النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه ومنهم(١): الإمام الدارميُّ، وهو: عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد الصمد التميمي، أبو محمد السمرقندي الحافظ، صاحب ((المسند)) العالي، الذي في طبقة منتخب ((مسند عَبْد بن حُمَيْد))، مولده عام توفي ابن المبارك سنة إحدى وثمانين ومائة، سمع: النضر بن شُمَيْل، ويزيد بن هارون، وسعيد بن عامر الضبعي، وجعفر بن عون، وزيد بن يحيى بن عبيد الدمشقي، ووهب بن جرير، وطبقتهم بالحرَميْن وخراسانَ والشام والعراق ومصرَ، حدَّث عنه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، ومُطَيَّن، وجعفر الفريابي، وعمر بن بحير، والنسائي خارج ((سننه))، وحفص بن أحمد بن فارس الأصبهاني، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وعيسى بن عمر السمرقندي، وآخرون. قال الخطيب: كان أَحَدَ الحُفَّاظ والرَّالين، موصوفًا بالثقة والورع والزهد، استقضي على سمرقند، فقضى قضية واحدة، ثم استعفى فأعفي ... إلى أن قال: وكان على غاية العقل، وفي نهاية الفضل، يضرب به المثل في الديانة والحلم، والاجتهاد والعبادة والتقلَّل، صنف ((المسند)) و((التفسير)) وكتاب ((الجامع))، قال أبو حاتم: ثقة صدوق. وعن أحمد بن حنبل، وذكر الدارميُّ، فقال: عُرِضَتْ عليه الدنيا فلم يقبل. وقال رجاء بن مرجى: رأيت الشَّاذَكُونِيَّ وابن راهويه وسمَّى جماعة، فما رأيتُ أحفظَ من عبد الله الدارميِّ؛ كذا في ((التذكرة)). وقال الحافظ (٢): قال الإمام أحمد بن حنبل: إمام، وقال الآخر: عليك بذاك السيِّد عبد الله بن عبد الرحمن، يكرِّرها، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: غَلَبَنا بالحفظ والورع. وقال أبو سعيد الأَشَجُّ: إمامنا. وقال عثمان بن أبي شيبة: أَمْرُهُ أَظْهَرُ مما يقولون من الحفظ والبصر وصيانة النفس، وعَدَّهُ بُنْدَارٌ في حفاظ الدنيا، وقال إسحاق بن أحمد بن زيرك، عن أبي حاتم الرازي: سَمِعْتُهُ يقول: محمد بن إسماعيلَ أعلَمُ مَنْ دخل العراق، ومحمد بن يحيى أعلم من بخراسان اليوم، ومحمد بن أسلم أورعهم، وعبد الله بن عبد الرحمن أثبتهم. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: إمام أهل زمانه، وقال ابن الشرقي: (١) انظر ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (٥٣٥/٢). (٢) ابن حجر في (تهذيب التهذيب)) (٢٥٨/٥). ٤٤٢ مقدمة تحفة الأحوذي إنما أخرجَتْ خراسانُ من أئمة الحديثِ خمسةً، فذكره فيهم. وقال محمد بن إبراهيم بن منصور الشيرازي: كان على غاية من العقل والديانة، ممن يضرب به المثل في الحكم والدراية والحفظ والعبادة والزهد، أَظْهَرَ عِلْمَ الحديث والآثار بسمرقند، وذَبَّ عنها الكذب، وكان مفسرًا كاملًا، وفقيهًا عالمًا، وقال أحمد بن سَيَّر: كان حسن المعرفة، قد دَوَّنَ المسند والتفسير، مات سنة خمس وخمسين ومائتين يوم التروية، ودفن يوم عرفة يوم الجمعة وهو ابن أربع وسبعين سنة، وكذا أرَّخَهُ غير واحد، وقيل: مات سنة ٥٠، وهو وَهُمٌّ، وقال أبو حاتم بن حبَّان: كان من الحُفَّاظ المتقنين، وأهل الورع في الدين، ممن حفظ وجمع، وتفقَّه وصنَّف وحدَّث، وأظهر السنة في بلده، ودعا إليها، وذَبَّ عن حریمها، وقَمَعَ مَنْ خالفها. انتهى. ومنهم (١): عبد الله بن المبارك بْنِ واضِحٍ، الإمام الحافظ العلامة، شيخ الإسلام، فخر المجاهدين، قدوة الزاهدين، أبو عبد الرحمن الحنبلي مولاهم المروزيُّ التركيُّ الأب الخوارزميُّ، الإمام التاجر السَّفَّار، صاحب التصانيف النافعة، والرحلات الشاسعة، ولد سنة ثماني عشرة ومائة، أو بعدها بعام، وأفنَى عمره في الأسفار حاجًا ومجاهدًا وتاجرًا، سمع: سليمان التيمي، وعاصمًا الأحول، وحميدًا الطويل، والربيع بن أنس، وهشام بن عروة، والجُرَيْرِيَّ، وإسماعيل بن أبي خالد، وخالدًا الحَذَّاء، ويزيد بن عبد الله بن أبي بردة، وأممًا سواهم، حتى كتب عمن هو أصغرُ منه، دَوَّن العلم في الأبواب والفقه، وفي الغزو والزهد والرقائق وغير ذلك، حدَّث عنه خلْقٌ لا يحصون من أهل الأقاليم، فإنه مِنْ صباه ما فَتَرَ عن السَّفَرِ، منهم: عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن معين، وحَيَّان بن موسى، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه عثمان، وأحمد بن منيع، وأحمد بن حنبل المروزي، والحسن بن عيسى بن ماسرجس، والحسين بن الحسن المروزي، والحسن بن عرفة. قال ابن مهدي: الأئمة أربعة: مالك، والثوري، وحماد بن زيد، وابن المبارك، وفضَّله ابن مهدي أيضًا على الثوري، وقال مرة: حدَّثنا ابن المبارك، وكان نسيجَ وَحْدِهِ. قال أحمد بن حنبل: لم يكن في زمان ابن المبارك، أطلب للعلم منه، وعن شعيب بن (١) انظر ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (٢٧٤/١). ٤٤٣ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه حَرْب قال: ما لقي ابن المبارك مثل نفسه، وقال شعبة: ما قَدِمَ علينا مثلُ ابن المبارك، وقال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين، وقال ابن معين: كان ثقة متثبتًا، وكانَتْ كتبه التي حدَّث بها نحوًا من عشرين ألف حديث، قال يحيى بن آدم: إذا طلبْتُ الدقيق من المسائل فلم أجده في كتب ابن المبارك أَبِسْتُ فيه. قال عباس بن مصعب: جمع ابن المبارك الحديثَ والفقه والعربية وأيام الناس والشجاعة والسخاء ومحبة الفِرَقِ له، وقال شعيب بن حَرْب: لو جهدتُ جهدي أن أكون في السنة ثلاثة أيام مثل ابن المبارك لم أقدِرْ، وقال أبو أسامة: هو أمير المؤمنين في الحديث، قال الحسن بن عيسى بن ماسرجس: اجتمع جماعةٌ من أصحاب ابن المبارك فقالوا: عُدُّوا خصال ابن المبارك، فقالوا: جمع: العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والزهد، والشجاعة، والسعة، والفصاحة، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو، والفروسية، وترك الكلام فيما لا يعنيه، والإنصاف، وقلة الخلاف على أصحابه. رَوَى العباس بن مصعب في ((تاريخه)) عن إبراهيم بن إسحاق، عن ابن المبارك قال: حملْتُ عن أربعة آلاف شيخ، فرَوَيْتُ عن ألف منهم، قال العباس: وقع لي من شيوخه ثمانمائة. نُعَيم بن حماد: سمعتُ عبد الله يقول: قال لي أبي: إني لئن وجدت كتبك حرَّقتها، فقلت: وما عَلَيَّ! هي في صدري. علي بن الحسن بن شَقِيق: قمتُ مع ابن المبارك ليلةً باردةً ليخرج من المسجد، فذاکرني عند الباب بحديثٍ وذاكرته، فما زال يذاكرني حتى جاء المؤذِّن، فأذَّن للفجر. أحمد بن أبي الحواري قال: جاء رجل من بني هاشم ليسمع من ابن المبارك، فامتنع، فقال الهاشمي لغلامه: قم بنا، فلما أراد الركوبَ، جاء ابن المبارك ليمسِكَ بركابِهِ، فقال: يا أبا عبد الرحمن، لا تَرَى أن تحدثني، وتمسِكُ بركابي؟! قال: رأيْتُ أن أُذِلَّ لك بدني، ولا أُذِلَّ لك الحديث. مات ابن المبارك بـ ((هيت)) في رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة، قال الذهبي: مناقب هذا السيد جَمَّةٌ في ((تاريخ دمشق))، وفي ((تاريخ نيسابور))، وفي ((الحلية))، وفي ((تاريخ الخطيب)). انتهى(١). (١) من ((تذكرة الحفاظ)) (٢٧٩/١). ٤٤٤ مقدمة تحفة الأحوذي وقال ابن خَلِّكَان(١): كان قد جمع بين العلم والزهد، وتفقه على: سفيان الثوري، ومالك بن أنس، ﴿ًا، وروى عنه ((الموطأ))، وكان كثير الانقطاع محبًّا للخَلْوة، شديد التورع، وكذلك كان أبوه، ويحكى عن أبيه: أنه كان يعمل في بستان لمولاه، وأقام فيه زمانًا، ثم إن مولاه جاءه يومًا وقال له: أريد رُمَّانًا حلوًا، فمضى إلى بعض الشجر، وأَحْضَرَ منها رُمَّانًا، فكسره، فوجده حامضًا، فحرِدَ عليه، وقال: أطلبُ الحلو فتحضر لي الحامض، هات حلوًا، فمضَى وقطع من شجرة أخرَى، فلما كسره وجده أيضًا حامضًا، فاشتد حرَدُهُ عليه، وفعل ذلك دفْعَةً ثالثة، فقال له بعد ذلك: أَنْتَ ما تعرف الحلو من الحامض؟ فقال: لا، فقال: كيف ذلك؟ قال: لأني ما أكَلْتُ منه شيئًا حتى أعرفه، فقال: ولم لَمْ تَأْكل؟ قال: لأنَّكَ ما أَذِنْتَ لي، فكشف عن ذلك، فوجده حقًّا، فَعَظُمَ فِي عَينه وزَوَّجَهُ ابْنته، ويقال: إن عبد الله رزقه من تلك الابنة، فنمت عليه بركة أبيه. ونقل أبو عَلِيٍّ الغَسَّانِيُّ الجَيَّانِيُّ أن عبد الله بن المبارك المذكور، سئِلَ: أيما أفضل: معاوية بن أبي سفيان، أم عمر بن عبد العزيز؟ فقال: والله، إن الغبار الذي دَخَلَ فِي أَنْفٍ مُعاوية مع رسول الله وَّهَ، أَفْضَلُ من عمر بألف مرَّة، صَلّى معاوية خَلْفَ رَسُول الله وَيه فقال: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقَالَ معاوية: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، فَمَا بَعْدَ هذا، قال: وَقَفْتُ في كتاب ((النصوص على مراتب أهل الخصوص)): عن أشعث بن شعبة المصيصيِّ قال: قَدِمَ هارونُ الرشيد الرَّقَّةَ، فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك، وتقطّعتِ النعالُ، وارتفعت الغبرة، فأشرفَتْ أم ولد أمير المؤمنين من بُرْج الخشب، فلما رأت الناسَ قالت: ما هذا؟ قالوا: عالم أهل خراسان قَدِمَ الرَّقَّة، يقال له: عبد الله بن المبارك، فقالت: هذا والله المُلْكُ، لا مُلْكُ هارونَ الذي لا يَجْمَعُ الناسَ إلا بِشُرَطٍ وأعوان. انتھی . ومنهم: الأوزاعيُّ وهو: عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمِدَ، أبو عمرو الدمشقيُّ، قال ابن خَلِّكَان (٢): إمام أهل الشام، لم يكن بالشام أَعْلَمُ منه، قيل: إنه أجاب في سبعين ألف مسألة، وكان يسكن بيروت، روي أن سفيان الثوري بلغه مَقْدَمُ الأوزاعي، فخرج حتى لقيه بذي طُوى، فحل سُفيان رأْسَ بعيره من القطار، ووضعه على رقبته، فكان إذا مَرَّ (١) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (٣٢/٣). (٢) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (١٢٧/٣). ٤٤٥ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه بجماعة قال: الطريقُ للشيخ. سمع من الزهري، وعطاء، وروى عنه الثوريُّ، وأخذ عنه: عبد الله بن المبارك، وجماعةٌ كثيرة، وكانت ولادته ببعلبكَّ سنة ثمان وثمانين للهجرة، وقيل: سنة ثلاث وتسعين، ومنشؤه بالبقاع، ثم نقلته أمه إلى بَيْرُوتَ، وكان فوق الرَّبْعة، خفيف اللحية، به سُمْرة، وكان يخضب بالحناء، وتوفي سنة سبع وخمسين ومائة، يوم الأحد لليلتين بقيتا من صفر، وقيل: في شهر ربيع الأول، بمدينة بيروت - رحمه الله تعالى - وقبره في قرية على باب بيروت، يقال لها: ((حنتوس))، وأهلها مسلمون، وهو مدفون في قبلة المسجد، وأهل القرية لا يعرفونه، بل يقولون: ههنا رجلٌ صالحٌ ينزل عليه النُّور، ولا يعرفه إلا الخواصُّ من الناس، ورثاه بعضُهم بقوله: [من الكامل] قَبْرًا تَضَمَّنَ لَحْدُهُ الأَوْزَاعِي جَادَ الحَيَا بِالشَّامِ كُلَّ عَشِيَّةٍ سُقْبَالَهُ مِنْ عَالِمِ نَفَّاعِ قَبْرًا تَضَمَّن فِيهِ طَوْدَ شَرِيعَةٍ عَنْهَا بِزُهْدٍ أَيَّمَا إِقْلَاعِ عَرَضَتْ لَهُ الدُّنْيَا فَأَعْرَضَ مُقْلِعًا ذكر الحافظ ابن عساكر في ((تاريخ دمشق))(١): أن الأوزاعي دخل الحَمَّام ببيروت، وكان لصاحب الحمام شُغْلٌ، فأغلق الحَمَّام عليه وذهب، ثم جاء ففتح البابَ، فوجده ميتًا قد وضع يده اليمين تحت خَدِّه وهو مستقبل القبلة، وقيل: إن امرأته فعلت ذلك، ولم تكن عامدة لذلك، فأمرها سعيد بن عبد العزيز بِعِثْقِ رقبةٍ. ويُحْمِدُ: بضم الياء المثناة من تحتها، وسكون الحاء المهملة، وكسر الميم، وبعدها دال مهملة، والأوْزَاعِيُّ: بفتح الهمزة، وسكون الواو، وفتح الزاي، وبعد الألف عين مهملة، هذه النسبة إلى ((أَوْزَاعِ))، وهي: بطن من ذي الكُلَاعِ من اليمن، وقيل: بطن من هَمْذَانَ، واسمه: مرثد بن زيد، وقيل: الأوزاع قرية بـ ((دمشق)) على طريق باب الفَرَادِيس، ولم يكن أبو عمرو منهم، وإنما نزل فيهم، فنسب إليهم، وهو مِن سَبْيٍ اليمن، وَبَيْرُوت: بفتح الباء الموحدة، وسكون الياء المثناة، من تحتها، وضم الراء، وسكون الواو، وفي آخرها تاء مثناة من فوقها، وهي؛ بُليْدَةٌ بساحل الشام، أخذها الفرنج من المسلمين يوم الجمعة عاشر ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، وحَنْتُوسُ: بفتح الحاء المهملة، وسكون النون، وضم التاء المثناة من فوقها، وسكون الواو، ثم سين مهملة. انتهى. (١) ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٢٢/٣٥). ٤٤٦ مقدمة تحفة الأحوذي وقال الحافظ(١): قال أبو زُرْعَة الدمشقيُّ: كان اسم الأوزاعيِّ: عبد العزيز، فسمى نفسه عبد الرحمن، وكان أصله من سَبْي السند، وكان ينزل الأوزاعَ، فغلب ذلك عليه، وإليه فتوى الفقه لأهل الشام؛ لفضله فيهم وكثرة روايته، وبلغ سبعين سنة، وكان فصيحًا ورسائله تؤثر، وقال عمرو بن علي، عن ابن مهدي: الأئمة في الحديث أربعة: الأوزاعي، ومالك، والثوري، وحماد بن زيد، وقال أبو عُبَيْد، عن ابن مهدي: ما كان بالشام أعلمُ بالسُّنَّة منه، وقال عثمان الدارميُّ عن ابن معين: ثقة، ما أَقَلَّ ما رَوَى عن الزهري، وقال أبو حاتم: إمامٌ متبع لما سمع، وقال أبو مسهر عن هقل بن زياد: أجاب الأوزاعي في سبعينَ ألفًا . ومنهم: عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن العَنْبَرِيُّ، وقيل: الأزدي، مولاهم، أبو سعيد البصري اللؤلؤي الحافظ الإمام العلم. قال الذهبي (٢): مولده سنة خمس وثلاثين ومائة، وسمع: أيمن بن نابل، وهشامًا الدستوائي، ومعاوية بن صالح، وأبا خَلَدَةَ، وشعبة، وسفيان، وأممًا، حدَّث عنه: ابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وابن المديني، وبُنْدَارٌ، وعبد الرحمن رسته، ومحمد بن يحيى، وعبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارثيُّ، وخلق سواهم، قال أحمد بن حنبل: هو أفقه من يحيى القَطَّانِ، وهو أثبَتُ من وكيع؛ لأنه أقرب عهدًا بالكتاب، اختلفا في نحو من خمسين حديثًا للثوري، فنظرنا فإذا عامَّةُ الصواب مع عبد الرحمن، وقال أيوب بن المتوكل: كنا إذا أردْنَا أن ننظر إلى الدين والدنيا ذهبنا إلى دار عبد الرحمن بن مهدي، قال محمد بن أبي بكر المُقَدَّمِيُّ: ما رأيت أحدًا أتقن لما سمع، ولما لم يسمع، ولحديث الناس من عبد الرحمن بن مهدي، إمام ثَبتُ أثبَتُ من يحيى بن سعيد، وكان عرض حديثه على سفيان، قال القواريري: أملى عَلَيَّ ابن مهدي عشرين ألفَ حديثٍ حفظًا، وقال إبراهيم بن زياد سبلان: قال لي ابن مهدي: لو كان لي سلطانٌ لألقيْتُ من يقول: ((إن القرآن مخلوقٌ)) في دجلة، بعد أن أضرب عنقه. قال أحمد بن حنبل: عبد الرحمن أكثر حديثًا من يحيى القطان، قال نُعَيْم بن حَمَّاد: (١) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٢١٧/٦). (٢) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٣٢٩/١). ٤٤٧ الباب الثاني فى فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه قلت لابن مهدي: كيف تعرفُ الكذَّاب؟ قال: كما يعرف الطبيبُ المجنونَ، وكان عبد الرحمن فقيهًا بصيرًا بالفتوى، عظيم الشأن، قال أحمد بن سنان: كان عبد الرحمن لا يُتَحَدَّثُ في مجلسه، ولا يُبْرَى قَلَمٌّ، ولا يقوم أحد، كأنما على رؤوسهم الطَّيْرُ، أو كأنهم في صلاة، قال ابن المديني: لو حُلِّفت بين الركن والمقام، لحلفت أني لم أر مثل عبد الرحمن بن مهدي، وكان يقول: أَعْلَمُ الناس بقول الفقهاء السبعة الزهريُّ، ثم بعده مالك، ثم بعده ابن مهدي، وكان ورده كلَّ ليلة نصفَ القرآن، وقال الذهلي: ما رأيتُ في يد عبد الرحمن بن مهدي كتابًا قطّ، قال ابن نمير: سمعت ابن مهدي يقول: معرفةٌ الحديثِ إلهامٌ، مات في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائة. انتهى. وقال الحافظ (١): قال علي بن المديني: إذا اجتمع يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل لم أحدِّث عنه، فإذا اختلفا أخذْتُ بقول عبد الرحمن؛ لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدُّد، وقال علي بن نصر، عن علي بن المديني: كان يحيى بن سعيدٍ أعلم بالرجال، وكان عبد الرحمن أعلَمَ بالحديث، وما شبهت علْمَ عبد الرحمن بالحديثِ إلا بالسِّخْرِ، قال: وذكره ابن حِبَّان في ((الثقات))، وقال: كان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع في الدين، ممن حفظ وجمع، وتفقه وصنف، وحدَّث، وأبى الرواية إلا عن الثقات، وقال الشافعي: لا أعرفُ له نظيرًا في الدنيا. انتهى. ومنهم (٢): أبو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، عُبَيْد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فَرُّوخ القرشيُّ مولاهم، سمع: أبا نُعَيْم، وقُبَيْصَةَ، وخَلَّاد بن يحيى، ومسلم بن إبراهيم، والقعنبي، ومحمد بن سابق، وطبقتهم بالحرمين والعراق والشام والجزيرة وخراسان ومصر، وكان من أفراد الدهر حفظًا وذكاءً، ودينًا وإخلاصًا، وعلمًا وعملًا، حدَّث عنه من شيوخه: حرملة، وأبو حفص الفَلَّاس، وجماعة، ومسلمٌ، وابن خالته، الحافظ أبو حاتم، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي، وابن أبي داود، وأبو عوانة، وسعيد بن عمرو البرذعي، وابن أبي حاتم، ومحمد بن الحسين القَطَّان، وآخرون، وفي ((السابق واللاحق)) رواية إبراهيم بن أورمة الحافظ عن الفَلَّاس عن أبي زرعة الرازي. (١) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٢٥٢/٦). (٢) انظر ((تذكرة الحفاظ)) (٢/ ٥٥٧). ٤٤٨ مقدمة تحفة الأحوذي قال البخاريُّ: سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: نزل أبو زرعة عندنا، فقال لي أبي: يَا بُنَيَّ، قد اعتضْتُ عن نوافلي بمذاكرة هذا الشيخ، قال صالح بن محمد: سمعْتُ أبا زرعة يقول: كتبت عن ابن أبي شيبة مِائَةَ ألفِ حديثٍ، وعن إبراهيم بن موسى الرازيِّ مائة ألف، قلت: تقدر أن تملي عَلَيَّ ألفَ حديثٍ من حفظك؟ قال: لا، ولكني إذا ألقي عَلَيَّ عرفْتُ، وعن أبي زرعة: أن رجلًا استفتاه أنه حَلَفَ بالطلاق أنك تَحْفَظُ مائة ألف حديث، فقال: تمسك بامرأتك. ابن عقدة أخبرنا مُطَيَّن عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: ما رَأَيْتُ أحفظَ من أبي زرعة. وعن الصغاني قال: أبو زرعة - عندنا - يشبه بأحمد بن حنبل، وقال علي بن الجُنَيْد: ما رأيت أعلَمَ من أبي زرعة، وقال أبو يعلى الموصلي: كان أبو زرعة مشاهدته أكبر من اسمه، يحفظ الأبواب والشيوخ والتفسير، وقال صالح جزرة: سمعت أبا زرعة يقول: أحفَظُ في القراءات عشرةَ آلاف حديث، وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيتُ أكثر تواضعًا من أبي زرعة، وقال عبد الواحد لابن غِيَاثٍ: ما رأى أبو زرعة مثل نفسه. وقال أبو حاتم: ما خلف أبو زرعة بعده مثله، ولَا أَعْلَمُ مَنْ كان يفهم هذا الشأنَ مثلَه، وَقَلَّ من رأيت في زهده؛ كذا في ((التذكرة)). وقال الحافظ (١): قال النسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: إمام، وقال الخطيب: كان إمامًا ربانيًا حافظًا مكثرًا صادقًا، قال عبد الله بن أحمد: لما قدم أبو زرعة نزل عند أبي، وكان كثير المذاكرة له، فسمعْتُ أبي يقول يومًا: ما صلَّيت غير الفرض، استأثرت بمذاكرة أبي زُرْعَة، وقال عبد الله بن أحمد: سمعته يقول: ما جاوز الجسر أَفْقَهُ من إسحاق، ولا أحفظُ من أبي زرعة، وقال ابن وَارَةَ: سمعتُ إسحاق بن راهويه يقول: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة ليس له أصل، وقال أبو جعفر التستري: سمعتُ أبا زرعة يقول: ما سَمِعت أذني شيئًا من العلم إلا وعاه قلبي، وإن كنْتُ لأَمْشِي في سوق بغداد، فأسمع من الغُرَفِ صوت المغنيات، فأضَعُ أصبعي في أذني، مخافة أن يعيه قلبي. وقال أبو حاتم: حدَّثني أبو زرعة، وما خلَّف بعده مثله علمًا وفقهًا وفهمًا وصيانةً وصدقًا، ولا أعلم في المشرق والمغرب مَنْ كان فهم هذا الشأن مثله، وروى البيهقيُّ عن (١) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٢٩/٧). ٤٤٩ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه ابن وَارَةَ قال: كنا عند إسحاق بنيسابور، فقال رجل: سمعتُ أحمد يقول: صَحَّ من الحديث سبعُمائَةِ ألفِ حديثٍ وَكَسْرٌ، وهذا الفتى - يعني: أبا زرعة - قد حفظ ستمائة ألف حديث، قال البيهقي: وإنما أراد ما صَحَّ من حديث رسول الله وَ ﴿﴿ وأقاويلِ الصحابة، وفتاوى من أخذ عنهم من التابعين، وقال محمد بن جعفر بن حمكويه: قال أبو زُرْعة: أحفظ مائةَ ألفِ حديثٍ، كما يحفظ الإنسان ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١]، وقال أبو جعفر التستري: سمعت أبا زرعة يقول: إن في بيتي ما كتبته منذ خمسين سنة، ولم أطالعه منذ كتبته، وإني أعلم في أي كتاب هو، في أي ورقة هو، في أي صفحة هو، في أي سطر هو. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: حَضَر عند أبي زرعة محمَّد بن مُسْلم - يعني: ابن وارة - رالفضل بن العباس المعروفُ بـ ((فضلك))، فجرَى بينهم مذاكرةٌ، فذكر محمد بن مسلم حديثًا، فأنكر فضْلَكَ الصَّائغ، فقال: يا أبا عبد الله، ليس هكذا هو، فقال: كيف هو؟! فذكر رواية أخرى، فقال محمد بن مسلم لأبي زرعة: أَيْشٍ تقول؟ فسكتَ، فألح، فقال: هاتوا أبا القاسم ابن أخي، فَدُعِيَ به، فقال: اذهب، فادخل بيت الكتب، فَدَعِ القِمَظْر الأول والثاني والثالث، وعُدَّ ستة عشر جزءًا، وأتني بالجزء السابع عشر، فذهب فجاء بالدفتر، فتصفّح أبو زرعة، وأخرج الحديث، فدفعه إلى محمد بن مسلم فقرأه، وقال: نعم غَلِظْنا، قال أبو سعيد بن يونس: مات بالرَّيِّ آخر يوم من ذي الحجة سنة أربع وستين ومائتين، وقال ابن المنادِي: كان مولده سنة مائتين. انتهى. ومنهم (١): عطاء بن أبي رباح، مفتي أهل مكة ومحدِّثهم، القدوة العلم، أبو محمد بن أسلم القرشي، مولاهم المكي الأسود، قال ابن خلكان(٢): كان من أجلاء الفقهاء، وتابعي مكة وزُهَّادِها، سمع: جابر بن عبد الله الأنصاري، وعبيد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وخلقًا كثيرًا من الصحابة رضوان الله عليهم ورَوَى عنه: عمرو بن دينار، والزهري، وقتادة، ومالك بن دينار، والأعمش، والأوزاعي، وخلق كثير - رحمهم الله تعالى - وإليه وإلى مجاهد انتهَتْ فتوى مكة في زمانهما، وقال قتادة: أعْلَمُ (١) انظر ((تذكرة الحفاظ)) (٩٨/١). (٢) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (٢٦١/٣). ٤٥٠ مقدمة تحفة الأحوذي الناس بالمناسك عطاء، وقال إبراهيم بن عمرو بن كيسان: أَذْكُرُهُمْ في زمان بني أمية، يأمرون في الحج صائحًا يصيح: ((لا يفتي الناس إلا عطاءُ بن أبي رباح)). وإياه عَنَى الشاعر بقوله: [من الطويل] وَضَمَّةِ مُشْتَاقِ الْفُؤَادِ جُنَاحٌ سَلِ المِفْتِيَ المِكِّيَّ هَلْ فِي تَزَاؤُرٍ تَلَاصُقُ أَكْبَادٍ بِهِنَّ جِرَاحُ فَقَالَ: مَعَاذَ اللهِ أَنْ يُذْهِبَ الثُّقَى فلما بلغه البيتان، قال: والله، ما قلْتُ شيئًا من هذا. كان أسود أعور أفطس أَشَلَّ أعرج، ثم عمي، مفلَّل الشعر، قال سليمان بن رفيع: دخلْتُ المسجد الحرام، والناسُ مجتمعون على رجُلٍ فاطلعْتُ، فإذا عطاء بن أبي رباح جالسٌ، كأنه غُرَابٌ أسود، وحكى وكيع قال: قال لي أبو حنيفة النعمان بن ثابت: أخطأُتُ في خمسة أبواب من المناسك بمكّة، فعلَّمنيها حَجَّام، وذلك أني أردت أن أحلق رأسي، قال لي: أعرابي أنت؟ قلت: نعم، وكنت قد قلت له: بِكَمْ تَحلِقُ رأسي، فقال: النسك لا يُشَارطُ فيه، اجلس، فجلست منحرفًا عن القبلة، فأوْماً إِلَيَّ باستقبال القبلة، وأردتُ أن أحلق رأسي من الجانب الأيسر، فقال: أدر شقك الأيمن من رأسك، فأدرته، وجعل يَحْلِقُ رأسي وأنا ساكت، فقال لي: كَبِّرْ، فجعلْتُ أُكَبِّرُ، حتى قمْتُ لأذهب، فقال: أين تريد؟ قلت: رَحلِي، فقال: صَلِّ ركعتين، ثم امْضٍ، فقلْتُ: ما ينبغي أن يكون هذا مِنْ مِثْلِ هذا الحجام إلا ومعه عِلْمٌ، فقلت: من أين لك ما رأيتُكَ أمرتني به؟! فقال: رأيت عطاء بن أبي رباح يفعلُ هذا. توفي سنة خمس عشرة ومائة، وقيل: أربع عشرة ومائة، وعمره ثمان وثمانون سنة رقڅته انتهى. وقال الذهبي (١): ولد في خلافة عثمان، وقيل: في خلافة عمر، وهو أشبه، سمع: عائشة، وأبا هريرة، وابن عباس، وأبا سعيد، وأم سلمة، وطائفة، وعنه: أيوب، وحسين المعلِّم، وابن ◌ُرَيْج، وابن إسحاق، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وهَمَّامُ بن یحیی، وجَرِیر بن حازم، وخلقٌ كثير، قال: مناقب عطاء في العلم والزهد والتأله كثيرة. انتهى. وقال الحافظ (٢): قال خالد بن أبي نَوْفٍ، عن عطاء: أدركْتُ مائتين من الصحابة. (١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٩٨/١). (٢) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (١٨١/٧). ٤٥١ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه وعن ابن عباس: أنه كان يقول: تجتمعُونَ إليَّ يا أهل مكة وعندكم عطاء؟! وكذا روي عن ابن عمر، وقال إسماعيل بن أمية: كان عطاء يطيل الصمت، فإذا تكلّم يُخَيَّل إلينا أنه يؤيّد، وقال عبد الحميد الحِمَّاني: عن أبي حنيفة: ما رأيْتُ فيمن لقيتُ أفضَلَ من عطاء، ولا لَقِيتُ فيمن لَقِيتُ أَكَذَبَ من جابر الجعفي، وقال الدِّيباجُ: ما رأيت مفتيًا خيرًا من عطاء، وقال الأوزاعي: مات عطاء يوم مات وهو أرضَى أهل الأرض عند الناس، وقال يحيى بن سعيد: عن ابن جُرَيْج: كان المسجد فِرَاشَ عطاءٍ عشرين سنة، وكان من أحسن الناس صلاةً، وقال عبد العزيز بن رفيع: سئل عطاء عن مسألة، فقال: لا أدري، فقيل له: أَلا تَقُولُ فيها برأيك؟ قال: إني أستحيي من الله أن يُدَانَ في الأرض برأيي. انتهى. ومنهم: ابن المَدِينِيِّ. قال الذهبي(١): علي بن المدينيِّ حافظ العصر، وقدوة أرباب هذا الشأن، أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي، مولاهم المديني ثم البصري، صاحب التصانيف، ولد سنة إحدى وستين ومائة، سمع: أباه، وحماد بن زيد، وهُشَيْمًا، وابن عيينة، وطبقتهم، وعنه: الذّهْلي، والبخاري، وأبو داود، وإسماعيل القاضي، وأبو يعلى، والبغوي، وأمم. قال أبو حاتم: كان ابن المدينيِّ عَلَمًا في الناس في معرفة الحديث والعلل، وما سمعت أحمد بن حنبل سمَّاه قظُ، إنما كان يكنيه تبجيلًا له، وعن ابن عيينة قال: يلومُونَنِي على حب علي بن المديني، والله، لما أتعلَّم منه أكثر مما يتعلَّم مني، وقال أحمد بن سيَّار: كان ابن عيينة يسمي عليًّا: حَيَّةَ الوادي. قال رَوْحُ بن عبد المؤمن: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: علي بن المديني أعلم الناس بحديث رسول الله بَّه، وقال القواريري: سمعتُ يحيى القطان يقول: أنا أتعلَّم من عَلِيٍّ أكثر مما يتعلَّم مني، قال النسائي: كأن علي بن المديني خُلِقَ لهذا الشأن، وقال إبراهيم بن معقل: سمعْتُ البخاري يقول: ما استصْغَرْتُ نفسي عند أحدٍ إلا عند علي بن المديني، وقال أبو داود: ابن المديني أعلَمُ من أحمد باختلاف الحدیث. انتهى. ومنهم (٢): عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، الإمام، أمير المؤمنين، (١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٤٢٨/٢). (٢) انظر المصدر السابق (١١٨/١). ٤٥٢ مقدمة تحفة الأحوذي أبو حفص الأمويُّ القرشي، مولده بالمدينة زمن يَزِيدَ، ونشأ في مصر في ولاية أبيه عليها، وحدَّث عن: عبد الله بن جعفر، وأنس بن مالك، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيِّب، وعُبَيْد الله بن عبد الله بن عتبة، وطائفة، وكان إمامًا فقيهًا مجتهدًا، عارفًا بالسنن، كبير الشأن، ثَبتًا حَجَّةً حافظًا قانتًا لله أَوَّاهًا منيبًا، حدَّث عنه: ابناه عبد الله وعبد العزيز، والزهري، وأيوب، وحُمَيْد، وإبراهيم بن أبي عَبْلَة، وأبو بكر بْنُ حَزْمِ، وأبو سَلَمة بن عبد الرحمن، وهما من شيوخه، وأمه هي: أم عَاصِمٍ بِنْتُ عمر بن الخطاب، وكان مليحًا أبيضَ جميلَ الشَّكْلِ حَسَنَ اللحية، بجبهته أَثَرُ حافِرِ فَرَسٍ شَجَّهُ في صغره، ولذا كان يقال له: ((أشَجُّ بني أمية))، وفي آخر أيامه وَخَطَه الشيب، عاش أربعين سنة، وَبِعَدْلِهِ وزهده يضرب المثل قال الشافعي: الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز، وقد ولي أولًا إِمْرةَ المدينة في خلافة الوليد، وبنى المسجد وزخرفه، وكان - إذ ذاك - لا يذكر بكثير عَدْلٍ ولا زهد، ولكن تجدَّد له لما استخلف وقلبه الله، فصار بَعْدُ في حسن السيرة والقيام بالقِسْطِ مع جده لأمه عمر، وفي الزهد مع الحسن البصريِّ، وفي العِلْمِ مع الزهريِّ، ولكن موته قرب من موت شيوخه، فلم ينتشر علمه، عن أبي جعفر الباقر قال: إن نجيبَ بني أمية عُمَر بن عبد العزيز، إنه يُبْعَثُ يوم القيامة أُمَّةً وحده، وقال مجاهد: أتيناه لنعلِّمه، فما بَرِحْنَا حتى تعلَّمنا منه، وقال ميمون بن مهران: ما كانَتِ العلماءُ عند عمر بن عبد العزيز إلا تلامذَةً، وقال غيره: استخلف عمر بن عبد العزيز، فانقشَعَ عنه الشعراءُ والخطباءُ، وَثَبَتَ معه الزهاد والعلماء، وقالوا: ما وَسِعَنَا فراقه حتى يخالف فعله قوله؛ ذكره ((الذهبي))(١) . وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب))(٢) في ترجمته: رَوَى عن أنس والسائب بن يزيد، وعبد الله بن جعفر، ويوسف بن عبد الله بن سَلَامٍ، وخولة بنت حكيم مرسل، وعقبة بن عامر الجهني، يقال: مرسل، واستوهب من سهل بن سعد قدحًا شَرِبَ منه النَّبِيُّ ◌ََّ، وروى أيضًا عن: عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، ويقال: إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، (١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١١٩/١ - ١٢٠). (٢) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٤١٨/٧). ٤٥٣ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه والربيع بن سبرة الجهني، وعروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن الحارث بن هشام، وعدّة، وعنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو من شيوخه، وابناه: عبد الله، وعبد العزيز ابنا عُمَرَ بْنِ عبد العزيز، وأخوه: زبان بن عبد العزيز، وابن عمه، مسلمة بن عبد الملك بن مروان، وأبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، والزُّهْرِيُّ، وعنبسة بن سعيد بن العاص، وتمام بن نجيح، وتوبة العنبري، وعمرو بن مهاجر، وغيلان بن أنس، وليث بن أبي رقية الثقفيُّ كاتبه، ومحمد بن قيس قاصه، والنضر بن عربي، ونعيم بن عبد الله القيني، وهلالُ أبو ◌ُعْمَة مولى عمر بن عبد العزيز، ويعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، ومحمد بن الزبير الحنظلي، وأيوب السختياني، وإبراهيم بن أبي عَبْلَةَ، وعبد الملك بن الطفيل الجزريُّ فيما كتب إليه، وآخرون. قال ابن سعد: قالوا: ولد سنة ٦٣، وكان ثقة مأمونًا له فقه وعلم وورع، وروى حديثًا كثيرًا، وكان إمام عدل، وقال عمرو بن علي: سمعتُ عبد الله بن داود يقول: ولد مَقْتَلَ الحسين سنة (٦١)، وذكر سعيد بن عفير، أنه كان أسمر دَقِيقَ الوَجْهِ نحيف الجِسْم حسن اللحية، بجبهته أثر نفحة دابة، وقد وَخَطَه الشيب، وقال مالك بن أنس: كانَ سعيد بن المسيِّب لا يأتي أحدًا من الأمراء غيره، وقال نوح بن قيس: سمعت أيوب يقول: لا نَعْلَمُ أحدًا ممن أدْرَكنا كان أخذ عن النبي - وَّهِ - منه، وقال أنس: ما رأيتُ أحدًا أشبه صلاة برسول الله وَّفي من هذا الفتى، وقال سعيد بن عامر الضبعيُّ، عن ابن عون: لما ولي عُمَرُ بن عبد العزيز الخلافَةَ قام على المنبر فقال: يا أيها الناس، إن كرهتموني لم أقُمْ عليكم، فقالوا: رضينا، رضينا، فقال ابن عون: الآن، حين طاب الأمر، وقال يحيى بن حمزة: حدَّثنا سليمان بن داود أنَّ عبدة بن أبي لُبَابَةَ بعث معه بدراهم في فقراء الأمصار، قال: فأتيتُ ابن الماجِشُون، فسألته فقال: ما أعلَمُ أن فيهم اليوم محتاجًا؛ أغناهم عمر بن عبد العزيز، وقال جعفر بن سليمان: عن هشام بن حسان: لما جاء نعي عمر بن عبد العزيز قال الحسن: مات خَيْرُ الناس. انتهى. وقال الذهبي(١): سيرته تحتملُ مجلدًا، ومات بدَيْر سِمْعَان، وقبره هناك يزار، ومات في رجب سنة إحدى ومائة، وله أربعون سنة سوى ستة أشهر رحمه الله. (١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١١٩/١). ٤٥٤ مقدمة تحفة الأحوذي ومنهم(١): ابن سيرين، وهو الإمام الرباني محمد بن سِيرينَ، مولى أنس بن مالك، وأصل سیرین من جرجرایا . قال أنس بن سِيرينَ: ولد أخي لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وولدت بعده بسنة، سمع محمَّدٌ: أبا هريرة، وعمران بن حصين، وابن عَبَّاس، وابنَ عُمَر، وطائفة، وعنه: أيوب، وابْنُ عَوْن، وقُرةُ بن خالدٍ، وأبو هلال محمد بن سُلَيْم، وعوف، وهشام بن حسان، ويونس، ومهدي بن ميمون، وجرير بن حازم، وخلْقٌ كثير، وكان فقيهًا إمامًا غزير العلم، ثقة ثبتًا، علَّامة في التعبير، ورأُسًا في الورع. وأمه صفية مولاة لأبي بكر الصدیق . قال مورِّق العِجْلِي: ما رأيتُ أحدًا أفقه في ورعه، ولا أورع في فقهه من ابن سيرين. وقال أبو قِلَابَةَ: مَن يطيق مثلَ ما يطيق محمد، يركب مثل حد السنان. قال شُعَيْب بن الحَبْحَاب: قال لي الشعبي: عليكَ بذاك الأصَمِّ، يعني: ابن سيرين. وقال ابن عون: لم تر عيناي مثل ابن سيرين والقاسم ورجاء بن حَيْوَةَ. وقال أبو عوانة: رأيت ابن سيرين، فما رآه أحدٌ إلا ذكر الله تعالى، وذكر الثوري عن زهير الأقطع قال: كان ابن سيرين إذا ذَكَرَ المَوْتَ مات كل عضو منه. وقال يونس: كان ابن سيرين صاحِبَ ضَحِكٍ وَمُزَاحٍ، توفي محمد بعد الحسن بمائة يوم، في شوال سنة عشر ومائة، وهو أثبت من الحَسَنِ؛ كذا في ((التذكرة)). وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب))(٢): وقال الأنصاريُّ، عن ابن عون: كان ابن سيرين يحدِّث بالحديث على حروفه، وقال ابن سعد: سألتُ محمَّد بن عبد الله الأنصاري عن السبب الذي حُبِسَ محمد لأجله، فقال: كان اشتَرَى طعامًا بأربعين ألفًا، فأخبر عن أصله بِشَيْءٍ كرهه، فتصدَّق به، وبقي المالُ عليه، فَحُبِسَ، حبسته امرأة. انتهى. وقال ابن خَلِّكان: كان محمَّد المذكور صاحبَ الحسن البصريِّ، ثم تهاجرا في آخر الأمر، فلما مات الحسن لم يشهد ابنُ سِيرينَ جنازته، وكان بَزَّازًا، وحُبِسَ بدَيْن كان علیه. (١) انظر المصدر السابق (١ / ٧٧). (٢) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (١٩١/٩). ٤٥٥ الباب الثانى فى فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه ومنهم(١): ابن أبي ليلى، وهو الإمام العلم مفتي الكوفة وقاضِيهَا، أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، الفقيه المقرئ، حدَّث عن: الشعبي، وعطاء، والحكم، ونافع، وعمرو بن مرة، وطائفة، وكان أبوه من كبار التابعين، فلم يدرك الأخذ عنه، حدَّث عنه: شعبة، والسفيانان، وزائدة، ووكيع، والخربتي، وأبو نُعَيْمٍ، وخلائق. قال أحمد بن يونس: كان ابن أبي ليلى أفقه أهل الدنيا، وقال العِجْلِيُّ: كان فقيهًا صدوقًا صاحب سُنَّة جائز الحديث قارئًا عالمًا بالقرآن، قرأ عليه حمزة، وقال أبو زرعة: لیس هو بأقْوَی ما یکون. وقال أحمد: مضطربُ الحديث، قال الذهبي (٢): حديثه في وزن الحُسْن، ولا يرتقي إلى الصحة؛ لأنه ليس بالمثْقِنِ عندهم، ومناقبه كثيرة، مات في شهر رمضان سنة ثمان وأربعین من زمانه. وقال أبو حفص الأبار عنه: قال: دخلتُ على عطاءٍ، فجعل يسألني، وكأن أصحابه أنكروا ذلك، فقال: وما تنكرون؟! هو أعلم مني. انتهى. وقال ابن خلكان(٣): كان محمَّد المذكورُ من أصحاب الرأي، وتولَّى القضاء بالكوفة، وأقام حاكمًا ثلاثًا وثلاثين سنة، وَلِيَ لبني أمية، ثم لبني العباس، وكان فقيهًا مفنئًا وقال: لا أعقل من شأن أبي شيئًا، غير أني أعرف أنه كانَتْ له امرأتان، وكان له مُجُبَّانِ أخضران، فينبذُ عند هذه يومًا. وعند هذه يومًا، وتفقَّه محمَّد بالشعبيّ، وأخذ عنه سفيان الثوري. وقال الثوري: فقهاؤنا: ابن أبي ليلى، وابن شُبْرُمَّةً، وكانت بينه وبين أبي حنيفة وَحْشَة يسيرة، وكان يجلس للحكم في مسجد الكوفة. انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح)) (٤) ص٥٩٣ج٢٩: اتفقوا على ضَعْفٍ حديثه مِن قِبَلٍ سُوءٍ حفظه . (١) انظر ((تذكرة الحفاظ)) (١ / ١٧١). (٢) (تذكرة الحفاظ)) (١/ ١٧١). (٣) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (١٧٩/٤). (٤) ابن حجر في ((فتح الباري)) (١٣/ ١٤٣). ٤٥٦ مقدمة تحفة الأحوذي وقال السَّاحِيُّ: كان يُمدَحُ في قضائه، فأما في الحديث فليس بحجة. وقال أحمد: فِقْهُ ابن أبي ليلى أحَبُّ إليَّ من حديثه، وحديثُهُ في ((السنن الأربعة)). انتھی . ومنهم: مجاهد بن جَبْر، يأتي ترجمته في تراجم الأئمة المفسِّرين. ومنهم(١): الزُّهْرِيُّ، وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرَة بن كلاب القرشي، أبو بكر الحافظ المدني، أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام، ولد سنة خمسين، وحدَّث عن: ابن عمر، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، ومحمود بن الربيع، وسعيد بن المسيِّب، وأبي أمامة بن سهل، وطبقتهم من صغار الصحابة وكبار التابعين، وعنه: عقيل، ويونس، والزبيدي، وصالح بن كيسان، ومعمر، وشعيب بن أبي حمزة، والأوزاعي، والليث، ومالك، وابن أبي ذئب، وعمرو بن الحارث، وإبراهيم بن سعد، وسفيان بن عيينة، وأمم سواهم، قال أبو داود: حديثه ألفانِ ومائتانٍ، النِّصْفُ فيها مسند، وقال معمر: سمع الزهريُّ من ابن عمر حديثَيْن، قال الزهري: جالسْتُ ابن المسيِّب ثمان سنين، قال أبو الزناد: كنا نطوف مع الزهري على العلماء ومعه الألواح والصحف يكتب كُلَّ ما سمع. روى أبو صالح عن الليث قال: ما رأَيْتُ عالمًا قظُ أجمَعَ من الزهري، يحدِّث في الترغيب فنقول: لا يحسنُ إلا هذا، وإن حدَّث عن العرب والأنساب قلت: لا يحسنُ إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة، فكذلك. روى إسحاق المسيِّبيُّ عن نافع: أنه عَرَضَ القرآن على الزهريِّ. قال الليث: قال الزهري: ما صبر أحد على العلم صبري، ولا نشره أحد نشري، قال عمر بن عبد العزيز: لم يبق أحد أعلم بسنة ماضية من الزهري. روى الليثُ عنه قال: ما استِدَعْتُ قلبي علمًا فنسيتُه. قال مالك: بقي ابن شِهَابٍ، وما له في الدنيا نظير، قال أيوبُ السختياني: ما رأيت أعلم منه . (١) انظر ((تذكرة الحفاظ)) (١٠٨/١). ٤٥٧ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه وقال عمرو بن دينار: ما رأيتُ الدينار والدرهم عند أحدٍ أهوَنَ منه عند الزهريِّ، كأنه بمنزلة البَعرِ . قال الليث: كان من أسخَى الناس، وقال غيره: كان الزهريُّ جنديًّا جليلًا، وكان یخضب بحناء وگَئَمٍ . قال سعيد بن عبد العزيز: أَدَّى هشام عن الزهريِّ سبعةَ آلافٍ دينارٍ دَيْنًا، وكان يؤدِّب ولده ويجالسه، وَمِنْ حفظ الزهريِّ أنه حفظ القرآن في ثمانين ليلة، رَوَى ذلك عنه ابن أخیه محمد بن عبد الله. وعن الزهريِّ قال: ما استعدتُ عالمًا قظُ. عقيل عن ابن شِهَابٍ قال: مِنْ سُنَّة الصلاةِ أن يقرأ: ((بسم الله الرحمن الرحيم))، ثم فاتحَةَ الكتاب، ثم ((بسم الله الرحمن الرحيم))، ثم سورةً. وكان يقول: ((أول من قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ﴾ سرًّا بالمدينة عمرو بن سعيد بن العاص)). وقال الليث: كان ابنُ شِهَابٍ يكثر شُرْبَ العسل، ولا يأكل التُّقَّاح. قال ابن المديني: دار عِلْمُ الثقات على الزهري وعمرو بن دينار بالحجاز، وقنادة ويحيى بن أبي كثير بالبصرة، وأبي إسحاق والأعمش بالكوفة، يعني: أن غالب الأحاديث الصحاح لا تخرُجُ عن هؤلاء الستة. قال محمد بن عبد العزيز: قلت للوليد بن محمد الموقري: صف لي الزهري، قال: كان قصيرًا أعمَشَ، له جمة وفصاحة، قلت له يومًا: يا أبا بكر، لا أعرف لك عَيْبًا إلا الدَّيْنَ، قال: وما عَليَّ من الدَّيْنِ، عَلَيَّ أربعون ألف دينار، ولي أربعة أَعْيُن، كل عين خَيْرٌ من أربعين ألف دينار، ولا يرثني إلا ابْنُ ابْنٍ، ووددتُ ألا يرثَنِي أحدٌ. عن إسماعيل المكي، عن الزهري قال: من سَرَّهُ أن يحفظ الحديث، فليأكل الزَّبِيبَ، توفي في رمضان سنة أربعٍ وعشرين ومائة. ومنهم (١): مكحولُ الشامي، وهو: أبو عبد الله بن أبي مسلم الهُذَلِيُّ، الفقيه الحافظ، مولى امرأة من هُذَيْلٍ، وأصله من ((كَابل))، وقيل: هو من أولاد كسرَى، وداره بدمشق (١) انظر ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (١٠٧/١). ٤٥٨ مقدمة تحفة الأحوذي بطَرَفٍ سوق الأحد، يرسل كثيرًا، ويدلِّس عن أبي بن كَعْبٍ، وعبادة بن الصامت، وعائشة، والكبار، وروى عن: أبي أمامة الباهلي، وواثلة بن الأسقع، وأنس بن مالك، ومحمود بن الربيع، وعبد الرحمن بن غَنْمٍ، وأبي إدريس الخولاني، وأبي سلام ممطور، وخلق، وعنه: أيوب بن موسى، والعلاء بن الحارث، وثورُ بن يزيد، وحجاج بن أرطاة، والأوزاعي، وآخرون کثیرون. قال ابن إسحاق: سمعت مكحولًا يقول: طفت الأرض في طلب العلمِ، وروى أبو وهب عن مكحول قال: عَتَقْتُ بمصر، فلم أدع بها علمًا إلى حويته فيما أرى، ثم أتيتُ العراق، ثم المدينة، فلم أدع بهما علمًا إلا حَوَيْت عليه فيما أُرَى، ثم أتَيْتُ الشام فغربلْتُهَا . وقال الزُّهْرِيُّ: العلماء ثلاثة، فذكر منهم مكحولًا . وقال أبو حاتم: ما أعلم أفقه من مكحول. قال ابن زرير: سمعت مكحولًا يقول: كنتُ عبدًا لسعيد بن العاص، فوهبني لامرأة من هُذَيْلٍ بمصر، فما خرجْتُ من مصر، حتى ظننْتُ أن ليس بها عِلْمٌ إلا وقد سمعته، ولم أر مثل الشعبي. قال سعيد بن عبد العزيز: قال مكحول: ما استودَعْتُ صدْرِي شيئًا إلا وجدته حين أريد، ثم قال سعيد: كان مكحولٌ أفقه من الزهري، وكان بريئًا من القدر. وقال سعيد بن عبد العزيز: أُعطِيَ مكحول عشرة آلاف دينار، فكان يُعْطِي الرجلَ خمسين دينارًا ثمن الفرس، وقيل: كان في لسانه لُكْنَةٌ، يجعل القاف كافّا، قال أبو مسهر وجماعة: توفي مكحولٌ سنة ثلاث عشرة ومائة، وقال أبو نُعيم ودحيم: سنة اثنتي عشرة، وقيل غير ذلك؛ كذا في ((التذكرة)). قال ابن خلكان (١): قال ابن عائشة: كان مولّى لامرأة من قيس، وكان سِنْدِيًّا لا يفصح. وقال الواقدي: كان مولی لامرأة من هُذَيْل، وقيل: هو مولَی سعید بن العاص، وقيل: مولَی لبني لیث. (١) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (٢٨١/٥). ٤٥٩ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه قال الخطيب: كان جدُّهُ شاذل من أهل هَراة، فتزوَّج ابنة ملك من ملوك كابل، ثم هلك عنها وهي حامل، فانصرفَتْ إلى أهلها، فولدت سهراز، فلم يزلْ في أخوالِهِ بِگابل حتى ولد له مكحولٌ، فلما ترعرع سُبِيَ، ثم وقع إلى سعيد بن العاص فوهبه لامرأة من هُذَيْل فأعتقته، وكان معلِّمَ الأوزاعيِّ المقدَّمِ ذكره في حرف الهمزة، وسعيدٍ بن عبد العزيز. قال الزهري: العلماء أربعة: سعيد بن المسيِّب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، ومكحولٌ بالشام، ولم يكن في زمنه أبصَرَ منه بالفتيا، وكان لا يُفْتِي حتى يقول: ((لا حَوْلَ ولا قُوة إلا بالله العلي العظيم، هذا رأي، والرأي يخطئ ويصيب)). وسمع: أَنَسَ بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وأبا هند الرازي، وغيرهم، وكان مقامه بدمشق، وكان في لسانه عُجْمَة ظاهرة، ويبدل بعض الحروف بغيره، قال نوح بن قيس: سأله بعض الأمراء عن القدر، فقال: أساهر أنا؟ يريد: أساحر أنا؟ وكان يقول بالقدر ورجع عنه، وقال معقل بن عبد الأعلى القرشي: سمعته يقول لرجل: ما فَعَلْتُ تلك الهاجة، يريد الحاجة. وهذه العجمة تغلب على أهل السند. انتهى. ومنهم(١): وكيعُ بن الجراح بن مليح، الإمام الحافظ الثَّبتُ، محدِّث العراق، أبو سفيان الرؤاسي الكوفي، ورؤاس: بطن من قيْسٍ عَيْلان، ولد سنة تسع وعشرين ومائة، سمع: هشام بن عروة، والأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وابن عون، وابن جُرَيْج، وسفيان، والأودي، وخلائق، وعنه: ابن المبارك مع تقدُّمه، وأحمد، وابن المديني، ويحيى، وإسحاق، وزهير، وأبناء أبي شيبة، وأبو كُرَيْب، وعبيد الله بن هاشم، وإبراهيم بن عبد الله القَصَّار، وأمم سواهم، وكان أبوه على بيت المال، وأراد الرشيد أن يولي وكيعًا قضاء الكوفة، فامتنع، قال يحيى بن يمان: لما مات سفيانُ جَلَسَ وکیعٌ موضعه. وقال القعنبي: كنا عند حماد بن زيد، فلما خرج وكيع، قالوا: هذا راوية سفيان، فقال: هذا - إن شئتم - أرجحُ من سفيان، وعن يحيى بن أيوب المقابري قال: وَرِثَ وکیعٌ من أمه مائة ألف درهم. (١) انظر ((تذكرة الحفاظ)) (٣٠٦/١). ٤٦٠ مقدمة تحفة الأحوذي الفضل بن محمد الشعراني: سمعتُ يحيى بن أكثم قال: صَحِبْتُ وَكِيعًا في السفر والحضر، فكان يصومُ الدَّهْرَ، ويختم القرآن كل ليلة. قال يحيى بن مَعِينٍ : وَكِيعٌ في زمانه كالأوزاعي في زمانه. وقال أحمد: ما رأيْتُ أوعى للعلم ولا أحفظ من وَكِيعٍ . وقال يحيى: ما رَأَيْتُ أفضَلَ منه، يقوم الليل، ويسرد الصوم، ويُفْتي بقول أبي حنيفة، وكان يحيى القَطَّانُ يُفْتِي بقول أبي حنيفة، أيضًا . قال سَلْم بن جُنَادة: جالست وكيعًا سبع سنين، فما رأيته بَزَقَ ولا مَسَّ حَصاة ولا جَلَسَ مجلسه فتحرَّك، ولا رأيته إلا مستقبل القبلة، وما رأيته يحلفُ بالله؛ كذا ذكره الذهبي. وقال: ما فيه إلا شربه لنبيذ الكوفيين، وملازمته له، جاء ذلك من غير وجه عنه. قال إبراهيم بن شماس: لو تمنَّيْتُ كنت أتمَنَّى عقل ابن المبارك وورعه، وزهد ابن فُضَيْل ورِقَّته، وعبادة وَكِيع وحفْظَه، وخُشُوعَ عيسى بْنِ يُونُسَ، وصبر حُسَيْن الجعفي، ثم قال: كان وكيعٌ أفقَهَ الناس، وقال مروان بن محمد الطاطري: ما رأيت أخشعَ من وكيع، وما وُصِفَ لي أحد إلا رأيته دون الصِّفَة إلا وكيعٌ، فإني رأيته فوق ما وصف لي. قال سعيد بن منصور: قَدِمَ وكيع مكة، وكان سَمِينًا، فقال له الفُضَيْل بن عِيَاضٍ: ما هذا السمن، وأنت راهب العراق؟! قال: هذا من فرحي بالإسلام، فأفحمه، قال ابن عَمَّار: ما كان بالكوفة في زمان وكيع أفقهُ ولا أعلَمُ بالحديث منه. وقال أبو داود: ما رُئِيَ لوكيع كتابٌ قَطُّ، قال أحمد بن حنبل: ما رأت عيني مثل وكيع قظٌّ، يحفظ الحديث ويذاكر بالفِقْه فيحسن، مع ورع واجتهاد، ولا يتكلم في أحد، توفي وكيع بـ((فيد)) راجعًا من الحج سنة ١٩٧ سبع وتسعين ومائة يوم عاشوراء، قال وكيع: ((الجهر بالبسملة بدعة))، سمعه منه أبو سعيدِ الأَشُّ. ومنهم(١): يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ، الإمام العلم، سيد الحفاظ، أبو سعيد التميميُّ، مولاهم البصري القَطّان، ولد سنة عشرين ومائة، سمع: هشام بن عروة، وعطاء بن السائب، وحُسَينًا المعلِّم، وخيثمة بن عرَاك، وحُمَيْدًا الطويل، وسليمان التيمي، ويحيى بن (١) انظر ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (٢٩٨/١).