النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ ١ - باب قول النبي للر: ((بني الإسلام على خمس)) کتاب الإيمان الصلاة دون غيرها ؟ أم يختص زوالُ الإسلامِ بتركِ الصلاة والزكاة خاصةً ؟ وفي ذلك اختلاف مشهور. وهذه الأقوال كلها محكية عن الإمام أحمد. وكثير من علماء أهل الحديث يرى تكفيرَ تاركَ الصلاة ، وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعًا منهم ، حتى إنه جعل قول من قالَ : لا يكفُر بترك هذه الأركان مع الإقرار بها مِنْ أقوالِ المرجئة. وكذلك قال سفيان بن عيينة : المرجئة سَمَّوْا تركَ الفرائضِ ذنبًا بمنزلة ركوب المحارمٍ ، وليسا سواءً ؛ لأن ركوب المحارم متعمدًا من غير استحلال معصية ، وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر. وبيانُ ذلك في أمرٍ آدَمَ وإبليسَ ، وعلماءِ اليهودِ ، والذين أقرُّوا ببعثِ النبيِّ ﴿َ* بلسانِهِمْ، ولم يعملُوا بشرائِعِه. وروي عن عطاء ونافع مولى ابن عمر ، أنَّهما سُئلا عمَّن قال: الصلاة فريضة، ولا أصلى . فقالا : هو كافر. وكذا قال الإمام أحمد . ونقل حرب ، عن إسحاق ، قال : غلتِ المرجئةُ حتى صارَ من قولهم : إن قومًا يقولون : من ترك الصلواتِ المكتوباتِ ، وصومَ رمضان ، والزكاةَ ، والحجَّ ، وعامة الفرائض من غير جحود لها: إنَّا لا نكفره ، يُرجأ أمره إلى الله بعدُ ؛ إذ هو مقرٌّ . فهؤلاء الذين لا شكَّ فيهم. يعنى : في أنهم مرجئة. وظاهر هذا : أنه يكفر بترك هذه الفرائض. وروى يعقوب الأشعري ، عن ليث ، عن سعيد بن جبير ، قال : من تركَ ٢٢ حديث : ٨ کتاب الإيمان الصَّلاةَ متعمدًا فقد كفر، ومنْ أفطَرَ يوما من رمضانَ متعمدًا فقد كفر ، ومن ترك الحجَّ متعمدًا فقد كفر ، ومن ترك الزكاة متعمدًا فقد كفر . ويروى عن الحكم بن عُتيبة - نحوه. وحكي روايةً عن أحمد ، اختارها أبو بكر من أصحابه. وعن عبد الملك بن حبيب المالكيّ - مثله. وهو قول أبي بكر الحميدي . وروي عن ابن عباس : التكفير ببعضٍ هذه الأركان ، دون بعض. فروى مؤمَّل ، عن حماد بن زيد ، عن عمرو بن مالك النكري ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس - ولا أحسبه إلا رفعه -، قال: ((عُرَى الإسلامِ وقواعدُ الدينِ ثلاثةٌ ، عليهنَّ أُسِّسَ الإِسلامُ : شهادةُ أنْ لا إلهَ إلا الله وأنَّ محمدًا رسولُ اللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وصومٍ رمضان ؛ من تركَ منها واحدةً فهو بها كافرٌ حلالُ الدمٍ ، وتجده كثيرَ المال لم يحجَّ ، فلا يزال بذلك كافراً ، ولا يحل دمه ، وتجده كثير المال لا يزكي ، فلا يزال بذلك كافرًا ، ولا يحل دمه » . ورواه قتيبة ، عن حماد بن زيد - فوقفه ، واختصره ، ولم يتمَّه . ورواه سعيد بن زيد - أخو حماد - ، عن عمرو بن مالك - ورفعه ، وقال: ((منْ تركَ منهنَّ واحدةً فهو بالله كافرٌ، ولا يُقْلُ منه صرفٌ ولا عَدْلٌ، وَقَدْ حَلَّ دَمُهُ ومَاله)) - ولم يزدَ على ذلك . والأظهر : وقفه على ابن عباس. فقد جعل ابن عباس ترك هذه الأركان كفرًا ، لكن بعضها كفر يبيحُ الدمَ ، وبعضها لا يبيحه . وهذا يدل على أن الكفر ، بعضه ينقل عن الملة ، وبعضه لا ينقل. ٢٣ ١ - باب قول النبي صلير: ((بني الإسلام على خمس)) کتاب الإيمان وأكثرُ أهلِ الحديثِ على أن تركَ الصلاة كفرٌ ، دون غيرها من الأركان ، كذلك حكاه محمد بن نصر المروزي(١) وغيره عنهم. وممن قال بذلكَ : ابنُ المباركِ وأحمدُ - في المشهور عنه - وإسحاقُ ، وحَكَى عليه إجماعَ أهلِ العلمِ ، كما سبق. وقال أيوب : ترك الصلاة كفرٌ ، لا يختلف فيه (٢). وقال عبد الله بن شقيق: كان أصحابُ رسول الله وَّ لا يرونَ شيئًا من الأعمال تركُهُ كفرٌ غيرَ الصلاةِ . خرجه الترمذى (٣) . وقد روي عن على وسعد وابن مسعودٍ وغيرهم ، قالوا : من ترك الصلاةَ -(٤) فقد كفرَ (٤). وقال عمر : لا حظَّ في الإسلامِ لمنْ تركَ الصَّلاةِ(٥). وفي ((صحيح مسلم))(٦)، عن جابر، عن النبى رَّهِ، قال: ((بَيْنَ الرجلِ وبين الشرك والكفر تركُ الصَّلاة ». وخرج النسائيُّ والترمذيُّ وابن ماجه(٧) من حديث بريدة، عن النبي تَّد . ، قال: ((العَهْدُ الذي بينَنَا وبينَهُم الصَّلاةُ، فمنْ تركَهَا فقدْ كَفَرَ )). وصححه الترمذيُّ وغيره. (١) ((تعظم قدر الصلاة)) (٩٣٦/٢). (٢) المصدر السابق (٩٢٥/٢). (٣) (( الجامع)) (٢٦٢٢) . (٤) (( تعظيم قدر الصلاة)) (٨٩٨/٢ - ٩٠٠). (٥) المصدر السابق (٨٩٢/٢ - ٨٩٦). (٦) (٦٢/١). (٧) النسائي (٢٣١/١) والترمذي (٢٦٢١) وابن ماجه (١٠٧٩). : ٢٤ حديث : ٨ کتاب الإيمان ومن خالف في ذلك جعل الكفر هنا غير ناقلٍ عن الملة ، كما في قوله . تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. فأمَّا بقية خصالِ الإسلامِ والإيمانِ ، فلا يخرجُ العبدُ بتركها من الإسلامِ عند أهل السنة والجماعة ، وإنما خالف في ذلك الخوارجُ ونحوهُم من أهلِ البدع. قال حذيفة : الإسلامُ ثمانيةُ أسْهمِ : الإسلامُ سهمٌ ، والصلاةُ سهمٌ ، والزكاةُ سهمٌ، والحجُّ سهمٌ، ورمضانُ سهمٌ ، والجهادُ سهمٌ ، والأمرُ بالمعروفِ سهمٌ ، والنهيُ عن المنكرِ سهمٌ ، وقد خابَ من لا سهم له. وروي مرفوعًا والموقوف أصح (١). فسائر خصالِ الإسلام الزائدةِ على أركانهِ الخمس ودعائمه ، إذا زالَ منها شيٌّ نقص البنيانُ ، ولم ينهدمْ أصلُ البنيانِ بذلك النقصِ . وقد ضربَ اللهُ ورسولُهُ مَثَل الإيمانِ والإسلامِ بالنخْلَة : قالَ اللهُ تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيْبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥] . فالكلمةُ الطيبةُ ، هي : كلمةُ التوحيدِ ، وهي أساس الإسلام ، وهي جارية على لسانِ المؤمن. وثبوتُ أصلِها ، هو : ثبوتُ التصديقِ بها في قلب المؤمنِ . وارتفاعُ فرعها في السماء ، هو : علُوُّ هذه الكلمة وبُسُوقُها ، وأنها تخرق الحجبَ ، ولا تتناهى دون العرش. وإتيانُها أُكُلَهَا كلَّ حين ، هو : ما يرفع بسببها للمؤمنِ كل حين من القولِ (١) الموقوف: أخرجه عبد الرزاق (١٧٣/٥ - ١٧٤) والبزار ((كشف)) (٣٣٧). والمرفوع: أخرجه البزار ((كشف)) (٣٣٦) (٨٧٥). ٢٥ ١ - باب قول النبي وَلاير: ((بني الإسلام على خمس)) کتاب الإيمان الطيبِ والعملِ الصالحِ ، فهو ثمرتُها . وجعل النبي ◌َِّ مثلَ المؤمن - أو المسلم - كمثل النخلة (١). وقال طاوس : مثلُ [الإيمان](٢) كشجرةٍ ، أصلُها الشهادةُ ، وساقُها كذا وكذا، وورقُها كذا وكذا ، وثمرُها الورعُ ، ولا خير في شجرةٍ لا ثمرَ لها ، ولا خير في إنسانٍ لا ورعَ فيه. ومعلوم أنَّ ما دخل في مسمى الشجرة والنخلة من فروعها وأغصانها وورقها وثمرها ، إذا ذهب شيٌ منه لم يذهبْ عن الشجرةِ اسمُها ، ولكن يقال : هي شجرةٌ ناقصةٌ ، وغيرُها أكمل منها ، فإن قُطع أصلها وسقطت لم تبقَ شجرةٌ ، وإنما تصير حطبًا . فكذلك الإيمان والإسلام ، إذا زال منه بعض ما يدخل في مسماه - مع بقاءٍ أركانِ بنيانهِ - لا يزولُ به اسمُ الإسلامِ والإيمانِ بالكلية، وإن كان قد سُلِب الاسمُ عنه ؛ لنقصه ، بخلاف ما انهدمتْ أركانهُ وبنيانُه ، فإنَّه يزول مسماه بالكلية . والله أعلم. (١) هو في ((البخاري)) (٧٢) . وانظر: تعليقي على ((جامع العلوم)) (١/ ١٣٣). (٢) سقط من الأصل، واستدللت عليه بما في ((جامع العلوم)) (١٣٣/١). ٢٦ ٣ - باب أمور الإيمان کتاب الإيمان فَصْلٌ في أُمُور الإيمان قال البخاريُّ : وَقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وأمور الإيمان : خصاله وشُعَبه المتعددة . واستدلَّ البخاريُّ بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِينَ وَأَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِينَ وَفِي الرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ١,١٠٠٠ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمَتَّقَونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقد سأل أبو ذرِّ النبيَّ وَّر عن الإيمان، فتلا عليه هذه الآية (١). وهذا يدلُّ على أن الخصالَ المذكورة فيها ، هى خصال الإيمان المطلق ، فإذا أطلقَ الإيمانُ دخلَ فيه كلُّ ما ذكر في هذه الآية ، كما سألَ السائلُ عن الإيمانِ ، فتلا عليه النبيّ وَّرِ هذه الآية . وإذا قرن الإيمان بالعمل ، فقد يكون من باب عطفِ الخاصِّ على العامِّ، وقد يكون المراد بالإيمانِ حينئذِ التصديقَ بالقلبِ ، وبالعملِ عمَلَ الجوارح ، كما ذكرَ في هذه الآية الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنَّبيين، ثمَّ عطف عليه أعمالَ الجوارح. (١) تقدم قريبًا . ٢٧ ٣ - باب أمور الإيمان كتاب الإيمان وخرج البخاري : ٩ - من حديث: سُلَيْمَانَ بْنِ بِلاَلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ: ﴿، قَالَ: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُونَ شُعْبَةٌ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ )) . وخرجه مسلم(١) من هذا الوجه، ولفظه: ((بضع وسبعون)). وخرجه مسلم(٢) - أيضًا - من رواية جريرٍ ، عن سُهيلٍ ، عن عبد الله بن دينار، به ، وقال في حديثه: (( بضع وسبعون، أو بضع وستون )) - بالشك . وهذا الشك من سهيل ، كذا جاء مصرحًا به في (( صحيح ابن حبان )) وغيره(٣). وخرجه مسلم(٤) - أيضًا - من حديث ابن الهاد ، عن عبد الله بن دينار ، به، وقال في حديثه: ((الإيمان سبعونَ، أو اثنان وسبعونَ بابًا )). ورواه ابن عجلان، عن عبد الله بن دينار، وقال: (( ستون، أو سبعون ))(٥). وروي عنه، أنه قال في حديثه: (( ستون أو سبعون ، أو بضع وأحد من العدَدَين )»(٦). (١)، (٢) ((الصحيح)) (٤٦/١). (٣) ابن حبان (١٦٦) وابن منده في ((الإيمان)) (١٤٧) وابن ماجه (٥٧). (٤) لم أقف عليه في مسلم من هذا الطريق ، وقد أخرجه ابن حبان (١٨١) وابن منده في ((الإيمان)) (١٤٥) (١٧٣) من حديث ابن الهاد ، عن عبد الله بن دينار به. (٥) أخرجه ابن ماجه (٥٧) وابن منده في ((الإيمان)) (١٤٧) (١٧١) (١٧٢) من ابن عجلان ، عن عبد الله بن دينار به . (٦) أخرجه ابن أبي شيبة في ((الإيمان)) (٦٧). ٢٨ حديث : ٩ كتاب الإيمان وروي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن أبيه ، بهذا اللفظ - أيضًا . وروي عنه، بلفظ آخر، وهو: (( الإيمانُ تسْعةٌ، أو سبعةٌ وسبعونَ شعبةً ))(١) . وخرجه الترمذي(٢) من رواية عمارة بن غَزِيَّةَ، وقال فيه: ((الإيمانُ أربعةٌ وسبعونَ بابًا )) . وقد روي عن عمارة بن غزيَّة ، عن سهيل ، عن أبيه . وسهيل ، لم يسمعه من أبيه ، إنما رواه عن عبد الله بن دينار ، عن أبى صالح ، فمدارُ الحديث على عبد الله بن دينار ، لا يصح عن غيره . وقد ذكر العقيلي : أن أصحاب عبد الله بن دينار على ثلاث طبقات : أثباتٍ ؛ كمالك وشعبةَ وسفيان بن عيينة . ومشايخ ؛ کسهيل ويزيد بن الهاد وابن عجلان . قال : وفي روايتهم عن عبد الله بن دينار اضطراب . وقال : إن هذا الحديث لم يُتابعْ هؤلاء المشايخَ عليه أحدٌ من الأثبات ، عن عبد الله بن دينار ، ولا تابع عبد الله بن دينار عن أبي صالح عليه أحد .. والطبقة الثالثة : الضعفاء ، فيروون عن عبد الله بن دينار المناكير ، إلا أن الحملَ فيها عليهم. قلت : قد رواه عن عبد الله بن دينار: سليمان بن بلال، وهو ثقة ثبت. وقد خُرِّج حديثه في (( الصحيحين )) . (١) أخرجه ابن منده في ((الإيمان)) (١٤٦). (٢) (( الجامع)) عقب حديث (٢٦١٤) . ٢٩ ٣ - باب أمور الإيمان کتاب الإیمان وأما الاختلاف في لفظ الحديث ، فالأظهر : أنه من الرواة ، كما جاء التصريح في بعضه بأنه شكٍّ من سهيل بن أبي صالح . وزعم بعض الناس: أنَّ النبيَّ ◌َ لِّ كانَ يذكر هذا العددَ بحسبِ ما ينزِل من خصال الإيمان ، فكلما نزلتْ خصلةٌ منها ضمَّها إلى ما تقدم ، وزادها عليها . وفي ذلك نظر. وقد ورد في بعض روايات ((صحيح مسلم)) (١) عددُ بعضِ هذه الخصال ، و ولفظه: ((أعلاها: قولُ لاَ إِلَه إلا اللهُ، وأدْنَاهَا: إمَاطَةُ الأذى عن الطريق ، والحياءَ شعبةٌ من الإيمان » . فأشارَ إلى أن خصالَ الإِيمان ، منها ما هو قول باللسان ، ومنها ما هو عمل بالجوارح ، ومنها ما هو قائم بالقلب ، ولم يزد في شيءٍ من هذه الروايات على هذه الخصال. وقد انتدب لعدِّها طائفة من العلماء ، كالحَليمي والبيهقيّ وابن شاهين وغيرهم ، فذكروا كلَّ (٢) ما ورد تسميته إيمانًا في الكتاب والسّنَّةِ ، من الأقوالِ والأعمالِ ، وبلغَ بها بعضهم سبعًا وسبعينَ ، وبعضهمْ تسعًا وسبعينَ . وفي القطع على أن ذلك هو مراد الرسول وَل من هذه الخصال عُسْرٌ. كذا قاله ابن الصلاح(٣) ، وهو كما قال . وتبويب البخاري على خِصَال الإيمانِ والإسلامِ والدينِ من أوله إلى آخره ، وما خَرَّج فيه من الأحاديثِ وَمَا استشهدَ به من الآياتِ والآثارِ الموقوفَةِ ، إذا (١) (١/ ٤٦). (٢) في الأصل: ((أن كل))، والظاهر أنَّ ((أنَّ)) مقحمة. (٣) في ((صيانة صحيح مسلم)) (ص ١٩٦) . ٣٠ حديث : ٩ کتاب الإيمان عُدَّتْ خصاله ، وأضيف إليه أضدادُ ما ذكره في أبواب خصالِ النفاقِ والكفرِ ، بلغَ ذلك فوق السبعينَ - أيضًا - والله أعلم. وقد تكلم الراغب في كتاب (( الذريعة)) له على حصرها في هذا العدد ، بكلام عجيب جداً . وفي قوله: ((أعلاَها قول: لاَ إِلَه إِلاَّ اللـه))، ما يستدلُّ به من يقولُ : إنَّ هذه الكلمة أفضل الكلام مطلقًا ، وإنها أفضلُ من كلمة الحمدِ ، وفي ذلك اختلاف، ذكره ابن عبد البر وغيره. فإن قيل : فأهلُ الحديث والسنة عندهم أنَّ كلَّ طاعة فهي داخلة في الإيمان، سواءٌ كانت من أعمالِ الجوارحِ أو القلوبِ أو من الأقوال ، وسواءٌ في ذلك الفرائضُ والنوافلُ ، هذا قول الجمهورِ الأعظمِ منهم ، وحينئذٍ ؛ فهذا لا ينحصر في بضع وسبعين ، بل يزيد على ذلك زيادة كثيرةً ، بل هي غير منحصرة . قيل : يمكن أن يجاب عن هذا بأجوبة : أحدها : أن يقال: إن عدد خصال الإيمان عنْد قول النبيُّ وَ ﴿ كان منحصراً في هذا العدد ، ثُمَّ حدثت الزيادة فيه بعد ذلك ، حتى كملت خصال الإيمان في آخر حياة النبي ◌َلِّ . وفي هذا نظر . والثاني : أن تكون خصال الإيمان كلها تنحصرُ في بضع وسبعين نوعًا ، وإن كانت أفراد كل نوعٍ تتعدد تعدداً كثيراً ، وربَّما كان بعضُها لا ينحصرُ . وهذا أشبه ، وإن كان الوقوف على ذلك يتعسَّر أو يتعذر . والثالث : أن ذكر السبعين على وجه التكثير للعدد ، لا على وجه الحصر ، كما في قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنِ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] . ٣١ ٣ - باب أمور الإيمان كتاب الإيمان والمرادُ : تكثيرُ التعدادِ من غير حصوله في هذا العددِ ، ويكون ذكره للبضع يشعر بذلك ، كأنه يقول : هو يزيد على السبعين المقتضية لتكثير العدد وتضعيفه . وهذا ذكره بعض أهل الحديث من المتقدمين ، وفيه نظر. والرابع : أن هذه البضع وسبعين هي أشرف خصال الإيمان وأعلاها ، وهو الذي تدعو إليه الحاجةُ منها. قاله ابن حامد من أصحابنا . و ((البضع)) في اللغة: من الثلاثِ إلى التِّسْعِ، هذا هو المشهور. ومن قالَ : ما بين اثْنَينٍ إلى عشرٍ ، فالظاهرُ إِنَّما أرَادَ ذلكَ ، ولم يُدْخلِ الاثنينِ والعشرَ في العدد. وقيل : من أربع إلى تسع. وقيل : ما بين الثلاث إلى العشر . والظاهر : أنه هو الذي قَبْله باعتبارِ إخراج الثلاثِ والعشرِ منه. وكذا قال بعضهم : ما بين الثلاث إلى ما دون العشرة . وعلى هذا ؛ فلا يستعمل في الثلاث ولا في العشر . والله أعلم . ٣٢ حديث : ١٠ کتاب الإيمان فَصْلٌ خرَّج البخاري : ١٠ - من حديث: الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ، قَالَ: ((المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَ المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عنّهُ )) . خرجه من رواية شعبة ، عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل بن أبي خالدٍ، عن الحربي ، عن عبد الله . ثم قال : وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ : حَدَّثْنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، عَنِ النَِّّ ◌ِ﴾. وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّه . ومقصود البخاريِّ بهذا: أن شعبة روى الحديث مُعَنَعنًّا إسنادَه كلَّه. وداود بن أبي هند رواه عن الشعبي ، واختلف عليه فيه : فقال عبد الأعلى : عن داود - كذلك . وقال أبو معاوية : عن داود ، عن عامر ، قال : سمعت عبد الله - فذكر في حديثه تصريحَ الشعبيِّ بالسماعِ له من عبدِ الله بن عمرٍو. وإنَّمَا احتَاجَ إلى هذا ؛ لأنَّ البخاريَّ لا يَرَى أن الإسنادَ يتصلُ بدونِ ثبوتِ لُقيِّ الرواةِ بعضِهِمْ لبعضٍ ، وخصوصًا إذا روى بعض أهل بلد عن بعض أهل بلد ناء عنه؛ فإن أئمة أهل الحديث ما زالوا يستدلُّون على عدم السماع بتباعد بلدان ٣٣ ٤ - باب : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده کتاب الإيمان الرواة ، كما قالوا في رواية سعيد بن المسيب عن أبي الدرداء ، وما أشبه ذلك . وهذا الحديث قد رواه الشعبي - وهو من أهل الكوفة - ، عن عبد الله بن عمرو - وهو حجازيّ نزل مصر ، ولم يسكن العراق - ، فاحتاج أن يذكر ما يدلُّ على سماعه منه. وقد كان عبد الله بن عمرو قَدِمٍ مع معاويةَ الكوفةَ عامَ الجماعةِ ، فسمع منه أهلُ الكوفةِ ، كأبي وائلٍ وزرِّ بن حبيشٍ والشعبيِّ . وإنما خرَّج مسلم (١) هذا الحديث من رواية المصريين ، عن عبد الله بن عمرو، من رواية يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، سمع عبد الله بن عمرو يقول: إن رجلاً سأل النبي (وَّ: أيُّ المسلمينَ خيرٌ؟ قال: ((مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده » . وهذا اللفظُ يخالفُ لفظَ رواية البخاريِّ . وأما رواية (( المسلم)) فتقتضى حصرَ المسلمِ فيمن سلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويده ، والمراد بذلك المسلم الكامل الإسلام ، فمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فإنه ينتفي عنه كمال الإسلام الواجب ، فإنَّ سلامة المسلمين من لسان العبد ويده واجبة ، فإنَّ أذَى المسلم حرام باللسان وباليد ، فأذى اليد الفعل ، وأذى اللسان القول. والظاهر: أنَّ النبيَّ وَ﴿ إنما وصفَ المسلمَ بهذا في هذا الحديث ؛ لأنَّ السائلَ كان مسلمًا ، قد أتى بأركان الإسلام الواجبة لله عز وجل ، وإنما يجهل دخول هذا القدر الواجب من حقوق العباد في الإسلام، فبيّن له النبي وَ فار ما جهله . (١) (١ / ٤٧ -٤٨) . ٣٤ حديث : ١٠ کتاب الإيمان ويشبه هذا : أنَّ النبي ◌َّ لما خطب في حجة الوداع، وبيَّن للناس حرمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، أَتْبَع ذلك بقوله: ((سَأُخْبِركمْ مَنِ المسلمُ : مَنْ سلمَ المسلمونَ من لسانه ويَده ، والمؤمنُ من أَمنَه الناسُ عَلَى أَمْوَالِهم وأنْفُسهم )) . خرجه ابن حبان في « صحيحه »(١) من حديث فضالة بن عبيد. وكان النبيُّ ◌َ ﴿ أحيانًا يجمع لمن قَدِمِ عليه يريدُ الإسلامَ بين ذِكْرٍ حقِّ الله وحق العباد. كما في ((مسند الإمام أحمد ))(٢)، عن عمرو بن عَبَسة، قال: قال رجلٌ : يا رسولَ اللهِ، ما الإسلام؟ قال: ((أَنْ تُسْلِمَ قلبَكَ لله، وأن يَسْلَمَ المسلمونَ مِنْ لسانكَ ويدكَ)) . وفيه - أيضًا (٣) - ، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ، أنه أتى النبي وَاله ليُسلم، فقال له: أسألك بوجه الله، بم بعثك اللهُ ربُّنا إلينا؟ قال: ((بالإِسْلاَم)). قال: قلت: وما آيةُ الإسْلاَم؟ قال: ((أَنْ تقولَ: أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ، وتخليتُ، وتُقِيمَ الصلاةَ وتؤتَى الزكاةَ، وكلُّ مُسْلِمٍ عَلَى مُسْلمٍ محرَّمٌ)) - وذكر الحديث ، وقال فيه - : قلت : يا رسولَ الله ، هذا ديننا ؟ قال : ((هذا دينكُمْ)). وخرجه النسائي(٤) - بمعناه . وقوله : ((وَالْمُهَاجِرُ من هَجَر ما نَهَى اللَّهُ عِنْهُ)). (١) (٤٨٦٢) . (٢) (٤/ ١١٤). (٣) (٤/٥) . (٤) (٤/٥ - ٨٢). ٣٥ ٤ - باب: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده کتاب الإيمان فأصل الهجرة : هجرانُ الشر، ومباعدتُه ؛ لِطَلبِ الخيرِ ومحبَّتِهِ والرغبةِ فيه . والهجرةُ عند الإطلاقِ في الكتاب والسنة ، إنَّما تنْصرفُ إلى هجرانٍ بلد الشركِ إلى دارِ الإسلامِ ؛ رغبةً في تعلم الإسلامِ والعملِ به. وإذا كان كذلك ، فأصلُ الهجرة أن يهجرَ ما نهاه الله عنه من المعاصي ، فيدخل في ذلك هجران بلد الشرك ؛ رغبةً في دار الإسلام ، وإلا فمجرد هجرة بلدِ الشركِ مع الإصرارِ على المعاصي ليس بهجرة تامة كاملة ، بل الهجرةُ التامة الكاملةُ هجرانُ ما نهى الله عنه ، ومن جملةِ ذلك هجرانُ بلدِ الشركِ مع القدرةِ عليه . ٣٦ حديث : ١١ کتاب الإيمان فَصْلٌ خرَّج البخاريُّ : ١١ - من حديث: بريد بْنِ عَبّدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ جَدِّه أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي موسى، قَالَ : قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الإِسْلاَمِ أَفْضُلُ؟ قَالَ: (( مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدَه » . ٠ وخرجه مسلم - أيضًا(١) . وخرج - أيضًا - من حديث عبد الله بن عمرو، أن النبيَّ ◌َِّ سئل: أيُّ المسلمينَ خيرٌ ؟ قال : ((مَنْ سَلَمَ المُسلمونَ من لِسَانِه وَيَدِه))، كما تقدم ذكره . فعلى هذه الرواية: ((أيّ المسلمين خير)). وفي رواية(٢) أبى موسى: (( أي الإسلام أفضلٌ )) . قال ابن رجب : والذي ظهرَ لي في الفرق بين ((خير)) و((أفضل)): أن لفظةَ ((أفضل)) إنَّما تستعمل في شيئين اشتركا في غيرِ فضلٍ ، وامتاز أحدهما عن الآخر بفضلٍ اختصَّ به ، فهذَا الممتازُ قد شاركَ ذاكَ في الفضلِ ، واختصّ عنه بفضلٍ زائدٍ ، فهو ذاك . وأما لفظةُ: ((خير)) فتستعمل في شيئينِ ، في كلٌّ منهما نوعٌ من الخيرِ أرجح ممَّا في الآخر ، سواءٌ كان لزيادة عليه في ذاته ، أو في نفعه ، أو غير ذلك، وإن اختلف جنساهُمَا، فترجيحُ أحدهما على الآخر يكون بلفظة ((خير)). (١) (١ / ٤٧ - ٤٨) . (٢) (٤٨/١). ٣٧ ٥ - باب : أي الإسلام أفضل ؟ كتاب الإيمان فيقال مثلاً : النفع المتعدي خير من النفع القاصر ، وإن كان جنسهما مختلفًا . ويقال : زيد أفضل من عمرو ، إذا اشتركا في عِلْمٍ أو دينٍ ونحو ذلك ، وامتازَ أحدهما على الآخرِ بزيادةٍ . وإن استعمل في النوعِ الأولِ لفظةَ ((أفضلَ)) مع اختلافِ الجنسينِ ، فقد يكونُ المراد أن ثوابَ أحدهما أفضلُ من ثواب الآخر ، وأَزْيَد منه ، فقد وقع الاشتراك في الثواب ، وامتازَ أحدهما بزيادة منه. وحينئذ ؛ فمن سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده ، إسلامُه أفضلُ من إسلام غيره ، ممن ليس كذلكَ ؛ لاشتراكهما في الإِتيانِ بحقوقِ الله في الإسلام من الشهادتين ، وإقام الصلاة ، إيتاء الزكاة ، ونحو ذلك ، وامتازَ أحدهما بالقيامِ بحقوق المسلمينَ ، فصار هذا الإسلامُ أفضلَ من ذاكَ . وأما المسلمُ ، فيقال: هذا أفضلُ من ذاكَ ؛ لأنَّ إسلامه أفضل من إسلامه. ويقالُ : هو خيرٌ من ذاك ؛ لترجُّحِ خيره علي خيرٍ غيره ، وزيادته عليه . ٣٨ حديث : ١٢ کتاب الإيمان فَصْلٌ خرَّج البخاريُّ ومسلم : ١٢ - من حديث : يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِيِ الخَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِوٍ، أَنَّ رَجُلاً سَالَ النَِّّ ◌ِ﴿: أَيُّالإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قال: ((تُطْعِمُ (١) الطَّعَامَ، وَتَقْرَأً السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)). وخرجه مسلم (٢) - أيضًا. جعل النبي ◌َِّ في هذا الحديث خيرَ الإسلام إطعام الطعامِ وإنشاءَ السلام. وفي ((المسند))(٣) عن عمرو بن عَبَسة، أنه سأل النبي وَّر: ما الإسلام؟ قال: ((لِنُ الكلامِ، وإطعامُ الطعامِ». ومراده : الإسلامُ التامُّ الكاملُ . وهذه الدرجة في الإسلام فضلٌ ، وليست واجبةً ، إنما هي إحسانٌ ، وأما سلامة المسلمين من اللسان واليد ، فواجبة ، إذا كانت من غير حقٍّ ، فإن كانت السلامة من حقٍّ كان - أيضاً - فضلاً. وقد جمع الله تعالى بين الأفضال بالنداء وتركِ الأذى في وصف المتقينَ ، في قوله : ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. فهذا إحسانٌ وفضلٌ ، وهو بذل النداء ، واحتمال الأذى . (١) في الأصل: ((وتطعم)). (٢) (١ / ٤٧) . (٣) (٣٨٥/٤) . ٣٩ ٦ - باب : إطعام الطعام من الإسلام كتاب الإيمان وجمع في الحديثِ بين إطعام الطعامِ وإفشاء السلامِ (١)؛ لأنه به يجتمع الإحسانُ بالقولِ والفعلِ ، وهو أكملُ الإحسانِ . وإنَّما كان هذا خيرَ الإسلام بعد الإتيانِ بفرائضِ الإسلامِ وواجباتِه ، فمن أتى بفرائضِ الإسلامِ ، ثم ارتقى إلى درجةِ الإحسانِ إلى النَّاسِ ، كان خيرًا ممَّنْ لمْ يرتقِ إلى هذه الدرجةِ ، وأفضلَ - أيضًا . وليسَ المرادُ : أنَّ من اقتصرَ على هذه الدرجةِ فهو خير من غيرهِ مطلقًا ، ولا أن إطعامَ الطعامِ ولينَ الكلامِ خيرٌ من أركان الإسلام ومبانيه الخمس ؛ فإن إطعامَ الطعام و [ إفشاءَ](٣) السلام لا يكونانِ من الإسلامِ إلا بالنسبةِ إلى منْ آمنَ بالله وملائكته وكتبهِ ورُسله واليوم الآخرِ . وقد زعمَ الحَليمي وغيره ، أنه قال : خيرُ الأشياءِ كذا ، والمراد تفضيلُه من وجهٍ دون وجهٍ ، وفي وقتٍ دون وقتٍ ، أو لشخصٍ دون شخصٍ ، ولا يراد تفضيله على الأشياء كلها ، أو أن يكون المراد أنه من خير الأشياء ، لا خيرها مطلقًا . وهذا فيه نظر ، وهو مخالف للظاهرِ . ولو كان هذا حقًا لما احتيجَ إلى تأويلِ قولِ النبيِّ نَّ لمِنْ قالَ لَهُ: يا خيرَ البرية. فقال: ((ذَاكَ إِبْرَاهِيمٌ)). وقد تأوله الأئمة ، فقال الإمام أحمد : هو على وجه التواضع . ولكن هذا يقرب من قول من تأوَّل ((أفضل)) بمعنى ((فاضل))، وقال : إن ((أفعل)) لا تقتضي المشاركة، وهذا غير مظَّرد عند البصريين، ويتأول ما ورد منه. (١) في الأصل: ((الإسلام)). (٢) سقط من الأصل. ٤٠ حديث : ١٢ کتاب الإيمان وحكي عن الكوفيين أنه مطَّرد لا يحتاج إلى تأويل . وقوله : ((وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)) ، هذا أفضل أنواع إفشاءِ السلامِ . وفي ((المسندِ)) (١) عن ابن مسعودٍ - مرفوعًا -: ((إنَّ منْ أشراط الساعة السلامُ بالمعرفة » . ويخرج من عمومٍ ذلك : من لا تجوز بداءتُه بالسلامِ ، كأهلِ الكتاب عند جمهور العلماء . (١) (١ / ٠٥ ٤).