النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
١٧ - باب إذا ذكر في المسجد أنه جُبٌ
کتاب الغسل
١٧ - بَابٌ
إِذَا ذَكَرَ فِي الْمَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌ يَخْرُجُ كَمَا هُوَ وَلاَ يَتَيَمَّمُ
٢٧٥ - حَدَّثَنَا عَبّدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ : ثَنَا يُونُسُ ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ ، وَعُدَِّتِ الصُّفُوفُ
قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِهِ، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّهُ، ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَقَالَ لَنَا:
((مَكَانَكُمْ))، ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا، وَرَسُهُ يَقْطُرُ، فَكَّرَ، فَصَلَّيْنَا مَعَهُ.
تَبَعَهُ : عَبّدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وَرَوَهُ الأَوْزَعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ .
قد خرَّجه البخاريُّ في ((كتابِ الصَّلاةِ)) (١) من حديثِ الأوزاعيِّ، وفيه -
أيضًا - : أنه كانَ جنبًا .
وخرجه - أيضًا (٢) - من رواية صالحٍ بن كيسانٍ، عن الزَّهريِّ ، ولم يذكر :
أنه كان جُنْبًا ؛ لكنَّ رجوعه إليهم، ورأسُهُ يقطرُ ماءً يدلُّ على ذلك .
وقد استدلَّ البخاريُّ بهذا الحديثِ على أنَّ مَن ذكرَ في المسجد أنه جنبٌ ،
فإنه يخرجُ منه ليغتسلَ ، ولا يلزمُهُ التيممُ لمشِهِ للخروجِ .
ومثلُه من كان نائمًا فاحتلمَ في المسجدِ ، فإنه يخرجُ منه ليغتسلَ ، ولا يلزمه
أن يتيمَّم للخروجِ .
وقد نصَّ على هذه الصورِ أحمدُ في رواية حربٍ .
واستدلَّ طائفةٌ بأن الصحابةَ كانوا ينامون في المسجدِ - يعني : أنه لم يكن
(١) برقم (٦٤٠) من كتاب الآذان .
(٢) برقم (٦٣٩) .

٣٢٢
حدیث : ٢٧٥
كتاب الغسل
يخلو من احتلامِ بعضِهم فيه - ، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تيمَّم ، ولا أمرَ
النبيّ وَّ أحدًا منهم بذلك، مع علمِه بنومِهم ، وأنه لا يكادُ يخلو من محتلِمٍ
منهم فيه .
٠ـ
وقد كان ابنُ عُمر شابًا عَزَبًا ، ينامُ في المسجدِ علَى عهدِ رسولِ الله
= (١) .
وأصلُ هذه المسألةِ : أن الجنبَ : هل يباحُ له المرورُ في المسجدِ من غير
تيمُّمٍ ، أم لا ؟ وفي المسألةِ قولانِ :
أحدُهما - وهو قول الأكثرين - : إنه يباحُ له ذلكَ، وهو قولُ أكثرِ السلفِ
ومالكِ والشافعيِّ وأحمدَ والأوزاعيِّ وغيرِهم .
وقد تأولَ طائفةٌ (٢) منَ الصحابةِ قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ
وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُبَا إِلَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾
[النساء: ٤٣]، بأنَّ المرادَ : النهيُ عن قُربانِ موضعِ الصلاةِ - وهوَ المسجدُ - في
حالِ الجنابةِ ، إلا أن يكونَ عابر سبيلٍ ، وهو المجتارُ به من غيرِ لبثٍ فيه .
وقد رُوي ذلك عن ابنِ مسعودٍ(٣) وابنِ عباسٍ (٤) وأنسٍ (٥) - رضي الله عنهم.
وفي ((المسندِ ))(٢)، عن ابنِ عباسٍ، أنَ النبيَّ نَّهِ سدَّ أبوابَ
المسجدِ غيرَ بابِ عليٍّ. قال: فيدخلُ المسجدَ جنبًا ، وهو طريقُه ليسَ له
طريقٌ غيرَ . .
(١) البخاري (٤٤٠) ومسلم (١٥٨/٧).
(٢) راجع: ما تقدم في أول: (( كتاب الغسل)).
(٣) أخرجه الطبري في ((تفسيره)) (٩٥٥٢) وعبد الرزاق (٤١٢/١) والبيهقي (٤٤٣/٢).
(٤) الطبري (٩٥٥٣) (٩٥٥٥) والبيهقي (٤٤٣/٢)
(٥) البيهقي (٤٤٣/٢).
(٦) (٣٣١/١) بسياق أطول من هذا.

٣٢٣
١٧ - باب إذا ذكر في المسجد أنه جُبٌ
کتاب الغسل
وروى ابنُ أبي شيبةَ (١) بإسنادِهِ ، عن العوامِ ، أن عليًا كان يمرُّ في
المسجدِ ، وهو جنبٌ .
وبإسنادِه ، عن جابرِ ، قالَ : كانَ أحدُنا يمشِي في المسجدِ وهو جنبٌ ،
مجتازًا(٢) .
وخرَّجه - أيضاً - سعيدُ بنُ منصورٍ وابنُ خزيمةَ في ((صحيحِه))(٣).
وعن زيدِ بنِ أسلمَ، قالَ: كان أصحابُ رسولِ اللهِ وَّ يمشونَ في
المسجدِ ، وهمْ جنبٌ .
خرَّجْه ابنُ المنذرِ وغيرُه(٤) .
ولا يجوز العبورُ إلا لحاجةٍ ، في أصحِّ الوجهينِ لأصحابِنا ، وهو قولُ أكثرِ
السلفِ ، منهم : عكرمةُ ومسروقٌ والنخَعيّ .
وقُرب الطريق حاجة ، في أحدِ الوجهينِ لأصحابِنا ، وهو قولُ الحسنِ .
وفي الآخرِ : ليس بحاجةٍ ، وهو وجهٌ للشافعية ، والصحيحُ - عندهم - :
أنه يجوزُ المرورُ لحاجةٍ وغيرِها .
والقولُ الثاني : لا يجوزُ للجنبِ المرورُ في المسجدِ ، فإنِ اضطرَّ إليه
تيمَّمَ ، وهو قولُ الثوريِّ وأبي حنيفةَ وإسحاقَ وروايةٌ عن مالك .
وقد رُوي(٥)، عنِ النبيِّ ◌َِّ، أنه قالَ: ((لا أحلّ المسجدَ لحائض ولا
جنب)).
(١) ((المصنف)) (١٣٥/١).
(٢) (المصنف)) لابن أبي شيبة (١٣٥/١) والبيهقي (٤٤٣/٢).
(٣) برقم (١٣٣١) .
(٤) ابن المنذر في ((الأوسط)) (١٠٨/٢) بمعناه غير مسند، وابن أبي شيبة (١٣٥/١) بمعناه.
(٥) في الأصل: ((قد وروي)).

٣٢٤
حديث : ٢٧٥
کتاب الغسل
خرَّجه أبو داودَ (١) من حديث عائشةَ ، وابن ماجه(٢) من حديثٍ أمِّ سلمةً .
وفي إسنادهما ضعفٌ .
وعلى تقدير صحة ذلكَ ، فهو محمولٌ على اللُّبث في المسجد ؛ جمعًا بين
الدلیلینِ .
وأهلُ هذه المقالةِ ، منهم مَن قال : إذا ذكرَ في المسجدِ أنه جنبٌ أو احتلمَ
في المسجدِ ، فإنه يتيمَّم لخروجه ، كما قاله بعضُ الحنفية .
وحديثُ أبي هريرةَ الذي خرجه البخاريُّ هنا حجةٌ عليه .
(١) ((السنن)) (٢٣٢).
(٢) ((السنن)) (٦٤٥) .

٣٢٥
١٨ - باب نفض اليدين من الغسل من الجنابة
كتاب الغسل
١٨ - بَابُ
نَقْضِ الْيَدَيْنِ مِنَ الغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ
خرجَ فيه :
٢٧٦ - حديثَ ميمونةَ: قَالَتْ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ◌َِّ غُسْلاً، فَسَتَرْتُهُ بَثَوْب ،
وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَي شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، وَضَرَبَ (١)
بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا، فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَعَيْهِ،
ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَتَخَّى فَغَسَلَ قَدَيْهِ، فَنَاولُ ثَوبًا ،
فَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَانْطَلَقَ وَهُوَ يَنَغُضُ بَلَّهِ .
خرَّجه من طريقِ أبي حمزةَ السكريِّ ، عن الأعمشِ ، بإسنادِه المتقدمِ.
هذه الروايةٌ مصرحةٌ بأنه نفض یدیه .
.
وفي روايةٍ سبقتْ قبلَ ذلك(٢): ((جعلَ ينفضُ الماءَ بيدهِ )).
فأما نفضُ الماءِ عن بدنِه بيدِه ، فقد دلَّ هذا الحديثُ الصحيحُ عليه ، فلا
ينبغي أن يكونَ في عدمِ كراهتهِ خلافٌ .
وأما نفضُ اليدِ بالماءِ ، فقدْ كرِهه طائفةٌ من أصحابِنا والشافعيةِ ، ولم يكرهُه
آخرونَ من الطائفتين ، وهو الصحيحُ .
وروايةُ البخاريِّ المخرجةُ في هذا البابِ تدلُّ عليه .
وفي ((سنن أبي داودَ ))(٣) ، من حديثِ هشامٍ بنِ سعدٍ: حدثني زيدُ بنُ
(١) في ((اليونينية)): ((فضرب)).
(٢) برقم (٢٧٤) .
(٣) برقم (١٣٧) .

٣٢٦
حديث : ٢٧٦
کتاب الغسل
أسلمَ ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن ابنِ عباسٍ ، أن النبيِّ وَّرِ توضأً، فأخذَ قبضةً
من ماءٍ ، فنفضلَ يدَه ، ثم مسحَ رأسَه وأُذْنَيه .
واستدلَّ من كرِهِ ذلكَ ، بما روى البختريُّ بنُ عبيد ، عن أبيه ، عن
أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّهِ بَّهِ قالَ: ((إذا توضأتُمْ فأشْرِبُوا أعينكمُ الماءَ،
ولا تنفضُوا أيديكم ؛ فإنها مرواحُ الشيطان )) .
خرَّجه إسحاقُ بنُ راهويه وبقيُّ بنُ مخلدٍ وأبو يعلَى الموصليُّ في
(((مسانيدهم)) (١) .
قال ابنُ أبي حاتمٍ (٢) : سألتُ أبي عن هذا الحديثِ ؟ فقال : حديثٌ منكرٌ ،
والبختريُّ ضعيفُ الحديثِ ، وأبوه مجهولٌ .
واستدلَّ بعضُهم، بردِّ النبيِّ وَ﴿ الثوبَ على ميمونةَ، على كراهة التنشيفِ ،
ولا دلالةَ فيه على الكراهة ، بل على أن التنشيفَ ليس مستحبًا ، ولا أن فعلَه هو
أولَى، لا دلالةَ للحديث على أكثرَ من ذلكَ ، كذا قاله الإمامُ أحمدُ وغيرُه من
العلماءِ .
وأكثرُ العلماءِ على أن التنشيفَ مِنَ الغسلِ والوضوءِ غيرُ مكروهٍ .
وقد رُوي فعلُه عن جماعةٍ من الصحابة ، منهم : عُمرُ وعثمانُ (٣) وعليٌّ (٤) -
رضي اللهُ عنهم - ، وعن خلقٍ من التابعينَ ، وهو قولُ الشعْبيِّ والثوريِّ
والأوزاعيِّ ومالكِ وأبي حنيفةَ وأحمدَ - في المشهورِ عنه - وإسحاقَ وغيرِهم .
وهو المشهورُ عندَ الشافعيةِ ، وليس للشافعيِّ في المسألةِ نصَّ .
(١) وأخرجه ابن عدي (٢/ ٤٩٠) وابن حبان في ((المجروحين)) (٢٠٣/١).
(٢) ((العلل)) (٧٣).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٧).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٧).

٣٢٧
١٨ - باب نفض اليدين من الغسل من الجنابة
کتاب الغسل
وكرهه طائفةٌ من التابعينَ ، وهو قولُ الحسنِ بنِ صالحٍ وابنِ مهدِي ،
وروايةٌ عن أحمدَ ، وأنكرَها الخلالُ ولم يُثْبتها .
وكرِهه ابنُ عباسٍ ، في الوضوءِ دونَ الغسلِّ(١).
وعُمدةُ من كرِهه : أنه أثرُ عبادةٍ على البدنِ ، فكرِهِ إزالته ، كخلوفِ فمٍ
الصائم .
والخلوفُ ، مختلَفٌ فيه - أيضًا .
وكان مكحولٌ يتنشَّفُ بطرف ثوبه ، ويردُّ المنديلَ ، ويقولُ : إن فضلَ
الوضوءِ بركةٌ ، فأريدُ أن يكونَ ذلك في ثيابِي .
خرَّجه حربٌ الكرمانيُّ .
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٨٢/١) وابن أبي شيبة (١٣٨/١).

٣٢٨
حديث : ٢٧٧
کتاب الغسل
١٩ - بَابٌ
مَنْ بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ فِي الْغُسْلِ
خرَّج فيه :
٢٧٧ - من حديث : صَفيَّةَ بنْت شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنَّا إِذَا أَصَابَ
إِحْدَنَا جَنَابٌ أَخَذَتْ بِيَدَيّهَا ثَلاَثًا فَوْقَ رَأْسِهَا، ثُمَّتَأْخُذُ بِيَدِهَا عَلَى شِئْهَا الأَيْمَنِ،
وَبَيَدِهَا الأُخْرَى عَلَى شِقُّهَا الأَيْسَرِ .
قد ذكرنا هذا الحديث فيما تقدمَ ، وذكرنا أن ظاهرَه يدلُّ على أن المرأةَ تُفْرِغُ
على رأسِها خمسًا .
وقد ذكرنا فيما سبقَ في ((بابِ: مَن أفرغَ على رأسِهِ ثلاثًا))، وفي (( بابِ:
تخليلِ الشعرِ )) أحاديثَ مرفوعةً ، تدلُّ على البداءَةِ بجانبِ الرأسِ الأيمنِ في
الصبِّ عليه ، وفي تخليلِه بالماءِ قبلَ الإفراغِ عليه ثلاثًا .
وقد رُوي من حديث عائشةَ، أن النبيَّ وَِّ أمرَ في غسلِ الجنابةِ والحيضِ
بالبداءَةِ بشقِّ الرأسِ الأيمنِ ، وسيأتي في غسلِ الحيضِ - إن شاءَ اللهُ تعالى.
والبداءةُ بشقِّ الرأسِ الأيمنِ مستحبةٌ ، وليستْ واجبةً .
روى الحارثُ ، عن عليٍّ ، قالَ : لا يضرُّك بأيِّ جانِبَيْ رأسِكَ بدأت .
خرَّجْه أبو نعيمِ الفضلُ بنُ دُكِينٍ في (( كتابِ الصَّلاةِ)).
وكذلك البداءَةُ بجانبِ البدنِ الأيمنِ ، فليسَ فيه حديثٌ صريحٌ ، وإنما يؤخذُ
من عمومٍ قولِ عائشةَ: كان النبيُّ ◌َّهِ يستحبُّ التيمُّنَ في طهورِهِ (١).
(١) أخرجه أحمد (٩٤/٦، ١٣٠، ١٤٧، ١٨٧، ٢٠٢، ٢١٠) والبخاري (١٦٨) ومسلم
(١٥٥/١ - ١٥٦) وغيرهم من حديث عائشة .

٣٢٩
١٩ - باب من بدأ بشق رأسه الأيمن
کتاب الغسل
ومن قولِ النبيِّ وَّهِ - في غسلِ ابنتِه لما ماتتْ -: ((ابدأنَ بمَيَامنها،
ومواضع الوضوء منها)»(١) . واللهُ سبحانه وتعالى أعلمُ .
(١) أخرجه أحمد (٤٠٨/٦) والبخاري (١٦٧) ومسلم (٤٨/٣) وغيرهم من حديث أم عطية.

٣٣٠
حديث : ٢٧٨
کتاب الغسل
٢٠ - بَابٌ
مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِي خَلَوَةِ
وَمَنْ تَستَّر، وَالنَّسْتُرُ أَفْضَلُ
وَقَالَ بَهْزٌ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَِّّ ◌َ﴿َ: ((اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَرَ(١) مِنْهُ مِنَ
النَّاسِ)).
حديثُ بهزِ ، عن أبيه ، عن جدّه، قالَ : قلتُ يا رسولَ الله ، عوراتُنَا ما
نأتِي منها وما نذَرُ؟ قال: ((احفظْ عورتَك إلا من زوجتك ، أو ما ملكتْ
يمينُك)). قال: الرجلُ يكونُ مع الرجلِ ؟ قال: ((إن استطعتَ أن لا يراها أحدٌ
فافعلْ)). قال: فالرجلُ يكونُ خاليًا؟ قال: ((فاللهُ أحقُّ أن تستحي منه )).
خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه والنسائيُّ والترمذيُّ (٢) - وهذا
لفظُه .
قالَ : حديثٌ حسنٌ .
وصحَّحه الحاكمُ (٣) وغيرُه .
خرَّج البخاريُّ فيه :
٢٧٨ - من حديثِ: مَعْمَرٍ ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنٍّ، عَنْ أَبِي هُرَيّرَةَ، عَنِ النَِّيِّ
﴿ِ، قَالَ: ((كَانَ (٤) بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ
(١) في بعض النسخ: ((يُسْتَحي)).
(٢) أحمد (٣/٥، ٤) وأبو داود (٤٠١٧) وابن ماجه (١٩٢٠)
والنسائي في (( الكبرى)) كما في تحفة الأشراف (٤٢٨/٨) والترمذي (٢٧٦٩).
(٣) ((المستدرك)) (١٧٩/٤ - ١٨٠).
(٤) في ((اليونينية)): ((كانت)).

٣٣١
٢٠ - باب من اغتسل عُرْيَانًا وحده في خلوة
کتاب الغسل
مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاَللَّه، مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ
مَعَنَا، إِلَّأَنَّهُ آدَرُ، فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ،
فَخَرَجَ(١) مُوسَى فِثْرِهِ ، يَقُولُ: فَوْفِي ◌َا حَجَرُ ، فَوْنِي ◌َا حَجَرُ، حَتّى نَظَرَتْ بَثُو
إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى، فَقَالُوا: وَاللَّهِ، مَا بِمُوسَى بِأْسٌ(٢)، وَأَخَذَ ثَوْبَهُ ، فَطَفَقَ
بِالْحَجَرِ ضَرْبًا ».
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَللَّهِ، إِنَّهُ لَنَدَبٌ بِالْحَجَرِ - سِنَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ - ضَرَبَا بِالْحَجَرِ.
٢٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرِيّرَةٍ، عَنِ النَِّّ ◌ِ﴿ِ، قَالَ: (( بَيْنَا أَيُّوبُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -
يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ (٣) عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتِي فِي ثَوْنِهِ ، فَنَادَاهُ
ربُّهِ: يَا أَيُّبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْتَيْئُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ : بَلَى وَعِزَّتِكَ ، وَلَكِنْ لاَ غِنَّي بِي
عَنْ بَرَكَتْكَ )) .
وَرَهُ إِبْرَاهِيمُ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَنَ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنٍ
يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّّ ◌ِ﴿: (( بَيْنَا أُوبُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - يَغْتَسِلُ
عُرْيَانًا )).
وخَّرج البخاريُّ (٣) في ((أخبارِ الأنبياءِ)) من ((صحيحه)) (٤) هذا قصةً موسَى -
عليه السلامُ - ، من وجهٍ آخرَ ، من روايةِ عوفٍ ، عن ابنِ سيرينَ والحسنِ
وخِلاَسٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ نَّهِ: ((إنّ موسى - عليه السلامُ - كان
رجلاً حيًّا ستيراً، لا يُرى من جلده شيءٌ، استحياءً منه، فآذَاه مَن آذَاه من
(١) في نسخة: ((فجمع)).
(٢) في ((اليونينية)): ((من بأسٍ)).
(٣) في الأصل: ((فخرج))، والمثبت من ((اليونينية)).
(٤) (٣٤٠٤) .
:

٣٣٢
حديث : ٢٧٨ - ٢٧٩
كتاب الغسل
بني إسرائيلَ ، فقالُوا: ما يستترُ هذا السترَ إلا من عيب بجلده، إما برصٌ وإما أدرةٌ
وإما آفةٌ ، وإن اللهَ أرادَ أن يُبُرَِّه، فخلا يومًا وحدَه، فوضعَ ثيابَه على الحَجَرِ ، ثم
اغتسلَ ، فلما فرغَ أقبلَ إلى ثيابِه ، ليأخذَها ، وإن الحجرَ عدا بثوبِهِ ، فأخذَ موسَى
عصاه ، وطلبَ الحجرَ ، فجعلَ یقولُ : ثوبي حجرُ ، ثوبي حجرٌ ، حتى انتهى إلى
ملٍ بني إسرائيلَ ، فرأَوْهُ عُريانًا، أحسنَ ما خلقَ اللهُ، وأبرأَهُ اللهُ مما يقولوُنَ، وقامَ
الحجرُ ، فأخذ ثوبَه فلبسَه، وطفقَ بالحجر ضربًا - ثلاثًا أو أربعًا أوخمسًا - ،
فذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ
ءِ
ممَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩])).
((الأدرةُ)): انتفاخُ الخصيةِ .
و (( الندبُ)): الأثرُ الباقِي في الحجرِ ، من ضربِ موسى - عليه السلامُ -
له .
قال الخطابيُ (١) : وفيه من الفقهِ : جوازُ الاطلاع على عوراتِ البالغينَ ؛
لإقامةِ حقِّ واجبٍ كالختانِ ونحوِه .
قلت : هذا فيه نظرٌ ؛ فإن موسى - عليه السلامُ - لم يقصدِ التعرِّي عندَ بني
إسرائيلَ ؛ لينظرُوا إليه، وإنما قدَّر اللهُ له ذلكَ حتى يبرئَه عندَهم مما آذَوْه به.
وقد يقالُ : إن اللهَ لا يقدِّرُ لنبيِّه ما ليس بجائزِ في شرعه .
وأما الاستدلالُ به على جوازِ الاغتسالِ في الخلوةِ عُريانًا ، فهو مبنيٌّ على
القول بأن شرعَ مَن قبلنا شرعٌ لنا ، ما لم يأتِ شرْعُنا بخلافه .
وقد استدلَّ بهذا على جوازِ الغسلِ في الخلوةِ عُريانا إسحاقُ بنُ راهوَيَه -
أيضًا - ، وذكر أنه وإنْ كان شرع من قبلنا ، إلا أنه لم يردْ شرعُنا بخلافه .
وقد يمنعُ هذا مَن يقولُ : قد ورد شرعُنا بالتسترِ في الخلوةِ - أيضًا - ،
(١) ((أعلام الحديث)) (٣٠٧/١).

٣٣٣
٢٠ - باب من اغتسل عُرْيَانًا وحده في خلوة
کتاب الغسل
وسيأتي بيانُ ذلك في البابِ الآتي - إن شاءَ الله تعالى .
وقد روى حمادُ بنُ سلمةَ، عن عليٍّ بنِ زيدٍ ، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَّر ،
قال : ((إن موسى بن عمرانَ - عليه السلامُ - كان إذا أرادَ أن يدخلَ الماءَ لم يُلق
ثوبَه، حتى بواريَ عورتَه في الماءِ » .
خرَّجه الإمامُ أحمدُ(١) .
وعليُّ بنُ زيدٍ ، هو : ابنُ جُدعانٍ ، متكلُّمٌ فيه .
وكذا القولُ في الاحتجاجِ بحديثِ أيوبَ - عليه السلامُ - عُرِيانًا .
وأما الطريقُ الذي ذكره البخاريُّ تعليقًا لحدیث اغتسال أیوبَ - عليه السلام -
فخرَّجه الإمامُ (٢) .
• (٢)
(١) ((المسند)) (٢٦٢/٣).
(٢) ((المسند)))(٣١٤/٢)
وهاهنا انتهى الباب في الأصل ، والظاهر أن سقطًا وقع يطول أو يقصر . والله أعلم .

٣٣٤
حديث : ٢٨٠
کتاب الغسل
٢١ - بَابُ
النَّسْتُّرِ فِي الغُسْلِ عِنْدَ النَّاسِ
خرَّج فیه حديثين :
أحدهما :
٢٨٠ - من رواية: مَالك، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّه، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ
مَوْلَى أُمُّ هَانِىءٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِىءٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ﴾َ عَامَ
الفَتْحِ ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةٌ تَسْتُرُهُ، فَقَالَ: ((مَنْ هَذِه؟)) فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِءٍ .
هذا الحديث يُستدل به لما بَوَّب عليه ، وهو: النَّسَتُّر عند الناس ؛ لأن ابنةً
الرجل وغيرها من مَحارِمه لا تَنْظُرُ إلى العَورة ، فهي كالرَّجُل مع الرجل ، وقد
كان النبيِ وَ﴿ أحيانًا يستره رَجُل فيغتَسِل، وقد رُوي أن أبا ذَرِّ ستره لما اغتسل،
وأنه وَ ي قام فستر أبا ذر لما اغتسل .
خرَّجه الإمام أحمد(١).
ورُوي - أيضاً - عن حُذَيْفَةَ مثلُه .
خرَّجِه ابنُ أبي عاصِمٍ في ((كتاب الصيام)) .
وخرَّج أبو داود والنَّسائي وابن ماجه(٢) من حديث أبي السَّمْح، قال : كنت
أَخْدُمُ النبيَّ ◌َِّ، فكان إذا أراد أن يَغتسل قال: ((ولِّني)). فأُوَلَيْه قَفَايَ، وأَنشر
الثوب فأستره به.
(١) انظر: ((المسند)) (٣٤١/٦).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٧٦) والنسائي (١٢٦/١ - ١٥٨) وابن ماجه (٢٥٦) وابن خزيمة
(١٤٣/١)، وليس عند الأخيرين ذكر التستر .
وراجع ((الكنى)) للبخاري (ص ٤١) و((الجرح)) (٣٨٦/٢/٤) و((الإصابة)) (١٨٩/٧ - ١٩٠).
وكذا ابن خزيمة (١١٩/١) و((مجمع الزوائد» (٢٦٩/٢).
:

٣٣٥
٢١ - باب التستر في الغسل عند الناس
....
كتاب الغسل
وإسناده حَسَن(١).
الحديث الثاني :
٢٨١ - حديث: مَيْعُونَةَ، قَالَتْ: سَتَرْتُ النَّبِيَّ ◌َ﴿ وَهُوَ يَغْتَسِلُ منَ الجَنَابَة،
فَفَسَلَ يَدَيّهِ، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ، ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ
عَلَى الحَائِطِ أَوِ الأَرْضِ، ثُمَّ تَوَضَاً وُضُوءَهُ لِلِصَّلاَةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى
جَسَدِهِ المَاءَ، ثُمَّ تَتَخَّى فَغَسَلَ قَدِمَيْهِ .
خرَّجه من طريق ابن المُبارَكِ، عن سُفْيَانَ، عن الأَعْمَش ، بإسناده المتقدم .
ثم قال :
تَبَعَهُ : أَبُو عَوَانَةَ وَابْنُ فُضَيْلٍ فِي السَّعْرِ .
يعني: عن الأعمش، فقد خرَّجه فيما مضى (٢) من طريق أبي حَمْزَةً
السُّكَّرِيِّ، عن الأَعْمَش، وخرَّج - أيضًا - حديثَ أبي عَوانةَ فيما مَضَى(٣).
وخرَّج مسلم(٤) من حديث زائِدَةً ، عن الأعمش ، بهذا الإسناد ، عن
مَيْمُونَةَ، قالت: وَضَعْتُ للنبيِوَِّ مَاءَ وسَتَرَّتُهُ ، فاغْتَسَل .
فهذا الحديث مما يُستدل به على النَّسَتُّر في الاغتسال في الخَلْوَةِ ؛ لأن
اغتسال الرَّجُل مع زوجته كاغتساله خاليًا .
ويدل على أنَّ النبي ◌َّ كان يستتر عند اغتساله مع أهله: ما خرَّجه الإمام
(١) وفى ((المسند)) (٣١٧/١) عن ابن عباس عن النبي ◌َّر، أنه أمر عليًا، فوضع له غسلاً، ثم
أعطاه ثوبًا، فقال: ((استرني، وولني ظهرك)).
وإسناده ضعيف .
(٢) برقم (٢٧٦).
(٣) برقم (٢٦٦) .
(٤) (١ / ١٨٣) .

٣٣٦
حديث : ٢٨١
کتاب الغسل
أحمد وابن ماجه(١) من حديث عائشةَ، قالت: ما رأيتُ فَرْجَ رسول اللَّهِ وَ الْهِ قَطُّ.
لكن ؛ في إسناده مَن لا يُعرف.
وخرَّجِ البَزَّار (٢) مِن حديث مُسْلِمِ المُلائي ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ،
قال: كان رسول اللّهِ وَ له يغتسل من وراء الحُجُرات، وما رُئِي عَوْرَتُه قَطُّ .
ومسلم الملائي ، فيه ضعف .
وخرَّج الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي (٣) من حديث يَعْلَى بن أُمَيَّةَ،
عن النبي وَِّ، أنه رأى رَجُلاً يَغتسل بالبَراز(٤)، فصَعَد المِنْبَرَ، فحمد الله وأثنى
عليه ، فقال: ((إنَّ اللَّهَ حَبِيٌّ سِتِيرٌ، فإذا أراد أَحَدُكُمْ أَنْ يَغْتَسِلَ فَلْيَتَوَرَ بِشَيْء).
وقد قيل : إنَّ في إسناده انقطاعًا، ووصلَه بعضُ الثقات ، وأَنْكَر وصله
أحمد وأبو زُرْعَةَ (٥) .
وخرَّج أبو داود في ((مَرَاسِيله)(٦) من حديث الزُّهْرِيِّ، أن النبيِ نَّهِ قال: ((لا
تَغْتَسلُوا في الصَّحْراء ، إلا أنْ لاَ تجدوا(٧) مُتَوارَى، فإنْ لم تَجدُوا متوارَى فَلْيَخُطَّ
أَحدَّكُمْ خَطًا كالدَّارِ، ثُمَّ يُسَمِّي اللَّهَ، وَيَغْتَسِلُ فِيهَا)) .
وخرَّجه الطََّرانِ(٨) متصلاً عن الزُّهْرِيِّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ .
ولا يصح وَصْلُهُ.
(١) أخرجه أحمد (٦٣/٦ - ١٩٠) وابن ماجه (٦٦٢) وابن عدي في ((الكامل)) (٤٧٩/٢).
(٢) لم أجده عنده، وقد أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٨٥/١١).
(٣) أخرجه أحمد (٢٢٤/٤) وأبو داود (٤٠١٢) والنسائي (٢٠٠/١). ورواه عبد الرزاق
(٢٨٨/١) مرسلاً ، وهو الصواب كما سيأتي .
(٤) الْبَرَارُ: بالفتح : المكان الفضاء من الأرض البعيد الواسع .
(٥) إنكار أبي زرعة في ((العلل)) لابن أبي حاتم (٢٥٠٩) وكذا أنكره أبو حاتم فيه (٢٤).
(٦) برقم (٤٧٢).
(٧) في ((المراسيل)) المطبوع: ((إلا أن تجدوا)) خطأ.
(٨) في ((الأوسط)) (١٨٨٨).

٣٣٧
٢١ - باب التستر في الغسل عند الناس
کتاب الغسل
وفي الباب أحاديثُ أُخَرُ.
فالمغتسِل في الخَلْوة إنْ كان معه من يُباح له النَّظَرُ إلى عَورته كَزَوْجَتِهِ أو
أَمَتّه ، فقال أصحابنا وغيرهم : لا يجب عليه التَّسْتُرُ ؛ لحديث بَهْزِ بن حكِيمٍ
المذكور في الباب الماضي ، والأفضل التستر ؛ لحديث مَيْمُونَةَ(١).
وهذا مبنيٌّ على القول بجواز نَظَرِ أَحَدِ الزوجين إلى فَرْجِ الآخرِ ، وفيه
اختلافٌ مشهورٌ .
ومن الأصحاب من جَزَم بكراهته كصاحب ((المُغْني))، وحكى أبو الحَسَنِ
الآمديُّ روايةً عن أحمدَ بتحريمه.
وبكلِّ حال ؛ فالاستتار أَوْلَى، وعليه يدل حديثُ ميمونةَ (٢)، وحديثُ
عائشةَ : ما نَظَرَّتُ إلى فَرْجِهِ قَطُّ .
وأكثر العلماء على أنه غيرُ مُحَرَّم ، منهم: مُجاهِدٌ، ومَكْحُولٌ ، والأَوْزاعِيّ،
والشافعيُّ ، وإسحاقُ وغيرهم.
وروى بَقِيَّةُ بن الوَلِيْدِ : حدثني عُتْبَةُ بن أبي حكِيمٍ : حدثني سليمانُ بن
موسي ، وسألته عن الرَّجُل يَنظر إلى فَرْج امرأته، فقال سليمان: سألت عَطاءً
عن ذلك ، فقال: حدثتني عائشةُ رَوْجُ النبي وَّهِ في هذا البيت ، وبيننا وبينها
حجابٌ ، قالت : كنتُ أنا وحِبِيِّ نغتسل من إناء واحد ، تَختلف فيه أَكُفُنَا . قال:
وأشارت إلى إناءٍ في البيت ، قَدْرَ الفَرَق، ستة أَقساط(٣).
(١) حديث بهز إنما يدل على أفضلية التستر، فلفظه - كما تقدم -: ((الله أحق أن يستحيي منه
الناس)) ، وحديث ميمونة إنما يدل على أن التستر ليس بواجب ، وليس العكس كما تدل
عليه عبارة المؤلف ، فإما أن يكون هذا القلب منه أو من الناسخ. والله أعلم.
(٢) انظر التعليق السابق .
(٣) في ((النهاية)) لابن الأثير (٤٣٧/٣): ((الفَرَق - بالتحريك - : مكيال يَسَعِ سَّة عشر رِطلاً ،
وهي اثنا عشر مدًا ، أو ثلاثة أصُع عند أهل الحجاز ، وقيل : الفَرَق خمسة أقْسَاط ،
والقِسْط: نصف صاع ، فأما الفَرْق - بالسكون - : فمائة وعشرون رِطلاً)) .

٣٣٨
حديث : ٢٨١
کتاب الغسل
خرَّجِه حَرْبٌ الكِرْمانِيّ وابن عَدِيّ(١).
وخرَّجه بَقِيُّ بن مَخْلدٍ من طريق صَدَقَةَ بن خالِدٍ : نا عُتْبَةُ بن أبي حكيم -
فذكره بنحوه .
وسليمان بن موسى ، مختلفٌ في أمره .
وإن لم يكن معه أحد ، فحكى أكثر أصحابنا في كراهته روايتين عن أحمد ؛
لأنه كَشْفٌ لغرضٍ صحيحٍ ، فهو كالكشف للتخلي ونحوه.
ومنهم : من حكى في جواز كَشْف العَوْرة خاليًا روايتين عن أحمد . وقالوا:
ظاهرُ كلامِ أحمدَ تحريمُه ؛ فإن الكشف وإن جاز للحاجة ، فإنه يتقدّر بقَدْرها ،
ولا حاجة إلى التكشف للغُسل مع إمكان الاستتار ، ولا إلى القيام عُرْيانًا مع
إمكان القعود والتَّامِ .
ورُوي عن أبي موسى الأشعري ، قال : إني لأغتسل في البيت المُظْلم ،
فأَحْنِي ظَهري إذا أخذتُ ثَوبِي حَيَاءٌ من ربِّي عَزَّ وجَلَّ .
وعنه ، قال : ما أَقَمْتُ صُلْبِي فِي غُسْلِ منذُ أَسلمتُ .
خرَّجهما ابن أبي شَيْبَةَ (٢) وغيره .
وظاهرُ كلام ابن بَطَّةَ من أصحابنا يدل على وجوب النَّسَتَّرِ في الغُسل في
الخَلْوة ، فإن لم يجد ما يستتر به ، وجب أن يَتَضامَّ ما استطاع.
ونَقَلِ حَرْبٌ عن أحمدَ ، في الرَّجُل يَدخل الماءَ بغير إزارِ ، فكرِهه كراهيةً
شديدةً . قيلَ له : كلُّ المياه ؟ قال: نعم . قيل له : فإذا دخل الماءَ يحلّ إزاره ؟
قال : لا .
وممَّن كان لا يَدخل الماء إلا بمِثْزَرِ : ابن عمرَ ، والحسن ، والحسين ،
وقالا : إن للماء سُكَّانًا . وكذلك قال ابن أبي لَيْلَى.
(١) ((الكامل)) (١١١٨/٣).
(٢) في ((المصنف))) (١/ ١٠٠ - الثقافية).

٣٣٩
٢١ - باب التستر في الغسل عند الناس
کتاب الغسل
وقال عمرو بن ميْمُون : لا يَدخل أحد الفُراتَ إلا بإزار ، ولا الحَمَّامَ إلا
بإزار ، ألا تَستحيُون مما استحَى منه أبوكم آدمُ ؟
وقد رُوي مرفوعًا من رواية حَمَّاد بن شُعَيْبٍ ، عن أبي الزُّبَيْرِ ، عن جابر :
نهى رسول اللَّهُ وَله أن يُدْخَلَ الماءُ إلا بمِئْزَرِ.
خرَّجه العُقَيْلِيُّ وغيره(١).
وأنكره الإمام أحمد ؛ لأجل حَمَّاد بن شُعَيْبٍ .
وقد تابعه عليه الحَسَن بن بِشْرٍ، فرواه عن رُمَّيْرٍ ، عن أبي الزَّبَيْرِ - أيضًا.
خرَّجِه ابن خُزَيْمَةً في «صحيحه))(٢).
والحسن، مختلف فيه، وقد خرَّج له البخاري في ((صحيحه)) .
وقال أحمد : رَوَى عن رُهَّيْرِ مَناكِير(٣) .
(١) أخرجه العقيلي (٣١٢/١) وابن عدي (٢/ ٦٦٠) - كلاهما في ترجمة حماد .
وقال العقيلي : ((لا يتابعه عليه إلا من هو دونه ومثله)) .
وقال ابن عدي : لا يرويه بهذا اللفظ: ((أن يدخل الماء)) غير أبي الزبير ، وعن أبي الزبير
حماد بن شعيب)) .
وكذا أنكره الذهبي عليه في («الميزان)).
(٢) (١/ ١٢٤) .
(٣) وكذا قال أبو زرعة في ((سؤالات البرذعي)) (٤٣٦/٢) وقال البخاري: ((فيه نظر)).

٣٤٠
حديث : ٢٨٢
کتاب الغسل
٢٢ - بَابٌ
إذَا اخْتَلَمَتِ المَرَأَةُ
٢٨٢ - حَدَّثْنَا عَبّدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ زَيّنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ
أَبِ طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَخِي مِنَ
الحَقِّ، هَلْ عَلَى الَمَرََّةِ من غُسْلٍ إِذَا هِي احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((نَعَمْ،
إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ» .
وقد خرّجه البخاري في آخر ((كتاب العلم)) في ((باب: الحَياء في العلم))(١)
بزيادةٍ في آخره (٢)، واقتَصَر في هذا الباب على ما يحتاج إليه فيه.
وقد خرَّجه مسلم(٣) من حديث عائشةَ، وأَنَسٍ، ومن حديثه عن أمِّه أمِّ سُلَيْمٍ،
وله طرق متعددة .
وهذا الحديث : نصٌّ على أن المرأة إذا رأت حُلمًا في منامها، ورأت الماءَ
في اليقظة أنَّ عليها الغُسْلَ .
وإلى هذا ذهب جمهور العلماء ، ولا يُعرف فيه خلافٌ، إلا عن النَّخَعِيِّ (٤)،
وهو شُذُوذٌ .
(١) برقم (١٣٠).
(٢) وهي: «فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمة - تعني: وجهها - ، وقالت: يا رسول الله، وتَحْتَلِمُ المرأةُ ؟
قال: (نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ ، فَفِيمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟)).
(٣) (١/ ١٧٢ - ١٧٣) .
وانظر: ((علل أحاديث مسلم)) لابن عمار الشهيد (ص ٦٧) .
(٤) انظر: ((المصنَّف)) لابن أبي شيبة (١/ ٨٠ - الثقافية).