلك خرَّجه مسلمٌ (٢) من رواية ابنِ عُبَيْنَةَ ، عن الزهري ، عن عمرةَ ، عن عائشةَ ، أن زينبَ (٣) بنتَ جحشٍ كانت تُستحاض سبعَ سنين - فذكره . وقد رواه مالك في ((الموطِ))(٤) عن هشام بن عروةَ ، عن أبيه ، عن زينبَ بنتِ أبِي سَلَمَةَ ، أنها رأت زينبَ بنت جحشِ التي كانت تحت عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ ، وكانت تُستحاض ، وكانت تَغتسل وتُصلي . ولم يرفع هشامٌ شيئًا من الحديث . وذكر ابنُ عبدِ البَرِّ: أن مالكًا وَهِم في قوله: ((زينب))، وإنما هي: أمُّ حَبِيبةَ. وقد رواه الليثُّ بنُ سَعْدٍ ، عن هشامٍ ، فقال فيه : إن أمَّ حبيبةَ بنتَ جحشٍ. وكذلك رواه يحيى بنُ سعيد ، عن عروةً وعمرةَ ، عن زينبَ بنتِ أبي سَلَمَةَ، أن أَمَّ حبيبةَ - وذَكَر الحديثَ . وروى ابنُ عُيَّيْنَةَ ، عن الزُّهري ، عن عمرةَ ، عن عائشةَ ، أن حبيبةً بنتَ جحشِ استُحيضت - فذكَرَه . (١) (٢٩٢) . (٢) (١/ ٢٨١) . (٣) الذي في ((صحيح مسلم)): ((أن ابنة جحش ... )). (٤) (ص ٦٢) . ٥٢٦ حديث : ٣٢٧ كتاب الحيض وقال : كذا حَفِظْتُ أنا في الحديث ، والناس يقولون : أم حبيبة . خرَّجِه حَرْبُ الكِرْماني في ((مسائله)) عن الحُمَيْدِيِّ ، عنه . وقد روى عبد الله بن محمد بن عَقِيل ، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة ، عن عمِّه عمران بن طلحة ، عن أمه حَمْنَة بنت جحش ، قالت : كنت أُسْتحاض حيضة [كبيرة] شديدة، فأتيت النبي وَ﴿ أَسْتَفْتِيه، فوجدتُه في بيت أخي زينب - وذكرت حديثًا طويلاً . خرَّجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والترمذي . وقال : حسن صحيح(١). وحكى عن البخاري أنه حسَّنه ، وعن الإمام أحمد أنه قال : هو حسن صحيح . وقد اختَلَف قولُ الإمامِ أحمدَ فيه ، فنقَلَ عنه أكثرُ أصحابه أنه ضعَّفْه ، وقيل : إنه رَجَع إلى تقويته والأخذِ به - : قاله أبو بكرِ الخَلاَّلُ. وقد رواه جماعةٌ عن ابن عَقِيلٍ كما ذكرناه ، وخالَفَهم ابن جُرَيْجٍ ، فرواه عنه ، وقال فيه : عن حَبِيبَةَ بنتِ جَحْشٍ . ذكره الإمام أحمد في رواية ابنه عبد اللَّهِ (٢) وقال: خالَف الناسَ - يُشير إلى أنها حَمْنَةُ ، ليست حَبِيبَةَ . وقد خرَّجه ابن ماجه(٣) من طريق ابن جُرَيَجٍ ، عن ابن عَقِيلٍ ، إلا أنَّ في روايته : ((عن أمِّ حبيبةَ بنتِ جحش)) . وحاصل الأمر : أنَّ بناتِ جحش ثلاثٌ : زينب بنت جحش أمُّ المؤمنين ، كانت زوجَ زيدِ بنِ حارِثَةَ ، فطَلَّقَها فتزوجها (١) أحمد (٤٣٩/٦ - ٤٤٠) وأبو داود (٢٨٧) وابن ماجه (٦٢٢) والترمذي (١٢٨). (٢) انظر: ((العلل)) لعبد الله بن أحمد (٥٢٧١). (٣) (٦٢٢) . ٥٢٧ ٢٦ - باب عرق الاستحاضة كتاب الحيض النبيِّ وَّهِ، وهي التي ذَكَرَها اللَّهُ سبحانه في سورة الأحزاب. وحَمْنَةُ بنتُ جحش ، هي التي خاضت في الإفك ، وكانت تحتَ طلحةَ بنِ عُبيد اللَّه . وأُمُّ حبيبةَ ، وكانت تحتَ عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ ، ويُقال فيها - أيضًا - : أمُّ حَبِيبٍ -: قاله الإمام أحمد في رواية ابنه صالح ، وأكثرُ الناس يسميها : أمَّ حبيبةَ . وقال طائفة من المحققين : إنما هي أمُّ حبيبٍ ، واسمها حبيبةُ ، ففي (تاريخ)) المُفَضَّلِ الغلابي - والظاهر أنه عن يحيى بن مَعِينٍ ؛ لأنه في سياق كلام حكاه عنه - ، قال : المستحاضة حبيبةُ بنتُ جحش ، وكانت تحتَ عبد الرحمن ابن عوف ، وهي أخت حَمْنَةَ . [وكذا ذَكَرِ الزَّبَيْرُ بنُ بَكَّارِ في كتاب [ ... ](١) ((الأنساب))، إلا أنه لم يُكنَّها، وكذا قال أبو بكرِ بنُ أبي داود](٢). وحكى الدارقطنيُّ في ((عِلَلَه)) عن إبراهيمَ الحَرْبِيِّ، أنه قال : الصحيح أن المستحاضة أمُّ حُبِيبٍ ، واسمها حبيبةُ بنت جحش ، وهي أخت حَمْنَةَ ، ومَن قال فيه : أمُّ حبيبةَ أو زينب فقد وَهِم . قال الدارقطني : وقول إبراهيمَ صحيحٌ ، وكان مِن أعلم الناس بهذا الشأن . وقال ابن سَعْدٍ في ((طبقاته))(٣): هي أم حبيبٍ بنتُ جحشٍ ، واسمها : حبيبةُ . قال : وبعض أهل الحديث يَقْلِب اسمَها ، فيقول : أم حبيبةً . وحكى عن الواقديِّ، أنه قال: بعضهم يَغْلَط ، فيروي أن المستحاضة (١) بياض في ((ق)). (٢) ليس في ((ك)) . (٣) (١٧٦/٨) . ٥٢٨ حديث : ٣٢٧ کتاب الحيض حَمْنَةُ بنتُ جحشٍ ، ويَظُنْ أن كنيتها أمُّ حبيبةَ ، والأمر على ما ذَكَرْنا ، هي أم حبيبٍ حبيبةُ بنت جحشٍ ، وكانت تحتَ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ، ولم تلد له شيئًا . وحكى البَيْهَقِيُّ في ((كتاب المعرفة))، عن ابنِ المَدِينِيِّ، أنه قال: أم حبيبة هي حَمْنَةُ . وعن يحيى بنِ معينٍ ، أنها غيرُها . ثم قال البيهقي : حديث ابن عقيلٍ يدل على أنها غيرها ، كما قال يحيى . قلتُ : رواية ابنِ عقيلٍ ، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بن طلحةً ، عن عمِّه عمرانَ ابنِ طَلْحَةَ، عن أمِّه حمنةَ (١) صريحٌ في أنها حَمْنَةُ لا تَحتمل غِيرَ ذلك؛ لأن حمنة هي زوجُ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، ووَلَدَتْ له عِمْرانَ ، وهو راوي هذا الحديث عن أمِّه، [ وأما أختها حبيبةُ فلم يكُن لها ولدٌ بالكلية - : قاله الزُّبَيْرُ بنُ بِكَّارِ وغيرُه](٢)، وحينئذ فيَحْتمل أن تكون حمنةُ استُحيضت، وأختها حبيبةُ استُحيضت - أيضًا . وقد حكى ابنُ عبدِ البَرِّ هذا قولاً ، قال : وقيل : إنهنَّ كلهنَّ استُحِضْنَ - يعني : زينبَ، وأَمَّ حَبِيبٍ ، وحَمْنَةَ . وعلى ما ذكره الأولون ، فالمستحاضة هي أم حبيب حبيبةُ خاصةً دون أُخْتَيْها . وذكر أبو الوليد بنُ الصَفَّارِ الأَنْدَلُسِيُّ - وكان من أَعيان علماء الأَنْدَلُس - في شرح ((الموطأ) له: أن كلاً من الأخواتِ الثلاث تُسَمَّى زينبَ، وأن حَمْنَةً لقبٌ . قال القرطبي : وإذا صح هذا فقد صح قولُ من سَمَّى المستحاضةَ زينبَ . (١) في الأصلين: ((أم حمنة)) خطأ . (٢) من ((ق)). ٥٢٩ ٢٦ - باب عرق الاستحاضة کتاب الحیض قلتُ : وفي هذا بُعْدٌ ، وهو مخالف لقول الأئمة المعتبرين ، كما سَبَق . والله أعلم . ووقع في متن حديث عائشةَ اختلافٌ ثالث ، وهو أهم مما قَبْله ، وذلك أنه اختُلِف في غُسلها لكل صلاة، فمن الرواة: من ذَكَر أنها كانت تَغتسل لكل صلاة، وأن النبي وَ﴿ لم يأمرها بذلك. ومنهم: من ذكر أن النبي ◌َّ أَمَرَها بذلك. فأما الذين لم يرفعوه : فهم الثِّقات الحفاظ : وقد خرَّجه البخاري هَاهُنا من حديث ابنِ أبي ذِئْبٍ ، من الزُّهْرِيِّ، وفي حديثه : ((فكانت تَغتسل لكل صلاة» . وخرَّجه مسلمٌ (١) من طريق اللَّيْثِ ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوَةَ ، عن عائشةَ، وفي حديثه: قال اللَّيْثُ: لم يَذكر ابنُ شِهابٍ أن رسولَ اللَّهِوَّهِ أَمَر أمَّ حبيبةَ بنتَ جحشٍ أنْ تَغتسل عند كل صلاة ، ولكنه شيءٌ فعلتْه هي . وخرَّجه(٢) - أيضاً - من رواية عِراكِ بن مالكِ، عن عروةَ، عن عائشةَ ، وفي حديثه : ((فكانت تَغتسل عند كل صلاة)) . وأما الذين رفعوه : فرواه ابن إسحاقَ ، عن الزهري ، عن عروةَ ، عن عائشة، أن أمَّ حبيبةَ استُحيضت في عهد رسول اللّهُ بِّهِ، فَأَمَرَها بالغُسل لكل صلاة . خرَّجه الإمام أحمد وأبو داودَ (٣). قال(٤): ورواه أبو الوليد الطَّالِسِيُّ، ولم أسمعه منه ، عن سُلَيْمانَ بنِ كَثِيرٍ ، عن الزهري ، عن عروةَ ، عن عائشة : استُحيضت زينبُ بنتُ جحشٍ، فقال لها (١) (١/ ١٨١). (٢) (١/ ١٨٢) . (٣) أحمد (٨٢/٦) وأبو داود (٢٩٢). وانظر: ((المسند)) (٢٣٧/٦). (٤) يعني: أبا داود، وهو عقب الحديث في ((كتابه)). ٥٣٠ حديث : ٣٢٧ كتاب الحيض النبي وَ ل: ((اغتسلي لكل صلاة)). وابنُ إسحاقَ وسليمانُ بن كثير ، في روايتهما عن الزهري اضطرابٌ كثير ، فلا يُحْكَم بروايتهما عنه مع مخالفة حُفَّاظِ أصحابِهِ . وروى يَزِيدُ بنُ عبدِ اللهِ بن الهادِ ، عن أبي بكرٍ - هو : ابن حَزْمٍ - ، عن عمرةَ ، عن عائشةَ ، أن أمَ حبيبةَ بنتَ جحشٍ كانت تحتَ عبدِ الرحمنِ بن عَوْفٍ، وأنها استُحيضت فلا تَطْهُر، فَذُكر شأنها لرسول اللَّهِ وَلِّ فقال: ((ليستْ بالحيضة، ولكنها رَكْضَةٌ من الرَّحِم ، فلْتَنْظُرْ قَدْرَ قُرْئها التي كانت تَحيض له ، فلَشْرُك الصلاةَ، ثم لَنْظُرْ ما بعد ذلك فلْتَغتسلْ [عند](١) كلِّ صلاة، ولتُصَلِ)). خرَّجه الإمام أحمد والنسائي(٢). وهو مخالف لرواية الزهري ، عن عمرة ، كما سَبَق ، ورواية الزهري أصحّ . وقال الإمام أحمد : كل من روى عن عائشة : الأقراءُ الحَيَض ، فقد أخطأ. قال : وعائشة تقول : الأقراء الأطهار . وكذا قال الشافعي في رواية الرَّبِيعِ ، وأشار إلى أنَّ رواية الزهري أصحّ من هذه الرواية . وحكى الحاكمُ عن بعض مشايخه : أن حديث ابن الهاد غيرُ محفوظ . وقد رَوَى أن النبيِ نَّهِ أَمَرَ أَمَّ حبيبةَ بالغُسل لكل صلاة - : يحيى بنُ أبي كَثِيرٍ ، عن أبي سَلَمَةَ، عن زينبَ بنت أبي سَلَمَةَ . خرّجه أبو داودَ (٣). وقد اختلف في إسناده على يحيى ، والصحيح : عنه ، عن أبي سلمة - (١) ساقط من الأصلين، واستدركته من مصادره، وفي هامش ((ق)): ((لعله: لكل)). (٢) ((المسند)) (١٢٨/٦ - ١٢٩) والنسائي (١٢٠/١ - ١٢١). (٣) (٢٩٣) . ٥٣١ ٢٦ - باب عرق الاستحاضة كتاب الحيض مرسلاً - : قاله أبو حاتمٍ (١)، مع أن روايةَ زينبَ بنتِ أبي سَلَمَةَ مرسلةٌ - أيضًا - ، وقيل : عنه ، عن أبي سلمة ، عن أم حبيبةَ ، ولا يَصِحّ . ورواه الأَوْزاعِيُّ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ مرسلاً ، وجَعَل المستحاضةَ زينبَ بنتَ أبي سَلَمَةَ ، وهو وَهْمٌ فاحش ؛ فإن زينب حينئذٍ كانت صغيرة . وقد روي عن طائفة من الصحابة والتابعين أن المستحاضة تَغتسل لكل صلاة ، ومنهم من حَمَل ذلك على الوجوب . وقد رُوي عن ابن عباسٍ أنه قال: لا أَجِد (٢) لها إلا ذلك. ومنهم من حَمَلَه على الاستحباب ، وقد حكي الوجوبُ روايةً عن أحمد، والمشهور عنه الاستحبابُ كقول الأكثرين . وقد تعلق بعضُهم للوجوب بأن النبي وَّ أَمَرَها أنْ تَغتسل وتصلي ، وهذا يعم كلَّ صلاة ؛ فإنه كالنهي أنْ تصلي حتى تَغتسل ، وقد فَهِمَت المأمورةُ ذلك ، فكانت تَغتسل لكل صلاة ، وهي أَفهم لما أُمِرَتْ به . ويُجاب عن ذلك، بأنه وَّ﴿ إنما أَمَرَها أنْ تَغْتسل إذا ذهبت أيامُ حيضتها ، فلا يدخل في ذلك غير الغُسل عند فراغ حيضتها ، وأما ما فعلتْه فقد تكون فعلتْه احتياطاً وتَبَرُّعًا بذلك -: كذلك قاله اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ وابن عُبَيْنَةَ والشافعي وغيرُهم من الأئمة . ويدل على أنَّ أَمْرَها بالغُسل لم يَعُمَّ كلَّ صلاة: أن عائشة رَوَتْ أن النبيِ وَّل أَمَرَها أنْ تَغتسلَ، وقالت عائشة: ((فكانت تَغتسل لكل صلاة))، فدل على أن عائشة فهمت مِن أَمْر النبيِّ وَّ غيرَ ما فعلتْه المستحاضة، وعائشة راويةُ الحديث، وهي أَفْقَه وأَفْهَم من غيرها من النساء . (١) ((العلل)) لابنه (١١٩). (٢) في ((ق)): ((حدّ)، والمثبت من ((ك)). ٥٣٢ حديث : ٣٢٧ كتاب الحيض وقد ذهب مالك والشافعي - في أَشْهَرِ قوليه - في المُتَحَيِّرَة - وهي : المستحاضة التي نَسِيَتْ وقتَها وعددَها ولا تَمْييز لها - أنها تَغتسل لكل صلاة وتضلي أبداً . واختلف أصحاب الشافعي : هل تقضي أم لا ؟ على وجهين لهم ، واختار ابن سُرَيْجٍ منهم : أنها تصلي كلَّ يوم وليلة عشر صلوات بستِّ اغتسالات وأربعة وضوآت ، ليسقط الفرضُ عنها بيقين . وفي هذا حَرَج عظيم ، وعُسْرٌ شديد ، والكتاب ناطق بانتفائه عن هذه الأُمَّةً، فكيف تُكلَّف به امرأة ضعيفة مُبْتلاة ، مع أن دين اللَّهِ يسرٌ ، ليس بعسر . وذهبت طائفة : إلى أن المستحاضة تَغتسل كلَّ يوم غُسلاً واحدً ، وروي عن أحمدَ ما يدل على وجوبه . وعند أحمدَ وإسحاقَ : لها أنْ تَجمع بين الصلاتين بغُسل واحد، وفي ذلك أحاديثُ مرفوعةٌ عن النبي وَِّ [مخرَّجة] في ((السنن)). وأما قول النبي وَِّ: ((هذا عرْقٌ)، وتبويبُ البخاري هاهنا على هذه اللفظة، فقد سَبَقَ الكلامُ على معناه مستوفَّى في ((باب: الاستحاضة)). وليس في حديث الزهري الذي خرَّجه البخاري في هذا الباب أن النبي ◌َّ أَمَرَ المستحاضةَ أن تَدَع الصلاةَ أيامَ حيضِها ، كما في حديث هشامٍ بن عُرْوةً وعِراكِ بن مالكٍ ، عن عروةَ ، لكن في حديث هشامٍ: أن النبي وَّ أمر فاطمة بنتَ أبي حُّيْشٍ ، وفي حديث عِراكٍ: أَمَر أَمَّ حبيبةَ بنتَ جحشٍ . وقد ذكر الأوزاعِيّ، عن الزهري في حديثه هذا، أنه وَّر قال لأم حبيبة: ((إذا أقبلت الحيضةُ فدعي الصلاة ، فإذا أَذْبَرَتْ فاغتسلي وصلي)) ، وتَفَرَّد بذلك. وكذلك روى ابنُ عُبَيْنَةَ، عن الزهري ، أن النبي ◌ِّرِ أَمَرَها أن تَدَع الصلاةَ أيامَ أقرائِها، وهو وَهْمَ منه - أيضًا -: قاله الإمام أحمد وأبو داودَ (١) وغيرُهما . (١) في ((السنن)) (٢٨٥). ٥٣٣ ٢٦ - باب عرق الاستحاضة کتاب الحیض ورواه محمدُ بنُ عمرو ، عن الزُّهْرِي ، وزاد فيه : ((إذا كان دمُ الحيض ، فإنه أسودُ يُعْرَف))، وقيل: إنه وَهْمٌ منه - أيضاً -، لكنه جَعَلَه عن عُرْوَةَ، عن فاطمةَ بنتِ أبِي حُبِيْشٍ . ورواه سُهَيْلٌ ، عن الزهري ، عن عُرْوَةً ، عن أسماءَ بنتِ عُمَيْسٍ ، وزاد فيه هذا المعنى - أيضاً . وقد سَبَق ذِكْرُ ذلك في ((باب: الاستحاضة)). والمحفوظ عن الزهري في هذا الحديث : ما رواه عنه أصحابه الحفاظُ ، وليس فيه شيء من ذلك . والله [ سبحانه وتعالى ] أعلم. ٥٣٤ حديث : ٣٢٨ - ٣٣٠ كتاب الحيض ٢٧ - بَابُ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ بَعْدَ الإِفَاضَةِ خرّج فيه حديثين : أحدهما : ٣٢٨ - من حديث: عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُول اللَّهِ: إِنَّ صَفيَّةً قَدْ حَاضَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا، أَلَمْ تَكُنْ طَاقَتْ مَعَكُنَّ؟)) قَالُوا: بَلَى. قَالَ: ((فَاخْرُجِي)(١). والثاني : ٣٢٩ - من حديث: طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا حَاضَتْ . ٣٣٠ - وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ : إِنَّهَا لاَ تَنْفِرُ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: تَنْفِرُ؛ إنَّ رسولَ اللَّهِ رَخَّصِ لَهُنَّ . قد سَبَق أن الحائض ممنوعةٌ من الطواف في حال حيضها ، فإن حاضت قبل طواف الإفاضة فإنها لا تَنْفِر حتى تطوف للإفاضة ، وإن طافت طواف الإفاضة ، ثم حاضت ، فذهب جمهور أهل العلم إلى أنها تَنْفِر ، كما دلت عليه هذه الأحاديث الثلاثةُ - أعني : حديثَ عائشةَ ، وابنٍ عُمَرَ ، وابن عباسٍ . وقد رُوي عن عمرَ ، وابنهِ عبدِ اللَّهِ ، وزيدِ بنِ ثابتٍ ، أنهم قالوا : لا تَنْفِر حتى تَطْهُرَ ، وتطوف للوداع . ووافق جماعةٌ من الأنصار زيد بن ثابت في قوله هذا ، وتركوا قولَ ابنِ عباسٍ . فأما ابن عُمَرَ : فقد صَحَّ عنه برواية طاوس هذه أنه رَجَع عن ذلك . (١) كذا في ((ق))، وفي ((ك)): ((فاخرجن)). وكلاهما من روايات البخاري . ٠ ٥٣٥ ٢٧ - باب المرأة تحيض بعد الإفاضة کتاب الحيض وأما زَيْدٌ: ففي ((صحيح مسلم)) (١) عن طاوُسٍ - أيضًا - ، أنه قال : كنت مع ابن عباس إذ قال زيدُ بنُ ثابت : أتُفتي أنْ تَصْدُرَ الحائضُ قبل أن يكون عهدُها بالبيت ؟ فقال له ابن عباس : إمَّا لا ، فسَلْ فُلانةَ الأنصارية ، هل أَمَرَها بذلك رسول اللَّهُ وَله؟ قال: فَرَجَع زيدٌ إلى ابن عباسٍ يَضحك، وهو يقول: ما أُراك إلا قد صَدَقْتَ . وأما عُمر : فقد روي - أيضًا - أنه رَجَع عما قاله في ذلك ، فروى عبد الرَّزََّقِ ، أبنا محمدُ بنُ راشدٍ ، عن سليمانَ بنِ موسى ، عن نافعٍ ، قال: ردَّ عُمَرُ نساءً من ثَنَّةِ هَرْشَي ، وذلك أنهن أَفَضْنَ يومَ النَّحْرِ، ثم حِضْنَ فَتَفَرْنَ ، فرَدَّهُن حتى يَطْهُرْنَ ويَطُفْنَ بالبيت، قال: ثم بَلَغ عمرَ بعد ذلك حديثٌ [غيرَ)(٢) ما صَنَعِ ، فَتَرَك عمرُ صنيعَه الأولَ . قال : وأبنا محمدُ بن راشد : أخبرني عَبْدَةُ بنُ أبي لُبَابَةَ ، عن هشامِ بنِ يحيى المَخْزُومِيِّ ، أن رَجُلاً من ثَقِيفِ أتى عمرَ بنَ الخطابِ ، فسأله عن امرأة زارت يومَ النحر ، ثم حاضت ؟ قال : فلا تَنْفِر حتى تَطْهُر ، فيكون آخرُ عهدها بالبيت، فقال الرجل: فإن رسول اللّه ◌َ ل﴿ أَمَر في مثل هذه المرأة بغير ما أَفْتَيْتَ، فِضَرَبَهَ عُمر بالدِّرَّة، وقال: ولِمَ تَستفتني في شيءٍ قد أَفتى فيه رسولُ اللَّهِ وَلِّهِ؟! وخرَّجِ الإِسْماعِلِيُّ في ((مسند عمر)) من طريق هشامٍ بنِ عَمَّارِ : ثنا صَدَقَةُ : ثنا الشُّعَيْثِيُّ، عن زُفَرَ بنِ وَثِيْمَةَ، أن رَجُلاً من ثَقِيفِ أتى عمرَ ، فقال : امرأة منَّا حاضت ، وقد أفاضت يوم النحر ؟ فقال : ليكن آخرُ عهدها بالبيت . فقال: إن النبي ◌َّ﴿ أَفتى امرأةً مِنَّا أن تَصْدُرُ، فحَمَل عمرُ عليه ، فضَرَبَه، وقال: تَستفتيني في شيْءٌ قد أَفتى فيه رسول اللَّه ◌َِ(٣)؟! (١) (٤ / ٩٣) . (٢) في الأصلين: ((عمر)) في هذا الموضع، وفي هامش ((ق)): ((لعله: غير)). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١٧٤/٣) من حديث أبي عوانة ، عن يعلى بن عطاء ، بمعناه . ٥٣٦ حديث : ٣٢٨ - ٣٣٠ کتاب الحیض وقد روي على وجه آخر ، خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي(١) من رواية الوليدِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن الحارث بن عبد الله بن أَوْسٍ ، قال : أتيت عمرَ بنَ الخطاب ، فسألتُه عن المرأة تَطُوف بالبيت يوم النحر ، ثم تَحِيض ؟ فقال: لِيكُنْ آخرُ عهدها بالبيت. قال الحارثُ: كذلك أَفتاني رسولُ اللَّهِ وَهِ ، فقال عمرُ: أَرِبتَ عن يديك(٢)، سألتني عن شيْء سألتَ عنه رسول اللَّهُ وَه لكَيْما أُخالف . والولید هذا ، لیس بالمشهور. وخرَّجه الإمام أحمد والترمذي(٣) من طريق آخرَ ، عن الحارث بنِ عبدِ اللَّهِ ابنِ أَوْسٍ ، قال: سمعتُ النبيِ نَّهِ يقول: ((مَنْ حَجَّ هذا البيتَ أو اعْتَمَرَ فليكن آخر عهده بالبيت)). فقال له عمر: خَرَرْتَ من يديك ، سمعتَ هذا من رسول اللَّه ﴿﴿ ولم تُخْبِرنا به. وفي إسناده: حَجَّاجُ بنُ أَرْطاة ، وقد اختُلُف عليه في إسناده (1). وهذه الرواية تدل على أن الحارثَ بنَ أَوْسٍ لم يسمع من النبي ◌َّ في الحائض بخصوصها إذا كانت قد أفاضت : أنها تَحْتَبس لطواف الوداع ، إنما سمع لفظًا عامًا ، وقد صح الإذنُ للحائض إذا كانت قد طافت للإفاضة أنْ تَنْفِر ، فُيُخَصُّ من ذلك العموم ، وعلى هذا عمل العلماء كافَّة من الصحابة فمَن بعدهم. وقد روى عبدُ الرََّّاقِ ، عن الثَّوْرِيِّ، عن أبي فَرْوَةً ، أنه سمع القاسمَ بنَ محمدٍ يقول: رحم اللَّهُ عمرَ، كل أصحابِ محمدٍ بَل قد أمروها بالخروج . (١) أحمد (٤١٦/٣) وأبو داود (٢٠٠٤) والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) (٦/٣). (٢) دعاء عليه، كأنه يقول: سقطتْ آرابه، وهي جمع إرْب، وهو العضو . قاله الخطابي. (٣) أحمد (٤١٦/٣ - ٤١٧) والترمذي (٩٤٦). (٤) والحديث قد استغربه الترمذي وضعفه من هذا الوجه . ٠ ٥٣٧ ٢٧ - باب المرأة تحيض بعد الإفاضة کتاب الحيض يقول : إذا كانت أفاضت(١). وروى بإسناده عن سعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ، أنه ذُكِر له قول عُمَرَ (٢): لا تَنْفِر حتى تَطْهُر لِيكون آخر عهدها بالبيت ، فقال: ما يجعلها حرامًا بعد إذ حَلَّت ، إذا كانت قد طافت يوم النحر فقد حَلَّت ، فلْتَنْفِر . يُشِير سعدٌ إلى أن من طاف طواف الإفاضة فقد حَلَّ الحِلَّ كله ، فلا يكون مُحْتَبسًا بعد حِلِّه ، وإنما يَبقى عليه بقايا من توابع المناسك، كالرَّمْي والمَبِيت بِمنّى وطوافِ الوداع ، فما أَمكن الحائضَ فعلُه من ذلك كالرمي والمبيت فعلتْه ، وما تَعَذَّرَ فِعْلُه عليها كالطواف سَقَط عنها ، ولم يَجُزُ إلزامُها بالاحتباس له . وكل من خالف في ذلك فإنما تَمَسَّك بعمومٍ قد صَحَّ تخصيصُهُ بنصوص صحيحة خاصةٍ بالحائض، ولم يَصِحَّ عن النبي وَّ في الحائض بخصوصها نهيّ أن تَنْفِر . وحديث الرَّجُلِ الثَّقَفِيِّ الذي حدَّث عمرَ بما سمع من النبي وَّر قد روي على ثلاثة أوجه كما سَبَق ، وأسانيده ليست بالقوية ، فلا يكون معارضًا لأحاديث الرخصة للحائض في النَّفْر ؛ فإنها خاصةٌ ، وأسانيدها في غاية الصحة والثّبُوتِ . (١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٧٣/٣) من حديث جرير ، عن أبي فروة به. (٢) في ((ك)): ((ابن عمر)). ٥٣٨ ٢٨ - باب إذا رأت المستحاضة الطهر كتاب الحيض ٢٨ - بَابٌ إِذَا رَأَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ الطُّهْرَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَغْتَسِلُ وتُصَلِّي، وَلَوْ سَاعَةٌ ، وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا إِذَا صَلَّتْ؛ الصَّلاةُ أَعْظَمُ. هذا الأثر ، ذَكَرَه أبو داودَ (١) تَعْلِيقًا، فقال: روى أَنَسُ بنُ سِيرِينَ ، عن ابنِ عباسٍ في المستحاضة ، قال : إذا رأتِ الدمَ البَحْرانيَّ فلا تصلي ، وإذا رأت الطهر ولو ساعةً فلْتَغْتسلْ وتصلي . وقد ذكره الإمام أحمد واستحسنه ، واستدل به وذهب إليه . وقال في رواية الأَثْرَمِ وغيرِه (٢): ثنا إسماعيلُ - هو: ابن عُلَيَّةَ - : ثنا خالدٌ الحَذَّاءُ ، عن أَنْسِ بنِ سِيرِينَ ، قال : استُحيضت امرأةٌ من آل أَنَسِ ، فَأَمَرُوني ، فسألتُ ابنَ عباسٍ ، فقال : أما ما رأت الدمَ البحرانيّ فإنها لا تصلي ، وإذا رأت الطُّهْر ساعةً فلْتَغْتَسلْ ولْتُصَلِّ . قال أحمد : ما أَحْسَنَهُ . والدم البحراني : قيل : هو الأحمر الذي يضرب إلى سواد . وروي عن عائشةَ ، أنها قالت : دم الحيض بحرانيٌّ أسودُ . خرَّجه البخاري في ((تاريخه)(٣). وقيل : البحراني هو الغليظ الواسع الذي يَخرج من قَعْر الرحمِ ، ونُسب إلى البحر لكثرته وسعته . (١) (٢٨٦). وانظر: ((تغليق التعليق)) (١٨٢/٢). (٢) أخرجه الدارمي في ((سننه)) (٢٠٣/١ - ٢٠٤) من حديث يزيد بن زريع ، عن خالد ، به . وابن أبي شيبة (١/ ١٢٠) من حديث ابن عُلِيَّة، عن خالد ، به . (٣) (١/ ١/ ١١٥) ترجمة محمد بن أبي الشمال العطاردي. ٥٣٩ ٢٨ - باب إذا رأت المستحاضة الطهر كتاب الحيض وقول ابنِ عباسٍ : ((إذا رأت الطهر ساعة من نهار فلتغتسل ولتصل))، محمول على غير المستحاضة ؛ فإن المستحاضة تصلي إذا جاوزت أيامَ حيضها ، سواءٌ انقطع دمُها أو لم ينقطع ، وإذا اغتسلت عند انقضاء حيضها وصلَّت ، ثم انقطع دمُها بعد ذلك ؛ فلا غُسل عليها عند انقطاعه ، وإنما يَصِحُ حَمْلُ هذا على الدم الجاري في أيام الحيض ، وأنه إذا انقطع ساعةً فهي طاهر تَغتسل وتصلي ، وسواءٌ كان بعد تمام عادة الحيض أو قبل تمام العادة . وقد ذهب الإمام أحمد إلى قول ابن عباس في هذا ، واستَدل به ، وعليه أكثرُ أصحابِنا . ومنهم من اشتَرَط مع ذلك : أن ترى علامةَ الطهر مع ذلك ، وهو القَصَّة البيضاء ، كما سَبَقَ ذِكْرُها . وعن أحمدَ : لا يكون الطهر في خلال دم الحيض أقلَّ من يوم ، وصَحَّح ذلك بعضُ الأصحاب ؛ فإن دم الحيض لا يستمر جَرَيَانُهُ ، بل يَنقطع تارةً ويَجري تارة ، فإذا كان مدة انقطاعه يومًا فأكثر فهو طهر صحيح ، وإلا فلا . وحكى الطحاوي الإجماعَ على أن انقطاع الدم ساعةً ونحوها لا عبرةَ به، وأنه کالدم المتصل ، وليس كما ادعاه . ومن العلماء : من ذهب إلى أن مدة النقاء في أثناء خلال الدم وإن طالت، إذا عاد الدمُ بعد ذلك في مدة الحيض يكون حيضًا ، لا تصلي فيه ولا تصوم ، وهو قول أبي حنيفةَ وأصحابِه ، والثوري ، وأحدُ قولي الشافعي ، وروى ابنُ منصورٍ عن أحمد نحوَه . وتُعرف المسألةُ بمسألة التَّلْفِيقِ ، ولها فروعٌ وتفاصيلُ كثيرةٌ جدًا . وحينئذ ؛ ففي تبويب البخاري : ((المستحاضة إذا رأت الطهر)) نَظَرٌ، بل الأَوْلَى أن يُقال: ((الحائض إذا رأت الطهر ساعةً)). وإنما اعتمد على لفظ الرواية عن ابن عباسٍ ، ولعل ابنَ عباسٍ أراد أن ٥٤٠ ٢٨ - باب إذا رأت المستحاضة الطهر کتاب الحیض المستحاضة إذا كانت مميِّةً جلست زمنَ دمِها الأسودِ ، فإذا انقطع الأسودُ ولو ساعةً فإنه زمنُ طهرِها ، فتغتسل وتصلي حينئذ . وقد حَمَلَه إسحاقُ بنُ راهويه على مثل هذا ، فقال في رواية حَرَّبٍ - في استدلاله على اعتبار التمييز للمستحاضة بحديث : ((إذا كان دم الحيض ، فإنه أسود يُعرف))، الحديث -، قال: وكذلك روي عن ابن عباس، أنه قال لامرأة مستحاضة: أما ما دامت ترى الدم البحراني فلْتَدَعِ الصلاةَ، فإذا جاوزت ذلك اغتسلتْ وصلَّت. وكذلك وقع في كلام الإمامِ أحمدَ في رواية الشالنجي حمل كلام ابن عباس على مثل هذا ، وهو يرجع إلى أن المستحاضة تعمل بالتمييز ، فتجلس زمن الدم الأسود ، فإذا انقطع عنها ورأت حُمْرَةً أو صُفْرَةً أو كُدْرَةً فإن ذلك طهرها ، فتغتسل حينئذٍ وتصلي . والله أعلم . وأما ما ذكر البخاري ، أنه يأتيها زوجُها إذا صلَّت ؛ الصلاة أعظم ، فظاهرُ سياقٍ حكايته يقتضي أن ذلك من تمام كلام ابن عباسٍ ، ولم نقف على إسناد ذلك عن ابن عباس ، وليس هو من تمام رواية أَنَسِ بنِ سِيرِينَ في سؤاله لابن عباسٍ عن المستحاضة من آل أَنَسٍ . وقد روي عن ابن عباس من وجه آخرَ الرخصةُ في وَطءِ المستحاضةِ من رواية ابن المُبارَكِ، عن أَجْلِح(١)، عن عِكْرِمَةَ ، عن ابن عباس ، قال في المستحاضة : لا بأس أنْ يجامعَها زوجُها(٢). ويُحتمل أن يكون البخاري ذَكَر هذا الكلامَ من عند نفسه بعد حكايته لما قبله عن ابن عباسٍ . وهذا الكلام إنما يُعرف عن سَعِيدٍ بِنِ جَبَيْرٍ : روى وَكِيعٌ، عن سُفيانَ ، عن سالمِ الأَفْطَسِ ، قال : سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ (١) في ((ق)): ((عن أبي صالح)) خطأ. (٢) أخرجه الدارمي في «سننه)) (٢٠٦/١ - ٢٠٧). وعبد الرزاق في ((مصنفه)) (١/ ٣١٠).