النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
٣١ - باب: حسن إسلام المرء
کتاب الإيمان
فَصْلٌ
خرَّج البخاريُّ :
٤١ - من حديث: زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ ، عَنْ أَبِي سَعِيد
الْخُذْرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ بِ﴿ يَقُولُ: ((إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ، فَحَسُنَ إِسْلاَمُهُ،
يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلكَ القصَاصُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ
أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعِمَاتَةُ ضِعْف، وَالسِّئَةُ بمثْلِهَا، إلاَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا )).
وخرج البخاريُّ - أيضًا - :
٤٢ - من حديث: هَمَّامِ بْنِ منبه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّّ﴾، قَالَ: ((إِذَا
أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلاَمَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعِمَائَةِ
ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَّةَ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَّهُ بِمِثْلِهَا)).
إحسانُ الإسلامِ ، يفسّرُ بمعنيينٍ :
أحدهما : بإكمال واجباته ، واجتناب محرماتِه .
ومنه : الحديثُ المشهورُ المرويُّ في ((السننِ »(١): ((من حسن إسلامِ
المرء تركه ما لا یعنیه » .
فكمالُ حسنِ إسلامِهِ حينئذٍ بتركِ ما لا يعِنِيه ، وفعلِ ما يعِنِيه .
ومنه : حديثُ ابنٍ مسعودٍ ، الذي خرجاه في ((الصحيحين)) (٢): أنَّ النبيَّ
وَ﴿ِ سُئِلَ: أَنوَاَخَذُ بأعمالِنا في الجاهليةِ ؟ فقال: ((من أحسَن في الإسلامِ لم
(١) أخرجه أحمد (٢٠١/١) والترمذي (٢٣١٧) وابن ماجه (٣٩٧٦) .
وهو حديث ، اختلف في وصله وإرساله ، ورجح جماعة من حفاظ الحديث إرساله .
راجع: (( جامع العلوم والحكم » (١ / ٢٨٥ - بتحقیقی).
(٢) البخارى (٦٩٢١) ومسلم (٧٧/١ - ٧٨).

١٤٢
حديث : ٤١ - ٤٢
كتاب الإيمان
يؤاخذْ بما عمِلَ في الجاهلية، ومن أساءَ في الإسلامِ أُخذَ بالأولِ والآخرِ )).
فإنَّ المرادَ بإحسانِه في الإسلامِ فعلُ واجباتِهِ ، والانتهاءُ عن محرماتِه ،
وبالإساءة في الإسلامِ ارتكابُ بعضِ محظوراتِه التي كانت تُرتكبُ في الجاهليةِ .
وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ هذَا - مع حَديثِ أبي سعيدِ الذي علَّقه البخاريُّ هنا
في أولِ البابِ - : دليلٌ على أن الإسلامَ إنما يكفِّرُ ما كان قبلَه من الكفرِ ولواحقِه
التي اجتنَبها المسلمُ بإسلامِه ، فأما الذنوبُ التي فعلها في الجاهليةِ ، إذا أصرّ
عليها في الإسلامِ ، فإنَّه يؤاخذُ بها ، فإنه إذا أصرَّ عليها في الإسلامِ لم يكن تائبًا
منها ، فلا تكفَّرُ عنه بدون التوبةِ منها .
وقد ذكرَ ذلك طوائفُ من العلماءِ من أصحابِنا ، كأبي بكرِ عبدِ العزيزِ بنِ
جعفرَ وغيرِه ، وهو قولُ طوائفَ منَ المتكلمينَ منَ المعتزلةِ وغيرِهم ، وهو
اختيارُ الحليمىٌ .
ثم وجدتُهُ منصوصًا عن الإمامِ أحمدَ :
فنقلَ الميمونيُّ في («مسائله))، عن أحمَد ، قال : بلغني عن أبي حنيفةَ أنه
كان يقولُ: لا يؤاخَذُ بما كانَ في الجاهليةِ، والنبيَّ نَّهِ يقولُ في غيرِ حديثٍ :
إنه يؤاخذُ - يعني : حديثَ شقيقٍ عن ابنِ مسعودٍ ؛ أرادَ : إذا أحسنَت في
الإسلامِ . انتهى .
وكذلك حكى الجوزجانيُّ ، عن أهلِ الرأي ، أنهم قالوا : إنَّ من أسلمَ وهو
مصرٌّ على الكبائرِ كفَّر الإسلامُ كبائرَهَ كلَّها ، ثم أنكرَ ذلك عليهم ، وجعلَه من
جملةِ أقوالِ المرجئةِ .
وخالفَ في ذلك آخرونَ ، وقالوا : بل يغفرُ له في الإسلامِ كلُّ ما سبقَ منه
في الجاهليةِ من كفرٍ وذنوبٍ ، وإن أصرَّ عليها في الإسلامِ ، وهذا قولُ كثيرٍ من
المتكلمينَ والفقهاءِ من أصحابِنا وغيرِهم ؛ كابن حامدٍ والقاضي وغيرِهما .

١٤٣
٣١ - باب : حسن إسلام المرء
کتاب الإیمان
واستدلُّوا بقولِ النبيِّ نََّ: ((الإسلامُ يهدمُ ما كان قبلَه)).
خرجه مسلمٌ (١) ، من حديثٍ عَمرو بنِ العاصِ .
وأجاب الأولونَ عنه ، بأن المردَ : أنه يهدمُ ما كان قبلَه مما ينافيه الإسلامُ :
من كفرٍ وشركٍ ولواحقِ ذلك ، مما يكونُ الإسلامُ توبةً منه وإقلاعًا عنه ، جمعًا
بينَه وبينَ الحديثينِ المتقدمينِ .
واستدلُوا بقوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ
[الأنفال: ٣٨] .
وأجابَ الأولونَ ، بأنَّ المرادَ : يغفرُ لهم ما سلفَ مما انتهَوْا عنه .
وتأول بعضُ أهلِ القولِ الثاني حديثَ ابنِ مسعودٍ ، علي أن إساءته في
الإسلامِ ارتدادُه عنه إلى الكفرِ ، فيؤاخَذ بكفرِهِ الأولِ والثاني .
ومنهم من حملَه على إسلامِ المنافقِ . وهذا بعيدٌ جدًا .
ومتى ارتدَّ عن الإسلامِ ، أو كان منافقًا ، فلم يبقَ معه إسلامٌ حتى يُسيءَ
فيه .
والاختلافُ في هذه المسألةِ مبنيٌّ على أصولٍ :
أحدُها : أن التوبةَ من ذنبٍ تصحُ مع الإصرارِ على غيرِهِ ، وهذا قولُ جمهور
أهلِ السنةِ والجماعةِ .
والخلافُ فيه عن الإمامِ أحمدَ لا يثبتُ ، وقد تأولَ ما رُوي عنه في ذلك
المحققونَ من أصحابِه ، كابن شاقلا والقاضي في (( كتاب المعتمد )) وابنِ عقيلٍ
في ((فصوله )).
وأما المعتزلةُ، فخالفُوا في ذلك ، وقال مَن قال منهم - كالجبائيِّ - بناءً على
هذا: إنَّ الكافرَ لا يصحُّ إسلامُه، مع إصرارِهِ على كبيرةٍ كان عليها في حالِ كفرِهِ.
(١) (١/ ٧٨).
....... "

١٤٤
حديث : ٤١ - ٤٢
کتاب الإیمان
وهذا قولٌ باطلٌ ، لم يوافقْهم عليه أحدٌ من العلماء .
الأصلُ الثاني : أن التوبةَ : هلْ من شرطِ صحَتِها إصلاحُ العملِ بعدَها،
أم لا ؟ وفي ذلك اختلافٌ بينَ العلماءِ .
وقد ذكره ابنُ حامدٍ من أصحابِنا ، وأشارَ إلى بناءِ الخلافِ في هذه المسألةِ
على ذلكَ.
والصحيحُ - عندَه ، وعندَ كثيرٍ من العلماءِ - : أن ذلكَ ليسَ بشرطِ .
والأصلُ الثالثُ : أن بعضَ الذنوبِ قد يعفَى عنها بشرطِ اجتنابِ غيرِها ، فإن
لم يحصلِ الشرطُ لم يحصلْ ما عُلِّقَ به .
وهذا مأخذُ أبي بكرِ عبدِ العزيزِ من أصحابِنا .
وجعلَ من هذا البابِ : أن الصغائرَ إنما تكفَّر باجتنابِ الكبائرِ ، فإن لم
يجتنبِ الكبائرَ وقعت المؤاخذةُ بالصغائرِ والكبائرِ .
وهذا فيه خلافٌ يُذكرُ في موضعٍ آخرَ - إن شاءَ اللهُ .
وجعلَ منه أن النظرةَ الأولى يُعفى عنها ، بشرطِ عدمِ المعاودةِ ، فإن أعادَ
النظرةَ أُخذَ بالأولَى والثانيةِ .
والأصلُ الرابعُ : أن التوبةَ من الذنب هي الندمُ عليه ، بشرطِ الإقلاعِ عنه ،
والعزم على عدمِ العودِ إليه ، فالكافرُ إذا أسلمَ وهو مصرٌّ على ذنبٍ آخرَ صحَّت
توبتُهُ مما تابَ منه وهو الكفرُ ، دونَ الذنب الذي لم يتبْ منه ، بل هو مصرٌ
عليه .
وخرج النسائيّ (١) حديثَ مالك ، الذي علَّقه البخاريُّ هنا ، وزاد في أوله :
(( كتب اللهُ كلَّ حسنة كان أزلَفَها)).
(١) (٨/ ١٠٥، ١٠٦).

١٤٥
٣١ - باب: حسن إسلام المرء
کتاب الإيمان
وهذا يشبهُ قولَ النبيِّ ◌َ ﴿ لحكيم بن حزامٍ ، لما قالَ له : أرأيتَ أمورًا كنتُ
أتحنَّثُ بها في الجاهليةِ ، هلْ لي منها من شيءٍ ؟ فقال رسولُ الله وَلِّهِ:
(( أسلمتَ عَلَى مَا سلفَ من خيرِ )) .
خرجه مسلمٌ (١).
وكلاهما ؛ يدلُّ على أن الكافرَ إذا عملَ حسنةً في حالِ كفرِهِ ، ثم أسلمَ ،
فإنه يثابُ عليها ، ويكون إسلامُه المتأخرُ كافيًا له في حصولِ الثوابِ على حسناتِه
السابقة منه قبلَ إسلامِه .
ورجَّح هذا القولَ ابنُ بطالٍ والقرطبيُّ (٢) وغيرُهما .
وهو مقتضَى قولِ مَن قالَ : إنه يعاقبُ بما أصرَّ عليه من سيئاتِه إذا أسلمَ ،
كما سبقَ .
وحُكي مثلُه عن إبراهيمَ الحربيِّ .
ويدل عليه - أيضًا -: أن عائشةَ لما سألتِ النبيَّ وَِّ عن ابنِ جدعانَ ، وما
كان يصنعُهُ من المعروف ، هلْ ينفعه ذلك؟ فقال: ((إنه لم يقلْ يومًا قطُّ: ربِّ
اغفرْ لي خطيئِي يوم الدينِ))(٣) .
وهذا يدلُّ على أنه لو قال ذلك يومًا من الدهرِ ، ولو قبلَ موتِه بلحظةٍ ،
لنفعَه ذلك .
ومما يستدلُّ به - أيضًا -: قول النبيِّ وَِّ في مؤمنِ أهلِ الكتابِ ، إذا
أسلمَ: ((إنه يؤتَى أجرَهَ مرتينٍ(٤)))، مع أنه لو وافَى على عملِهِ بكتابِهِ الأولِ
(١) (١/ ٧٩) .
(٢) في الأصل: ((القرظي)).
(٣) أخرجه أحمد (٩٣/٦) ومسلم (١٣٦/١).
(٤) أخرجه البخاري ( ٩٧) ومسلم (٩٣/١) وغيرهم من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا
بلفظ: ((ثلاثة لهم أجران، رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد قل . ... )).

١٤٦
حديث : ٤١ - ٤٢
کتاب الإيمان
لكان حابطًا ، وهذا هو اللائقُ بكرمِ اللهِ وجودِهِ وفضله .
وخالفَ في ذلك طوائفُ منَ المتكلمينَ وغيرِهم ، وقالُوا : الأعمالُ في حالِ
الكفرِ حابطةٌ ، لا ثوابَ لها بكلِّ حالٍ ، وتأوَّلُوا هذه النصوصَ الصحيحةَ بتأويلاتٍ
مستكرَهةٍ مستبعدَةٍ .
وكذلك مَن كان له عملٌ صالحٌ ، فعمِل سيئةً أحبطتُهُ ، ثم تابَ ؛ فإنه يعودُ
إليه ثوابُ ما حبطَ من عملِه بالسيئاتِ .
وقد وردَ في هذا آثارٌ عن السلفِ :
قال ابنُ مسعودٍ : عبدَ اللهَ رجلٌ سبعينَ سنةً ، ثم أصابَ فاحشةً ،
فأحبط اللهُ عملَه ، ثم أصابتْه زمانةٌ وأُقْعدَ ، فرأى رجلاً يتصدقُ على مساكينَ ،
فجاء إليه فأخذَ منه رغيفًا ، فتصدَّقَ به على مسكينٍ ، فغَفَر اللهُ له ، وردَّ عليه
عملَ سبعينَ سنةً .
خرجه ابنُ المباركِ في (( كتاب البرِّ والصلةِ)).
بل عودُ العملِ هاهنا بالتوبةِ أولَى ؛ لأن العملَ الأولَ كان مقبولاً ، وإنما
طرأ عليه ما يحبطُهُ ، بخلافِ عملِ الكافرِ قبلَ إسلامِهِ .
ومن كان مسلمًا وعمِلَ عملاً صالحًا في إسلامِهِ، ثم ارتدَّ، ثم عادَ إلى
الإسلامِ ؛ ففي حبوطِ عملِهِ الأولِ بالرِّدةِ خلافٌ مشهورٌ .
ولا يبعدُ أن يقال : إنه يعودُ إليه بإسلامِه الثاني ، على تقديرِ حبوطِهِ .
واللهُ أعلمُ .
وقد وردت نصوصٌ أخرُ ، تدلُّ على أن الكافرَ إذا أسلمَ وحسُنَ إسلامُه ؛ فإنه
تبدلُ سيئاتُه - في حال كفرِه - حسناتٍ .
وهذا أبلغُ مما قبلَه ، وهو يدلُّ على أن التائبَ من ذنبٍ تبدَّلُ سيئاتُه قبلَ التوبة

١٤٧
٣١ - باب : حسن إسلام المرء
كتاب الإيمان
بالتوبة حسناتٍ ، كما دلَّت عليهِ الآيةُ في سورة الفرقانِ ، وفي ذلك كلامٌ يطولُ
ذکرُه هاهنا .
ولا يُستبعدُ إثابةُ المسلمِ في الآخرةِ بما عمِل قبل إسلامِهِ من الحسناتِ ، فإنه
لا بدَّ أن يثابَ عليها في الدنيا ، وفي إثابتِه عليها في الآخرةِ بتحقيقِ العذاب نزاعٌ
مشهور .
فإذا لم يكن بدَّ من إثابته عليها ، فلا يُستنكَر أن يثابَ عليها بعدَ إسلامِه في
الآخرةِ ؛ لأن المانعَ من إثابتِه عليها في الآخرةِ هوُ الكفرُ ، وقد زالَ .
وقد يُستدَلَ لهذا - أيضاً - بقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ - في قصةٍ أُسارى بدر - :
﴿يَا أَيُّهَ النِّيُّ قُل لِّمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأَسَّرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ
خَيْرًا مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] .
وقد كان العباسُ بنُ عبدِ المطلبِ ، وهوَ من جملةِ هؤلاءِ الأسارَى ، يقولُ :
أما أنا فقد آتاني اللهُ خيرًا ممَّا أُخِذَ منِّي، ووعدني المغفرةَ(١).
فهذه الآيةُ تدلُّ على أن الكافرَ إذا أصيبَ بمصيبةٍ في حالِ كفرِه ، ثم أسلم ؛
فإنه يثابُ على مصيبته ، فَلأَنْ يثابَ على ما سلفَ منه من أعماله الصالحةِ أولَى ؛
فإن المصائبَ يثابُ على الصبرِ عليها والرضا بها .
وأما نفسُ المصيبة ، فقد قيلَ : إنه يثابُ عليها ، وقيلَ : إنه لا يثابُ
عليها ، وإنما يكفَّر عنه ذنوبُه، وهذا هو المنقولُ عن كثيرٍ من الصحابَةِ .
والمعنى الثاني - مما يفسَّرِ به إحسانُ الإسلامِ - : أن تقعَ طاعاتُ المسلمِ
على أكملٍ وجوهِها وأتمِّها ، بحيثُ يستحضرُ العاملُ في حالِ عملِه قربَ اللهِ
منه ، واطلاعَه عليه ، فيعملُ له على المراقبةِ والمشاهدةِ لربُّه بقلبِه .
(١) أخرجه الطبري في ((تفسيره)» (١٦٣٢٦).

١٤٨
حديث : ٤١ - ٤٢
کتاب الإیمان
وهذا هو الذي فسَّرِ النبيِّ وَِّ به الإحسانَ في حديثِ سؤالِ جبريلَ عليه
السلامُ .
وقد دلَّ حديثُ أبي سعيدٍ وحديثُ أبي هريرةَ المذكورانِ على أن مضاعفةً
الحسناتِ للمسلمِ بحسبِ حسنِ إسلامِهِ .
وخرجَ ابنُ أبي حاتمٍ ، من روايةٍ عطيةَ العوفيِّ ، عن ابنِ عمرَ ، قال :
نزلت: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرَ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] في الأعرابِ . فقال
له رجل: يا أبا عبد الرحمنِ ، فما للمهاجرينَ؟ قال: ما هو أكثرُ، ثم تلا قولَه :
﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنَّهُ أَجْرًاً عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠](١).
ويشهدُ لهذا المعنى: ما ذكرَهَ اللهُ عزَّ وجلَّ في حقِّ أزواجٍ نبيِّهِ وَّةِ، فقال:
يَا نِسَاءَ النَِّيَّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيّنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠] - إلى قوله - :
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا تُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا
كَرِيمًا (٣١) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتَنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتِنَّ﴾ [الأحزاب: ٣١ - ٣٢].
فدلَّ على أنَّ منَ عِظُمَتْ منزلتُه ودرجتُه عندَ اللهِ ، فإن عملَه يضاعفُ له
أجرُه .
وقد تأولَ بعضُ السلفِ من بني هاشمٍ دخولَ آلِ النبيِّ وَّر في هذا المعنى ؛
الدخولِ أزواجِهِ ، فكذلك مَن حَسُن إسلامُهُ بتحقيقِ إِيمانِهِ وعملِه الصالِحِ ،
فإنه يضاعفُ له أجرُ عملِه بحسبٍ حسنٍ إسلامِهِ ، وتحقيقِ إيمانِه وتقواه . واللهُ
أعلمُ .
ويشهدُ لذلك : أن اللهَ ضاعفَ لهذه الأمة ؛ لكونها خيرَ أمة أخرجتْ للناسِ
أجرَها مرتينٍ ، قال اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهُ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ
يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨].
(١) ورد عن جماعة من السلف مثل هذا المعنى، وراجع ((تفسير الطبرى)) (١٢ / ٢٧٧ - ٢٧٩).

١٤٩
٣١ - باب : حسن إسلام المرء
کتاب الإيمان
وفي الحديثِ الصحيحِ(١): ((إنَّ أهلَ التوراة عملُوا إلى نصف النهارِ على
قيراط قيراط ، وعملَ أهلُ الإنجيلِ إلى العصرِ على قيراط قيراط ، وعمِلْتُم أنتم من
العصر إلى غروب الشمس على قيراطینٍ ، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا : ما
لنا أكثرُ عملاً وأقلُّ أجرًا؟ فقال اللهُ: هل ظلمتُكُمْ من أجورِكُمْ شيئًا؟ قالُوا: لا.
قالَ : فذلكَ فضْلِي أوتيه مَن أشاءُ )) .
وأما من أحسنَ عملَه وأتقنَه وعمِلَه على الحضورِ والمراقبةِ ، فلا ريبَ أنه
يتضاعفُ بذلكَ أجرُهُ وثوابُه في هذا العملِ بخصوصِهِ على مَن عمِل ذلك العملَ
بعينه على وجهِ السهوِ والغفلة .
ولهذا؛ رُوي في حديثِ عمارِ المرفوع (٢): ((إن الرجلَ ينصرفُ من صلاته،
وما كُتِبَ له إلا نصفُها، إلا ثلثُها، إلا ربعها)) - حتى بلغَ العشرَ .
فليس ثوابُ من كتبَ له عُشْرُ عملِه كثوابٍ من كُتب له نصفُه ، ولا ثوابُ من
كُتُبَ له نصفُ عملِه كثوابِ مَن كتبَ له عملُهُ كلُّه . واللهُ أعلمُ .
(١) أخرجه البخاري (٥٥٧) وأحمد (١١١/٢ - ١٢١ - ١٢٤) وغيرهما من طرق عن ابن عمر .
وأخرجه البخاري (٥٥٨) - أيضًا - من حديث أبي موسى الأشعري .
(٢) أخرجه أحمد (٣١٩/٤، ٣٢٠) وأبو داود (٧٩٦) بمعناه .

١٥٠
حديث : ٤٣
کتاب الإيمان
فَصْلٌ
خرَّج البخاريُّ ومسلمٌ :
٤٣ - من حديث: عَائشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ،وَهِ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، فَقَالَ:
((مَنْ هَذه؟)) فَقَالَتْ: فُلاَنَةٌ، تَذْكُرُ مِنْ صَلاَتِهَا. فَقَالَ: (( مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا
تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ، لاَ يَمَلُّاللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا)). وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ
صَاحِبٌ.
وقد وردَ في روايةٍ أخرى مخرجةٍ في غيرِ هذا الموضعِ : أن هذه المرأةَ
اسمُها: ((الحولاء بنت تويت))، وأن عائشة قالت عنها : زعمُوا أنها لا تنامُ
الليلَ .
وقولُ النبيِّ نَّهِ: ((مَهْ)) زجرٌ لعائشةَ عن قولِها عن هذه المرأةِ في كثرةِ
صلاتِها ، وأنها لا تنامُ الليلَ ، وأمرٌ لها بالكفِّ عما قالته في حقُّها .
فيحتملُ أن ذلك كراهيةً للمدحِ في وجهِها ، حيث كانتِ المرأةُ حاضرةً
ويحتملُ - وهو الأظهرُ ، وعليه يدلُّ سياقُ الحديثِ - : أن النّهَي إنَّما لمدحِها
بعملٍ ليسَ بممدوحٍ في الشرعِ .
وعلى هذا ؛ فكثيرًا ما يُذكرُ في مناقبِ العبادِ من الاجتهادِ المخالفِ للشرعِ ،
يُنهى عن ذكِره على وجه التمدحِ بِهِ ، والثناءِ به على فاعله .
وقد سبقَ شرحُ هذا المعنَى في قوله {وَ له: («الدينُ يسرٌ))؛ فإنَّ المرادَ بهذا
الحديث : الاقتصادُ في العملِ ، والأخذُ منه بما يتمكنُ صاحبُه من المداومة
عليه ، وأنَّ أحبَّ العملِ إلى اللهِ ما دامَ صاحبُه عليه ، وإن قلَّ .
وقد رُوي ذلك في حديث آخرَ .

١٥١
٣٢ - باب : أحبُّ الدين إلى اللَّه أدومه
كتاب الإيمان
وكذلك كانَ حالُ النبيِّ ◌َّرِ كان عملُهُ دِيمَةٌ (١)، وكانَ إذا عمِلَ عملاً أثبتَه .
وقد كان ينهَى عن قطعِ العملِ وترِكه ؛ كما قالَ لعبدِ اللهِ بنِ عَمرِو :
( لا تكنْ مثلَ فلانٍ، كان يقومُ الليلَ ، فتركَ قيامَ الليلِ ))(٣) .
وقولُهُ : ((إنَّ الله لا يملُّ حَتَّى تملُّوا)).
وفي رواية: ((لا يسأمُ حتَّى تسأمُوا )) (٣).
المللُ والسآمةُ للعمل يوجبُ قطعَه وتركَه ، فإذا سأَم العبدُ من العملِ ومَلَّه
قطعَه وتركَه ، فقطعَ اللهُ عنه ثوابَ ذلكَ العملِ ، فإنَّ العبدَ إنَّما يجازَى بعمله ،
فمن تركَ عملَه انقطعَ عنه ثوابُه وأجُره ، إذا كان قطعَه لغيرِ عذرٍ من مرضٍ
أو سفرٍ أو هرمٍ .
كما قالَ الحسنُ : إن دورَ الجنة تبنيها الملائكةُ بالذكرِ ، فإذا فترَ العبدُ انقطعَ
الملكُ عن البناءِ ، فتقولُ له الملائكةُ: ما شأنُكَ يا فلانُ ؟ فيقولُ : إنَّ صاحبي
فترَ . قال الحسنُ : أمدُّوهم - رحمكمُ اللهُ - بالنفقةِ .
وأيضاً ؛ فإنَّ دوامَ العملِ وإيصالَه ربما حصلَ للعبدِ به في عملِهِ الماضي ما لا
يحصلُ له فيه عند قطعِه ؛ فإنَّ اللهَ يحبُّ مواصلةَ العملِ ومداومتَه ، ويجزِي على
دوامه ما لا يجزِي على المنقطع منه .
وقد صحَّ هذا المعنَى في الدعاءِ ، وأن العبدَ يُستَجابُ له ما لم يعجلْ ،
فيقولُ: قد دعوتُ فلم يُسْتَجَبْ لي(٤) ، فيدَعُ الدعاءَ .
(١) أخرجه البخاري (١٩٨٧) (٦٤٦٦) ومسلم (١٨٩/٢) وغيرهما من حديث علقمة قال :
« سألت ، هل كان يخص شيئًا من الأيام ؟ قالت : لا ، كان عمله ديمة وأيكم يستطيع ما
كان رسول الله { ﴿﴿ يستطيع)).
واللفظ لمسلم. وللبخاري: ((وأيكم يطيق ما كان رسول الله وَ ل﴿ يطيق)).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٧٠) والبخاري (١١٥٢) ومسلم (١٦٤/٣).
(٣) أخرجها مسلم في «صحيحه)) (١٨٩/٢ - ١٩٠).
(٤) أخرجه البخاري (٦٣٤٠) ومسلم (٧/ ٨٧) وغيرهما من حديث أبي عبيد مولى ابن أزهر ، =

١٥٢
حديث : ٤٣
کتاب الإيمان
فدلَّ هذا على أن العبدَ إذا أدام الدعاءَ وألحَّ فيه أُجيبَ ، وإن قطعَه واستحسَر
مُنْعَ إجابته .
وسَمَّى هذا المنعَ من اللهِ مللاً وسآمةً ، مقابلةً للعبدِ على مللِه وسآمتِه ،
كما قالَ تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، فسمَّي إهمالَهم وتركَهُم نسيانًا،
مقابلةً لنسيانِهم له ، هذا أظهرُ ما قيلَ في هذا .
ويشهد لَه: أنه قد رُوي من حديث عائشةَ، عن النبيِّ وَِّ، أنه قال:
(( اكلفُوا من العملِ ما تُطيقونَ ؛ فإنَّ اللهَ لا يملُّ منَ الثوابِ حتى تملُّوا مِنَ
العملِ)).
خرجه بقيُ بنُ مخلدٍ (١).
وفي إسنادِهِ : موسَى بنُ عُبيدةَ .
وقد قيلَ: إن ((حتَّى )) هاهنا بمعنَى واوِ العطفِ ، ولكن لا يصحُّ دعوَى
كون ((حتَّى)) عاطفةً؛ لأنها إنما تعطفُ المفرداتِ لا الجملَ ، هذا هو المعروفُ
عندَ النحويينَ ، وخالف فيه بعضُهم .
وقيل: إن ((حتَّى)) فيه بمعنى (( حينَ ))، وهذا غيرُ معروفٍ .
وزعمَ ابنُ قتيبةَ: أن المعنَى: ((لا يملُّ إذا مللتُمْ))، وزعم أن هذا الاستعمالَ
معروفٌ في كلامِ العربِ .
وقد يقال: إن ((حتّى)) بمعنى لامِ التعليلِ، وإن المرادَ : إن اللهَ لا يملُّ
لكي تملُّوا أنتم من العملِ .
= عن أبي هريرة مرفوعًا: ((يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي)).
(١) أخرجه ابن المبارك في ((الزهد)) (ص ٣٩٣ - ٣٩٤) من حديث عائشة بمعناه .
والشطر الأول من الحديث أصله في (الصحيحين)) من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ:
(( إياكم والوصال ..... فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون )) .

١٥٣
٣٢ - باب : أحبُّ الدين إلى اللَّه أدومه
کتاب الإيمان
وفيه بعدٌ - أيضًا .
ولو كانَ كذلك لقالَ: ((حتى لا تملُّوا)) ، ويكونُ التعليلُ حينئذٍ لإعلامِهم
بأن اللهَ لا يملُّ من العطاءِ ، فيكونُ إخبارُهم بذلك مقتضيًا لمدُومِتِهم على العملِ
وعدمِ مللهم وسآمتهم .
:
وقد يقالُ : إنما يدُّل هذا الكلامُ على نسبةِ المللِ والسآمةِ إلى اللهِ ، بطريقٍ
مفهومِ الغايةِ .
ومن يقولُ : إنه لا مفهومَ لها ، فإنَّه يمنعُ مِن دلالةِ الكلامِ على ذلك
بالكليةِ .
ومن يقولُ بالمفهومِ ، فإنه يقولُ : متى دلَّ الدليلُ على انتفائه ، لم يكن
مرادًا من الكلامِ ، وقد دلت الأدلةُ على انتفاء النقائصِ والعيوبِ عن اللهِ تعالى
ومن جملةِ ذلك لحوقُ السآمةِ والمللِ له .
ولكن ؛ بعضُ أصحابِنا ذكرَ أن دلالةَ مفهومِ الغايةِ كالمنطوقِ ، بمعنَى أنه
لا يجوزُ أن يكونَ ما بعدَ الغايةِ موافقًا لما قبلَها ، بمفهوم الموافقة أو غيرِه .
فعلى قولِه ، يتعينُ في هذا الحديثِ أحدُ الأجوبةِ المتقدمَةِ . واللهُ سبحانه
وتعالى أعلمُ .
:

١٥٤
٣٣ - باب زيادة الإيمان ونقصانه
كتاب الإيمان
فَصْلٌ
:
قال البخاري
:
٣٣ - بَابُ
زيادة الإيمان ونُقْصانه
٠٠
وَقُول اللَّه تَعَالَى: ﴿وزِدناهم هدى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿وَيزِدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا
٠٠٠
٠٠
و
إيمانا
﴾ [المدثر: ٣١] .
وَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتَ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْكَمَال
فَهُوَ نَاقِصٌ.
استدلَّ البخاريُّ على زيادةِ الإيمانِ ونقصانِهِ بقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَزِدْنَاهُمْ
هَدَى﴾ [الكهف: ١٣]، وفي زيادة الهدَى إيمانٌ آخرُ، كقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ
اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدَّى﴾ [مريم: ٧٦].
ويُفَسَّرِ هذا الهدَى بما فِيَ القلوبِ منَ الإيمانِ بالله وملائكته وكتبه ورسله
واليومِ الآخِرِ ، وتفاصيلٍ ذلك .
ويفسّر بزيادةٍ ما يترتبُ على ذلكَ منَ الأعمالِ الصالحةِ : إما القائمةُ
بالقلوبِ ، كالخشيةِ للهِ ومحبتِه ورجائِه والرضا بقضائِه والتوكلِ عليه ، ونحوِ
ذلك . أو المفعولِة بالجوارحِ كالصلاة والصيامِ والصدقةِ والحجُّ والجهادِ والذكرِ
والأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ ونحوِ ذلك .
وكلُّ ذلك داخلٌ في مسمَّى الإيمانِ عند السلفِ وأهلِ الحديثِ ومَن
وافقَهم ، كما سبقَ ذِكرُه .
واستدلَّ - أيضًا - بقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١].
وفي معنى هذه الآية: قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾

١٥٥
٣٣ - باب زيادة الإيمان ونقصانه
كتاب الإيمان
[الأنفال: ٢] وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانَا﴾ [التوبة: ١٢٤].
ويفسَّرِ الإيمانُ في هذهِ الآياتِ بمثلٍ ما فسِّر به الهدَى في الآياتِ المتقدمة.
واستدلَّ - أيضًا - بقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
[المائدة: ٣]، فدلَّ على أن الدينَ ذو أجزاءٍ ، يكملُ بكمالِها ، وينقصُ بفواتٍ
بعضها .
وهذه الآيةُ نزلتْ في آخرِ حياةِ النبيِّ وَِّ في حجة الوداعِ، وقد قيلَ : إنه
لم ينزلْ بعدَها حلالٌ ولا حرامٌ ، كما قالَه السديُّ وغيرُه .
وكذا قال عليّ بن أبي طلحةَ عنِ ابنِ عباسٍ ، قال : بعثَ اللهُ نبيّه بشهادة أن
لا إله إلا اللهُ، فلما صدَّق بها المؤمنونَ زادَهم الصلاةَ ، فلما صدَّقَوا بها زادَهمُ
الصيامَ ، فلما صدَّقَوا به زادهمُ الزكاةَ ، فلما صدَّقَوا بها زادَهم الحجَّ ، فلمَّا
صدَّقَوا به زادهم الجهادَ، ثم أكملَ اللهُ لهمْ دِينَهم ، فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣].
ومعلومٌ؛ أن النبيَّ وَّهِ وأصحابَه لم يحجُّوا حجةَ الفرضِ إلا ذلك العامَ ،
فلما حجُوا حجةَ الإسلامِ كملَ لهمُ الدينُ بتكميلِهِم أركانَ الإسلامِ حينئذٍ ، ولم
يكنِ الدينُ قبلَ ذلك ناقصًا ، كنقصٍ مَن تركَ شيئًا من واجباتِ دينِهِ ، بل كانَ
الدينُ في كلِّ زمانٍ كاملاً بالنسبةِ إلى ذلكَ الزمانِ بما فيه من الشرائعِ والأحكامِ ،
وإنما هو ناقصٌ بالنسبةِ إلى زمانِ الذي بعدَه الذي تجدّد فيه من الشرائعِ والأحكامِ
ما لم يكن قبلَ ذلك .
كما يقالُ : إن شريعةَ الإِسلامِ أكملُ من شريعةِ موسَى وعيسَى ، وإنَّ القرآنَ
أكملُ من التوارةِ والإنجيلِ .
وهذا كما سمَّى النبيِّ وَ﴿ النساءَ ناقصاتِ دينٍ، وفَسَّر نقصانَ دينهِنَّ بتركِ

١٥٦
حديث : ٤٤
کتاب الإيمان
الصلاةِ والصيامِ في زمنٍ حيضِهِنَّ ، مع أنها قائمةُ في تلك الحالِ بما وجبَ
عليها من غيرِ الصلاةِ ، ولكنَّ نقصانَ دينِها بالنسبةِ إلى مَن هي طاهرةٌ تصلِّي
وتصومُ .
ءُ
وهذا مبنيٌّ على أن الدينَ هو الإسلامُ بكماله ، كما تقدمَ ذكرُهُ ، والبخاريّ
عنده أن الإسلامَ والإيمانَ واحدٌ ، كما تقدمَ ذکرُه .
وقد احتجَّ سفيانُ بنُ عيينةَ وأبو عبيدٍ وغيرُهم بهذه الآيةِ على تفاضلٍ
الإيمان .
قال أبو عبيد : قد أخبرَ اللهُ أنه أكملَ الدينَ في حجة الوداعِ في آخِرِ
الإسلامِ ، وزعم هؤلاءِ أنه كان كاملاً قبل ذلك بعشرينَ سنةً في أولِ ما نزلَ
الوحيّ .
قال : وقد اضطرَّ بعضُهم حين أدخلتُ عليه هذه الحجةَ إلى أن قالَ :
الإيمانُ ليسَ هو مجموعَ الدينِ ، ولكنَّ الدينَ ثلاثةُ أجزاءٍ ، فالإيمانُ جزءٌ ،
والفرائضُ جزءٌ ، والنوافلُ جزءٌ.
قالَ أبو عبيد : وهذا غيرُ ما نطقَ به الكتابُ ؛ فإن اللهَ أخبرَ أن الإسلامَ هو
الدينُ برمَّتَه ، وزعمَ هؤلاءِ أنه ثلثُ الدينِ . انتهى .
فالمرجئةُ ، عندهم : الإيمانُ التصديقُ ، ولا يدخلُ فيه الأعمالُ ، وأما
الدينُ فأكثرُهم أدخَل الأعمالَ في مسمَّه ، وبعضُهم خالفَ في ذلكَ - أيضًا -،
والآيةُ نصٌّ في ردِّ ذلك . واللهُ أعلمُ .
ثم خرَّج البخاريُّ في هذا البابِ حديثينِ :
٤٤ - حديث: هِشَامِ الدّسْتَوائِيُّ: ثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَِّيِّ ◌ِ﴿، قَالَ:
( يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّاللَّهُ [ وَفِي قَلِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ
أحدُهما :

١٥٧
٣٣ - باب زيادة الإيمان ونقصانه
کتاب الإيمان
مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ] (١) وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرِ ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ
مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَفِي قَلِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ)) .
خرجه ، عن مسلمٍ بنِ إبراهيمَ ، عن هشامٍ ، به .
ثم قالَ :
وَقَالَ أَبَانُ: ثَنَا قَتَادَةُ: ثَنَا أَسٌّ، عَنِ النَّبَِِّ﴿َ: ((مِنْ إِيمَانٍ))، مَكَانَ: (([ مِنْ](٢)
خَيْرِ)) .
ففي هذه الروايةِ التي ذكرَها تعليقًا : التصريحُ بتفاوتِ الإيمانِ الذي في
القلوبِ .
وأيضًا ؛ فيها : التصريحُ بسماعٍ قتادةَ له من أنسٍ ، فزالَ ما كان يتوهَّم من
تدليسِ قتادةَ .
وقد خرج البخاريّ (٣) هذه اللفظةَ في حديث أنسٍ في أواخرِ (( كتابِهِ ))
مسندةٌ ، من روايةِ معبدِ بنِ هلالِ العنزيٌّ ، عن أنسٍ .
وخرج(٤) حديثَ أبي سعيد الخدريِّ، عنِ النبيِّ وَّ في هذا المعنى فيما
تقدمَ من (( كتابِهِ )) باختلاف لفظِ الخيرِ والإيمانِ ، كاختلافٍ حديثِ أنسٍ .
والحديثُ ؛ نصٌّ في تفاوتِ الإيمانِ الذي في القلوبِ ، وقد سبقَ القولُ في
تفاوتِ المعرفةِ وتفاضلِها فيما تقدم .
الحديثُ الثاني الذي خرَّجه في هذا البابِ :
٤٥ - حديثَ: طارِقِ بْنِ شِهَبٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلاً مِنَ
(١) سقط من الأصل، واستدركته من ((اليونينية)).
(٢) سقط من الأصل، أثبته من ((اليونينية)).
(٣) (٧٥١٠) .
(٤) (٢٢) .

١٥٨
حديث : ٤٥
کتاب الإيمان
الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، آيَّةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا ، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُود
نَزَلَتْ لِأَنَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا قَالَ : أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينَا﴾ [المائدة: ٣]. فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ
عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فيهِ عَلَى النَّبِيِّ ◌َ، نَزَّلَتْ عَلَى النَّبِيِّ
وَهُوَ وَقِفٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ .
وقد خرجه ابنُ جرير الطبريُّ في ((تفسيرِه )) (١) من وجه آخرَ عن عمرَ ، وزاد
فيه : أنه قالَ : وكلاهما بحمدِ اللهِ لنا عيدٌ .
وخرجَ الترمذيّ (٢)، عن ابنِ عباسٍ ، أنه قرأ هذه الآيةَ، وعندَه يهوديٌّ ،
فقال: لو أُنزِلتْ هذه الآيةُ علينَا لاتخذنَا يومَها عيدًا . فقال ابنُ عباسٍ : فإنها
نزلتْ في يوم عيدينِ : في يومٍ جمُعةٍ ، ويومٍ عرفةَ .
فهذا قد يُؤْخَذ منه أن الأعيادَ لا تكونُ بالرأي والاختراع كما يفعلُهُ أهلُ
الكتابيْنِ من قبلنا ، وإنما تكونُ بالشرعِ والاتباعِ .
فهذه الآيةُ لما تضمنت إكمال الدين وإتمام النعمة ، أنزلَها اللهُ في يومٍ شرعَه
عيدًا لهذه الأمةِ من وجهينِ :
أحدهما : أنه يوم عيد الأسبوع ، وهو يومُ الجمُعةِ .
والثاني : أنه يومُ عيدِ أهلِ الموسمِ ، وهوَ يومُ مجمَعِهم الأكبرِ وموقفهم
الأعظم .
وقد قيلَ : إنه يوم أُلحجِّ الأكبرِ .
وقد جاء تسميتُهُ عيدًاً في حديث مرفوعٍ خرَّجه أهلُ ((السنن))، من حديث
(١) (١١١٠٠).
(٢) (٣٠٤٤) .

١٥٩
٣٣ - باب زيادة الإيمان ونقصانه
كتاب الإيمان
عقبة بن عامرٍ، عن النبيِّ ◌َّهِ، قال: ((يومُ عُرفةَ، ويومُ النحرِ، وأيامُ التشريقِ،
عيدنا أهلَ الإِسلام ، وهي أيامُ أُكلٍ وشربٍ))(١) .
وقد أُشكلَ وجهُهُ على كثيرٍ من العلماءِ ؛ لأنه يدلُّ على أن يوم عرفة يوم عيد
لا يصامُ ، كما رُوي ذلك عن بعضِ المتقدمينَ .
وحملَه بعضُهم على أهلِ الموقف .
وهو الأصحّ ؛ لأنه اليومُ الذي فيه أعظمُ مجامِعِهم ومواقفِهم ، بخلاف أهلٍ
الأمصارِ فإنَّ يومَ اجتماعهم يوم النحر ، وأما أيام التشريقِ فيشاركُ أهلُ الأمصار
أهلَ الموسمِ فيها ؛ لأنها أيام ضحاياهم وأكلهم من نسكِهم ، هذا قولُ جمهور
العلماءِ .
وقال عطاءٌ : إنما هي أعيادٌ لأهلِ الموسمِ ، فلا يُنْهى أهل الأمصار عن
صيامِها .
وقولُ الجمهورِ أُصحُ .
ولكنَّ الأيامَ التي تحدثُ فيه حوادثُ من نعم الله على عباده ، لَوْ صامَها
بعضُ الناسِ شكرًا ، من غيرِ اتخاذها عيداً، كان حسنًا ؛ استدلالاً بصيام النبي
وَالْجِ عاشوراءَ، لما أخبره اليهودُ بصيامٍ موسى له شكرًا(٢)، وبقول النبيِّ وَلّ لما
سئل عن صيام يوم الاثنين، قال: ((ذلكَ يومٌ وُلدتُ فيه، وأُنزلَ عليَّ فيه))(٣).
(١) أخرجه أحمد (١٥٢/٤) وأبو داود (٢٤١٩) والترمذي (٧٧٣) والنسائي (٢٥٢/٥).
(٢) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٣٥٩/٢) من حديث أبي هريرة.
(٣) جزء من حديث أبي قتادة الطويل، أخرجه مسلم (١٦٧/٣ - ١٦٨) وأحمد (٢٩٦/٥ -
٢٩٧ - ٢٩٩ - ٣٠٣) وأبو داود (٢٤٢٥) والترمذي (٧٤٩) (٧٥٢) (٧٦٧) والنسائي
(٢٠٧/٤ - ٢٠٨) وابن ماجه (١٧١٣) (١٧٣٠) (١٧٣٨) جميعهم من حديث عبد الله
ابن معبد الزِّمَّاني ، عن أبي قتادة ، مرفوعًا به وعبد الله بن معبد لم يسمع من أبي قتادة ،
قاله البخاري في «تاريخه)) (١٩٨/١/٣).

١٦٠
حديث : ٤٥
کتاب الإيمان
فأما الأعيادُ التي يجتمع عليها الناس ، فلا يُتجاوزُ بها ما شرعَهَ اللهُ لرسوله ،
وشرعَه الرسولُ لأمتِه .
والأعيادُ هي مواسم الفرح والسرورِ ، وإنما شرعَ اللهُ لهذهِ الأمةِ الفرحَ
والسرورَ بتمامِ نعمتِه وكمالِ رحمتِهِ ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَ حْمَتِهِ
فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]، فشرعَ لهم عيدينِ في سنةٍ ، وعيدًا في كلِّ
أسبوعٍ .
فأما عيدا السنةِ :
فأحدُهما : تمامُ صيامِهِمُ الذي افترضَه عليهم كلَّ عامٍ ، فإذا أتمُّوا صيامَهم
أعتقهم من النارِ ، فشرعَ لهم عيدًا بعدَ إكمالِ صيامِهم ، وجعله يوم الجوائز ،
يرجعونَ فيه من خروجهم إلى صلاتهم وصدقتهم بالمغفرةِ ، وتكون صدقةُ الفطرِ
وصلاةُ العيدِ شكراً لذلكَ .
والعيد الثاني : أكبرُ العيدينِ ، عندَ تمامِ حجُّهم ، بإدراكِ حجُّهم بالوقوفِ
بعرفةَ ، وهو يومُ العتقِ منَ النَّار ، ولا يحصل العتقُ من النارِ والمغفرةُ للذنوبِ
والأوزارِ في يومٍ من أيامِ السنةِ أكثرَ منه، فجعلَ اللهُ عقبَ ذلك عيدًاً .
بل هو العيدُ الأكبرُ ، فيكملُ أهلُ الموسمِ فيه مناسكَهم ، ويقضُون(١) فيه
تفشَهم ، ويوفونَ نذورَهم ، ويطوفونَ بالبيتِ العتيقِ .
ويشاركُهم أهلُ الأمصار في هذا العيدِ ؛ فإنهم يشاركونَهم في يومٍ عرفَةً في
العتقِ والمغفرةِ ، وإن لم يشاركوهم في الوقوف بعرفةً ؛ لأن الحجَّ فريضةُ العمرِ
لا فريضةَ كلِّ عامٍ ، بخلافِ الصيامِ .
ويكون شكرُ عيدِ أهلِ الأمصارِ : الصلاة والنحر ، والنحرُ أفضلُ منَ الصدقة
التي في يومٍ الفطرِ؛ ولهذا أمرَ اللهُ نبيَّهِ وَّ ر أن يشكرَ نعمتَه عليه بإعطائه الكوثَر
(١) في الأصل ((ويقضو).