النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
٢٠ - باب لا تقضي الحائض الصلاة
کتاب الحيض
وهذا غريب جداً .
وأيوب بن سويد الرَّملي، ضعيف(١).
خرَّج البخاري في هذا الباب :
٣٢١ - حديث: قَتَادَةَ: حَدَّثَنْنِي مُعاذَةُ، أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ: أَتَجْزِي إِحْدَانَا
صَلاَتَهَا إِذَا هِيَ طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةُ أَنْتِ؟ كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِّ ◌َلِ فِلا
يأمُرُنَا بِه - أَوْ قَالَتْ: فَلَاَ نَفْعَلُهُ.
قولها: ((أَتَجزي))، هو بفتح التاء، و((صلاتَها)) بفتح التاء ، والمعنى:
أَتَقْضِي صلاتَها إذا طهرت من حيضها .
وقول عائشةَ: ((أحرورية أنت؟)) - تعني: أنت من أهل حَرُوراءَ ، وهم
الخوارج ؛ فإنه قد قيل : إنَّ بعضهم كان يأمر بذلك ، وقيل : إنها أرادت أنَّ هذا
من جنس تَنَطُعِ الحَرُورِيَّةِ ، وتَعَمُّقِهم في الدِّين حتى خَرَجُوا منه .
ثم ذَكَرَتْ أن النبي ◌َّ﴿ كان لا يأمرهنَّ بذلك إذا حِضْن - أو لا يَفْعَلْنَه - شَكَّ
الراوي أيَّ اللفظتين قالت .
ومعناهما متقارب؛ فإنَّ نساء النبيِّ وَ﴿ إذا كُنَّ يَحِضْنَ في زمانه فلا يَقْضِينَ
الصلاةَ إذا طَهُرْنَ ، فإنما يكون ذلك بإقرار النبي ◌َِّ على ذلك، وأَمْرِه به، فإنَّ
مثل هذا لا يَخفى عليه ، ولو كان القضاء واجبًا عليهنَّ لم يُهْمِل ذلك ، وهو لا
يَغفل عن مثله لشدة اهتمامه بأمر الصلاة .
وقد خرَّج هذا الحديثَ مسلمٌ في (صحيحه))(٢) بلفظ: ((ثم لا نُؤْمر بالقضاء)» -
من غير تردد ، وخرَّجه بلفظ آخر ، وهو: ((كان يُصيبنا ذلك على عهد رسول اللَّه
وَ ◌ّ فنؤمر بقضاء الصوم ، ولا نؤمر بقضاء الصلاة)).
(١) والحديث محفوظ بغير هذه الزيادة المنكرة التي في آخره، وانظر: ((السلسلة الصحيحة))
(٦٠٦) و((الإرواء)) (٢٩٤) (٥٤٠) .
(٢) (١/ ١٨٢) .

٥٠٢
حديث : ٣٢١
كتاب الحيض
وقد حكى غيرُ واحدٍ من الأئمة إجماعَ العلماء على أن الحائض لا تقضي
الصلاة، وأنهم لم يختلفوا في ذلك، منهم : الزُّهرِي ، والإمامُ أحمدُ،
وإسحاقُ بنُ راهويه ، والتِّرْمِذِيُّ، وابنُ جَرِيرٍ ، وابنُ المُّنْذِرِ وغيرُهم .
وقال عَطَاءٌ وعِكْرِمَةُ : قضاءُ الحائضِ الصلاةَ بِدْعة .
وقال الزُّهْرِيُّ : أَجْمَعَ الناسُ على أن الحائض تَقضي الصومَ ولا تقضي
الصلاة ، وقال : وليس في كل شيء نجدُ الإسنادَ .
وقد حُكي عن بعض الخوارج : أنَّ الحائض تقضي الصلاة ، وعن بعضهم:
أنها تصلي في حال حيضها .
ولكن في ((سُنَّن أبي داود)) بإسناد فيه لينٌ (١)، أنَّ سَمُرَةَ بنَ جُنْدَبٍ كان يأمر
النساء بقضاء صلاة الحيض .
وقد ذكر البخاري في ((الصيام)) من ((كتابه)) هذا(٢) عن أبي الزناد ، أنه قال:
إن السُّنَنَ وَوُجُوهَ الحقِّ لتأتي كثيرًا على خلاف الرأي ، فلا يجد المسلمون بُدًا من
اتباعها ؛ من ذلك أن الحائض تقضي الصوم دون الصلاة .
وهذا يدل على أن هذا مما لا يدرك بالرأي ، ولا يهتدي الرأي إلى وجه
الفرق فيه .
وقد فرَّق كثير من الفقهاء من أصحابنا وأصحاب الشافعي بين قضاء الصوم
والصلاة ، بأن الصلاة تتكرر كل يوم وليلة خمسَ مراتٍ ، والحيض لا يخلو منه
كلُّ شهر - غالبًا - ، فلو أُمِرَت الحائض بقضاء الصلاة مع أمرها بأداء الصلاة في
أيام طُهْرُها لَشَقَّ ذلك عليها ، بخلاف الصيامِ ؛ فإنه إنما يَجِيءُ مرةً واحدةً في
السَّنة ، فلا يَشُقُّ قضاؤه .
(١) في ((ق)): ((بإسناد لين)).
(٢) (٤/ ١٩١ - فتح) .

٥٠٣
٢٠ - باب لا تقضي الحائض الصلاة
کتاب الحیض
ومنهم من قال : جِنْسُ الصلاة يَتكرر في كل يوم من أيام الطهر ، فيُغني ذلك
عن قضاء ما تركتْه منها في الحيض ، بخلاف صيام رمضان ؛ فإنه شهرٌ واحد في
السنة لا يَتَكَّرر فيها ، فإذا طهرت الحائض أُمِرَتْ بقضاء ما تركتْه أيامَ حيضِها ؛
لتأتي بتمام عِدَّتَّه المفروضة في السَّنَة ، كما يؤمر بذلك مَن أَفطر لسفر أو مرض.
وإنما يَسقط عن الحائض قضاءُ الصلاة التي استغرق حيضُها وقتَها ، ولم تكن
مجموعةً إلى ما قبلها أو بعدها ، فإن لم يَستغرق حيضُها وقتَ الصلاة ، بل
طهرت في آخر الوقت ، أو حاضت بعد مُضِيِّ أولِه ، ففي لزومٍ قضائِها لها
خلافٌ ، يأتي ذكره في ((كتاب الصلاة)) - إن شاء اللَّه تعالى.
وكذلك لو طهرت في آخر وقتٍ صلاةٍ تُجمع إلى ما قبلها ؛ مثل أنْ تَطْهُرَ في
آخر وقت العصر أو العشاء ، فهل يلزمها قضاءُ الظهر والمغرب ؟ فيه - أيضًا -
اختلاف(١)، يذكر في ((الصلاة)) - إن شاء اللَّه تعالى.
وإن حاضت في أول وقتٍ صلاةٍ تُجمَع إلى ما بعدها ، ففي لزوم القضاء لما
بعد الصلاة التي حاضت في وقتها اختلاف - أيضاً - ، والقول بوجوب القضاء هنا
أَبْعَدُ من التي قبلها .
(١) في ((ق)): ((خلاف)).

٥٠٤
حديث : ٣٢٢
کتاب الحیض
٢١ - بَابُ
النَّوْمِ مَعَ الحَائِضِ وَهِيَ فِي ثِيَبِهَا
خرَّج فيه :
٣٢٢ - حديث: يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زَيّنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ،
حَدَّثَتْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: حِضْتُ وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ لِ فِي الخَمِيلَةِ ، فَانْسَلَلْتُ ،
فَخَرَجْتُ مِنْهَا، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حَيْضَتِي، فَبِسْتُهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ الَّهِ:
(ُفِسْتِ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي فَأَدْخَلَنِي مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ .
قَالَتْ: وَحَدِِّي أَنَّ النِّّ: ﴿ كَانَ يُقْبِلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَِّيُّ
﴿ مِنْ إِناءِ وَاحِدٍ مِنَ الجَنَابَةِ .
أول هذا الحديث قد خرّجه البخاري فيما تَقَدَّم في «باب: من سَمَّى النفاسَ
حَيْضًا))، وسَبَقَ الكلامُ هناك على شَرْحِه وضَبْطِ مُشْكلِ أَلْفاظِهِ .
وإنما أعاده هنا ؛ لأنه استنبط منه جوازَ نومِ الرَّجُلِ مع امرأته وهي حائض
في ثياب حيضها في لِحاف واحد ، وقد سبق القولُ في ذلك مستوفّى في ((باب:
مباشرة الحائض)) .
ويَختص هذا البابُ : بأن ثياب الحائض وإن كانت مختصةً بحال حيضها فلا
يجب اتقاؤها والتَّتَزَّهُ عن ملابستها، وأنه لا تُنجسُ ما أصابها (١) من جسد الرجل
أو ثيابِه ، ولا يَغسل من ذلك شيئًا ما لم يَرَ فيه دمًا ، وقد سَبَق هذا المعنى
مبسوطًا في ((باب: هل تصلي المرأةُ في ثوبٍ حَاضت فيه؟)).
وذكرنا فيه حديثَ عائشةً، قالت: كنتُ أنا ورسول اللَّهِ وَلّر في الشِّعار
الواحد ، وأنا حائض طامِثٌ ، فإن أصابه منِّي شيْءٌ غَسَل ما أصابه ، لم يَعْدُه إلى
(١) كذا، والأشبه: ((وأنها لا تنجس ما أصابت)).

٥٠٥
٢١ - باب النوم مع الحائض وهي في ثيابها
کتاب الحيض
غيره ، ثم صَلَّى فيه .
خرَّجه النسائي(١) .
وأما باقي هذا الحديث، فقد تَقَدَّم الكلامُ على اغتسال النبي ◌ِِّ وبعضِ
أزواجه من إناء واحد من الجنابة في موضعه من الكتاب ، ويأتي الكلامُ على
القُبْلَة للصائم من موضعها مِنَ («الصيام)) - إن شاء اللَّه تعالى.
(١) (١٨٨/١ - ١٨٩) .

٥٠٦
حديث : ٣٢٣
كتاب الحيض
٢٢ - بَابُ
مَنِ اتَّخَذَ ثِيَابَ الْحَيِّ سِوَىَ ثِيَابِ الطُّهْرِ
خرَّج فيه :
٣٢٣ - حديثَ: أُمِّ سَلَمَةَ - بالإسناد المتقدُّم -؛ قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ وَّ
مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيلَةِ حِضْتُ ، فانْسَلَلْتُ ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حَيْضَتِي ، فَقَالَ:
((نْفِسْتِ؟) فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَدَعَانِي، فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ .
قد سَبَقَ حديثُ عائشةَ، قالت: ((ما كان لإحدانا إلا ثوب واحدٌ تَحیض فیه)).
وقد خرَّجه البخاري في ((باب: هَلْ تُصَلِّي المرأةُ فِي ثَوْبِ حاضت فيه؟))(١).
وسَبَقَ هناك أحاديثُ متعددةٌ بهذا المعنى .
وظاهرُ حديثٍ أُمِّ سَلَمَةَ هذا : يدل على أنه كان لها ثيابٌ لحيضها غیرَ ثیابٍ
طُهْرِها ، فيكون هذا كلُّه جائزاً غيرَ ممنوعٍ منه ولا مكروه ، فلا يكره أن تحيض
المرأة وتطهر في ثوب واحد وتصلي فيه ، ولا أنْ تَتَّخِذ لحَيضها ثيابًا غيرَ ثيابِ
طُهْرِها ، ولا يُعَدُّ ذلك سَرَفًا ولا وَسواسًا .
ويحتمل أن يُجْمَعَ بين الحديثين بأن يكون المرادُ بثياب الحيضة في حديث
أُمّ سَلَمَةَ : الإزارَ التي كان النبي ◌ِِّ يأمر الحائض في فَوْر حيضها أنْ تَأْتَزِر به ،
ثم يُباشرها وهي حائض ، كما رَوَتْ ذلك عائشةُ وميمونةُ ، وقد سَبَقَ حديثُهما في
((باب: مباشرةِ الحائضِ))، فيُجْمَع بذلك بين حديث عائشة: ((ما كان لإحدانا إلا
ثوبٌ واحد تَحيض فيه)) ، وبين حديثها الآخر في أمرها بالاتِّزار في فَوْر الحيض .
(١) برقم (٣١٢) .

٥٠٧
٢٣ - باب شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين
كتاب الحيض
٢٣ - بَابُ
شُهُودِ الحَائِضِ الْعِيدَيْنِ ودَعْوَةَ المُسْلِمِينَ وَيَعْتَزِنَ الْمُصَلَّى
٣٢٤ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَاَمٍ: ثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَبُّوبَ، عَنْ حَقْصَةَ ،
قَالَتْ : كُنَّا نَمْنَعُ عَوَتِقْنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فِي الْعِيدَيْنِ ، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي
خَلَفْ، فَحَلََّتْ عَنْ أُخْتِهَا - وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا غَزَ مَعَ النَِّيِِّ﴿ ◌ِنَْيْ عَشَرَةَ، وَكَانَتْ
أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتِّ-، قَالَتْ: كُنَّا نُدَوِي الْكَلِمَى، وَنَقُومُ عَلَى المَرْضَى ، فَسَأَلَتْ
أُخْتِي النَِّيَّنَ﴿: أَعَلَى إِحْدَانَا بَاسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أنْ لاَ تَخْرُجَ ؟ قَالَ :
(لْتُلْبِسْهَا صاحِبْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا وَلَشْهَدِ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ». فَلَمَّا قَدَمَتْ
أُّ عَطِيّةَ سَالْتُهَا: أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَتْ: بِأَبَا، نَعَمْ - وَكَانَتْ لاَ تَذْكُرُ إِلَّ
قَالَت: بِأَبِي - سَمِعْتُ يَقُولُ: ((يَخْرُجُ العَوَِقُ وَذَواتُ الخُدُورِ - أَوِ العَوَتَقُ ذَوَاتُ
الخُدُور - وَالحُيَّضُ، وَلَيَشْهَدْنَ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ، ويَعْتَزِلُ الحَيَضُ المُصَلَّى)).
قَالَتْ حَقْصَةُ: فَقُلْتُ: الحُيَّضُ؟ فَقَالَتْ: أَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وكذا وكذا ؟
(حفصة)، هي : بنت سِيرِينَ أختُ محمدٍ وإخوتِهِ .
و((العوائق)): جَمع عاتِقٍ ، وهي البِكْرُ البالِغِ التي لم تُزَوَّج .
و((الجلباب)): هي المُلَاءَةُ المُغَطَيَةُ للبدن كلِّه ، تُلْبَس فوقَ الثيابِ ، وتُسَمِّيها
العامَّةُ : الإزار ، ومنه قولُ اللَّه عز وجل: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِهِنَّ﴾.
وفي الحديث : أَمرٌ للنِّساءِ بشهود العيدين ، معللاً بما فيه من شهود الخير
ودعوة المسلمين ، ويأتي استيفاءُ الكلامُ على ذلك في موضعه من ((الصلاة)) - إن
شاء اللّه تعالى .
وإنما المقصود هنا : شهود الحُيَّضِ ، وقد استَنكرتْ ذلك حفصةُ بنتُ

٥٠٨
حديث : ٣٢٤
كتاب الحيض
سِيرِينَ ، فأجابتها أمُّ عَطِيَّةَ بأن الحائض تَشهد عرفةَ وكذا وكذا ، كأنها تعني :
مجامعَ الحِجِّ من الوقوف بِالمُزْدَلِفَة ، ورَمْيِ الجِمار وغيرِ ذلك ، فإنها تَصنع ما
يَصنع الحاجَّ غيرَ الطواف بالبيت ، كما سَبَق ، فكذلك تَشهد مَجْمَعَ العيدين وهي
حائض ؛ لأنها من أَهل الدعاء والذِّكْر ، فلها أنْ تفعل ذلك بنفسها ، وتَشهد
مجامعَ المسلمين المشتملةَ عليه .
وأما أَمْر الحائض باعتزال المصلَّى ، فقد قيل : بأن مصلى العيدين مسجد ،
فلا يجوز للحائض المُكْثُ فيه ، وهو ظاهر كلام بعض أصحابنا ، منهم : ابن
أبي موسى في ((شرح الخِرَقِي))، وهو - أيضًا - أحد الوجهين للشافعية، والصحيح
عندهم : أنه ليس بمسجد ، فللجنب والحائض المكثُ فيه .
وأجابوا عن حديث الأمر باعتزال الحَيَّضِ للمصلَّى: بأن المراد أنْ يَتَّسعَ على
غيرهنَّ، ويَتَمَيِّزْنَ .
٠٠
وفي هذا نظرٌ ؛ فإنَّ تَميَّزَ الحائض عن غيرها من النساء في مَجْلِسٍ وغيره ليس
بمشروع ، وإنما المشروع تَمَيُّزُ النساءِ عن الرجال جُمْلَةً ؛ فإنَّ اختلاطهن بالرجال
يُخشى منه وقوعُ المفاسد .
وقد قيل : إن المصلَّى يكون له حكمُ المساجد في يوم العيدين خاصةً ، في
حال اجتماع الناس فيه دون غيره من الأوقات .
وفي ذلك - أيضًا - نظر ، والله أعلم .
والأظهر : أنَّ أَمْرَ الحُيَّضِ باعتزال المصلَّى إنما هو حال الصلاةِ ؛ ليتسع
على النساء الطاهرات مكانُ صلاتِهِن ، ثم يَخْتَلِطْنَ بهنَّ في سماع الخُطْبَةِ .
وقد صَرَّح أصحابنا : بأن مصلى العيدِ ليس حُكْمُهُ حُكْمَ المسجد ، ولا في
يوم العيد ، حتى قالوا : لو وَصَل إلى المصلَّى يوم العيد والإمام يخطب فيه بعد
الصلاة ؛ فإنه يجلس من غير صلاة ؛ لأنه لا تحيةَ له .

٥٠٩
٢٣ - باب شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين
کتاب الحيض
واختلفوا : لو كان يخطب في المسجد : هل يصلي التحية ؟ على وجهين .
وقول أُمِّ عَطِيَّةَ: ((بأَب)) هو بفتح الباء الثانية ، وقد رَعَم بعضُهم أن حديث أم
عطية لم يَرِد إلا كذلك .
وهما لغتان : ((بأَبِي)) بكسر الباء، و((بأبًا)) بفتح الباء .
والمراد : تَفْدِيَةُ النبيِّ وَِّ بأبيها .

٥١٠
٢٤ - باب إذا حاضت في شهر ثلاث حیض
كتاب الحيض
٢٤ - بَابٌ
إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرِ ثَلاَثَ حَيَض ، وَمَا يُصَدَّقُ النِّسَاءُ
فِي الحَيِّ وَالْحَمْلِ فِمَا يُمَّكِنُ مِنَ الحَيْضِ
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ}
[البقرة: ٢٢٨] .
وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ وَشُرَيْحٍ: إِنْ جَاءَتْ بَِّةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا - مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ -.
أَّهَا حَاضَتْ ثَلاَثًا فِي شَهْر ؛ صُدِّقَتْ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: أَقْرَاؤُهَا مَا كَانَتْ.
وَبَهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ .
وَقَالَ عَطَاءٌ : الْحَيْضُ يَوْمٌ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ .
وَقَالَ الْمُعْتَمِرُ ، عَنْ أَبِيهِ : سَأَلْتُ ابْنَ سِيرِينَ عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَىَ الدَّمَ بَعْدَ قُرْتُهَا
بِخَمْسَةٍ أَيَّامٍ؟ قَالَ : النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ .
أما قول الله عز وجل: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾
[البقرة: ٢٢٨]، فإنه يدل على أن المرأة مؤتمنةٌ على الإخبار بما في رَحِمها ،
ومُصَدَّقَةٌ فيه إذا ادَّعَتْ من ذلك مُمْكِنًا .
روى الأَعْمَشُ، عن مُسْلِمٍ ، عن مَسْرُوقٍ ، عن أَبَيِّ بنِ كَعْبٍ ، قال : إن
من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فَرْجِها (١).
وقد اختلف المفسرون من السَّلَف فَمَن بَعْدَهم في المراد بقوله تعالى :
(١) في ((ق): ((رحمها).
والأثر أخرجه الطبري في تفسيره» (٣٩/٢٢) من حديث أبي بن كعب، وفيه: ((فرجها)).
وأورده الحافظ ابن كثير في ((تفسيره» - أيضاً - (٦/ ٤٧٧).
١

٥١١
٢٤ - باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض
کتاب الحیض
﴿ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾، ففَسَّرَه قَوْمٌ بِالحَمْلِ ، وفسَّرِه قومٌ بالحيض .
وقال آخرون: كل منهما مُرادٌ ، واللَّفْظ صالح لهما جميعًا. وهذا هو المروي
عن أكثرِ السلف ، منهم : ابن عمر ، وابنُ عباس ، ومجاهدٌ ، والحَسَنُ ،
والضَّحاكُ (١).
وأما ما ذَكَرَه عن عَلِيٍّ وشُرَيْحٍ :
فقال حَرْبٌ الكِرْمانِيَّ: ثنا إسحاقُ - هو: ابن راهويه - : ثنا عيسى بن يُونُسَ،
عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن الشَّعْبِيِّ، أنَّ امرأة جاءت إلى عليٍّ بنِ أبي طالبٍ،
فقالت : إني طُلَّقْتُ ، فَحِضْتُ في شهرٍ ثلاثَ حِيَضٍ ؟ فقال عليٌّ لشريح: قُلْ
فيها ، فقالَ : أقول فيها وأنت شاهد ! قال : قُلْ فيها ، قال : إنْ جاءت ببطانة
من أهلها ممن يُرضى دينُهنَّ وأمانتهن فقلن : إنها حاضت ثلاثَ حِيَضٍ طَهُرَتْ
عند كل حيضة ؛ صُدِّقَتْ . فقال علي: قالون . قال عيسى : بالرُّومِيَّة : أصبتَ.
قال حَرْبٌ: وثنا إسحاقُ : أبنا محمدُ بن بكرِ : ثنا سَعِيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ ، عن
قَتَادَةَ، عن عَزْرَةً، عن الحَسَنِ العُرَنِيِّ ، أنّ امرأةً طلَّقها زوجُها ، فحاضت في
خَمس وثلاثين ليلةً ثَلاثَ حِيَض ، فرُفعتْ إلى شُرَيْحٍ فلم يَدْرِ ما يقول فيها ، ولم
يَقُل شيئًا ، فرُفعت إلى عليٌّ بنِ أبي طالبٍ ، فقال: سَلُوا عنها جاراتها ، فإن
كان هكذا حيضُها فقد انْقَضَتْ عدَّتُها ، وإلا فأشهرٌ ثلاثٌ .
وهذا الإسناد فيه انقطاعٌ؛ فإن الحسن العُرني لم يدرك عليًا - : قاله أبو حاتم
٠
الرازِئُّ .
وأما الإسناد الذي قبله ، فإن الشَّعْبِيَّ رأى عليًا يَرْجُمْ شُراحة ووَصَفَه . قال
يَعْقُوبُ بنُ شَيْبَةً: لكنه لم يُصَحَّح سماعُه منه(٢) .
(١) انظر ((تفسير الطبري)) (٥١٨/٤ - ٥٢١).
(٢) يعني: غير قصة الرجم هذه، وقد أخرجها البخاري في ((الصحيح)) (٦٨١٢).
وقال الدارقطني في ((العلل)) (٩٧/٤): ((سمع منه حرفًا، ما سمع غير هذا)) - يعني: قصة الرجم.
وانظر: ((تغليق التعليق)) (١٧٩/٢).

٥١٢
٢٤ - باب إذا حاضت في شھر ثلاث حیض
كتاب الحيض
وأما ما ذكره البخاري عن عَطاء (١) والنَّخَعِيِّ (٢):
فروى ابن المُبارَكِ، عن ابن لَهِيعَةَ، عن خالدِ بن يَزِيدَ، عن عَطَاءٍ ، في امرأةٌ
طُلِّقت، فتابعت لها ثلاث حيض في شهر: هل [حلَّت]؟ قال: أَقْراؤها ما كانت .
ورُوي نحوه عن النَّخَعِيِّ ، كما حكاه البخاري ، وحكاه عنه إسحاقُ بنُ
راهويه(٣).
فهؤلاء كلهم يقولون : إن المرأة قد تنقضي عدتُها بثلاثة أقراء في شهر
واحد، وهو قول كثير من العلماء ، منهم : مالكٌ ، وأحمدُ ، وإسحاقُ وغيرهم.
وهذا ينبني على أصلین :
أحدهما : الاختلاف في الأقراء : هل هي الأطهار ، أو الحِيَض ؟ وفيه
قولان مشهوران .
ومذهب مالك والشافعي : أنها الأطهار ، ومذهبُ أحمدَ - الصحيحُ عنه - ،
وإسحاقَ : أنها الحِيَض ، وستأتي المسألةُ مستوفاةً في موضعٍ آخرَ من الكتاب -
إن شاء اللَّه تعالى .
والثاني : الاختلاف في مُدَّة أقلِّ الحيض وأقل الطهرِ بين الحيضتين .
فأما أقل الحيض : فمذهب الشافعي وأحمدَ - المشهورُ عنه - وإسحاقَ : أنه
يوم وليلة .
وأما أقل الطهر بين الحیضتين: فمذهب الشافعي وأحمد - في رواية عنه -:
أنه خمسةَ عشرَ يومًا ، وهو قول كثير من أصحاب مالك .
والمشهور عن أحمدَ : أنَّ أقله ثلاثة عشر يومًا .
وعند إسحاقَ: أقله عشرة أيام - : نقله عنه حَرْبٌ .
وهو رواية ابنِ القاسِمِ ، عن مالك .
(١) ((المصنف)) لعبد الرزاق (٣١١/٦) من حديث ابن جريج، عن عطاء.
(٢) ((المصنف)) لعبد الرزاق (٣١٢/٦).
(٣) انظر: ((تغليق التعليق)) (٢ /١٨٠).

٥١٣
٢٤ - باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض
کتاب الحیض
واختلفت الروايةُ عن مالك في ذلك .
فعلى قول من قال : الأقراء الحَيَض ، وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر
يومًا ، فيمكن انقضاء العدة بثلاثة قُروء في تسعة وعشرين يومًا .
وعلى قول من قال : الأقراء الحِيَض ، وأقل الطهر خمسةَ عشرَ فلا تنقضي
العدةُ في أقل من ثلاثة وثلاثين يوماً .
وأما على قول من يقول : الأقراء الأطهار : فإن قيل : بأن أقل الطهر بين
الحيضتين ثلاثة عشر ؛ فأقل ما تَنقضي فيه العدةُ بالأقراء ثمانية وعشرون يومًا .
وإن قيل : أقل الطهر خمسة عشر ؛ فاثنان وثلاثون يومًا .
فأما مالك وأصحابه ، فقال ابن القاسم : سألت مالكًا : إذا قالت : قد
حِضْتُ ثلاث حِيَض في شهر ؟ قال : تُسأل النساء عن ذلك ، فإن كنَّ يَحضْنَ
كذلك ويطهرن له ؛ كانت مصدقة .
وهذا هو مذهب مالكِ المذكورُ في (المُدَوَّنَة)»، واختاره الأبْهُرِيُّ من
أصحابه ، وبناه على أنَّ الحيض لا حَدَّ لأقله ، بل أقله دفقةٌ وأقل الطهر بين
الحيضتين خمسة عشر .
ومن المالكية من قال : يُقْبل في أربعين يومًا ، فاعتبر أقلَّ الطهر وخمسةَ أيام
من كل حيضة . ومنهم من قال : تَنقضي في ستة وثلاثين يوماً ، فاعتبر أقل
الطهر وثلاثة أيام للحيضة .
فلم يَعتبر هذا ولا الذي قبله أقلَّ الحيض ولا أكثره .
وقد ينبني الذي نقله ابن القاسم ، عن مالك ، على قوله : إنه لا حَدَّ لأقل
الطهر بين الحيضتين ، بل هو على ما تَعرف المرأة من عادتها .
وهو رواية منصوصة عن أحمد ، اختارها أبو حَفْصِ البَرْمكِيُّ من أصحابنا ،
وأَوْرَدَ على نفسه : أنه يَلْزَم على هذا أنها إذا ادَّعَتْ انقضاءَ العدة في أربعة أيام

٥١٤
٢٤ - باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض
كتاب الحيض
قُبِل منها ، فأجاب : أنه لا بد من الأقراء الكاملة ، وأقلَّ ما يمكن في شهر .
كذا قال .
ونقل الأَثْرَمُ عن أحمد ، أنه لا توقيتَ في الطهر بين الحيضتين ، إلا في
موضع واحد : إذا ادَّعَتْ انقضاءَ عدتها في شهر ؛ فإنها تُكَلَّفَ البَيْنَةُ.
ونَقَلَ ابنُ عبدِ البَرِّ : أن الشافعي قال : أقل الطُّهْرِ خمسةَ عشرَ ، إلا أنْ يُعْلَمَ
طُهْرُ امرأة أقلّ من خمسة عشر ، فيكون القول قولها .
ومذهب أبي حنيفة : لا تُصَدَّق في دعوى انقضاء العدةِ في أقل من ستين
يومًا ، واختلف عنه في تعليل ذلك :
فَقَل عنه أبو يوسف : أنها تَبدأ بطهرٍ كامل(١) خمسة عشر يومًا، وتَجعل كلّ
حيضة خمسة أيام ، والأقراء عندهم : الحِيَض .
ونقل عنه الحَسَن بن زيادٍ : أنه اعتبر أكثر الحيض - وهو عشرة أيام عندهم -
وأقل الطهر - وهو خمسة عشر - وبدأ بالحيض .
وقال صاحباه أبو يوسفَ ومحمدٌ: لا تُصَدَّقُ إلا في كمال تسعة وثلاثين يومًا،
بناءً على أقلِّ الحيض ، وهو عندهم ثلاثةٌ ، وأقلِّ الطهر ، وهو خمسةَ عشرَ .
وقال سفيان الثَّوْرِيُّ : لا تصدق في أقل من أربعين يومًا ، وهو أقل ما
تَحيض فيه النساءُ وتطهر . وهذا كقول أبي يوسفَ ومحمدٍ .
وعن الحَسَنِ بنِ صالحٍ : لا تُصَدَّق في أقل من خمسة وأربعين يوماً - : نقله
عنه الطَّحاوِيُّ .
وقال حَرْبُ الكِرْمانِيُّ : ثنا إسحاقُ : ثنا أبي ، قال : سألتُ ابنَ المبارَك
فقال: أَرَأَيْتَ قولَ سُفْيانَ : تُصَدَّق المرأةُ في انقضاء عِدَّتّها في شهر ، كيف هذا ؟
وما معناه ؟ فقال : جَعل ثلاثًا حَيَضًا، وعشرًاً طهراً، وثلاثًا حيضًا ، كذا قال.
وقد ذكر بعض أصحاب سفيان في مُصَنَّفٍ له على مذهبه روايةَ ابنِ المباركِ
(١) في ((ق): ((تام)).

٥١٥
٢٤ - باب إذا حاضت في شهر ثلاث حیض
كتاب الحيض
هذه عن سفيان : أنها لا تصدق في أقل من تسعة وثلاثين يومًا ، وعزاها إلى
الطحاوي ، ووَجَّهَهَا بأن أقل الحيض ثلاثةُ أيام وأقلَّ الطهر خمسةَ عشرَ . قال :
ورواية المُعافَى والفِرْيابِيِّ عن سفيانَ ، أنها لا تُصَدَّق في أقل من أربعين يومًا .
قال : وهما بمعنى واحدٍ .
وأما إسحاقُ بنُ راهويه ، فإنه حَمَل المرويَّ عن عليٍّ في ذلك على أنه جعل
الطهر عشرة أيام ، والحيض ثلاثة ، لكن إسحاقَ لا يَرَى أن أقل الحيض ثلاثٌ .
ولم يَذْكُرْ أكثر هؤلاء أنَّ قَبُولَ دعواها يحتاج إلى بيَّةٍ ، وهو قول الخِرَقِيِّ من
أصحابنا .
والمنصوص عن أحمدَ : أنَّ دعوى انقضاءِ العدة في شهر لا تُقْبل بدون بيِّنَّة،
تشهد به من النساء ، ودعوى انقضائها في زيادة على شهر تُقْبَل بدون بينة ؛ لأن
المرأة مؤتمنةٌ (١) على حيضها كما قال أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ وغيرُه ، وإنما اعتبرنا البينة في
دعواها في الشهر خاصةً للمروي عن عليٌّ بن أبي طالبٍ ، كما تقدم .
ومن أصحابنا من قال : إن ادعته في ثلاثة وثلاثين يومًا قُبل بغير بينة ؛ لأن
أقل الطهر المتفق عليه خمسة عشر يومًا ، وإنما يَحتاج إلى بينة إذا ادعته في تسعة
وعشرين ؛ لأنه يُمْكِن ؛ فإن أقل الطهر ثلاثة عشر في رواية .
ومنهم من قال : إنما يُقبل ذلك بغير بينة في حق من ليس لها عادةٌ مستقرة ،
فأما من لها عادةٌ منتظمة فلا تُصَدَّق إلا ببينة على الأصح ، كذا قاله صاحب
(التَّرْغِيبِ» .
وقال ابنُ عقيلٍ في ((فُونه)) : ولا تقبل مع فساد النساء وکثرة کذبهن دعوى
انقضاءِ العدَّةِ في أربعين ولا خمسين [ يومًا]، إلا بيِّنَة تشهد أن هذه عادتها ، أو
أنها رأت الحيضَ على هذا المقدار ، وتكرَّر ثلاثًا .
(١) في ((ك)): ((مأمونة)).

٥١٦
٢٤ - باب إذا حاضت في شهر ثلاث حیض
کتاب الحيض
وقال إسحاقُ وأبو عُبَيْدٍ : لا تُصَدَّق في أقل من ثلاثة أشهر ، إلا أن تكون
لها عادةٌ معلومة قد عرفها بطانة أهلها المرتضى دينُهنَّ وأمانتهنَّ فيعمل بها حينئذٍ،
ومتى لم يكن كذلك فقد وقعت الرِّيبة ، فيُحتاط وتُعْدَل الأقراءُ بالشهور ، كما في
حق الآيسَة والصغيرة .
وأما ما حكاه البخاري عن عَطاء ، أن الحيض يومٌ إلى خمسةَ عشرَ ، فهذا
معروف عن عطاء(١).
وقد اختلف العلماء في أقل الحيض وأكثرِه :
فأما أقلُّه :
فمنهم من قال : يوم ، كما رُوي عن عطاء . ومنهم من قال : يوم وليلة،
وروي - أيضًا - عن عطاء .
ورُوي - أيضًا - مثل هذين القولين عن الأَوْزاعِيِّ والشافعيِّ وأحمدَ ، فقال
كثير من أصحابهم : إنهما قولان لهم ، ومن أصحابنا وأصحاب الشافعي من قال:
إنما مراد الشافعيّ [وأحمدَ ] (٢) يوم مع ليلته ؛ فإن العرب تَذكر اليوم كثيرًاً
ويريدون : مع ليلته . وممن قال : أقله يوم وليلة : إسحاقُ وأبو ثَوْرٍ .
وقالت طائفة : لا حَدَّ لأقله ، بل هو على ما تعرفه(٣) المرأة من نفسها ،
وهو المشهور عن مالك ، وقول أبي داودَ وعليِّ بن المَدِينيِّ ، وروي عن
الأَوْزاعِيِّ - أيضًا .
ونَقَل ابنُ جَرِيرِ الطََّرِيُّ عن الرَّبِيعِ ، عن الشافعي ، أن الحيض يكون يومًا
[ وأقلَّ] (٢) وأكثر. قال الربيع : وآخر قولي الشافعي : أن أقلَّه يوم وليلة .
(١) وانظر: ((تغليق التعليق)) (٢/ ١٨٠ - ١٨١).
(٢) من ((ق)).
(٣) في ((ق)): ((على معرفة)).

٥١٧
٢٤ - باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض
کتاب الحيض
وقال أبو حنيفةَ وأصحابهُ والثَّوْرِيُّ : أقله ثلاثةُ أيام .
وروي ذلك عن ابن مسعودٍ وأنَسٍ من قولهما ، وروي - مرفوعًا - من طُرق،
والمرفوع كلُّه باطل لا يصح ، وكذلك الموقوف طرقه واهية ، وقد طَعَن فيها غيرُ
واحد من أئمة الحفاظ .
وقالت طائفة : أقله خمسة أيام ، وروي عن مالك .
ولم يصح عند أكثر الأئمة في هذا الباب توقيتٌ مرفوع ولا موقوف ، وإنما
رجعوا فيه إلى ما حكي من عادات النساء خاصة ، وعلى مثل ذلك اعتمد الشافعي
وأحمد وإسحاقُ وغيرهم .
وأما أكثرُ الحيض :
فقال عَطَاءٌ : هو خمسةَ عشرَ يومًا . وحكي مثله عن شَرِيكٍ والحَسَن بنِ
صالحٍ ، وهو قول مالك والشافعيِّ وأحمدَ - في المشهور عنه - وإسحاقَ وداودَ
وأبي ثَوْرٍ وغيرهم :
ومن أصحابنا والشافعية من قال : خمسة عشر يومًا بلياليها ، قال بعض
الشافعية : وهذا القيد لا بد منه ، لتَدخل الليلةُ الأولى، والاعتماد في ذلك على
ما حكي من حيض بعض النساء خاصة .
وأما الرواية عن النبي ◌َّهِ، أنه قال في نقصان دِينِ النساء: ((تَمْكُث شَطَرَ
عُمُرُها لا تُصَلِّ)) فإنه لا يصح، وقد طَعَن فيه ابنُ مَنْدَه والبَيْهَقِيَّ (١) وغيرهما من
الأئمة .
وقالت طائفة: أكثره سبعة عشر، حكي عن عبد الرحمن بن مَهْدِيٌّ وعبد اللَّهِ
ابنِ نافعٍ صاحبِ مالكٍ .
وهو رواية عن أحمدَ واختارها أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ ، ومِن أصحابنا - كأبي
حَفْصِ البَرْمَكِيِّ - من قال : لا يصح عن أحمد ، إنما حكى ذلك أحمدُ عن غيره
(١) ((السنن الكبرى)) (٣٢٢/١ - ٣٢٣).

٥١٨
٢٤ - باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض
كتاب الحيض
ولم يوافقه .
وحكي عن بعضهم : أكثرهُ ثلاثةَ عشرَ ، وحكي عن سَعِيدِ بنِ جُبْرٍ .
وقال سُفْيانُ وأبو حنيفةَ وأصحابهُ : أكثره عشرةُ أيام ، واعتمدوا في ذلك
على أحاديثَ مرفوعةٍ وآثارِ موقوفة عن أَنَسٍ وابن مسعودٍ وغيرهما كما سَبَق .
والأحاديث المرفوعة باطلة ، وكذلك الموقوفة على الصحابة - : قاله الإمام
أحمد في رواية المَيْمُونِيِّ وغيره .
وقد روي - أيضًا - عن الحَسَن وخالد بن مَعْدانَ، وأَنكره الإمام أحمد عن
خالد .
وروي عن الحسن : أكثرهُ خمسةَ عشرَ .
وحكي عن طائفة : [ أنَّ] (١) أكثره سبعةُ أيام :
[قال مَكْحُولٌ: وقت الحائض سبعة أيام](١).
وعن الضَّحَّاكِ ، قال : تَفْعُد سبعة أيام ، ثم تَغتسل وتُصَلِّي .
وعن الأوزاعِيِّ في المبتدأة : تمكث [أعلى] أقراء النساء سبعة أيام ، ثم
تَغتسل وتُصلي كما تفعل المستحاضة .
وحكى الحَسَن بن ثَوابٍ ، عن أحمد ، قال : عامة(٢) الحيضِ سِتَّةُ أيام إلى
سبعة . [قيل له : فإنَّ امرأةً من آل أَنَسٍ كانت تحيض خمسة عشر ؟ قال : قد
كان ذلك، وأدنى الحيض: يومٌ، وأقصاه - عندنا - : ستة أيام إلى سبعة] (٣)،
ثم ذكر حديث : «تحيضي في علم اللَّه ستًا أو سبعًا)).
وكلام أحمدَ ومَن ذكرنا معه في هذا إنما مرادُهم به - والله أعلم - أن السبعة
غالبُ الحيض وأكثرُ عاداتِ النساء ؛ لا أنَّ أَقْصَى حيضِ النساء كلُّهنَّ .
(١) ليس في ((ك)).
(٢) في ((ق): ((غاية)).
(٣) ليس في ((ك)).
-:

٥١٩
٢٤ - باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض
کتاب الحيض
وقالت طائفة : لا حَدَّ لأكثر الحيض ، وإنما هو على حَسبِ ما تَعرفه كل
امرأة من عادة نفسها ، فلو كانت المرأة لا تَحيض في السنة إلا مرةً واحدة
وتحيض شهرين متتابعين فهو حيض صحيح ، روي نحو ذلك عن مَيْمُونِ بنِ
مَهْرانَ والأَوْزاعِيِّ، ونقله حَرْبٌ عن إسحاقَ وعليٍّ بنِ المَدِينِيِّ .
ويُشبه هذا : ما قاله ابن سِيرِينَ : النساء أعلم بذلك ، كما حكاه البخاري
عنه - تعليقًا - من رواية مُعْتَمِرِ بنِ سليمانَ ، عن أبيه ، أنه سأل ابن سيرين عن
امرأة ترى الدمَ بعد قُرْتِها بخمسة أيام ؟ قال : النساء أعلم بذلك.
ومراد ابن سيرين - والله أعلم - : أنَّ المرأة أعلمُ بحيضها واستحاضتها ،
فما اعتادته حيضًا وتَبَيَّن لها أنه حيض جَعَلَتْه حيضًا ، وما لم تَعْتَدْهُ ولم يتبين لها
أنه حيض فهو استحاضة .
وقد ذَكَر طائفة من أَعيان أصحابِ الشافعي : أنَّ مَن لها عادةٌ مستمرة على
حيض وطهر أقلّ من يوم وليلة وأكثر من خمسة عشر أنها تَعمل بعادتها في ذلك ،
منهم: أبو إسحاقَ الإسْفِرايينِيُّ والقاضي حسينٌ والدارميُّ وأبو عمرٍو بنُ الصلاحِ،
وذَكَر أنه نَصُّ الشافعي - : نقله عنه صاحب ((التقريب)).
وما نقله ابن جَرِيرٍ عن الرَّبِيعِ ، عن الشافعي ، كما تَقَدَّم ، يشهد له - أيضًا.
خرَّج البخاري في هذا الباب حديثًا ، فقال :
٣٢٥ - ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءِ: ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ،
قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَتِ النَِّيَّ ◌َّهِ، فَقَالَتْ:
إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَ أَطْهُرُ، أَفَدَعُ الصَّلاَةَ؟ قَالَ : ((لاَ، إِنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي
الصََّةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي)) .
هذا الحديث استدل به من ذَهَب إلى أنَّ أقل الحيضِ ثلاثةُ أيام ؛ لأن النبي
﴿﴿ رَدَّها إلى قَدْر الأيام التي كانت تَحِيضها، والأيام جَمْعٌ، وأقل الجمع ثلاثة.

٥٢٠
حديث : ٣٢٥
كتاب الحيض
وأجاب مَن خالفهم عنه بجوابين :
أحدهما : أن المراد بالأيام : الأوقاتُ ، لأن اليوم قد يعبّر بِهِ عن الوقت قَلَّ
أو كَثُر، كما قال تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَّيْسَ مَصْرَوفا عنهم﴾ [هود: ٨]،
والمراد : وقتُ مجيءٍ العذاب ، وقد يكون ليلاً ويكون نهاراً ، وقد يستمر وقد لا
يستمر، ويقال : يومُ الْجَمَلِ، ويوم صِفِينٍ ، وكل منهما كان عدةَ أيام .
والثاني: أن النبيِ نَّهِ ردَّ امرأةً واحدةً إلى عادتها ، والظاهر : أن عادتها
كانت أيامًا متعددة في الشهر ، إما ستة أيام أو سبعة ، فليس فيه دليلٌ على أن كل
حيضِ امرأةٍ يكون كذلك .
واستدل الإمام أحمدُ بقوله وَّهِ: ((دعي الصلاة قدرَ الأيام التي كنتِ
تحيضين فيها)) على أن الحيض قد يكون أكثرَ من عشرة أيام ؛ لأنه لو كان الزائد
على العشرة استحاضةً لبَيَّن لها ذلك .
ولكن قد يقال : في الزيادة على الخمسَ عشرةَ كذلك - أيضًا .
والظاهر: أن النبي وَ * كان يعلم أن حيض هذه المرأة أقلّ من ذلك،
فلذلك رَدَّها إلى أيامها .