النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ ٣٦ - باب خوف المؤمن أن يحبط عمله كتاب الإيمان قال : وكانَ يقولُ : من لم يخفِ النفاقَ فهوَ منافقٌ . وعن حبيبِ بنِ الشهيدِ ، عن الحسنِ ، قال : إن القومَ لما رأوا هذَا النفاقَ يَغُولُ الإيمانَ لم يكن لهم همَّ غيرَ النفاقِ . والرواياتُ في هذا المعنَى عن الحسنِ كثيرةٌ . وقولُ البخاريِّ بعدَ ذلك: ((وما يحذرُ من الإصرار على النفاقِ والعصيان من غيرِ توبةٍ ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: ١٣٥])). فمرادُه : أن الإصرارَ على المعاصِي وشعبِ النفاقِ من غيرِ توبةٍ ؛ يُخشَى منها أن يعاقبَ صاحبُها بسلبِ الإيمانِ بالكليةِ ، وبالوصولِ إلى النفاقِ الخالصِ وإلى سوءِ الخاتمةِ ، نعوذ باللهِ من ذلكَ ، كما يقال : إنَّ المعاصي بريدُ الكفرِ. وفي «مسند الإمامِ أحمدَ »(١) من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمٍو ، عنِ النبيُّ وَ﴿، قال: ((ويلٌ لِأَقْمَاع القول، ويلٌ للذينَ يُصرَّون على ما فعلُوا وهم يعلمون )» . وأقماعُ القولِ : الذينَ آذانهم كالقمعِ ، يدخلُ فيه سماعُ الحقِّ من جانبٍ ، ويخرجُ من جانبٍ آخرَ ، لا يستقرَّ فيه . وقد وصفَ اللهُ أهلَ النارِ بالإصرارِ على الكبائرِ ، فقال: ﴿وَكَانُوا يُصِرُونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] . والمرادُ بالحنثِ : الذنبُ الموقِعُ في الحِنْثِ ، وهوَ الإثمُ . وتبويبُ البخاريِّ لهذا البابِ يناسبُ أن يذكرَ فيه حبوطَ الأعمال الصالحة ببعضِ الذنوبِ، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ (١) ((المسند)) (١٦٥/٢، ٢١٩). ١٨٢ ٣٦ - باب خوف المؤمن أن يحبط عمله کتاب الإیمان لا تَشْعَرُونَ ﴾ [الحجرات: ٢] . قال الإمامُ أحمد : حدثنا الحسنُ بنُ موسى ، قالَ : ثنا حمادُ بنُ سلمةَ ، عن حبيبِ بنِ الشهيدِ ، عن الحسنِ ، قال : ما يرى هؤلاء أن أعمالاً تحبطُ أعمالاً، واللهُ عزَّ وجلَّ يقول: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ [الحجرات: ٢]. ومما يدلُّ على هذا - أيضًا -: قولُ الله عز وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ الآية [البقرة: ٢٦٤]. وقال ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٦]. وفي « صحيح البخارىِّ )) (١)، أن عمرَ سألَ الناسَ عنها ، فقالوا : اللهُ أعلمُ . فقال ابنُ عباس : ضربتْ مثلاً لعملٍ . قال عمرُ: لأيِّ عملٍ ؟ قال ابنُ عباسٍ : لعملٍ. قال عمرُ: لرجلٍ غنِيٌّ (٢) يَعْمَلُ بطاعةِ الله، ثم يبعثُ اللهُ إليه الشيطانَ فيعملُ بالمعاصي ، حتى أغرقَ أعمالَه . وقال عطاءُ الخراسانيُّ : هو الرجلُ يختمُ له بشركِ أو عملٍ كبيرةٍ ، فيحبطُ عملَه كلَّه . وصحَّ عن النبيِّ وَِّ، أنه قال: ((من ترك صلاةَ العصرِ حبطَ عملُهُ))(٣). وفي ((الصحيحِ))(٤) - أيضًا -: ((إن رجلاً قال: والله ، لا يغفرُ اللهُ لفلان، فقال اللهُ : من ذا الذي يتألَّى علىَّ أن لا أغفرَ لفلانِ ، قد غفرتُ لفلانِ وأحبطتُ عملكَ )). (١) (٤٥٣٧) . (٢) في الأصل: ((يعني))، والتصويب من البخاري. (٣) البخاري (٥٥٣) (٥٩٤). (٤) هو في (( صحيح مسلم)) (٣٦/٨). ١٨٣ ٣٦ - باب خوف المؤمن أن يحبط عمله کتاب الإيمان وقالت عائشةُ(١)؛ أبلغي زيدًا، أنه أحبطَ جهادَه مع رسول الله وَّ، إلا أن يتوبَ . وهذا يدلُّ على أن بعضَ السيئات تحبطُ بعض الحسناتِ ، ثم تعودُ بالتوبة منها . وخرج ابنُ أبي حاتمٍ في ((تفسيرِه » (٢) ، من روايةِ أبي جعفرَ ، عنِ الربيعِ ابنِ أنسٍ ، عن أبي العاليةَ، قال: كانَ أصحابُ رسولِ اللهِ وَّهِ يرونَ أنه لا يضرّ مع الإخلاصِ ذنبٌ ، كما لا ينفعُ مع الشركِ عملٌ صالحٌ ، فأنزلَ اللهُ عز وجل : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد : ٣٣]، فخافُوا الكبائرَ بعد أن تحبطَ الأعمالَ . وبإسنادِهِ، عن الحسنِ، في قوله: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، قال : بالمعاصي . وعن معمرٍ ، عنِ الزهريِّ، في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ قال: بالكبائر . وبإسناده ، عن قتادةَ ، في هذه الآيةِ ، قال : من استطاعَ منكم أن لا يبطلَ عملاً صالحًا عملَه بعملِ سيءٍ فليفعلْ ، ولا قوةَ إلا باللهِ ؛ فإن الخيرَ ينسخُ الشرَّ، وإن الشرَّ ينسخُ الخيرَ ، وإن مِلاكَ الأعمالِ خواتيمُها . وعن السُّدِّيِّ، قال، في هذه الآية: يقول: لا تعصوا الرسولَ وَّهِ فيما يأمركم به من القتالِ ، فتبطل حسناتكم. وعن مقاتلِ بنِ حيان(٣)، قال: بلغَنا أنها نزلتْ فشقَّت على أصحابِ النبيُّ (١) الدار قطني (٥٢/٣). (٢) ومحمد بن نصر في ((الصلاة)) (٦٧٨) مختصراً. (٣) هو عند ابن نصر (٦٩٩). ١٨٤ ٣٦ - باب خوف المؤمن أن يحبط عمله کتاب الإيمان وَ﴿ ، وهم يومئذٍ يروْنَ أنه ليس شيءٌ من حسناتِهم إلا هي مقبولةٌ ، فلما نزلت هذه الآيةُ ، قال أبو بكرٍ : ما هذا الذي يبطلُ أعمالنَا ؟ فبلغني - واللهُ أعلمُ - أنهم ذكروا الكبائرَ التي وجبت لأهلِها النارُ، حتى جاءت الآيةُ الأخرَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ(١) وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فقال ابنُ عمرَ : لما جاءت هذه الآيةُ ، كفَفْنا عن القولِ في ذلك ، وردَدْنا إلى الله عزَّ وجلَّ ، وكنا نخافُ على من رَكَبَ الكبائرَ والفواحشَ أنها تهلكهُ . والآثارُ عن السلفِ في حبوطِ بعضِ الأعمالِ بالكبيرةِ كثيرةٌ جداً ، يطولُ استقصاؤها . حتَّى قال حذيفةُ : قذفُ المُحْصَنَةِ يَهَدِمُ عَمَلَ مائةٍ سنةٍ . وخرجه البزار عنه مرفوعًا (٢) . وعن عطاء ، قال : إن الرجلَ ليتكلَّمُ في غضبِهِ بكلمةٍ ، يهدِمُ بها عملَ ستينَ سنةٍ ، أو سبعينَ سنةٍ . وقال الإمامُ أحمدُ - في رواية الفضلِ بنِ زيادٍ ، عنه - : ما يؤمنُ أحدكم أن ينظرَ النظرةَ ، فيحبطَ عملُه . وأما مَن زعمَ أن القولَ بإحباطِ الحسناتِ بالسيئاتِ قولُ الخوارجِ والمعتزلةِ خاصةً ، فقد أبطلَ فيما قالَ ، ولم يقف على أقوالِ السلفِ الصالحِ في ذلك . نعم ؛ المعتزلةُ والخوارجُ أبطلُوا بالكبيرةِ الإيمانَ كلَّه ، وخلَّدُوا بها في النارِ، وهذا هو القولُ الباطلُ ، الذي تفرَّدُوا به في ذلك . (١) في الأصل: ((به شيءٌ)) وهذا مخالف للتلاوة . وفي ((الصلاة)) لابن نصر على الصواب . (٢) وهو عند البزار (١٠٥ - كشف) وكذا الطبراني (١٦٩/٣) مرفوعًا. وذكر البزار أن جماعة رووه موقوفًا . ١٨٥ ٣٦ - باب خوف المؤمن أن يحبط عمله کتاب الإيمان ثم خرَّج البخاريُّ في هذا البابِ حديثينِ : أحدُهما : ٤٨ - حديث: شُعْبَةَ، عَنْ زُبَيْدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائل عَنِ الْمُرْجِثَة ؟ فَقَالَ : حَدَّثَنِي عَبّدُاللَّهِ، أَنَّ النَِّيَّ ◌ِ﴿ قَالَ: (( سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقَتَلُهُ كُفْرٌ)) . ٠ فهذا الحديثُ ردَّ به أبو وائلٍ على المرجئةِ ، الذين لا يُدخلونَ الأعمالَ في الإيمانِ ؛ فإن الحديثَ يدل على أن بعضَ الأعمالِ يسمَّى كفرًا، وهو قتالُ المسلمينَ ، فدلَّ على أن بعضَ الأعمالِ يسمَّى كفراً ، وبعضَها يسمَّى إيمانًا . وقد اتهمَ بعضُ فقهاءِ المرجئةِ أبا وائلٍ في روايةِ هذا الحدیثِ. وأما أبو وائلٍ ، فليسَ بمتهمٍ ، بل هو الثقةُ العدلُ المأمونُ . وقد رواه معه ، عن ابنِ مسعودٍ - أيضًا - : أبو عَمرِو الشيبانيّ وأبو الأحوصِ وعبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ . لكن ؛ فيهم من وقفَه . ورواه - أيضًا - عن النبيِّ نَّهِ: سعدُ بنُ أبي وقاصٍ(١) وغيرُه . ومثلُ هذا الحديثِ: قولُ النبيِّ وَِّ: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً ، يضربُ بعضكم رقابَ بعضِ ))(٣) . وقد سبق القولُ في تسميةِ بعضِ الأعمالِ كفرًاً وإيمانًا مستوفَّى في مواضعَ. قال أبو الفرجِ زینُ الدینِ ابنُ رجبٍ : وقد ظهر لي في القرآنِ شاهدٌ لتسميةِ القتالِ كفراً ، وهو قولُه تعالَى - مخاطبًا لأهلِ الكتابِ - : ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم (١) أحمد (١٧٨/١) وابن ماجه (٣٩٤١). (٢) تقدم تخريجه . ١٨٦ حديث : ٤٨ - ٤٩ کتاب الإيمان مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تَفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمْ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٤، ٨٥] . والمعنى : أن اللهَ حرَّم على أهلِ الكتابِ أن يقتلَ بعضُهم بعضًا ، أويخرجَ بعضُهم بعضًا من دارِه ، وكان اليهودُ حلفاء الأوسِ والخزرجِ بين المدينة ، فكانَ إذا وقعَ بينَ الأوسِ - أو الخزرجِ - وبينَ اليهودِ قتالٌ ، ساعدَ كلَّ فريقٍ من اليهودِ بحلافه من الأوسِ والخزرجِ على أعدائِهم ، فقتلوهم معَهم ، وأخرجوهم معهم من ديارهم ، بعد أن حُرِّم عليهم ذلك في كتابِهم وأقرُّوا به ، وشهدُوا به ، ثم بعدَ أن يؤسَرَ أولئك اليهودُ يفدوهم هؤلاءِ الذينَ قاتلُوهم ، امتثالاً لما أُمِروا به في كتابهم من افتداء الأسرى منهم . فسمَّى اللهُ عزَّ وجلَّ فعلَهم للافتداءِ لإخوانهم إيمانًا بالكتابِ ، وسمَّى قتلَهم وإخراجَهم من ديارِهم كفرًا بالكتابِ ، فدلتْ هذه الآيةُ على أنَّ القتالَ والإخراجَ من الديارِ إذا كان محرَّمًا يسمَّى كفرًا ، وعلى أن فعلَ بعضِ الطاعاتِ يسمّى إيمانًا ؛ لأنه سمَّى افتداءهم للأسارى إيمانًا . وهذا حسنٌ جدًا ، ولم أر أحدًا من المفسرينَ تعرَّض له ، ولله الحمدُ والمنَّةُ . والحديثُ الثاني : ٤٩ - حديث: عُبَادَةَ بْنِ الصَّمِتِ، أنَّ النَّبِيَّ ﴾ُ خَرَجَ يُخْبِرُ بَلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَلاَحَى رَجُلاَنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «إِنِّي خَرَجْتُ لْأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَإِنَّهُ تَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ فَرُفعَتْ، فَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، الْتَمِسُوهَا فِي السَبْعِ وَالتِّسْعِ وَالخُمْسِ )) . ١٨٧ ٣٦ - باب خوف المؤمن أن يحبط عمله کتاب الإیمان إنما خرَّج البخاريُّ هذا الحديثَ في هذا الباب ؛ لذكرِ التلاحي . والتلاحي : قد فسِّرِ بالسبابِ ، وفسِّر بالاختصامِ والمُمَاراةِ من دونِ سبابٍ . ويؤيدُ هذا : أنه جاءَ في روايةٍ في ((صحيح مسلمٍ))(١): ((فجاءَ رجلان يحتقَّان)) أيْ: يطلبُ كلُّ واحدٍ منهما حقَّه منَ الآخرِ ، ويخاصمُهُ في ذلك . فمن فسَّرِه بالسبابِ احتملَ عنده إدخال البخاريِّ للحديثِ في هذا البابِ : أن السبابَ تُعجَّل عقوبتُه حتى يُحرمَ المسلمونَ بسبِه معرفةَ بعضِ ما يحتاجونَ إليه من مصالحٍ دینِھم . وإنما رجَا النَّبِيُّ ◌َِّ أن يكونَ ذلك خيرًاً؛ لأنَّ إبهامَ ليلةِ القدرِ أَدْعَى إلى قيام العشرِ كلِّه - أو أَوْتَارِهِ - في طلبِها، فيكونُ سببًا لشدةِ الاجتهادِ وكثرتِه ، ولكنَّ بيانَ تلك الليلةِ ومعرفتَهم إياها بعينِها له مزيةٌ على إبهامِها ، فرُفِع ذلك بسببِ التلاحي . فدلَّ هذا الحديثُ على أن الذنوبَ قد تكون سببًا لخفاءِ بعضِ معرفةٍ ما يحتاجُ إليه في الدينِ . وقال ابنُ سيرينَ : ما اختلفَ في الأهلِ(٣) حتى قُتْلَ عثمانُ . فكلَّما أحدثَ الناسُ ذنوبًا أوجبَ ذلك خفاءَ بعضِ أمورٍ دينِهم عليهم . وقد يكونُ في خفائه رخصةٌ لمن ارتكبَه ، وهو غيرُ عالمٍ بالنهي عنه ، إذ لو عِلِمَهَ ثم ارتكبَه لاستحقَّ العقوبةَ . ومَن فسَّرِ التلاحِي بالاختصامِ ، قال : مراد البخاريِّ بإدخالِه هذا الحديثَ في هذا البابِ : أن التلاحي من غيرِ سبابٍ ليس بفسوقٍ ، ولا يترتَّبُ عليه حكمُ الفسوق ؛ لأنه كان سببًا لما هو خيرٌ للمسلمينَ . (١) (١٧٣/٣) . (٢) كذا . ١٨٨ حديث : ٤٨ - ٤٩ کتاب الإيمان وهذا هو الذي أشارَ إليه الإسماعيليّ . وفيه نظرٌ . واللهُ أعلمُ . ويحتملُ أن يكونَ مرادُ البخاريِّ : أن السبابَ ليس بمخرجٍ عن الإسلامِ ، مع كونه فسوقًا، ولهذا قالَ في الحديثِ: (( فتلاحى رجلانٍ منَ المسلمين »، فسمَّاهُما مسلمينَ مع تلاحِيهما . وفي «مسندِ البزارِ))(١) من حديث معاذٍ، عن النبي وَّر، أنه قال: ((إن أولَ شيءٍ نهاني عنه ربِّي بعد عبادة الأوثان شربُ الخمر ، وملاحاةُ الرجال )). وفي إسناده : عَمرو بنُ واقدِ الشاميُّ، وهو ضعيفٌ جدًا . وإنما حُرمتِ الخمرُ بعدَ الهجرةِ بمدةٍ . ولكن رواه الأوزاعيّ ، عن عروةَ بنِ رُوَيمٍ - مرسلاً . خرجه أبو داودَ في (( مراسيله))(٢). (١) (٣٥١/٣ - كشف). (٢) (٥٠٦). ١٨٩ ٣٧ - باب سؤال جبريل النبي قل﴾ کتاب الإيمان فَصْلٌ قال البخارىُّ : ٣٧ - بَابُ سُؤَلِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ :﴿ عَنِ الإِيمَانِ وَالإِسْلاَمِ وَالإِحْسَانِ وَعِلْمِ السََّعَةِ ، ٠ وَنِ النَّبِّ ◌َِّ لَّهُ، ثُمَّ قَالَ: (( جَاءَ جِبْرِيلُ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمَّ))، فَجَعَلَ ذَلَكَ كُلَّهُ دينًا، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ◌َ لِوَفْدِ عَبَّدِ الْقَيْسِ مِنَ الإِيمَانِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَلَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيْنَا فَنْ يُقْبَّلَ مِنْهُ﴾ [آل عمرا تبويبُ البخاريِّ هاهنا ، واستدلالُه ، وتقريرُهُ : يدلُّ على أنه يرى أن مسمَى الإيمانِ والإسلامِ واحدٌ؛ فإنه قررَ أن النبيَّ وَِّ أجابَ جبريلَ عن سؤاله عن الإسلامِ والإيمانِ والإحسانِ وعلمِ الساعة، ثم قال: (( هذا جبريلُ جاءَ يعلمُكُم دينكم )) ، فجعله كلَّه دينًا . والدينُ هو الإسلامُ ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ منه﴾ [آل عمران: ٨٥]، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامَ﴾ [آل عمران: ١٩]. وأكدَّ ذلك، بأنَّ في حديثِ وفدِ عبدِ القيسِ، أنهم سألوا النبيَّ نَِّ عن الإيمان ، فأجابهم بما أجاب به جبريلَ عن سؤاله عن الإسلامِ ، فدلَّ على أن الإسلامَ والإيمانَ واحدٌ . وهذا قولُ محمدِ بنِ نصرِ المروزيُّ وابنِ عبدِ البرِّ وغيرِهما. وأما مَنْ فَرَّق بينَ الإسلامِ والإيمانِ ، وهم أكثرُ العلماءِ منَ السلفِ ومَنْ بعدَهم ، حتى قيلَ : إنه لا يُعْلَم عن السلفِ في ذلك خلافٌ . فأظهرُ الأجوبةِ عما ذكرَه البخاريُّ : أنَّ الإسلامَ والإيمانَ تختلفُ دلالتُه بالإفرادِ والاقترانِ، فإنْ أُفرِدَ أحدُهما دخلَ فيه الآخرُ، فلذلك فسَّرَ النبيُّ ◌َِله. ١٩٠ حديث : ٥٠ کتاب الإیمان الإيمانَ المسئولَ عنه مفردًا في حديثٍ وفدِ عبدِ القيسِ ، بما فسَّرِ بهِ الإسلامَ في حديثٍ جبريلَ الذي قرنَ فيه الإسلامَ بالإيمانِ ، وإن اقترنا ، كان هذا له معنِّى ، وهذا له معنّی . وبكلِّ حالٍ ، فالأعمالُ داخلةٌ في مسمَّى الإيمانِ ، لا يختلفون في ذلك . وممن ذَكر هذا التفصيلَ : الخطابيُّ وأبو بكرِ الإسماعيليَّ ، وحكاه الإسماعيليُّ عن كثيرٍ من أهلِ السنةِ والجماعةِ . وحكى أبو بكرِ ابنُ السمعانيُّ عن أهل السنةِ والجماعةِ ، التفريقَ بينَ الإسلامِ والإيمان . وممَّن رُوي عنه التفريقُ بينهما من السلفِ : الحسنُ وابنُ سيرينَ وقتادةٌ وداودُ بنُ أبي هندٍ وأبو جعفرَ محمدُ بنُ علىٍّ والزهريُّ وحمادُ بنُ زيدٍ وشريكٌ وابنُ أبي ذئبٍ وابنُ مهدِيٍّ وأحمدُ وأبو خيثمةَ ويحيى بنُ معينٍ وغيرُهم ، على اختلافٍ بينهم في صفةِ التفريقِ . ورُوي التسويةُ بينهما عنِ الثوريِّ من وجهِ فيه نظرٌ . وقد تقدمَ الكلامُ على هذه المسألةِ مستوفَّى بما فيه كفايةٌ . واللهُ أعلمُ . ثم خرّج البخاريُّ : ٥٠ - حديث: أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َ﴿، قَالَ: كَانَ يَوْمًا بَارزاً لِلنَّاسِ، فَأَتَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ : ((الإِيمَانُ أَن تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَبَلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ)) . قَالَ: مَا الإِسْلاَمُ؟ قَالَ: ((الإِسْلاَمُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهُ وَلَ بُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤْدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ)). قَالَ: مَا الإِحْسانُ؟ قَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ » . قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنّهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا ، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَةُ الإِيلِ الْبُهْمِ فِي الْبُنْيَانِ ، فِي خَمْسٍ لاَ ١٩١ ٣٧ - باب سؤال جبريل النبي ◌َ ﴾ کتاب الإيمان يَعْلَمُهُنَّ إلاَّ اللُّهُ)) . ثُمَّ تَلاَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ٠٥٠٠ ويَعَلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤]، الآيةَ ثُمَّ أَدْبَرَ، فَقَالَ: ((رُدُّوهُ))، فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ : ((هَذَاَ جِبْرِيلُ، جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ)) . قَالَ الْبُخَارِيُّ : جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ . فمرادُه بهذا الكلامِ: أنَّ النبيَّ ◌ََِّ سمَّى جميعَ ما ذكرَه في هذا السؤالِ دينًا ، والدينُ هو الإسلامُ كما أخبرَ اللهُ بذلك ، وقد أجابَ وفدَ عبدِ القيسِ عن سؤالِهم عن الإيمانِ بما أجابَ به جبريلَ عن سؤاله عن الإسلامِ ، فدلَّ على أن الإيمانَ هو الإِسلامُ ، وأنه يدخلُ في مسمَّاه ما يدخلُ في مسمَّى الإسلامِ . هذا تقرير ما ذكرَه البخاريُّ هاهنا . وأما المفرقونَ بينَ الإسلامِ والإيمانِ ، فقد تقدَّم أن المختارَ عندهم في ذلك : أن الإسلامَ والإيمانَ إذا قُرِنَ بينهما كانَ لكلٌّ منهما معنَى ، فإذا أُفرِدَ أحدُهما دخلَ فيه ما يدخلُ في الآخرِ . والتحقيقُ في التفريقِ بينهما عند اقترانهما: ما دلَّ عليه هذا الحديثُ المذكورُ هاهنا ، وهو أن الإيمانَ هو الاعتقاداتُ القائمةُ بالقلوبِ . وأصلُهُ : الإيمانُ بالأصولِ الخمسةِ التي ذكرها اللهُ في قولِه تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرَسُلِهِ لا تُفَرِقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] . فذكر اللهُ في هذه الآيةِ الإيمانَ باللهِ وملائكتِه وكتبِهِ ورسلِهِ والمصيرِ إليه ، وهو اليوم الآخرُ، وهو الذي ذكرَه النبيُّ وَّ لجبريل - عليه السلامُ - في سؤالِه عن الإيمانِ المقرونِ بالإسلامِ ، وفي بعضِ ألفاظِهِ زيادةٌ ونقصٌ . ١٩٢ حديث : ٥٠ کتاب الإیمان وفي رواية البخاريِّ هذه : ذكرُ الإيمانِ بلقاءِ اللهِ ، والإيمانِ بالبعثِ . فأما الإيمانُ بالبعثِ ، فهو الإيمانُ بأن اللهَ يبعثُ مَن في القبورِ . والإيمانُ بلقاء الله ، معناه : الإيمانُ بوقوفِ العبادِ بين يديِ اللهِ عزَّ وجلَّ للمحاسبةِ بأعمالهم والجزاءِ بها . وخرجه مسلمٌ (١) من حديث عمرَ بنِ الخطابِ، ولفظه: (( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليومِ الآخرِ ، وتؤمن بالقدر خيره وشرِّه )). وخرجه ابنُ حبانَ (٢)، وزاد فيه: ((وتؤمنَ بالجنة والنارِ والميزانِ)). وأما الإسلامُ المقرونُ بالإيمانِ ، ففسَّرِه بالأعمالِ الظاهرةِ منَ الأقوالِ والأعمالِ ، وهي الشهادتانِ ، وإقامُ الصلاة ، وإيتاءُ الزكاةِ ، وصيامُ رمضانَ . وزاد مسلمٌ - في روايةٍ من حديثِ عُمر - : (( وتحجَّ البيتَ إن استطعتَ إليه سبيلاً )). وزاد ابنُ حبانَ: ((وتحجَّ وتعتمرَ وتغتسلَ منَ الجنابةِ وتتمَ الوضوءَ))(٣). وفي رواية البخاريِّ هذه: ((أن تعبدَ اللهَ ولا تشركَ به)). والمرادُ : الإقرارُ بتوحيده باللسان ، وقد يرادُ به معَ ذلك فعلُ جميعِ أنواعِ العباداتِ بالجوارحِ . وأما الإحسانُ، ففسَّرَه بنفوذِ البصائرِ في الملكوتِ ، حتى يصيرَ الخبرُ للبصيرة كالعيانِ ، فهذه أعلَى درجاتِ الإيمانِ ومراتبِه ، ويتفاوتُ المؤمنونَ والمحسنونَ في تحقيقِ هذا المقامِ تفاوتًا كثيرًا ؛ بحسبِ تفاوتهم في قوةِ الإيمانِ والإحسانِ . وقد أشارَ النبيُّ ◌َ ◌ّ إلى ذلكَ هاهنا بقوله: (( أن تعبدَ اللهَ كأنك تراهُ، فإن لم (١) (٢٨/١ - ٢٩) . (٢) (١٧٣) . (٣) وذكر ابن حبان أن هذه الزيادة تفرد بها سليمان التيمي . ١٩٣ ٣٧ - باب سؤال جبريل النبي وقَ الفر کتاب الإيمان تكنْ تراه فإنَّه يراكَ » . قيل : المرادُ : أن نهايةَ مقامِ الإحسانِ أن يعبدَ المؤمنُ ربّه كأنه يراه بقلبه ، فيكونُ مستحضراً ببصيرتِه وفكرتِه لهذا المقامٍ ، فإن عجزَ عنه وشقَّ عليه انتقل إلى مقامٍ آخرَ ، وهو أن يعبدَ اللهَ على أن اللهَ يراهُ ، ويطَّلعُ على سرِّه وعلانيته ، ولا يخفى عليه شيءٌ من أمرِه . وقد وصَّى النبيُّ وَ ◌ِّ طائفةً من أصحابِه أن يعبدُوا اللهَ كأنهم يرونَه ، منهمُ: ابنُ عمرَ (١) وأبو ذرٍّ (٢)، ووصَّى معاذًا أن يستحيي منَ اللهِ كما يستحيي من رجلٍ ذي هيبةٍ من أهلِه(٣). قال بعضُ السلفِ : مَن عملَ للهِ على المشاهدةِ فهو عارفٌ ، ومن عملَ على مشاهدةِ اللهِ إِيَّه فهو مخلصٌ . فهذان مقامان : أحدُهما : مقامُ المراقبة ، وهو أن يستحضرَ العبدُ قربَ الله منه ، وإطلاعَه عليه ، فيتخايلُ أنه لا يزالُ بين يدي اللهِ ، فيراقبُه في حركاتِه وسكناتِه وسرِّه وعلانيته ، فهذا مقامُ المراقبينَ المخلِصينَ ، وهو أدنَى مقامِ الإحسانِ . والثاني : أن يشهدَ العبدُ بقلبِهِ ذلكَ شهادةٌ ، فيصيرَ كأنه يرَىَ اللهَ ويشاهدُه ، وهذا نهايةُ مقامِ الإحسانِ ، وهو مقامُ العارفينَ . وحديثُ حارثةَ (٤)، هو من هذا المعنَى، فإنه قال : كأنِّي أنظرُ إلى عرشٍ (١) أخرجه أحمد (١٣٢/٢) والنسائي في ((الكبرى)) (تحفة الأشراف ٤٨١/٥) وأبو نعيم في الحلية (١١٥/٦). وراجع: ((جامع العلوم والحكم)) (٤١٣/٢ - بتحقيقي). (٢) راجع: المصدر السابق (١٠٥/١). (٣) تقدم . (٤) هذا الحديث، توسعت في الكلام عليه في تعليقى على كتاب (( أطراف الغرائب والأفراد ) (٧١٤) (٧٦٤) (٨٥٧) فارجع إليه، وكذا ((جامع العلوم)) (١٠٥/١ - ١٠٦) بتحقيقي. ١٩٤ حديث : ٥٠ کتاب الإيمان ربيِّ بارزًا، وكأني أنظرُ إلى أهلِ الجنةِ يتزاورُون فيها ، وإلى أهلِ النارِ يتعاوَون منها. فقال النبيُّ نَّهِ: ((عرفتَ فالزمْ، عبدٌ نورَ اللهُ الإيمانَ في قلبِه)). وهو حديثٌ مرسلٌ . وقد رُوي مسندًا بإسنادٍ ضعيفٍ . وكذلك قولُ ابنِ عمَر لعروةَ ، لما خطبَ إليه ابنته في الطوافِ ، فلم يردّ عليه ، ثمَّ لقيه فاعتذرَ إليه ، وقال : كنَّا في الطوافِ نتخايلُ اللهَ بينَ أعينِنَا . ومنه : الأثرُ الذي ذكرَه الفضيلُ بنُ عياضِ : يقولُ اللهُ : ما أنا مطلعٌ على أحبابي ، إذا جنَّهمُ الليلُ جعلتُ أبصارَهم في قلوبِهِم ، ومَثَلَتْ نفسِي بِينَ أعينِهم ، فخاطبوني على المشاهدةِ ، وكلموني على حضورِي . وبهذا فُسِّرِ المثلُ الأعلَى ، المذكورُ في قولِه تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧]. ومثلُهُ: قولُه تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحِّ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّ شَرَقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ بَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: قال أبيُّ بنُ كعبٍ (١) وغيرُهُ من السلفِ : مثلُ نورِهِ في قلبِ المؤمنِ . فمن وصلَ إلى هذا المقامِ فقد وصلَ إلى نهايةِ الإحسانِ ، وصار الإيمانُ لقلبِه بمنزلِه العيانِ ، فعرف ربَّه ، وأنِسَ به في خلوتِهِ ، وتنعَّم بذكرِه ومناجاته ودعائه ، حتَّى ربما استوحشَ من خلقِه . كما قال بعضُهم : عجبتُ للخليقةِ ، كيفَ أنستْ بسواكَ ، بل عجبتُ (١) ((تفسير ابن كثير)) (٦/ ٦٠). ١٩٥ ٣٧ - باب سؤال جبريل النبي ◌َّلة کتاب الإیمان للخليقةِ كيفَ استنارتْ قلوبُها بذكر سواكَ (١). وقيل لآخر : أما تستوحشُ ؟ قال : كيفَ أستوحشُ ، وهو يقولُ : أنا جليسُ من ذكرني (٢)؟! وقيل لآخر : أما تستوحشُ وحدَك ؟ قال : ويستوحشُ مع الله أحدٌ ؟ ! وكان حبيبٌ أبو محمدٍ يخلو في بيته ، ويقولُ : من لم تقرَّ عينُه بكَ فلا قرَّت عينُهُ ، ومن لمْ يأنسْ بك فلا أنسَ . وقال الفضيلُ : طوبَى لمن استوحشَ من الناسِ ، وكان اللهُ جليسَه . وقال معروفٌ لرجلٍ : توكل على اللهِ، حتَّى يكونَ جليسَك وأنيسَك وموضعَ شكواكَ . وقال ذو النون: علامةُ المحبينَ لله أن لا يأنسُوا بسواه، ولا يستوحشُوا معه. ثم قالَ : إذا سكنَ القلبَ حبُّ الله أنسَ بالله ؛ لأن اللهَ أجلُّ في صدورِ العارفينَ أن يحبُّوا غيرَه . وقولُهُ وَله: ((اعبد اللهَ كأنك تراهُ))، إشارةٌ إلى أن العابدَ يتخيَّلُ ذلكَ في عبادته ، لا أنَّه يراه حقيقةً ، لا يبصرِهِ ولا بقلبِهِ . وأما مَن زعمَ أن القلوبَ تصلُ في الدنيا إلى رؤية الله عيانًا، كما تراهُ الأبصارُ في الآخرةِ ، كما يزعمُ ذلك من يزعمُهُ من الصوفيةِ ، فهو زعمٌ باطلٌ ؛ فإن هذا المقامَ هو الذي قال مَن قالَ من الصحابة كأبي ذرِّ وابنِ عباسٍ وغيرِهما ، (١) «الحلية)) (١٩٥/٦). (٢) البيهقي في ((الشعب)) (٧٠٩) والذهبي في ((السير)) (٨/ ١٧٥) وقوله: ((أنا جليس من ذكرني))، أخرجه أحمد في ((الزهد)) (ص ٨٦) وابن أبي شيبة عن كعب الأحبار . وما في ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة، عن النبي ◌َّجر: ((قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه حيث يذكرني ... )) أولى منه . ١٩٦ حديث : ٥٠ كتاب الإيمان ورُوي عن عائشةَ -، أيضًا -: إنه حصلَ للنبيِّ وَِّ مرتينِ. ورُوي في ذلك أحاديثُ مرفوعةٌ - أيضًا . وكذا قالَ جماعةٌ من التابعينَ : إنه رآه بقلبِه ، منهم : الحسنُ وأبو العاليةَ ومجاهدٌ وعبد اللهِ بنُ الحارثِ بنِ نوفلٍ وإبراهيمُ التيميّ وغيرُهم . فلو كان هؤلاءِ يعتقدونَ أن رؤيةَ القلبِ مشتركةٌ بين الأنبياءِ وغيرِهم لم يكنْ في تخصيصِ النبيِّ وَّ بذلكَ مزيةٌ له، لا سيَّما وإنما قالوا : إنها حصلتْ لهُ مرتينِ ، فإنّ هؤلاء الصوفية يزعمونَ أن رؤيةَ القلب تصيرُ حالاً ومقامًا دائمًا أو غالبًا لهم . ومن هنا ينشأُ تفضيلُ الأولياءِ على الأنبياءِ ، ويتفرعُ على ذلكَ أنواعٌ من الضلالات والمحالات والجهالاتِ ، واللهُ يهدي من يشاءُ إلى صراط مستقيمٍ. ٠ فهذه المقاماتُ الثلاثُ : الإسلامُ ، والإيمانُ ، والإحسانُ ، يشملُها اسمُ الدينِ ، فمن استقامَ على الإسلامِ إلى موتِه عصمَه الإسلامُ من الخلودِ في النارِ ، وإن دخلَها بذنوبِهِ ، ومن استقامَ على الإحسانِ إلى الموتِ ، وصل إلى الله عزَّ وجلَّ . قال تعالى: ﴿لَلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةَ﴾ [يونس : - ٢٦]. وقد فسرَ النبيّ ◌َِّ((الزيادةَ)) بالنظرِ إلى وجهِ اللهِ. خرجه مسلمٌ (١) من حديثٍ صهيبٍ . وأما قولُ جبريلَ : ((أَخبرني عن الساعة ؟ فقال: ما المسئولُ عنها بأعلمَ منَ السائل)) . فمعناه : أن الناسَ كلَّهم في وقتِ الساعةِ سواءٌ ، وكلُّهم غيرُ عالمينَ به على الحقيقة . مے (١) (١ / ١١٢) . ١٩٧ ٣٧ - باب سؤال جبريل النبي ◌َّق کتاب الإيمان ولهذا قال : ((في خمس لا يعلمُهُنَّ إلا اللهُ))، ثم تلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمَ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية . وهذه مفاتيحُ الغيبِ الَّذِي لا يعلمُها إلا اللهُ (١). وقد جاء عن ابنِ مسعودٍ ، أن نبيّنا أوتِيَ علم كلِّ شيءٍ سوى هذه الخمسِ . ورُوي ذلك مرفوعًا من حديثِ ابنِ عمرَ . وكلاهما في (( مسند الإمامِ أحمدَ ))(٢). وذُكرَ عندَ عَمرِو بنِ العاصِ العلمُ بوقتِ الكسوفِ قبلَ ظهورهِ ، فأنكرَه بعضُ مَن حضرَه ، فقال عَمَرٌو : إنمَا الغيبُ خمسٌ ، ثم تلا هذه الآيةَ . قال : وما سوى ذلك يعلمُهُ قومٌ ويجهلُه قومٌ . خرجه حميدُ بنُ زنجویهِ . وقد زعم بعضُهم كالقرطبيِّ ، أن هذه الخمسَ لا سبيلَ لمخلوقٍ إلى علمٍ بها قاطعٍ ، وأما الظنُّ بشيءٍ منها بأمارة قد يخطئُ ويصيبُ ، فليس ذلك بممتنعٍ ، ولا نفيه مراد من هذه النصوصِ . وقوله : (( وسأخبرُك عن أشراطها)) . لما كان العلمُ بوقتِ الساعةِ المسئولُ عنه غيرَ ممكنٍ ، انتقل منه إلى ذكرِ أشراطِها ، وهي علامتُها الدالةُ على اقترابِها . وهذا كما سألَه الأعرابيُّ: متى الساعةُ؟ فقال: ((ما أعددتَ لها؟))(٣)، فأعرضَ عن الجوابِ عنِ الساعةِ إلى ذكرِ الاستعدادِ لها ؛ لأنه هو المأمورُ به ، وهو الذي يعني السائلَ وغيرَه ، وينبغي الاهتمامُ به . (١) كذا . (٢) (٣٨٦/١، ٤٣٨، ٤٤٥) من حديث ابن مسعود، (٢٤/٢، ٢٥) من حديث ابن عمر. (٣) أخرجه البخارى (٦١٦٧)، ومسلم (٢٠٩/٨) . ١٩٨ حديث : ٥٠ كتاب الإيمان وأما جبريلُ ، فالظاهرُ - واللهُ أعلمُ - : أنه أرادَ بسؤاله عن الساعةِ إظهارَ انفرادِ اللهِ بعلمِها دونَ خلقه، حتى ينقطعَ السؤالُ عنها، فقد كان النبيُّ وَّ كثيرًاً يسألُ عنها، حتى نزلتْ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّنَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مَنْتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٤]، ونزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هَو﴾ [الأعراف: ١٨٧]. وفي روايةِ عمرَ بنِ الخطابِ لهذا الحديثِ: أن جبريلَ قالَ للنبيِّ ◌َّ: ((أخبرني عن أمارتها)). وقد ذكر لها النبيُّ ◌َّ في هذا الحديثِ علامتينِ : إحداهما: ((أن تلدَ الأمةُ ربَّها)). والمرادُ بالربِّ : السَّيدُ . واختلفَ في معنى ذلك : فقيل : المرادُ : أن يكثرَ فتوحُ بلادِ الكفرِ والسبيُ منهم ، فتكثرُ السراري ، فتلدُ الإماءُ الأولادَ من سادتِهنَّ ، وولدُ السيدِ بمنزلةِ السيِّدِ ، فتصيرُ الأمةُ ولدت ربَّها بهذا الاعتبارِ . ومن هؤلاءِ مَن قال : أريد أن الملوكَ يتخذونَ السراري ، فتلدُ الإماءُ الملوكَ ، وهم كالأربابِ للناسِ . ومنهم من قال : إن العجمَ تلدُ العربَ ، والعربُ كالأربابِ للعجم - : قاله وكيعُ بنُ الجراحِ . وعلى هذا القول ، قد استدلَّ بالحديثِ مَن يرى بيعَ أمهاتِ الأولادِ ومن يمنعه : أما مَن يرى بيعَهُنَّ، فاستدلَّ بقوله: ((تلدُ الأمةُ ربَّها)) على أن ولد أمّ الولد ربٌّ لها ، فيدلُّ على أن أمَّه رقيقةٌ تنتقلُ إلى ملكِه بوفاةٍ أبيه ، فيرثها فتعتقُ ١٩٩ ٣٧ - باب سؤال جبريل النبي ◌َّ کتاب الإيمان عليه ، فيكونُ حينئذ ربَّها حقيقةً ، وتكونُ قبل انتقالها إلى ولدها رقيقةً ، حكمُها كأحكامِ القِنِّ ، من البيعِ وغيرِه ، ولولا ذلك لم تورَّتْ . ومَن منع بيعَهنَّ ، قال : قد جعل ولدَ الأمة ربّها ، وهذا يدلُّ على أنه ربُّها بكل حالٍ ، سواءٌ ماتَ الأبُ أو كان حيًّا ، فيدلُّ على أن عتقَها مضافٌ إلى الولد ، فكأنَّ الولدَ هو الذي أعتقَ أمَّه حيث كان هو سببَ عتقِها . كما رُوي، أن النبيَّ بِّهِ قال في ماريةَ - لما ولدت إبراهيمَ -: ((أعتَقَها ولدُها))(١). وممن استدلَّ بهذا على منعٍ بيعِهِنَّ: الإمامُ أحمَد . وقيل : المرادُ بقوله: ((تلدَ الأمةُ ربَّها)): كثرةُ الفتوحِ في بلادِ الكفارِ ، وجلبُ الرقيقِ ، حتى تجلبَ المرأةُ من بلدِ الكفرِ صغيرةً ، فتعتقَ في بلدِ الإسلامِ ، ثم تُجْلَب أمُّها بعدَها ، فتشترِيها البنتُ، وتستخدِمُها جاهلةً بكونِها أمَّها ، وقد وقع ذلك في الإسلامِ . وهذا القولُ مثلُ الذي قبلَه ، في أن مِن أشراطِ الساعةِ كثرةَ الفتوحِ وجلبَ الرقيقِ من بلادِ الكفرِ . وقيل: المرادُ بقوله: ((أن تلدَ الأمةُ ربَّها)): أن يكثرَ العقوقُ من الأولادِ ، حتى يعاملَ الولدُ أمَّه معاملةَ أمته بالسبِّ والإهانةِ . ويشهد لهذَا : أنه جاءَ في رواية : (( أن تلدَ المرأةُ ربَّها))، فلم يخصَّه بالأمة . وقيل : المرادُ بقوله : (( أن تلدَ الأمةُ ربَّها)): أن يكثرَ الجهلُ، ويقلَّ العلمُ ، حتى تباعَ أمهاتُ الأولادِ ولهنَّ أولادٌ ، فربما تداولَها أيدي الملاك ، وتطاولتِ المددُ حتى يشترِيَها بعضُ أولادها ، ويستخدمُها جاهلاً بأنها أمُّه . (١) أخرجه ابن ماجه (٢٥١٦) بمعناه، والحاكم (١٩/٢). ٢٠٠ حديث : ٥٠ كتاب الإيمان وفي هذا القولِ نظرٌ وبُعدٌ . وعلى هذا القولِ والذي قبلَه ، فالذي من أشراطِ الساعةِ ، هو كثرةُ الجهلِ ، وقلةُ العلمِ ، وفسادُ الأعمالِ بظهورِ العقوقِ ، والاستهانةِ ببيعِ ما لا يجوزُ بيعُهُ . وقيل : بل أرادَ بولادة الأمة ربّها : أنه يكثرُ عدولُ الناسِ عن النكاحِ إلى التسرِّي فقط . واللهُ أعلمُ . والعلامةُ الثانيةُ : أن يتطاولَ رعاةُ الإبلِ البهمُ في البينانِ . و (( البُهمُ)) هنا بضمِ الباءِ ، وهو جمعُ بهيمِ . ثم قيل : إن المراد به المجهولُ الذي لا يُعرَفُ - : قاله الخطابيّ (١) فعلى هذا، تكونُ الروايةُ ((البهمُ)) - بضم الميمٍ - صفة للرعاةِ . وقيل : بلِ المرادُ به الذي لا شيءَ لهم، كما قال: (« يحشرُ الناسُ يومَ القيامة حفاةً بهمًا)). وقيل: إن ((البهم)) - بكسر الميمٍ - صفةٌ للإبلِ ، وأن الإبلَ هي السودُ. وتطاولُهم في البنيانِ : هو بمصيرِهم ملوكًا [ ذا ](٣) ثروة وأموال. وفي رواية: أنَّ النبيِّ وَّهِ سْئِلَ عنهم، فقال: ((هم العُرِيبَ))(٣). وهذا وقعَ في زمن بني أميةَ ، حيث كانوا يستعملون الأعرابَ الحفاةَ على الناسِ ، ويستعينونَ بهم على أعمالِهم ، ثم لما انتقلَ الملكُ عن العربِ إلى غیرِهم انتقل إلى مَن كان ببلادِه كذلك . وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ من أشراطِ الساعةِ فسادُ ولاةِ الأمورِ بجهلِهم وجفائِهم. (١) في ((شرح البخاري)) له (١/ ٨٢). (٢) كذا، والأشبه: ((ذوي)). (٣) أخرجه محمد بن نصر في ((الصلاة)) (٣٦٧)، وعنده: ((العرب)) بدل: ((العريب)).