النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ ١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن کتاب الإیمان والصبُّ : جمعُ صُبُوب ، على أن أصلَه : صُببٌ ، كرسول ورسُل ، ثم خفّفَ كَرُسْل . وذلك أن الأسودَ إذا أرادَ أن ينهشَ ارتفعَ ، ثم انصبَّ على الملدوغِ. ويروى : ((صَِّّى )) على وزنِ: حُبْلَى. وفي ((الصحيحينِ)) (١) عن حذيفةَ، أن النبيَّ رَّ ذكرَ له الفتنَ ، فقال له : فما تأمرني يا رسولَ اللهِ إنْ أدركني ذلكَ؟ قال: « تلزَّمُ جماعةَ المسلمينَ وإمامَهم)). قال: فإن لم يكن جماعةٌ ولا إمامٌ ؟ قال: (( فاعتزلْ تلك الفرقَ كلَّها ، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة حتى يدركَكَ الموتُ وأنتَ على ذلك)). وقد اعتزل جماعة من الصحابةِ في الفتنِ في البوادي . وقال الإمامُ أحمدُ : إذا كانت الفتنةُ ، فلا بأسَ أن يعتزلَ الرجلُ حيث شاءَ ، فأما إذا لم تكن فتنةٌ ، فالأمصارُ خيرٌ . فأما سُكْنَى البوادي على وجهِ العبادةِ وطلبِ السياحةِ والعزلةِ ، فمنهيَّ عنه . كما في الترمذيِّ و ((صحيحِ الحاكمِ )) (٢) ، عن أبي هريرة ، قال : مر رجلٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ وَّل بشعبٍ فيه عيينةٌ من ماء عذبٍ ، فأعجَبَه طيبُه وحسنُهُ ، فقال : لو اعتزلتُ الناسَ ، وأقمتُ في هذا الشعبِ ، ولا أفعلُ حتى أستأمرَ رسولَ اللهِ وَّه، فاستأمرَه، فقال: ((لا تفعلْ؛ فإنّ مقامَ أحدكم في سبيلِ اللهِ أفضلُ من صلاته في أهلِه ستينَ عامًا )) . وخرجَ الإمامُ أحمدُ (٣) - نحوَهَ من حديث أبي أمامةَ، عن النبيِّ وَّ ، وفيه: أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((لم أُبعثْ باليهودية ولا بالنصرانية ، ولكنِّي بعثتُ بالحنيفية (١) البخاري (٧٠٨٤) ومسلم (٦/ ٢٠). (٢) الترمذي (١٦٥٠) والحاكم (٦٨/٢). (٣) (٢٦٦/٥) . ١٠٢ حديث : ١٩ کتاب الإيمان السمحة )) - وذكر باقيه بمعناه . وخرج أبو داودَ (١) من حديث أبي أمامةَ ، أن رجلاً قال : يا رسولَ الله ، ائذنْ لِي بالسياحةِ؟ فقال النبي وََّ: ((إن سياحةَ أمتي الجهادُ في سبيلِ اللهِ)). وفي ((المسند))(٢) عن أبي سعيد، عنِ النبيِّ وَّر، قال: ((عليكَ بالجهاد؛ فإنه رهبانيةُ الإسلامِ )) . وفي مراسيلٍ طاوسٍ، عن النبيِّ وَّر، قال: (( لا رهبانيةَ في الإسلامِ، ولا سياحةَ))(٣). وفي المعنى مراسيلُ أخرُ متعددةٌ . قال الإمامُ أحمُد : ليستِ السياحةُ من الإسلامِ في شيءٍ ، ولا من فعلٍ النبيينَ ولا الصالحينَ . والسياحةُ على هذا الوجه قد فعلَها طوائفُ ممن ينسبُ إلى عبادة واجتهاد بغير علمٍ ، ومنهم من رجعَ لما عرفَ ذلك . وقد كان في زمنِ ابنِ مسعودٍ جماعةٌ من المتعبدينَ ، خرجوا إلى ظاهرٍ الكوفة ، وبنَوْا مسجدًا يتعبدونَ فيه، منهم : عَمرو بنُ عتبةَ ومفضَّلُ العجليُّ ، فخرج إليهم ابنُ مسعودٍ ، وردَّهم إلى الكوفة ، وهدَم مسجدَهم ، وقال : إمَّا أن تكونُوا أهدَى من أصحابِ محمدٍ ، أو تكونُوا متمسكينَ بذَنَبِ الضلالةِ . وإسنادُ هذَا صحيحٌ عن الشعْبِيِّ ، أنه حكى ذلك . . وقد رأى عبدُ اللهِ بنُ غالبِ الحُدَّانِيُّ رجلاً في فلاة ، يأتيه رزقُه ، لا يدري (١) (٢٤٨٦) . (٢) (٨٢/٣). (٣) أبو داود في ((مراسيله)) (ص: ١٧٩ / رقم: ٢٠٠) بمعناه من حديث الحسن بن مسلم ، عن طاوس مرفوعًا: ((لازمام في الإسلام، ولا تبتل في الإسلام)). ١٠٣ ١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن کتاب الإيمان من أين يأتيه ، فقال له : إن هذه الأمةَ لم تؤمرْ بهذا ، إنما أُمرتْ بالجمعة والجماعة وعيادة المرضَى وتشييعِ الجنائز ، فقبلَ منه ، وانتقلَ من سَاعته إلى قريةٍ فيها هذا كلُّه . خرَّج حكايتَه ابنُ أبي الدنيا . ورُوي نحوُ هذه الحكايةِ - أيضًا - عن أبي غالبِ صاحبِ أبي أمامةَ الباهليِّ . خرَّجها حميدُ بنُ زنجویهِ . وكذلك سُكْنَى البوادي لتنميةِ المواشِي والأموالِ كما جَرَى لثعلبة في مالِهِ(١) فمَذْمُومٌ - أيضًا . وفي ((سننِ ابنِ ماجه)) (٢) عن أبي هريرةَ - مرفوعًا -: ((ألا هلْ عَسَى أحدُكم أن يتخذَ الصّبّة من الغنمٍ ، على رأسِ ميلٍ أو ميلين ، فيتعذرُ عليه الكلأ فيرتفعُ ، ثم تجيءُ الجمعةُ فلا يشهدُها ، وتجيءُ الجمعةُ فلا يشهدها ، حتى يُطَبَع على قلبه )) . وخرجه الخلالُ من حديث جابرٍ - بمعناه - أيضًا . وخرج حميدُ بنُ زنجويهِ ، من رواية ابنٍ لهيعةَ : ثنا عُمر مولى غَفْرَةَ ، أنه سمعَ ثعلبةَ بنَ أبي مالكِ الأنصاريَّ يقول: قال حارثةُ بنُ النعمانِ: قال رسولُ الله وَلَهُ: ((يخرج الرجلُ في حاشية القرية، في غُنَيْمة، يشهدُ الصلوات ، ويتوبُ إلى أهله ، حتى إذا أكلَ ما حولَه، وتعذَّرتْ عليه الأرضُ ، قال : لو ارتفعت إلى ردعة هي أَعْفى كلا من هذه ؟ فيرتفعُ حتى لا يشهدَ من الصلوات إلا الجمعةَ ، حتى إذا (١) قصة ثعلبة لا تصح، بل هي قصة باطلة ، ولهذا موضع آخر . (٢) (١١٢٧) . ٠ ١٠٤ حديث : ١٩ کتاب الإيمان أكلَ ما حولَه وتعَذْرَتْ عليه الأرضُ ، قال : لو ارتفعتُ إلى ردعة هي أَعْفى كلأ من هذه، فيرتفعُ حتى لا يشهدَ جمعةً ، ولا يدري : متى الجمعة ؛ حتى يطبعَ اللهُ على قلبه )) . وخرجه الإمامُ أحمدُ (١) - بمعناه . وفي ((سنن أبي داودَ)) والترمذيِّ وغيرِهما(٢)، عن أبي هريرةَ ، عن النبيِّ وَ الدِ، قال: «من سكنَ الباديةَ جفا)). وقال ابنُ مسعودٍ - في الذي يعود أعرابيًا بعد هجرتِه - : إنه ملعونٌ على لسان محمد ﴾ . وفي ((الصحيحين))(٣) ، أن سلمةَ بنَ الأكوعِ قال : أَذِنَ لي رسولُ الله في البدو . وفي رواية للبخاريِّ : أن سلمةَ لما قُتلَ عثمانُ خرجَ إلى الرَّبذةِ ، فلم يزلْ بها ، حتَّى قبلَ أن يموتَ بليالٍ تركَ المدينةَ . وفي ((المسندِ )) (٤) أن سلمةَ قدمَ المدينةَ ، فقيلَ له : ارتددتَ عن هجرتك يا سلمةُ؟ فقال: معاذَ اللهِ، إني في إذْنِ من رسولِ اللهِ نَّ؛ إني سمعتُ رسولَ اللهِ وَله يقول: ((ابدُوا يا أسلمُ، فتنسَّموا الرياحَ واسكنُوا الشعابَ)) فقالوا: يا رسولَ اللهِ، إنا نخافُ أن يضرَّنَا ذلك في هجرتِنا. قال: (( أنتم مهاجرونَ حیثُ مَا کنتم )) . (١) ((المسند)) (٤٣٣/٥ -٤٣٤). (٢) أبو داود (٢٨٥٩) والترمذي (٢٢٥٦) وأحمد (٣٥٧/١) والنسائي (١٩٥/٧) من حديث ابن عباس . (٣) البخاري (٧٠٨٧) ومسلم (٢٧/٦). (٤) (٤ /٥٥) . ١٠٥ ١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن کتاب الإيمان وفي الطبراني(١) ، عن ابنِ عمرَ ، أنه قيل له : يا أبا عبد الرحمنِ ، قد أعشبتِ القفارُ ، فلو ابتعتَ أعنزًاً فتنزَّهتَ تصحُّ ؟ فقال : لم يؤذنْ لأحدٍ منَّا في البداءِ غيرِ أسلمَ . وأسلمُ : هي قبيلةَ سلمةَ بنِ الأكوعِ . وقد ترخَّصَ كثيرٌ منَ الصحابةِ من المهاجرينَ وغيرِهم في سكنَى الباديةِ ، كسعدِ بنِ أبي وقاصٍ (٢) وسعيدِ بنِ زيدٍ ؛ فإنهما لزما منزلَهما بالعقيقِ ، فلم يكونا يأتيانِ المدينةَ ، في جمعةٍ ولا غيرِها ، حتى لحقا باللهِ عزَّ وجلَّ . خرجهُ ابنُ أبي الدنيا في (( كتابِ العزلةِ )). وكان أبو هريرةَ ينزلُ بالشجرةِ ، وهي ذو الحليفةِ . وفي «صحيحِ البخاريِّ))(٣) عن عطاء، قال : ذهبت مع عُبيدِ بنِ عُميرٍ إلى عائشةَ ، وهي مجاورةٌ بِشَبِيرٍ ، فقالت لنا : انقطعتِ الهجرةُ منذُ فتحَ اللهُ على نبيِّه وَ﴿ مكةَ . وفي رواية له(٤) : قال : فسألناها عن الهجرة ؟ فقالت : لا هجرةَ اليومَ ، كان المؤمنونَ يفرِّ أحدُهم بدينِهِ إلى اللهِ وإلى رسوله ، مخافةَ أن يُفْتنَ عليه ، فأما اليومَ فقد أظهرَ اللهُ الإسلامَ ، والمؤمنُ يعبد ربَّه حيثُ شاءَ ، ولكن جهادٌ ونيةٌ . وهذا يشعر بأنها إنما كانت تبدو ؛ لاعتقادها انقطاعَ الهجرةِ بالفتحِ . وكان أنسُ بنُ مالكِ يسكن بقصرِهِ بالزاويةِ خارجَ البصرةِ ، وكان ربما شهدَ الجمعةَ ، وربما لم يشهدْها (٥). (١) ((الأوسط)) (٧٥٣٣). (٢) انظر: ((العزلة)) للخطابي (ص: ١٢) بمعناه . (٣) (٣٠٨٠) . (٤) (٣٩٠٠). (٥) علقه البخاري في (( كتاب: الجمعة)) باب (١٥). ١٠٦ حديث : ١٩ كتاب الإيمان وقد نصَّ أحمدُ على كراهةِ المقامِ بقريةٍ لا يقامَ فيها الجمعةُ ، وإن أقيمت فيها الجماعةُ . وقد يحملُ ذلك على من كانَ بمصرِ جامعٍ يُجمعُ فيه ، ثم تركَه وأقام بمكان لا جمعةَ فيه . وفى كلامه : إيماءٌ إليه - أيضًا . وقد يحملُ كلامُه على كراهةِ التنزِيه دونَ التحريمِ . فأما المقامُ بقريةٍ لا جمعةَ فيها ولا جماعةَ ، فمكرُوهُ . وقد قال أبو الدرداءِ لمَعْدانَ بنِ أبي طلحةً : أين تنزلُ ؟ فقال : بقرية دونَ حمصٍ. فقال له: إن رسولَ اللهِ وَ لّه قال: ((ما من ثلاثة في قرية ولا بدو، لا يؤذَّنُ ولا يقامُ فيهم الصلاةُ، إلا استحوذَ عليهم الشيطانُ )) ، فعليك بالجماعةِ ، فإن الذئبَ يأكلُ القاصيةَ . خرجه النسائيُّ وغیرُهُ (١) . وخرجه أحمدُ وأبو داودَ (٢) - مختصراً . وفي روايةٍ لأحمدَ (٣): فعليكَ بالمدائن ، ويحكَ يا معدانُ . وفي ((المسندِ))(٤) - أيضًا - عن معاذ، عن النبيِّ وَّهِ، قال: ((إن الشيطانَ ذئبُ الإنسانِ كذئب الغنم ، يأخذُ الشاةَ القاصيةَ والناحيةَ ، فإياكمْ والشعابَ، وعليكم بالجماعة والعامة والمساجد)). (١) النسائي (١٠٦/٢) وابن خزيمة (١٤٨٦) والحاكم (٢٤٦/١) (٢/ ٤٨٢) وابن حبان (٢١٠١) والبيهقي (٥٤/٣) . (٢) أحمد (١٩٦/٥) وأبو داود (٥٤٧) . (٣) ((المسند)) (٤٤٥/٦ - ٤٤٦) . (٤) (٢٣٢/٥ - ٢٣٣، ٢٤٣) . ١٠٧ ١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن كتاب الإيمان فنهى عن سُكْنَى الشعابِ ، وهي البوادي ، وأمرَ بسكنَى الأماكنِ التي فيها عامة الناسِ ومساجدُهم وجماعتُهم . وقد رُوي عن قتادةَ ، أنه فسَّر الشعابَ في هذا الحديثِ بشعابِ الأهواءِ المضلِّة ، المخالفةِ لطريقِ الهَدي المستقيمِ . خرجه أبو موسى المدينيّ ، عنه بإسنادِه . وفي هذا بُعدٌ . وإنما فُسِّرَ بهذا المعنَى قولُ النبيِّنَّهِ: ((مَن فارقَ الجماعةَ قيدَ شبر، فقدَ خلعَ رِبِقةً الإسلامِ من عنقه)) (١) . فإن الأوزاعيَّ فسَّرِه بالبدعةِ ، يخرجُ إليها الرجلُ من الجماعةِ . فأما الخروجُ إلى الباديةِ أحيانًا للتنزَّه ونحوِهِ في أوقاتِ الربيع وما أشبهه ، فقد وردَ فيه رخصةٌ : ففي ((سنن أبي داودَ))(٢) ، عن المقدامِ بنِ شريحٍ ، عن أبيه ، أنه سأل عائشةَ: هل كانَ النبيُّ وَّهِ يبدُو ؟ فقالت: نعم ، إلى هذه التلاعِ ، ولقد بدا مرةً، فأتى بناقة محرَّمة ، فقال: (( اركبيها يا عائشةُ ، وارفقي ؛ فإنَّ الرفقَ ما كان في شيءٍ إلا زانَه، ولا نُزعَ منه إلا شانَه)). (١) أخرجه أحمد (٥/ ١٨٠) وأبو داود (٤٧٥٨) والبيهقي (١٥٧/٨) والحاكم (١١٧/١) وغيرهم من حديث خالد بن وهبان ، عن أبي ذر مرفوعًا به . وأخرجه أحمد (٤/ ١٣٠، ٢٠٢) وابن خزيمة (٩٣٠) والترمذي (٢٨٦٣) (٢٨٦٤) والحاكم (١١٨/١) وأبو يعلى (١٥٧١) والطبراني في «الكبير)) (٢٨٦/١ -٢٨٨) وغيرهم من حديث أبي سلام ، عن الحارث الأشعري مرفوعًا بسياق أطول وفيه: ((فمن فارق الجماعة قيد شبر ، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه » . (٢) (٢٤٧٨) . ١٠٨ حديث : ١٩ کتاب الإيمان وخرج مسلمٌ (١) آخر الحديث ، دونَ أولِه . وورد النهيُ عنه : ففي ((المسندِ)) (٢) عن عقبةَ بنِ عامٍ، عن النبيِّنَ ◌ّر، قال: ((هلاكُ أمتي في اللبنِ)). قيل يا رسولَ اللهِ، ما اللبنُ؟ قال: ((تحبونَ اللبنَ ، وتدعونَ الجماعات والجمعَ، وتبدون )) . وفي إسنادِهِ : ابنُ لهيعةً . وإن صحَّ ، فيحملُ على إطالةِ المقامِ بالباديةِ مدةَ أيامٍ كثرةِ اللبنِ كلها ، وهي مدةٌ طويلةٌ ، يدَّعون فيها الجمعَ والجماعاتِ . وعن أبي عبد اللهِ الجدليِّ، قال : فضلُ أهلِ الأمصارِ على أهلِ القرى كفضلِ الرجالِ على النساءِ ، وفضلُ أهلِ القرى على أهلِ الكفورِ(٣) كفضلٍ الأحياءِ على الأمواتِ ، وسكانُ الكفورِ كسكانِ القبورِ ، وإن اللبنَ والعشبَ ليأكلانِ إيمانَ العبدِ كما تأكلُ النارُ الحطبَ . خرجه حميدُ بنُ زنجویِهِ . وروى بإسنادِه ، عن مكحولٍ - معنى أولِه . ونصَّ أحمدُ - في روايةٍ مهمًّا - على كراهيةِ الخروجِ إلى الباديةِ لشربِ اللبنِ ونحوِه تنزهًا ؛ لما به من تركِ الجماعةِ ، إلا أن يخرجَ لعلَّةٍ . يعني: أنه إذا خرجَ تداويًا لعلَّةٍ به جازَ، كما أذنَ النبيُّ وَلِّ للعرنِين لما (١) ((الصحيح)) كتاب البرّ والصلة (٢٢/٨) من حديث عائشة مرفوعًا بلفظ: ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه )) . (٢) (١٥٥/٤). (٣) في هامش الأصل : (( الكفور: جمع كَفْر، وهو ما بعد من الأرض عن الناس ، ولا يمر به أحد )). ١٠٩ ١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن كتاب الإيمان اجتوَوُ المدينةَ أن يخرجُوا إلى الباديةِ ؛ ليشربُوا من ألبانِ الإبلِ وأبوالِها (١). قال أبو بكر الأثرمُ : النهيُ عن التبدِّي محمولٌ على سكنَى الباديةِ والإقامةِ بها ، فأما التبدِّي ساعةً أو يومًا ونحَوه فجائزٌ . انتهى . وقد كان السلفُ كثيرٌ منهم يخرجُ إلى الباديةِ أيام الثمارِ واللبنِ . قال الجريريُّ: كان الناسُ يُدونَ هاهنا في الثمارِ ، ثمارِ البصرةِ . وذكر منهم : عبد اللهِ بنَ شقيقٍ وغيرَه . وكان علقمةُ يتبدَأَ إلى ظهرِ النجفِ . وقال النخَعَيُّ : كانت البداوةُ إلى أرضِ السوادِ أحبَّ إليهم من البداوةِ إلى أرضِ الباديةِ . يعني : أن الخروجَ إلى القرى أهونُ من الخروجِ إلى البوادِي . وكان بعضُهم يمتنعُ من ذلكَ ؛ لشهودِ الجماعةِ : فروى أبو نعيمٍ ، بإسناده عن أبي حرملةَ ، قال : اشتكى سعيدُ بنُ المسيبِ عينَه ، فقيل له : يا أبا محمدٍ ، لو خرجتَ إلى العقيقِ ، فنظرت إلى الخضرةِ ، ووجدتَ ريحَ البريةِ ، لنفعَ ذلك بصرَك . فقالَ سعيدٌ ، وكيفَ أصنعُ بشهودِ العشاء والعتمة ؟ وما ذكره الأثرمُ من التفريقِ بينَ قِصَرِ المدةِ وطولِها حسنٌ ؛ لكنه حدَّ القليلَ باليومٍ ونحوه ، وفيه نظرٌ . وفي ((مراسيلِ أبي داود )» (٢) من روايةٍ معمرٍ ، عن موسى بنٍ شيبةَ ، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهُ: ((من بدا أكثرَ من شهرينِ فهي أعرابيةٌ » . (١) أخرجه البخاري (٢٣٣) وغيره من حديث أنس رضى الله عنه . (٢) (( المراسيل)) (رقم : ٣٠٧). ١١٠ حديث : ١٩ کتاب الإيمان وروى حميدُ بنُ زنجويهِ بإسنادِهِ ، عن خلفِ بنِ خليفةَ ، عن أبي هاشمٍ ، قال : بلغني أن من نزلَ السوادَ أربعينَ ليلةٌ كُتُبَ عليه الجفاءُ . وعن معاويةَ بنِ قرةَ ، قال : البداوةُ شهرانِ ، فما زاد فهو تعربٌ . ١١١ ١٨ - باب من قال: إن الإيمان هو العمل كتاب الإيمان فَصْلٌ قال البخاريُّ : ١٨ - بَابُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ لِقَوْل اللَّه تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] . ٩٢ وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَسْأَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] : عَنْ قَوْلِ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ. وَقَالَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ثم خرَّج : ٢٦ - حديثَ: أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّالنَِّّ ◌َهُ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ : ((إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)). قِيلَ: ثُمَّ ماذَا؟ قال: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ)). قِيلَ : ثُمَّ ماذَا؟ قالَ : ((حَجِّ مَبْرُورٌ)) . مقصودُ البخاريِّ بهذا الباب : أنَّ الإيمانَ كلَّه عملٌ ، مناقضةً لقول من قالَ : إنَّ الإيمانَ ليسَ فيه عملٌ بالكليَّةِ ؛ فإنَّ الإيمانَ أصلُه تصديقٌ بالقلبِ . وقد سبق ما قرَّرَه البخاريُّ : أنَّ تصديقَ القلبِ كسبٌ له ، وعملٌ ، ويتبعُ هذا التصديقَ قولُ اللسانِ . مقصودُ البخاريِّ هاهنا : أن يسمَّى عملاً - أيضًا . وأما أعمالُ الجوارحِ ، فلا ريبَ في دخولِها في اسم العملِ ، ولا حاجةَ إلى تقريرِ ذلكَ ؛ فإنه لا يخالفُ فيه أحدٌ ، فصار الإيمانُ كلُّه على ما قرَرَه عملاً . ١١٢ حديث : ٢٦ کتاب الإيمان والمقصودُ بهذا البابِ : تقريرُ أن قولَ اللسانِ عملُه . واستدلَّ لذلك بقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ ٥٠ ١٫ تعملون﴾ [الزخرف: ٧٢]، وقوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]. ومعلومٌ ؛ أن الجنةَ إنما يُستحقُّ دخولُها بالتصديقِ بالقلبِ ، مع شهادةِ اللسانِ، وبهما يخرجُ من يخرجُ من أهلِ النارِ ، فيدخلُ الجنةً ، كما سبقَ ذكرُه . وفي ((المسند)» (١) عن معاذِ بنِ جبلٍ - مرفوعًا -: ((مفتاحُ الجنة لا إله إلا اللهُ)». وحكى البخاريُّ ، عن عدة من أهلِ العلمِ ، أنهم قالوا - في قولِه تعالى : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] - : عن قولِ : لا إلهَ إلا اللهُ . ففسروا العملَ بقولِ كلمةِ التوحيدِ . وممْن رُوي عنه هذا التفسيرُ : ابنُ عمرَ ومجاهدٌ (٢). ورواه ليثُ بنُ أبي سليمٍ ، عن بشيرِ بنِ نهيكٍ ، عن أنسٍ - موقوفًا . ورُوي عنه - مرفوعًا - أيضًا . خرجه الترمذيُّ (٣)، وغرَّبِه . وقال الدارقطنيُّ : ليثٌ غيرُ قويٍّ ، ورفعُهُ غيرُ صحيحٍ . وقد خالفَ في ذلك طوائفُ منَ العلماءِ ، من أصحابِنا وغيرِهم ، كأبي عبدِ اللهِ ابنِ بطةَ، وحملُوا العملَ في هذه الآياتِ على أعمالِ الجوارحِ ، (١) أحمد (٢٤٢/٥) من حديث شهر بن حوشب ، عن معاذ به ، وشهر ضعيف. (٢) انظر: ((تفسير القرآن العظيم)) لابن كثير (٤٦٨/٤). (٣) ((الجامع)) (٣١٢٦)، وقد وقع في إسناده (( بشر، عن أنس)). ١١٣ ١٨ - باب من قال : إن الإيمان هو العمل کتاب الإيمان واستدلُّوا بذلكَ على دخولِ الأعمالِ في الإيمانِ . وأما حديثُ أبي هريرةَ ، فهو يدلُّ على أنَّ الإيمانَ بالله ورسوله عملٌ ؛ لأنه جعلَه أفضلَ الأعمالِ . والإيمانُ بالله ورسوله ، الظاهرُ : أنه إنما يُرادُ به الشهادتانِ (١) مع التصديقِ بهما . ولهذا وردَ في حديثِ: ((بُنِي الإسلامُ على خمسٍ)): ((شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ))(٢). وفي رواية : ذكرَ الإيمانَ بالله ورسولهِ(٣) بدلَ الشهادتينِ . فدل على أن المراد بهما واحدٌ ؛ ولهذا عطفَ في حديث أبي هريرةَ على هذا الإيمانِ الجهادَ ، ثمَّ الحجَّ ، وهما مما يدخلُ في اسم الإيمانِ المطلقِ . لكنَّ الإيمانَ باللهِ أخصُّ من الإيمانِ المطلقِ ، فالظاهرُ : أنه إنما يرادُ بهما الشهادتان مع التصديقِ بهما . فإذا سمَّى الشهادتينِ عملاً ، دلّ على أن قولَ اللسانِ عملٌ . وقد كانَ طائفةٌ من المرجئة يقولون : الإيمانُ قولٌ وعملٌ ، موافقةً لأهلِ الحديثِ ، ثم يفسرون العملَ بالقولِ ، ويقولونَ : هو عملُ اللسان . وقد ذكر الإمامُ أحمدُ هذا القولَ عن شبابةَ بنِ سوارٍ ، وأنكرَه عليه ، وقال : هو أخبثُ قولِ ، ما سمعتُ أنَّ أحدًا قال به ، ولا بلغني . يعني : أنه بدعةٌ ، لم يقلْه أحدٌ ممن سلفَ . (١) كذا ، وله وجه . (٢) أخرجه البخاري (٨) ومسلم (٣٤/١ - ٣٥) من حديث عكرمة بن خالد ، عن ابن عمر ، وخرَّجه مسلم من طريقين آخرين عن ابن عمر ، وله طرق أخرى عنه . (٣) هذه الرواية خرجه البخاري تعليقًا (٤٥١٤) من كتاب التفسير. ١١٤ حديث : ٢٦ کتاب الإیمان لعل مرادَه : إنكارُ تفسيرٍ قولِ أهلِ السنةِ : الإيمانُ قولٌ وعملٌ بهذا التفسيرِ ؛ فإنه بدعةٌ وفيه عيٌّ وتكريرٌ ، إذ العملُ على هذا هو القولُ بعينه ، ولا يكونُ مرادُه إنكارَ أن القولَ يسمَّى عملاً . ولكن ؛ رُويَ عنه ما يدلُّ على إنكارِ دخولِ الأقوالِ في اسمِ الأعمالِ ، فإنَّه قال - في رواية أبي طالبٍ - في رجلٍ طلَّقَ امرأتَه ، واحدةً ، ونوى ثلاثًا : قال بعضهم : له نيتُه، ويحتجُّ بقولِه: ((الأعمال بالنيات)). قال أحمد : ما يشبه هذا بالعملِ ، إنما هذا لفظُ كلامِ المرجئةِ ، يقولون : القولُ هو عملٌ ، لا يُحْكَم عليه بالنيةِ ، ولا هو منَ العملِ . وهذا ظاهرٌ في إنكارِ تسميةِ القولِ عملاً بكل حالٍ ، وأنه لا يدخل تحت قوله : ((الأعمالُ بالنيات )» . وكذلك ذكرَ أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرَ في (( كتابِ السنةِ )). وهذا على إطلاقِه لا يصحُّ ، فإن كناياتِ الطلاقِ كلَّها أقوالٌ ، ويعتبر لها النيةُ، وكذلك ألفاظُ الأَيْمانِ والنذورِ أقوالٌ ، ويعتبرُ لها النيةُ ، وألفاظُ عقود البيعِ والنكاحِ وغيرِهما أقوالٌ ، وتؤثرُ فيها النيةُ عند أحمدَ ، كما تؤثرُ النيةُ [ في ] بطلان نكاحِ التحليلِ ، وعقودِ التَّحليل على الربا . وقد نصَّ أحمدُ على أن مَن أعتقَ أمتَه ، وجعلَ عتقها صداقَها ، أنه يعتبرُ له النيةُ ، فإنْ أرادَ نكاحَها بذلك وعتقَها انعقدا بهذا القولِ . وكذلك ألفاظُ الكفرِ المحتملةِ ، تصيرُ بالنيةِ كفراً . وهذا كلُّهُ يدلُّ على أن الأقوالَ تدخلُ في الأعمالِ ، ويعتبرُ لها النيةُ . ومسألةُ الطلاقِ المذكورةُ ، فيها عن أحمدَ روايتانِ - أيضًا . وقد خرجَ أبو عبيد القاسمُ بنُ سلامٍ في (( كتاب الطلاق)) له بدخول القول ١١٥ ١٨ - باب من قال : إن الإيمان هو العمل کتاب الإیمان في العمل، وأن الأقوالَ تدخلُ في قولِهِ وَّهِ: ((الأعمال بالنيات)). وأبو عبيد، محلُّه من معرفةٍ لغةِ العربِ المحلُّ الذي لا يجهلُه عالمٌ (١). وقد اختلفَ الناسُ : لو حلفَ : لا يعملُ عملاً ، أوْ لا يفعلُ فعلاً ، فقال قولاً : هل يحنثُ ، أم لا ؟ وكذا؛ لو حلفَ : ليفعلنَّ، أو ليعملنَّ ، هل يبرُّ بالقولِ ، أم لا ؟ وقد حكى القاضي أبو يعلَى في ذلك اختلافًا بين الفقهاءِ ، وذكر هو في ((كتاب الأَيْمان )) له ، أنه لا يبرُّ ولا يحنثُ بذلك . وأخذَه من روايةِ أبي طالبٍ عن أحمدَ ، التي سبقَ ذكرُها . واستدلَّ له بأنَّ الأَيْمانَ يُرجَع فيها إلى العرفِ ، والقولُ لا يسمَّى عملاً في العرف ، ولهذا يعطفُ القولُ على العملِ كثيرًا ، فيدلُّ على تغايرِهما عرفًا واستعمالاً . ومن الناسِ من قالَ : القولُ يدخل في مسمَّى الفعلِ ، ولا يدخل في مسمّى 13 العملِ ، وهو الذى ذكرَهَ ابنُ الخشابِ النحويُّ وغيرُهُ . وقد ورد تسميةُ القولِ فعلاً في القرآنِ، في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ فَبِيَ عَدُوَّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىْ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوَّلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]. (١) وانظر: ((إحكام الأحكام)) لابن دقيق العيد (١ / ٥٠) شرح الحديث الأول، حديث (( الأعمال بالنيات )) . ١١٦ ١٩ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة کتاب الإيمان فَصْلٌ قَال البخاريُّ : ١٩ - بَابٌ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلاَمُ (١) عَلَى الْحَقِيقَةِ وَكَانَ عَلَى الاسْتِسْلاَمِ أَوِ الخَوْفِ مِنَ الَقَلِ لِقَوْله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: ١٤] . فَإِذَا كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَهُوَ عَلَى قَوْله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ ١٠ [آل عمران: ١٩]، وَقَوْله: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينَا فَلَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. معنى هذا الكلامِ : أن الإسلامَ يُطلقُ باعتبارينِ . أحدُهما : باعتبارِ الإسلامِ الحقيقيِّ، وهو دينُ الإسلامِ الذي قال اللهُ فيه : ﴿إِنَّ الدّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسلام﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال: ﴿ومن يبتغٍ غَيْرَ الإِسْلامِ ب٠۵ دينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. والثاني : باعتبارِ الاستسلامِ ظاهرًا ، مع عدم إسلامِ الباطنِ إذا وقَع خوفًا ، كإسلامِ المنافقينَ . واستدل بقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنِ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ [الحجرات: ١٤] . وحمله على الاستسلام خوفًا وتقيةً . وهذا مرويٌّ عن طائفةٍ من السلفِ ، منهم : مجاهدٌ وابنُ زيدٍ ومقاتلُ بنُ حيانَ وغيرُهم . (١) في الأصل: (( الاستسلام ) خطأ . ١١٧ ١٩ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة كتاب الإيمان وكذلك رجَّحه محمدُ بنُ نصرِ المروزيُّ، كما رجَّحه البخاريُّ ؛ لأنهما لا يفرقانِ بينَ الإسلامِ والإيمانِ ، فإذا انتفى أحدُهما انتفَى الآخرُ . وهو اختيارُ ابنِ عبدِ البرِّ ، وحكاه عن أكثرِ أهلِ السنةِ من أصحابِ مالكٍ والشافعيِّ وداودَ . وأما من يفرقُ بينَ الإسلامِ والإيمانِ ، فإنه يستدلُّ بهذه الآيةِ على الفرقِ بينهما ، ويقول: نفيُ الإيمانِ عنهم لا يلزمُ منه نفيَ الإسلامِ، كما نَفَى الإيمانَ عن الزاني والسارقِ والشاربِ ، وإن كان الإسلامُ عنهم غيرَ منفيٌّ . وقد وردَ هذا المعنى في الآيةِ (١) عن ابنِ عباسٍ وقتادَة والنخَعيِّ . ورُوي عن ابنِ زيدٍ - معناه - أيضًا . وهو قولُ الزهريِّ وحمادِ بنِ زيدٍ وأحمدَ . ورجَّحه ابنُ جريرٍ وغيرُهُ . واستدلُّوا به على التفريقِ بينَ الإسلامِ والإيمانِ . وكذا قال قتادةُ في هذه الآيةِ، قال: ﴿قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾: شهادةَ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وهو دينُ الله، والإسلامُ درجةٌ ، والإيمانُ تحقيقٌ في القلبِ ، والهجرةُ في الإيمانِ درجةٌ ، والجهادُ في الهجرةِ درجةٌ ، والقتلُ في سبيلِ اللهِ درجةٌ . خرَّجْه ابنُ أبي حاتمٍ . فجعلَ قتادةُ الإسلامَ الكلمةَ ، وهى أصلُ الدينِ ، والإيمانَ ما قامَ بالقلوبِ من تحقيقِ التصديقِ بالغيبِ ، فهؤلاءِ القومُ لم يحقّقُوا الإيمانَ في قلوبِهم ، وإنما دخلَ في قلوبِهِم تصديقٌ ضعيفٌ ، بحيثُ صحَّ به إسلامُهم . (١) لعل الصواب: ((في تفسير الآية)). ١١٨ ١٩ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة كتاب الإيمان ويدلُّ عليه : قولُه تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شيئا﴾ [الحجرات: ١٤] . واختلفَ مَنْ فَرَّق بين الإسلامِ والإيمانِ ، في حقيقة الفرقِ بينهما : فقالت طائفةٌ : الإسلامُ كلمةُ الشهادتينِ ، والإيمانُ العملُ . وهذا مرويِّ عن الزهريِّ وابنِ أبي ذئبٍ ، وهوَ روايةٌ عن أحمدَ ، وهي المذهبُ عند القاضي أبي يعلَى وغيرِه من أصحابِهِ . ويشبه هذا : قولَ ابنِ زيدٍ في تفسير هذه الآية ، قال : لم يصدِّقُوا إيمانَهم بأعمالهم، فردَّ اللهُ عليهم، وقال: ﴿لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، فقال : الإسلامُ إقرارٌ والإيمانُ تصديقٌ . وهو قولُ أبي خيثمةَ وغيرِهِ من أهلِ الحديثِ . وقد ضعَّفَ ابنُ حامدٍ من أصحابِنا هذا القولَ عن أحمدَ ، وقال : الصحيحُ أن مذهَبَه أن الإسلامَ قولٌ وعملٌ ، روايةً واحدةً ، ولكن لا تدخلُ كلُّ الأعمال في الإسلامِ كما تدخلُ في الإيمانِ . وذكر : أنَّ المنصوصَ عن أحمدَ ، أنه لا يَكْفرُ تاركُ الصلاة ، فالصلاةُ من خصالِ الإيمانِ دونَ الإسلامِ ، وكذلك اجتنابُ الكبائرِ من شرائطِ الإيمانِ دونَ الإسلامِ . كذا قالَ ، وأكثرُ أصحابنا : أن ظاهرَ مذهبِ أحمدَ تكفيرُ تارك الصلاة ، فلو لم تكن الصلاةُ من الإسلامِ ، لم يكنْ تارِكُها عندَه كافراً . والنصوصُ الدالةُ على أن الأعمالَ داخلةٌ في الإسلامِ كثيرة جدًا . وقد ذهَب طائفةٌ إلى أن الإسلامَ عامٌّ ، والإيمانَ خاصٌّ ، فمنِ ارتكبَ الكبائرَ خرجَ من دائرةِ الإيمانِ الخاصةِ إلى دائرةِ الإسلامِ العامَّةِ . ١١٩ ١٩ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة کتاب الإیمان هذا مرويُّ عن أبي جعفرَ محمدِ بنِ علىَّ . وضعفه ابنُ نصرِ المروزيَّ ، من جهة راويه عنه ، وهو فضيلُ بنُ يسار ، ہے وطعنَ فيه . ورُوي عن حمادِ بنِ زيدٍ نحوُ هذا - أيضًا . وحُكي روايةً عن أحمدَ - أيضًا - ؛ فإنه قال - في رواية الشالنجيِّ - في مرتكبِ الكبائرِ : يخرجُ من الإيمانِ ، ويقعُ في الإسلامِ . ونقل حنبلٌ ، عن أحمدَ - معناه . وقد تأولَ هذه الروايةَ القاضي أبو يعلَى ، وأقرَّها غيرُهُ ، وهي اختيارُ أبي عبدِ اللهِ ابن بطةَ وابنِ حامدٍ ، وغيرِهما من الأصحابِ . وقالت طائفةٌ : الفرقُ بينَ الإسلامِ والإيمانِ : أن الإيمانَ هو التصديقُ ، تصديقُ القلبِ ، فهو علمُ القلبِ وعملُه ، والإسلامُ الخضوعُ والاستسلامُ والانقيادُ ، فهو عملُ القلبِ والجوارحِ . وهذا قولُ كثيرٍ من العلماءِ ، وقد حكاه أبو الفضلِ التميميّ عن أصحابِ أحمدَ ، وهو قولُ طوائفَ منَ المتكلمينَ . لكن المتكلمونَ عندهم أن الأعمالَ لا تدخلُ في الإيمانِ ، وتدخلُ في الإسلامِ ، وأما أصحابُنا وغيرُهم من أهلِ الحديثِ ، فعندهم أن الأعمالَ تدخلُ في الإيمانِ ، مع اختلافِهم في دخولِها في الإسلامِ ، كما سبق. فلهذا قالَ كثيرٌ من العلماءِ : إن الإسلامَ والإيمانَ تختلفُ دلالتُهما بالإفراد والاقترانِ ، فإن أُفردَ أحدُهما دخلَ الآخرُ فيه ، وإن قُرْنَ بينهما كانا شيئينِ حينئذٍ . وبهذا يجمعُ بينَ حديثِ سؤالِ جبريلَ عن الإسلامِ والإيمانِ ، ففرَّق النبيُّ حَلّ بينهما، وبينَ حديثِ وفدِ عبدِ القيسِ حيث فسَّر فيه النبيِّ وَِّ الإيمانَ المنفردَ ١٢٠ حديث : ٢٧ کتاب الإيمان بما فسَّر به الإيمانَ المقرونَ في حديث جبريلَ . وقد حكى هذا القولَ أبو بكرِ الإسماعيليَّ عن كثيرٍ من أهلِ السنةِ والجماعةِ. ورُوي عن أبي بكرِ بنِ أبي شيبةَ ما يدلُّ عليه . وهو أقربُ الأقوالِ في هذه المسألةِ وأشبهُها بالنصوصِ . واللهُ أعلمُ . والقولُ بالفرقِ بين الإسلامِ والإيمانِ مرويٌّ عن الحسنِ وابنِ سيرينَ وشريكٍ وعبدِ الرحمنِ بنِ مهديِّ ويحيى بنِ معينٍ ، ومؤمَّلِ بنِ إهابٍ ، وحُكي عن مالك - أيضًا . وقد سبق حكايتُهُ عن قتادةَ ، وداودَ بنِ أبي هندٍ ، والزهريِّ ، وابنِ أبي ذئبٍ، وحمادِ بنِ زيدٍ ، وأحمدَ ، وأبي خيثمةَ . وكذلك حكاه أبو بكرِ ابنُ السمعانيِّ عن أهلِ السنةِ والجماعة جملةً . فحكايةُ ابنِ نصرٍ وابنِ عبدِ البرِّ عن الأكثرينَ التسويةَ بينهما غيرُ جيِّد . بل قد قيلَ : إن السلفَ لم يُروَ عنهم غيرُ التفريقِ . واللهُ أعلمُ . وخرج البخاريُ في هذا البابِ : ٢٧ - حديثَ: الزَّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْد، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ أَعْطَى رَهْطَا، وَسَعْدٌ جَالِسٌ ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِِّ رَجُلاً، هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالَكَ (١) عَنْ فُلاَن، فَوَاللّه، إنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا؟ فَقَالَ: ((أَوْ مُسْلِمًا))، فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَيْنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالَكَ(٢) عَنْ فُلاَن ؟ فَوَللَّهِ إِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا؟ قالَ: ((أَوْ مُسْلِمًا)، فَسَكَتُ قَليلاً، ثُمَّ غَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ ، فَعُدْتُ لِمِقَالَتِي، وَعَ رَسُولُ اللّهَِّ، ثُمَّ قالَ: ((ياَ سَعْدُ ، إِنِّي لِأُعْطِي الرَّجُلَ، (١) كلمة ((مالك)) ألحقها في الهامش، لكنه وضع علامة اللحق بعد ((فقلت))، وهذا خلاف ما في (( اليونينية))، فاعتمدته . وسيأتي نظيره في الحديث . (٢) في ((اليونينية)): ((ما أعلم منه، فعدت لمقالتي، فقلت: مالك)).