النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١
٨ - باب الاستحاضة
کتاب الحیض
والحالة الثانية : أن تكون معتادةً ، وهي التي لها عادة معلومة من الشهر
تعرفها .
والحالة الثالثة : أن تجتمع لها عادة وتمييز ، وتختلفان .
والحالة الرابعة : أن لا تكون لها عادة ولا تمييز ، مثل أن يكون دمها كله
لونه واحد ، وليس لها عادة : إما بأن تكون قد استحيضت وهي مبتدأة ، أو
كانت لها عادة ونسيتها .
وقد اختلف العلماء في حكم ذلك : فذهب الشافعي وأحمد إلى اعتبارِ
التمييز والعادة معًا ، فإن انفرد أحدهما عملت به ، بغير خلاف عنهما .
وإن اجتمعا واختلفا ، ففيه قولان :
أحدهما : تقدم التمييز على العادة ، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد
اختارها الخِرَقي .
والثاني : تقدم العادة على التمييز ، وهو المشهور عن أحمد ، وعليه أكثر
أصحابه ، وهو قول إسحاق والإصطخري وابن خيران من الشافعية .
وهو قول الأوزاعي ، حتى إنه قدم رجوعها إلى عادة نسائها على تمييز الدم .
وذهب مالك إلى أن لا اعتبار بالعادة ، وأن العمل على التمييز وَحْدَه ، فإن
لم يكن لها تمييزٌ فإنها لا تترك الصلاةَ أَصْلاً ، بل تصلي أبدًا ، ويلزمها الغسل
لكلِّ صلاة في الوقت لاحتمال انقطاع الحيضة فيه .
ومذهب أبي حنيفة وسفيان : أن الاعتبار بالعادة وحدها دون التمييز ، فإن
لم يكن لها عادة فإنها تجلس أقل الحيض ، ثم تغتسل وتصلِّي .
وأما من لا عادة لها ولا تمييز ، فإذا كانت ناسيةً ، فذهب أبو حنيفة إلى أنها
تقعد العادة ، تجلس أقلَّ الحيض ثم تغتسل وتصلِّي .
ومذهب مالك : أنها تقعد التمييز أبدًا ، وتغتسل لكلِّ صلاة ، كما تقدم .
٤٤٢
حديث : ٣٠٦
كتاب الحيض
وللشافعي فيها ثلاثة أقوال : أحدها : أنها تجلس أقلَّ الحيض . والثاني :
تجلس غالبَه : ستّا أو سبعًا . والثالث - وهو الصحيح عند أصحابه - كقول
مالك : أنها لا تجلس شيئًا ، بل تغتسل لكل صلاة وتصلِّي .
ومذهب أحمد : أن الناسيةَ لعادتها تجلسُ غالبَ عادات النساء : ستًا أو سبعًا
من كل شهر ، ثم تغتسل وتصلِّي وتصوم ، هذا هو المشهور عنه .
وحكي عنه رواية : أنها تَجلسُ أقلَّ الحيض ، ثم تغتسل وتصلِّي . ورواية
ثالثة : أنها تجلسُ عادةً نسائها وأقاربها ، ثم تغتسل وتصلِّي .
وأما المبتدأة إذا استحيضت ، فإذا كانت مميزةً ، فإنها تُرد إلى تمييزها عند
الشافعي وأحمد وإسحاق .
وإن لم يكن لها تمييز ، فعن أحمد فيها أربع روايات : إحداهنَّ : تجلس
أقلَ الحيض. والثانية : أكثره . والثالثة : غالبه ، وهو ست أو سبع . والرابعة:
عادة نسائها .
وللشافعي قولان : أحدهما : تجلس أقله ، والثاني : غالبه .
وقال أبو حنيفة : تجلس أكثر الحيض ، بخلاف قوله في الناسية .
وعن مالك روايات : إحداهنَّ : تجلس أكثرَ الحيض . والثانية : تجلس
عادة لدَاتها (١) وأقرانها . والثالثة : تجلس عادتهن وتستطهر بعدها بثلاث .
وحكي عنه رواية أخرى : أنها لا تجلس شيئًا أصلاً .
هذا في أول شهر ، فأما ما بعده فلا تجلس فيه أصلاً ، بل تغتسل وتصلي
أبدًا ، إذا لم يكن لها تمييز .
وقال عطاء والأوزاعي والثوري - في المشهور عنه - : تجلس عادة نسائها
وأقاربها ، فإن لم يكن لها أقارب جلست غالب حيض النساء : ستًا أو سبعًا .
(١) يعني: من وُلِدُوا يوم ولادتها ، ومفردها : لِدَة.
:
٤٤٣
٨ - باب الاستحاضة
كتاب الحيض
وقد ورد حديث عن النبي وَ ﴿ في رد المستحاضة إلى غالب حَيْضِ الحَيْضِ:
من رواية حمنة بنت جحش ، قالت : كنت أُستحاض حيضةً كبيرةً شديدةً ،
فأتيت النبي وَطير أستفتيه - فذكرت الحديث، إلى أن قالت -: قال النبي ◌َّ -:
(إنما ذلكَ من الشيطانِ، فتحيَّضي سنةَ أيامٍ ، أو سبعة أيامٍ في علم الله عز وجل ،
ثم اغتسلي» - وذكر الحديث .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه(١).
وفي رواية لأبي داود : ((وكذلك فافعلي في كل شهر، كما تحيضُ النساءُ،
وكَمَا يطهرنَ) .
وقال الترمذي(٢): حسن صحيح . قال : وسألت محمدًا - يعني : البخاريّ -
عنه ، فقال: هو حديث حسن ، وکذا قال أحمد بن حنبل : هو حسن صحيح -:
هذا ما ذكره الترمذي .
ونقل حرب ، عن أحمد ، [ أنه ] قال : نذهب إليه ، ما أحسنه من حديث.
واحتج به إسحاق وأبو عبيد ، وأخذا به .
وضعَّفْه أبو حاتم الرازي(٣) والدار قطني وابن مَنْده، ونقل الاتفاقَ على
تضعيفه من جهة عبد الله بن محمد بن عقيل ؛ فإنه تفرد بروايته .
والمعروف عن الإمام أحمد أنه ضعَّفه ولم يأخذ به ، وقال : ليس بشيءٍ.
وقال - مرةً - : ليس عندي بذلك ، وحديث فاطمة أصحّ منه وأقوى إسنادًا .
وقال - مرةً (٤) - : في نفسي منه شيءٌ .
(١) أحمد (٣٨١/٦ - ٣٨٢ - ٤٣٩ - ٤٤٠) وأبو داود (٢٨٧) والترمذي (١٢٨) وابن ماجه
(٦٢٧) . ووقع في الأصل: ((أو تسعة)) بدل ((سبعة)) خطأ.
(٢) ((العلل)) له (ص ٥٨) و(الجامع)).
(٣) ((العلل)) لابنه (١٢٣).
(٤) حكاه عنه أبو داود في ((مسائله)) (ص ٢٣).
٤٤٤
حديث : ٣٠٦
کتاب الحیض
ولكن ذكر أبو بكر الخلال أن أحمدَ رجع إلى القول بحديث حمنة والأخذ
به . والله أعلم .
وقد اختلف الناس في حمنةَ : هل كانت مبتدأةً ، أو كانت معتادةً ناسيةً
لعادتها ، أو معتادةً ذاكرةً لعادتها ؟
٠
فمنهم من قال : كانت مبتدأةً ، ورجَّحه الخطابي وطائفة من أصحاب
الشافعي وغيرهم ، وضعَّفه الإمام أحمد بأن حمنة كانت امرأةً كبيرة ، لم تكن
صغيرةً .
ومنهم من قال : كانت ناسيةً لعادتها ولا تمييزَ لها ، وعلى هذا حمله الإمام
أحمد على رواية أخذه بالحديث ، وأصحابهُ الذين أخذوا به كأبي بكر الخلال
وصاحبه أبي بكر ابن جعفر .
ومنهم : من حمله على أنها كانت معتادةً عالمةً بالعادة ، وهو اختيار الشافعي
في ((الأم).
واختلف أصحابه على هذا : كيف رَدَّها إلى ستِّ أو سبعٍ ؟
فمنهم من قال : إنما ردَّها إلى ما تَذْكُره من عادتها من الست أو السبع .
ومنهم من قال : كانت عادتها في الشهور مختلفةً ، ففي بعضها كانت تحيض
ستًا ، وفي بعضها سبعًا، فردَّها إلى عادتها في ذلك .
وقد حمل طائفة من أصحابنا حديث حمنةَ على مثل ذلك ، بناءً على أن
المبتدأةَ والناسيةَ لا تجلسان أكثر من أقل الحيض ، ولكن المنصوص عن أحمد -
وهو قول أبي بكر وغيره - : إنَّا لا نقول : إن الناسية تجلس أقلَّ الحيض إلا
لتضعيفنا إسناد حديث حمنة ، لا لتأويله .
وممن رجح تأويله ابن أبي موسى في (شرح الخَرِقي))، وقال : نحمله على
أن الستَّ كانت عادتها ، وشكَّتْ في اليوم السابع ، فردَّها إلى عادتها المتَيَقَّنة ،
٤٤٥
٨ - باب الاستحاضة
کتاب الحیض
وردها في اليوم المشكوك فيه إلى التحري فيه والاجتهاد .
وأما قوله {وَ ل﴿ل: ((فإذَا أدبرتْ))، - أو ((فإذا ذَهَب قدرها - فاغسلي عنكِ الدمَ
وصلِّي)). وفي رواية أخرى: ((فاغتسلي وصلِّ)»، فإنه يُجمع بين الروايتين
ويؤخذ بهما في وجوب غسل الدم والاغتسال عند ذَهابِ الحيض .
وقد جاء ذلك مصرحًا به في رواية خرجها النسائي(١) من طريق الأوزاعي ،
عن يحيى بن سعيد ، عن هشام ، عن أبيه ، عن فاطمة بنت قيس مِنْ [ بني ]
أسدٍ قريشٍ، عن النبيِ وَ ﴿، أنه قال لها : ((اغتسلي، واغسلي عَنْكِ الدمَ ،
وصلِّي» .
قال الطبراني(٢): فاطمة بنت قيس هذه هي بنت أبي حبيش ، واسمه :
قيس . قال(٣): وليست فاطمةَ بنت قيس الفهرية التي روت قصة طلاقها .
وقال الدارقطني في ((علله)): وَهِمَ الأوزاعي في قوله: ((بنت قيس))، إنما
هي بنت أبي حبيش .
وكذلك رواه أبو معاوية ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن
النبيِ وَّه قال لفاطمة: ((فإذا أدبرتْ فاغسلي عَنك الدمَ، ثم اغتسلي)) (٤).
ورواه حماد بن سلمة ، عن هشام ، وقال فيه : ((فاغسلي عنكِ الدمَ،
وتطهري ، وصلّي» .
والغسل عند انقضاء حيض المستحاضة المحكوم به لا بُدَّ منه ، كما لو
طهرت من الحيض .
وقد تَعَلَّق بعضُ الناس بظاهر الرواية المشهورة في حديث فاطمة : ((اغسلي
(١) (١/ ١٨١) .
(٢) في ((المعجم الأوسط)) (٢٩٥٢).
(٣) ليس في ((الأوسط)) هذه الجملة.
(٤) أخرجه النسائي (١٨٤/١) والترمذي (١٢٥).
٤٤٦
حديث : ٣٠٦
کتاب الحیض
عنكِ الدمَ، وصلِّي))، وقال: لا غُسْلَ عليها ، إنما عليها أن تغسل الدمَ
وتصلي .
وقد حكى الأثرم هذا القولَ للإمام أحمد ، ولم يسمِّ من قاله ، فأنكره الإمام
أحمد ، وقال : الغسل لا بُدَّ منه .
وفَسَّرِ سفيان الثوري قولهَ : ((اغسلي عَنْكِ الدمَ)): أنها إذا اغتسلت عند فراغ
حيضها المحكوم بأنَّه حيضُها ، ثم رأتْ دمًا ، فإنها تَغْسِلُ الدمَ [وتصلِّي](١)؛ فإنه
دم استحاضةٍ لا يمنع الصلاة ، وإنما تغسله وتتحفظ منه فقط .
ففي حديث عائشة الأمرُ بغسلِ الدمِ ، وفي حديث أم سلمةَ الأمرُ بالاستثفار
بثوب . والمراد به : التَّلَجُمُ بالثوبِ والتحفظُ به .
وقد اختلف العلماء : هل يجب الغسل عليها لكلِّ صلاةٍ ؟ على قولين ،
وأكثر العلماء : على أن ذلك ليس بواجب . وربما تذكر المسألة مستوفاةً فيما
بعدُ - إن شاء اللَّه تعالى .
وكذلك اختلفوا : هل يجب عليها غسلُ الدمِ والتحفظُ والتَّلَجُمُ عند كل
صلاة ؟ وفيه قولان ، هما روايتان عن أحمد .
وربما يرجع هذا الاختلاف إلى الاختلاف المشهور : في أن الأمر المطلق:
هل يقتضي التكرار ، أم لا ؟ وفيه اختلاف مشهور .
لكن الأصح هنا : أنَّه لا يقتضي التكرار لكلِّ صلاةٍ ؛ فإن الأمرَ الاغتسالُ ،
وغسلُ الدَّمِ إنما هو مُعَلَّق بانقضاءِ الحيضةِ وإدبارِها ، فإذا قيل : إنه يقتضي
التكرار لم يقتضه إلا عند إدبار كلِّ حيضةٍ فَقَطْ .
وقوله : ((وصلِّي)) أمر بالصلاة بعد إدبار الحيضة حيث نهاها عن الصلاة في
وقت إقبالها ، والأمر بعد الحظر يعيد الأمر إلى ما كان عليه ، عند كثير من
.
(١) مشتبهة بالأصل .
:
٤٤٧
٨ - باب الاستحاضة
كتاب الحيض
الفقهاء . وقد كانت الصلاة عليها واجبة قبل الحيض ، فكذلك بعدها .
وأما على قول من يقول : لا يقتضي غيرَ الإباحة ، فقد يُقال : إنَّ هذا الأمر
اقتضى إطلاقَ الصلاة والإذن فيها بعد حظرها ، فصارت الصلاة مباحةً بعد
حظرِها ، فإن كانت نافلةً فهي غير محظورة ، وإن كانت مفروضةً اكْتُفِيَ في
الاستدلال على فرضيَّتها بالأدلة العامَّة الدالة على افتراض الصلاة على كل مسلم.
وإنما خرج من ذلك حال الحيض بمثل هذا الحديث وشبهه، وإطلاقه وَله
دليل على أنها في حكم الطاهرات في جميع العبادات التي يَمنع منها الحيض .
هذا قول جمهور العلماء ، وشَذَّ منهم من قال باختصاصِ الإذنِ بالصلاةِ
خاصةً . وسنذكره فيما بعد - إن شاء اللَّه تعالى .
وقد زاد قوم من الرواة في حديث عائشة : الأمرَ بالوضوء ، منهم : حماد
ابن زيد ، عن هشام . خرَّجه النسائي(١) من طريقه ، وقال فيه: ((فاغسلي عنك
الدم، وتوضئي ؛ فإنما ذلك عرق» .
قال النسائي : لا نعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث : ((وتوضئي)) غير حماد بن
زيد .
وقد خرج مسلم(٢) حديثهَ هذا ، وقال : في حديث حماد بن زيد زيادة
حرفٍ ، تركنا ذِكْرَه - يعني: قولهَ: ((توضئي)).
قال البيهقي : هذه الرواية غير محفوظة .
وفي رواية أخرى عن حماد بن زيد في هذا الحديث: ((فإذَا أَدْبَرت الحيضةُ
فاغسلي عنك الدمَ، وتوضئي)) .
فقيل لحماد : فالغسلُ ؟ قال : ومن يشكُّ أن في ذلك غسلاً واحدًا بعد
الحيضة .
(١) (١ / ١٨٥ - ١٨٦ ) .
(٢) (١ / ٠ ١٨) .
٤٤٨
حديث : ٣٠٦
كتاب الحيض
وقال حماد : قال أيوب : أرأيتَ لو خرج من جَيْبِهَا دمٌ ، أتغتسل ؟!
يشير أيوب إلى أنها لا تغتسل لكل صلاة .
قال ابن عبد البر : جَوَّد حماد بن زيد لفظه .
يعني : بذكر الوضوءِ ، وهذا يدل على أنه رآه محفوظًا، وليس كما قال(١).
وقد رُويتْ لفظة ((الوضوء)) من طريق حماد بن سلمةَ ، عن هشامٍ .
خرجه الطحاوي (٣) من طريق حجاج بن مِنْهال ، عن حماد .
ورواه عفان ، عن حماد ، ولفظه : ((فاغسلي عنك الدمَ ، ثم تطهري
وصلّي)»(٣).
قال هشام : كان عروة يقولُ: ((الغسل)) الأول، ثم قال بعدُ: ((والطهر)).
وكذلك رُويت من طريق أبي معاوية ، عن هشام .
خرجه الترمذي(٤) عن هنَّاد ، عنه .
وقال : قال أبو معاوية في حديثه : وقال : ((توضئي لكلِّ صلاة، حتى يجيءَ
ذلك الوقت)» .
والصوابُ : أن هذا من قول عروة ، كذلك خرجه البخاري في ((كتاب :
الوضوء)»(٥) عن محمد بن سلام ، عن أبي معاوية ، عن هشام - فذكر الحديث ،
7
(١) قلت: لفظ ((جَوَّد)) لا يفيد الصحة ولا الحفظ، بل غاية ما يفيده الإتيان بالحديث تامًا إسنادًا
وذلك بوصله أو برفعه ، أو متنًا بذكره مفصلاً ، وهذا لا يستلزم الصحة .
والمحدثون كثيراً ما يقولون: ((جوده فلان)»، وإنما يريدون هذا المعنى لا أكثر .
وانظر: كتابي: ((لغة المحدث)) (ص ٦٨ - ٧٠) وكذا (ص ٦١).
(٢) (١/ ١٠٣).
(٣) ((التمهيد)) (١٠٤/٢٢).
(٤) (١٢٥) .
(٥) (٢٢٨) .
٤٤٩
٨ - باب الاستحاضة
کتاب الحیض
وقال في آخره : قال : وقال أبي : ((ثم توضئي لكلِّ صلاة حتى يجيء ذلك
الوقت)).
وكذلك رواه يعقوب الدورقي (١)، عن أبي معاوية، وفي حديثه: ((فإذا
أدبرت فاغسلي الدمَ، ثم اغتسلي)). قال هشام : قال أبي: ((ثم توضئي لكلِّ
صلاة حتى يجيء ذلك الوقت)) .
وخرجه إسحاق بن راهويه ، عن أبي معاويةً ، وقال في حديثه : قال هشام:
قال أبي : ((وتوضئي لكلِّ صلاة حتى يجيءَ ذلك الوقت)) .
وكذلك روى الحديثَ عيسى بنُ يونس ، عن هشام، وقال في آخر الحديث:
. وقال هشام: ((تتوضأ لكل صلاة)).
وذكر الدارقطني في (العلل)): أن لفظةَ: ((توضئي لكل صلاة)) رواها -
أيضًا - عن هشام: أبو حنيفة(٢) وأبو حمزة السكري(٣) ومحمد بن عَجْلان ويحيى
ابن سُلَیم .
قلت : وكذلك رواه أبو عوانة(٤)، عن هشامٍ، ولفظ حديثه: ((المستحاضةُ
تدع الصلاة أيام أقرائها ، وتغتسل غُسلاً واحدًا، وتتوضأُ لكلِّ صلاة)).
قلت : والصواب : أن لفظةَ ((الوضوء)) مدرجة في الحديث من قول عروة .
وكذلك روى مالك(٥)، عن هشام، عن أبيه، أنه قال: ((ليس على
المستحاضة إلا أن تغتسل غسلاً واحداً، ثم تتوضأ بعد ذلك لكلِّ صلاة)).
(١) ((التمهيد)» (١٠٤/٢٢).
(٢) هي في ((التمهيد)) (١٠٣/٢٢) و((شرح معاني الآثار)) للطحاوي (١٠٢/١).
(٣) هي عند ابن حبان (١٣٥٤).
(٤) حديثه عند ابن حبان (١٣٥٥) .
(٥) (ص ٦٣) .
٤٥٠
حديث : ٣٠٦
كتاب الحيض
قال مالك : والأمر عندنا على حديث هشامٍ ، عن أبيه ، وهو أحبُّ ما
سمعتُ إليّ .
قال ابن عبد البر (١): والوضوء عليها عند مالك على الاستحباب دونَ
الوجوب . قال: وقد احتج بعض أصحابنا على سقوطِ الوضوءِ بقول رسول اللَّه
وَّـ: ((فإذَا ذَهَبَ قدرها فاغتسلي وصلِّي)) ، ولم يذكر وضوءًا.
قال : وممن قال بأنَّ الوضوءَ على المستحاضة غير واجب : ربيعة ،
وعكرمة ، ومالك ، وأيوب ، وطائفة .
:
قال : وأما الأحاديث المرفوعة في الغسل لكل صلاة ، فكلها مضطربةٌ ، لا
تجب بمثلها حجة . انتهى .
وأحاديث الأمر بالغسل لكلِّ صلاة كلها معلولة ، وربما تأتي الإشارةُ إليها في
موضعٍ آخر - إن شاء اللّه تعالى .
وإنما المراد هنا : أحاديث الوضوء لكلِّ صلاة ، وقد رُويت من وجوهِ
متعددة ، وهي مضطربة - أيضًا - ومعلَّلة ، تقدم بعضها .
ومن أشهرها : رواية الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عروة ، عن
عائشة ، قالت : جاءت فاطمة بنت أبي حبيش(٢)، فقالت: يا رسول اللَّه ، إني
امرأة استحاضُ فلا أَطْهُر ، أفادعُ الصلاةَ ؟ قال: ((لا ، اجْتَنَبي الصلاةَ أيامَ
محيضكِ ، ثم اغتسلي وتوضئي لكلِّ صلاةٍ ، ثم صلِّي ، وإن قَطَر الدِّمُ على
الحصير)) .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه(٣).
(١) ((التمهيد» (١٠٩/٢٢) (٩٩/١٦).
(٢) في الأصل ((ك)): ((بنت أبي حبيب)) خطأ، وعلى الصواب جاء في مواضع التخريج. وليس
هذا وجهًا من الأوجه التي سبق ذكرها في اسمها .
(٣) أحمد (٤٢/٦ - ٢٦٢) وأبو داود (٢٩٨) وابن ماجه (٦٢٤).
٠
٤٥١
٨ - باب الاستحاضة
كتاب الحيض
وقال أبو داود : هو حديث ضعيف لا يصح ، وقال : ليس بصحيح ، وهو
خطأ من الأعمش .
وقال الدارقطني : لا يصح(١).
وقد روي موقوفًا على عائشة ، وهو أصح عند الأكثرين .
وروى هُشَيم : نا أبو بشرٍ ، عن عكرمةَ ؛ أن أم حبيبةَ بنت جحشٍ
استحيضت ، فأمرهَا النبي وَّ أن تنظرَ أيامَ أقرائها، ثم تغتسل وتصلي ، فإن
رأتْ شيئًا من ذلك توضأتْ وصلَّت .
خرجه أبو داود(٢).
والظاهر : أنه مرسلٌ ، وقد يكون آخره موقوفًا على عكرمةَ ، من قولهِ .
والله أعلم .
..
وقد رُوي الأمر للمستحاضة بالوضوء لكل صلاة عن جماعة من الصحابة ،
منهم : علي ، ومعاذ ، وابن عباسٍ ، وعائشةُ ، وهو قول سعيد بن المسيّب ،
وعروة ، وأبي جعفر ، ومذهب أكثر العلماء ، كالثوري ، والأوزاعي ، وابن
المبارك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي عبيدٍ وغيرهم .
لكن ؛ منهم من يوجب عليها الوضوء لكلِّ فريضةٍ كالشافعي .
ومنهم ؛ من يرى أنها تتوضأُ لوقت كل صلاة ، وتصلي بها ما شاءَتْ من
فرائضَ ونوافلَ حتى يخرج الوقتُ ، وهو قول أبي حنيفة ، والمشهور عن
أحمدَ ، وهو - أيضًا - قول الأوزاعي والليث وإسحاق .
وقد سبق ذكر قول من لم يوجب الوضوءَ بالكلية لأجل دمٍ الاستحاضةِ ،
كمالك وغيره .
(١) وأنكره ابن معين على حبيب بن أبي ثابت ، حكاه عنه الدوري (٢٩٢٥).
(٢) (٣٠٥) .
٤٥٢
حديث : ٣٠٦
کتاب الحيض
وهكذا الاختلاف في كل مَنْ بِه حدثٌ دائم لا ينقطع ، كمن به رُعاف دائم ،
أو سَلس البول، أو [ الريح] (١)، ونحو ذلك.
وعن مالك رواية بوجوب الوضوء ، كقول الجمهور .
(١) مشتبهة .
.
٤٥٣
٩ - باب غسل دم المحيض
كتاب الحيض
٩ - بَابُ
غَسْلِ دَمِ المَحِيضِ
خرَّج فیه حدیثین :
أحدهما :
٣٠٧ - حديث: مَالك، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِر، عَنْ أَسْمَاءَ ،
قَالَتْ: سَأَلَتْ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّه، أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا إذَا
أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنْ الحَيْضَةِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((إِذَا أَصَابَ
ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنْ الحَيَضَةِ فَقْرُ صُهُ، [ ثُمَّ ] لِتَنْضَحْهُ بِمَاءِ، ثُمَّ لِتُصَلِّي فِيهِ» .
وقد تقدم تخريجه لهذا الحديث في أواخر ((كتاب: الوضوء))(١) من حديث
يحيى القطَّن، عن هشامٍ بمعناه، في ((باب: غَسْل الدمِ)، وتقدمَ الكلامُ عليه
هناكَ بما فيه كفاية .
والثاني :
٣٠٨ - حديث: ابنِ القَاسمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائشَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانًا
تَحِيضُ ثُمَّ تَقْرُصُ الدَّمَ مِنْ ثَوْنِهَا عِنْدَ طُهْرِهَا فَتَفْسِلُهُ وَتَضَحُ عَلَى سَائِرِهِ، ثُمَّ تُصَلِّي
فيه .
وقد ذكرناه - أيضًا - في الباب المشار إليه ، وذكرنا ما فيه من الفوائد .
(١) (٢٢٧) .
٤٥٤
حديث : ٣٠٩ - ٣١١
كتاب الحيض
١٠ - بابُ
اعْتَكَافِ المُسْتَحَاضَةِ
خرَّج فيه حديث عكرمة ، عن عائشة من ثلاثة طرق :
أحدها :
قال :
٣٠٩ - نَا إِسْحَاقُ بْنُ شَاهينَ: نَا خَالدُ بنُ عَبْد اللَّه، عَنْ خَالد، عَنْ عكْرِمَةَ ،
عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّالنَِّيَّ ◌َ اعْتَكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ، وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَرَى الدَّمَ ،
وَرَبَّمَا وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحْتَهَا مِنَ الدَّمِ. وَزَعَمَ أَنَّ عَائِشَةَ رَأَتْ مَاءَ العُصْفُر ،
فَقَالَتْ: كَأَنَّ هَذَاَ شَيْءٌ كَانَتْ فُلاَنَةُ تَجِدُهُ .
خالد بن عبد اللَّه ، هو : الطحان الواسطي . وشيخه : خالد ، هو :
الحذاء .
والثاني :
قال :
٣١٠ - ثَنَا قُتَّةُ: نَايَزِيدُ بنُ زُرَيِعٍ، عَنْ خَالِدٍ - يَعْنِي: الحَذَّاءَ -، عَنْ عِكْرِمَةَ،
عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُول اللَّهِ لِ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِه، فَكَانَتْ تَرَى
الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ والطَّسْتُ تَحْتَهَا، وَهِي تُصَلِّي .
والثالثُ :
قال :
٣١١ - نا مُسَدَّدٌ: نا مُعْتَمَرٌ، عَنْ خَالد، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائشَةَ، أنَّ بَعْضَ
أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ اعْتَكَفَتْ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ .
ء
٤٥٥
١٠ - باب اعتكاف المستحاضة
کتاب الحیض
وهذه الرواية ليس فيها تصريح برفعه ، فإنه ليس فيها أن ذلك كان في زمن
النبي وَّ، ولا أنَّه كان معها(١).
وفي إسناده اختلاف - أيضًا - ؛ فإنَّ عبد الوهاب الثقفي [ رواه ] (٣)، عن
خالد ، عن عكرمةَ ، أنَّ عائشةَ قالت .
[ وهذه] (٣) الرواية تُشْعر بأنَّه لم يسمعه منها.
وروي عن معتمرٍ ، عن خالد ، عن عكرمةَ ، عن ابن عباسٍ ، وهو وَهْمٌ -:
قاله الدارقطني .
وهذا الحديث : يدلُّ على أنَّ المستحاضةَ من أهلِ العباداتِ كالطاهرةِ، فكما
أنها تصلي فإنَّها تصومُ، وتعتكفُ، وتجلس في المسجدِ، وتقرأُ القرآنَ، وتمسّ
المصحفَ، وتطوفُ بالبيتٍ ؛ فإن اعتكافَ النبي ◌ِّ غالبه كان في شهر رمضانَ ،
فلو كانتْ المستحاضةُ كالحائضِ لا تصومُ لم تعتكفْ ، لا سيما على رأي من
يقول : إن الاعتكافَ لا يصح بغير صومٍ ، وقد حكى إسحاقُ بن راهويهِ إجماعَ
المسلمين على ذلك .
وروى عبد الرزاق(٤)، عن ابن جُرِيجٍ، عن الثوريِّ، عن جابرٍ ، عن
أبي جعفر ، قال: جاءت امرأةٌ إلى النبيِ وَّهِ، فقالتْ: إني استحضتُ في غيرِ
قُرئي ؟ قال : ((فاحتشي كُرْسُفًا، وصومي، وصلِّي، واقضي ما عليكِ)) .
وهذا مرسل .
وفيه خلاف شاذٌّ :
(١) في الأصل: ((معه))!
(٢) في الأصل ((ك)): ((رواية)).
(٣) في الأصل: ((وهي)).
(٤) (١/ ٣١١) عن الثوري مباشرة. والظاهر أن ذكر ابن جريج هنا إقحام.
٤٥٦
حديث : ٣٠٩ - ٣١١
کتاب الحیض
روى عبد الرزاق (١)، عن الثوري ، عن منصور ، عن إبراهيمَ ، قال:
المستحاضة لا تصوم ، ولا يأتيها زوجها ، ولا تمسُّ المصحفَ .
وعن معمرٍ ، عن أيوبَ ، قال : سُئل سليمان بن يَسَار : أيصيبُ المستحاضةً
زوجُها ؟ قال : إنما سمعنا بالرخصة لها في الصلاة(٢) .
ونقل صالح بن أحمدَ ، عن أبيه في المستحاضة : لا تطوف بالبيت ، إلا أن
تطول بها الاستحاضة .
قال أبو حفص العكبري : لعلَّها غلط من الراوي ، فإن الصحيح عن أحمد
أن المستحاضة بمنزلة الطاهرةِ تطوف بالبيت(٣).
قال في رواية الميموني : المستحاضةُ أحكامُها أحكامُ الطاهرةِ في عدتها
وصلاتها وحجها وجميع أمرها .
ونقل عنه ابن منصورٍ : تطوف بالبيت .
وأما ما وقع في رواية صالح : أنها لا تطوف إلا أن يطول بها . فلعله اشتبه
على الراوي الطواف بالوطءِ ؛ فإنَّ ابن منصور نَقَل عن أحمدَ ذلك في الوطءِ ،
وصالح وابن منصور متفقانِ في نقل المسائل عن أحمدَ في الغالبِ .
ولكن قد روي عن ابن عمرَ ما يُشْعر بمنعِ المستحاضةِ من الطوافِ ، فروى
عبد الرزاق(٤)، عن معمرٍ ، عن واصلٍ مولى ابن عيينة(٥)، عن رجلٍ سأل ابن
عمرَ عن امرأةٍ تَطَاول بها الدمُ ، فأرادتْ تَنْفِر ، وأرادتْ تَشْرِب دواءً ليقطعَ عنها
(١) في ((مصنفه)) (١/ ٣١١).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٣١١).
(٣) ((المسائل)) رواية صالح (١٠٤٦) قلت : فالمستحاضة تطوف بالبيت ؟ فقال: نعم،
المستحاضة بمنزلة الطاهر تطوف بالبيت .
(٤) ((المصنف)) (٣١٨/١).
(٥) في الأصل: ((مولى أبي عقبة))، تصحيف .
٤٥٧
١٠ - باب اعتكاف المستحاضة
کتاب الحیض
الدمَ ؟ قال: لا بأس به . ونَعَتَ ابن عُمر لها ماءَ الأراكِ .
وقال ابن جريجٍ ، عن عطاءَ : أنه لم ير به بأسًا .
قال معمرُ : وسمعت [ ابن ] أبي نجيح يُسأل عن ذلكَ ، فلم ير به بأسًا .
فظاهر هذا : أن المستحاضةَ مع تَطَاولِ الدم بها لا تطوفُ حتى ينقطعَ عنها
الدمُ ، مع أنَّه يمكن حمله على تَطَاولِ دمِ الحيضِ ومُجَاوزتِهِ للعادةِ ، أو على أن
الأولى للمستحاضة أن لا تطوفَ حتى ينقطعَ دَمُها . وجمهور العلماءِ على جوازِ
ذلكَ .
وقد خرجه عبد الرزاق(١) في موضع آخر من ((كتابه))، وقال فيه : إن ابن
عُمر سُئلَ عن امرأةٍ تَطَاول بها دم الحيضةِ .
وممَّن رخص للمستحاضة في الطواف بالبيت : ابن عُمر ، وابن عباس ،
وعائشة ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، وسعيد بن جبير وغيرهم .
قال سعيد بن المسيب : تَقْضِي المناسكَ كلَّها .
وهو قول الثوري ، وأبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وجمهور العلماء .
وفي حديث عائشة في اعتكاف المستحاضة : ما يدل على أن دمَ الاستحاضةِ
يتميز عن دم الحيض بلونه وصُفْرته ، وقد يتعلق بذلك مَنْ يقول باعتبار التمييز ،
كما تقدم .
(١) (١/ ٣١١ - ٣١٢) .
٤٥٨
حديث : ٣١٢
كتاب الحيض
١١ - بَابٌ
هَلْ تُصَلِّي المَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ؟
٣١٢ - حَدَثْنَا أَبُو نُعَيْمٍ: نَا ◌ِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدِ،
قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا كَانَ لإِحْدَنَا إِلَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحيضُ فِيهِ ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنَ
الدَّمِ قَالَتْ بِرِيقِهَا، فَمَصَعَتَهُ بِظُفْرِهَا .
وقد خرَّجه أبو داود(١)، عن محمد بن كثيرٍ: نا إبراهيم - يعني: ابن نافعٍ - ،
قال : سمعت الحسنَ يذكر عن مجاهد ، قال : قالت عائشة : ما كانَ لإحدانا
إلا ثوبٌ واحدٌ فيه تحيضُ ، فإن أصابه شيءٌ من دمٍ بَلَّتْه بريقها ، ثم قَصَعَتْه
بريقها .
فخالف في إسناده : حيث جعل : ((الحسنَ )) - وهو : ابن مسلمٍ - بدلَ :
((ابن أبي نَجيح))، وفي متنه: حيث قال: ((قصعته)) بالقاف .
وكذا خرَّجه الإسماعيلي من حديث أبي حذيفة ، عن إبراهيمَ ، إلا أنه قال :
((قصعته بظفرها)) .
وكأنه يشير إلى أن هذه الرواية أصح من رواية البُخاري .
قال الخطابي(٢): مصعته بظفرها، أي: بالغت في حكِّه . وأصلُ المَصْع :
الضرب الشديد .
قال: وروي ((قَصَعته)) أي: دَلَكَته بالظفر، وعالجته به ، ومنه قصع
القملة .
(١) (٣٥٨) .
(٢) في ((شرح البخاري)) (٣١٩/١).
٤٥٩
١١ - باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه ؟
كتاب الحيض
وقد سبق الحديث الذي خرجه البخاري(١) من رواية عمرو بن الحارث ، عن
عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشةَ ، قالت : كانت إحدانا تحيض ،
ثم تَقْرُص الدمَ من ثوبها عند طهرها ، فتغسله ، وتنضح على سائرِه ، ثم تصلّ
فيه .
ولكن ؛ هذا فيه غسل الدم .
ورواه الأوزاعي ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ،
أنَّها أفتتْ بذلكَ ، ولم يذكر حكايةَ فِعْلها من قبلُ (٢) .
وخرج أبو داود(٣) من رواية ابن عيينة ، عن ابن أبي نَجيح ، [ عن
عطاء ](٤)، عن عائشة ، قالت : قد كان يكون لإحدانا الدِّرع ، فيه تحيضُ ،
وفيه تصيبها الجنابة ، ثم ترى فيه قطرةً من دمٍ فتقصعه بريقها .
فهذا - أيضًا - فيه ذكر القصع بالريق كحديث مجاهدٍ ، عن عائشةَ ، ولكن
فيه أن ذلك كانت تفعله بالقَطْرة من الدمٍ ، فيحمل ذلك على أنها كانت ترى ذلك
يسيراً فيُعفَى عن أَثرهِ ، ويحتمل أنها كانت ترى الريقَ مطهّراً، فيكون فيه دلالة
على طهارة النجاسة بغير الماء .
وروى محمد بن سعد في ((طبقاته)(٥): أنا الواقدي : ثنا ابن أبي ذئبٍ ، عن
صفية بنت زياد ، قالتْ : رأتني ميمونةُ وأنا أغسلُ ثوبي من الحيضةِ ، فقالتْ :
ما كُنَّا نفعل هذا، إنما كنَّا نَحُّه حتّا .
الواقدي ، ضعيف .
(١) (٣٠٨) .
(٢) وانظر البيهقي (٤١١/٢).
(٣) (٣٦٤) .
(٤) لحق غير واضح ، استدركته من أبي داود .
(٥) (٣٦٢/٨) .
٤٦٠
حديث : ٣١٢
كتاب الحيض
ويحمل [ على ](١) أنه كان دمًا يسيرًاً .
وروى أبو نعيم الفضل بن دُكين في ((كتاب الصلاة)): نا حبيبُ بن أبي
[ ... ](١)، قال: حدثتني أختي ، عن أم جريرٍ ، أنها كانت في نسوةٍ عند عائشةَ،
فقالت إحداهن: [ يا](١) أَمَّ المؤمنين ، المرأة تحيض في الثوب ثم تطهر ،
أتصلي فيه ؟ قالت: إنْ رأتْ دمًا فلتغسلْهُ، وإن [ لم ](١) تر دمًا فلتنضحه سبع
مرَّاتٍ بالماء ، ثم لتصلِّي فيه .
إسناد مجهول .
وخرج أبو داود (٢) بإسناد فيه جهالة - أيضاً - ، عن عائشةَ، أنها قالت - في
الحائض يصيب ثوبها الدم : تغسله ، فإن لم يذهب أثره فلتغيره بشيءٍ من صُفْرةٍ.
قالت: ولقد كنت أحيض عند رسول اللَّه وَالهر ثلاثَ حَيضٍ جميعًا، لا أغسل لي
ثوبًا .
وبإسناد فيه جهالة - أيضًا (٣)- عن أمِّ سلمةَ، قالت: قد كان يصيبنا الحيضُ
عند رسولِ اللهِ وَّه، فتلبثُ إحدانا أيامَ حيضها، ثم تطهرُ، فتطهِّر الثوبَ الذي
كانت تلبث فيه ، فإن أصابه دمٌ غسلناه وصلينا فيه ، وإن لم يكن أصابه شيءٌ
تركناه ، ولم يمنعنا ذلك أن نصلي فيه .
وخرَّج الطبراني(٤) من حديث أم سلمةَ ، قالت : كانت إحدانا تحيضُ في
الثوب ، فإذا كان يوم طهرها غسلتْ ما أصابه ، ثم صلَّت فيه ، وإنَّ إحداكنَّ
اليوم تُفَرِّغ خادمها ليغسل ثيابها يوم طهرها .
وفي إسناده : المنهال بن خليفة ، ضعَّفوه .
(١) طمس من التصوير، والموضع الأول أثبته اجتهادًا وكذا الرابع، والثاني ظهر من آخره ما
يمكن أن يكون ((جرير»، ولعله: ((حبيب بن جري)». والثالث لعله: ((يا)) كما أثبته.
(٢) (٣٥٧)
(٣) (٣٥٩) .
(٤) في ((الأوسط)) (٢١٩٢).