النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن
کتاب الإیمان
والصبُّ : جمعُ صُبُوب ، على أن أصلَه : صُببٌ ، كرسول ورسُل ، ثم
خفّفَ كَرُسْل .
وذلك أن الأسودَ إذا أرادَ أن ينهشَ ارتفعَ ، ثم انصبَّ على الملدوغِ.
ويروى : ((صَِّّى )) على وزنِ: حُبْلَى.
وفي ((الصحيحينِ)) (١) عن حذيفةَ، أن النبيَّ رَّ ذكرَ له الفتنَ ، فقال له :
فما تأمرني يا رسولَ اللهِ إنْ أدركني ذلكَ؟ قال: « تلزَّمُ جماعةَ المسلمينَ
وإمامَهم)). قال: فإن لم يكن جماعةٌ ولا إمامٌ ؟ قال: (( فاعتزلْ تلك الفرقَ
كلَّها ، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة حتى يدركَكَ الموتُ وأنتَ على ذلك)).
وقد اعتزل جماعة من الصحابةِ في الفتنِ في البوادي .
وقال الإمامُ أحمدُ : إذا كانت الفتنةُ ، فلا بأسَ أن يعتزلَ الرجلُ حيث شاءَ ،
فأما إذا لم تكن فتنةٌ ، فالأمصارُ خيرٌ .
فأما سُكْنَى البوادي على وجهِ العبادةِ وطلبِ السياحةِ والعزلةِ ، فمنهيَّ عنه .
كما في الترمذيِّ و ((صحيحِ الحاكمِ )) (٢) ، عن أبي هريرة ، قال : مر رجلٌ
من أصحابِ رسولِ اللهِ وَّل بشعبٍ فيه عيينةٌ من ماء عذبٍ ، فأعجَبَه طيبُه
وحسنُهُ ، فقال : لو اعتزلتُ الناسَ ، وأقمتُ في هذا الشعبِ ، ولا أفعلُ حتى
أستأمرَ رسولَ اللهِ وَّه، فاستأمرَه، فقال: ((لا تفعلْ؛ فإنّ مقامَ أحدكم في
سبيلِ اللهِ أفضلُ من صلاته في أهلِه ستينَ عامًا )) .
وخرجَ الإمامُ أحمدُ (٣) - نحوَهَ من حديث أبي أمامةَ، عن النبيِّ وَّ ، وفيه:
أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((لم أُبعثْ باليهودية ولا بالنصرانية ، ولكنِّي بعثتُ بالحنيفية
(١) البخاري (٧٠٨٤) ومسلم (٦/ ٢٠).
(٢) الترمذي (١٦٥٠) والحاكم (٦٨/٢).
(٣) (٢٦٦/٥) .

١٠٢
حديث : ١٩
کتاب الإيمان
السمحة )) - وذكر باقيه بمعناه .
وخرج أبو داودَ (١) من حديث أبي أمامةَ ، أن رجلاً قال : يا رسولَ الله ،
ائذنْ لِي بالسياحةِ؟ فقال النبي وََّ: ((إن سياحةَ أمتي الجهادُ في سبيلِ اللهِ)).
وفي ((المسند))(٢) عن أبي سعيد، عنِ النبيِّ وَّر، قال: ((عليكَ بالجهاد؛
فإنه رهبانيةُ الإسلامِ )) .
وفي مراسيلٍ طاوسٍ، عن النبيِّ وَّر، قال: (( لا رهبانيةَ في الإسلامِ،
ولا سياحةَ))(٣).
وفي المعنى مراسيلُ أخرُ متعددةٌ .
قال الإمامُ أحمُد : ليستِ السياحةُ من الإسلامِ في شيءٍ ، ولا من فعلٍ
النبيينَ ولا الصالحينَ .
والسياحةُ على هذا الوجه قد فعلَها طوائفُ ممن ينسبُ إلى عبادة واجتهاد
بغير علمٍ ، ومنهم من رجعَ لما عرفَ ذلك .
وقد كان في زمنِ ابنِ مسعودٍ جماعةٌ من المتعبدينَ ، خرجوا إلى ظاهرٍ
الكوفة ، وبنَوْا مسجدًا يتعبدونَ فيه، منهم : عَمرو بنُ عتبةَ ومفضَّلُ العجليُّ ،
فخرج إليهم ابنُ مسعودٍ ، وردَّهم إلى الكوفة ، وهدَم مسجدَهم ، وقال : إمَّا أن
تكونُوا أهدَى من أصحابِ محمدٍ ، أو تكونُوا متمسكينَ بذَنَبِ الضلالةِ .
وإسنادُ هذَا صحيحٌ عن الشعْبِيِّ ، أنه حكى ذلك .
. وقد رأى عبدُ اللهِ بنُ غالبِ الحُدَّانِيُّ رجلاً في فلاة ، يأتيه رزقُه ، لا يدري
(١) (٢٤٨٦) .
(٢) (٨٢/٣).
(٣) أبو داود في ((مراسيله)) (ص: ١٧٩ / رقم: ٢٠٠) بمعناه من حديث الحسن بن مسلم ،
عن طاوس مرفوعًا: ((لازمام في الإسلام، ولا تبتل في الإسلام)).

١٠٣
١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن
کتاب الإيمان
من أين يأتيه ، فقال له : إن هذه الأمةَ لم تؤمرْ بهذا ، إنما أُمرتْ بالجمعة
والجماعة وعيادة المرضَى وتشييعِ الجنائز ، فقبلَ منه ، وانتقلَ من سَاعته إلى
قريةٍ فيها هذا كلُّه .
خرَّج حكايتَه ابنُ أبي الدنيا .
ورُوي نحوُ هذه الحكايةِ - أيضًا - عن أبي غالبِ صاحبِ أبي أمامةَ
الباهليِّ .
خرَّجها حميدُ بنُ زنجویهِ .
وكذلك سُكْنَى البوادي لتنميةِ المواشِي والأموالِ كما جَرَى لثعلبة في مالِهِ(١)
فمَذْمُومٌ - أيضًا .
وفي ((سننِ ابنِ ماجه)) (٢) عن أبي هريرةَ - مرفوعًا -: ((ألا هلْ عَسَى
أحدُكم أن يتخذَ الصّبّة من الغنمٍ ، على رأسِ ميلٍ أو ميلين ، فيتعذرُ عليه الكلأ
فيرتفعُ ، ثم تجيءُ الجمعةُ فلا يشهدُها ، وتجيءُ الجمعةُ فلا يشهدها ، حتى يُطَبَع
على قلبه )) .
وخرجه الخلالُ من حديث جابرٍ - بمعناه - أيضًا .
وخرج حميدُ بنُ زنجويهِ ، من رواية ابنٍ لهيعةَ : ثنا عُمر مولى غَفْرَةَ ، أنه
سمعَ ثعلبةَ بنَ أبي مالكِ الأنصاريَّ يقول: قال حارثةُ بنُ النعمانِ: قال رسولُ الله
وَلَهُ: ((يخرج الرجلُ في حاشية القرية، في غُنَيْمة، يشهدُ الصلوات ، ويتوبُ إلى
أهله ، حتى إذا أكلَ ما حولَه، وتعذَّرتْ عليه الأرضُ ، قال : لو ارتفعت إلى ردعة
هي أَعْفى كلا من هذه ؟ فيرتفعُ حتى لا يشهدَ من الصلوات إلا الجمعةَ ، حتى إذا
(١) قصة ثعلبة لا تصح، بل هي قصة باطلة ، ولهذا موضع آخر .
(٢) (١١٢٧) .
٠

١٠٤
حديث : ١٩
کتاب الإيمان
أكلَ ما حولَه وتعَذْرَتْ عليه الأرضُ ، قال : لو ارتفعتُ إلى ردعة هي أَعْفى كلأ من
هذه، فيرتفعُ حتى لا يشهدَ جمعةً ، ولا يدري : متى الجمعة ؛ حتى يطبعَ اللهُ على
قلبه )) .
وخرجه الإمامُ أحمدُ (١) - بمعناه .
وفي ((سنن أبي داودَ)) والترمذيِّ وغيرِهما(٢)، عن أبي هريرةَ ، عن النبيِّ
وَ الدِ، قال: «من سكنَ الباديةَ جفا)).
وقال ابنُ مسعودٍ - في الذي يعود أعرابيًا بعد هجرتِه - : إنه ملعونٌ على
لسان محمد ﴾ .
وفي ((الصحيحين))(٣) ، أن سلمةَ بنَ الأكوعِ قال : أَذِنَ لي رسولُ الله
في البدو .
وفي رواية للبخاريِّ : أن سلمةَ لما قُتلَ عثمانُ خرجَ إلى الرَّبذةِ ، فلم يزلْ
بها ، حتَّى قبلَ أن يموتَ بليالٍ تركَ المدينةَ .
وفي ((المسندِ )) (٤) أن سلمةَ قدمَ المدينةَ ، فقيلَ له : ارتددتَ عن هجرتك
يا سلمةُ؟ فقال: معاذَ اللهِ، إني في إذْنِ من رسولِ اللهِ نَّ؛ إني سمعتُ
رسولَ اللهِ وَله يقول: ((ابدُوا يا أسلمُ، فتنسَّموا الرياحَ واسكنُوا الشعابَ))
فقالوا: يا رسولَ اللهِ، إنا نخافُ أن يضرَّنَا ذلك في هجرتِنا. قال: (( أنتم
مهاجرونَ حیثُ مَا کنتم )) .
(١) ((المسند)) (٤٣٣/٥ -٤٣٤).
(٢) أبو داود (٢٨٥٩) والترمذي (٢٢٥٦) وأحمد (٣٥٧/١) والنسائي (١٩٥/٧) من حديث ابن
عباس .
(٣) البخاري (٧٠٨٧) ومسلم (٢٧/٦).
(٤) (٤ /٥٥) .

١٠٥
١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن
کتاب الإيمان
وفي الطبراني(١) ، عن ابنِ عمرَ ، أنه قيل له : يا أبا عبد الرحمنِ ، قد
أعشبتِ القفارُ ، فلو ابتعتَ أعنزًاً فتنزَّهتَ تصحُّ ؟ فقال : لم يؤذنْ لأحدٍ منَّا في
البداءِ غيرِ أسلمَ .
وأسلمُ : هي قبيلةَ سلمةَ بنِ الأكوعِ .
وقد ترخَّصَ كثيرٌ منَ الصحابةِ من المهاجرينَ وغيرِهم في سكنَى الباديةِ ،
كسعدِ بنِ أبي وقاصٍ (٢) وسعيدِ بنِ زيدٍ ؛ فإنهما لزما منزلَهما بالعقيقِ ، فلم يكونا
يأتيانِ المدينةَ ، في جمعةٍ ولا غيرِها ، حتى لحقا باللهِ عزَّ وجلَّ .
خرجهُ ابنُ أبي الدنيا في (( كتابِ العزلةِ )).
وكان أبو هريرةَ ينزلُ بالشجرةِ ، وهي ذو الحليفةِ .
وفي «صحيحِ البخاريِّ))(٣) عن عطاء، قال : ذهبت مع عُبيدِ بنِ عُميرٍ إلى
عائشةَ ، وهي مجاورةٌ بِشَبِيرٍ ، فقالت لنا : انقطعتِ الهجرةُ منذُ فتحَ اللهُ على نبيِّه
وَ﴿ مكةَ .
وفي رواية له(٤) : قال : فسألناها عن الهجرة ؟ فقالت : لا هجرةَ اليومَ ،
كان المؤمنونَ يفرِّ أحدُهم بدينِهِ إلى اللهِ وإلى رسوله ، مخافةَ أن يُفْتنَ عليه ، فأما
اليومَ فقد أظهرَ اللهُ الإسلامَ ، والمؤمنُ يعبد ربَّه حيثُ شاءَ ، ولكن جهادٌ ونيةٌ .
وهذا يشعر بأنها إنما كانت تبدو ؛ لاعتقادها انقطاعَ الهجرةِ بالفتحِ .
وكان أنسُ بنُ مالكِ يسكن بقصرِهِ بالزاويةِ خارجَ البصرةِ ، وكان ربما شهدَ
الجمعةَ ، وربما لم يشهدْها (٥).
(١) ((الأوسط)) (٧٥٣٣).
(٢) انظر: ((العزلة)) للخطابي (ص: ١٢) بمعناه .
(٣) (٣٠٨٠) .
(٤) (٣٩٠٠).
(٥) علقه البخاري في (( كتاب: الجمعة)) باب (١٥).

١٠٦
حديث : ١٩
كتاب الإيمان
وقد نصَّ أحمدُ على كراهةِ المقامِ بقريةٍ لا يقامَ فيها الجمعةُ ، وإن أقيمت
فيها الجماعةُ .
وقد يحملُ ذلك على من كانَ بمصرِ جامعٍ يُجمعُ فيه ، ثم تركَه وأقام بمكان
لا جمعةَ فيه .
وفى كلامه : إيماءٌ إليه - أيضًا .
وقد يحملُ كلامُه على كراهةِ التنزِيه دونَ التحريمِ .
فأما المقامُ بقريةٍ لا جمعةَ فيها ولا جماعةَ ، فمكرُوهُ .
وقد قال أبو الدرداءِ لمَعْدانَ بنِ أبي طلحةً : أين تنزلُ ؟ فقال : بقرية دونَ
حمصٍ. فقال له: إن رسولَ اللهِ وَ لّه قال: ((ما من ثلاثة في قرية ولا بدو،
لا يؤذَّنُ ولا يقامُ فيهم الصلاةُ، إلا استحوذَ عليهم الشيطانُ )) ، فعليك بالجماعةِ ،
فإن الذئبَ يأكلُ القاصيةَ .
خرجه النسائيُّ وغیرُهُ (١) .
وخرجه أحمدُ وأبو داودَ (٢) - مختصراً .
وفي روايةٍ لأحمدَ (٣): فعليكَ بالمدائن ، ويحكَ يا معدانُ .
وفي ((المسندِ))(٤) - أيضًا - عن معاذ، عن النبيِّ وَّهِ، قال: ((إن
الشيطانَ ذئبُ الإنسانِ كذئب الغنم ، يأخذُ الشاةَ القاصيةَ والناحيةَ ، فإياكمْ
والشعابَ، وعليكم بالجماعة والعامة والمساجد)).
(١) النسائي (١٠٦/٢) وابن خزيمة (١٤٨٦) والحاكم (٢٤٦/١) (٢/ ٤٨٢) وابن حبان (٢١٠١)
والبيهقي (٥٤/٣) .
(٢) أحمد (١٩٦/٥) وأبو داود (٥٤٧) .
(٣) ((المسند)) (٤٤٥/٦ - ٤٤٦) .
(٤) (٢٣٢/٥ - ٢٣٣، ٢٤٣) .

١٠٧
١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن
كتاب الإيمان
فنهى عن سُكْنَى الشعابِ ، وهي البوادي ، وأمرَ بسكنَى الأماكنِ التي فيها
عامة الناسِ ومساجدُهم وجماعتُهم .
وقد رُوي عن قتادةَ ، أنه فسَّر الشعابَ في هذا الحديثِ بشعابِ الأهواءِ
المضلِّة ، المخالفةِ لطريقِ الهَدي المستقيمِ .
خرجه أبو موسى المدينيّ ، عنه بإسنادِه .
وفي هذا بُعدٌ .
وإنما فُسِّرَ بهذا المعنَى قولُ النبيِّنَّهِ: ((مَن فارقَ الجماعةَ قيدَ شبر، فقدَ
خلعَ رِبِقةً الإسلامِ من عنقه)) (١) .
فإن الأوزاعيَّ فسَّرِه بالبدعةِ ، يخرجُ إليها الرجلُ من الجماعةِ .
فأما الخروجُ إلى الباديةِ أحيانًا للتنزَّه ونحوِهِ في أوقاتِ الربيع وما أشبهه ، فقد
وردَ فيه رخصةٌ :
ففي ((سنن أبي داودَ))(٢) ، عن المقدامِ بنِ شريحٍ ، عن أبيه ، أنه سأل
عائشةَ: هل كانَ النبيُّ وَّهِ يبدُو ؟ فقالت: نعم ، إلى هذه التلاعِ ، ولقد بدا
مرةً، فأتى بناقة محرَّمة ، فقال: (( اركبيها يا عائشةُ ، وارفقي ؛ فإنَّ الرفقَ ما كان
في شيءٍ إلا زانَه، ولا نُزعَ منه إلا شانَه)).
(١) أخرجه أحمد (٥/ ١٨٠) وأبو داود (٤٧٥٨) والبيهقي (١٥٧/٨) والحاكم (١١٧/١) وغيرهم
من حديث خالد بن وهبان ، عن أبي ذر مرفوعًا به .
وأخرجه أحمد (٤/ ١٣٠، ٢٠٢) وابن خزيمة (٩٣٠) والترمذي (٢٨٦٣) (٢٨٦٤) والحاكم
(١١٨/١) وأبو يعلى (١٥٧١) والطبراني في «الكبير)) (٢٨٦/١ -٢٨٨) وغيرهم من حديث
أبي سلام ، عن الحارث الأشعري مرفوعًا بسياق أطول وفيه: ((فمن فارق الجماعة قيد شبر ،
فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه » .
(٢) (٢٤٧٨) .

١٠٨
حديث : ١٩
کتاب الإيمان
وخرج مسلمٌ (١) آخر الحديث ، دونَ أولِه .
وورد النهيُ عنه :
ففي ((المسندِ)) (٢) عن عقبةَ بنِ عامٍ، عن النبيِّنَ ◌ّر، قال: ((هلاكُ أمتي
في اللبنِ)). قيل يا رسولَ اللهِ، ما اللبنُ؟ قال: ((تحبونَ اللبنَ ، وتدعونَ
الجماعات والجمعَ، وتبدون )) .
وفي إسنادِهِ : ابنُ لهيعةً .
وإن صحَّ ، فيحملُ على إطالةِ المقامِ بالباديةِ مدةَ أيامٍ كثرةِ اللبنِ كلها ، وهي
مدةٌ طويلةٌ ، يدَّعون فيها الجمعَ والجماعاتِ .
وعن أبي عبد اللهِ الجدليِّ، قال : فضلُ أهلِ الأمصارِ على أهلِ القرى
كفضلِ الرجالِ على النساءِ ، وفضلُ أهلِ القرى على أهلِ الكفورِ(٣) كفضلٍ
الأحياءِ على الأمواتِ ، وسكانُ الكفورِ كسكانِ القبورِ ، وإن اللبنَ والعشبَ
ليأكلانِ إيمانَ العبدِ كما تأكلُ النارُ الحطبَ .
خرجه حميدُ بنُ زنجویِهِ .
وروى بإسنادِه ، عن مكحولٍ - معنى أولِه .
ونصَّ أحمدُ - في روايةٍ مهمًّا - على كراهيةِ الخروجِ إلى الباديةِ لشربِ اللبنِ
ونحوِه تنزهًا ؛ لما به من تركِ الجماعةِ ، إلا أن يخرجَ لعلَّةٍ .
يعني: أنه إذا خرجَ تداويًا لعلَّةٍ به جازَ، كما أذنَ النبيُّ وَلِّ للعرنِين لما
(١) ((الصحيح)) كتاب البرّ والصلة (٢٢/٨) من حديث عائشة مرفوعًا بلفظ: ((إن الرفق لا يكون
في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه )) .
(٢) (١٥٥/٤).
(٣) في هامش الأصل :
(( الكفور: جمع كَفْر، وهو ما بعد من الأرض عن الناس ، ولا يمر به أحد )).

١٠٩
١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن
كتاب الإيمان
اجتوَوُ المدينةَ أن يخرجُوا إلى الباديةِ ؛ ليشربُوا من ألبانِ الإبلِ وأبوالِها (١).
قال أبو بكر الأثرمُ : النهيُ عن التبدِّي محمولٌ على سكنَى الباديةِ والإقامةِ
بها ، فأما التبدِّي ساعةً أو يومًا ونحَوه فجائزٌ . انتهى .
وقد كان السلفُ كثيرٌ منهم يخرجُ إلى الباديةِ أيام الثمارِ واللبنِ .
قال الجريريُّ: كان الناسُ يُدونَ هاهنا في الثمارِ ، ثمارِ البصرةِ .
وذكر منهم : عبد اللهِ بنَ شقيقٍ وغيرَه .
وكان علقمةُ يتبدَأَ إلى ظهرِ النجفِ .
وقال النخَعَيُّ : كانت البداوةُ إلى أرضِ السوادِ أحبَّ إليهم من البداوةِ إلى
أرضِ الباديةِ .
يعني : أن الخروجَ إلى القرى أهونُ من الخروجِ إلى البوادِي .
وكان بعضُهم يمتنعُ من ذلكَ ؛ لشهودِ الجماعةِ :
فروى أبو نعيمٍ ، بإسناده عن أبي حرملةَ ، قال : اشتكى سعيدُ بنُ المسيبِ
عينَه ، فقيل له : يا أبا محمدٍ ، لو خرجتَ إلى العقيقِ ، فنظرت إلى الخضرةِ ،
ووجدتَ ريحَ البريةِ ، لنفعَ ذلك بصرَك . فقالَ سعيدٌ ، وكيفَ أصنعُ بشهودِ
العشاء والعتمة ؟
وما ذكره الأثرمُ من التفريقِ بينَ قِصَرِ المدةِ وطولِها حسنٌ ؛ لكنه حدَّ القليلَ
باليومٍ ونحوه ، وفيه نظرٌ .
وفي ((مراسيلِ أبي داود )» (٢) من روايةٍ معمرٍ ، عن موسى بنٍ شيبةَ ، قال:
قالَ رسولُ اللهِ وَّهُ: ((من بدا أكثرَ من شهرينِ فهي أعرابيةٌ » .
(١) أخرجه البخاري (٢٣٣) وغيره من حديث أنس رضى الله عنه .
(٢) (( المراسيل)) (رقم : ٣٠٧).

١١٠
حديث : ١٩
کتاب الإيمان
وروى حميدُ بنُ زنجويهِ بإسنادِهِ ، عن خلفِ بنِ خليفةَ ، عن أبي هاشمٍ ،
قال : بلغني أن من نزلَ السوادَ أربعينَ ليلةٌ كُتُبَ عليه الجفاءُ .
وعن معاويةَ بنِ قرةَ ، قال : البداوةُ شهرانِ ، فما زاد فهو تعربٌ .

١١١
١٨ - باب من قال: إن الإيمان هو العمل
كتاب الإيمان
فَصْلٌ
قال البخاريُّ :
١٨ - بَابُ
مَنْ قَالَ : إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ
لِقَوْل اللَّه تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[الزخرف: ٧٢] .
٩٢
وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَسْأَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] : عَنْ قَوْلِ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ.
وَقَالَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:
ثم خرَّج :
٢٦ - حديثَ: أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّالنَِّّ ◌َهُ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ :
((إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)). قِيلَ: ثُمَّ ماذَا؟ قال: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ)). قِيلَ : ثُمَّ
ماذَا؟ قالَ : ((حَجِّ مَبْرُورٌ)) .
مقصودُ البخاريِّ بهذا الباب : أنَّ الإيمانَ كلَّه عملٌ ، مناقضةً لقول من قالَ :
إنَّ الإيمانَ ليسَ فيه عملٌ بالكليَّةِ ؛ فإنَّ الإيمانَ أصلُه تصديقٌ بالقلبِ .
وقد سبق ما قرَّرَه البخاريُّ : أنَّ تصديقَ القلبِ كسبٌ له ، وعملٌ ، ويتبعُ
هذا التصديقَ قولُ اللسانِ .
مقصودُ البخاريِّ هاهنا : أن يسمَّى عملاً - أيضًا .
وأما أعمالُ الجوارحِ ، فلا ريبَ في دخولِها في اسم العملِ ، ولا حاجةَ إلى
تقريرِ ذلكَ ؛ فإنه لا يخالفُ فيه أحدٌ ، فصار الإيمانُ كلُّه على ما قرَرَه عملاً .

١١٢
حديث : ٢٦
کتاب الإيمان
والمقصودُ بهذا البابِ : تقريرُ أن قولَ اللسانِ عملُه .
واستدلَّ لذلك بقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ
٥٠ ١٫
تعملون﴾ [الزخرف: ٧٢]، وقوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١].
ومعلومٌ ؛ أن الجنةَ إنما يُستحقُّ دخولُها بالتصديقِ بالقلبِ ، مع شهادةِ
اللسانِ، وبهما يخرجُ من يخرجُ من أهلِ النارِ ، فيدخلُ الجنةً ، كما سبقَ ذكرُه .
وفي ((المسند)» (١) عن معاذِ بنِ جبلٍ - مرفوعًا -: ((مفتاحُ الجنة لا إله
إلا اللهُ)».
وحكى البخاريُّ ، عن عدة من أهلِ العلمِ ، أنهم قالوا - في قولِه تعالى :
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] - : عن
قولِ : لا إلهَ إلا اللهُ .
ففسروا العملَ بقولِ كلمةِ التوحيدِ .
وممْن رُوي عنه هذا التفسيرُ : ابنُ عمرَ ومجاهدٌ (٢).
ورواه ليثُ بنُ أبي سليمٍ ، عن بشيرِ بنِ نهيكٍ ، عن أنسٍ - موقوفًا .
ورُوي عنه - مرفوعًا - أيضًا .
خرجه الترمذيُّ (٣)، وغرَّبِه .
وقال الدارقطنيُّ : ليثٌ غيرُ قويٍّ ، ورفعُهُ غيرُ صحيحٍ .
وقد خالفَ في ذلك طوائفُ منَ العلماءِ ، من أصحابِنا وغيرِهم ، كأبي
عبدِ اللهِ ابنِ بطةَ، وحملُوا العملَ في هذه الآياتِ على أعمالِ الجوارحِ ،
(١) أحمد (٢٤٢/٥) من حديث شهر بن حوشب ، عن معاذ به ، وشهر ضعيف.
(٢) انظر: ((تفسير القرآن العظيم)) لابن كثير (٤٦٨/٤).
(٣) ((الجامع)) (٣١٢٦)، وقد وقع في إسناده (( بشر، عن أنس)).

١١٣
١٨ - باب من قال : إن الإيمان هو العمل
کتاب الإيمان
واستدلُّوا بذلكَ على دخولِ الأعمالِ في الإيمانِ .
وأما حديثُ أبي هريرةَ ، فهو يدلُّ على أنَّ الإيمانَ بالله ورسوله عملٌ ؛ لأنه
جعلَه أفضلَ الأعمالِ .
والإيمانُ بالله ورسوله ، الظاهرُ : أنه إنما يُرادُ به الشهادتانِ (١) مع التصديقِ
بهما .
ولهذا وردَ في حديثِ: ((بُنِي الإسلامُ على خمسٍ)): ((شهادةُ أن لا إلهَ
إلا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ))(٢).
وفي رواية : ذكرَ الإيمانَ بالله ورسولهِ(٣) بدلَ الشهادتينِ .
فدل على أن المراد بهما واحدٌ ؛ ولهذا عطفَ في حديث أبي هريرةَ على هذا
الإيمانِ الجهادَ ، ثمَّ الحجَّ ، وهما مما يدخلُ في اسم الإيمانِ المطلقِ .
لكنَّ الإيمانَ باللهِ أخصُّ من الإيمانِ المطلقِ ، فالظاهرُ : أنه إنما يرادُ بهما
الشهادتان مع التصديقِ بهما .
فإذا سمَّى الشهادتينِ عملاً ، دلّ على أن قولَ اللسانِ عملٌ .
وقد كانَ طائفةٌ من المرجئة يقولون : الإيمانُ قولٌ وعملٌ ، موافقةً لأهلِ
الحديثِ ، ثم يفسرون العملَ بالقولِ ، ويقولونَ : هو عملُ اللسان .
وقد ذكر الإمامُ أحمدُ هذا القولَ عن شبابةَ بنِ سوارٍ ، وأنكرَه عليه ، وقال :
هو أخبثُ قولِ ، ما سمعتُ أنَّ أحدًا قال به ، ولا بلغني .
يعني : أنه بدعةٌ ، لم يقلْه أحدٌ ممن سلفَ .
(١) كذا ، وله وجه .
(٢) أخرجه البخاري (٨) ومسلم (٣٤/١ - ٣٥) من حديث عكرمة بن خالد ، عن ابن عمر ،
وخرَّجه مسلم من طريقين آخرين عن ابن عمر ، وله طرق أخرى عنه .
(٣) هذه الرواية خرجه البخاري تعليقًا (٤٥١٤) من كتاب التفسير.

١١٤
حديث : ٢٦
کتاب الإیمان
لعل مرادَه : إنكارُ تفسيرٍ قولِ أهلِ السنةِ : الإيمانُ قولٌ وعملٌ بهذا
التفسيرِ ؛ فإنه بدعةٌ وفيه عيٌّ وتكريرٌ ، إذ العملُ على هذا هو القولُ بعينه ،
ولا يكونُ مرادُه إنكارَ أن القولَ يسمَّى عملاً .
ولكن ؛ رُويَ عنه ما يدلُّ على إنكارِ دخولِ الأقوالِ في اسمِ الأعمالِ ، فإنَّه
قال - في رواية أبي طالبٍ - في رجلٍ طلَّقَ امرأتَه ، واحدةً ، ونوى ثلاثًا : قال
بعضهم : له نيتُه، ويحتجُّ بقولِه: ((الأعمال بالنيات)).
قال أحمد : ما يشبه هذا بالعملِ ، إنما هذا لفظُ كلامِ المرجئةِ ، يقولون :
القولُ هو عملٌ ، لا يُحْكَم عليه بالنيةِ ، ولا هو منَ العملِ .
وهذا ظاهرٌ في إنكارِ تسميةِ القولِ عملاً بكل حالٍ ، وأنه لا يدخل تحت
قوله : ((الأعمالُ بالنيات )» .
وكذلك ذكرَ أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرَ في (( كتابِ السنةِ )).
وهذا على إطلاقِه لا يصحُّ ، فإن كناياتِ الطلاقِ كلَّها أقوالٌ ، ويعتبر لها
النيةُ، وكذلك ألفاظُ الأَيْمانِ والنذورِ أقوالٌ ، ويعتبرُ لها النيةُ ، وألفاظُ عقود
البيعِ والنكاحِ وغيرِهما أقوالٌ ، وتؤثرُ فيها النيةُ عند أحمدَ ، كما تؤثرُ النيةُ [ في ]
بطلان نكاحِ التحليلِ ، وعقودِ التَّحليل على الربا .
وقد نصَّ أحمدُ على أن مَن أعتقَ أمتَه ، وجعلَ عتقها صداقَها ، أنه يعتبرُ له
النيةُ ، فإنْ أرادَ نكاحَها بذلك وعتقَها انعقدا بهذا القولِ .
وكذلك ألفاظُ الكفرِ المحتملةِ ، تصيرُ بالنيةِ كفراً .
وهذا كلُّهُ يدلُّ على أن الأقوالَ تدخلُ في الأعمالِ ، ويعتبرُ لها النيةُ .
ومسألةُ الطلاقِ المذكورةُ ، فيها عن أحمدَ روايتانِ - أيضًا .
وقد خرجَ أبو عبيد القاسمُ بنُ سلامٍ في (( كتاب الطلاق)) له بدخول القول

١١٥
١٨ - باب من قال : إن الإيمان هو العمل
کتاب الإیمان
في العمل، وأن الأقوالَ تدخلُ في قولِهِ وَّهِ: ((الأعمال بالنيات)).
وأبو عبيد، محلُّه من معرفةٍ لغةِ العربِ المحلُّ الذي لا يجهلُه عالمٌ (١).
وقد اختلفَ الناسُ : لو حلفَ : لا يعملُ عملاً ، أوْ لا يفعلُ فعلاً ، فقال
قولاً : هل يحنثُ ، أم لا ؟
وكذا؛ لو حلفَ : ليفعلنَّ، أو ليعملنَّ ، هل يبرُّ بالقولِ ، أم لا ؟
وقد حكى القاضي أبو يعلَى في ذلك اختلافًا بين الفقهاءِ ، وذكر هو في
((كتاب الأَيْمان )) له ، أنه لا يبرُّ ولا يحنثُ بذلك .
وأخذَه من روايةِ أبي طالبٍ عن أحمدَ ، التي سبقَ ذكرُها .
واستدلَّ له بأنَّ الأَيْمانَ يُرجَع فيها إلى العرفِ ، والقولُ لا يسمَّى عملاً في
العرف ، ولهذا يعطفُ القولُ على العملِ كثيرًا ، فيدلُّ على تغايرِهما عرفًا
واستعمالاً .
ومن الناسِ من قالَ : القولُ يدخل في مسمَّى الفعلِ ، ولا يدخل في مسمّى
13
العملِ ، وهو الذى ذكرَهَ ابنُ الخشابِ النحويُّ وغيرُهُ .
وقد ورد تسميةُ القولِ فعلاً في القرآنِ، في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا
لِكُلِّ فَبِيَ عَدُوَّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىْ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوَّلِ غُرُورًا
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢].
(١) وانظر: ((إحكام الأحكام)) لابن دقيق العيد (١ / ٥٠) شرح الحديث الأول، حديث
(( الأعمال بالنيات )) .

١١٦
١٩ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة
کتاب الإيمان
فَصْلٌ
قَال البخاريُّ :
١٩ - بَابٌ
إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلاَمُ (١) عَلَى الْحَقِيقَةِ
وَكَانَ عَلَى الاسْتِسْلاَمِ أَوِ الخَوْفِ مِنَ الَقَلِ
لِقَوْله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا}
[الحجرات: ١٤] .
فَإِذَا كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَهُوَ عَلَى قَوْله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾
١٠
[آل عمران: ١٩]، وَقَوْله: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينَا فَلَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].
معنى هذا الكلامِ : أن الإسلامَ يُطلقُ باعتبارينِ .
أحدُهما : باعتبارِ الإسلامِ الحقيقيِّ، وهو دينُ الإسلامِ الذي قال اللهُ فيه :
﴿إِنَّ الدّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسلام﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال: ﴿ومن يبتغٍ غَيْرَ الإِسْلامِ
ب٠۵
دينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].
والثاني : باعتبارِ الاستسلامِ ظاهرًا ، مع عدم إسلامِ الباطنِ إذا وقَع خوفًا ،
كإسلامِ المنافقينَ .
واستدل بقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنِ قُولُوا أَسْلَمْنَا
وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾
[الحجرات: ١٤] .
وحمله على الاستسلام خوفًا وتقيةً .
وهذا مرويٌّ عن طائفةٍ من السلفِ ، منهم : مجاهدٌ وابنُ زيدٍ ومقاتلُ بنُ
حيانَ وغيرُهم .
(١) في الأصل: (( الاستسلام ) خطأ .

١١٧
١٩ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة
كتاب الإيمان
وكذلك رجَّحه محمدُ بنُ نصرِ المروزيُّ، كما رجَّحه البخاريُّ ؛ لأنهما
لا يفرقانِ بينَ الإسلامِ والإيمانِ ، فإذا انتفى أحدُهما انتفَى الآخرُ .
وهو اختيارُ ابنِ عبدِ البرِّ ، وحكاه عن أكثرِ أهلِ السنةِ من أصحابِ مالكٍ
والشافعيِّ وداودَ .
وأما من يفرقُ بينَ الإسلامِ والإيمانِ ، فإنه يستدلُّ بهذه الآيةِ على الفرقِ
بينهما ، ويقول: نفيُ الإيمانِ عنهم لا يلزمُ منه نفيَ الإسلامِ، كما نَفَى الإيمانَ
عن الزاني والسارقِ والشاربِ ، وإن كان الإسلامُ عنهم غيرَ منفيٌّ .
وقد وردَ هذا المعنى في الآيةِ (١) عن ابنِ عباسٍ وقتادَة والنخَعيِّ .
ورُوي عن ابنِ زيدٍ - معناه - أيضًا .
وهو قولُ الزهريِّ وحمادِ بنِ زيدٍ وأحمدَ .
ورجَّحه ابنُ جريرٍ وغيرُهُ .
واستدلُّوا به على التفريقِ بينَ الإسلامِ والإيمانِ .
وكذا قال قتادةُ في هذه الآيةِ، قال: ﴿قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾: شهادةَ أن لا إلهَ
إلا اللهُ، وهو دينُ الله، والإسلامُ درجةٌ ، والإيمانُ تحقيقٌ في القلبِ ،
والهجرةُ في الإيمانِ درجةٌ ، والجهادُ في الهجرةِ درجةٌ ، والقتلُ في سبيلِ اللهِ
درجةٌ .
خرَّجْه ابنُ أبي حاتمٍ .
فجعلَ قتادةُ الإسلامَ الكلمةَ ، وهى أصلُ الدينِ ، والإيمانَ ما قامَ بالقلوبِ
من تحقيقِ التصديقِ بالغيبِ ، فهؤلاءِ القومُ لم يحقّقُوا الإيمانَ في قلوبِهم ، وإنما
دخلَ في قلوبِهِم تصديقٌ ضعيفٌ ، بحيثُ صحَّ به إسلامُهم .
(١) لعل الصواب: ((في تفسير الآية)).

١١٨
١٩ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة
كتاب الإيمان
ويدلُّ عليه : قولُه تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ
شيئا﴾ [الحجرات: ١٤] .
واختلفَ مَنْ فَرَّق بين الإسلامِ والإيمانِ ، في حقيقة الفرقِ بينهما :
فقالت طائفةٌ : الإسلامُ كلمةُ الشهادتينِ ، والإيمانُ العملُ .
وهذا مرويِّ عن الزهريِّ وابنِ أبي ذئبٍ ، وهوَ روايةٌ عن أحمدَ ، وهي
المذهبُ عند القاضي أبي يعلَى وغيرِه من أصحابِهِ .
ويشبه هذا : قولَ ابنِ زيدٍ في تفسير هذه الآية ، قال : لم يصدِّقُوا إيمانَهم
بأعمالهم، فردَّ اللهُ عليهم، وقال: ﴿لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]،
فقال : الإسلامُ إقرارٌ والإيمانُ تصديقٌ .
وهو قولُ أبي خيثمةَ وغيرِهِ من أهلِ الحديثِ .
وقد ضعَّفَ ابنُ حامدٍ من أصحابِنا هذا القولَ عن أحمدَ ، وقال : الصحيحُ
أن مذهَبَه أن الإسلامَ قولٌ وعملٌ ، روايةً واحدةً ، ولكن لا تدخلُ كلُّ الأعمال
في الإسلامِ كما تدخلُ في الإيمانِ .
وذكر : أنَّ المنصوصَ عن أحمدَ ، أنه لا يَكْفرُ تاركُ الصلاة ، فالصلاةُ من
خصالِ الإيمانِ دونَ الإسلامِ ، وكذلك اجتنابُ الكبائرِ من شرائطِ الإيمانِ دونَ
الإسلامِ .
كذا قالَ ، وأكثرُ أصحابنا : أن ظاهرَ مذهبِ أحمدَ تكفيرُ تارك الصلاة ، فلو
لم تكن الصلاةُ من الإسلامِ ، لم يكنْ تارِكُها عندَه كافراً .
والنصوصُ الدالةُ على أن الأعمالَ داخلةٌ في الإسلامِ كثيرة جدًا .
وقد ذهَب طائفةٌ إلى أن الإسلامَ عامٌّ ، والإيمانَ خاصٌّ ، فمنِ ارتكبَ
الكبائرَ خرجَ من دائرةِ الإيمانِ الخاصةِ إلى دائرةِ الإسلامِ العامَّةِ .

١١٩
١٩ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة
کتاب الإیمان
هذا مرويُّ عن أبي جعفرَ محمدِ بنِ علىَّ .
وضعفه ابنُ نصرِ المروزيَّ ، من جهة راويه عنه ، وهو فضيلُ بنُ يسار ،
ہے
وطعنَ فيه .
ورُوي عن حمادِ بنِ زيدٍ نحوُ هذا - أيضًا .
وحُكي روايةً عن أحمدَ - أيضًا - ؛ فإنه قال - في رواية الشالنجيِّ - في
مرتكبِ الكبائرِ : يخرجُ من الإيمانِ ، ويقعُ في الإسلامِ .
ونقل حنبلٌ ، عن أحمدَ - معناه .
وقد تأولَ هذه الروايةَ القاضي أبو يعلَى ، وأقرَّها غيرُهُ ، وهي اختيارُ
أبي عبدِ اللهِ ابن بطةَ وابنِ حامدٍ ، وغيرِهما من الأصحابِ .
وقالت طائفةٌ : الفرقُ بينَ الإسلامِ والإيمانِ : أن الإيمانَ هو التصديقُ ،
تصديقُ القلبِ ، فهو علمُ القلبِ وعملُه ، والإسلامُ الخضوعُ والاستسلامُ
والانقيادُ ، فهو عملُ القلبِ والجوارحِ .
وهذا قولُ كثيرٍ من العلماءِ ، وقد حكاه أبو الفضلِ التميميّ عن أصحابِ
أحمدَ ، وهو قولُ طوائفَ منَ المتكلمينَ .
لكن المتكلمونَ عندهم أن الأعمالَ لا تدخلُ في الإيمانِ ، وتدخلُ في
الإسلامِ ، وأما أصحابُنا وغيرُهم من أهلِ الحديثِ ، فعندهم أن الأعمالَ تدخلُ
في الإيمانِ ، مع اختلافِهم في دخولِها في الإسلامِ ، كما سبق.
فلهذا قالَ كثيرٌ من العلماءِ : إن الإسلامَ والإيمانَ تختلفُ دلالتُهما بالإفراد
والاقترانِ ، فإن أُفردَ أحدُهما دخلَ الآخرُ فيه ، وإن قُرْنَ بينهما كانا شيئينِ حينئذٍ .
وبهذا يجمعُ بينَ حديثِ سؤالِ جبريلَ عن الإسلامِ والإيمانِ ، ففرَّق النبيُّ
حَلّ بينهما، وبينَ حديثِ وفدِ عبدِ القيسِ حيث فسَّر فيه النبيِّ وَِّ الإيمانَ المنفردَ

١٢٠
حديث : ٢٧
کتاب الإيمان
بما فسَّر به الإيمانَ المقرونَ في حديث جبريلَ .
وقد حكى هذا القولَ أبو بكرِ الإسماعيليَّ عن كثيرٍ من أهلِ السنةِ والجماعةِ.
ورُوي عن أبي بكرِ بنِ أبي شيبةَ ما يدلُّ عليه .
وهو أقربُ الأقوالِ في هذه المسألةِ وأشبهُها بالنصوصِ . واللهُ أعلمُ .
والقولُ بالفرقِ بين الإسلامِ والإيمانِ مرويٌّ عن الحسنِ وابنِ سيرينَ
وشريكٍ وعبدِ الرحمنِ بنِ مهديِّ ويحيى بنِ معينٍ ، ومؤمَّلِ بنِ إهابٍ ، وحُكي
عن مالك - أيضًا .
وقد سبق حكايتُهُ عن قتادةَ ، وداودَ بنِ أبي هندٍ ، والزهريِّ ، وابنِ أبي
ذئبٍ، وحمادِ بنِ زيدٍ ، وأحمدَ ، وأبي خيثمةَ .
وكذلك حكاه أبو بكرِ ابنُ السمعانيِّ عن أهلِ السنةِ والجماعة جملةً .
فحكايةُ ابنِ نصرٍ وابنِ عبدِ البرِّ عن الأكثرينَ التسويةَ بينهما غيرُ جيِّد .
بل قد قيلَ : إن السلفَ لم يُروَ عنهم غيرُ التفريقِ . واللهُ أعلمُ .
وخرج البخاريُ في هذا البابِ :
٢٧ - حديثَ: الزَّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْد، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ أَعْطَى
رَهْطَا، وَسَعْدٌ جَالِسٌ ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِِّ رَجُلاً، هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، مَالَكَ (١) عَنْ فُلاَن، فَوَاللّه، إنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا؟ فَقَالَ: ((أَوْ مُسْلِمًا))،
فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَيْنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالَكَ(٢) عَنْ فُلاَن ؟
فَوَللَّهِ إِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا؟ قالَ: ((أَوْ مُسْلِمًا)، فَسَكَتُ قَليلاً، ثُمَّ غَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ ،
فَعُدْتُ لِمِقَالَتِي، وَعَ رَسُولُ اللّهَِّ، ثُمَّ قالَ: ((ياَ سَعْدُ ، إِنِّي لِأُعْطِي الرَّجُلَ،
(١) كلمة ((مالك)) ألحقها في الهامش، لكنه وضع علامة اللحق بعد ((فقلت))، وهذا خلاف
ما في (( اليونينية))، فاعتمدته . وسيأتي نظيره في الحديث .
(٢) في ((اليونينية)): ((ما أعلم منه، فعدت لمقالتي، فقلت: مالك)).