النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ ٣٩ - باب : فضل من استبرأ لدينه کتاب الإيمان = وإن أتى ذلك ؛ لاعتقاده أنه حلالٌ ، إما باجتهادٍ سائغٍ ، أو تقليدٍ سائغٍ ، وكان مخطئًا في اعتقادِهِ ، فحكمه حكمُ الذي قبله ، فإن كان الاجتهادُ ضعيفًا ، أو التقليدُ غيرَ سائغٍ ، وإنما حملَ عليه مجردُ اتباعِ الهَوَى ، فحكمُهُ حكمُ من أتاه مع اشتباهه عليه . والذي يأتي الشبهاتِ، مع اشتباهِها عليه، قد أخبرَ عنه النبي ◌َِّ أنه وقعَ في الحرامِ . وهذا يفسّر بمعنيينِ : أحدُهما : أنه يكونُ ارتكابُه للشبَهِ ، مع اعتقادِ أنها شبهٌ ذريعةً إلى ارتكابِ الحرامِ ، الذي يعتقدُ أنه حرامٌ بالتدريجِ والتسامحِ . وفي رواية في ((الصحيحين)) لهذا الحديث: ((ومن اجترأً على ما يشكُّ فيه من الإثمِ، أوشكَ أن يواقعَ ما استبان))(١) . وفي رواية : ((ومن يخالطُ الريبةَ يوشكُ أن يجسر))(٢). أي : يقربُ أن يقدمَ على الحرام المحضِ . والجَسورُ : المِقْدَامُ ، الذي لا يهابُ شيئًا ، ولا يراقبُ أحدًا . ورواه بعضُهم: ((يجشُرُ)) - بالشينِ المعجَمةِ - ، أي: يرتعُ ، والجَشْر: الرَّعي ، وجشرتَ الدابةَ إذا رعيتَها .. وفي مراسيلِ أبي المتوكلِ الناجي، عن النبيِّ نَّهِ: ((من يرعى بجنباتِ الحرامِ يوشكُ أن يخالطَه، ومن تهاون بالمحقراتِ يوشكُ أن يخالطَ الكبائر )). والمعنى الثاني : أن من أقدم على ما هو مشتبهٌ عنده ، لا يدري : أهو حلالٌ أو حرام ، فإنه لا يأمنُ أن يكونَ حرامًا في نفس الأمرِ ، فيصادفُ الحرامَ ، وهو لا يدري أنه حرام . = (١) هذه الرواية عند البخاري فقط ، كما سبق . (٢) أخرجه أبو داود (٣٣٢٩) والنسائي (٢٤٣/٧) (٣٢٧/٨) وابن حبان (٧٢١). ٢٢٢ حديث : ٥٢ كتاب الإيمان = وقد رُوي من حديث ابنِ عمرَ، عن النبيِّ نََّ، قال: ((الحلالُ بَيِّنٌ، والحرامُ بَيِّنٌ، وبينهما مشتبهاتٌ ، فمن اتقاها كان أنزه لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات أوشكَ أن يقع في الحرام، كالمرتع حول الحمى ، أوشكَ أن يواقعَ الحمَى ، وهو لا يشعر)) . خرجه الطبرانيُ وغيرُه (١). واختلف العلماءُ : هل يطيعُ والدَيْه في الدخولِ في شيءٍ من الشُبهِ ، أم لا يطيعهما ؟ فِرُوي عن بشرِ بنِ الحارثِ ، قال : لا طاعةً لهما في الشبهةِ . وعن محمدِ بنِ مقاتلِ العبّادانيّ، قال: يطيعهما وتوقفَ أحمدُ في هذه المسألةِ ، وقال : يداريهما ، وأبى أن يجيب فيها . وقال أحمدُ : لا يشبعُ الرجلُ من الشبهةِ ، ولا يشتري الثوبَ للتجمُّلِ منَ الشبهةِ . وتوقَّف فى حدِّ ما يؤكلُ ، وما يُلْبس منها . وقال في التمرة ، يلقيها الطَّير : لا يأكلُها ، ولا يأخذها ، ولا يعرضُ لها . وقال الثوري - في الرجلِ يجدُ في بيته الأَفْلُسَ أو الدراهمَ - : أحبُّ إليَّ أن يتزَّ عنها . يعني : إذا لم يدرِ من أين هي. وكان بعضُ السلف لا يأكل إلا شيئًا يعلمُ من أينَ هو ، ويسألُ عنه ، حتى يقفَ على أصله . وقد رُوي في ذلك حديثٌ مرفوعٌ ، إلا أن فيه ضعفًا(٢) . وقولُهُ وَّهُ: ((كالراعي يرعى حولَ الحمَى يوشك أن يرتعَ فيه، ألا وإن لكلِّ مَلِك = (١) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٢٨٦٨) بهذا اللفظ وفي ((الصغير)) (١٩/١) من حديث ابن عمر مختصراً. وأخرجه العقيلي في ((الضعفاء)) (٢٥٢/٢، ٢٥٣) وابن أبي حاتم في ((العلل)) (١٨٨٧) (١٩٢٣) مختصراً. (٢) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٧٤/٢٥ - ١٧٥) وفي ((مسند الشاميين)) (١٤٨٨) من طرق عن أبي بكر ابن أبي مريم ، عن ضمرة بن حبيب ، عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس . وفيه : أبو بكر بن أبي مريم ، وهو ضعيف . ٠ ٢٢٣ ٣٩ - باب : فضل من استبرأ لدينه كتاب الإيمان = حمّى، ألا وإن حمَى الله محارمُهُ)). ١ هذا مَثَلُ ضربَه النبيُّ ◌َِّ لمن وقعَ في المشتبهاتِ ، وأنه يقربُ وقوعُه في الحرامِ المحضِ . وفي بعض الروايات: أن النبيَّ وَِّ قال: ((وسأضربُ لذلك مثلاً))، ثم ذكر هذا الكلامَ . فجعل النبيُّ وَ﴿ِ مثلَ المحرماتِ كالحمَى ، الذي تحميه الملوكُ ، ويمنعون غيرهم من قربانه . وقد جعل النبيُّ وَّ﴿ِ حول مدينتِه اثني عشرَ ميلاً حمّى محرمًا، لا يقطع شجرهُ ، ولا يصادُ صيده . وحمى عمرُ وعثمانُ أماكنَ ينبتُ فيها الكلأُ؛ لأجلِ إِبلِ الصدقةِ(١). واللهُ عزَّ وجلَّ حمى هذه المحرماتِ ، ومنع عبادَه من قربانِها ، وسمَّاها حدودَه ، فقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧] . وهذا ؛ فيه بيانٌ أنه حدَّ لهم ما أحلَّ لهم ، وما حرَّم عليهم ، فلا يقربوا الحرامَ ، ولا يتعدَّوْاُ الحلالَ . وكذلك قال في آية أخرى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدُّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وجعل من يرعى حول الحمَى ، أو قريبًا منه جديرًا بأن يدخلَ الحمَى ، ويرتعَ فيه ، فكذلك من تعدَّى الحلالَ ووقعَ في الشبهاتِ ، فإنه قد قاربَ الحرامَ غايةَ المقاربةِ ، فما أخْلَقَه بأن يخالطَ الحرامَ المحضَ ويقعَ فيه . وفي هذا ؛ إشارةٌ إلى أنه ينبغي التباعدُ عن المحرماتِ ، وأن يجعل الإنسانُ بينَه = (١) راجع: البخاري (٢٣٧٠) (٣٠٥٩) ومسلم (١١٢/٤ - ١١٤) و((السنن الكبرى)) للبيهقي (١٤٦/٦ - ١٤٧) . ٢٢٤ حديث : ٥٢ کتاب الإیمان = وبينها حاجزًا . وقد خرج الترمذيُّ وابنُ ماجه(١) من حديث عبدِ اللهِ بن يزيدَ، عن النبيِّ ◌َّ، قال: (( لا يبلغُ العبدُ أن يكونَ من المتقينَ حتى يدعَ ما لا بأسَ به، حذرًا ممَّا به بأسٌ )) . وقال أبو الدرداء : تمام التقوى أن يَتَّقي اللهَ العبدُ حتى يتقيه من مثقال ذرةٍ ، وحتى يتركَ بعضَ ما يرى أنه حلالٌ ، خشيةَ أن يكونَ حرامًا ، حجابًا بينه وبينَ الحرامِ . وقال الحسنُ : ما زالتِ التقوى بالمتقينِ ، حتَّى تركوا كثيراً من الحلال ؛ مخافةً الحرام . وقال الثوريُّ: إنما سمُّوا المتقينَ ؛ لأنهم اتَّقَوْا ما لا يُتَّقِى . ورُوي عن ابنِ عمرَ ، قال : إني لأحبُّ أن أدعَ بيني وبين الحرامِ سترةً من الحلالِ ، لا أخرقُها . وقال ميمونُ بنُ مِهِرانَ : لا يسلمُ للرجلِ الحلالُ ، حتى يجعلَ بينَه وبين الحرامِ حاجزًا من الحلال . وقال سفيانُ بنُ عيينةَ : لا يصيبُ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ ، حتى يجعلَ بينَه وبين الحرامِ حاجزًاً من الحلالِ ، وحتى يدعَ الإثمَ وما تشابه منه . ويستَدِلُّ بهذا الحديثِ : مَن يذهب إلى سدِّ الذرائعِ إلى المحرماتِ ، وتحريم الوسائلِ إليها . ويدلُّ على ذلك - أيضًا - مِن قواعدِ الشريعةِ - : تحريمُ قليلِ ما يُسكرُ كثيرهُ ، وتحريم الخلوةِ بالأجنبيةِ ، وتحريمُ الصلاةِ بعدَ الصبحِ وبعد العصرِ ؛ سدًا لذريعةِ الصلاةِ عند طلوعِ الشمسِ وعند غروبها ، ومنعُ الصائمِ من المباشرةِ إذا كانت تحرِّك شهوتَه ، ومنعُ كثيرٍ من العلماءِ مباشرةَ الحائضِ ما بين سَرَّتَها وركبتِها إلا من وراءِ حائلٍ ، كما كانَ النبيُّ ◌َ﴿ يأمرُ امرأتَه إذا كانت حائضًا أن تَتَّزر، فيباشرُها من فوقِ الإزارِ(٢). ۔ (١) الترمذي (٢٤٥١) وابن ماجه (٤٢١٥) وإسناده ضعيف. (٢) أخرجه البخاري (٣٠٠) (٣٠٢) ومسلم (١٦٦/١) من حديث عائشة . ٢٢٥ ٣٩ - باب: فضل من استبرأ لدينه کتاب الإیمان = ومن أمثلة ذلك - وهو شبيهٌ بالمثلِ الذي ضربَه النبيُّ نَل ◌َ - : من سيَّب دابته ترعَى بقربِ زرعٍ غيرِه ، فإنه ضامنٌ لما أفسدتْه من الزرعِ ، ولو كانَ ذلك نهاراً ، هذا هو الصحيحُ ؛ لأنه مفرِّطٌ بإرسالِها في هذه الحالِ . وكذا الخلاف ، لو أرسل كلب الصيد قريبًا من الحرم ، فدخلَ الحرمَ ، فصادَ فيه ، ففي ضمانِهِ روايتانِ عنْ أحمدَ ، وقيل : يضمنُهُ بكلِّ حالٍ . وقوله: ﴿ل: ((ألا، وإنَّ في الجسد مضغةً، إذا صلَحت صلحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فسدتْ فسدَ الجسدُ كلُّه ، ألا وهي القلبُ)) . فيه : إشارةٌ إلى أنَّ صلاحَ حركاتِ العبدِ بجوارِحه ، واجتنابِه للمحرماتِ ، واتقائه للشبهاتِ ، بحسبِ صلاحِ حركةٍ قلبِهِ . فإن كان قلبه سليمًا ليس فيه إلا محبةُ اللهِ ومحبةُ ما يحبُّهُ، وخشيةُ اللهِ وخشيةُ الوقوعِ فيما يكرهُهُ، صلَحت حركاتُ الجوارحِ كلِّها ، ونشأً عن ذلك اجتنابُ المحرماتِ كلِّها ، وتوقِّي الشبهاتِ حذرًا من الوقوعِ في المحرماتِ . وإن كان القلبُ فاسدًا ، قد استولَى عليه اتباع هواه ، وطلبُ ما يحبُّه، ولو كرهَه اللهُ، فسدت حركاتُ الجوارحِ كلِّها ، وانبعثت إلى كلِّ المعاصي والمشتبهاتِ ، بحسب اتباعِ هوى القلبِ . ولهذا يقال: القلب ملِكُ الأعضاءِ، وبقيةُ الأعضاءِ جنودُه، وهم مع هذا جنودٌ طائعونَ له ، منبعثون في طاعتِه وتنفيذ أوامرِه ، لا يخالفونَه في شيءٍ من ذلك ، فإن كان الملكُ صالحًا ، كانت هذه الجنودُ صالحةً ، وإن كان فاسدًا كانت جنودُه بهذه المثابةِ فاسدةً . ولا ينفع عندَ اللهِ إلا القلبُ السليمُ، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]. وكان النبيُّ ◌َه يقولُ في دعائه: ((أسألُك قلبًا سليمًا)) (١). = (١) أخرجه أحمد (١٢٥/٤) والترمذي (٣٤٠٧) والنسائي (٥٤/٣) من حديث شداد بن أوس بلفظ: ((اللهم إني أسألك الثبات في الأمر ... )) . ٢٢٦ حديث : ٥٢ كتاب الإيمان = فالقلبُ السليمُ، هو : السالمُ من الآفاتِ والمكروهاتِ كلّها ، وهو القلبُ الذي ليس فيه سوى محبةِ اللهِ ، وما يحبُّ اللهُ، وخشيةِ اللهِ ، وخشيةٍ ما يباعدُ منه . وفي (( مسندِ الإمامِ أحمدَ)) (١)، عن أنسٍ، عن النبيِّ ◌َّهُ، قال: ((لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُهُ)) . والمراد باستقامة إيمانه : استقامَةُ أعمالِ جوارِحه ؛ فإن أعمالَ الجوارحِ لا تستقيمٌ إلا باستقامةِ القلبِ . ومعنى استقامةِ القلبِ : أن يكونَ ممتلئًا من محبَّةِ اللهِ ، ومحبةِ طاعتِه ، وكراهةٍ معصيته . قال الحسن لرجلٍ : دَاوِ قلبكَ ؛ فإن حاجةَ اللهِ إلى العبادِ صلاحُ قلويِهم . يعني : أن مرادَه منهم ومطلوبَه صلاحُ قلوبِهِم ، فلا صلاحَ للقلوبِ حتى تستقرَّ فيها معرفةُ اللهِ وعظمتُه ومحبتُهُ وخشيتُهُ ومهابتُه ورجاؤه والتوكلُ عليه ، وتمتلئَّ من ذلك . وهذا هو حقيقةُ التوحيدِ ، وهو معنى لا إله إلا اللهُ ، فلا صلاحَ للقلوبِ حتَّى يكون إلهُها الذي تألَهُهُ وتعرفُه وتحبُّه وتخشاه هواللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ . ولو كانَ في السموات والأرض إلهٌ يؤلَه سوى اللهِ لفسدتْ بذلك السمواتُ والأرضُ، كما قالَ تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. فُعلِمَ بذلك ، أنه لا صلاحَ للعالمِ العلويِّ والسفليِّ معًا حتى تكونَ حركاتُ أهلها كلُّها للهِ ، وحركاتُ الجسدِ تابعةٌ لحركة القلبِ وإرادته ، فإن كانت حركتُه وإرادتُه لله وحدَه ، فقد صلحَ وصلحتْ حركاتُ الجسدِ كلُّها ، وإن كانت حركةُ القلبِ وإرادتُه لغيرِ اللهِ فسدَ ، وفسدتْ حركاتُ الجسدِ ، بحسبِ فسادِ حركةِ القلبِ . وروى ليثٌ، عن مجاهدٍ، في قوله تعالى: ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]، قال : لا يحبونَ معي غيري . = وراجع تعليقي من كتاب ((جامع العلوم والحكم)) (١٩٨/١)، (٤٥٩/٢). (١) (١٩٨/٣) وإسناده ضعيف. = ٢٢٧ ٣٩ - باب : فضل من استبرأ لدينه کتاب الإيمان · = وفي «صحيح الحاكم))(١)، عن عائشةَ، عن النبيِ نَّهِ، قال: ((الشركُ أخفى من دبيب الذرِّ على الصفا في الليلة الظلماءِ ، وأدناه أن تحبَّ على شيءٍ من الجورِ ، وأن تُبُغْضَ على شيءٍ من العدل ، وهل الدينُ إلا الحبُّ والبغضُ ؟ قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَِّعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٣١])). فهذا ؛ يدلُّ على أن محبةَ ما يكرهُهُ اللهُ ، وبغضَ ما يحبُّه متابعةٌ للهوى ، والموالاةَ على ذلك والمعاداةَ عليه من الشركِ الخفيِّ . ويدل على ذلك: قولُه تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، فجعل اللهُ علامةَ الصدقِ في محبتِهِ اتباعُ رسولِهِ وَ ﴿، فدلَّ على أن المحبةَ لا تتمُّ بدون الطاعة والموافقة . قال الحسنُ: قال أصحابُ رسولِ اللَّهِ وَله: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّا نحبُّ رَبَّنَا حبًا شديدًاً، فأحبَّ اللَّهُ أن يجعلَ لحبُهُ عَلَمًا، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآية: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَِّعُونِي يُحْكُمُ اللَّهُ﴾ . : ومن هنا قال الحسنُ : اعلم أنك لن تحبَّ اللهَ حتى تحبَّ طاعتَه . وسئلَ ذو النونِ : متى أُحبُّ ربي ؟ قال : إذا كان ما يبغضُهُ عندك أمرَّ من الصبرِ . وقال بشرُ بنُ السَّري : ليس من أعلامِ الحبِّ أن تحبَّ ما يبغضُهُ حبيبك . وقال أبو يعقوبَ النَّهْرُ جُوريُّ: كل من ادَّعى محبةَ اللهِ عزَّ وجلَّ ، ولم يوافقِ اللهَ في أمرِهِ ، فدعْوَاه باطلٌ . وقال رُوَيَمٌ : المحبةُ الموافقةُ في كلِّ الأحوالِ . وقال يحيى بنُ معاذٍ : ليس بصادقٍ من ادَّعى محبةَ اللهِ ، ولم يحفظ حدودَه . وعن بعض السلفِ ، قال: قرأتُ في بعض الكتبِ السالفةِ: من أحبَّ اللهَ لم يكن = (١) (٢٩١/٢) والبزار (٣٥٦٦ - كشف) والعقيلي (٦١/٣). وهو حديث ضعيف . راجع: تعليقي على ((جامع العلوم)) (١٩٩/١ - ٢٠٠). . ٢٢٨ حديث : ٥٢ كتاب الإيمان = عندَه شيءٌ آثر من رضاه، ومن أحبَّ الدنيا لم يكن عنده شيءٌ آثَرُ من هوَى نفسِهِ . وفي (( السننِ))(١) عنِ النبيِّ بَِّ، قال: (( من أعطى للهِ، ومنعَ للهِ، وأحبَّ للهِ، وأبغضَ للهِ ، فقد استكملَ الإيمانَ )). ومعنى هذا : أن حركاتِ القلبِ والجوارحِ إذا كانت كلُّها للهِ ، فقد كملَ إيمانُ العبدِ بذلك ظاهرًا وباطنًا . ويلزم من صلاحِ حركاتِ القلبِ صلاحُ حركاتِ الجوارحِ ، فإذا كان القلبُ صالحًا ، ليس فيه إلا إرادةُ اللهِ وإرادةُ ما يريدُه، لم تنبعث الجوارحُ إلا فيما يريدُه اللهُ ، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكفت عما يكرهُهُ، وعما يُخشى أن يكون مما يكرهُهُ ، وإن لم يتيقنْ ذلك . قال الحسنُ: ما نظرتُ ببصرِي ، ولا نطقتُ بلساني، ولا بطشتُ (٢) بيدِي ، ولا نهضتُ على قدمي ، حتى أنظرَ على طاعةٍ أو على معصيةٍ ، فإن كانت طاعةً تقدمتُ ، وإن كانت معصيةً تأخرتُ . وقال محمدُ بنُ الفضلِ البَلخيُّ: ما خطوتُ منذ أربعينَ سنةً خطوةً لغيرِ اللهِ. وقيل لداودَ الطائيّ: لو تنحيتَ من الشمسِ إلى الظلِّ ؟ فقال : هذه خُطّاً ، لا أدري کیف تُكتبُ . فهؤلاء القومُ لما صلحتَ قلوبُهم ، فلم يبقَ فيها إرادةٌ لغير اللهِ عزَّ وجلَّ ، صلحت جوارِحُهم ، فلم تتحركْ إلا للهِ، وبما فيه رضاهُ . والله تعالى أعلمُ. - (١) تقدم . (١) في هامش الأصل: ((ضربت))، لعلها نسخة . وفي ((جامع العلوم)) (٢٠١/١): ((بطشت)). -------- ٥ كِتَابُ الفُسْلِ ar الـ ٢٣١ وقول اللَّه تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطَّهروا﴾ کتاب الغسل ء قال البُخاريُّ - رحمه الله تعالى - : ٥ كِتَابُ الغُسْلِ وقَوْلُ اللَّه تعالى: ﴿وَإِن كُنْتُمْ جَنْبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، إلى قَوْله: ﴿عَفُوَّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]. صدَّر البخاريُّ - رحمه اللهُ - ((كتابَ الغُسْلِ)) بهاتينِ الآيتينِ ؛ لأن غُسلَ الجنابةِ مذكورٌ فيهما . أما قولُه تعالَى: ﴿وَإِن كُنْتُمْ جَنْبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، فَأَمْرٌ للجنبِ إذا قام إلى الصلاة أن يتطهّر . وتطهُّرُ الجُنُب هو غُسْلُه ، كما في تطهُّرِ الحائضِ إذا انقطعَ دَمُها ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأُتُوهُنَّ: ﴾ [البقرة: ٢٢٢] . والمرادُ بتطهرٍهنَّ : اغتسالُهُنَّ عند جمهورِ العلماءِ ، فلا يُباحُ وَطَؤُها حتى تغتسلَ ، وسيأتي تفسيرُ الآيةِ في (( كتابِ الحيضِ )) - إن شاء الله تعالى. وأما قولُه تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، فَنَّهَيٌ عن قُربانِ الجنبِ الصلاةَ حتى يغتسلَ ، فصرَّح هُنا بالغُسْلِ ، وهو تفسيرُ التطهيرِ المذكورِ في آية المائدةِ . وهل المرادُ : نهيُ الجنبِ عن قُربانِ الصلاةِ حتى يغتسلَ ، إلا أن يكونَ ٢٣٢ وقول الله تعالى : ﴿وإن كنتم جنبًا فاطَّهروا﴾ کتاب الغسل مسافرًا - وهو عابرُ السبيلِ - ، فيعدمُ الماءَ ، فيصلِّي بالتيممٍ ؟ أو المرادُ : نهيُ الجنبِ عن قربانِ موضعِ الصلاةِ - وهو المسجدُ - إلا عابرَ سبيلٍ فيه ، غيرَ جالسٍ فيه ، ولا لابث ؟ هذا مما اختلفَ فيه المفسرونَ من السلفِ . وبكلِّ حالٍ ؛ فالآيةُ تدلُّ على أن الجنبَ ما لم يغتسلْ مَنْهِيٌّ عن الصلاةِ ، أو عن دخولِ المسجدِ ، وأنَّ استباحةَ ذلك يتوقفُ على الغُسلِ ، فيُستدلُّ به على وجوبِ الغُسل على الجنبِ إذا أرادَ الصلاةَ ، أو دخولَ المسجد . ٢٣٣ ١ - باب الوضوء قبل الغسل کتاب الغسل ١ - بَابُ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغَسْلِ و خرَّج فِيهِ حَدِيثِينِ : الحديثُ الأولُ : ٢٤٨ - حديثُ: مالك، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّالنَّبِيَّ ◌َيْ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ بِفَسْلٍ يَدَيْهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصََّةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ ، فَيُخَلِلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثَ غَرَفَات بِبَدَيِّهِ، ثُمَّيُفِيضُ الماءَ عَلَى جِدِ كُلِّهِ. غسْلُ اليدينِ [ ... ](١) قبل الوضوء شِبْهُ غسلهما للمتوضئ قبلَ إدخالِهما في الإناء . وروى هذا الحديثَ وكيعٌ ، عن هشامٍ ، وقالَ في حديثه: (( يَغْسل يديه ثلاثًا)). خرَّجه مسلمٌ (٢) من طريقه كذلك . واستحسنَ أحمدُ هذه الزيادةَ من وكيعٍ . وقال أبوالفَضلِ ابنُ عمَّارِ (٣): ليست عندنا بمحفوظة. (١) طمس بالأصل . (٢) (١ / ١٧٤). (٣) في ((علل أحاديث مسلم)) (ص ٧٢)، وقال: ((لم يذكر غسل اليدين ثلاثًا في ابتداء الوضوء غير وكيع » . قلت : وتلك المتابعات التي ذكرها المؤلف لوكيع غير محفوظة ، فلا يعتد بها ، والمؤلف إنما ساقها للعلم ، ليس أكثر . واستحسان أحمد لروايته إنما هو من غرابتها ، وقد كانوا = ٢٣٤ حديث : ٢٤٨ کتاب الغسل قلتُ : تابَعه - أيضًا - على ذِكْرِ الثلاثِ في غَسْل الكفين : مباركُ بنُ فَضالةَ ، عن هشامٍ . خرَّج حديثَه ابنُ جريرِ الطَّرِيُّ . ومباركٌ ، ليس بالحافظِ . وكذلك رواها ابنُ لهِيعَةَ ، عن أبي الأَسْوَدِ ، عن عُرْوةَ ، عن عائشةَ . وقد رُويتْ - أيضًا - من حديث أبي سَلَمَةَ ، عن عائشةَ ، وسيأتي حديثُه. وقد رُوي ، أنه غسَلَهما قبلَ الاستنجاءِ ، ثم اسْتَنْجى، ثم دَلَكَهما بالأرضِ ، ثم غسَلَهما قبل الوضوء مرتين أو ثلاثًا ، وسيأتي ذلك فيما بعدُ - إن شاء الله تعالى . وقَوْلُ عائشةَ: ((ثم توضأ كما يَتوضأُ للصلاة)» يدلُّ على أنه توضأ وضوءًاً كاملاً ، قبل غَسْلِ رأسِهِ وجسدِهِ . وروى أبو معاويةَ الضَّرِيرُ هذا الحديثَ ، عن هشامٍ ، وزادَ في آخرٍ الحديث : (( ثم غَسَلَ رجلَيْه )). خرَّجه مسلمٌ (١). وتابعَه عليها محمدُ بنُ [ كناسةَ ](٢) ، عن هشامٍ. خرَّج حديثه أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفر في (( كتابِ الشافِي)) [ ... ] . وذكر أبو الفضلِ ابنُ عَمَّارٍ (٣) : أن هذه الزيادةَ ليست بمحفوظةٍ . = يستحسنون الغرائب كما قال الخطيبُ وغيره. وانظر ما كتبتُه في ((مبحث الحَسَن)) من كتابي: ((لغة المحدِّث)). والله أعلم . (١) (١ / ١٧٤) . (٢) مشتبهة بالأصل، وهو محمد بن عبد الله بن كناسة. مترجم في ((التهذيب)). (٣) في ((علل أحاديث مسلم)) (ص ٦٩ - ٧٢)، وقال: ((وهذا الحديث رواه جماعة من = ٢٣٥ ١ - باب الوضوء قبل الغسل کتاب الغسل قلتُ : ويدل على أنها غيرُ محفوظةٍ عن هشامٍ : أن أيوبَ روى هذا الحديثَ عن هشامٍ، وقال فيه : (( فقلتُ لِهشام : يَغسلُ رجلَيه بعد ذلك؟ فقال: وضوءَه للصلاة ، وضوءه للصلاة . أي : أن وضوءَه في الأول كافٍ . ذَكَرَه ابنُ عبدِ البَرِّ (١). وهذا يدل على أن هشامًا فَهِمَ من الحديث أن وضوءَه قبل الغُسلِ كان كاملاً بغسلِ الرجلينِ ، فلذلك لم يَحْتَجْ إلى إعادةٍ غَسلِهما . وقد رَوَى حمادُ بنُ سَلَمَةَ ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن أبي سَلَمَةَ ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللهِ وَّهِ إذا أرادَ أن يغتسلَ من الجنابةِ يغسلُ يديه ثلاثًا، ثم يأخذُ بيمينه فيَصُبُّ على شمالِه ، فيغسلُ فَرْجِه حتى يُنْقِيَه ، ثم يغسلُ يدَه غَسلاً حَسَنًا ، ثمَّ يُمَضْمِضُ ثلاثًا ويَستنشقُ ثلاثًا، ويَغسلُ وجهه ثلاثًا ، وذراعَيَه ثلاثًا ثلاثًا، ثم يَصُبُّ على رأسِه الماءَ ثلاثًا، ثم يغتسلُ، فإذا خَرَج غَسَلَ قدميه . خرَّجِه الإمامُ أحمدُ (٢) ، عن عفانَ ، عن حمادٍ . وخرجه ابنُ جرير الطبريُّ ، من طريقِ حَجَّاجٍ بِنِ مِنْهالٍ ، عن حمَّدٍ ، به . وفي روايته : ثم يغسل جسدَه غسلاً، فإذا خرجَ من مُغْتَسلِه غَسَلَ رجلَيه . وخرَّجه الطبرانيُّ في (( الأوسطِ))(٣) من طريق مُؤَمَّلٍ، عن حمَّد، عن عَطَاءِ ابنِ السائبِ وعليِّ بنِ زَيْدٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن عائشةَ، أن النبيَّ وَّ كان إذا = الأئمة عن هشام ، منهم : زائدةُ وحماد بن زيد وجَرِير ووكيع وعلي بن مُسهر وغيرهم ، فلم يذكر أحد منهم غسل الرجلين ، إلا أبو معاوية )) . (١) في ((التمهيد)) (٢٢/ ٩٣). (٢) في ((المسند)) (٩٦/٦). (٣) (٢٦٦٩). ٢٣٦ حديث : ٢٤٨ کتاب الغسل اغْتَسَلَ من جَنَابَةِ غَسَلَ كَفَّه ثلاثًا قبلَ أن يَغمسَهما في الإناءِ(١)، ثم يأخذُ الماءَ بيمينه فيَصْبُّه على شِماله، ثم يَغْسِلِ فَرْجَهَ، ثم يَتَمَضْمَضُ ثلاثًا ويَستنشقُ ثلاثًا ، ثم يَغْسلُ وجهَه ثلاثًا ، ويغسلُ ذراعَيَه ثلاثًا ثلاثًا ، ثم يَصُبُّ على رأسه الماءَ واحدًا واحدًا ، فإذا خَرَج من مُغتسله غسَل قدميه . وخرَّجه النسائيُّ (٢) بمعناه ، ولم يذكر غسل رجليه في الآخِر ، وعنده : أنه صبّ على رأسه ثلاثًا . وفي رواية له (٣): ((مِلءَ كَفَّهِ)). وروى الإمامُ أحمدُ (٤): ثنا هشيمٌ : أنا خالدٌ ، عن رجلٍ من أهلِ الكوفةِ ، عن الأسودِ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللهِ وَّهُ إذا خرجَ من مغتسلِه حيث يغتسلُ من الجنابةِ يغسلُ قدميه . وروى الأوزاعيَّ ، قال : حدثني يحيى بنُ أبي كثيرٍ ، عن أبي سلمةَ ، عن عائشةَ - وحدثني عمرو بنُ سعدٍ ، عن نافعٍ مولى ابنِ عمرَ - ، أن عُمَرَ سألَ رسولَ اللهِ وَّ عن الغسلِ من الجنابةِ. قال الأوزاعيُّ : واتفقتٍ (٥) الأحاديثُ على هذا، يبدأُ فيفرغُ على يده اليمنى مرتين أو ثلاثًا ، ثم يدخلُ يده اليمنى في الإناءِ ، فيصبُّ بها على فرجه ، ويدُه اليسَرَى على فرجه ، فيغسلُ ما هنالك حتى يُنقِيَه ، ثم يضعُ اليسرى على الترابِ إن شاء ، ثم يصبُّ على يده اليسرى حتى يُنْقِيَها ، ثم يغسلُ يديه ثلاثًا ويستنشقُ (١) كذا بالأصل، وفى الأوسط ((الماء)). (٢) (١٣٢/١ - ١٣٣). (٣) (١٣٢/١ - ١٣٣) . (٤) (٦ / ١٧٠). (٥) في ((سنن النسائي)): ((واتَّسقت)). ٢٣٧ ١ - باب الوضوء قبل الغسل کتاب الغسل ويمضمضُ ويغسلُ وجهَه وذراعَيَه ثلاثًا ثلاثًا، حتى إذا بلغَ رأسَه لم يمسحه(١) ، وأفرغَ عليه الماءَ ، وهكذا كان [غسلُ] (٢) رسول الله وَ ◌ّل، فيما ذكرَ لنا(٣). ء (٤) خرَّجه النسائيُّ (٤). وهذا مما رواه الأوزاعيَّ بالمعنى الذي فهمه من حديث عائشةً وحديث عُمرَ ، وليس هو لفظَ حديثهما ، ولكنه إلى لفظِ حديثٍ عمرَ أقربُ ؛ فإن حديثَ . عُمرَ رُوي بمعنّى مقاربٍ لما قاله الأوزاعيَّ من غير طريقه . خرَّجه الإمامُ أحمدُ (٥) من طريق شعبةً ، عن عاصمٍ بنِ عَمرِو البجليِّ ، عن رجلٍ حدَّثَه ، أنهم سألوا عُمرَ عن غسلِ الجنابة ، وعن صلاة التطوعِ في البيتِ ، وعمَّا يصلحُ للرجلِ من امرأته وهي حائضٌ ؟ فقال : لقد سألتموني عن شيءٍ ما سألني عنه أحدٌ منذ سألتُ عنه رسولَ اللهِوَ له، قالَ: ((صلاةَ الرجلِ في بيته تطوعًا نورٌ، فمن شاءَ نوَّر بيتَه))، وقال - في الغسلِ من الجنابة -: (( يغسلُ فرجَهَ، ثم يتوضأُ، ثم يفيضُ على رأسِه ثلاثًا))، وقال - في الحائضِ -: (( ما فوقَ الإزار )) . وخرَّجه الإسماعيليُّ في (( مسند عمرَ)) ، من طريق أخرى ، عن عاصم . وفي بعض رواياته : (( توضأ وضوءك للصلاة ، ثم أفض الماءَ على رأسك ، ثم على جسدك، ثم تنحَّ من مغتسلك فاغسلْ رجلَّيْك)). وفي روايةٍ له : عن عاصمٍ ، عن عُمَيْرٍ مولى عمرَ ، أن نفراً سألوا عُمرَ - فذكر الحديثَ ، وقال في حديثه -: (( وأما الغسلُ فتفرغُ بشمالك على يمينك ، (١) كذا بالأصل وفي ((السنن)): ((لم يمسح)). (٢) ليست بالأصل وهي مثبتة من ((السنن)). (٣) ((لنا)) بالأصل، وهي ليست في ((السنن)). (٤) (١ /٢٠٥ - ٢٠٦). (٥) (١٤/١). ٢٣٨ حديث : ٢٤٨ کتاب الغسل ثم تدخلُ يدك في الإناءِ ، ثم تغسلُ فرجَك وما أصابَك ، ثم تفرغُ على رأسِك ثلاثَ مرات، تدلكُ رأسَك كلَّ مرةٍ، ثم تغسلُ سائرَ جسدِك)). وراه ابنُ أبي ليلَى ، عن عاصمِ بنِ عَمرٍو البجليِّ ، عن عمرو بنِ شرحبيلَ - وهو : أبو ميسرةَ - ، عن عُمرَ - وقد ذكرَ الحديثَ، وقال فيه -: (( وأما الغسلُ من الجنابة ، فصبّ بیمینك على شمالك واغسلها واغسلْ فرجَك ، وتوضأ وضوءَك للصلاة ، ثم أفضْ على رأسك وجسدك ، ثم تحولْ فاغسلْ قدمَيك)). خرَّجه الإسماعيليُّ . وقد فهمَ الأوزاعيُّ من حديث عُمرَ وعائشةَ، أن الوضوءَ يكونُ ثلاثًا ثلاثًا إلى مسحِ الرأسِ، ولا يمسحُ الرأسَ، بل يصبُّ عليه الماءَ ثلاثَ مراتٍ، فيكتفي بغسلِهِ للجنابة عن مسحِهِ ، ثم يصبُّ الماءَ على سائرِ جسدِهِ ، ويغسلُ رجلَيه . فأما القولُ باستحبابِ تثليثِ الوضوءِ قبل غسلِ الجنابةِ ، فقد نصَّ عليه سفيانُ الثوريُّ وإسحاقُ بنُ راهويهِ وأصحابُنا ، ولم ينصَّ أحمدُ إلا على تثليثِ غسلٍ كفَِّه ثلاثًا ، وعلى تثليثِ صبِّ الماءِ على الرأسِ . وأما القولُ بأنه لا يمسحُ رأسَه ، بل يصبُّ عليه الماءَ صبًا ، ويكتفي بذلك عن مسحِه وغسلِه للجنابة ، فهذا قد رُوي صريحًا عن ابنِ عُمرَ . ونصَّ عليه إسحاقُ بنُ راهويهِ - : نقله عنه حربٌ . ونقله أبو داودَ ، عن أحمدَ . ونقلَ عنه ، قالَ : لا يغسلُ رجِلَيْه قبلَ الغسلِ . ورُوي عن ابن عُمَرَ ، أنه قالَ : توضأ وضوءَك للصلاة ، إلا رجلَيْك. وظاهرُ هذا : أنه يمسحُ رأسَه ، ولا يغسلُ رجلَيْه ، وهو قولُ الثوريِّ وغيرِهِ من العلماءِ . ٢٣٩ ١ - باب الوضوء قبل الغسل كتاب الغسل والاكتفاءُ بغسل الرأس عن مسحِه يدل على أن غسلَ الرأسِ في الوضوءِ يجزئُ عن مسحِهِ ، لكنه في الوضوءِ المفردِ مكروهٌ ، وفي الوضوءِ المقرونِ بالغسلِ غيرُ مكروهٍ . وذهبت طائفةٌ من العلماءِ إلى أنه يكملُ وضوءَه كلَّه ، بمسحِ رأسِهِ ، وغسِل قدميه قبلَ الغسلِ ، وهو المشهورُ عند أصحابِنا ، وهو قولُ الخلالِ وصاحبِه أبي بكرٍ ، وهو قولُ مالكِ والشافعيِّ في أشهرِ قولَيه ؛ لظاهرِ حديثٍ عائشةَ الذي خرَّجه البخاريُّ هاهنا . وقالوا: حديثُ عائشةَ، حكايةٌ عن فعلِ النبيِّ وَِّ الدائمِ في غسلِه للجنابة ، وأما ميمونةُ التي روت تأخيرَ غسلٍ رجلَيه ، فإنها حكت غسلَه في واقعةِ عينٍ ، ولكن قد تبين أنه رُوي عن عائشة ما يوافق حديثَ ميمونةَ في تأخيرٍ غسلِ القدمينِ ، ولم يأت عنها ولا عن غيرِها التصريحُ بمسحِ الرأسِ في الوضوءِ. ونصَّ أحمدُ - في رواية جماعةٍ - على أنه مخيَّرٌ بين تكميل الوضوءِ أولاً ، وبين تأخيرٍ غسلِ الرجلينِ إلى أن يُكملَ الغسلَ . وحكي للشافعيِّ في تكميلِ الوضوءِ أولاً قبل الغسلِ قولان : نقل عنه البويطيُّ : تأخيرٌ غسلِ الرجلينِ . والأصحُّ عند أصحابه : التكميلُ . ٠٠ -* وقال سفيانُ الثوريُّ : يتوضأُ ثلاثًا ثلاثًا إلى أن ينتهي إلى رأسه ، فيمسحُه مرةً ، ثم يُفيض عَلَيْه ثلاثًا، ويبالغُ بالماءِ أصول الشعر ، ويغسلُ لحيته وأُذُنِيه ظاهرهما وباطنَهما ، ثم يفرغُ على سائِر جسدِهِ من الماءِ ، ثم يتنحى عن مكانِه ، فيغسلُ قدميه . هكذا حکی أصحابُه عنه في كتبهم . والذين قالُوا : يكملُ وضوءَه قبلَ الغسلِ ، قالوا : لا يعيدُ غسلَ قدميه بعدَه. ٢٤٠ حديث : ٢٤٨ کتاب الغسل قاله إبراهيمُ النخَعَيُّ ومسلمُ بنُ يسارِ وهشأُ بنُ عروةَ وأبو الأسودِ يتيمٌ عروةً ، ونصَّ عليه أحمدُ . ومن أصحابنا من قالَ : يستحبُّ إعادةُ غسلٍ قدميه إذا انتقلَ من مكانه ، تطهيراً لهما وتنظيفًا . وحكى الترمذيُّ في (( كتابه))(١) ذلك عن أهلِ العلمِ. وفيه نظرٌ . وقد كان الشعبيّ إذا خرجَ من الحمامِ يخوضُ ماءَ الحمامِ ، ولا يغسلُ قدميه. وروى ابنُ أبي شيبةَ ، عن الأسودِ بن(٢) عامرٍ ، عن حمادِ بنِ سلمةَ ، عن عطاءِ بنِ السائِب، عن أبي سلمةَ، عن عائشةً، قالت: كان رسولُ اللهِ وَهـ بعدما يغتسلُ يخرجُ من الكنيفِ ، يغسلُ قدميه . وخرَّجه عنه بقيُ بنُ مخلدٍ في (( مسندِهِ)). وهو مختصرٌ من حديث صفةِ الغسلِ الذي سبقَ ذكرُه . وذكرُ الكنيفِ فیه غريبٌ . الحديثُ الثانِي : ٢٤٩ - مِنْ رِوَآيَةٍ: الأَعْمَشِ، عَنْ سَالم بن أبي الجَعْدِ ، عَنْ كُریب ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْعُونَةَ زَوْجِ النَِّّ: ﴿، قَالَتْ: تَوَضَأَ النَِّيُّ ◌َ﴾ُ وَضُوءَهُ لِلصَّلَةِ، غَيْرَ رِجْلَيْهِ، وَفَسَلَ (٣) فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الأَذَى، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ المَاءَ، ثُمَّ نَخَّى رِجْلَيْهِ فَفَسَلَهُمَا، هَذِهِ(٤) غُسْلُهُ مِنْ الْجَنَابَةِ. (١) (١ / ١٧٥). (٢) في الأصل: (( عن)) خطأ. (٣) في الأصل: ((وغسله)). (٤) في نسخة: (( هذا)).