النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ ٣٧ - باب سؤال جبريل النبي ال# کتاب الإيمان ويشهدُ لهذَاً: الحديثُ الآخرُ: ((إذا وكلَ الأمرُ إلى غير أهله فانتظر الساعةَ))(١) . والتطاولُ في البنيانِ من أشراطِ الساعةِ - أيضًا . وقد خرج البخاريُّ ومسلمٌ (٢) من رواية أبي الزنادِ ، عن الأعرجِ ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ بَّهِ، قال: ((لا تقومُ الساعةُ حتى يتطاولَ الناسُ في البنيان)). وقد كان بناءُ النبيِّ ◌َِّ للمساجدِ والبيوتِ قصيراً . وقد رُوي عن الحسنِ، قال: لما بنَى النبيِّ وَّ المسجدَ، قال: ((ابنوه عريشًا كعريشٍ موسى )) . قيل للحسن : وما عريشُ موسى ؟ قال: إذا رفعَ يدَه بلغَ العريشَ - يعنى: السقفَ (٣). وعن الحسنِ، قال: كنت أدخلُ بيوتَ أزواج النبيِّ وَّر في خلافة عثمانَ، فأتناولُ سقفَها بيدِي . ورُوي عن عمَرَ ، أنه كتب إلى البصرة ، ينهاهم أن لا يرفعَ أحدٌ بناءَه فوقَ سبعةِ أذرعٍ . قال عمارُ بنُ أبي عمارِ : إذا رفعَ الرجلُ بناءه فوقَ سبعةِ أذرعِ ناداه منادٍ : يا أفسقَ الفاسقين ، إلى أينَ ؟! وخرج الطبرانيّ (٤) من حديث أنسٍ - مرفوعًا - : (( كلّ بناء - وأشار بيده هكذا على رأسه - أكثرُ من هذا فهوَ وبالٌ)). (١) أخرجه أحمد (٣٦١/٢)، والبخاري (٥٩) (٦٤٩٦) بمعناه. (٢) أخرجه البخاري (٧١٢١) ومسلم (١٨٩/٨) مختصراً. (٣) راجع: (( جامع العلوم)) (١٢٣/١ - ١٢٤) بتحقيقي. وكذا شرح الحديث (٤٢٨) من هذا الكتاب . (٤) في (( الأوسط)) (٣٠٨١) ٠ ٢٠٢ حديث : ٥١ كتاب الإيمان وفي ((سنن أبي داودَ))(١) عنه، أن النبيَّ وَ لِّ رأى قبةً مُشَرَّفَةً، فقال: (( ما هذه؟)) فقالوا: لفلان. فجاء صاحبُها، فسألَّم على النبي بَّهِ، فأعرضَ عنه ، فعلَ ذلك مرارًاً ، حتى هدمَها الرجلُ . وفي ((سننِ ابنِ ماجه)) (٢)، عن ابنِ عباسٍ - مرفوعًا -: ((أراكم ستشرِّفُون مساجدَكم بعدي ، كما شَرَّفت اليهودُ كنائسَها والنصارَى بَيَعَها )). فهذا الحديثُ : قد اشتملَ على أصولِ الدينِ ومهماتِه وقواعدِه ، ويدخل فيه الاعتقاداتُ والأعمالُ الظاهرةُ والباطنةُ ، فجميع علومِ الشريعةِ ترجعُ إليه ، من أصولِ الإيمانِ والاعتقاداتِ ، ومن شرائعِ الإسلامِ العمليةِ بالقلوبِ والجوارحِ ، ومن علومِ الإحسانِ ونفوذِ البصائر في الملكوتِ . وقد قيل: إنه يصلحُ أن يسمَّى ((أمَّ السنة))؛ لرجوعها كلها إليه ، كما تسمَّى الفاتحةُ ((أمَّ الكتابِ)) و ((أمَّ القرآنِ))؛ لمرجعِه إليها . ثم خرج البخاريُّ بعدَ هذا : ٥١ - حديث: ابْن عَبَّاس: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ، أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ : هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَّمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ ، وَكَذَلكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ . وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةٌ لِدِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَزَعَمْتَ أن لا ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، لاَ يَسْخَطُهُ أَحَدٌ. ومقصودُه بإيرادِه هذه الجملةَ من حديثٍ هرقلَ : أن الإيمانَ يزيدُ حتى يتمَّ ، وأن الدينَ هو الإيمانُ ؛ فإنه سأله : هل يرتدَّ أحدٌ منهم سخطةً لدينه ؟ ثم أجابَ بأن الإيمانَ حين تخالطُ بشاشتُه القلوبَ لا يسخطُه أحدٌ . والبشاشةُ : الفرحُ والاستبشارُ . (١) (٥٢٣٧) . (٢) (٧٤٠). ٢٠٣ ٣٧ - باب سؤال جبريل النبي ◌َّ كتاب الإيمان ومنه : حديثُ : ((لا يُوطِّن أحدٌ المساجدَ للصلاة والذكر إلا تَبَشْبَشَ اللهُ به ، كما يتبشبشُ أهلُ الغائب بغائبهم )) (١) . فدلَّ على أن الإسلامَ والدينَ واحدٌ ، ولكن لم يردْ بزيادة الإيمان هنا إلا زيادةَ أهله، وبتمامِه قوةً أهلِه ، وتمكنَهم من إظهارِه والدعوة إليه . وكلامُ هِرَقْلَ ، وإن كان لا يحتجُّ به في مثلِ هذه المسائلِ العظيمةِ من أصولِ الدياناتِ التي وقع الاضطرابُ فيها ، فإنَّ ابنَ عباسٍ روى هذا الكلامَ مقررًا له مستحسنًا ، وتلقَّه عنه التابعونَ ، وعن التابعينَ أتباعُهم كالزهريِّ . فالاستدلالُ إنما هو بتداولِ الصحابةِ ومَن بعدَهم لهذا الكلامِ ، وروايته واستحسانه . واللهُ سبحانه وتعالى أعلمُ . (١) أخرجه أحمد (٣٢٨/٢، ٤٥٣) وابن ماجه (٨٠٠) وابن حبان (١٦٠٧). ٢٠٤ حديث : ٥٢ کتاب الإيمان فَضْلٌ خرجَ البخاريُّ ومسلمٌ : ٥٢ - من حديث: النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ: ﴿ يَقُولُ: (الْحَلَاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُنْشَبِهَاتٌ، لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ انَّقَى الشَّبْهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأ لدينه وَعِرْضِهِ ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشَّبُهَاتِ ، [ وَقَعَ فِي الحَرَامِ ] (١)، [ كالرَاعِي](٢) يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ [ يَرْتَعَ فِيهِ](٣) ، ألاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلك حِمَّى ، أَلاَ وَإِنَّ حمَى اللَّهِ [فِي أَرْضِهِ](٤) مَحَارِمُهُ ، أَلاَ وَإِنَّ في الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ)». هذا الحديثُ حديثٌ عظيمٌ ، وهو أحدُ الأحاديثِ التي مدارُ الدينِ عليها ، وقد قيل : إنه ثلثُ العلمِ أو ربعُه . وهو حديثٌ صحيحٌ ، متفقٌ على صحتِه من روايةِ الشعْبِيِّ ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ ، وفي ألفاظِهِ بعضُ الزيادة والنقصِ ، والمعنَى واحدٌ أو متقاربٌ . وقد رُوَيَ عن النبيِّ ◌َِّ من حديثِ ابنِ عمرَ (٥) وعمارِ بنِ ياسٍ(٦) وجابرٍ(٧) وابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ (٨) . (١) كذا ، وليس فى شيءٍ من نسخ البخاري هذه الزيادة. (٢) كذا، وفي ((اليونينية)): ((كراعي)). (٣) كذا، وفي ((اليونينية)): ((يواقعه)). (٤) سقط من الأصل، استدركته من ((اليونينية)). (٥) أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (٢٨٦٨) و ((الصغير)) (١٩/١). (٦) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (١٧٣٥) (٢٤٧٢)، وأبويعلى (١٦٥٣) . (٧) أخرجه الخطيب في ((تاريخه)) (٩/ ٧٠). (٨) أخرجه الطبراني في الكبير (٤٠٤/١). ٢٠٥ ٣٩ - باب : فضل من استبرأ لدينه کتاب الإيمان وحديثُ النعمانِ أصحُّ أحادیثِ البابِ . ومعنى الحديث : أن اللهَ أنزلَ كتابَه، وبيَّن فيه حلالَه وحرامَه ، وبيَّن النبيُّ وَّ لأمته ما خفيَ من دلالةِ الكتابِ على التحليل والتحريمِ، فصرَّح بتحريم أشياءَ غيرِ مصرحٍ بها في الكتابِ ، وإن كانت عامتُها مستنبطةً من الكتابِ ، وراجعةً إليه . فصار الحلال والحرامُ على قسمينِ : أحدُهما : ما هوَ واضحٌ لا خفاء به على عمومِ الأمةِ ؛ لاستفاضته بينهم ، وانتشارِه فيهم ، ولا يكادُ يخفَى إلا علَى من نشأ ببادية بعيدة عن دار الإسلامِ ، فهذا هو الحلالُ البَيِّنُ والحرامُ البَيِّنُ . ومنه : ما تحليلُه وتحريمُهُ لعَينِهِ ، كالطيباتِ من المطاعمِ والمشاربِ والملابسِ والمناكحِ ؛ والخبائثِ من ذلك كلِّه . ومنه : ما تحليلُهُ وتحريمُهُ من جهةِ كسبِهِ ، كالبيعِ والنكاحِ والهبةِ والهديَّةِ ، وكالربا والقمارِ والزنا والسرقةِ والغصبِ والخيانةِ وغيرِ ذلك . القسم الثاني : ما لم ينتشرْ تحريمُهُ وتحليلُه في عموم الأمةِ ؛ لخفاءِ دلالةِ النصُّ عليه ، ووقوعِ تنازعِ العلماءِ فيه ونحوِ ذلك ، فَيَشْتَبَه على كثيرٍ من الناسِ : هلْ هو من الحلالِ ، أو منَ الحرامِ ؟ وأما خواصُّ أهلِ العلمِ الراسخون فيه ، فلا يشتبه عليهم ، بل عندَهم من العلمِ الذي اختُصُّوا به عن أكثرِ الناسِ ما يستدلُّون به على حِلِّ ذلك أو حرمتِه ، فهؤلاء لا يكونُ ذلكَ مشتبها عليهم ؛ لوضوحِ حكمِه عندهم . وأما من لم يصلْ إلي ما وصلُوا إليه ، فهو مشتبهٌ عليه ، فهذا الذي اشتبه عليه إن اتقى ما اشتبه عليه حلُّه وحرمُه واجتنَبه ، فقد استبرأ لدينه وعرضِهِ ، بمعنى أنه طلبَ لهما البراءةَ مما يشينُهما . ٢٠٦ حدیث : ٥٢ کتاب الإيمان وهذا معنى الحديثِ الآخرِ: ((دع ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبك)) (١) . وهذا هو الورعُ ، وبه يحصلُ كمالُ التقوى كما في الحديثِ الذي خرجه الترمذيُ وابنُ ماجه (٢): ((لا يبلغُ العبدُ أن يكونَ من المتقينَ حتى يدعَ ما لا بأسَ به ، حذرًا مما به بأس » . وأنواعُ الشُّبَهِ تختلفُ بقوةِ قربِها من الحرامِ وبعدِها عنه . وقد يقعُ الاشتباهُ في الشيءِ من جهةِ اشتباه وجودِ أسبابِ حِلُّه وحرمته ، كما يشكُ الإنسانُ فيه : هل هو ملكه أم لا ، وما يشكُّ في زوالِ ملكِه عنه . وهذا قد يرجعُ فيه إلى الأصلِ ، فَيُبْنَى عليه ، وقد يرجعُ في كثيرٍ منه إلى الظاهرِ ، إذا قويَ على الأصلِ ، ويقع التردَّد عند تساوي الأمرينِ . وقد يقع الاشتباه ؛ لاختلاطِ الحلالِ بالحرامِ في الأطعمةِ والأشربةِ من المائعاتِ وغيرِها من المكيلاتِ والموزوناتِ والنقودٍ . فكلُّ هذه الأنواعِ ، مَن كان عنده فيها علمٌ يدلُّه على حكم اللهِ ورسولِه فيها فتبعَه ، فهو المصيبُ، ومن اشتبهتْ عليه ، فإن اتَّقاها واجتنبَها فقد فعل الأولَى واستبرأ لدينه وعرضِهِ ، فسلِمَ من تبعتِها في الدنيا والآخرةِ ، ومَن اشتبهتْ عليه فلم يتَّقِها بل وقعَ فيها ، فمثلُه كمثلٍ راعٍ يرعى حولَ الحمَى ، فإنه يوشكُ أن یواقعه . وفي روايةٍ (( ومن وقعَ في الشبهاتِ وقعَ في الحرامِ ، كَرَاعِي يرعَى حولَ الحمَی یوشكُ أن يرتعَ فيه )»(٣) . (١) أخرجه أحمد (٢٠٠/١) والترمذي (٢٥١٨) والنسائي (٣٢٨/٨) وابن خزيمة (٢٣٤٨) كلهم من رواية الحسن بن علي . وراجع: ((جامع العلوم)) (٢٧٦/١) بتحقيقي . (٢) أخرجه الترمذي (٢٤٥١) وابن ماجه (٤٢١٥) . (٣) أخرجه أحمد (٤/ ٢٧٠) ومسلم (٥٠/٥، ٥١) وابن ماجه (٣٩٨٤). ٢٠٧ ٣٩ - باب : فضل من استبرأ لدينه كتاب الإيمان ومعنى هذا : أنَّ من وقعَ في الشبهاتِ كانَ جديرًا بأن يقعَ في الحرامِ بالتدريجِ ؛ فإنه يسامحُ نفسَه في الوقوعِ في الأمورِ المشتبهةِ ، فتدعوه نفسُهُ إلى مواقعةِ الحرامِ بعدَه . ولهذا جاء في رواية ((ومن خَالطَ الرِّيْبةَ يُوشِكُ أن يَجْسُرَ ))(١). يعني : يجسرُ على الوقوع في الحرامِ الذي لا ريبَ فيه . ومن هنا ؛ كان السلفُ يحبُّون أن يجعلُوا بينَهم وبينَ الحرامِ حاجزًا من الحلال، يكونُ وقايةً بينهم وبينَ الحرامِ ، فإنِ اضطرُّوا واقعُوا ذلكَ الحلالَ ولم يتعدَّوْهَ . وأمَّا من وقعَ في المشتَبِهِ ، فإنَّه لا يبقى له إلا الوقوعُ في الحرامِ المحضِ ، فيوشكُ أن يتجرأَ عليه ويجسرَ . وقوله : ((أَلا وإنَّ لكلِّ ملك حمّى، ألا وإنَّ حمى الله محارمُهُ )). وفي روايةٍ: ((وإن حمَى اللهِ في الأرضِ محارمُهُ)». ضرب مثل المحارمِ اللهِ بالحمَى الذي يحمِيه الملِكُ من الأرضِ ، ويمنعُ الناسَ من الدخولِ إليه ، فمن تباعدَ عنه فقد توقَّى سخطَ الملكِ وعقوبته ، ومن رعى بقربِ الحمَى ، فقد تعرضَ لمساخطِ الملكِ وعقوبته ؛ لأنه ربما دعتْه نفسُهُ إلى الولوجِ في أطرافِ الحمَى . وفي هذا : دليلٌ على سدِّ الذرائعِ والوسائلِ إلى المحرماتِ ، كما تحرمُ الخلوةُ بالأجنبيةِ ، وكما يحرُمُ شربُ قليلٍ ما يسكرُ كثيرُهُ ، وكما يُنْهَى عن الصلاة بعدَ الصبحِ وبعدَ العصرِ خشيةَ الصلاةِ عندَ طلوعِ الشمسِ وعندَ غروبِها ، وكما يُمْنَعُ مَنْ تُحرِّكُ القُبلةُ شهوتَه في صِيَامِهِ مِنَ القبلةِ ، وكما يؤمرُ من يباشرُ امرأتَه في حالِ حيضِها أن يباشرَها من فوقِ إزارٍ ، يسترُ ما بينَ سرَّتِها وركبتِها . (١) هي رواية أبي داود (٣٣٢٩)، والنسائي (٣٢٧/٨) وابن حبان (٧٢١) . ٢٠٨ حديث : ٥٢ كتاب الإيمان وكما يُضَمَّنُ من سَيَّب دابتَه نهارًا بقربِ زرعٍ غيرِهِ فتفسدُه ، أو أرسلَ كلبَه للصيدِ في الحِلِّ بقربِ الحرمِ ، فدخل الحرمَ فصادَ فيه ، فإنه يضمنُ في الصورتينِ على الأصحُ . وفي الحديثِ : دليلٌ على صحةِ القياسِ ، وتمثيلِ الأحكامِ وتشبيهِها . وفيه : دليلٌ على أنَّ المصيبَ من المجتهدينَ في مسائلِ الاشتباهِ واحدٌ ؛ لأنه جعل المشتبهاتِ لا يعلمُها كثيرٌ منَ الناسِ مع كونِ بعضِهِم في طلب حكمِها مجتهدينَ ، فدلَّ على أنَّ من يعلمُها هو المصيبُ العالمُ بها دونَ غيرِهِ ، ممَّن هي مشتبهةٌ عليه ، وإن كانَ قد يجتهدُ في طلب حكمها ويصيرُ إلى ما أدَّه إليه اجتهادُه وطلبُه . ثم ذكرَ النبيِّ وَِّ كلمةً جامعةً لصلاحِ حركاتِ ابنِ آدمَ وفسادها ، وأن ذلك كلَّه بحسبِ صلاحِ القلبِ وفسادِهِ ، فإذا صلحَ القلبُ صلحتْ إراداتُه وصلحتْ جميعُ الجوارحِ ، فلم تنبعثْ إلا إلى طاعةِ اللهِ ، واجتنابِ سخطه ، فقنعت بالحلالِ عن الحرامِ ، وإذا فسدَ القلبُ فسدت إرادته ، ففسدت الجوارحُ كلُّها وانبعثَت في معاصِي اللهِ عزَّ وجلَّ، وما فيه سخطُه ، ولم تقنع بالحلالِ ، بل أسرعتْ في الحرامِ ، بحسب هَوَى القلبِ وميلِه عن الحقِّ . فالقلبُ الصالحُ ، هو القلبُ السليمُ ، الذي لا ينفعُ يومَ القيامةِ عندَ اللهِ غَيْرُهُ ، وهو أن يكونَ سليمًا عن جميعِ مَا يكرهه اللهُ من إرادة ما يكرهه اللـهَ ويسخطُه ، ولا يكونُ فيه سوى محبةِ اللهِ وإرادته ، ومحبتِه ما يحبّه اللهُ وإرادة ذلك ، وكراهة ما يكرَهُه اللهُ، والنفورِ عنه . والقلب الفاسدُ ، هو القلبُ الذي فيه الميلُ إلى الأهواءِ المضلَّة ، والشهوات المحرَّمة ، وليس فيه من خشية اللهِ ما يكفُّ الجوارحَ عن اتباعِ هَوَى النفسِ . ٢٠٩ ٣٩ - باب : فضل من استبرأ لدينه کتاب الإيمان فالقلبُ مَلِكُ الجوارحِ وسلطانُها ، والجوارحُ جنودُهُ ورعيَّته المطيعةُ له المنقادةُ لأوامرِه ، فإذا صلح الملِكُ ، صلحت رعاياهُ وجنودُه المطيعةُ له المنقادةُ لأوامرِه ، وإذا فسدَ الملِكُ، فسدت جنودُهُ ورعاياه المطيعةُ له المنقادةُ لأوامره ونواهيه . وقد بوب البخاريُّ على هذا الحديثِ: ((بَاب: فَضْلِ مَنِ اسْتْرَأْ لِدِينِهِ ». والمقصودُ من إدخالِهِ هذَا الحديث في هذا البابِ : أن من اتَّقى الأمورَ المشتبهةَ عليه ، التي لا تتبيَّن له أحلالٌ هي أو حرامٌ ، فإنه مستبرئٌ لدينه ، بمعنى أنه طالبٌ له البراءةَ والنزاهةَ مما يدنِّه ويشينُه . ويلزمُ من ذلك : أن من لم يتَّقِ الشبهاتِ ، فهو معرِّضٌ دينَه للدنسِ والشينٍ والقدْحِ ، فصار - بهذا الاعتبارِ - الدينُ تارةً يكون نقيًا نزها بريئًا ، وتارةً يكونُ دنسًا متلوثًّا . والدينُ يوصفُ تارةً بالقوةِ والصلابةِ ، وتارةً بالرِّقَّةِ والضعف ، كما يوصفُ بالنقصِ تارةً ، وبالكمالِ أخرى . ويوصفُ الإسلامُ تارةً بأنه حسنٌ ، وتارةً بأنه غيرُ حسنِ . والإيمانُ يوصفُ بالقوة تارةً ، وبالضعفِ أخرى . هذا كلُّه إذا أُخذَ الدينُ والإسلامُ والإيمانُ بالنسبةِ إلى شخصٍ شخص ، فأمَّا إذا نُظرَ إليه بالنسبةِ إلى نفسِه من حيثُ هُو هُو ، فإنه يوصَف بالنزاهةِ . قال أبو هريرة : الإيمانُ نزهٌ، فإن زَنَا فارقَه الإيمانُ، فإن لامَ نفسَه وراجعَ راجعَه الإيمانُ . خرجه الإمامُ أحمدُ في (( كتاب الإيمان)). ومن كلامٍ يحيى بنِ معاذٍ : الإسلامُ نقيٌّ ، فلا تدنِّسْه بآثامك . ٢١٠ حديث : ٥٢ كتاب الإيمان فقولُهُ وَلَ﴾(١): ((الحلالُ بَيِّنٌ والحرامُ بَيِّنٌ، وبينهما أمورُ مشتبهاتٌ، لا يعلمهنَّ كثيرٌ منَ الناس ))، معناه: أنَّ الحلالَ المحضَ بَيِّنٌ لا اشتباه فيه ، وكذلك الحرامُ المحضُ ، ولكن بينَ الأمرينِ أمورٌ تشتبه على كثيرٍ من الناسِ : هلْ هي منَ الحلالِ ، أم منَ الحرامِ ؟ وأما الراسخونَ في العلمٍ فلا يشتبه عليهم ذلكَ ، ويعلمونَ من أي القسمينِ هيَ . فأما الحلالُ المحضُ ، فمثلُ أكلِ الطيباتِ من الزروعِ والثمارِ ، وبهيمة الأنعامِ ، وشربِ الأشربةِ الطيبةِ ، ولباسِ ما يحتاجُ إليه من القطنِ أو الكتانِ أو الصوفِ أو الشعرِ ، وكالنكاحِ والتسرِّي ، وغيرِ ذلك إذا كانَ اكتسابُه بعقدٍ صحيحٍ كالبيعِ ، أو بميراثٍ أو هبةٍ أو غنيمة . والحرامُ المحضُ ، مثلُ أكلِ الميتةِ والدم ولحم الخنزيرِ ، وشربِ الخمرِ ، ونكاح المحارم ، ولباسِ الحريرِ للرجالِ ، ومثلُ الأكسابِ المحرمةِ كالرِّبًا والميسرِ ، وثمنِ ما لا يحلُّ بيعُهُ ، وأخذِ الأموالِ المعصومةِ بسرقةٍ أو غصبٍ ونحوِ ذلك . وأما المشتبهُ ، فَمثلُ أكلِ بعضِ ما اختُلِفَ في حلِّه وتحريمِه ، إما مِنَ الأعيانِ ، كالخيلِ والبغالِ والحميرِ والضبِّ، وشربِ ما اختُلفَ في تحريمه من الأنبذةِ التي يسكرُ كثيرُها ، ولبسِ ما اختُلِفَ في إباحةِ لبسِهِ من جلودِ السباعِ ونحوِها ، وإمَّا من المكاسبِ المختلفِ فيها كمسائلِ العِينةِ والتورقِ ونحوِ ذلك . وبنحوِ هذا المعنَى فسَّر المشبّهاتِ أحمدُ وإسحاقُ وغيرُهما من الأئمَّةِ . وحاصلُ الأمرِ: أن اللهَ تعالى أنزلَ على نبيِّهِوَّهِ الكتابَ، وبيَّن فيه للأمةِ ما تحتاجُ = (١) من هاهنا بدأ ابن عروة في النقل من ((جامع العلوم والحكم)) استكمالاً لشرح الحديث فيه، حيث إن المؤلف رحمه اللَّه قد توسع هناك في شرحه عما هنا . وقد رأيت أن أثبت ما أثبته ابن عروة على الرغم من كونه ثابتًا في ((جامع العلوم)) وذلك لتحقيق الفائدة التي قصدها ابن عروة من صنيعه هذا ، وهي - والله أعلم - جمع ما كتبه المؤلف حول الحديث في مكانٍ واحدٍ ، لا سيما وأن ما كتبه في ((جامع العلوم)) أكثر اسهابًا مما كتبه هنا . وهذا أيضًا يعد توثيقًا لما في ((جامع العلوم)) حيث أن جميع نسخ ((جامع العلوم)) - ومنها نسختي التي حققتها - لم يعتمد في تحقيقها على هذه النسخة الموثقة . وقد رأيت أن يكون ذلك في هامش الكتاب ، وليس في أصله ، تمييزًا بينه وبين الأصل . واللّه الموفق . ٢١١ ٣٩ - باب: فضل من استبرأ لدينه کتاب الإيمان = إليه منْ حلال وحرامٍ، كما قال تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ [النحل: ٨٩] . قال مجاهدٌ وغيرُهُ : لكلِّ شيءٍ أُمروا به ، أو نُهوا عنه . وقال تعالى - في آخرِ سورةِ النساءِ ، التي بَيَّنَ فيها كثيرًا من أحكامِ الأموال والأبضاعِ -: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. وقال تعالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمَّا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ﴾ [التوبة: ١١٥]. . ووكل تبيانَ ما أُشكلَ من التنزيلِ إلى الرسولِ وَّهِ، كما قالَ: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وما قُبِضَ وَّ﴿ حتَّى أكملَ له ولأمته الدينَ ؛ ولهذا نزلَ عليه بعرفةَ قبلَ موتِهِ بمدةٍ يسيرِةِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] . وقال وَُّ: ((تركتكم على بيضاءَ نقية، ليلُها كنهارها، ولا يزيغُ عنها إلا هالكٌ))(١). وقال أبو ذرِّ: توفيَ رسولُ اللهِ وَّهِ وَمَا طائرٌ يحرِّكْ جناحيْه في السماءِ إلا وقد ذكر لنا منْه علمًاً(٢). = (١) روي من حديث العرباض بن سارية وأبي الدرداء - رضي الله عنهما - مرفوعًا. حديث العرباض: أخرجه أحمد (١٢٦/٤)، وابن ماجه (٤٣) (٤٤) من حديث عبد الرحمن بن عمرو ، عن العرباض وفيه: «قد تركتم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك » . وحديث أبي الدرداء : أخرجه ابن ماجه (٥) من حديث جبير بن نفير ، عن أبي الدرداء ، وفيه : (( وايم الله، لقد تركتم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء)). (٢) أخرجه أحمد (١٥٣/٥، ١٦٢). ے ٢١٢ حديث : ٥٢ کتاب الإيمان = ولمَّا شكَّ الناسُ في موتِهِ وَهر، قال عمُّهُ العباسُ - رضي الله عنه -: والله، ما ماتَ رسولُ اللهِ وَه حتى تركَ السبيلَ نهجًا واضحًا، وأحلَّ الحلالَ، وحرَّم الحرامَ، ونكحَ وطلَّقَ ، وحاربَ وسالمَ ، وما كان راعي غنمٍ يتبعُ بها رءوسَ الجبالِ يخبطُ عليها العضاةَ بمخبطِهِ، ويمدرُ حوضَها بيدِهِ ، بأنصَبَ ولا أدابَ من رسولِ اللهِ وَ لِّ كانَ فيكم (١). وفي الجملة ؛ فما تركَ اللهُ ورسولُه حلالاً إلا مبينًا ، ولا حرامًا إلا مبينًا ، لكن بعضَه أظهرُ بيانًا من بعضٍ ، فما ظهرَ بيانُه واشتهَر وعُلِمٍ منَ الدينِ بالضرورةِ من ذلك لم بقَ فيه شكٌّ، ولا يُعذرُ أحدٌ بجهلهِ في بلد يظهرُ فيه الإسلامُ ، وما كان بيانُه دونَ ذلك ، فمنه ما اشتهرَ بينَ حملةِ الْشريعةِ خاصةً، فأجمعَ العلماءُ على حِلَّه أو حرمتِهِ ، وقد يخفَى على بعضٍ مَن ليس منهم . ومنه ما لم يشتهر بين حملةِ الشريعةِ - أيضاً - ، فاختلَفُوا في تحليله وتحريمِهِ ، وذلك لأسبابٍ : منها : أنه قد يكونُ النصُّ عليه خفيًا ، لم ينقلْه إلا قليلٌ من الناسِ ، فلم يبلغْ جميعَ حملةِ العلمِ . ومنها : أنه قد ينقلُ فيه نصانِ ، أحدُهما بالتحليلِ ، والآخرُ بالتحريمِ ، فيبلُغُ طائفةٌ أحدُ النصينِ دونَ الآخرِ ، فيتمسكونَ بما بلغَهم ، أو يبلغُ النصانِ معًا من لا يبلغُه التاریخُ، فيقفُ ؛ لعدمٍ معرفتِه بالناسخِ . ومنها : ما ليسَ فيه نصٌّ صريحٌ ، وإنما يؤخذُ من عمومٍ أو مفهومٍ أو قياسٍ ، فتختلفُ أفهامُ العلماءِ في هذا كثيرًاً . ومنها : ما يكونُ فيه أمرٌ أو نهيٌ ، فيختلفُ العلماءُ في حملِ الأمرِ على الوجوبِ أو الندبِ ، وفي حملِ النهي على التحريمٍ أو التنزِيه . وأسبابُ الاختلافِ أكثرُ مما ذكرنا ، ومعَ هذا فلا بدَّ في الأمرِ من عالمٍ يوافقُ قولُه الحقَّ، فيكونُ هو العالمَ بهذا الحكمِ ، وغيرُهُ يكونُ الأمرُ مشتبهًا عليه ، ولا يكون عالمًا = (١) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (٢/ ٢/ ٥٣ - ٥٤). ٢١٣ ٣٩ - باب: فضل من استبرأ لدينه كتاب الإيمان = بهذا ، فإن هذه الأمةَ لا تجتمعُ على ضلالةٍ ، ولا يظهرُ أهلُ باطلِها على أهلِ حقُّها ، فلا يكونُ الحقُّ مهجورًاً غيرَ معمولٍ به في جميعِ الأمصارِ والأعصارِ . ولهذا قالَ وَّهِ في المشتبهاتِ: ((لا يعلمُهُنَّ كثيرٌ من الناسِ))، فدلَّ على أن مَن الناسِ من يعلمُها ، وإنما هي مشتبهةٌ على من لم يعلمْها ، وليست مشتبهةً في نفسِ الأمرِ . فهذا هو السببُ المقتضِي لاشتباه بعضِ الأشياءِ على كثيرٍ منَ العلماءِ . وقد يقع الاشتباهُ في الحلالِ والحرامِ بالنسبةِ إلى العلماءِ وغيرِهم من وجهٍ آخرَ ، وهو : أنّ مِنَ الأشياءِ ما يُعلم سببُ حلِّه، وهو المِلكُ المتيقنُ ، ومنه ما يعلمُ سببُ تحريمِهِ وهو ثبوتُ ملكِ الغيرِ عليه . فالأولُ : لا تزولُ إِباحتُه إلا بيقينِ زوالِ الملكِ عنه ، اللهمَّ إلا في الأبضاع عند من يوقعُ الطلاقَ بالشكِّ فيه، كمالكِ ، أو إذا غلبَ على الظنِّ وقوعُهُ ، كإسحاقَ بنِ راهويهِ . والثاني : لا يزولُ تحريمُهُ إلا بيقينِ العلمِ بانتقال الملكِ فيه . وأما ما لا يعلمُ له أصلُ ملكٍ ، كما يجدُهُ الإنسانُ في بيتِهِ ، ولا يدري : هلْ هو له، أو لغيرِهِ ؟ فهذَا مشتبهٌ، ولا يحرُم عليه تناولُه ؛ لأنَّ الظاهرَ أن ما في بيته ملكُه ؛ لثبوت یدِه عليه . والورعُ اجتنابه؛ فقدْ قال النبيُّ ◌َهُ: ((إنىِ لأنقلبُ إلى أهلي، فأجدُ التمرةَ ساقطةً على فراشِي، فأرفعُها لآكلَها ، ثمَّ أخشى أن تكونَ صدقةً، فأُلقيها)) . خرجاه في الصحيحين(١) . فإن كانَ هناك من جنسِ المحظورِ ، وشكَّ: هل هو منه ، أم لا ؟ قويت الشبهةُ . وفي حديثٍ عَمرو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّ، أنَّ النبيَّ ◌َه أصابَه أرقٌ من الليلِ، فقال لهُ بعضُ نسائه : يا رسولَ اللهِ، أرقتَ الليلةَ؟ قال: ((إني كنتُ أصبتُ = (١) البخاري (٢٠٥٥) (٢٤٣١) (٢٤٣٢) ومسلم (١١٧/٣، ١١٨) من حديث أنس وأبي هريرة رضي الله عنهما . ٢١٤ حديث : ٥٢ کتاب الإيمان = تمرةً تحتَ جنبي ، فأكلتها ، وكان عندنا تمرٌ من تمر الصدقة ، فخشيتُ أن تكونَ منه))(١) . ومن هذا - أيضاً - : ما أصلُهُ الإباحةُ ، كطهارةِ الماءِ والثوبِ والأرضِ ، إذا لم يتيقنْ زوالَ أصلِه ، فيجوزُ استعمالُه. وما أصلُه الحظرُ ، كالأبضاعِ ، ولحومِ الحيوانِ ، فلا يحلُّ إلا بيقينِ حلّه من التذكيةِ والعقدِ . فإن تردَّدَ في شيءٍ من ذلك ؛ لظهورِ سببٍ آخر ، رَجعَ إلى الأصلِ فبنَى عليه ، فيبني فيما أصلُه الحرمةُ على التحريمِ . ولهذا نهَى النبيُّ ◌َّ عن أكلِ الصيدِ الذي يجدُ فيه الصائدُ أثرَ سهمٍ غيرِ سهِه ، أو كلبٍ غيرِ كلِهِ ، أو يجدُه قد وقعَ في ماءٍ ، وعلَّل بأنه لا يدري : هل ماتَ منَ السببِ المبيحِ له أو من غيرِه (٢). ويرجع فيما أصلُه الحلُّ إلى الحلِّ ، فلا ينجسُ الماءُ والأرضُ والثوبُ بمجردِ ظنِّ النجاسةِ ، وكذلك البدنُ إذا تحقَّقَ طهارته ، وشكَّ : هل انتقضت بالحدثِ عندَ جمهورِ العلماءِ ، خلافًا لمالكِ - رحمه الله - ، إذا لم يكنْ قد دخلَ في الصلاةِ . وقد صحَّ عن النبيِّ وَّرِ أنه شكي إليه الرجلُ، يُخيلُ إليه أنه يجد الشيءَ في الصلاةِ، فقال: ((لا ينصرفُ حتى يسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًاً ))(٣). = (١) أخرجه أحمد (٢/ ١٨٠، ١٩٣) من حديث أسامة بن زيد ، عن عمرو بن شعيب ، به وأسامة بن زيد الليثي ، ضعيف . (٢) أخرجه البخاري (١٧٥) ومسلم (٥٦/٦) من حديث عدي بن حاتم قال: سألت النبي و 18 - أى : عن حكم صيد الكلاب - فقال: ((إذا أرسلت كلبك المعلَّم فَقَتَل فكل، وإذا أكل فلا تأكل ، فإنما أمسكه على نفسه)) قلت : أُرسلُ كلبي فأجد معه كلبًا آخر؟ قال: (( فلا تأكل ؛ فإنما سميت على كلبك ولم تُسمّ على كلب آخر)) . واللفظ للبخاري . (٣) أخرجه البخاري (١٣٧) ومسلم (١٨٩/١ - ١٩٠) من حديث عبد الله بن زيد. ٢١٥ ٣٩ - باب : فضل من استبرأ لدينه كتاب الإيمان = وفي بعض الرواياتِ: ((في المسجدِ))، بدل: ((الصلاة))(١). وهذا يعمُّ حالَ الصلاةِ وغيرها . فإن وُجِدَ سببٌ قويٌّ ، يغلبُ معه على الظنُّ نجاسةُ ما أصلُهُ الطهارةُ ، مثلُ أن يكونَ الثوبُ يلبسُهُ كافرٌ ، لا يتحرَّرُ منَ النجاساتِ ، فهذا محلٌّ اشتباهِ : فمن العلماء من رخَّص فيه أخذًا بالأصلِ ، ومنهم من كرِهه تنزيهاً ، ومنهم من حرَّمه إذا قوي ظنُّ النجاسةِ ، مثلُ أن يكونَ الكافرُ ممَّن لا تباحُ ذبيحتُهُ أو يكونُ ملاقيًا لعورتِه كالسراويلِ والقميصِ . وترجعُ هذه المسائلُ وشبهُها إلى قاعدةِ تعارضِ الأصلِ والظاهرِ ؛ فإنَّ الأصل الطهارةُ ، والظاهرَ النجاسةُ ، وقد تعارضت الأدلةُ في ذلك . فالقائلونَ بالطهارةِ ، يستدلونَ بأن اللهَ أحلَّ طعامَ أهلِ الكتابِ ، وطعامُهم إنما يصنعونَه بأيديهم في أوانيهم ، وقد أجابَ النبيُّ ◌َ ◌ِّ دعوةَ بهوديِّ ، وكان هو وأصحابُهُ يلبسونَ ويستعملُون ما يُجَلَبُ إليهم مما نسجَهَ الكفارُ من الثيابِ والأواني، وكانُوا في المغازي يقتسمونَ ما وقع لهم من الأوعيةِ والثيابِ ويستعملونَها ، وصحَّ عنهم أنهم استعملُوا الماءَ من مزادَةٍ مشركةٍ(٢). والقائلونَ بالنجاسةِ، يستدلُّون بأنه صحَّ عن النبيِّ وََّ، أنه سُئِلَ عن آنيةِ أهلِ الكتابِ ، الذينَ يأكلونَ الخنزيرَ، ويشربونَ الخمرَ، قال: (( إن لم تجدوا غيرَها ، فاغسلُوها بالماءِ ، ثم كلُوا فيها))(٣). وقد فسرَ الإمامُ أحمدُ الشُبهَةَ بأنها منزلةٌ بينَ الحلالِ والحرامِ . يعني : الحلالَ المحضَ ، والحرامَ المحضَ . = (١) أخرجها مسلم (١٩١/١) من حديث أبي هريرة وفيه: ((فلا يخرجنَّ من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ربحاً )) . (٢) أخرجه البخاري (٣٤٤) ومسلم (٢/ ١٤٠) من حديث عمران بن حصين وفيه قصة نومهم عن صلاة الفجر. ثم أمر النبي ◌َ ﴿ بابتغاء الماء فلقيا امرأة مشركة بين مزادتين. (٣) أخرجه البخاري (٥٤٧٨) ومسلم (٥٨/٦) من حديث أبي ثعلبة الخُشني رضي الله عنه . ٢١٦ حديث : ٥٢ كتاب الإيمان = وقال : من اتقاها فقد استبرأ لدينه . وفسَّرِها تارةً باختلاط الحلالِ والحرامِ . ويتفرَّع على هذا : معاملةُ مَن في مالِهِ حلالٌ وحرامٌ مختلَطٌ ، فإن كانَ أكثرَ ماله الحرامُ ، فقالَ أحمدُ : ينبغي أن يجَنَبه ، إلا أن يكون شيئًا يسيرًا، أو شيئًا لا يعرفُ . واختلفَ أصحابُنًا : هل هو مكروهٌ ، أو محرَّمٌ ؟ على وجهينِ . وإن كان أكثرَ مالِه الحلالُ ، جازت معاملتُه ، والأكلُ من مالِهِ . وقد روى الحارثُ ، عن عليٌّ ، أنه قال في جوائز السلطانِ : لا بأسَ بها ؛ ما يعطيكم من الحلالِ أكثرُ مما يعطيكم منَ الحرامِ . وكان النبيُّ ◌َِّ وأصحابُهُ يعاملون المشركينَ وأهل الكتابِ، مع علمِهم بأنَّهم لا يجتنبونَ الحرامَ كلَّه . وإن اشتبه الأمرُ ، فهو شبهةٌ ، والورعُ تركُه . قال سفيانُ : لا يعجبني ذلكَ ، وتركُهُ أعجبُ إليَّ . وقال الزهريُّ ومكحولٌ : لا بأسَ أن يؤكَل منه ، ما لم يعرفْ أنه حرامٌ بعينِه . فإن لم يُعلمْ في ماله حرامٌ بعينه ، ولكنه علمَ أن فيه شبهةً ، فلا بأسَ بالأكلِ منه - : نصَّ عليه أحمدُ - في رواية حنبلٍ . وذهب إسحاقُ بنُ راهويهِ إلى ما رُوي عنِ ابنِ مسعودٍ وسلمانَ وغيرِهما ، من الرخصةِ ، وإلى ما رُوي عن الحسنِ وابنٍ سيرينَ ، في إباحةِ الأخذِ مما يقضى منَ الربا والقمارِ - : نقلَه عنه ابنُ منصورٍ . وقال الإمامُ أحمدُ - في المالِ المشتَبَه حلالُه بحرامِه - : إن كانَ المالُ كثيرًا أخرجَ منه قدرَ الحرامِ ، وتصرف في الباقي ، وإن كانَ المالُ قليلاً اجتنبه كلَّه . وهذا ؛ لأنَّ القليلَ إذا تناولَ منه شيئًا ، فإنه تبعدُ معه السلامةُ من الحرامِ ، بخلافِ الكثيرِ . ٢١٧ ٣٩ - باب: فضل من استبرأ لدينه كتاب الإيمان = ومن أصحابنا من حملَ ذلك على الورعِ ، دونَ التحريمِ ، وأباح التصرفَ في القليلِ والكثيرِ ، بعد إخراجٍ قدرِ الحرامِ منه ، وهو قولُ الحنفيةِ وغيرِهم . وأخذ به قومٌ من أهلِ الورعِ ، منهم : بشرٌ الحافِي . ورخصَ قومٌ من السلفِ في الأكلِ ممن يُعلمُ في ماله حرامٌ ، ما لم يعلَم أنه من الحرامِ بعينه ، كما تقدَّم عن مكحولٍ والزهريِّ . ورُوي مثلُه عن الفضيلِ بنِ عياضٍ . ورُوي في ذلك آثارٌ عن السلفِ : فصحَّ عن ابنِ مسعودٍ ، أنه سُلَ عمَّن له جارٌ يأكلُ الربا علانيةً ، ولا يتحرَّج من مالٍ خبيثٍ يأخذُه ، يدعو إلى طعامِهِ ؟ قال : أجيبوهُ ؛ فإنما المَهْنْأُ لكمْ ، والوزرُ عليه. وفي رواية : أنه قال له : لا أعلمُ له شيئًا ، إلا خبيئًا أو حرامًا ؟ فقال : أجيبوه . وقد صحَّح الإمامُ أحمدُ هذا عن ابنِ مسعودٍ ، ولكنه عارضَه بما رُوي عنه ، أنه قال : الإثمُ حَوَّر القلوبِ (١). ورُوي عن سلمانَ ، مثلُ قولِ ابنِ مسعودِ الأولِ ، وعن سعيدِ بنِ جبيرٍ والحسنِ البصريِّ ومُورقِ العجليِّ وإبراهيمَ النخَعيِّ وابنِ سيرين وغيرهم . والآثارُ بذلك موجودةٌ في (( كتابِ الأدبِ )) لحُمَيدِ بنِ زنجويِهِ، وبعضُها في (( كتابٍ الجامع )) للخلالِ ، وفي مصنَفْي عبدِ الرزاقِ وابنِ أبي شيبةَ وغيرِهم . ومتى عُلَمَ أن عينَ الشيءِ حرامٌ ، أُخِذ بوجهٍ محرمٍ ، فإنه يحرمُ تناولُه ، وقد حكى الإجماعَ على ذلك ابنُ عبدِ البرِّ وغيرُه . وقد رُوي عن ابنِ سيرينَ - في الرجلِ يقضي من الرِّبًا - قال : لا بأسَ به . وعن الرجلِ يقضي من القمارِ ، قال : لا بأس به . خرجه الخلال ، باسنادٍ صحيحٍ . (١) راجع: ((جامع العلوم)) (٢/ ٨٣ - ٩١) بتحقيقي . ٢١٨ حديث : ٥٢ کتاب الإيمان = ورُوي عن الحسنِ خلافُ هذا، وأنه قال : إن هذه المكاسبَ قد فسدتْ ، فخذُوا منها شبهَ المضطرِ . وعارض المرويَّ عنِ ابنِ مسعودٍ وسلمانَ : ما رُوي عن أبي بكرِ الصديقِ - رضي الله عنه - ، أنه أكلَ طعامًا، ثمَّ أُخبرَ أنه من حرامٍ ، فاستقاءَهُ . وقد يقعُ الاشتباه في الحكمِ ؛ لكونِ الفرعِ مترددًا بين أصولِ تجتذبُه ، كتحريم الرجلِ زوجتَه ؛ فإن هذا مترددٌ بينَ تحريمِ الظهارِ ، الذي ترفعُهُ الكفارةُ الكبرى ، وبينَ تحريمِ الطلقةِ الواحدةِ بانقضاء عدَّتِها ، الذي تباحُ معه الزوجةُ بعقدٍ جديدٍ ، وبينَ تحريمِ الطلاقِ الثلاثِ ، الذي لا تباحُ معه الزوجةُ بدونِ زوجٍ وإصابةٍ ، وبين تَحريمِ الرجلِ عليه ما أحلَّه اللهُ له منَ الطعامِ والشرابِ ، الذي لا يوجِبُ تحريمَهَ ، وإنما يوجِبُ الكفارةَ الصغرى ، أوْ لا يوجِبُ شيئًا - على الاختلافِ في ذلك - ، فمن هاهنا كثرَ الاختلافُ في هذه المسألةِ من زمنِ الصحابةِ ، فَمَن بعدَهم . وبكلِّ حالٍ ؛ فالأمورُ المشتبهة ، التي لا يتبيَّن أنها حلالٌ ولا حرامٌ لكثيرٍ من الناسِ، كما أخبرَ به النبيُّ وَّهِ، قد تتبينُ لبعضِ الناسِ أنها حلالٌ أو حرامٌ، لما عندَه من ذلكَ من مزيدٍ علمٍ . وكلامُ النِبِيِّ نَّ يدلُّ على أن هذه المشتبهاتِ ، منَ الناسِ مَن يعلَمُها ، وكثيرٌ منهم لا يعلمُها ، فدخلَ فيمن لا يعلَمُها نوعانِ : أحدُهما : من يتوقفُ فيها ؛ لاشتباهِها عليه . والثاني : مَن يعتقدُها على غيرِ ما هي عليه . ودلَّ كلامُهُ على أن غيرَ هؤلاءِ يعلمُها ، ومرادُه : أنه يعلمُها على ما هي عليه في نفس الأمرِ ، من تحليلٍ أو تحريم . وهذا من أظهرِ الأدلةِ على أن المصيبَ عندَ اللهِ في مسائلِ الحلالِ والحرامِ المشتبهةِ المختلف فيها واحدٌ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ ، وغيرُه ليس بعالمٍ بها ، بمعنَى أنه غيرُ مصيبٍ لحكمِ اللهِ فيها في نفسِ الأمرِ ، وإن كان يعتقدُ فيها اعتقادًا يستند فيه إلى شبهةٍ يظنُّها = ٢١٩ ٣٩ - باب: فضل من استبرأ لدينه کتاب الإيمان = دليلاً ، ويكونُ مأجورًا على اجتهادِه ، ومغفورًا له خطؤه ؛ لعدمِ اعتماده . وقوله: وَّ﴿ه: ((فمن اتقَى الشبهاتِ فقدِ استبرأ لدينِهِ وعرضِهِ ، ومنْ وقعَ في الشبهاتِ وقعَ في الحرامِ» . قسَّمَ الناسَ في الأمور المشتبهةِ إلى قسمينِ ، وهذا إنما هو بالنسبةِ إلى مَن هي مشتبهةٌ عليه ، وهو من لا يعلمُها . فأما من كان عالمًا بها ، واتَّبع ما دله علمه عليها ، فذاك قسمٌ ثالثٌ ، لم يذكره؛ لظهور حُكمِهِ ، فإن هذا القسمَ أفضلُ الأقسامِ الثلاثةِ؛ لأنه علمَ حكمَ اللهِ في هذه الأمورِ المشتبهةِ على الناسِ ، وأَّبع علمَه في ذلك . وأما مَن لم يعلمُ حكمَ اللهِ فيها ، فهم قسمانِ : أحدُهما : من يتَّقي هذه الشبهاتِ ؛ لاشتباهها عليه ، فهذا قد استبرأ لدينه وعرضِهِ . ومعنى (( استبرأ)»: طلبَ البراءةَ لدينه وعرضه من النقصِ والشينِ . و « العِرضُ))، هو: موضعُ المدحِ والذمٌ من الإنسانِ ، وما يحصلُ له بذكرِه بالجميل مدحٌ ، وبذكره بالقبيحِ قدحٌ ، وقد يكونُ ذلك تارةً في نفسِ الإنسانِ ، وتارةً في سلفِه أو في أهلِه . فمن اتقى الأمورَ المشتبهةَ واجتنبها ، فقد حصَّنَ عرضه من القدحِ والشَّيْنِ الداخلِ على من لم يجتنِبْها . وفي هذا : دليلٌ على أن من ارتكبَ الشبهاتِ ، فقد عرَّض نفسَه للقدحِ فيه والطعنِ ، كما قال بعضُ السلفِ : مَن عرضَ نفسَه للتهمٍ ، فلا يلومنَّ من أساءَ به الظنّ . وفي روايةٍ للترمذيِّ (١) في هذا الحديث: ((فمن تركها ، استبراءً لدينه وعرضه فقد سلِمَ )) . = (١) ((الجامع)) (١٢٠٥) من حديث حماد بن زيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن النعمان مرفوعًا. وفيه : مجالد بن سعيد وهو ضعيف . .. ٢٢٠ حديث : ٥٢ کتاب الإيمان . = والمعنى : أنه يتركُها بهذا القصدِ ، وهو براءةُ دينِه وعرضِهِ من النقصِ ، لا لغرضٍ آخرَ فاسدٍ ، من رياءٍ ونحوِه . وفيه : دليلٌ على أن طلبَ البراءةِ للعرضِ ممدوحٌ ، كطلبِ البراءةِ للدينِ ؛ ولهذا وردَ : ((إن ما وقى به المرءُ عرضه فهو صدقةٌ)). وفي روايةٍ في ((الصحيحين))(١) في هذا الحديث: ((فمن ترك ما شُبِّه عليه من الإثمِ، كان لما استبانَ أتركَ » . يعني : أنَّ من ترك الإثمَ ، مع اشتباهه عليه وعدمٍ تحقَّقِهِ ، فهو أولَى بتركِه إذا استبانَ له ، أنه إثمٌ . وهذا إذا كان تركه تحرزًا من الإثمِ ، فأما من يقصدُ التصنعَ للناسِ ، فإنه لا يتركُ إلا ما يظنُّ أنه ممدوحٌ عندهم . القسم الثاني : من يقعُ في الشبهاتِ ، مع كونِها مشتبهةً عنده . فأما من أتى شيئًا مما يظنُّه الناس شبهةً ؛ لعلمه بأنه حلالٌ في نفس الأمرِ ، فلا حرج عليه من اللهِ في ذلك ، لكن إذا خشي من طعنِ الناسِ عليه بذلك كان تركُها حينئذٍ استبراءً لعرضِهِ ، فيكون حسنًا . وهذا؛ كما قالَ النبيُّ نَّهِ لمن رآه واقفًا مع صفية: ((إنها صفيةُ بنتُ حُبِيٍّ)(٢). وخرَج أنسٌ إلى الجمعة ، فرأى الناسَ قد صلَّوْا ورجعُوا ، فاستحيا ، ودخل موضعًا لا يراه الناسُ فيه ، وقال: من لا يستحيى منَ الناس لا يستحيي من اللهِ . وخرجه الطبرانيُّ (٣) - مرفوعًا - ، ولا يصحُ . (١) البخاري (٢٠٥١) فقط، ولم أقف عليها في ((صحيح مسلم)). وأخرجها أحمد في (( المسند)) (٤/ ٢٧١). (٢) أخرجه البخاري (٢٠٣٥) ومسلم (٨/٧) من حديث صفية رضي الله عنها. (٣) الطبراني في (( الأوسط)) (٧١٥٩)، وفي إسناده مجاهيل .