النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ ٦ - باب ترك الحائض الصوم کتاب الحیض ٦ - بَابُ تَرْكُ الحَائِضِ الصَّوْمَ ٣٠٤ - حَدَّثْنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ : نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ: أَخْبَرَنِي زَيّدٌ - هُوَ : ابْنُ أَسْلَمَ -، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسَوُلُ اللَّه وَ* فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرِ إِلَى المُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فإني أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ، فَقُلْنَ: وَبِمَ (١) يَارَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: (تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ». قُلْنَ (٢): وَمَا نُقْصَانُ عَقْتَ وَدِينَ يَارَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟)) قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: ((فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَان عَقْلَهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لِمْ تُصَلِّ ولمْ تَصُمْ؟)) قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: ((فَذَلِكَ [ مِنْ](٣) تُقْصَانِ دِينِهَا» . قد سَبَق هذا الحديثُ في ((كتاب: الإيمان))، استدل به البخاري هناك على أن الصلاة والصيام من الدِّين، واستدَل به هُنا على أن الحائض لا تَصُوم . ولم يُيَوِّبْ على تَرْك الصلاة ؛ لأنه بَوَّب على أنها لا تقضي الصلاةَ بابًا مُفْرَدًا ، يأتي في موضعه - إن شاء اللَّه تعالى . وقد أَجْمَعَتِ الأمةُ على أن الحائض لا تصوم في أيام حيضها ، وأن صومها غيرُ صحيح ولا معتدٍّ به ، وأن عليها قضاءَ الصوم إذا طَهُرَتْ . (١) في الأصل: ((ولمّ))، والمثبت من جميع نسخ البخاري . (٢) في الأصل: ((قلنا» ، وفيه ما في السابق . (٣) زيادة من ((اليونينية)). ٤٢٢ حديث : ٣٠٤ كتاب الحيض واختلف المتكلِّمون في أصول الفقه : هل هي مكلفة بالصوم في حال حيضها ، أم لا تؤمر به إلا بعد طهرها ؟ وقال كثير من الفقهاء : إنه لا تَظْهَرُ لهذا الاختلاف فائدةٌ . وقد تظهر له فائدة ، وهي : أن الحائض إذا ماتت قبل انقطاع دَمِهَا ، فهل يجب أن يُطْعَم عنها لكل يوم أَفطرتْ فيه ؟ وكذا المريضُ والمسافر إذا ماتا قبل زوال عذرهِما ، على قول من أوجب الإطعامَ عن الميت مطلقًا وإن مات قبل التمكن من الصوم . وإذا انقطع دمُ الحائض ؛ فالجمهور على أن حكمها حكمُ الجُنب ؛ يصح صومُها ، والمخالف في صوم الجنب يخالف في الحائض بطريق الأولى . ومن الناس من قال في الحائض : لا يصح صيامُها حتى تَغتسل ؛ وإن صح صومُ الجُنُبِ . وحُكي عن الأَوْزاعيِّ، والحَسَن بن صالحٍ ، والعَنْبَرِيِّ ، وعبد المَلِكِ بن الماجِشُونِ وغيرِهم . وقد حكاه بعض أصحابنا المتأخرين وَجْهًا في الحائض إذا انقطع دمُها : أنه لا يصح صومُها ، ولم يَحْكِ مثله في الجنب . ووجه الفَرْق : أن حدث الحيض مانع من صحة الصيام ؛ بخلاف الجنابة ، فإنه لو احتلم الصائم لم يَبطل صيامُهُ، ولو طرأ الحيضُ في أثناء النهار بَطَل الصومُ . ٤٢٣ كتاب الحيض ٧ - باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت ٧ - بَابٌ تَقْضِي الحَائِضُ المِنَاسِكَ كُلَّهَا إلَّ الطَّوَافَ بِالبَيْتِ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : لاَ بَاسَ أَنْ تَقْرَأُ الآيَةَ . وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالقِراءَةِ لِلْجُنُّبِ بَأْسًا . وَكَانَ النَّبِّ ◌َهِ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِه . وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: كُنَّا تُؤْمَرُ أَنْ يَخْرُجَ الحَّضُ؛ فيُكَبِّرْنَ بَتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ(١). قَالَ ابْنُ عَّاسٍ: أَخْبَرَ فِي أَبُو سُفْيَانَ، أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتَابِ النَِّّ ◌َّةِ فَقَرَاء، فَإِذَا فيه : ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ الآيَةَ) [آل عمران: ٦٤]. وَقَالَ عَطَاءٌ ، عَنْ جَابِ (٢): حَاضَتْ عَائِشَةُ، فَتَسَكَتِ المِنَاسِكَ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ ، وَلاَ تُصَلِّي . وَقَالَ الحَكَمُ: إِنِّي لأَذْبَحُ وَأَنَا جُنُبٌ . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] . ٣٠٥ - حَدَّثْنَا أَبُو نُعَيْمٍ: نَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبِّدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، [عَنِ القَّاسِمِ ](٣)، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ لَّهِ وَلاَ نَذْكُرُ إِلَّ الحَجَّ، فَلَمَّا جِثْنَا سَرِفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ النَِّيُّ ◌َهُ وَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: ((مَا (١) في نسخة عند ((ك)): ((ويدعين)). (٢) في الأصل: ((عن عائشة)) خطأ. (٣) سقط من الأصل . ٤٢٤ حديث : ٣٠٥ كتاب الحيض يُبْكيك؟)) فَقُلْتُ: لَوَدِدْتُ وَاَللَّهِ أَنِّي لَمْ أَحُجَّ العَامَ، قَالَ: ((لَعَلَّكِ نُفُسْتِ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَإِنَّ ذَلِك شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتٍ آدَمَ، فافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ ، غَيْرَ أنْ لاَ تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتّى تَطْهُرِي)). مقصود البخاريِّ بهذا الباب : أن الحَيْضَ لا يَمنع شيئًا من مناسك الحج غيرَ الطوافِ بالبيت والصلاةِ عَقِيبَهُ وأن ما عدا ذلك من المواقف والذِّكْر والدعاء لا يمنعُ الحيضُ شيئًا منه ، فتفعله الحائض كلَّه ، فدخل في ذلك الوقوفُ بعَرَفَةَ ، والمُزْدَلِفَةِ ، ورَمْيُ الجِمارِ ، وذِكْرُ اللَّهِ عز وجل ودعاؤه في هذه المواطن ، وكل هذا متفَق على جوازه . ولم يدخل في ذلك السعي بين الصفا والمروة ؛ لأنه تابع للطواف لا يُفعل إلاَّ بعده ، ولم تكن عائشةُ طافت قبل حيضها ، فلو كانت قد طافت قبل حيضها لدخل فيه السعي - أيضًا . وهذا كله متفق عليه بين العلماء إلاَّ خلافًا شاذًا في الذكر ، وقد ذكرناه فيما سبق في ((أبواب الوضوء)» ، وإلا السعيَّ بين الصفا والمروة ؛ فإن للعلماء فيه اختلافًا : هل يُفعل مع الحيض ، أم لا ؟ والجمهور : على جوازه مع الحيض ، ومَنَع منه طائفةٌ من السَّلَف ، لكن منهم من علَّل ذلك بمنْع تقدمٍ السعي للطواف ، فلو كانت طافت ثم حاضت لَزال المنعُ حينئذٍ على هذا التعليل ، وحُكي المنعُ روايةً عن أحمد ، وحكي عن ابن عمر . ومَنَع إسحاقُ الجُنُبَ من السعي دون الحائض ؛ لأن الجنب لا عذر له في و تأخير الغسل ؛ بخلاف الحائض . وقد روى يحيى بن يحيى الأندلسيّ (١) حديثَ عائشةَ الذي خرَّجه البخاري (١) في ((موطأ مالك)) (ص ٢٦٦). ٤٢٥ كتاب الحيض ٧ - باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت هَاهُنَا : عن مالك ، عن عبد الرحمنِ بنِ القاسِمِ ، وقال فيه : ((غَيْرَ أنْ لا تَطُوفِى بالبِيَّت ، ولا بالصَّفًا والمَرْوَةِ، حتى تَطْهُرِي)) . وزيادة ((الصفا والمروة)) وَهْم على مالك ، لم يذكره عنه أحد غيرُ يحيى - : قاله ابن عبد البر(١). وفي ((صحيح مسلم) (٢)، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن جابرٍ، وذَكَر قصةَ عائشةَ في حيضها في الحج، وقال في آخره: فقال لها النبي ◌َِّ: ((اغْتَسِلِي، ثم أَهِلِّي بالحَجِّ»، ففعلتْ، ووقفتْ المواقفَ، حتى إذا طَهُرَتْ طافتْ بالكعبة ، والصفا والمروة . وخرج البخاري في ((الحج))(٣) من حديث عَطَاءِ ، عن جابرٍ ، قال : حاضت عائشة ، فنسكت المناسكَ كلها ، غير أنها لم تَطُف بالبيت ، فلما طَهُرَتْ طافت بالبيت . وهذا هو الذي عَلَّقه البخاري هَاهُنا، وزاد فيه: ((ولا تصلي)). وهذه اللفظة خرَّجها الإمام أحمد (٤) من رواية أبي الزُّبَيْرِ ، فذكر الحديثَ ، وفيه : أن النبي ◌َّهِ قال لها: ((اغْتَسلي، وأَهلِّي بالحَجِّ، ثُمَّ حُجِّي واصْنَعِي ما يَصْنَعُ الحاجَّ، غيرَ أنْ لا تَطُوفِي بالبَيْتِ ولا تُصَلِّي)) . قالتْ: ففعلتُ ذلك ، فلما طَهُرْتُ قال : ((طُوفِي بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ)). وأما طواف الحائض بالبيت ، فالجمهور على تحريمه ، ورخَّص فيه طائفةٌ من المالكية إذا لم تَحْتَبَس لها الرُّفْقَةُ أنْ تَطُوف للإفاضة حينئذٍ ، وسنذكر ذلك في موضعه من ((الحج)) - إن شاء اللَّه تعالى. (١) في ((التمهيد)) (٢٦١/١٩)، وقال: ((وهو - عندي - وَهْمٌ منه)). (٢) (٣٥/٤) . (٣) برقم (١٦٥١) و (١٧٨٥) وكذا في ((الأحكام)) (٧٢٣٠). وانظر: ((تغليق التعليق)) (١٧٨/٢ - ١٧٩). (٤) في ((المسند)) (٣٠٩/٣). ٤٢٦ حديث : ٣٠٥ كتاب الحيض وأما حديث أم عَطِيَّةَ في إخراج الحُيَّضِ في العيدين ، فقد خرَّجه البخاري في مواضعَ متعددة من ((كتابه)) مبسوطًا ، وفيه دليل على جواز الذِّكْرِ والدعاء للحائض . وأما ما ذكره - تَعْلِيقًا -، أنَّ النبي ◌َ لّ كان يذكر اللَّهَ على كل أحيانه : فخرَّجه مسلم في ((صحيحه)(١) من حديث البَهِيِّ، عن عُرْوَةً ، عن عائشةَ . وذَكَر الترمذي في ((علله))(٢) أنه سأل البخاريَّ عنه ، فقال : هو حديث صحيح . وذَكَر ابنُ أبي حاتمٍ(٢)، عن أبي زُرْعَةَ، أنه قال: لم يُرْوَ إلاَّ من هذا الوجه ، وليس هو بذاك . وفيه : دليلٌ على أنَّ الذِّكْرِ لا يَمنع منه حدثٌ ولا جَنابة ، وليس فيه دليلٌ على جواز قراءة القرآن للجنب ؛ لأن ذكْر اللَّه إذا أُطلق لا يُراد به القرآن . واستدلاله بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فهو دليل على جواز التسمية للحائض والجنب ؛ فإنهما غير ممنوعين من التذكية . قال ابنُ المُنْذِرِ : لا أعلم أحدًا منع من ذلك . قال : وأجمع أهل العلم على أن لهما أن يذكرا اللَّه ويسبحانه . فلم يبق مما ذكره البخاري في هذا الباب سوى قراءة القرآن ، وظاهر كلامه أن الحائض لا تُمنع من القراءة. واستدل [ بكتابة] (٤) النبي وَّهِ البسملة مع آية من القرآن إلى هِرَقْلَ. (١) (١٩٤/١) . (٢) (ص ٣٦٠) . (٣) في ((علله)) (١٢٤). وزاد : ((فذكرت قول أبي زرعة لأبي - رحمه الله - ، فقال: الذي أرى، أن يذكر الله على كل حالٍ ، على الكنيف وغيره ، على هذا الحديث)) . (٤) في الأصل مشتبهة . ٤٢٧ كتاب الحيض ٧ - باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت وذكر عن النخعي ، أن الحائض تقرأ الآية ، وعن ابن عباس أنه لم يَرَ بالقرآن للجنب بأساً . أما ابن عباس ، فقد حكى عنه جوازَ القرآن للجنب غيرُ واحد . قال ابنُ المُنْذِرِ : رُوِينا عن ابن عباس أنه كان يقرأ وِرْدَهُ وهو جنب ، ورخَّص عِكْرِمَةُ وابنُ المُسَيَّبِ في قراءته . وقال ابن المسيب : أليس في جَوْفه ؟ انتھی . وكذا قال نافِعُ بنُ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ في قراءة القرآن على غير طهارة : لا بأسَ به ، أليس القرآن في جوفه ؟ وممن رأى الرخصة في قراءة القرآن للجنب قَسامَةُ بن رُهَيْر ، والحكَم ، ورَبِيعَةُ ، وداود . ورُوي - أيضًا - عن معاذ بن جبل، وأنه قال: ما نهى رسول اللَّه وَ ل عن شيءٍ من ذلك . خرَّجه ابن جرير بإسناد ساقط لا يصح ، والظاهر أنه مِمَّا وَضَعَهُ محمد بن سعيد المصلوب ، وأُسْقِطَ اسمُهُ من الإسناد ؛ فقد وجدنا أحاديث متعددة بهذا الإسناد ، وهي من موضوعات المصلوب . وحُكي جوارُ القراءة للجنب والحائض عن طائفة من أهل الحديثِ ، منهم: ابنُ المُنْذِر ، والطَّحاوِيُّ . وأما من رخَّص للجنب في قراءة الآية ، فقد حكاه البخاري عن النَّخَعِيِّ في الحائض. وفي ((كتاب ابن أبي شَيْبَةَ))(١) عن النخعي: أن الحائض والجنب لا يُتِمُّ الآيةَ . (١) (١/ ٩٨ - الثقافية). ٤٢٨ حديث : ٣٠٥ كتاب الحيض وروى أبو حنيفةَ ، عن حَمَّدٍ ، عن إبراهيمَ في الجنب : لا بأسَ أن يَقرأ الآيةَ . قال أبو حنيفةَ : والحائض مثلُه . وحُكي روايةً عن أحمدَ بجواز قراءة الآيةِ ، وهي مخرّجة من كلامه ، ليست منصوصةً عنه ، وفي صحة تَخريجها نظرٌ . ورُوي عن طائفة الرخصةُ في قراءة الآية والآيتين ، روي عن سعيدِ بنِ جُبِيْرٍ وعبد الله بن مغفل ، وعِكْرِمَةَ . وروي عن عكرمةَ : لا بأسَ للجنب أن يقرأ ؛ ما لم يَقرأ السورةَ . ومنهم من رخَّص في قراءة ما دون الآية ، هو مرويٌّ عن جابرِ بنِ زَيْدٍ ، وعَطَاءِ ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ، والنَّخَعِيِّ ، والثَّوْرِيِّ، وروايةٌ عن أحمدَ ، وإسحاقَ، وحكي عن الطَّحاوِيِّ . ومنع الأكثرون الحائض والجنبَ من القراءة بكلِّ حال ، قليلاً كان أو كثيراً ، وهذا مرويٌّ عن أكثرِ الصحابةِ ، روي عن عمرَ ، وروي عنه أنه قال: لو أن جنبًا قرأ القرآنَ لَضربتُه . وعن عليٌّ ، قال : لا يقرأ ولا حرفًا . وعن ابن مسعودٍ ، وسَلْمانَ ، وابنِ عُمرَ . وروي عن جابرٍ ، قال البَيْهَقِيُّ (١): وليس بقوي . وروي عن ابن عباسٍ بإسناد لا يصح . وهو قول أكثرِ التابعين ، ومذهبُ الثوري ، والأَوْزاعي ، وابن المُبَارَكِ ، وأبي حنيفةَ ، والشافعي ، وأحمد وإسحاقَ - في إحدى الروايتين عنهما - ، وأبي ثَوْرِ وغيرِهم . وهو قول مالك في الجنب ، إلا أنه رخَّص له في قراءة آيتين وثلاث عند المنام للتعوذ . (١) في ((السنن الكبرى)) (٨٩/١)، وفيه أكثر هذه الآثار . ٤٢٩ كتاب الحيض ٧ - باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت ورخَّص الأوزاعي له في تلاوة آيات الدعاء والتَّعَوَّذِ، تَعَوُّذًا لا قِراءَةً . وهذا أصح الوجهين للشافعية - أيضًا . وقال سعيد بنُ عبد العزيز : رُخِّص للحائض والجنب في قراءة آيتين عند الركوب والنزول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ الآية [الزخرف: ١٣]، و ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنزَلَاً مُبَارَكًا﴾ [المؤمنون: ٢٩] الآية . وعن مالك في الحائض روايتان: إحداهما: هي كالجنب، والثانية: أنها تقرأ. وهو قول محمدِ بنِ مَسْلَمَةَ ؛ لأن مدة الحيض تطولُ ، فيُخشى عليها النسيانُ، وهي غيرُ قادرة على الغُسل ، بخلاف الجنبِ . وحكى أبو ثَوْرِ ذلك عن الشافعي ، وأنكره أصحاب الشافعي عنه . وعَكَس ذلك آخرون ، منهم : عَطَاءٌ ، قال : الحائض أشدُّ شأنًا من الجنب ، الحائض لا تقرأ شيئًا من القرآن ، والجنب يقرأ الآية . خرَّجه ابن جريرٍ بإسناده عنه . ووجه هذا : أنَّ حَدَثَ الحيض أشدُّ من حدث الجنابة ؛ فإنه يَمنع ما يَمنع منه حدث الجنابة وزيادةً ، وهي الوطء(١) والصوم ، وما قيل من خشية النسيان فإنه يندفع بتذكر القرآن بالقلب ، وهو غير ممنوعٍ به . وفي نهي الحائض والجنب عن القراءة أحاديثُ مرفوعة ، إلاَّ أن أسانيدها غير قوية ، كذا قال الإمام أحمد في قراءة الحائض ، وكأنه يشير إلى أن الرواية في الجنب أقوى ، وهو كذلك . وأقوى ما في الجنب : حديث عبد اللَّه بن سَلَمَةَ، عن عليٍّ ، قال : كان رسول اللَّه وَ لّهِ يخرج من الخلاء فيُقُرئنا القرآنَ، ويأكل معنا اللحم ، ولم يكن يحجبه - أو يحجزه - عن القرآن شيءٌ ، ليس الجنابة . (١) مشتبهة . ٤٣٠ حديث : ٣٠٥ کتاب الحيض خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه ، وخرّجه الترمذي بمعناه ، وقال : حسن صحيح ، وخرجه ابن خُزَيْمَةَ وابن حِبَّانَ في ((صحيحيهما)» والحاكم ، وقال : صحيح الإسناد(١). وتَكَّلَم فيه الشافعي وغيره ؛ فإن عبد الله بن سلمة هذا رواه بعدما كبر ، قال شُعْبَةُ عنه: كان يحدثنا ، فكنَّا نعرفُ وننكرُ ، وقال البخاري: لا يُتابع في حديثه ، ووثقه العِجْلِيُّ ويعقوبُ بن شَيْبَةَ، وقال ابن عَدِيِّ : أرجو أنه لا بأس به . والاعتماد في المنع على ما رُوي عن الصحابة ، ويعضده : قول عائشةَ وميمونةَ في قراءة النبيِّ وَ ◌ّ القرآنَ في حجرهما في حال الحيض ؛ فإن يدل على أن للحيض تأثيرًا في منع القراءة . وأما استدلال المجيزين بحديث عائشة : ((اصنعي ما يصنع الحاجّ، غيرَ أنْ لا تَطُوفي)) فلا دلالةَ لهم فيه ؛ فإنه ليس في مناسك الحج قراءةٌ مخصوصة حتى تدخل في عموم هذا الكلام ، وإنما تدخل الأذكارُ والأدعية . وأما الاستدلال بحديث الكتابِ إلى هِرَقْلَ ، فلا دلالة فيه ؛ لأنه إنما كَتَب ما تدعو الضرورةُ إليه للتبليغ ، وقد سَبَقَ ذِكْرُ ذلك في شرح حديث هرقل في أول الكتاب . وقد اختلف العلماء في تمكين الكافرِ من تلاوة القرآن ، فرخص فيه الحسن وأبو حنيفةَ وغيرهما ، ومنهم من منع منه ، وهو قول أبي عُبَيْدٍ وغيرِه . وأختلف أصحابنا في ذلك ، فمنهم من منعه مطلقًا ، ومنهم من رخَّص فيه (١) هو في ((المسند)) (٨٣/١ - ٨٤ - ١٠٧ - ١٢٤) وعند أبي داود (٢٢٩) والنسائي (١/ ١٤٤) وابن ماجه (٥٩٤) والترمذي (١٤٦) وابن خزيمة (٢٠٨) وابن حبان (٧٩٩) (٨٠٠) والحاكم (١٥٢/١) (١٠٧/٤). وانظر: ((العلل)) للدارقطني (٢٤٨/٣ - ٢٥١) و((مسند البزار)) (٧٠٦) (٧٠٧) (٧٠٨). ٤٣١ كتاب الحيض ٧ - باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت مطلقًا ، ومنهم من جَوَّزَه إذا رُجي من حال الكافر الاستهداءُ والاستبصار، ومَنَعَه إذا لم يُرْجَ ذلك . والمنقول عن أحمد أنه كرهه . وقال أصحاب الشافعي : إن لم يُرْجَ له الاستهداءُ بالقراءة مُنْع منها ، وإن رُجي له ذلك لم يُمنع ، على أصح الوجهين . ٤٣٢ حديث : ٣٠٦ كتاب الحيض ٨ - بَابُ الاستحاضة ٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةً، أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ◌َ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي لاَ أَطْهُرُ ؛ أَفَدَعُ الصَّلاَةَ؟، فَقَالَ رَسُولُ الَّهِ نَّهِ: ((إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْخَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلاَةَ، فَإِذَا ذَهَبَ عَنْكِ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» . هذا الحديث خرَّجه البخاري في مواضعَ متعددة من ((كتاب الحيض)) ، وفي بعضها (١): أنها قالت: ((إني أُسْتَحَاضُ فلا أَطْهُرُ)، وفي بعضها (٢): ((إذا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وصَلِّي)»، وفي بعضها (٣): (دَعِي الصَّلاةَ قدر الأَيَّامِ التي كُنْتِ تَحِيضِينَ فيها، ثم اغْتَسلِي وصِّي)) . وكل هذه الألفاظ من رواية هشامٍ ، عن أبيه ، عن عائشةً . وخرَّج - أيضًا (٤) - من رواية ابن أبي ذِئْبٍ ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ - وعن عَمْرَةَ -، عن عائشةَ: أن أَمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فسألتْ رسولَ اللَّهِ وَه عن ذلك ، فَأَمَرَها أنْ تَغتسل ، فقال : ((هَذا عرْقٌ) ، فكانت تَغْتسل لكلِّ صلاة . المستحاضة : هي من اختلطَ دمُ حيضها بدَمٍ غيرِ الحيض ، هو دم فاسد غيرُ طبيعيٌّ ، بل عارِضٌ لمرضٍ، فدم الحيض هو دَمُ جِلَّة وطبيعةٍ ، يرخيه الرحم بعد البلوغ في أوقات معتادة، وسُمِّي حيضًا لأنه يَسِيل، ويقال: حاض الوادي إذا سال . (١) برقم (٢٢٨) في كتاب ((الوضوء)) و (٣٢٥) في كتاب ((الحيض)). (٢) برقم (٣٢٠) و (٣٣١). (٣) برقم (٣٢٥) . (٤) برقم (٣٢٧) . ١ ٤٣٣ ٨ - باب الاستحاضة کتاب الحيض وقد فرَّق النبيُّ وَّ بين دم الحيض والاستحاضة بأن دم الاستحاضة عرق ، وهذا يدل على أن دم الحيض ليس دمَ عرق ؛ فإنه دمٌ طبيعي ، يرخيه الرحم فيخرج من قَعْرِهِ ، ودم الاستحاضة يخرج من عرق ينفجر ، [ ومنه ] (١) الذي يسيل في أَدْنى الرحم دون قَعْرِهِ . وفي (سنن أبي داود)) من حديث أَسْماءَ بنتِ عُمَّيْسٍ، عن النبي ◌ِّ، أنه قال : ((هذا من الشَّيْطانِ)) - يعني: دمَ الاستحاضة(٢). وخرَّج النسائي(٣) من حديث عَمْرَةَ، عن عائشةَ، أن النبي ◌ِّ قال في المستحاضة: ((لَيْسَتْ بالْحَيْضَة، ولَكنَّها رَكْضَةٌ من الرَّحم))(٤). ومن حديث القاسم ، عن عائشة : أن امرأة مُستحاضة على عهد النبي قيل لها : إنَّه عِرْقٌ عَانِدٌ (٥). رستم وفي حديث حَمْنَةَ، عن النبي ◌ِّهِ، أنه قال: ((إنما هو رَكْضَةٌ من الشَّيطان)). خرَّجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي(٦). وفي حديث عثمان(٧) بن سعد ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ ، عن فاطمةَ بنت (١) مشتبهة، رسمت هكذا: ((وفمنه)). (٢) لم أجد هذا في ((سنن أبي داود)) من حديث أسماء بنت عميس ، وإنما وجدته من حديث حمنة بنت جحش (٢٨٧) بلفظ: ((إنما هذه ركضةٌ من ركضات الشيطان .... )) وسيأتي. وأما حديث أسماء بنت عميس، فأخرجه الحاكم (١٧٤/١) والدار قطني (٢١٥/١ - ٢١٦). والله أعلم . ثم وجدته بحمد اللَّه برقم (٢٩٦) . (٣) (١٨٣/١) . (٤) في الأصل : ((من الدم)) خطأ . (٥) ((سنن النسائي)) (١٨٤/١). (٦) أخرجه أحمد (٤٣٩/٦) وأبو داود (٢٨٧) والترمذي (١٢٨) وتقدم تعليقًا قبل قليل. (٧) في الأصل: ((حطان)) تصحيف. ٤٣٤ حديث : ٣٠٦ كتاب الحيض أبي حُبَيْشٍ، عن عائشة(١)، أن النبي وَِّ قال: ((إنما هو عرْقٌ انقطعَ، أو داءٌ عرضَ، أو رَكْضَةٌ من الشَّيطان)). وروى أبو عُبَيْدٍ في ((غرِيبه)): نا حَجَّاج، عن حَمَّدٍ بن سَلَمَةَ، عن عَمَّارٍ بن أبي عَمَّارٍ ، عن ابن عباسٍ، أنه سُئل عن المستحاضة ؟ فقال: ذلك العاذلُ يَغْذُو. قال أبو عبيد : ((العَاذِل)): اسم العِرْقِ الذي يخرجُ منه دمُ الاستحاضة . وقوله : ((يَغذو)) - يعني : يسيل. قال : ونا أبو النضر ، عن شعبة ، عن مجاهد (٢)، عن ابن عباس ، قال : إنه عرق عائدٌ ، أو ركضةٌ من الشيطان . قال : وقوله : ((عاند)) - يعني : أنه عَنَدَ وبَغي كالإنسان يعاند عن القَصْد، فهذا العِرْق في كثرة ما يخرج من الدم بِمَنْزِلَتِهِ . والركضة : الدفعة . وقد اختلف العلماء في تفسير الاستحاضة ، على حسب اختلافهم في حدٍّ أكثر الحيض . فمن قال: له حَدٌّ محدودٌ ، قال : المستحاضة من جاوز دَمُها أكثر الحيض ، وهذا قول الأكثرين منهم . وقد أشار البخاري إلى الاختلاف في ذلك - فيما بعد - ، ويأتي الكلام فيه في موضعه - إن شاء الله تعالى . ومن قال : ليس لأكثره حد محدود ، وإنما يرجع إلى عادة المرأة ، فإنه يرى (١) ضرب في الأصل على ((عائشة))، وليس بالبين، لكن ابن أبي مليكة لا يروي عن فاطمة، إنما يروي عن عائشة مباشرة ، مع العلم بأن ((فاطمة بنت أبي حبيش)) إنما ألحق بالهامش ، فهذا الإسناد مشكل ، وانظر: ((المسند» (٤٦٤/٦). (٢) كذا بالأصل، وأظنه خطأ، والذي في ((الغريب)) لأبي عبيد (٤/ ٢٣٠): ((عمار مولى بني هاشم)) بدل: ((مجاهد))، وهو : عمار بن أبي عمار المذكور في الإسناد السابق . وقد ذكر المزيُّ (١٩٩/٢١) أن شعبة روى عن عمار هذا حديثًا واحدًا، فلعله يقصد هذا. والله أعلم . ٤٣٥ ٨ - باب الاستحاضة کتاب الحیض أن عادتَها إذا زاد الدم عليها مدة طويلة كان ذلك استحاضةً . وقد ذكر أبو داود في ((سننه)) (١)، قال : روى يونس ، عن الحسن في الحائض إذا مدَّ بها الدم : تُمسك بعد حيضها يوما أو يومين ، فهي مستحاضة. وقال التيمي ، عن قتادة : إذا زاد(٢) على أيام حيضتها خمسة أيام فلتصلُ. قال التيمي : فجعلت أُنْقِص حتى بَلَغْتُ يومين ، فقال : إذا كان يومين فهو من حيضها . وسئل عنه ابن سيرين ، فقال : النساء أعلم بذلك . وقد ذكر البخاري قولَ ابن سيرين هذا فيما بعد تعليقًا ، ويأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى . روى حرب الكرماني: ثنا إسحاق - هو: ابن راهويه - : ثنا عبد الأعلى ، عن يُونس ، عن الحسنِ ، في امرأة كان أقراؤها سبعةَ أيامٍ قبلَ أن تتزوج ، فلما تزوجت ارتفعت إلى خمسةَ عشر أو ثلاثةَ عشر ؟ قال : تنظر تلك الأيام التي كانت تحيضها قبل أن تتزوج ، فإذا مضت اغتسلت كلَّ يومٍ عند صلاةِ الظهرِ إلى مثلها ، وتوضَّأَتْ عند كل صلاة ، وتتنظف ، وتصلِّي . قال : ونا إسحاق : نا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، قال : قلت لمحمد ابن سيرينَ : المرأة تحيض فتزيد على ذلك خمسة أيامٍ ؟ قال : تصلِّي ، قلت : يومين ؟ قال : ذلك من حيضتها . وروى حرب بإسناده ، عن الأوزاعي ، في المرأة تمكث في حيضها سبعةَ أيامٍ ثم ترى بعد السبعةِ دَمًا ؟ قال : إن شاءَت استطهرتْ بيومٍ ، ثم تغتسل وتصلّي . (١) عقب (٢٨٦) . (٢) في الأصل: ((زادت)). ٤٣٦ حديث : ٣٠٦ کتاب الحیض ومذهب أحمد وأصحابه : أن الحائضَ إذا كان لها عادةٌ مستمرةٌ فإنَّها تجلس أيام عادتها . وهل تثبت عنده العادة بمرتين ، أو ثلاث مرار ؟ على روايتين عنه . فإن لم يكن لها عادة ، مثل أن تكون مبتدأةً ، فإنها لا تزيد على أن تقعد أقلّ الحيض عنده ، وهو يوم وليلة ، ثم تغتسل وتصلي حتى تثبت لها عادة بمرتين أو ثلاث فتنتقل إليها . هذا هو الصحيح عنده . وكذلك إذا كانت معتادةً ، فزادت عادتها ، فإنها تغتسل عند انقضاء عادتها وتصلِّي ، فإن انقطع لأكثر الحيض فما دونه على قدرٍ واحدٍ مرتين أو ثلاثًا - على ے اختلاف الروايتين عنه - صار عادة بائنة منتقلة ، وانتقلت إليه . وتمسَّكَ لذلك بأن النبي وَيُلو أمر المستحاضة بأن تدع الصلاة في الأيام التي كانت تحيض فيها ، وهذا ردًّ إلى العادة المعتادة المستمرة . وأما مذهب مالك فيمن لها عادة فزادت عليها ، فعنه فيها روايتان : إحداهما : تجلس ما تراه من أول مرة ؛ ما لم يزد على أكثر الحيض ، وهو خمسة عشر يومًا . والثانية : أنها تستطهر على عادتها بثلاثة أيام ، ما لم تجاوز خمسة عشر يومًا ، تغتسل وتصلي ، وهي التي رجع إليها مالك ، وعليها المصريون من أصحابه ، وهي قول الليث بن سعد . وإذا استحيضت هذه فإنها تستطهر على أكثر أيام عادتها ما لم تجاوز خمسة عشر - أيضًا - ، وفيه عنه خلاف يأتي ذكره فيما بعد . ومذهب الشافعي وأبي حنيفة : أنها تجلس ما تراه من الدم ما لم يجاوز أكثر الحيض ، سواء اتفقت عادتها ، أو اختلفت ، ولا عبرة بالعادة فيما يمكن أن يكون حيضًا . ٤٣٧ ٨ - باب الاستحاضة كتاب الحيض وأما قول النبي وَّ: ((فإذَا أقبلت الحيضةُ فاتركي الصلاة ، فإذا ذهب عنك قدرها فاغسلي عنك الدمَ وصلِّي)» - وفي رواية : ((فإذا أدبرتْ)). فقد اختلف العلماء في تأويله : فتأوله الأكثرون ، منهم : مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد على أن المراد به اعتبار تميز الدم ، وأن هذه المستحاضة كان دمها متميزاً ، بعضه أسود وبعضه غير ذلك ، فردها إلى زمن دم الحيض وهو الأسود الثَّخين ، فإذا أقبل ذلك الدم تركت الصلاة ، فإذا أدبر وجاء دمٌ غيرُهُ فإنها تغتسل وتصلِّي . وقد جاء التصريح بذلك في رواية أُخرى من طريق محمد بن أبي عديٌّ ، عن محمد بن عَمْرو بن عَلْقمة ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن فاطمة بنت أبي حُبيش، أنها كانت تُستحاض، فقال لها النبيَّ ◌َّ: ((إذَا كَانَ دَمُ الحيضة، فإنه دمٌّ أسودُ يعرفُ، فإذا كان ذلكَ فأمسكي عن الصلاة ، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلِّي، فإنَّما هو عِرْقٌ) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في ((صحیحیهما)) والحاكم(١). وقال : صحيح على شرط مسلم . وقال الدارقطني : رواته كلهم ثقات . وقد تكلم فيه آخرون : قال النسائي : روى هذا الحديث غير واحد ، فلم يذكر أحد منهم ما ذكره ابن أبي عدي . وقال ابن أبي حاتم(٢): سألت أبي عن هذا الحديث ؟ فقال: لم يتابَع محمد (١) أحمد (٤٢٠/٦ - ٤٦٣ - ٤٦٤) وأبو داود (٢٨٦) (٣٠٤) والنسائي (١٨٥/١) وابن حبان (١٣٤٨) والحاكم (١٧٤/١) والدار قطني (٢٠٦/١ - ٢٠٧). (٢) في ((العلل)) (١١٧). ٤٣٨ حديث : ٣٠٦ كتاب الحيض ابن عمرو على هذه الرواية ، وهو منكرٌ . وأيضًا ؛ فقد اختلف على ابن أبي عدي في إسناده ، فقيل : عنه كما ذكرنا. وقيل عنه في إسناده : عن عروة ، عن عائشة . وقيل : إن روايته عن عروة ، عن فاطمة أصحّ ؛ لأنها في كتابه كذلك . وقد اختلف في سماع عروة من فاطمة . وفي ((سنن أبي داود))(١) من رواية سُهيل، عن الزهري ، عن عروة ، عن أسماء بنت عُميسٍ، أن النبي ◌َِّ قال في أمر فاطمة بنت أبي حُبِيشِ: ((لتجلسْ في مِرْكَنٍ ، فإذا رَأَتْ صُفُرةً فوقَ الماء فلتغتسلْ)) . وفي إسناده اختلاف . وقد قيل : إنَّ الصَّحيح فيه : عن عروة ، عن فاطمة. وفي بعض ألفاظه: ((فأمرها أن تقعد أيامَها التي كانت تقعد ، ثم تغتسل)). والأظهر - والله أعلم -: أن النبي ◌َّ إنما رَدَّها إلى العادة لا إلى التمييز؛ لقوله : ((فإذا ذهب عنك قدرها)) ، كذا في رواية مالك ، عن هشام ، وهي التي خرجها البخاري في هذا الباب . وقد تأولها بعض المالكية على أنها كانت مميزةً ، لكن يزيد دم تمييزها على أكثر الحيض ، فتجلس منه قدر العادة . وقال بعضهم : المرادُ بقدرها : ذهابُ دمها وانقضاؤها . وتأوَّله بعضهم : على أن المراد بذهاب قدرها : الاستطهار بعد مدتها بثلاثة أيام على ما يراه مالك . وكل هذه تأويلاتُ بعيدةٌ ، تخالف ظاهرَ اللَّفظِ . وفي رواية أبي أسامة ، عن هشام : ((دعي الصلاةَ قدرَ الأيامِ التي كنتِ (١) (٢٩٦) . ٤٣٩ ٨ - باب الاستحاضة کتاب الحيض تحيضینَ فيها ، ثم اغتسلي وصلِّي)) . وقد خرجها البخاري فيما بعد(١). ھے وهذه الرواية صريحة في ردها إلى العادة دون التمييز . وخرج مسلم(٢) من حديث عِراكِ بن مالك، عن عروةَ ، عن عائشةً ، أنَّ أم حبيبةَ سألتْ رسولَ اللَّهِوَله عن الدَّمِ؟ فقال لها النبي ◌َِّ: ((امكثي قدرَ ما کانتْ تحبسك حیضتكِ ، ثم اغتسلي وصلِّي» . وفي رواية (٢): أنها شَكَتْ إليه الدَّم . وروى مالك (٣)، عن نافع، عن سليمان بن يسار ، عن أمِّ سلمةَ زوج النبي وَل﴿، أنَّ امرأةً كانت تُهراق الدِّماء على عهد رسول اللَّهُ وَِّ، فاستفتَتْ لها أُّ سلمة رسولَ اللَّهِ وَهِ، فقال: (لتنظرْ عَدَّةَ اللَّيالي والأيام التي كانتْ تَحِيضُهنَّ من الشَّهرِ [ قبلَ أنْ يُصيبَها الذي أصابَها، فلنترك الصَّلاةَ قدرَ ذلكَ من الشَّهرِ ]، فإذا خَلَّفَتْ ذلكَ فلتغتسلْ، ثمَّ لَتَسْتَثْفِرْ بثوب، ثم لتصلِّ) . وخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي(1). وخرجه الإمام أحمد والنسائي - أيضاً - وابن ماجه(٥) من حديث عُبيد الله بن عمر ، عن نافع - بنحوه . وخرجه أبو داود - أيضًا (٦) - من رواية الليث ، عن نافع ، عن سليمان بن يَسَار ، أن رجلاً أخبره عن أم سلمة . (١) (٣٢٥) . (٢) (١/ ١٨١ - ١٨٢). (٣) ((الموطأ)) (ص ٦٢) والزيادة منه. (٤) أحمد (٣٢٠/٦) وأبو داود (٢٧٤) والنسائي (١٨٢/١). (٥) أحمد (٢٩٣/٦) والنسائي (١٨٢/١) وابن ماجه (٦٢٣). (٦) (٢٧٥) . ٤٤٠ حديث : ٣٠٦ كتاب الحيض ومن طريق(١) أبي ضَمْرة ، عن عُبيد اللَّه بن عُمر، عن نافع ، عن سليمانَ، عن رجلٍ من الأنصار ، أن امرأة كانت تُهراق الدماء - فذكره بمعناه. فَتَبَيَّنَ بهذا أن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة . وروى أيوب ، عن سليمان بن يسار ، عن أم سلمة ، أن فاطمةَ بنت أبي حُبيش استُحيضت، فسألتْ رسولَ اللَّهِ وَ لَه، فقال: ((إنه ليس بالحيضة، ولكنه عرق))، وأمرها أن تدعَ الصلاةَ أيامَ أقرائها ، أو قدرَ حيضها ، ثم تغتسل ، فإنْ غَلَبها الدم استثفرتْ بثوبٍ وصلَّت(٢). فهذه الرواية تشهد لما ذكرناه من أن النبي وَّه إنما ردَّ فاطمةَ إلى العادة. وكذلك روى المنذر بن المغيرة ، عن عروةَ ، أن فاطمةَ بنت أبي حُبيش حدثته، أنها سألتْ رسولَ اللَّهِ وَلِّ وشكتْ إليه الدمَ؟ فقال لها رسول اللَّه وَلّى: ((إنما ذلكَ عرقٌ، فانظري إذا أتاك قرؤك فلا تصلِّ، فإذا مرّ قرؤك فتطهري ، ثم صلِّي ما بين القرءِ إلى القرءِ» . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي (٣). وقد روي عن النبي وَ له من وجوهِ متعددة أنه أمر المستحاضة أن تدعَ الصلاةَ أيامَ أقرائها ثم تغتسل . وهذه النصوص كلها تدل على الرجوع إلى العادة المعتادة لها قبلَ الاستحاضة . والمستحاضةُ لها أربعة أحوال : الحالة الأولى : أن تكون مميِّزَةً ، وهي التي دمها مميّز ، بعضه أسود وبعضه أحمر أو أصفر . (١) (٢٧٦) . (٢) أخرجه أحمد (٣٢٢/٦ - ٣٢٣) وأبو داود (٢٧٨) . (٣) أحمد (٦/ ٤٢٠ - ٤٦٣ - ٤٦٤) وأبو داود (٢٨٠) والنسائى (١٨٣/١ - ١٨٤).