النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله ◌َ﴿ / باب مناقب في ثَقِيفٍ وَبَنِي حَنِيفَة
[٣٩٥١] (٣٩٤٢) حدثنا أبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ
عَن عَبْدِ الله بْنِ عُثمانَ بْنِ خَيْثَم عَن أبِي الزُّبَيْرِ عَن جَابِرٍ قَالَ: قالُوا: يَا رَسُولَ الله
أحْرَقَتْنَا نِبَالُ ثَقِيفٍ فَادْعُ اللهَ عَلَيْهِم، فَقَالَ: ((اللَّهِمَّ اهْدِ ثَقِيفاً)). [أبو سلمة، لم يوثقه غير ابن
حبان، وأبو الزبير، مدلِّس].
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ.
[٣٩٥٢] (٣٩٤٣) حدثنا زَيْدُ بْنُ أخْزَمَ الطَّائِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ القَاهِرِ بْنُ شُعَيبٍ،
حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عِمْرَانَ عَنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: مَاتَ النَّبِيُّ وَهُ وَهُوَ
يُكْرِمِ ثَلَاثَةَ أَحْيَاءِ: ثَقِيفاً وبَنِي حَنِيفَةً وَبَنِي أُمَيَّةَ.
قَالَ: هَذَا حديثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ.
[٣٩٥١] قوله: (حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف) البصري.
قوله: (قالوا) أي: بعض الصحابة (نبال ثقيف) بكسر النون؛ جمع: نبل؛ أي:
سهامهم، ولعله في غزوة الطائف، ومحاصرتهم (اللهم اهد ثقيفًا) أي: إلى الإسلام.
[٣٩٥٢] قوله: (أخبرنا عبد القاهر بن شعيب) بن الحبحاب أبو سعيد، البصري، لا
بأس به، من التاسعة (أخبرنا هشام) بن حسان الأزدي الفردوسي (عن الحسن) البصري.
قوله: (وهو يكره ثلاثة أحياء) جمع حي؛ بمعنى قبيلة (ثقيفًا، وبني حنيفة، وبني أمية)
بدل مما قبله، وبنو أمية، بضم الهمزة، وفتح الميم، وشدة التحتية: قبيلة من قريش. قال
القاري في ((المرقاة)) نقلًا عن ((الأزهار)): قال العلماء: إنما كره ثقيفًا للحجاج وبني حنيفة
لمسيلمة وبني أمية لعبيد الله بن زياد.
قال البخاري: قال ابن سيرين: أتيَ عبيد الله بن زياد برأس الحسين؛ فجعله في طست،
وجعل ينكته بقضيب. وقال الترمذي في ((الجامع)): قال عمارة بن عمير: لما جيء برأس
عبيد الله بن زياد، وأصحابه في رحبة المسجد، فانتهيت إليهم؛ فقالوا: قد جاءت؛ فإذا حية
قد جاءت حتى دخلت في منخر عبيد الله بن زياد؛ فمكثت ساعة، ثم خرجت، فذهبت حتى
تغيبت، ثم قالوا: قد جاءت، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثًا. انتهى ما في ((المرقاة))، وحديث
عمارة بن عمير هذا تقدم في ((مناقب الحسين)).

٤٠٢
كتاب المناقب عن رَسُولِ اللهِ وَ﴿﴿ / باب مناقب في ثَقِيفٍ وَبَنِي حَنِيفَة
[٣٩٥٣] (٣٩٤٤) حدثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَن شریْكِ
عَن عَبْدِ الله بْنِ عُصَم عَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((فِي ثَقِيفٍ كَذّابٌ
وَمُبِيْرٌ)).
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ وَاقِدٍ أبو مسلم، حَدَّثَنَا شريْكٌ، بهذا الإسْنَادِ نَحْوَهُ،
وَعَبدُ الله بْنُ عاصمٍ يُكْنَى أبَا عُلْوَانَ، وَهُوَ كُوفِيٌّ. قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ،
لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حديثِ شريْكِ، وَشريْكٌ يَقُولُ: عَبْدُ الله بْنُ عُصَمِ، وَإِسْرَائِلُ يَرْوِي
عَنْ هَذَا الشَّيْخِ وَيَقُولُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عِصْمَةَ. وفي البابِ عَن أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ .
[٣٩٥٤] (٣٩٤٥) حدثنا أحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أُخْبَرَنَا أَيُّوبُ
عَن سَعِيدِ المَقْبُريِّ عَن أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ أعْرَابِيًّا أهْدَى لِرَسُولِ اللهِوَّهِ بَكْرَةً فَعَوَّضَهُ
مِنْهَا سِتَّ بَكرَاتٍ فَتَسَخَّطَها، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ وَّهِ، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:
((إِنَّ فُلَاناً أهْدَى إِلَيَّ نَاقَةً فَعَوَّضْتُهُ مِنْهَا سِتَّ بَكرَاتٍ فَظَلَّ سَاخِطاً، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أنْ لا
أقْبَلَ هَدِيَّةٌ إلَّا مِن قُرَشِيٍّ أوْ
[٣٩٥٣] قوله: (في ثقيف كذاب، ومبير) تقدم هذا الحديث بهذا السند في ((باب ما جاء
في ثقيف كذاب ومبير)) من ((أبواب الفتن)) وقال الترمذي هناك: ويقال: الكذاب: المختار بن
أبي عبيد، والمبير: الحجاج بن يوسف ... . (وعبد الله بن عصم) بضم العين، وسكون
الصاد المهملتين (يكنى أبا علوان) بضم العين المهملة، وسكون اللام (وإسرائيل يروي عن
هذا الشيخ) أي: عبد الله بن عصم.
[٣٩٥٤] قوله: (بكرة) البكر؛ بفتح موحدة، فسكون كاف: فتيٍّ من الإبل بمنزلة غلام
من الناس. والأنثى بكرة. كذا في ((النهاية)) (فعوضه منها ست بكرات) بفتحتين؛ أي: أعطاه
عوضها ست بكرات (فتسخطها) أي: كرهها ولم يرض بها. قال في ((القاموس)): تسخطه:
تكرهه، و [تسخَّط] عطاءه: استقله، ولم يقع [منه](١) موقعًا. وإنما تسخط الأعرابي؛ لأن
طمعه في الجزاء كان أكثر؛ لما سمع من جوده وفيض جوده ويلي (فبلغ ذلك) أي: سخطه (إن
فلانًا) كناية عن اسمه (فظل) أي: أصبح، أو صار (لقد هممت) جواب قسم مقدر؛ أي:
والله لقد قصدت (أن لا أقبل هدية) أي: من أحد (إلا من قرشي) نسبة إلى قريش (أو
(١) في المطبوع ((منها)) وهو خطأ وصوابه ما أثبتناه. وانظر القاموس مادة ((س خ ط)).

٤٠٣
كتاب المناقب عَن رَسُول الله ﴿/ باب مناقب في ثَقِيفٍ وَبَنِي حَنِيفَة
أَنْصَارِيٍّ أوْ ثَقَفيَّ أَوْ دَوْسِيٍّ)). [د بنحوه: ٣٥٣٧، حم: ٧٣١٦].
قَالَ: وَفي الحَدِيثِ كَلَامٌ أكْثَرُ مِن هَذَا، قَالَ: هذا حديثٌ قَدْ رُوِيَ مِن غَيْرِ وَجْهٍ
عَن أبي هُرَيْرَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ يَرْوِي عَن أبي أيُّوبَ أبي العَلَاءِ وَهُوَ أيُّوبُ بْنُ
مِسْكِينٍ، وَيُقَالُ: ابنُ أبي مِسْكِينٍ، وَلَعَلَّ هَذَا الحَدِيثَ الَّذِي رواه عَن أيُّوبَ عَن
سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، وَهُو أيُّوبُ أَبُو العَلَاءِ. وَهُو أَيُّوب بن مِسكِين، وَيُقال: ابن
أپي مِسکین.
[٣٩٥٥] (٣٩٤٦) حدثنا محمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدِ الحِمْصِيُّ،
حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ سعِيدٍ بْنِ أبي سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ عَن أَبِيهِ عَن أبي هُرَيْرَةَ،
قَالَ: أُهْدَى رَجُلٌ مِن بَنِي فَزَارَةَ إِلى النَّبِيِّ: ﴿ِنَاقَةً مِن إبلِهِ الَّتِي كَانُوا أصَابُوا
أنصاري) أي: واحد من الأنصار (أو ثقفي) بفتح المثلثة، والقاف: نسبة إلى ثقيف؛ قبيلة
مشهورة (أو دوسي) بفتح الدال المهملة، وسكون الواو: نسبة إلى دوس؛ بطن من الأزد؛
أي: إلا من قوم في طبائعهم الكرم.
قال التوربشتي: كره قبول الهدية ممن كان الباعث له عليها طلب الاستكثار، وإنما خص
المذكورين فيه بهذه الفضيلة؛ لما عرف فيهم من سخاوة النفس، وعلو الهمة، وقطع النظر
عن الأعواض.
قوله: (وفي الحديث كلام أكثر من هذا) لم أقف عليه (هذا حديث قد روي من غير
وجه، عن أبي هريرة)، وأخرجه أبو داود، والنسائي (وهو: أيوب بن مسكين، ويقال: ابن
أبي مسكين) قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): أيوب بن أبي مسكين. ويقال: مسكين،
التميمي، أبو العلاء القصاب، الواسطي؛ روى عن قتادة، وسعيد المقبري، وأبي سفيان،
وغيرهم، وعنه إسحاق بن يوسف الأزرق، وهشيم، ويزيد بن هارون، وغيرهم. وقال في
((التقريب)) في ترجمته: صدوق، له أوهام، من السابعة. (ولعل هذا الحديث الذي روي عن
أيوب، عن سعيد المقبري؛ هو: أيوب أبو العلاء) هذا هو الظاهر. والله - تعالى - أعلم.
[٣٩٥٥] قوله: (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو: الإمام البخاري (أخبرنا أحمد بن
خالد) بن موسى؛ الحمصي، الوهبي، الكندي، أبو سعيد، صدوق، من التاسعة (أخبرنا
محمد بن إسحاق) هو: إمام المغازي.

٤٠٤
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله وَ﴿ / باب مناقب في ثَقِيفٍ وَبَنِي حَنِيفَة
بِالغَابَةِ، فَعَوَّضَهُ مِنْهَا بَعْضَ العِوَضِ فَتَسَخَّطَه، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ عَلَى هذا
المِنْبَرِ يَقُولُ: ((إنَّ رِجَالًا مِنَ العَرَبِ يُهْدِي أحَدُهُمُ الهَدِيَّةَ فَأَعَوِّضَهُ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا
عِنْدِي، ثُمَّ يَتَسَخَّطُهُ فَيَظَلُّ يَتَسَخَّطُ عَلَيَّ، وَايْمُ الله لا أقْبَلُ بَعدَ مَقَامِي هَذَا مِن رَجُلٍ
مِنَ العَرَبِ هَدِيَّةً إِلَّا مِن قُرَشِيٍّ أوْ أَنْصَارِيٍّ أوْ تَقَفيِّ أَوْ دَوْسِيٍّ)).
قَالَ: وهَذَا حَدِيث حَسَن، وَهُوَ أَصَحُّ مِن حَدِيثٍ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَن أيُّوب.
[٣٩٥٦] (٣٩٤٧) حدثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، وغيرُ واحدٍ قالوا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ
جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أبي قَالَ: سَمِعْتُ عَبدَ الله بْنَ مَلَّاذٍ يُحَدِّثُ عَن نُمَيْرِ بْنِ أوْسٍ عَن
مَالِكِ بْنِ مَسْرُوحٍ عَن عَامِرِ بْنِ أبي عَامِرِ الأَشْعَرِيِّ عَن أبِيِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ:
((نِعْم الحَيُّ الأَسْدُ وَالأَشْعَرُونَ،
قوله: (وايم الله) لفظ قسم ذو لغات، وهمزتها وصل، وقد تقطع؛ تفتح وتكسر. كذا في
((المجمع)) (أصابوا بالغابة) اسم موضع.
[٣٩٥٦] قوله: (حدثنا إبراهيم بن يعقوب) الجوزجاني (حدثنا وهب بن جرير) بن حازم
الأزدي؛ البصري (سمعت عبد الله بن خلاد) بالخاء، والدال المهملة. قال الحافظ في
((التقريب)): صوابه: ابن ملاذ؛ بميم، ولام خفيفة، وذال معجمة؛ الأشعري، دمشقي،
مجهول (يحدث عن نمير) بالتصغير (ابن أوس) الأشعري؛ قاضي دمشق، ثقة، من الثالثة
(عن مالك بن مسروح) بمهملتين، الشامي، مقبول (عن عامر بن أبي عامر الأشعري) تابعي،
مخضرم، من الثانية، وقد قيل: له صحبة، مات في خلافة عبد الملك (عن أبيه) هو:
أبو عامر الأشعري، اسمه: عبد الله بن هانئ، وقيل: ابن وهب، وقيل: عبيد بن وهب،
وليس هو عم أبي موسى الأشعري. له عن النبي ◌َّهِ حديث واحد: ((نِعْمَ الْحَيُّ الأَزْدُ
وَالأَشْعَرِيُّونَ))(١) وعنه ابنه عامر. كذا في ((تهذيب التهذيب)).
قوله: (نعم الحي) أي: القبيلة (الأسد) بفتح الهمزة، وسكون السين، وبالدال
المهملتين. وفي بعض النسخ: الأزد؛ بالزاي مكان السين.
قال التوربشتي: هو: أبو حي من اليمن. ويقال لهم: الأزد؛ وهو بالسين أفصح، وهما
أزدان: أزد شنوءة، وأزد عمان. انتهى، والمراد هنا: أزد شنوءة. (والأشعرون) قال الطيبي:
(١) أحمد، حديث (١٦٧١٥، ١٧٠٤٧).

٤٠٥
كتاب المناقب عَن رَسُول الله ◌َ﴿ / باب مناقب في ثَقِيفٍ وَبَنِي حَنِيفَة
لا يَفِرُّونَ في القِتَالِ، وَلا يَغُلُّونَ، هُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ))، قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ مُعَاوِيَةً
فَقَالَ: لَيْسَ هَكَذَا قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ، قَالَ: ((هُمْ مِنِّي وَإِلَيَّ))، فَقُلْتُ: لَيْسَ هَكَذَا
حَدَّثَنِي أَبِي، وَلَكِنَّهُ حَدَّثَنِي قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِلَّهِ يَقُولُ: ((هُمْ مِنِّي وَأْنَا مِنْهُمْ))،
قَالَ: فَأَنْتَ أعْلَمُ بِحَدِيثِ أبِيكَ. [ضعيف، عبد الله بن ملاذٍ، مجهول، حم: ١٦٧١٥].
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّ مِن حديثٍ وَهْبٍ بْنِ جَرِيرٍ، وَيُقَالُ:
الأسْدُ مُمُ الأَزْدُ.
[٣٩٥٧] (٣٩٤٨) حدثنا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ عَن عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ عَن ابنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ وَلِ قَالَ: ((أُسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ،
هو بسقوط الياء في ((جامع الترمذي)) و((جامع الأصول))، وبإثباته في ((المصابيح))، قال
الجوهري: تقول العرب: جاءتك الأشعرون؛ بحذف الياء.
قلت: قد وقع في بعض نسخ الترمذي أيضًا ((والأشعريون)) بإثبات ياء النسبة (لا يفرون
في القتال) أي: في حال قتالهم مع الكفار؛ وهو حال من القبيلتين على حد ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ
اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩] (ولا يغلون) بفتح التحتية، وضم الغين المعجمة، وتشديد اللام؛ أي:
ولا يخونون في المغنم (هم مني) أي: متصلون بي، وكلمة ((من)) هذه تسمى اتصالية نحو:
((لا أنا من الدد(١)، ولا الدد مني)). وقال النووي: معناه: المبالغة في اتحاد طريقهما،
واتفاقهما في طاعة الله - تعالى - (قال) أي: عامر بن أبي عامر الأشعري (فقال) أي: معاوية
(قال: هم مني وإليّ) أي: بل قال رسول الله وَله: ((هُمْ مِنِّي وَإِلَيَّ)).
قوله: (هذا حديث غريب)، وأخرجه أحمد؛ وفي سنده عبد الله بن ملاذ؛ مكان
عبد الله بن خلاد.
[٣٩٥٧] قوله: (عن عبد الله بن دينار) العدوي.
قوله: (أسلم سالمها الله) هو: من المسالمة، وترك الحرب، ويحتمل أن يكون دعاء
وإخبارًا. إما دعاء لها أن يسالمها الله، ولا يأمر بحربها. أو أخبر أن الله قد سالمها، ومنع
من حربها. كذا في ((النهاية)). واعلم أن أسلم ثلاث قبائل. قال العيني في ((العمدة)): أسلم
في خزاعة؛ وهو: ابن أفصى؛ وهو: خزاعة بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرىء
(١) قال في النهاية. الدد: اللهو واللعب. انظر ((النهاية)) باب الدال مع الدال (دد) ١٠٩/٢.

٤٠٦
كتاب المناقب عَنِ رَسُولِ اللهِ وَ﴿/ باب مناقب في ثَقِيفٍ وَبَنِي حَنِيفَة
وَغِفَارٌ غَفَرَ اللهُ لَهَا)). [خ: ٣٥١٤، م: ٢٥١٤، حم: ٤٦٨٨، مي: ٢٥٢٤].
قَالَ أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَفِي الْبَابِ عَن أبي ذَرِّ وَأبي بردة وَبُرَيْدَةً وَأَبِي هُرَيْرَةَ ◌َ ◌ُله.
[ ... حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنِ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِيْنَارٍ عَنِ
ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِقَالَ: أَسْلَمُ سَالَمَهَا الله وَغِفَارٌ غَفَرَ الله لَهَا وَعُصَيةٌ
عَصَتِ الله وَرَسُولَهُ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ].
[٣٩٥٨] (٣٩٤٩) حدثنا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُؤَمِّلٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَن
عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ نَحْوَ حَدِيثٍ شُعْبَةَ، وَزَادَ فِيهِ: ((وَعُصَيَّةُ
القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد. وفي مذحج: أسلم بن أوس الله بن سعد العشيرة بن
مذحج. وفي بجيلة: أسلم بن عمرو بن لؤي بن رهم بن معاوية بن أسلم بن أحمس بن
الغوث. والله أعلم من أراد النبي ◌َفي بقوله هذا (وغفار) بكسر الغين المعجمة، يصرف
باعتبار الحي، ولا يصرف باعتبار القبيلة (غفر الله لها) يحتمل أن يكون دعاء لها بالمغفرة،
أو إخبارًا أن الله قد غفر لها. ويؤيده قوله في آخر الرواية الآتية: ((وَعُصَيَّةُ عَصَتِ الله
وَرَسُولَهُ))، وفيهما من جناس الاشتقاق ما يلذ على السمع؛ لسهولته؛ وهو: من الاتفاقات
اللطيفة. وقال الخطابي: إن النبي وّل* دعا لهاتين القبيلتين؛ لأن دخولهما في الإسلام كان
من غير حرب، وكانت غفار تتهم بسرقة الحاج؛ فأحب رسول الله و # أن يمحو عنهم تلك
المسبة، وأن يعلم أن ما سبق منهم مغفور لهم.
قوله: (وفي الباب عن أبي ذر، وأبي برزة الأسلمي، وبريدة، وأبي هريرة) أما حديث
أبي ذر، فأخرجه أحمد، ومسلم(١). وأما حديث أبي بزرة الأسلمي؛ فأخرجه أحمد (٢). وأما
حديث بريدة؛ فلينظر من أخرجه. وأما حديث أبي هريرة؛ فأخرجه الشيخان(٣).
[٣٩٥٨] قوله: (أخبرنا إسماعيل بن جعفر) الأنصاري، الزرقي.
قوله: (وعصية) بضم العين، وفتح الصاد المهملتين، وتشديد التحتية مصغرًا هم: بطن
(١) أحمد، حديث (٢١٠٢٥)، مسلم، كتاب فضائل الصحابة، حديث (٢٥١٤).
(٢) أحمد، حديث (١٩٢٧٥).
(٣) البخاري، كتاب المناقب، حديث (٣٥١٤)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، حديث (٢٥١٦).

٤٠٧
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله وَاهُ / باب مناقب في ثَقِيفٍ وَبَنِي حَنِيفَة
عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ)).
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
[٣٩٥٩] (٣٩٥٠) حدثنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ عَن أبي الزِّنَادِ
عَن الأَعْرَجَ عَن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((وَالذِي نَفْسُ مُحمَّدٍ بِيَدِهِ،
لَغِفَارٌ وَأُسْلَمُ وَمُزَيْنَةُ وَمَنْ كَانَ مِن جُهَيْنَةَ - أوْ قَالَ جُهَينَةُ، وَمَنْ كَانَ مِن مُزَيْنَةَ- خَيْرٌ
عِنْدَ الله يَوْمَ القِيَامَةِ مِن أَسَدٍ وَطيِّءٍ وَغَطَفَانَ)). [خ بنحوه: ٣٥٢٣، م: ٢٥٢١، حم: ٩١٥٥].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
[٣٩٦٠] (٣٩٥١) حدثنا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ عَن جامِعِ بْنِ شَدَّادٍ،
من بني سليم؛ ينسبون إلى عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهئة بن سليم (عصت الله
ورسوله) إنما قال ﴿﴿ هذا؛ لأنهم الذين قتلوا القرَّاء ببئر معونة، بعثهم رسول الله وَ لفيه سرية؛
فقتلوهم، وكان يقنت عليهم في صلاته، ويلعن رعلًا وذكوان، ويقول: ((عُصَيَّةُ عَصَتِ الله
وَرَسُولَهُ)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد، والشيخان.
قوله: (أخبرنا مؤمل) بن إسماعيل العدوي.
[٣٩٥٩] قوله: (حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن) الخزامي.
قوله: (لغفار) مبتدأ، وما بعده عطف عليه، وقوله: ((خير عند الله)) خبره (ومزينة، ومن
كان من جهينة أو قال جهينة، ومن كان من مزينة) (أو)) للشك من الراوي. ووقع في رواية
الشيخين (١): ((وَشَيْءٌ مِن مُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ، أَوْ شَيْءٌ مِن ◌ُهَيْنَةَ وَمُزَيْنَةَ))، أَيْ: بَعْضُ مِنْهُمْ، وفي
هذه الرواية تقييد لما أطلق في رواية الترمذي هذه، وفي حديث أبي بكرة الآتي (يوم القيامة)
قيد به؛ لأن المعتبر بالخير والشر إنما يظهر في ذلك الوقت (من أسد .... إلخ) متعلق
بقوله: ((خیر)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان.
[٣٩٦٠] قوله: (أخبرنا سفيان) هو: الثوري (عن جامع بن شداد) المحاربي؛ أبي صخرة،
(١) البخاري، كتاب المناقب، حديث (٣٥٢٣)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، حديث (٢٥٢١).

٤٠٨
كتاب المناقب عَنِ رَسُول اللهِوَّهِ / باب مناقب في ثَقِيفٍ وَبَنِي حَنِيفَة
عَن صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَن عِمْرَانِ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: جَاءَ نَفَرٌ مِن بَنِي تَمِيمِ إلَى
رَسُولِ اللهِ وَلِ فَقَالَ: ((أَبْشِرُوا يَا بَنِي تَميم))، قالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَجَاءَ نَفَرٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: ((اقْبَلُوا البُشْرَى فَلَمْ يَقْبَلهَا بَنُو
تَميم))، قَالُوا: قَدْ قَبِلْنَا. [خ: ٣١٩٠، حم: ١٩٣٢١].
الكوفي، ثقة، من الخامسة (عن صفوان بن محرز) بضم الميم، وإسكان الحاء المهملة، وكسر
الراء، وبالزاي المنقوطة: ابن زياد المازني، أو الباهلي، ثقة، عابد، من الرابعة.
قوله: (جاء نفر من بني تميم) يعني: وفدهم، وكان قدومهم في سنة تسع (أبشروا) أمر
بهمزة قطع، من البشارة. والمراد بها: أن من أسلم نجا من الخلود في النار، ثم بعد ذلك
يترتب جزاؤه على وفق عمله، إلا أن يعفو الله.
وقال الكرماني: بشرهم بما يقتضي دخول الجنة؛ حيث عرفهم أصول العقائد التي هي
المبدأ، والمعاد، وما بينهما .
قال الحافظ: كذا قال: وإنما وقع التعريف هنا لأهل اليمن، وذلك ظاهر من سياق
الحديث. انتهى (قالوا: بشرتنا) القائل ذلك منهم: الأقرع بن حابس. ذكره ابن الجوزي
(فأعطنا) أي: من المال (فتغير وجه رسول الله( 18) إما للأسف عليهم؛ كيف آثروا الدنيا،
وإما لكونه لم يحضره ما يعطيهم؛ فيتألفهم به، أو لكل منهما (وجاء نفر من أهل اليمن) قال
الحافظ: قد ظهر لي أن المراد بهم: نافع بن زيد الحميري، مع من وفد معه من أهل حمير
(اقبلوا البشرى) بضم أوله، وسكون المعجمة، والقصر؛ أي: اقبلوا مني ما يقتضي أن
تبشروا إذا أخذتم به بالجنة، كالفقه في الدين والعمل به (فلم يقبلها بنو تميم) قيل: بنو تميم
قبلوها؛ حيث قالوا: ((بشرْتَنَا))، غاية ما في الباب أنهم سألوا شيئًا؛ وأجيب بأنهم لم
يقبلوها؛ حيث لم يهتموا بالسؤال عن حقائقها، وكيفية المبدأ والمعاد، ولم يعتنوا بضبطها،
وحفظها، ولم يسألوا عن موجباتها، وعن الموصلات إليها .
وقال الطيبي: لما لم يكن جل اهتمامهم إلا بشأن الدنيا، والاستعطاء دون دينهم.
قالوا: ((بشرتنا)) للتفقه؛ وإنما جئنا للاستعطاء؛ فأعطنا. ومن ثم قال رسول الله صليقول: ((فلم
يقبلها بنو تميم)) (قالوا: قد قبلنا) زاد البخاري في التوحيد: ((جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ وَلِنَسْأَلَكَ
عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ مَا كَانَ؟ قَالَ: كَانَ الله وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ
خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ ... إلخ)).

٤٠٩
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله وََّ / باب في فَضْلِ الشَّام واليَمَنِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
[٣٩٦١] (٣٩٥٢) حدثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو أحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَن
عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أبي بَكْرَة عَن أَبِيهِ أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَ ◌ّهِ قَالَ:
(أُسْلَمُ وَغِفَارُ وَمُزَيْنَةُ خَيْرٌ مِن تميمٍ وَأسدٍ وَغَطَفَانَ وَبَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ)) يَمُدُّ بِهَا
صَوْتَهُ، فَقَالَ القَوْمُ: قَدْ خَابُوا وَخَسِرُوا، قَالَ: ((فَهُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ)). [خ: ٣٥١٥، م: ٢٥٢٢،
حم: ١٩٨٧١، مي: ٢٥٢٣].
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
٧٥ - باب في فَضْل الشَّام واليَمَنِ [ت١٤٨، م٧٤]
[٣٩٦٢] (٣٩٥٣) حدثنا بِشْرُ بْنُ آدَمَ ابن بنت أُزْهَرَ السَّمَّانِ،
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه البخاري، والنسائي.
[٣٩٦١] قوله: (حدثنا أبو أحمد) الزبيري (أخبرنا سفيان) الثوري (عن أبيه) هو:
أبو بكرة نفیع بن الحارث بن كلدة.
قوله: (خير) أي: يوم القيامة؛ كما في حديث أبي هريرة المتقدم (من تميم) بن مر بن
أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان؛ وفيهم بطون كثيرة جدًّا (وأسد)
أي: ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وكانوا عددًا کثیرًا، وقد ظهر مصداق ذلك
عقب وفاة رسول الله وَل9، فارتد هؤلاء مع طليحة بن خويلد، وارتد بنو تميم أيضًا مع سجاح
التي ادعت النبوة (وغطفان) بفتح الغين المعجمة، والطاء المهملة، وتخفيف الفاء؛ هو: ابن
سعد بن قيس عيلان بن مضر (وبني عامر بن صعصعة) أي: ابن معاوية بن بكر بن هوازن بن
منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان (يمد) أي: يرفع (بها) أي: بهذه الكلمات (قال)
أي: رسول الله (هم) أي: أسلم وغفار ومزينة (خير منهم) أي: من تميم، وأسد، وغطفان،
وبني عامر بن صعصعة؛ وإنما كانوا خيرًا منهم؛ لأنهم سبقوهم إلى الإسلام. والمراد:
الأكثر الأغلب.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان.
٧٥ - بَابٌ فِي فَضْلِ الشَّامِ وَالْيَمَنِ
[٣٩٦٢] قوله: (حدثنا بشر بن آدم .... إلخ) وقع قبل هذا في بعض النسخ ((باب في

٤١٠
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله:﴿ / باب في فَضْلِ الشَّام واليَمَنِ
حَدَّثَنِي جَدِّي أزْهَرُ السَّمّانُ عَن ابنِ عَوْنٍ عَن نَافِعٍ عَن ابنٍ عُمَرَ أنَّ رَسُوْلَ اللهِ إِلَه
قَالَ: ((اللَّهِمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا، اللَّهِمَّ بَارِْ لَنَا فِي يَمَنِنَا)) قالُوا: وَفِي نَجْدِنَا، فَقَالَ:
((اللَّهمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا))، قَالُوا: وَفي نَجْدِنَا قَالَ: ((هُنَاكَ
الزَّلَازِلُ وَالفِتَنُ وبِهَا - أَوْ قَالَ: مِنْهَا
فضل الشام واليمن)) (حدثني جدي أزهر) بن سعد (السمان) أبو بكر، الباهلي، بصري، ثقة،
من التاسعة (عن ابن عون) اسمه: عبد الله بن عون بن أرطبان.
قوله: (اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا) تقدم وجه تسمية الشام واليمن
في ((باب فضل اليمن)). والظاهر في وجه تخصيص المكانين بالبركة؛ لأن طعام أهل المدينة
مجلوب منهما .
وقال الأشرف: إنما دعا لهما بالبركة؛ لأن مولده بمكة وهو من اليمن، ومسكنه ومدفنه
بالمدينة، وهي من الشام، وناهيك من فضل الناحيتين أن إحداهما مولده، والأخرى مدفنه؛
فإنه أضافهما إلى نفسه، وأتى بضمير الجمع؛ تعظيمًا، وكرر الدعاء (قالوا) أي: بعض
الصحابة (وفي نجدنا) عطف تلقين، والتماس؛ أي. قل: وفي نجدنا؛ ليحصل البركة لنا من
صوبه أيضًا .
قال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق [و](١)
نواحيها؛ وهي مشرق أهل المدينة. وأصل النجد: ما ارتفع من الأرض؛ وهو خلاف الغور؛
فإنه ما انخفض منها، وتهامة كلها من الغور، ومكة من تهامة. انتهى. قال الحافظ بعد نقل
كلام الخطابي هذا: وعرف بهذا [وهاءُ](٢) ما قاله الداودي: إن نجدًا من ناحية العراق؛ فإنه
توهم أن نجدًا موضع مخصوص، وليس كذلك؛ بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى
المرتفع: نجدًا. والمنخفض: غورًا. انتهى. (هنالك) أي: في نجد (الزلازل) أي: الحسية،
أو المعنوية، وهي تزلزل القلوب، واضطراب أهلها (والفتن) أي: البليات، والمحن الموجبة
لضعف الدين، وقلة الديانة؛ فلا يناسبه دعوة البركة له.
وقال المهلب: إنما ترك﴿ الدعاء لأهل المشرق؛ ليضعفوا عن الشر الذي هو موضوع
في جهتهم؛ لاستيلاء الشيطان بالفتن (وبها أو قال: منها) شك من الراوي، والضمير راجع
(١) ليست في المطبوع.
(٢) في المطبوع ((وهو))، وهو خطأ صوابه ما أثبتناه، انظر الفتح ١٣/ ٤٧.

٤١١
كتاب المناقب عَنِ رَسُول اللهَلاَ / باب في فَضْلِ الشَّامِ واليَمَنِ
- يَخْرُجُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ)). [خ: ١٠٣٧، حم: ٢٩٠٥، ٤٦٦٥، طا: ١٨٢٤] .
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ مِن هَذَا الوَجْهِ مِن حَدِيثِ ابنِ عَوْنٍ، وَقد
رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ أيْضاً عَن سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ عَنِ أبِيْهِ عَنِ النَّبِّ ◌َِّ.
[٣٩٦٣] (٣٩٥٤) حدثنا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا
أبي قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أيُّوبَ يُحَدِّثُ عَن يَزِيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ عَن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ
شمَاسَةَ عَنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِلَّهِ نُؤَلِّفُ القُرْآنَ مِنَ الرِّقَاعِ، فَقَالَ
رَسُولُ الله ◌َِّ: ((ُطُوبَى لِلشَّامِ))،
٠
إلى نجد، والتأنيث: للبقعة (يخرج قرن الشيطان) أي: حزبه، وأهل وقته وزمانه، وأعوانه.
ذكره السيوطي. وقيل: يحتمل أن يريد بالقرن: قوة الشيطان، وما يستعين به على الإضلال.
وكان أهل المشرق يومئذ أهل كفر؛ فأخبر أن الفتنة تكون من تلك الناحية؛ فكان كما
أخبر، وأول الفتن كان من قبل المشرق؛ فكان ذلك سببًا للفرقة بين المسلمين، وذلك مما
يحبه الشيطان، ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة. كذا في ((فتح الباري)).
وقال العيني في شرح حديث ابن عمر: إنه رَ ﴿ه قام إلى جنب المنبر فقال: ((الْفِتْنَةُ هَهُنَا
من حَيْثُ يَظْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ))، أو قال: ((قَرْنُ الشَّمْسِ)) ما لفظه: وإنما أشارتَّ إلى
المشرق؛ لأن أهله يومئذٍ كانوا أهل كفر؛ فأخبر أن الفتنة تكون من تلك الناحية، وكذلك
كانت؛ وهي وقعة الجمل، ووقعة صفين ثم ظهور الخوارج في أرض نجد والعراق، وما
وراءها من المشرق، وكانت الفتنة الكبرى - التي كانت مفتاح فساد ذات البين - قتل عثمان
رضي الله تعالى عنه، وكان يحذر من ذلك، ويعلم به قبل وقوعه، وذلك من دلالات
نبوتهڭھ. انتھی.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) ، وأخرجه البخاري.
[٣٩٦٣] قوله: (سمعت يحيى بن أيوب) الغافقي (عن عبد الرحمن بن شماسة) بكسر
الشين المعجمة، وتخفيف الميم بعدها سين مهملة: المهري، المصري، ثقة، من الثالثة.
قوله: (نؤلف) من التأليف؛ أي: نجمع (من الرقاع) بكسر الراء؛ جمع: رقعة؛ وهي.
ما يكتب فيه (طوبى للشام) تأنيث أطيب؛ أي: راحة، وطيب عيش حاصل لها ولأهلها.

٤١٢
كتاب المناقب عَنِ رَسُول الله :﴿ / باب في فَضْلِ الشَّام واليَمَنِ
فَقُلْنَا: لأَيِّ ذَلِكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: ((لأَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمنِ بَاسِطَةٌ أجْنِحَتَهَا عَلَيْهَا)).
[حم: ٢١٠٩٦].
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، إنَّمَا نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثٍ يَحْيَى بْنِ أُّوبَ.
[٣٩٦٤] (٣٩٥٥) حدثنا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا أبُو عَامِرِ العَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا
هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَن سَعِيدِ بْنِ أبي سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ عَن أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِّ وَلِ قَالَ:
(لَتْتَهِينَ أقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا، إنَّمَا هُمْ فَحْمُ جَهَنَّمَ،
وقال الطيبي: طوبى مصدر من طاب، كبشرى، وزلفى. ومعنى طوبى لك: أصبت
خيرًا، وطيبًا (فقلنا: لأي ذلك يا رسول الله؟) قال القاري: بتنوين العوض في ((أي)) أي:
لأيِّ شيء؟ كما في بعض نسخ ((المصابيح)).
قال الطيبي: كذا في ((جامع الترمذي)) على حذف المضاف إليه؛ أي: لأي سبب قلت
ذلك؟ وقد أثبت في بعض نسخ ((المصابيح)) لفظ ((شيء)) (لأن ملائكة الرحمن) فيه: إيماء إلى
أن المراد بهم: ملائكة الرحمة (باسطة أجنحتها عليها) أي: على بقعة الشام وأهلها،
بالمحافظة عن الكفر. قاله القاري.
وقال المناوي: أي تحفها، و[تحوطها](١)، بإنزال البركة، ودفع المهالك والمؤذيات.
قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه أحمد؛ والحاكم(٢) .
[٣٩٦٤] قوله: (أخبرنا هشام بن سعد) المدني (عن سعيد بن أبي سعيد) المقبري.
قوله: (لينتهين) بلام مفتوحة، جواب قسم مقدر؛ أي: والله ليمتنعن عن الافتخار (أقوام
يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا) أي: على الكفر. وهذا الوصف بيان للواقع، لا مفهوم له،
ولعل وجه ذكره: أنه أظهر في توضيح التقبيح. ويؤيده ما رواه أحمد(٣)، عن أبي ريحانة
مرفوعًا: ((مَنِ انْتَسَبَ إِلَى تِسْعَةِ آبَاءٍ كُفَّارٍ يُرِيدُ بِهِمْ عِزَّا وَكَرَمًا كَانَ عَاشِرَهُمْ فِي النَّارِ)) (إنما
هم) أي: آباؤهم (فحم جهنم) .
قال الطيبي: حصر آباءهم على كونهم فحمًا من جهنم لا يتعدون ذلك إلى فضيلة يفتخر
(١) في المطبوع ((تحولها))، والمثبت هو الصواب، انظر ((فيض القدير)) (٤/ ٢٧٤).
(٢) الحاكم، حديث (٢٩٠٠) قال الذهبي: على شرط الشيخين.
(٣) أحمد، حديث (١٦٧٦١).

٤١٣
كتاب المناقب عَنِ رَسُول اللهِوَ ﴿ / باب في فَضْلِ الشَّام واليَمَنِ
أُوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى الله مِنَ الجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الخِراءَ بِأَنْفِهِ، إنَّ الله قد أذْهَبَ
عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٍّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ كُلَّهُمْ بَنُو آدَمَ، وآدَمُ
خُلِقَ مِن تُرَابٍ)).
قَالَ: وَفِي البَابِ عَن ابنِ عُمَرَ وَابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
بها (أو ليكونن) بضم النون الأولى عطفًا على ((لينتهين)) والضمير الفاعل العائد إلى ((أقوام))
وهو: واو الجمع محذوف من ((ليكونن))؛ والمعنى: أو ليصيرن (أهون) أي: أذل (على الله)
أي: عنده (من الجعل) بضم جيم، وفتح عين، وهو: دويبة سوداء، تدير الغائط. يقال لها:
الخنفساء. قوله: (الذي يدهده الخراء) أي: يدحرجه (بأنفه) صفة كاشفة له. والخراء؛ بكسر
الخاء ممدودًا، وهو: العذرة. والحاصل: أنه ◌ّلفي شبه المفتخرين بآبائهم الذين ماتوا في
الجاهلية بالجعل، وآباءهم المفتخر بهم بالعذرة، ونفس افتخارهم بهم بالدهدهة بالأنف؛
والمعنى: أن أحد الأمرين واقع البتة؛ إما الانتهاء عن الافتخار، أو كونهم أذل عند الله -
تعالى - من الجعل الموصوف (إن الله أذهب) أي: أزال، ورفع (عُبِّيَّة الجاهلية) بضم العين
المهملة وكسر الموحدة المشددة، وفتح التحتية المشددة؛ أي: نخوتها، وكبرها.
قال الخطابي: العبية: الكبر، والنخوة، وأصله من: العبء، وهو: الثقل، يقال: عُبية
وعِبية؛ بضم العين وكسرها (وفخرها) أي: افتخار أهل الجاهلية في زمانهم (إنما هو) أي:
المفتخر المتكبر بالآباء (مؤمن تقي وفاجر شقي). قال الخطابي: معناه: أن الناس رجلان:
مؤمنٌ تقيٍّ؛ فهو الخيِّر الفاضل، وإن لم يكن حسيبًا في قومه، وفاجرٌ شقيٍّ؛ فهو الدنيء، وإن
كان في أهله شريفًا رفيعًا. انتهى. وقيل: معناه: إن المفتخر المتكبر؛ إما مؤمن تقي، فإذن
لا ينبغي له أن يتكبر على أحد، أو فاجر شقي؛ فهو ذليل عند الله. والذليل لا يستحق
التكبر؛ فالتكبر منفي بكل حال (الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب) أي: فلا يليق بمن
أصله التراب النخوة والتجبر، أو إذا كان الأصل واحدًا؛ فالكل إخوة؛ فلا وجه للتكبر؛ لأن
بقية الأمور عارضة، لا أصل لها حقيقة، نعم، العاقبة للمتقين ؛ وهي مبهمة؛ فالخوف أولى
للسالك من الاشتغال بهذه المسالك.
قوله: (وفي الباب عن ابن عمر) أخرجه الترمذي(١) في ((تفسير سورة الحجرات)) (وابن
عباس) أخرجه أبو داود الطيالسي في ((مسنده))، والبيهقي (٢) في ((شعب الإيمان)) عنه: أن
(١) الترمذي، كتاب تفسير القرآن، حديث (٣٢٧٠).
(٢) الطيالسي، حديث (٢٦٨٢)، والبيهقي (شعب الإيمان)، حديث (٥١٢٩).

٤١٤
كتاب المناقب عَنِ رَسُول اللهَِ﴿ / باب في فَضْلِ الشَّام واليَمَنِ
وهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غريبٌ.
[٣٩٦٥] (٣٩٥٦) حدثنا هَارُونُ بْنُ مُوسَى بْنِ أبي عَلْقَمَةَ الفَرَوي المَدَنِيُّ حَدَّثَنِي
أبي عَنِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَن سَعِيدٍ بْنِ أبي سَعِيدٍ عَن أبِيهِ عَن أبي هُرَيْرَةَ حُبه أنَّ
رَسُوْلَ اللهِلَّهُ قَالَ: ((قَدْ أَذْهَبَ اللهُ عَنْكُمْ عُبَيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَفيُّ
وَفَاجِرِ شَقِيٍّ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، وآدَمُ مِن تُرَابٍ)). [د: ٥١١٦].
قَالَ: وهذا أصح عندنا من الحديث الأول حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَسَعِيدٌ المَقْبِرِيُّ قَدْ
سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَيَرْوِي عَن أبِيهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً عَن أبي هُرَيْرَةَ ◌َُه .
[وقد روى سفيانُ الثوري، وغيرُ واحدٍ هذا الحديث عن هشام بن سعد عن سعيد
المقبري عن أبي هريرة عن النبي ◌َّار، نحو حديث أبي عامر عن هشام بن سعد].
والحمدُ للهِ رَبِّ العَالمَین
النبيِوَ ﴿ قال: ((لا تَفْخَرُوا بِآبَائِكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَا يُدَحْرِجُ
الْجُعَلُ بِأَنْفِ خَيْرٌ من آبَائِكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ)).
قوله: (هذا حديث حسن)، وأخرجه أبو داود، وابن حبان(١) .
[٣٩٦٥] قوله: (حدثنا هارون بن موسى بن أبي علقمة) بن عبد الله بن محمد (الفروي)
بفتح الفاء، والراء (المدني) لا بأس به، من صغار العاشرة (حدثني أبي) أي: موسى بن
أبي علقمة الفروي، مولى آل عثمان، مجهول، من التاسعة.
قوله: (قد أذهب الله عنكم عبية الجاهلية) قال الجزري في ((النهاية)): يعني: الكبر،
وتضم عينها، وسكسر؛ وهي فعولة أو فعيلة، فإن كانت فعولة، فهي من التعبية؛ لأن المتكبر
ذو تكلف وتعبية؛ خلاف ما يسترسل على سجيته. وإن كانت فعيلة فهي من عباب الماء؛
وهو: أوله وارتفاعه. وقيل: إن اللام قلبت ياء؛ كما فعلوا في تقضَّى(٢) البازي. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن) في سنده موسى بن أبي علقمة، وهو: مجهول؛ لكن تابعه أبو
عامر العقدي، وغيره.
(١) أبو داود، كتاب الأدب، حديث (٥١١٦)، وابن حبان، حديث (٥٧٧٥).
(٢) كما أن أصل ((تقضى البازي): ((تقضض البازي)).

٤١٥
كتاب المناقب عَنِ رَسُول اللهِ وَ﴿ / باب في فَضْلِ الشَّام واليَمَنِ
قال العبد الضعيف؛ محمد عبد الرحمن المبارکفوري - عفا الله تعالى - عنه: قد فرغنا
بعونه - تعالى - وحسن توفيقه من تصنيف شرح ((الجامع)) للترمذي المسمى بـ((تحفة
الأحوذي))، فالحمد لله على ما أنعم علينا به من شرح صدرنا لشرح هذا الكتاب المستطاب
المبارك. اللهم إنا نسألك أن تجعله خالصًا لوجهك الكريم، وتعفو عما وقع فيه من الخطأ
والزلل، إنك عفو غفور رحيم. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، واغفر لي ولوالدي
ولشيوخي ولأساتذتي ولسائر المسلمين. وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد، وآله
وأصحابه أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

٤١٧
كتاب العلل
(٥١) شفاء الغلل في شرح كِتَاب الْعِلّلِ [الصغير]
٥١ - كِتَابُ الْعِلَلِ [الصغير]
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه، محمد، وآله، وأصحابه
أجمعين. أما بعد:
فيقول العبد الضعيف؛ محمد عبد الرحمن بن الحافظ عبد الرحيم جعل الله مآلهما النعيم
المقيم: إني لما فرغت بعونه - تعالى - وكرمه من تصنيف شرح ((الجامع)) للترمذي المسمى
بـ: (تحفة الأحوذي)) أحببت أن أشرح كتابه ((العلل الصغير)) الذي ألحقه في آخره، وأجعله
كالخاتمة له؛ فإنه مشتمل على مباحث مهمة تحتاج إلى التيسير والتسهيل، وفوائد جمة تفتقر
إلى التوضيح والتفصيل. والله - سبحانه وتعالى - هو الموفق، وهو حسبي ونعم الوكيل.
اعلم: أن للإمام أبي عيسى الترمذي - رحمه الله تعالى - في العلل كتابين: ((الكبير))
و ((الصغير)). وكتاب ((العلل الصغير)) له، هو هذا، وله تعلق خاص بجامعه؛ ولذا ألحقه
بآخره. و((كتاب العلل)): هو الكتاب الذي يجمع فيه الأحاديث المعللة على ترتيب الأبواب
الفقهية، ويبين فيه علة كل حديث. وقد يصنف ((المسند)) مع بيان علل الأحاديث، ویقال له:
((المسند المعلل))، وهو أيضًا من كتب ((العلل)). قال السيوطي في ((التدريب)) ص١٨١ : ومن
أحسنه - أي: التصنيف ـ تصنيفه - أي: الحدیث - معللًا؛ بأن یجمع في کل حدیث، أو باب
طرقه، واختلاف رواته؛ فإن معرفة العلل أجلُّ أنواع الحديث. والأولى جعله على الأبواب؛
ليسهل تناوله. وقد صنف يعقوب بن شيبة ((مسنده)) معللًا؛ فلم يتم(١)، ولم يتمم مسند معلل
قط. وقد صنف بعضهم ((مسند أبي هريرة)) معللًا في مئتي جزء. انتهى.
وقد يراد بالعلة معنّى أعم من معناها المشهور؛ كما ستقف عن قريب؛ فيجمع ما يتعلق
بها من الأحكام، والفوائد المهمة في كتاب؛ ويقال له أيضًا: ((كتاب العلل)) كما صنع
الترمذي في كتابه ((العلل الصغير)) هذا.
وأما الحديث المعلل؛ فهو: ما اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع ظهور السلامة،
قال الحافظ في ((شرح النخبة)): ثم الوهم إن اطلع عليه بالقرائن الدالة على وهم راويه؛ من
وصل مرسل، أو منقطع، أو إدخال حديث في حديث، أو نحو ذلك من الأشياء القادحة.
(١) في المطبوع ((فلم يتم قبل)) بزيادة ((قبل))، التصحيح من ((التدريب)) (١٥٥/٢).

٤١٨
کتاب العلل
ويحصل معرفة ذلك بكثرة التتبع وجمع الطرق؛ فهذا هو: المعلل؛ وهو من أغمض أنواع
علوم الحديث، وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله - تعالى - فهما ثاقبًا، وحفظًا واسعًا،
ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية بالأسانيد والمتون؛ ولهذا لم يتكلم فيه إلا قليل من
أهل هذا الشأن كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن شيبة،
وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني. وقد تقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه؛
كالصيرفي في نقد الدينار، والدرهم. انتهى.
قال البلقيني: أَجَلُّ كتاب صُنِّفَ في العلل: كتاب ابن المديني، وابن أبي حاتم،
والخلال، وأجمعها: كتاب الدارقطني.
قال السيوطي - رحمه الله -: وقد صنف شيخ الإسلام - يعني: الحافظ ابن حجر -
رحمه الله - فيه ((الزهر المطلول في الخبر المعلول)). انتهى.
قلت: وقد صنف عمرو بن الفلاس أيضًا في العلل؛ كما ذكره الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)). وكتاب ((العلل)) للإمام الدارقطني كتاب عجيب في هذا الشأن. قال الحافظ الذهبي
في ((تذكرة الحفاظ)) في ترجمته: وإن شئت أن تبين براعة هذا الإمام؛ فطالع ((العلل)) له؛ فإنك
تندهش، ويطول تعجبك. انتهى. وإني قد طالعته؛ فوجدته كما وصفه الذهبي. وقد طالعت
أيضًا كتاب ((العلل)) للحافظ ابن أبي حاتم؛ وهو أيضًا كتاب جليل في هذا الشأن. ويدل على
مهارة الإمام البخاري في معرفة العلل؛ ما حكاه الحافظ في مقدمة ((الفتح)) عن أحمد بن
حمدون الحافظ: رأيت البخاري في جنازة، ومحمد بن يحيى الذهلي يسأله عن الأسماء،
والعلل؛ والبخاري يمر فيه مثل السهم؛ كأنه يقرأ ﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١]. انتهى.
وقال الترمذي في هذا الكتاب: لم أر أحدًا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل،
والتاريخ، ومعرفة الأسانيد [أعلم](١) من محمد بن إسماعيل. انتهى. وأما قول مسلمة: ألَّف
علي بن المديني ((كتاب العلل)) وكان ضنيئًا به؛ فغاب يومًا في بعض ضياعه؛ فجاء البخاري
إلى بعض بنيه ورغبه بالمال؛ على أن يرى الكتاب يومًا واحدًا؛ فأعطاه له، فدفعه إلى
النساخ؛ فكتبوه له ورده إليه؛ فلما حضر علي تكلم بشيء؛ فأجابه البخاري بنص كلامه
(١) في المطبوع (كبير أحد أعلى)) ولا يستقيم به المعنى، والمثبت هو ما في ((تاريخ بغداد)) (٢٧/٢)، و((تاريخ
دمشق» (٥٢/ ٧٠).

٤١٩
کتاب العلل
أخبرنا الكروخي، أخبرنا القاضي أبو عامر الأزدي والشيخ أبو بكر الغورجي،
وأبو المظفر الدهان، قالوا :
مرارًا؛ ففهم القضية، واغتم لذلك. فلم يزل مغمومًا حتى مات بعد يسير، واستغنى البخاري
عنه بذلك الكتاب. انتهى. فقد أبطله الحافظ في ((تهذيب التهذيب))، حيث قال بعد نقله ما
لفظه: وأما القصة التي حكاها - أي: مسلمة - فيما يتعلق بـ((العلل)) لابن المديني؛ فإنها غنية
عن الرد؛ لظهور فسادها، وحسبك أنها بلا إسناد، وأن البخاري لما مات علي كان مقيمًا
ببلاده، وأن ((العلل)) لابن المديني قد سمعها منه غير واحد غير البخاري؛ فلو كان ضنينًا بها
لم يخرجها، إلى غير ذلك من وجوه البطلان لهذه الأخلوقة. انتهى.
ثم اعلم: أن العلة قد تطلق على غير مقتضاها الذي تقدم من الأسباب القادحة؛ ككذب
الراوي، وفسقه، وغفلته، وسوء حفظه، ونحوها من أسباب ضعف الحديث؛ وذلك موجود
في كتب العلل. وسمى الترمذي النسخ: علة. قال العراقي: فإن أراد: أنه علة في العمل
بالحديث؛ فصحيح. أو في صحته، فلا؛ لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة. وأطلق،
بعضهم العلة على مخالفة لا تقدح في صحة الحديث؛ كإرسال ما وصله الثقة الضابط، حتى
قال: من الصحيح صحيح مُعَلل كما قيل منه: صحيح شاذ. وقائل ذلك أبو يعلى الخليلي في
((الإرشاد))، ومثل الصحيح المعلل بحديث مالك: ((للمملوك طعامه، وكسوته بالمعروف))؛
فإنه أورده في ((الموطأ)) معضلًا، ورواه عنه إبراهيم بن طهمان، والنعمان بن عبد السلام
موصولًا. قال: فقد صار الحدیث بتبیین الإسناد صحيحًا یعتمد عليه. وقيل: وذلك عكس
المعلل؛ فإنه ما ظاهره السلامة؛ فاطلع فيه بعد الفحص على قادح. وهذا كان ظاهره
الإعلال بالإعضال؛ فلما فتش تبين وصله. كذا في ((تدريب الراوي)).
تنبيه: اعلم أن كل من وقع في هذا الكتاب من رجال ((جامع الترمذي)) لا أذكر
تراجمهم؛ فإنها تقدمت في الشرح؛ وإنما أذكر تراجم الذين ليسوا من رجاله.
قوله: (أخبرنا الكروخي) بفتح الكاف، وضم الراء الخفيفة، وبالخاء المعجمة؛ منسوب
إلى كروخ من بلاد خراسان. وهو: أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم، وقائل: ((أخبرنا))
هو: عمر بن طبرزد البغدادي (أخبرنا القاضي أبو عامر الأزدي) بفتح الهمزة، وسكون
الزاي، وإهمال الدال؛ منسوب إلى الأزد، واسمه: محمود بن القاسم بن محمد (والشيخ
أبو بكر الغورجي) بضم الغين المعجمة، وسكون الواو، وبالراء، والجيم. قال في
((القاموس)): الغورة؛ بالضم: قرية عند باب هراة؛ وهو غورجي على خلاف القياس انتهى

٤٢٠
کتاب العلل
أخبرنا أبو محمد الجراحي، أخبرنا أبو العباس المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى
الترمذي، قال جَمِيعُ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ مِن الْحَدِيثِ فَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ، وَبِهِ أَخَذَ بَعْضُ
أهْلِ العِلمِ مَا خَلا حَدِيثَيْنِ: حَدِيث ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ جَمَعَ بَيْنَ الُهْرِ وَالعَصْرِ
بِالمَدِينَةِ، وَالمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ مِن غَيْرِ خَوْفٍ وَلا سَفر وَلا مَطَرٍ وَحَدِيث النَّبِيِّ ◌ِ: أنَّهُ
قَالَ: ((إِذَا شَرِبَ الخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ)) وَقَدْ بَيَّنَا عِلَّةَ الحَدِيثَيْنِ
جَمِيعاً فِي الكِتَابِ.
واسم أبي بكر الغورجي هذا: أحمد بن عبد الصمد بن أبي الفضل بن أبي حامد (أخبرنا
أبو محمد الجراحي) بفتح الجيم، وشدة الراء، وبالحاء المهملة؛ اسمه: عبد الجبار بن
محمد بن عبد الله بن أبي الجراح (أخبرنا أبو العباس) اسمه: محمد بن أحمد بن محبوب بن
فضیل.
قوله: (جميع ما في هذا الكتاب من الحديث هو معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم،
ما خلا حديثين .... إلخ) في كلام الترمذي هذا نظر؛ كما تقدم في ((باب الجمع بين
الصلاتين)) وفي ((باب مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ فَإِن عَادَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ))، وقد تعقبه
صاحب ((دراسات اللبيب)) وأطال الكلام فيه (وقد بينا علة الحديثين جميعًا في الكتاب) أي:
في ((جامعه)) في البابين المذكورين. قال صاحب ((الدراسات)) بعد نقل قول الترمذي هذا: ما
أتى أبو عيسى الترمذي في بيان علة الحديث الأول - التي هي سبب ترك أهل العلم العمل به
- على ما يشعر به كلامه إشعارًا؛ كالتصريح بأزيد من معارضة حديث أبي سلمة المروي عن
ابن عباس أيضًا؛ بحديث الجمع؛ وليست المعارضة بينهما إلا بالصورة دون الحقيقة؛ لأن
حديث الجمع حديث صحيح أخرجه مسلم من وجوه، وحديث حرمة الجمع معلول بحنش؛
كما أقر به؛ فلا معارضة بين الحديثين مع صحة أحدهما، وضعف الآخر. على أنا لو فرضنا
ثبوت المعارضة وكونهما على حد سواء من الصحة؛ فالمعارضة إذًا لم يمكن التقصي منها
بالجمع بين المتعارضين؛ فهي مما يوجب الوقفة في الحكم بأحدهما؛ ما لم يوجد المرجح
لأحد الحديثين، ولا تعد المعارضة من علل الحديثين، أو أحدهما، وإذا وجد المرجح؛
عمل بما ترجح من غير أن يحكم على الحديث الصحيح الآخر بكونه معلولًا، كما لا يخفى
على ماهر في هذا الفن الشريف. على أنا - على فرض صحة المعارض لحديث الجمع -
نقتدر بحمد الله على الجمع بينهما بوجوه. ثم ذكر صاحب ((الدراسات)) وجوه الجمع