النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
٢ - باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله
كتاب الحيض
بالطهارة ؛ فإنه أخف حَدَثًا .
وقد كان ابن عباسٍ يَكْره تَرجيلَ الحائضِ رأسَه ، حتى نَهَتْه خالتُهُ مَيْمُونَةُ عن
ذلك :
قال الإمام أحمد (١): ثنا سُفْيانُ، عن مَنْبُوذِ، عن أمِّه، قالت : كنت عند
ميمونةَ ، فأتاها ابن عباسٍ ، فقالت : يا بُنَيَّ ! مالَكَ شَعِثًا رأسك ؟ قال: أمُّ عَمَّار
مُرَجِّلَتِي حائضٌ ، قالت : أي بني ! وأين الحيضة(٢) من اليد ؟ كان رسول اللَّهُ
* يدخل على إحدانا وهي حائض، فيضع رأسَه في حجرها، فيقرأ القرآنَ
وهي حائضٌ ، ثم تقوم إحدانا بخُمْرَتِهِ فتضعها في المسجد وهي حائض ، أي
بني ! وأين الحيضةُ من اليد ؟
واستدل جماعة من الفقهاء بتَرجيل الحائضِ رأسَ الحيِّ وَغَسْلِهِ على جواز
غَسلها للميت ، منهم : أبو ثَوْرِ ، وله في ذلك حكايةٌ معروفة ، إذ سُئل عن هذه
المسألة جماعةٌ من أهل الحديث فلم يَهتدوا للجواب ، فأجاب أبو ثور بالجواز ،
واستدل بهذا الحديث ، ويحديث ((إنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ)).
وحُكي عن أحمد - أيضًا - نظيرُ هذه الحكاية بإسناد فيه بعض من لا يُعرف .
وممن رَخَّص في تغسيل الحائضِ والجنبِ للميتِ : عطاءٌ والثَّوْرِيُّ .
ورخَّص الحَسَنُ للجُنْب أن يُغَسِّل الميتَ ، وحكى الإمام أحمدُ عنه ، أنه قال
في الحائض : لا تُغَسِّل الميت ، وعن عَلْقَمَةَ أنه قال : تغسله(٣).
وفي ((كتاب عبد الرزاق))، عن عَلْقَمَةَ ، أن الحائض لا تُغسِّل الميت .
واختلفت الرواية عن أحمد فيه ، فرُوي عنه أنه قال : لا بأسَ بذلك .
(١) في ((المسند)) (٣٣١/٦). وسيأتي مثله من طريق ابن جريج ، عن منبوذ قريبًا في شرح
الحديث (٢٩٧) .
(٢) في الأصل: ((الحيض)) والمثبت من ((المسند)) المطبوع.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٤) بمعناه .

٤٠٢
حديث : ٢٩٥ - ٢٩٦
كتاب الحيض
ورُوي عنه أنه رَخص للجُنُب دون الحائض إلاَّ للضرورة .
وقد تقدم عنه روايةٌ أخرى بالرخصة للحائض مطلقًا ، وأنَّ في إسنادها نَظَرًا.
وكَرِهِ عَلْقَمَةُ والنَّخْعِيُّ والثَّوْرِيُّ وأحمدُ أن يَحضر الجُنْبُ والحائض عند الميت
عند خروج رُوحِه ؛ لما رُوي من امتناع الملائكة من دخول البيت الذي فيه
الجُنُب .
وو
وفي الجملة ؛ فَبَدَنُ الحائضِ طاهرٌ ، وعَرَقُها وسؤرها كالجُنُب ، وحكى
الإجماعَ على ذلك غيرُ واحد من العلماء .
وسُئِل حَمَّادٌ : هل تَغسل الحائض ثوبَها من عَرَقها ؟ فقال : إنما يفعل ذلك
المَجُوسُ .
وحَكى بعضُ الفقهاء عن عَبِيدةَ السَّلْمانِ : أن الحائض لا تَقْرَبُ الرجلَ ولا
تَمَسُّ منه شَيْئًا ، قال بعضهم: ولا أظنه يَصِحّ عنه .
وحَكى بعضهم عن أبي يوسفَ : أن بدنَ الحائضِ نَجِس ، وأنها إذا أصابت
ماءً قليلاً نَجَّسَتَه، وقال بعضهم - أيضًا - : لا يَصِحَّ هذا عن أبي يوسفَ.
ولكن أبو حنيفةً وأصحابه يقولون : على بدن الجنب ، وأعضاء المُحْدثَ
نجاسة حُكْمِيَّة ، تنتقل إلى الماء الذي يَرتفع به حدثُه فيصير نَجِسًا .
وهذا إنما يقولونه في الحائض إذا انقطع دمُها وأصابها الماءُ ، فإنه يَنْجُس
ويَرِتفع حدثُها بذلك وإن لم تنوِ رَفْعَ الحدث به ، على أصلهم المعروف : أنَّ
النية لا تُشترط للطهارة بالماء(١).
(١) وانظر: بحثًا قويًا لشيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على القائلين بنجاسة الماء المستعمل في
(مجموع الفتاوى)) (٦٦/٢١ - ٦٩).

٤٠٣
٣ - باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض
کتاب الحیض
٣ - بَابُ
قِرَاءَةِ الرَّجُلِ فِي حَجْرِ امْرَتِهِ وَهِيَ حَاتِضٌ
وَكَانَ أَبُو وَاثِلٍ يُرْسِلُ خادِمَهُ وَهِيَ حَائِضٌ إِلَى أَبِي رَزِينٍ ؛ لِتَآتِيَهُ بِالمُصْحَف
فُتُمْسِكُهُ بعلاقته .
٢٩٧ - حَدَّثْنَا أَبُو نُعَيْمِ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ: سَمِعَ زُهَيْرًا، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَةً،
أنَّ أُمَّهُ حَدَّثَتْهُ، أنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا، أَنَّ النَِّّ ◌َ﴿ كَانَ يَتَّكِئُ فِي حَجْرِي وَنَا حَائِضٌ،
ثُمَّ يَقْرَأُ القُرآنَ .
هذا الإسناد كله مُصَرَّح فيه بالتحديث والسماع ، إلاَّ في رواية زُهَير ، - وهو
ابن معاويةَ - ، عن منصورٍ بن صفيةً بنت شَيْبَةَ .
ومراد البخاري بهذا الباب : أنَّ قُرب القارئ من الحائض ومن موضع حيضها
لا يمنعُه من القراءة ؛ فإنَّه لو لم يكن للحيض تأثيرٌ في منع القراءة لم يكن في
إخبار عائشة بقراءة النبي ◌ٍّ﴿ القرآن وهو مُتَّكِئٌّ في حجرها في حال الحيض
معنّى، فإنها أرادت أن قرب فَمِ القارئ للقرآن من محلٌّ الحيض لا يمنعه القراءة .
وقد زعم بعضهم : أن في الحديث دلالةً على أن الحيض نفسه غير مانع من
القراءة ، ولا يصح ذلك ، إنما مراد عائشة : أن قرب الطاهر من الحائض لا
يمنع القراءة .
وقد صرحت ميمونة أمَّ المؤمنين بهذا المعنى ، كما خرجه الإمام أحمد(١) من
حديث ابن جريج : أخبرني منبوذ ، أن أمه أخبرته ، أنها بينا هي جالسة عند
ميمونة زوج النبي و لو إذ دخل عليها ابن عباس، فقالت: مالك شَعئًا؟ قال:
(١) في ((المسند)) (٣٣٤/٦).
وتقدم مثله قريبًا من حديث سفيان ، عن منبوذ في أول شرح الباب الذي قبله .

٤٠٤
حديث : ٢٩٧
كتاب الحيض
أمُّ عَمَّارِ مُرَجِّلَتِي حائضٌ . فقالت: أي بُنَيَّ ! وأين الحيضةُ من اليد ؟ لقد كان
النبي ◌َّ﴿ يَدخل على إحدانا وهي متكئة حائض، قد عَلِم أنها حائض ، فيتكئ
عليها فيَتلو القرآنَ وهو مُتْكئ عليها ، أو يَدخل عليها قاعدةً وهي حائض ، فيتكئ
في حَجرها فيتلو القرآنَ وهو متكئ في حجرها ، وتقوم وهي حائض فتبسط له
خُمرة في مصلاه - وفي رواية: فتبسط خمرته - فيصلي عليها في بيتي ، أي بُنيَّ !
وأين الحيضة من اليد ؟
وخرَّجه النسائي(١) مختصرًا، ولم يذكر قصة ابن عباس .
قال القرطبي : ويؤخذ من هذا الحديث جوازُ استنادِ المريضِ للحائض في
صلاته إذا كانت أثوابها طاهرة . قال : وهو أحد القولين عندنا .
وفي ((تهذيب المدونة)) في صلاة المريض : ولا يستند بحائض ولا جُنُب .
وقد ألحق البخاريُّ بذلك إمساكَ الحائضِ بعلاقة المصْحفِ وحَمْلَه كذلك ،
وقد حكاه عن أبي وائِلٍ .
وقد اختلف الفقهاء في حمل المُحْدِث المصحفَ بعلاقة : هل هو جائز ، أم
لا ؟ وفيه قولان مشهوران :
وممن رخَّص في ذلك: عَطَاءٌ والحَسَنُ والأَوْزَاعِيُّ والَّوْرِيُّ، وکرِهه مالِكٌ،
وحَرَّمَه أصحابُ الشافعي ، وعن أحمد روايتان ، ومن أصحابنا من جَزَم بجوازه
من غير خلاف حكاه .
وأصل هذه المسألة : منع المحدث من مسِّ المصحف ، وسواء كان حدثه
حدثًا أكبرَ، وهو من يجب عليه الغسل، أو أصغر ، وهو من يجب عليه الوضوء.
هذا قول جماهير العلماء ، وروي ذلك عن عليٍّ وسَعْد (٢) وابن عمرَ
(١) (١/ ١٤٧) .
(٢) في الأصل: ((سعيد)) خطأ، والصواب: ((سعد))، وهو: سعد بن أبي وقاص، والرواية
عنه في ذلك أخرجها البيهقي (٨٨/١) ، وكذا الرواية عن سلمان .

٤٠٥
٣ - باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض
کتاب الحيض
وسلمان، ولا يُعْرف لهم مخالف من الصحابة، وفيه أحاديث عن النبي وَلّ
متصلة ومرسلةٌ .
وخالف في ذلك أهل الظاهر .
وأجاز الحَكَمُ وحمَّاد للمحدث مَسَّه بظهر الكف دون بطنه .
وعن الحَسَن ، قال: لا بأسَ أنْ يأخذ المصحف غيرُ المتوضئ فيضعُهُ(١) من
مكان إلى مكان .
وعن سَعِيدٍ بن جُبَيْرٍ ، أنه بالَ ، ثم غسل وجهه ويديه ، ثم أخذ المصحف
فقرأ فيه .
رواهما عبد الرََّّاق(٢).
وعن الشَّعْبِيِّ، قال: مُسَّ المصحفَ ما لم تكن جُبً(٣).
ذکره وکیعٌ .
وأما الاستدلال بقوله عز وجل : ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾
[الواقعة: ٧٩]
ففيه كلامٌ ليس هذا موضعُهُ . والله أعلم .
وإن عَدِمِ الماءَ وتَّيَمَّم ، فله مسَّ المصحف عندنا وعند الشافعية والأكثرين ،
خلافًا للأَوْزاعِي .
وفي الحديث : دلالةٌ على جواز قراءة القرآن مُتَّكثًا، ومُضْطَجعًا ، وعلى
جَنَبه، ويدخل ذلك في قول اللَّه عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا
وَعَلَىْ جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١].
(١) في ((المصنف)): ((فيصعد)).
(٢) ((المصنف)) لعبد الرزاق (٣٤٢/١، ٣٤٥).
(٣) وفي ((المصنف)) لعبد الرزاق (٣٤٤/١) عن الشعبي: ((يكره أن يكتب الجنب: بسم الله
الرحمن الرحيم)) .

٤٠٦
حديث : ٢٩٨
كتاب الحيض
٤ - بَابُ
مَنْ سَمَّى النَّاسَ حَيْضًا
٢٩٨ - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: نَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْبَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّتْهُ، أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهَا، قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا
مَعَ الَّبِيِّ ◌َ﴿ مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ إِذْ حِضْتُ، فانْسَلَلْتُ ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ
حَيْضَتِي ، فَقَالَ : «أُنُفِسْتِ ؟)) فَقُلْتُ: نَعَمْ ، فدَعَانِي فاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي
الخَمِيلَة .
مكيُّ بن إبراهيم : أكبرُ شَيْخِ للبخاري ، وهو في طَبَقَةِ مالكِ ، ويَروي عن
هشامٍ بنِ عُرْوةَ وغيرِه من الأكابر .
وقد أَسقط بعضُ الرواة من إسنادٍ هذا الحديث (زينبَ بنتَ أبي سَلَمَةَ))،
وجَعَلَه عن أبي سلمة ، عن أم سلمة، والصواب : ذِكْرُ ((زينب)) فيه .
وقد تقدم(١) حديثُ عائشةَ، أن النبي ◌َّ دخل عليها وهي في الحج وهي
تَبكي ، فقال : ((مالَك؟ أَنْفُسْت؟)) قالت: نَعَمْ.
ظاهرُ حديثٍ أُمِّ سَلَمَةَ وعائشةَ يدل على أن الحيض يُسمى نفاسًا . وقد بوَّب
البخاري على عكس ذلك ، وأن النفاس يُسمى حيضًا ، وكأن مراده : إذا سُمي
الحيض نفاسًا فقد ثبت لأحدهما اسم الآخر ، فيسمى كل واحد منهما باسم
الآخر ، ويثبت لأحدهما أحكام الآخر .
ولا شكَّ أن النفاس يَمنع ما يُمنع منه الحيض ويُوجِب ما يُوجب الحيض إلاَّ
في الاعتداد به ؛ فإنها لا تَعتد به المطلَّقةُ قُرءًا، ولا تُسْتبرأ بِهِ الأَمَة .
(١) برقم (٢٩٤) .

٤٠٧
٤ - باب من سمی النفاس حیضًا
کتاب الحیض
وقد حكى ابن جرير وغيره الإجماع على أن حكم النفساء حكم الحائض في
الجملة .
وقد اعتمد ابن حزم(١) على هذا الحديث في أن الحائض(٢) والنفاس مدتهما
واحدة ، وأن أكثر النفاس كأكثر الحيض ، وهو قول لم يسبق إليه ، ولو كان هذا
الاستنباط حقًا لما خفي علي أئمة الإسلام كلهم إلى زمنه .
وقريب من هذا : ما نقل حَرْبٌ في («مسائله)) ، قال : قلت لإسحاق : رجل
قال لأمرأته : إذا حضْتِ فأنت طالق ، فوَلَدَتْ ، هل يكون دم النفاس حيضًا ؟
قال : تطلق ؛ لأنَّ دمَ النفاس حيض ، إلاَّ أن يقصد حين يحلف قَصدَ الحيض ،
وذكَرَ حديثَ عائشةَ، أن النبي ◌ِّهِ قال لها في الحج: ((مالَكِ! أنفست؟)).
انتهى .
العبيد
وهذا يَردُّه: أنه لو كان دم النفاس حيضًا لاعتدت به المطلقة قُرْءًا ، ولا قائل
بذلك ، بل قد حكى أبو عُبَيْدٍ وابن المُنْذِرِ وغيرُهما الإجماعَ على خِلافه.
وقوله وَله: ((أَنْفُسْت))، قال القرطبي: قَيَّدناه بضم النون وبفتحها،
قال الهَرَوَيُّ وغيره : نَفِست المرأةُ ونُفِست إذا وَلَدَت - يعني : بالوجهين : فتح
النون وضمها - ، قال: وإذا حاضت [قيل] (٣): نَفَست بفتح النون لا غير .
فعلى هذا يكون ضم النون هنا خطأ ؛ فإن المراد به الحيض قطعًا ، لكن حكى
أبو حاتم عن الأَصْمَعِيِّ الوجهين في الحيض والولادة ، وذَكَر ذلك غيرُ واحد .
فعلى هذا تَصحُّ الروايتان ، وأصل ذلك كلِّه من خروج الدمٍ وهو المسمى :
نَفْسًا . انتهى .
(١) «المحلى)) (٢٠٧/٢).
(٢) كذا، والأشبه: ((الحيض)).
(٣) مشتبهة .

٤٠٨
حديث : ٢٩٨
كتاب الحيض
وقال الخطابي(١): ترجم أبو عبد اللَّه هذا الباب بقوله: ((من سمَّى النفاس
حيضًا))، والذي ظَنَّه من ذلك وَهْمٌ . قال: وأصل هذه الكلمة من النَّفْس ،
وهو الدم ، إلا أنهم فرقوا بين بناء الفعل من الحيض والنفاس ، فقالوا : نَفِست
المرأة - بفتح النون وكسر الفاء - إذا حاضت، ونُفست - بضم النون وكسر الفاء ،
على وزن الفعل المجهول ، فهي نُفَساء - إذا ولدت . انتهى .
ومراده : أن الرواية في هذا الحديث هي بفتح النون ليس إلاَّ، وأن ذلك لا
يُراد به إلا الحيض .
وعلى ما ذكره القرطبي ، أن الرواية في الحديث جاءت بوجهين ، وأن
الأصمعي حكى في الحيض والولادة وجهين ، لا يُحكم على البخاري بالوهم .
ثم قال الخطابي: الحِيضَة - بكسر الحاء -: النَّحَيُّص، كالقعْدة والجلْسَة،
أي : الحالة التي تُلْزَمُهَا الحائِضُ من اجتناب الأمور وتَوَقِّها .
يشير إلى قول أمُّ سَلَمَةَ : ((فأخذت ثياب حَيضتي))، أنها بكسر الحاء .
وأنكر غيره ذلك ، وقال : إنما الرواية بفتح الحاء ، والمراد : ثياب
الحيض .
قال الخطابي : والخَمِيصة : كساءٌ أسودُ ، ورُبَّما كان له عَلَم ، أو فيه
خُطوطٌ . والخميلة : ثَوْبٌ من صوفٍ له خَمَل .
وروى ابن ◌َهِيعَةَ : نا يَزِيدُ بن أبي حَبِيبٍ ، عن موسى بن سَعْدِ(٢) بن زَيْدِ بن
ثابتٍ ، عن خُيْبِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبِيْرِ، عن عائشةَ، قالت: طَرَقَتْنِي الحيضة
من الليل وأنا إلى جَنْب رسول اللّهِ وَ لَّهِ، فتأخَّرتُ، فقال: ((مالَك! أَنْفُسْت؟))
(١) في ((شرح البخاري)) له (٣١٣/١).
(٢) في ((المسند)) المطبوع، وكذا في (أطراف المسند)) لابن حجر" (٣٦/٩): ((سعيد)) بدل
(سعد))، وهو وجه في اسمه، كما في ((التاريخ الكبير» (٤/ ١/ ٢٨٥) و((تهذيب الكمال))
(٦٩/٢٩) .

٤٠٩
٤ - باب من سمى النفاس حيضًا
كتاب الحيض
قلت : لا، ولكن حِضْتُ، قال: ((فَشُدِّي عليك إزارَكِ، ثم عُودِي)).
خرَّجه الإمام أحمد (١).
وهو غريب جداً .
(١) (٦ / ٦٥) .

٤١٠
حديث : ٢٩٩ - ٣٠٢
کتاب الحیض
٥ - بَابُ
مُبَاشَرَةِ الحَائِضِ
خرَّج فيه : عن عائشةً ، ومَيْمُونَةَ .
فأما حديث عائشةً ، فمن طريقين :
أحدهما :
قال :
٢٩٩، ٣٠٠، ٣٠١ - نَا قَبيصَةُ: نَاسُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُور، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ
الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِوَ مِنْ إِنَاءِ وَاحد، كلاَنَا
جُنُبٌ، وَكَانَ يَأْمُرُّي فَأَنْزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ، وَكَان يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَّيَّ وَهُوَ
مُعْتْكِفٌ، فَأَفْسِلُهُ وأنا حائِضٌ .
والثاني :
قال :
٣٠٢ - نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ: أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ - هُوَ: الشََّانِيُّ-،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَنَا إِذَا كَانَتْ
حَائِضًا فَرَآدَ رَسُولُ الَّهِ:﴿ أَنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ (١) فِي قَوْرِ حَيَضَتِها، ثُمَّ
يُبَاشِرُهَا. قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِوَ يَمْلِكُ إِرْبُهُ؟
تَابَعَهُ : خَالِدٌ وَجَرِيرٌ، عَنِ الشََّانِيِّ.
وحديثُ جَرِيرٍ عن الشَّيَّاني، خرَّجه أبو داودَ (٢)، ولفظه: كان يأمرُنًا في
فَوْح حيضِتِنا أن نَتَزِر ، ثم يباشرنا - والباقي مثله .
(١) في نسخة عند ((ك)): ((تأتزر)) وهي من غير اليونينية، كما في هامش السلطانية.
(٢) (٢٧٣) .

٤١١
٥ - باب مباشرة الحائض
کتاب الحیض
وخرَّجِه ابن ماجه(١) من طريق ابن إسحاقَ عن الشَّيْبَانِيِّ (٣) - أيضًا .
وإنما ذَكَر البخاري المتابعةَ على هذا الإسناد ؛ لأن من أصحاب الشيباني من
رواه عنه ، عن عبد الله بن شَدَّاد ، عن عائشة .
وليس بصحيحٍ؛ فإن الشيباني عنده لهذا الحديث إسنادان عن عائشة وميمونةً:
فحديث عائشةَ : رواه عن عبد الرحمن بن الأَسْودِ ، عن أبيه ، عن عائشة.
وحديث ميمونة : رواه عن عبد الله بن شَدَّادِ ، عن ميمونةَ .
فمن رواه : عن الشيباني ، عن عبد الله بن شداد ، عن عائشة ، فقد وَهِم،
فهذا حديث عائشة
وأما حديث ميمونةً :
فقال :
٣٠٣ - نَا أَبُو الثُّعْمَانِ: نَا عَبْدُ الَواحِدِ: نَا الشََّانِيُّ: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ، قَالَ:
سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نسائه أَمَرَهَا
فَزَرَتْ وَهِيَ حَائِضٌ.
رَوَهُ سُفِيَانُ، عَنِ الشَّانِيِّ.
وإنما ذكَرَ متابعةَ سُفْيانَ ؛ ليبين أن الصحيح : عن الشيباني ، عن عبد اللَّه
ابن شداد ، عن ميمونةَ ؛ لا عن عائشة ، وأن سفيان - وهو : الثوري - رواه عن
الشيباني كذلك .
وقد خرَّجه الإمام أحمد(٣)، عن ابن مَهْدِيِّ ، عن سفيان كذلك ، ولفظ
(١) (٦٣٥) .
(٢) كذا بالأصل، والذي في ابن ماجه أنه من رواية ابن إسحاق والشيباني كلاهما ،
عن عبد الرحمن .
(٣) في ((المسند» (٣٣٥/٦).

٤١٢
حديث : ٣٠٣
کتاب الحيض
حديثه: أن النبي وَّلو كان يباشرها (١) وهي حائض، فوق الإزار(٢).
وكذلك خرَّجه مسلم في ((صحيحه))(٣) من طريق عبد الواحد بن زيادٍ ، عن
الشيباني بهذا الإسناد، ولفظه: كان رسول اللَّه وَ له يباشر نساءَه فوق الإزار وهنَّ
حُيَّضُ .
وخرَّجه مسلم(٤) - أيضًا - من طريق ابن وهب: أخبرني مَخْرَمَةُ ، عن أبيه -
وهو: بُكَيْرُ بنُ الأَشَجِّ - ، عن كُرَيْبٍ مولى ابن عباسٍ ، عن ميمونة ، قالت :
كان رسول اللّهِ وَلّهِ يَنْضَجِعُ (٥) معي وأنا حائض ، وبيني وبينه ثوب .
ورواه الزهريُّ عن حَبِيبٍ مولى عُرْوةَ، عن نُدْبَةَ (٦) مولاةٍ ميمونةً ، عن
ميمونة، قالت: كان رسول اللَّهُ وَّهِ يباشر المرأةَ من نسائه وهي حائض، إذا
كان عليها إزارٌ يبلغ أنصافَ الفَخِذَيْن - أو الركبتين - مُحْتَجِزَةَ .
خرَّجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن حبان في ((صحيحه)(٧).
وفي الباب أحاديثُ أخرُ متعددةٌ ، وقد تقدم في الباب الماضي حديثُ
أم سَلَمَةَ في المعنى .
وقد دلت هذه الأحاديثُ على جواز نومِ الرجلِ مع المرأة في حال حَيْضِها ،
وجوازِ مباشرتِه لها ، واستمتاعه بها من فوقِ الإزار .
(١) في الأصل: ((يباشر))، والتصويب من ((المسند))، والسياق يدل عليه.
(٢) وكذلك رواه أسباط وعبد الواحد عن الشيباني .
أخرجه أحمد (٣٣٦/٦) .
(٣) (١٦٧/١). لكنه ليس من طريق عبد الواحد عن الشيباني، وإنما هو من طريق خالد بن
عبد الله - وهو : الطحان - عن الشيباني .
(٤) (١ / ١٦٧) .
(٥) كذا في الأصل: ((ينضجع)) وهي في إحدى نسخ (صحيح مسلم)) وفي أخرى: ((يضطجع)).
(٦) انظر: ((سنن النسائي)) (١٨٩/١) و(تهذيب الكمال)) (٣١٥/٣٥).
(٧) أخرجه أحمد (٣٣٥/٦) وأبو داود (٢٦٧) والنسائي (١٥١/١، ١٨٩) وابن حبان (١٣٦٥).

٤١٣
٥ - باب مباشرة الحائض
كتاب الحيض
ءِ
والإزار : هو ما بين السَّرَّةِ والرَّكْبَة ، وفي الرواية الأخيرة عن ميمونة الشكّ:
هل كان الإزارُ يبلغ إلى الركبتين ، أو إلى أنصاف الفخذين .
وقد رُوي أن الإزار كان يبلغ إلى أنصاف الفخذين ، جَزْمًا من غير شكِّ:
خرَّجه ابن ماجه(١) من حديث أم حَبِيبَةَ زوجٍ النبي ◌ِِّ، أنها سُئلت : كيف
كنتِ تصنعين مع رسول اللّه وَ لّ في الحيض ؟ قالت: كانت إحدانا في فَوْرها ،
أول ما تحيض تشد عليها إزاراً إلى أنصاف فخذيها ، ثم تضطجع مع رسول اللَّه
. 醬
وإسناده حسن ، وفي إسناده : ابن إسحاق(٢).
وفي هذا الحديث - مع حديث عائشة الثاني الذي خرَّجه البخاري هاهنا - :
دلالة على أن النبي ◌َّ﴿ إنما كان يأمر الحائض بالاتزار في أول حَيْضها، وهو
فَوْر الحيضة وفَوْحها ، فإن الدم حينئذ يفور لكثرته ، فكلما طالت مدته قَلَّ ،
وهذا مما يُستدل به على أن الأمر بشدِّ الإزارِ لم يكن لتحريم الاستمتاع بما
تحت الإزارِ ، بل خشيةً من إصابة الدمِ والثلوثِ به ، ومبالغةً في التحرز من
إصابته .
وقد روى محمدُ بنُ بكَّارِ بن بلالِ : نا سَعِيدُ بن بَشِيرٍ ، عن قَتَادَةً ، عن
الحَسَنِ ، عن أمِّه، عن أمِّ سَلَمَةَ، قالت: كان رسول اللَّهِ وَّهِ يَتَّغِي سَوْرَةَ الدَّمِ
(١) (٦٣٨) .
(٢) رواه عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سُوَيَد بن قيس ، عن معاوية بن خَدِيج ، عن معاوية بن
أبي سفيان أنه سأل أخته أم حبيبة ، به .
وخالفه الليث بن سعد في لفظه ، فرواه عن يزيد بإسناده سواء ، لكن بلفظ: ((أنه سأل
أخته أم حبيبة : هل كان رسول الله - 18 يصلي في الثوب الذي يجامع فيه ؟ قالت : نعم ،
إذا لم يكن فيه أدَّى)).
أخرجه أبو داود (٣٦٦) والنسائي (١٥٥/١) وابن ماجه (٥٤٠).
قلت : والليث أثبت ، وابن إسحاق مدلس .

٤١٤
حديث : ٣٠٣
كتاب الحيض
ثَلاثًا، ثم يُبَاشر بعدَ ذَلك(١).
وهذا الإسناد وإن كان فيه لين، إلاَّ أن الأحاديث الصحيحة تعضده وتشهد له.
وفي ((سنن أبي داود))(٢) من حديث عِكْرِمَةَ، عن بعض أزواج النبي وَّر،
قال: كان النبي وَّ﴿ إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها ثوبًا.
وإسناده جيد(٣).
وهو محمول على ما بعد الثلاث إذا ذهبتْ سَوْرَةُ الدَّم وحدَّتُهُ وَفَوْرُهُ ، فكان
حينئذٍ يَكتفي بستر الفَرْجِ وحدَه بثوبٍ ، ثم يُباشِر .
وقد رُوي عن الأَوْزَاعِيِّ، عن عَبْدَةَ بن أبي لُبابَةَ، عن أمِّ سَلَمَةَ ، قالت:
كنتُ مع النبي ◌ََّ في لحافه فَنُفُسْتُ، فقال: ((مالَك! أَنْفُسْت؟)) قلت: نعم ،
فأمرني أنْ أَضَعَ على قُبُلي ثوبًا .
خرَّجه أبو بكرِ ابن جعفرٍ في ((كتاب الشافي)).
وعبدةُ ، لم يسمع من أم سلمة - : قاله أبو حاتمِ الرَّازِيُّ .
وسنذكر في ((الصيام)) - إن شاء اللّه تعالى - الأحاديث الواردةَ بأن النبيِ وَّل
كان يلقي على فَرْج المرأة في صيامه ثوبًا ، ثم يباشرها .
فظهر بهذا : أن الاستمتاع بِيَدَنِ الحائضِ كلِّهِ جائز ، لا مَنْعَ فيه سوى الوَطْءِ
في الفَرْجِ ، وأنه يستحب أن يكون ذلك من فوق الإزار ، خصوصًا في أوَّلِ
الحيض وفَوْرِتِهِ ، وإن اكتَفَى بسَتْرِ الفَرْجِ وحدَه جازَ ، وإن استمتع بها بغير سَتْرِ
بالكليّة جاز - أيضًا .
وقد تقدم قولُ النبيِ نَِّ: ((اصنعوا كُلَّ شيْءُ غيرَ النكاحِ) .
(١) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٤٦٨٢)، وقال: ((لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا سعيد
ابن بشير ، تفرد به : محمد بن بكار)) .
(٢) (٢٧٢) .
(٣) قلت : الظاهر أنه منقطع ؛ فإن عكرمة - وهو : مولى ابن عباس - لم يرو عن غير عائشة
من أزواج النبي { ® ، وقد قال أبو حاتم: ((لم يسمع من عائشة)).

٤١٥
٥ - باب مباشرة الحائض
کتاب الحيض
خرَّجه مسلم(١).
وأما الأحاديث التي رويت عن النبي وَّر، أنه سئل عما يَحِلُّ من الحائض؟
فقال : ((فوق الإزار)) .
فقد رُويتْ من وجوه متعددة لا تخلو أسانيدُها من لين ، وليس رواتُها من
المُبَرَِّين في الحِفْظِ ، ولعلَّ بعضهم روى ذلك بالمعنى الذي فهمه من مباشرة
النبيِّ وَّ للحائض من فوقِ الإزار.
وقد قيل : إن الإزار كناية عن الفرج ، ونُقِلَ ذلك عن اللغة ، وأنشدوا فيه
شِعْرًا .
قال وَكِيعٌ : الإزار عندنا : الخِرْقَة التي على الفَرْج .
وقد اختلف العلماء فيما يجوز الاستمتاعُ به من الحائض في حال حيضِها:
فقالت طائفة : لا يَحرم منها سوى الإيلاج في فَرْجها ، ويَجُوز ما عدا ذلك،
وحُكي ذلك عن جمهور العلماء ، ورُوي عن ابن عباس، وعائشةَ، وأمِّ سَلَمَةَ ،
وهو قول الثَّوْرِيِّ، والأَوْزاعِيِّ، وأحمدَ ، وإسحاقَ ، وهو أحد قولي
الشافعي(٢)، ومحمد بن الحَسَنِ ، وأبي ثَوْرٍ ، وابنِ المُنْذِرِ ، وداودَ، وطائفة من
أصحاب مالك والشافعي .
واحتج أحمد بأن عائشةَ أَفْتَتْ بإباحة ما دون الفَرْج من الحائض ، وهي أعلم
الناس بهذه المسألة ، فيَتعين الرجوعُ فيها إلى قولها ، كما رُجع إليها في الغُسْل
من التقاء الختانين على ما سبق ، وكذا في المباشرة للصائم ، وقد حكى البخاري
عنها في ((الصوم))(٣) أنها قالت: يَحْرُمُ عليه - تعني: الصائمَ - فَرْجُهَا .
وقالت طائفة : يحرم الاستمتاعُ من الحائض بما بين السُّرَّة والرُّكْبَة، إلاَّ من
(١) (١٦٩/١) من حديث أنس.
(٢) في هامش الأصل: ((زعم ابن النحاس أنه الصحيح من قولي الشافعي، ولم يوافق عليه)).
(٣) (باب: المباشرة للصائم)) رقم: ٢٣ .

٤١٦
حديث : ٣٠٣
کتاب الحيض
فوق الإزار ، وهو المشهور عن مالك ، وأبي حنيفةَ ، والشافعي .
وحُكي روايةً (١) عن أحمد، ولم [ يُثْبِتْها ] (٢) الخَلاّل وأكثر الأصحاب،
وقالوا : إنما أراد أحمد أن الأفضل مباشرتُها من فوق الإزار .
وقالت طائفة : إنْ وَثَقَ المباشرُ تحتَ الإزار بضَبْط نفسِهِ عن الفَرْجِ ؛ لِضَعْفٍ
شَهْوةٍ أو شِدَّةٍ وَرَعٍ جاز ، وإلا فلا ، وهو قول طائفة من الشافعية .
وهو حَسَنٌ ، وفي كلام عائشةَ - رضي اللَّه عنها - ما يَشهد له ؛ فإنها قالت :
وأيُّكُم يَملك إِرْبَه كما كان رسول اللَّه وَّهِ يَملك إِربَه ؟.
ويَشهد لهذا : مباشرة المرأةِ في حال الصيام ؛ فإنه يُفُرَّق فيها بين من يَخافُ
على نَفْسه ومن يَأْمَنُ، وقد قالت عائشة - أيضًا -: كان النبي وَّهُ يُقْبِّل ويُباشر
وهو صائم ، وکان امْلگکم لإربه(٣).
وقد رُويت هذه اللفظةُ بكَسْر الهمزة وسكون الراء ، ورُويت بفتح الهمزة
والراء .
وأنكر الخطابي الرواية الأولى ، وجوَّزها غيرُهُ .
والإِرْب - بالسكون -: العُضو، وهو كنايةٌ هنا عن الفَرْج، والإِرَب - بالفتح -:
الحاجة ، والمراد بالحاجة : شهوة النكاح ، وقيل : بل الإِرب - بالسكون - يراد
به العضو، ويراد به الحاجة - أيضًا -، وكذلك هو في ((الصحاح)). به.
قال أبو عُبَيْدِ: يروى هذا الحديثُ: لإِرْبه - يعني: بالسكون - قال : وهو
في كلام العرب لأَرَبَه - يعني: بالتحريك - ، قال : والإِرب : الحاجة ، قال :
وفيه ثلاث لغات: أرَبٌ، وإِرْبَةٌ، وإِرْبُ ، قال: والإِرْب في غير هذا :
العضو . انتهى .
(١) في الأصل : ((رواه» كذا.
(٢) مشتبهة .
(٣) أخرجه البخاري (١٩٢٧) ومسلم (١٣٥/٣).

٤١٧
٥ - باب مباشرة الحائض
کتاب الحيض
وعلى قول من جَوَّز الاستمتاعَ بما دون الفرجِ ، يجوز عندهم الوَطْءُ دون
الفرج، والاستمتاعُ بالفرج نَفْسِهِ من غير إيلاجٍ فيه، ولو كان على بعض الجسد شيءٌ
من دم الحيض لم يَحْرُم الاستمتاعُ به ، وليس فيه خلافٌ إلا وجهٌ شاذٌ للشافعية .
لكن صرَّح ابن أبي موسى من أصحابنا في ((شرح الخِرَقي)) بكراهة الوطء
فيما هو متلوث بدم الحيض من غير تحريم .
وأما ما فوق السُّرة وتحت الركبة فيجوز الاستمتاع به ، وكثير من العلماء
حكى الإجماعَ على ذلك .
ومنهم من حكى عن عَبِيدةَ السلماني خلافَه ، ولا يصحُّ عنه .
إنما الصحيح عن عبيدة: ما رواه وكيعٌ في ((كتابه)) ، عن ابن عَوْنٍ ، عن ابن
سِيرِينَ ، قال : سألتُ عَبِيدةَ : ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا ؟ قال :
الفِرَاش واحدٌ ، واللِّحاف شَتَّى، فإن لم يجد بُدًا رَدَّ عليها من طرف ثوبه (١).
وهذا إنما يدل على أنَّ الأولى أن لا ينام معها متجردةً في لحافٍ واحدٍ حتى
يَسْتُرَها بشيء من ثيابه ، وهذا مما لا خلافَ فيه .
وقد رُوي عن ابن عباس ، أنه كان يَعتزل فراشَ امرأته في حال الحيض،
وأنكرت عليه ذلك خالتُه ميمونةُ - رضي اللَّه عنهما - ، فرَجَع عن ذلك :
ففي ((مسند الإمام أحمد))(٢) من حديث ابن إسحاق، [ عن](٣) الزَّهْرِيِّ،
عن عُرْوَةَ ، عن نُدْبَةَ ، قالت : أرسلَتْني ميمونةُ بنتُ الحارِثِ إلى امرأة عبد اللَّه
ابن عباس - وكانت بينهما قرابةٌ - ، فرأيتُ فراشَها معتزِلاً فراشه ، فظننت أن ذلك
لهجْران ، فسألتُها ، فقالت: لا، ولكنِّي حائض ، فإذا حِضْتُ لم يقرب فراشي ،
فأتيتُ ميمونةَ ، فذكرتُ ذلك لها ، فردَّتْني إلى ابن عباس ، فقالت : أَرَغْبَةً عن
(١) هذا الأثر، أخرجه الطبري في تفسيره (٤٢٣٩).
وأخرجه (٤٢٤١) من حديث ابن عون به .
(٢) (٣٣٢/٦) .
(٣) سقطت من الأصل .
٠٠

٤١٨
حديث : ٣٠٣
كتاب الحيض
سُنَّة رسول اللَّهِ وَ ﴿؟! لقد كان رسول اللَّه وَّه ينام مع المرأة من نسائه
الحائض ، ما بينهما إلا ثوب ، ما يجاوز الركبتين.
ثم خرّجه(١) من طريق لَّيْثِ : حدثني ابنُ شِهابٍ ، عن حَبِيبٍ مولى عُرْوَةً ،
عن نُدْبَةَ - فذكر الحديثَ .
وهذا هو الصحيح ، وقول ابن إسحاق: ((عن عروة)) (٢) خطأ ، إنما هو:
حَبِيبٌ مولى عُرْوَةً ، وهو ثقة ، خرَّج له مسلم(٣).
وقد رُوي أن النبي وَ﴿ إنما كان ينام مع الحائض حيث لم يكن لهم سوى
فراشٍ واحد ، فلما وُسُّع عليهم اعتزل نساءه في حال الحيض .
خرَّجه الإمام أحمد(٤) من رواية ابن لَهِيعَةَ ، عن يزيد بن أبي حَبِيبٍ ، عن
سُوَيْدٍ بن قَيْسٍ ، عن ابن قريط (٤) الصدفي، قال: قلت لعائشة: أكان النبي وَّلـ
يضاجعكِ وأنتِ حائضٌ ؟ قالت : نعم ، إذا شَدَدْتُ عليَّ إزاري ، ولم يكن لنا إذ
ذاك إلا فراش واحد، فلما رزقني اللَّه فراشًا آخر اعتزلتُ رسولَ اللَّهِ وَهِ .
وابن لَهِيعَةَ ، لا يُقبل تَفَرُّدُه بما يخالف الثقات .
ولكن تابَعَه غيرُه :
فرواه ابنُ وَهْبٍ ، عن عمرِو بن الحارثِ ، عن ابن أبي حَبِيبٍ ، عن سُوَيْد
ابن قَيْسٍ ، عن ابن قرظ - أو قرط - الصدفي ، أنه سأل عائشة - فذكره بمعناه .
خرَّجه بَقِيُّ بن مَخْلَدٍ في ((مسنده) .
وابن قرظ - أو قرط - الصدفي ، ليس بالمشهور ، فلا تُعارض روايتُهُ عن
(١) (٦/ ٣٣٢ - ٣٣٥) .
(٢) في الأصل: ((وقول عروة عن ابن إسحاق)) وهو قلب.
(٣) قلت : ورواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن ندبة ، بدون ذكر حبيب .
أخرجه أحمد (٣٣٦/٦) .
(٤) (٦ / ٩١ ) .
(٥) كذا بالأصل، وفي ((المسند)): ((قريظة))، وفي ((التعجيل)): ((قريظ)) وفي ((الإكمال))
الحسيني: ((قريط))، كما هنا، ثم إنه سيأتي في الأصل ((قرط)) أو ((قرظ))، ولم يتبين لي
الصواب ، فذكرته في كل موضع كما في الأصل ، والظاهر أنه مختلف في اسمه .

٤١٩
٥ - باب مباشرة الحائض
کتاب الحيض
عائشة روايةَ الأسودِ بن يزيد النخعي .
وقد تابَع الأسودَ على روايته كذلك عن عائشة : عمرُو بن شُرَحْبِيلٍ - أو
عمرُو بن مَيْمُونِ - على اختلاف فيه - ، وأبو سلمة وعبدُ الله بن أبي قَيْسٍ ،
وشُرَيْحُ بن المِقْدامِ ، وجُمَّيْعُ بن عُمَّيْرِ ، وخِلاسٌ وغيرُهم .
وروايات هؤلاء عن عائشة أولى من روايات ابن قريط .
وتعارض روايةُ ابن قريط برواية أخرى تشبهها ، خرَّجها أبو داودَ (١) من
حديث عبد الرحمن بن زياد ، عن عمارةَ بن غراب ، أن عمَّةً له حدثتْه ، أنها
سألت عائشة ، قالت : إحدانا تحيض وليس لها ولزوجها إلا فراشٌ واحدٌ ؟
قالت: أُخْبُرُكِ بما صَنَعَ رسولُ اللَّهِ وََّ، دخل فمَضَى إلى مسجده - تعني:
مسجدَ بيته - ، فلم ينصرف حتى غَلَبتني عَيْنِي، وأَوْجَعَهُ البَرَدُ ، فقال: ((ادْنِي)) ،
فقلت: إني حائض ، قال : ((وإنْ، اكْشفي عن فَخذَيْك)) ، فكشفت فَخِذَيَّ ،
فوضع خدَّ وصَدْرَهُ على فخذيَّ، وحَنَيْتُّ عليه حتى دَفئ ونام .
وفي ((سنن أبي داود))(٢) عن أبي اليَمانِ كَثِيرٍ بن يَمانِ ، عن أم ذَرَّةٍ ، عن
عائشةَ ، قالت : كنتُ إذا حِضْتُ نَزَلْتُ عن المِثَالِ(٣) إلى الحَصِير، فلم نَقْرُبْ
رسولَ اللَّهِ وَّهِ ولم نَدْنُ منه حتى نطْهُر .
أبو اليمان وأمُّ ذَرَّةَ ، ليسا بمشهورين ، فلا يُقبل تَفَرُّدُهما بما يخالفُ روايةَ
الثقات الحُفَّاظِ الأثبات .
وَخَرَّجه بَقِيُّ بن مَخْلَدٍ ، عن الحِمَّانِي: ثنا عبدُ العزيز، عن أبي [اليمان](4)
الرحَّل ، عن أم ذَرَّةً، عن عائشةَ، قالت: كنتُ إذا حِضْتُ لم أَدْنُ من فِراشٍ
رسول اللّهِ وَلِّ حتى أَطْهُر .
الحِمَّاني ، متكلَّم فيه .
(١) (٢.٧٠) .
(٢) (٢٧١) .
(٣) المِثَال: الفِرَاش - وَرْنَا ومعنّى -، وجَمْعه: مُثُل، كَفُرُش - كلاهما بزنة: كتاب وكتب.
(٤) ليس في الأصل .

٤٢٠
حديث : ٣٠٣
کتاب الحيض
وقد روى جعفرُ بن الزُّبَيْرِ ، عن القاسم ، عن أبي أُمامَةً ، قال : قال عمرُ :
كنا نضاجع النساءَ في المحيض، وفي الفُرُش واللُّحُفُ قلَّة، فأما إذْ وَسَّعَ اللَّهُ
الفرش واللحف فاعتزلوهن كما أمر اللَّه عز وجل .
خرَّجِه القاضي إسماعيلُ .
وهذا لا يَثْبُت ، وجعفر بن الزبير متروك الحديث .
وروى أبو نُعَيْمِ الفَضْلُ بنُ دُكَيْنٍ : نا أبو هلالٍ (١): حدثني شيبة الزاسِيُّ،
قال : سألت سالمًا عن الرجل يضاجع امرأته وهي حائض ؟ قال : أما نحن
آل عمر ، فنهجرهن إذا كُنَّ حُيَّضًا .
إسنادُ ضعيفٌ .
والاعتزال الذي أمر اللَّه به : هو اجتنابُ جماعهنَّ، كما فَسَّرِه بذلك
رسول اللَّهِ وَلِهِ .
وقال عِكْرِمَةُ : كان أهل الجاهلية يصنعون في الحيض نحوًا من صَنِيعِ
المَجُوسِ، فذكروا ذلك لرسول اللَّهِ وَّ، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ
قُلْ هُوَ أَذَى﴾ [البقرة: ٢٢٢] الآية، فلم يَزِدِ الأمرُ فيهن إلا شدَّةً، فنزلتْ: ﴿فَإِذَا
تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ : أن تعتزلوا .
أخرجه القاضي إسماعيلُ ، بإسناد صحيح .
وهو يدل على أن أول ما نزل الأمرُ باعتزالهن فَهِمَ كثير من الناس منه الاعتزالَ
في البيوت والفرش كما كانوا يصنعون أوَّلاً ، حتى نزل آخرُ الآية: ﴿فَأَتُوهُنَّ مِنْ
حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، ففُهم من ذلك أن اللَّه أمر باعتزالهن في الوطءِ خاصةً.
وفسَّرِ النبيِ نَّر ذلك بقوله: ((اصنعوا كلَّ شيء غير النكاح))، وبِفعله مع
أزواجه ؛ حيث كان يباشرهنَّ في المحيض .
(١) في الأصل: ((أبو بلال)) تصحيف ، وهو الراسبي.