النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه
أن اللعب بها جائز، وأنه مباح، فإنه لم يقل هذا، ولا ما يدل عليه، والحق: أن يقال:
إنه كرهها، وتوقف في تحريمها، فأين هذا من أن يقال: إن مذهبه جوازُ اللعب بها
وإبا حتُهُ؟!
ومن هذا - أيضًا - : أنه نص على كراهة تزوُّج الرجل بِنْتَهُ من ماء الزنا، ولم يقل -
قط: إنه مباح ولا جائز، والذي يليق بجلالته وإمامته ومنصبه الذي أجله الله به من الدين
أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم، وأطلق لفظ ((الكراهة))؛ لأن الحرام يكرهه الله
ورسوله، وقد قال تعالى - عَقِيبَ ذكر ما حرَّمه من المحرَّمات من عند قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ
أَلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلَّ إِيَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا نَّقُل لَّكُمَا أُنِّ وَلَ نَنْهُرْهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَ نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ
خَشْيَةَ إِمْلَقٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّفٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا
بِآلْحَقٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلّهٌ﴾ إلى
آخر الآيات، ثم قال -: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٣٨]، وفي
الصحيح: ((إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَرِهَ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤالِ، وَإِضاعَةُ المالِ)).
فالسلف كانوا يستعملون ((الكراهة)) في معناها الذي استعملت فيه كلام الله ورسوله،
ولكن المتأخّرون اصطلحوا على تخصيص ((الكراهة)) بما ليس بمحرَّم وتركه أرجحُ من
فعله، ثم منهم من حمل كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث، فغلط في ذلك وأقبح غلطًا
منه من حمل لفظ ((الكراهة)) أو لفظ ((لا ينبغي)) في كلام الله ورسولِهِ على المعنى
الاصطلاحي الحادث، وقد اطرد في كلام الله ورسوله استعمال ((لا ينبغي)) في المحظور
شَرْعًا وقَدَرًا، وفي المستحيل الممتنع، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدَا﴾
[مريم: ٩٢]، وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَلْبَغِى لَهٌُ﴾ [يس: ٦٩]، وقوله: ﴿وَمَا نَزَّلَتْ بِهِ
الشَّيَاطِينُ (٨َ وَمَا يَنْبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠، ٢١١]، وقوله على لسان نبيه: ((كذبني
ابن آدم وما ينبغي له وشتمني ابن آدم وما ينبغي له)) (١)، وقوله وَّه: ((إِنَّ اللّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا
يَنْبَغِي لَهُ أَن يَنَامَ)) (٢) وقوله وَّهِ في لباس الحرير: ((وَلَا يَنْبَغِي هَذَا لِلمُثَّقِينَ))(٣)، وأمثال
ذلك. انتهى كلام الحافظ ابن القيم.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، حديث (٤٩٧٥). والنسائي، كتاب الجنائز، حديث (٢٠٧٨).
(٢) أحمد، (١٩١٣٥)، ومسلم، كتاب الإيمان، حديث (١٧٩).
(٣) البخاري، كتاب الصلاة، حديث (٣٧٥)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، حديث (٢٠٧٥).

٤٠٢
مقدمة تحفة الأحوذي
ومنها لفظ: ((أهل الرأي))، قال الترمذيُّ(١) في ((باب إشعار البُدْنِ)»: «سمعتُ
يوسف بن عيسى يقول: سمعتُ وكيعًا يقول، حين روَى هذا الحديث، فقال: لا تَنْظُرُوا
إلى قَول أهْلِ الرأي في هذا، فإن الإشعار سُنَّة، وقولهم بدعة))، فعليك أن تعلم أن أهل
الرأي مَنْ هم؟ ولِمَ يقالُ لهم: ((أهل الرأي))؟
فاعلم: أن أهل الرأي هم العلماء الحنفية، وأما وجه تسميتهم بذلك، فادعَى بعض
الحنفية أنهم إنما سموا بذلك لِدٍقّة رأيهم وحذاقة عقلهم. قال القاري في ((المرقاة)) - تحت
حديث عبد الله بن عمر ظُه: أن النبيِ وَ ﴿ قال: ((لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلٌ أَهْلَهُ أَنْ يَأْتُوا
المَسَاجِدَ))، فقال ابْنٌ لعبد الله بن عُمَرَ: فإنا نمنعهن، فقال عبد الله: أُحَدِّثُكَ عن رَسُولِ الله
وَّ، وتقولُ هذا؟ فما كلَّمه عبد الله حتَّى مات(٢).
قال الطَّيِّبِيّ: عجبْتُ ممن يتسمَّى بالسُّنِّيِّ، إذا سمع من سُنَّة رسول الله وٍَّ وله رأيٌ
رجح رأيه عليها، وأيُّ فرق بينه وبين المبتدع، أما سمع: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ
هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ))(٣)، وها هو ابن عمر - وهو من أكابر الصحابة وفقهائهم - كيف
غَضِبَ الله ورسوله، وهجر فلذة كبده لتلك الهَنَّةِ عِبْرَةً لأولي الألباب.
قال القاري معترضًا على كلام الطَّيِّبيّ ما لفظه: يُشَمُّ من كلام الطَيِّبِيّ رائحةُ الكناية
الاعتراضية على العلماء الحنفية؛ ظَنَّا منه أنهم يقدِّمون الرأي على الحديث، ولذا يسمَّوْنَ:
((أصحاب الرأي))، ولم يدر أنهم إنَّما سُمُّوا بذلك لدقّة رأيهم وحذاقة عقلهم. انتهى.
وقال الجزريُّ في ((النهاية)) (٤) في مادّة الراء: والمحدِّثون يُسَمُّونَ أصحاب القياس:
((أصحاب الرأي))، يعنون: أنهم يأخذون برأيهم فيما يشكلُ من الحديث، أو ما لم يأت
فيه حديث ولا أثر. انتهى.
(١) الترمذي، تحت الحديث (٩٠٦) من كتاب الحج، باب: ما جاء في إشعار البدن.
(٢) أخرجه أحمد بهذا اللفظ (٤٩١٤)، وهو في صحيح البخاري، كتاب الأذان، حديث (٨٦٥)، ومسلم، كتاب
الصلاة، حدیث (٤٤٢) دون ذکر قول ابنه له.
(٣) ضعيف. أخرجه محمد بن أسلم الطوسي في ((الأربعين)) (٩)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (١٢/١) (١٥) والبيهقي
في ((المدخل إلى السنن الكبرى)) (٢٠٩) وقال: تفرد به نعيم بن حماد، والبغوي في ((شرح السنة)) (٢١٣/١). قال
ابن رجب: تصحيح هذا الحديث بعيد جدًّا. انظر ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (٣٨٦/١).
(٤) ابن الأثير في ((النهاية)) (١٧٩/٢).

٤٠٣
الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه
وقال الذهبي في ((التذكرة)) (١) في ترجمة ربيعة بن أبي عبد الرحمن المعروفِ بـ ((ربيعةٍ
الرأي)): وكان إمامًا حافظًا فقيهًا مجتهدًا بصيرًا بالرأي، ولذلك يقال له: ((ربيعة الرأي)).
انتھی .
وقال ابن خَلْدونَ في ((مقدمته))(٢): انقسم الفقه إلى طريقتين: طريقةِ أهْلِ الرأي
والقياس، وهم: أهل العراق، وطريقةٍ أهل الحديث، وهم: أهل الحجاز، وكان الحديث
قليلًا في أهل العراق؛ لما قدمنا، فاستكثروا من القياس ومهروا فيه، فلذلك يقال لهم:
((أهل الرأي)).
وقال الشاه ولي الله المحدِّث الدهلوي(٣) في ((حجة الله البالغة)): اعلم: أنه كان من
العلماء في عصر سعيد بن المسيَّب وإبراهيم والزهري، وفي عصر مالك وسفيان، وبعد
ذلك - قوْمٌ يكرهون الخوض بالرأي، ويهابون الفتيا والاستنباط إلا لضرورة لا يجدُونَ
منها بُدًّا، وكان أكبر همهم رواية حديث رسول الله ێے.
سئل عبد الله بن مسعود عن شيء فقال: ((إِنِّي لَأَكْرَهُ أن أُحِلَّ لك شيئًا حرَّمه الله
عليك، أو أحرِّم ما أحله الله لك))(٤).
وقال معاذ بن جبل: يا أيها الناس، لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، فإنه لم ينفك
المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سرد »(٥)، وروي نحو ذلك عن: عمر، وعلي،
وابن عباس، وابن مسعود، في كراهة التكلَّم فيما لم ينزل، وقال ابن عمر لجابر بن زيد:
((إنك من فقهاء البصرة، فلا تُفْتِ إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضيةٍ، فإنك إن فعلت غير ذلك
هلكْتَ وأهلكْتَ))(٦).
(١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١/ ١٥٧).
(٢) ابن خلدون في ((المقدمة)) (ص/ ٤٤٦).
(٣) الدهلوي في ((حجة الله البالغة)) (ص/ ٣١١).
(٤) أخرجه الدارمي في مسنده (١٤٦).
(٥) أخرجه الدارمي (١٥٣)، والبيهقي في ((المدخل إلى السنن الكبرى)) (٢٩٦)، والخطيب البغدادي في ((الفقيه
والمتفقه)) (٢٢/٢-٢٣) وإسناده منقطع؛ طاوس لم يسمع من معاذ. والله تعالى أعلم.
(٦) الدارمي (١٦٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٨٦/٣)، والخطيب البغدادي في ((الفقيه والمتفقه)) (٣٤٤/٢)،
وإسماعيل الأنصاري الهروي في ((ذم الكلام وأهله)) (٢٧٤، ٣٢٢).

٤٠٤
مقدمة تحفة الأحوذي
وقال أبو نضرة: لما قدم أبو سَلَمَة البصرة أتيته أنا والحسنُ، فقال للحسن: أنت
الحسن؟ ما كان أحدٌ بالبصرة أحَبّ إليَّ لِقَاءً منك، وذلك أنه بلغني أنك تفتي برأيك، فلا
تفتٍ برأيك إلا أن يكون سُنَّةٌ عن رسول الله وَّهِ أو كتابٌ منَزَّل(١).
وقال ابن المنكدر: إن العالم يدخُلُ فيما بين الله وبين عباده، فليطلب لنفسه
المخْرَجَ(٢)، وسئل الشعبي: كيف كنتم تصنَعُونَ إذا سئلتم؟ قال: على الخبير وقَعْتَ، كان
إذا سئل الرجل قال لصاحبه: أفتهم، فلا يزال حتى يرجع إلى الأول(٣).
وقال الشعبي: ما حدَّثوك هؤلاءِ عن رسول الله وَّر فخذ به، وما قالوه برأيهم فألقه
في الحُشِّ(٤).
أخرج هذه الآثارَ عن آخرها الدارميُّ، فوقع شيوعُ تدوين الحديث والأثر في بلدان
الإسلام، وكتابة الصحف والنسخ، حتى قَلَّ من يكون أهل الرواية إلا كان له تدوينٌ أو
صحيفةٌ أو نسخةٌ من حاجتهم لموقع عظيم، فطاف مَنْ أدرك من عظمائهم ذلك الزمان
بلادَ الحجاز والشام والعراق ومصر واليمن وخراسان، وجمعوا الكتبَ، وتتبعوا النسخ،
وأمعنوا في الفحص عن غريب الحديث ونوادر الأثر، فاجتمع باهتمام أولئك من الحديث
والآثار ما لم يجتمعْ لأحد قبلهم، وتيسَّر لهم ما لم يتيسَّر لأحد قبلهم، وخَلُصَ إليهم مِنْ
طرق الأحاديث شيءٌ كثير، حتى كان يَكْثُرُ من الأحاديث عندهم مائة طريق فما فوقها،
فكشف بعضُ الطرق ما استتر في بعضها الآخر، وعَرَفُوا محلَّ كُلِّ حديث من الغرابة
والاستفاضة، وأمكن لهم النظرُ في المتابعات والشواهد، وظهر عليهم أحاديثُ صحيحة
كثيرة، لم تظهَرْ على أهل الفتوَى من قبلُ، قال الشافعي لأحمد: أنتم أعلم بالأخبار
الصحيحةِ منا، فإذا كان خبرٌ صحيحٌ فأعلموني حتى أذهب إليه، كوفيًا كان أو بصريًا أو
شاميًا. حكاه ابن الهَمَّام، وذلك لأنه كَمْ من حديث صحيح لا يرويه إلا أهل بلد خاصة،
كأفراد الشاميين والعراقيين، أو أهلُ بيتٍ خاصة، كنسخة بريدة عن أبي بردة عن أبي
(١) الدارمي (١٦٣)، وإسماعيل الأنصاري الهروي في ((ذم الكلام)) (٣٢١).
(٢) الدارمي (١٣٧).
(٣) الدارمي (١٣٦)، ومن طريقه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٦٥/٢٥).
(٤) الدارمي (٢٠٠)، ومن طريقه الذهبي في ((السير)) (٣١٩/٤).

٤٠٥
الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه
موسى، ونسخة عمرو بن شُعَيْب عن أبيه عن جده، أو كان الصحابيُّ مُقِلًا خاملًا لم
يَحْمِلْ عنه إلا شرذمةٌ قليلون فمثل هذه الأحاديث يَعْفُلُ عنها عامَّة أهل الفتوى، واجتمعَتْ
عندهم آثارُ فقهاء كلِّ بلد من الصحابة والتابعين.
وكان الرجل فيما قبلهم لا یتمكّن إلا مِنْ جمع حديثٍ بلده وأصحابه، وكان مَنْ قبلهم"
يعتمدون في معرفة أسماء الرجال ومراتب عدالتهم على ما يخلُصُ إليهم من مشاهدة
الحال وتتبع القرائن، وأمعن أهلُ هذه الطبقة في هذا الفنِّ، وجعلوه شيئًا مستقلًا بالتدوين
والبحث، وناظروا في الحكم بالصحة وغيرها، فانكشف عليهم بهذا التدوين والمناظرة ما
كان خافيًا من حالِ الاتصالِ والانقطاع، وكان سفيان ووَكِيع وأمثالهما يجتهدُونَ غاية
الاجتهاد، فلا يتمكنون من الحديث المرفوع المتَّصِلِ إلا من دون أَلْفِ حديثٍ، كما ذكره
أبو داود السجستاني في ((رسالته إلى أهل مكة))، وكان أهل هذه الطبقة يروون أربعين
حديث فما يقرب منها، بل صَحَّ عن البخاري أنه اختصر ((صحيحه)) من ستة آلاف حديث.
وعن أبي داود: أنه اختصر ((سننه)) من خمسة آلاف حديث، وجعل أحمد ((مسنده))
ميزانًا يعرف به حديثُ رسول الله وَ﴾، فما وجد فيه - ولو بطريق واحد منه - فله أصل،
وإلا فلا أصل له، فكان رؤوس هؤلاءِ: عبدُ الرحمن بْنُ مهدي، ويحيى بن سعيد القطان،
ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومسدّد، وهَنَّاد، وأحمد بن
حنْبَل، وإسحاق بن راهويه، والفضل بن دُكَيْن، وعلي بن المدينيِّ، وأقرانه، وهذه الطبقة
هي الطراز الأول من طبقات المحدِّثين، فرجع المحقّقون منهم - بعد إحكام فن الرواية،
ومعرفة مراتب الحديث - إلى الفقه، فلم يكن عندهم من الرأي أن يجمع على تقليد رجل
ممن مضَى، مع ما يروون من الأحاديث والآثار المتناقضة في كل مذهبٍ من تلك
المذاهب، فأخذوا يتبعون أحاديث النبيِّ وَّ ه وآثار الصحابة والتابعين والمجتهدين على
قواعد أحكّمُوها في نفوسهم ... إلى أن قال: وكان بإزاء هؤلاء - في عصر مالك
وسفيان، وبعدهم - قوم لا يكرهون المسائل ولا يهابون الفتيا، ويقولون: ((على الفقه بناءُ
الدِّينِ، فلا بد من إشاعته))، ويهابون رواية حديث رسول الله وَّهِ والرفعَ إليه، حتى قال
الشَّعْبِيُّ: علَى مَنْ دون النبي ◌َ﴿ أَحَبُّ إلينا، فإن كان فيه زيادة أو نقصان كان علَى مَنْ

٤٠٦
مقدمة تحفة الأحوذي
دون النبي ◌ٍَّ(١)، وقال إبراهيم: أقول: قال عبد الله، وقال علقمة أَحَبُّ إلينا(٢)، وكان
ابن مسعود إذا حَدَّث عن رسول الله وَّهِ تَرَبَّدَ وجْهُهُ وقال: هكذا، أو نحوَهُ(٣).
وقال عمر، حين بعث رهطًا من الأنصار إلى الكوفة: ((إنكم تأتون الكوفة، فتأتون
قومًا لهم أزيز بالقرآن فيأتونكم، فيقولون: قَدِمَ أصحابُ محمد، قَدِمَ أصحابُ محمد،
فيأتونكم، فيسألونكم عن الحديث، فأقِلُّوا الرواية عن رسول الله وَّةٍ(٤)، قال ابن عَوْن:
كان الشعبيُّ إذا جاءه شيء اتقى، وكان إبراهيم يقولُ ويقول(٥). أخرج هذه الآثار
الدارِمِيُّ، فوقع تدوين الحديث والفقه والمسائل من حاجتهم بموقع من وجه آخر، وذلك
أنه لم يكنْ عندهم من الأحاديث والآثار ما يقِدرُونَ به على استنباط الفقه على الأصول
التي اختارها أهلُ الحديث، ولم تنشرحْ صدورُهم للنظر في أقوال علماء البلدان وجمعِها،
والبحثِ عنها، واتهموا أنفسَهُمْ في ذلك، وكانوا اعتقدوا في أئمتهم أنهم في الدرجة
العليا من التحقيق، وكانت قلوبهم أميلَ شيءٍ إلى أصحابهم، كما قال علقمة: هل أحد
منهم أثبتُ من عبد الله؟
وقال أبو حنيفة: ((إبراهيم أَفْقَهُ من سالم، ولولا فَضْلُ الصحبة - لقلتُ: علقمةُ أفقهُ
من ابنِ عمرَ))، وكان عندهم من الفطانة والحَدْس وسرعة انتقال الذهن من شيء إلى شيء
ما يقدرون به على تخريج جواب المسائل على أقوال أصحابهم، وكُلّ ميسَرٌ لما خلق،
وكُلُّ حزب بما لديهم فرحون.
فمهدوا الفقه على قاعدة التخريج، وذلك أن يحفظ كلّ أحد كتابَ مَنْ هو لسانُ
أصحابه، وأعرفُهُم بأقوال القوم، وأصُهم نظرًا في الترجيح، فيتأمل في كل مسألة وجْهَ
الحكم، فكلما سئل عن شيء، أو احتاج إلى شيء رأَى فيما يحفظ من تصريحات
أصحابه، فإن وجد الجواب فيها، وإلا نَظَرَ إلى عموم كلامهم، فأجراه على هذه الصورة،
أو إشارةٍ ضمنيةٍ لكلام، فاستنبط منها، وربما كان لبعض الكلام إيماءٌ أو اقتضاءٌ، يُفْهِم
(١) ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٩٣/٥)، والدارمي (٢٦٦).
(٢) الدارمي (٢٦٧).
(٣) الدارمي (٢٧١).
(٤) الدارمي (٢٨٠).
(٥) الدارمي (١٣٣)، ومن طريقه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٦٦/٢٥).

٤٠٧
الباب الثانى فى فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه
المقصود، وربما كان للمسألة المصرَّح بها نظيرٌ يُحْمَلُ عليها، وربما نَظَروا في علة الحكم
المصرَّح به بالتخريج أو باليُسْرِ والحذف، فأداروا حكمه على غير المصرَّح به، وربما كان
له كلامانٍ لو اجتمعا على هيئة القياس الاقترانيِّ أو الشرطي أنتجا جوابَ المسألة، وربَّما
كان في كلامهم ما هو معلومٌ بالمثال والقسمةِ، غَيْرُ معلوم بالحَدِّ الجامع المانع، فيرجِعُونَ
إلى أهل اللسان، ويتكلَّفون في تحصيل ذاتياته وترتيب حَدِّ جامع مانع له، وضبطٍ مبهمه،
وتمييزٍ مُشْكِلِهِ، وربما كان كلامهم محتملًا بوجهين، فينظرون في ترجيح أحد المحتملين،
وربما يكون تقريبُ الدلائل خفيًا، فيبينون ذلك، وربما استدلَّ بعضُ المخرِّجين من فعل
أئمتهم وسكوتهم ونحو ذلك، فهذا هو التخريج، ويقال له ((القَوْل المُخَرَّج لفلان - كذا))،
ويقال: ((على مذهب فلان))، أو: ((على أصل فلان))، أو: ((على قول فلان)) جواب
المسألة كذا وكذا.
ويقال لهؤلاء: المجتهدون في المذهب، وعنى بهذا الاجتهاد على هذا الأصل: من
قَالَ: مَنْ حَفِظَ ((المبسوط)) كان مجتهدًا، أي: وإن لم يكن له علم برواية أصلًا،
ولا بحديثٍ واحدٍ، فوقع التخريج في كل مذهبٍ وكَثُرَ، فأيُّ مذهبٍ كان أصحابه
مشهورين، وُسِدَ إليهم القضاءُ والإفتاءُ، واشتهرت تصانيفهم في الناس، ودرسوا درسًا
ظاهرًا انتشر في أقطار الأرض، ولم يَزَلْ ينتشر كل حين، وأي مذهب كان أصحابه
خاملين، ولم يُوَلَّوُا القضاءَ والإفتاءَ، ولم يرغب فيهم الناس اندرس بعد حين. انتهى(١).
ومنها: لفظ ((أهل الكوفة))، وقد كثر استعمالُ لفظ ((أهل الكوفة)) في بيان المذاهب،
قيل: أراد الترمذي بهذا اللفظ أبا حنيفة - رحمه الله تعالى - ولم يصرِّح باسمه؛ للتعصُّب.
قال الشيخ سراج أحمد السرهندي الحنفي في ((شرحه لجامع الترمذي)) ما لفظه:
مرجاكه مصنف يعني إمام ترمذي لفظ بعض أهل الكوفة ذكر كرده مراد إمام أبي حنيفة
رحمة الله عليه باشدواين (٢) ازجهت غايت تعصب است(٣) در جناب إمام أعظم(٤) انتهى.
(١) من ((حجة الله البالغة)) للدهلوي (ص/ ٣٢١).
(٢) عبارة فارسية بمعنى: وفي أي موضع ذكر فيه المصنف ويقصد الإمام الترمذي كلمة أهل الكوفة كان المراد منها
الإمام أبو حنيفة رحمه الله.
(٣) عبارة فارسية بمعنى: وهذا من باب التعصب المبالغ فيه.
(٤) عبارة فارسية بمعنى: في حق الإمام الأعظم.

٤٠٨
مقدمة تحفة الأحوذي
وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في ((شرح سفر السعادة)) ما لفظه: ((وباناكه أين مرد العيني
تراندي رابا أئمه أبهل قياس وإجتهاد تعصبي بود خصوصًا با إمام أعظم أبي حنيفة كوفي
رحمة الله عليه ولهذا ذكر أين إمام أجل وأصحاب وي در کتاب خودمر جاكه آورده ببعض
أهل الكوفة تعبير نموده وتصريح باسم شريف وي ورسيج جانه كرده(١) باوجود ذكر أمثال
واقران إيشال وظاهرًا آنجاكه أهل كوفة مي كويد إيشال را أرداه نموده أست))(٢). انتهى
بلفظه .
قلت: قولهما هذا ليس بصحيح؛ أما قول السرهندي: ((هرجاكه مصنف لفظ بعض
أهل كوفه ذكر كرده مراد إمام أبي حنيفة باشد))(٣) فباطل قطعًا؛ ألا ترى أن الترمذيّ(٤)
رَوَى في (باب ما جاء أنه يبدأ بمؤخر الرأس)) حديثَ الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ: ((أن النبيَّ ◌َّ
مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنٍ، بَدَأَ بِمُؤَخَّرٍ رَأْسِهِ، ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ ... )) إلخ، ثم قال: وقد ذهب أهل الكوفة
إلى هذا الحديث، منهم: وكيع بن الجَرَّاح. انتهى. فقال الترمذي: ههنا لفظُ بَعْضٍ أهل
الكوفة، وليس المراد به أبا حنيفة البتة، فلما بطل قول السرهندي هذا ظهَر بطلانُ قوله:
((واين ازجهت غايت تعصب أست))(٥) أيضًا.
وأما قول الشيخ الدهلويِّ: ((مانا كه اين مررابا أئمة أهل قياس واجتهاد تعصبي بود))
فباطل أيضًا، فإن مراد الشيخ بقوله: ((أئمة أهل قياس واجتهاد)): أن كلام الأئمة
المجتهدين، كالإمام الشافعي، ومالك، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، فبطلانه ظاهر، فإنه
قد ذكر أسماءهم ومذاهبهم، وإن كان مراده بهم الإمام أبا حنيفة وأصحابه فهو - أيضًا -
باطل، فإنه لم يثبتْ ما ذكره من تعصبه بهم، وأما الظن بذلك؛ لأجل أنه لم يصرِّح باسم
الإمام أبي حنيفة فهذا ظن السوء، وإِنَّ بعض الظن إثم، وأما قوله: ((وتصريح باسم شريف
(١) عبارة فارسية بمعنى: وذكر هذا الإمام الأجل وأصحابه في كتابه حيث أورده في أي مكان، عبر عن هذا بأهل
الكوفة ولم يصرح باسمه في أي مكان.
(٢) عبارة فارسية بمعنى: مع توفر الإشارة إلى رفقاء وأصحاب الشيخ الإمام، وفيما يبدو أنه يذكر أهل الكوفة في
أي موقع أراد، في هذا المعنى الإشارة للشيخ.
(٣) عبارة فارسية بمعنى: وفي كل موقع يذكر اسم بعض أهل الكوفة الرافضة الإمام أبي حنيفة.
(٤) الترمذي، كتاب الطهارة، حديث (٣٣)، وقد أخرجه أيضًا: أحمد (٢٦٤٧٥)، وأبو داود، كتاب الطهارة،
حديث (١٢٦)، وابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، حديث (٤٣٨).
(٥) عبارة فارسية بمعنى: وهذا من باب التعصب الشديد.

٤٠٩
الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه
دي درسج جانه كرده)) فغير صحيح، فإن الترمذي قد صرَّح باسمه الشريف في آخر
((جامعه)) حيث قال: «حدَّثنا محمود بن غَيْلان: حدثنا أبو يحيى الحِمَّاني قال: سمعتُ
أبا حنيفةَ يقولُ: ((ما رَأَيْتُ أَكْذَبَ من جَابِرِ الجُعَفِيِّ، ولا أفضَلَ من عطاءِ بْنِ أبي
رباحٍ))(١)، وقول الترمذي هذا - وإن لم يقع في نسخ الترمذي المطبوعة في الهند - لكنه
وقع في النسخة المصرية.
وقد صرَّح الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب))(٢) بِكَوْنِ قول الترمذي هذا في
((جامعه))، حيث قال فيه - في ترجمة الإمام أبي حنيفة ما لفظه ـ : له في ((كتاب الترمذي))
من رواية عبد الحميد الحِمَّاني، عنه، قال: قال: ما رَأَيْتُ أكذَبَ من جابر الجعفيِّ،
ولا أفضَلَ من عطاء بن أبي رباح)). انتهى، فقول الشيخ الدهلوي: ((وتصريح باسم شريف
وبي دار سیح جانه کرده) باطل جدًّا.
قلت: الصحيح أن الترمذيَّ أراد بـ ((أهل الكوفة) مَنْ كان فيها من أهل العلم،
كالإمام أبي حنيفة والسُّفْيَانَينِ وغيرهم، وأراد ببعض أهل الكوفة بعضهم، ولم يرد بأهل
الكوفة أو ببَعضٍ أهل الكوفة الإمامَ أبا حنيفة وحده، ولم يتفرَّد الترمذيُّ بالتعبير بهذا
اللفظ عنه [بل عبَّرَ بِهِ] غير واحد من أهل العلم، قال الحازمي في كتاب ((الاعتبار)) في
(باب تثنية الإقامة)) ص ٦٨: وهو قول سفيان الثوريِّ وأبي حنيفة وأهل الكوفة، وقال في
(باب نسخ الالتفات في الصلاة)): وإليه ذهَبَ عطاءٌ ومالك وأبو حنيفة وأصحابه
والأوزاعي وأهل الكوفة، وقال في ((باب مرور الحِمَار قُدَّام المصلي)) ص ٢٥: وإليه
ذهب «مالك وأهل المدينة والشافعي وأصحابه، وأكثر أهل الحجاز، وسفيان وأبو حنيفة
وأهل الكوفة))، وقد أكثر الحازميُّ استعمال هذا اللفظ في هذا الكتاب، وأراد به من كان
فيها من أهل العلم، واستعمالهم لفظ ((أهل الكوفة)) كاستعمالهم لفظ ((الكوفيين))، ولا فرق
بين مدلوليهما، وقد استعمل الحنفية أيضًا لفظ ((الكوفيين))، قال العينيُّ في ((عمدة
القاري))(٣): أبو حنيفة لم ينفرد بتركِ العمل بحديث المُصَرَّةِ، بل مذهبُ الكوفيين وأبي
(١) الترمذي في ((العلل الصغير)) (ص/ ٧٣٩).
(٢) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٤٠٢/١٠).
(٣) العيني في ((عمدة القاري)) (١١/ ٢٧٢).

٤١٠
مقدمة تحفة الأحوذي
ليلى ومالك - في رواية - مثلُ مذهب أبي حنيفة. انتهى. وكذلك استعمل العيني لفظ
((الكوفيين)) في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، وأراد بهم من أراد الترمذيُّ بلفظ ((أهل
الكوفة)) .
ومنها: لفظ ((أصحابنا))، وقد أكثر الترمذيُّ استعمال هذا اللفظ في بيان المذاهب،
وأراد به: ((أهل الحديث))، قال في ((باب ترك الوضوء من القبلة))، بعد رواية حديث
عائشة، ((أَنَّ النَّبِيَّ وَهِ قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصّلاةِ وَلَمْ يَتَوضَّأ))(١)، ما لفظه:
وهو قول سفيان الثوري وأهلِ الكوفة، قالوا: ليس في القُبْلة وُضُوءٌ، وقال مالك بن أنس
والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: في القبلة وضوءٌ وهو قولُ غير واحد من أهل
العلم من أصحاب النبيِّ وَّ﴿ والتابعين، وإنما ترك أصحابُنَا حديثَ عائشَةَ عن النبيِّ وَلِّ في
هذا؛ لأنه لا يصح عندهم؛ لحال الإسناد. انتهى كلام الترمذي.
فكلام الترمذي هذا يدلُّ دلالة ظاهرة على أنه أراد بقوله: ((أصحابنا)»: أهلَ الحديث،
كالإمام مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم، فإن هؤلاء كلَّهم من أهل الحديث،
قال الحافظ - في ((الفتح)) في شرح حديث أبي هريرة - : ((لا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أن يَغْرِزَ
خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ))(٢)، استدلَّ به عَلَى أن الجدار إذا كان لواحد، وله جارٌ، فأراد أن يضع
جِذْعَهُ عليه جاز، سواء أذن المالكُ أم لا، فإن امتنع أجبر، وبه قال أحمد وإسحاق
وغيرهما من أهل الحديث(٣). انتهى.
قال الشيخ سراج أحمد السرهندي في شرح قول الترمذي: ((إنما ترك أصحابنا حديثَ
عائشَةَ ... )) إلخ ما لفظه: ((وجزين نسيت كه ترك كروند أصحاب ما هل حديث حديث
عائشة ... )) (٤) إلخ.
وقال أبو الطيب السندي في ((شرح الترمذي)): قوله: وإنما ترك أصحابنا، أي: من
أهل الحديث أو: من الشافعية. كذا قال بعض العلماء، لكن الظاهر هو الأول. انتهى.
(١) الترمذي، كتاب الطهارة، حديث (٨٦).
(٢) البخاري، كتاب المظالم والغصب، حديث (٢٤٦٣).
(٣) ابن حجر في ((فتح الباري)) (١١٠/٥).
(٤) عبارة فارسية بمعنى: ولم يذكر أصحابنا سوى هذا.

٤١١
الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه
قلت: بل هو المتعيِّن، قال الترمذيُّ في ((باب ما جاء فيمن أدرك ركعةً من العصر قبل
أن تغرب الشمس))، بعد رواية حديث أبي هريرة: أنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ
رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ ... )) (١) إلخ ما لفظه: وبه يقول أصحابنا:
الشافعي وأحمد وإسحاق. انتهى، وقول الترمذي هذا صريحٌ في أن المراد بقوله:
((أصحابنا)) أهلُ الحديث؛ كالشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم، وقال الترمذي في («باب ما
جاء في المُصَرَّاة))، بعد رواية حديث أبي هريرة عن النبي ◌َّهِ: ((مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّةً فَهُوَ
بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ... )) (٢) إلخ ما لفظه: والعمل على هذا الحديثِ عند أصحابنا، منهم:
الشافعيُّ وأحمد وإسحاق. انتهى، فقول الترمذيِّ هذا - أيضًا - صريحٌ في أن المراد بقول:
((أصحابنا)) أَهلُ الحديث، وكذلك قال في («باب ما جاء في الرجل يُسْلِمُ، وعنده عَشْرُ
نسوة))، بعد رواية حديث ابن عمر: ((أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ في
الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَنْ يَتَخَيَّرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا)) (٣) مَا لفظه: والعمل على
حديث غَيْلَان بن سَلَمة عند أصحابنا، منهم الشافعي، وأحمد، وإسحاق. انتهى.
وكذلك قال في باب بعد ((باب ما جاء في الدعاء عند افتتاح الصلاة بالليل))، بعد
رواية حديث علي بن أبي طالب، عن رسول الله ◌َّهِ: أنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ
رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ... ))(٤) إلخ ما لفظه: والعمل على هذا الحديثِ عند الشافعيِّ وبعض
أصحابنا. انتهى. وكذلك قال في ((باب الذي يصلي الفريضة ثم يؤم الناس بعد ذلك)) بعد
رواية حديث جابر بن عبد الله: أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله وَ * المغرب،
ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم(٥)، ما لفظه: والعمل على هذا عند أصحابنا: الشافعي وأحمد
وإسحاق. انتهى. قال في ((باب كراهية الإسراف في الوضوء)): وخارجةٌ ليس بالقوي عند
أصحابنا. انتهى. قال الطَّيِّيّ: أي أهل الحديث. كذا في ((المرقاة)).
(١) الترمذي، كتاب الصلاة، حديث (١٨٦)، وقد أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت الصلاة، حديث
(٥٧٩)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٦٠٧).
(٢) الترمذي، كتاب البيوع، حديث (١٢٥٢).
(٣) الترمذي، كتاب النكاح، حديث (١١٢٨).
(٤) الترمذي، كتاب الدعوات، حديث (٣٤٢٣).
(٥) الترمذي، كتاب الجمعة، حديث (٥٨٣).

٤١٢
مقدمة تحفة الأحوذي
قلت: الأمر كما قال الطَّيِّبيّ، فظهر بهذا كله أن المراد بقول الترمذي أصحابنا أهل
الحديث، وقول من قال: إن المراد به الحنابلة أو الشافعية، باطل جدًّا، كيف ولم يكن
أحد من أصحاب الكتب الستة من أصحاب التقليد، بل كانوا من أهل التحقيق متبعين
للكتاب والسنة كما عرفت فيما تقدم ! .
ومنها: لفظ ((الفقهاء))، قال الترمذيُّ في ((باب غسل الميت)): الفقهاءُ أعلَمُ بمعاني
الحديث(١)، وفَهِمَ بعض الناس منه: أن المراد من الفقهاء - في كلام الترمذي هذا -
الفقهاء الحنفية، وهو غلط صريح منشؤه الجهل، بل المراد بـ ((الفقهاء)) - في كلامه - فقهاء
المحدِّثين - رحمهم الله تعالى - كسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد بن
حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم، فقد قال الترمذيُ(٢) في أوائل كتاب ((العلل)): وما
ذكرنا في هذا الكتاب من اختيار الفقهاء، فما كان فيه من قول سفيان الثوري فأكثره: ما
حدَّثنا به محمّد بن عثمان الكُوفي، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن سفيان، وما كان من
قول مالك بن أنس فأكثره: ما حدَّثنا به إسحاقُ بن موسى الأنصاري، أخبرنا مَعْنُ بن
عيسى القَزَّاز، عن مالك بن أنس، وما كان فيه من قول ابن المبارك فهو: ما حدَّثنا به
أحمد بن عَبْدَةَ الآمُلِيُّ، عن أصحاب ابن المبارك، عنه، وما كان فيه من قول الشافعي
فأكثره: ما أخبرني به الحسن بن محمد الزعفراني، عن الشافعي، وما كان فيه من قول
أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فهو: ما أخبرنا به إسحاق بن منصور، عن أحمد
وإسحاق. انتهى كلام الترمذي مختصرًا .
(١) الترمذي، تحت الحديث (٩٩٠) من كتاب الجنائز.
(٢) الترمذي في ((العلل الصغير)) (ص/ ٧٣٦).

٤١٣
الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه
الفَصْلُ الثَّانِيَ عَشَر: في ذِكْرٍ تَرَاجِم فُقَهَاءِ المُحَدِّثِينَ
الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ التِّزْمِذِيُّ في ذِكْرِ المَذَاهِبٍ وَتَرَاجِمٍ أَئِمَّةِ الحَديثِ النُّقَّادِ
الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ فِي بَيَانِ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَعِلَلِ الحَدِيثِ، رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى
وأنا أذكر تراجمهم على ترتيب حروف التهجي، ملتقطًا من ((تهذيب التهذيب)) للحافظ
ابن حجر، و((تذكرة الحفاظ)» للذهبي، و((وفيات الأعيان)» للقاضي ابن خَلِّكَان، وغيرها :
فمنهم: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أَسَد الشيبانيُّ المَرْوزِيُّ، ثم
البغداديُّ، ولد سنة أربع وستين ومائة، سمع: هُشَيْمًا، وإبراهيم بن سعد، وسفيان بن
عيينة، وعَبَّاد بن عبَّاد، ويحيى بن أبي زائدة، وطبقتهم، وعنه: البخاريُّ، ومسلم،
وأبو داود، وأبو زُرْعَة، ومُطَيَّن، وعبد الله بن أحمد، وأبو القاسم البغوي، وخلق عظيم.
قال القاضي ابن خَلِّكان: خرجَتْ أمه من مرو، وهي حامل به، فولدته في بغداد، في
شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وقيل: إنه ولد بمرو، وحمل إلى بغداد وهو
رضيع، وكان إمامَ المحدِّثين، صنَّف في كتابه ((المسند))، وجمع فيه ما لم يتفق لغيره،
وقيل: إنه كان يحفظ ألف ألف حديث، وكان من أصحاب الإمام الشافعي - رضي الله
تعالى عنهما - وخواصِّه، ولم يزل مصاحبَهُ إلى أن ارتحل الشافعيُّ إلى مصر، وقال في
حقه: خرجْتُ من بغداد ما خلَّفْتُ بها اتقَى وأفقه من ابن حنبل، ودُعِيَ إلى القول بخلق
القرآن، فلم يُجِبْ، فضُرِبَ وحُبِسَ، وهو مصرٌّ على الامتناع، وكان ضربه في العشر
الأخير من شهر رمضان سنة عشرين ومائتين، وكان حسَنَ الوجه ربعةً، يخضب بالحِنَّاء
خضبًا ليس بالقاني، في لحيته شعيراتٌ سُودٌ، أخذ عنه الحديث جماعةٌ من الأماثل،
منهم: محمد بن إسماعيل، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، ولم يكن في آخر عصره مثله
في العلم والورع، توفي ضحوة نهار الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول،
وقيل: بل لثلاث عشرة ليلة بقين من الشهر المذكور، وقيل: من ربيع الآخر سنة إحدى
وأربعين ومائتين ببغداد، ودفن بمقبرة باب حرب، وقبر أحمد بن حنبل مشهورٌ بها يزار -
رحمه الله تعالى - وحُزر من حضر جنازته من الرجال، فكانوا ثمانمائة ألف، ومن النساء
ستين ألفًا، وكان له ولدان عالمانٍ، وهما: صالح، وعبد الله، فأما صالحٌ فتقدَّمت وفاته
في شهر رمضان سنة ست وستين ومائتين، وكان قاضِيَ أصبهان، فمات بها، ومولده في

٤١٤
مقدمة تحفة الأحوذي
سنة ثلاث ومائتين، وأما عبد الله، فإنه بقي إلى سنة تسعين ومائتين، وتوفي يوم الأحد
لثمان بقين من جمادى الأولى، وقيل: الآخرة، وله سبع وسبعون سنة، وكنيته:
أبو عبد الرحمن، وبه كان يكنى الإمام أحمد رحمهم الله تعالى أجمعين. انتهى (١).
وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (٢): قال الشافعي: خرجْتُ من بغداد، وما خلَّفْتُ
بها أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم من أحمد بن حنبل. وقال العباسي العنبري: حجة.
وقال ابن المديني: ليس في أصحابنا أحفظُ منه، وقال قتيبة: أَحْمَدُ إمام الدنيا، وقال
أبو عُبَيْد: لسْتُ أعلَمُ في الإسلام مثلَه، وقال يحيى بن مَعِين: لو جلَسْنا مجلسًا بالثناء
عليه، ما ذكرنا فضائله بكمالها، وقال العِجْلِيُّ: ثقة ثَبتُ في الحديث، نَزِهُ النَّفْسِ، فقيه
في الحديث، متبع الآثار، صاحبُ سُنَّة وخير، وقال العباس بن الوليد بن مزيد: قلت
لأبي مسهر: هل تعرف أحدًا يحفَظُ على هذه الأمة أمر دينها، قال: لا إلا شَاب في ناحية
المشرق - يعني: أحمد - وقال بشر بن الحارث: أُدْخِلَ الْكِيرَ، فخرج ذهبًا أحمر، وقال
حجاج بن الشاعر: ما رَأَتْ عيناي رُوحًا في جَسَدٍ أفضَلَ من أحمد بن حنبل، وقال أحمد
الدورقي: من سمعتموه يذكر أحمد بسوءٍ، فاتهموه على الإسلام، وقال أبو زرعة الرازي:
كان أحمدُ يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يدريكَ؟! قال: أَخَذْتُ عليه الأبواب،
وقال هلال بن العلاء: مَنَّ الله على هذه الأمة بأربعةٍ في زمانهم: بالشافعي؛ تفقَّه بحديث
رسول الله ◌َّه، وبأحمد؛ ثَبَتَ في المحنة، ولولا ذلك لَكَفَرَ الناس، وبيحيى بن مَعِينٍ؛
نفى الكذب عن رسول الله وَّل، وبأبي عُبَيْد، فسَّر الغريب. انتهى ما في ((تهذيب
التهذيب)».
وقال الذهبي ١ : سيرة أبي عبد الله - يعني: الإمام أحمد - قد أفردها [البيهقي](٤) في
مجلد، وأفردها ابن الجوزيِّ في مجلد، وأفردها شيخ الإسلام الأنصاريُّ في مجلد
لطيف. انتهى، وقال الحافظ: لم يَسُق المؤلِّفُ - يعني: مصنف ((التهذيب)) (٥) - قصَّةَ
(١) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (١/ ٦٣ - ٦٥).
(٢) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٦٤/١).
(٣) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٤٣٢/٢).
(٤) في نسخة: الهروي؛ والتصويب من ((تذكرة الحفاظ)) و((تاريخ الإسلام)) للذهبي (١٤٤/١٨). انظر ((كشف
الظنون)» لحاجي خليفة (١٨٣٦/٢).
(٥) يعني ((تهذيب الكمال)» للمزي.

٤١٥
الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه
المحنة، وقد استوفاها ابن الجوزيِّ في مناقبه في مجلد، وقبله شيخ الإسلام الهَروِيُّ،
وترجمتُهُ في ((تاريخ بغداد)) مستوفاةٌ.
ومنهم: إبراهيم النَّخَعِيُّ، قال الذهبيُّ (١): إبراهيم النَّخَعِيُّ فقيه العراق، أبو عمران
إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود الكوفي، روى عن علقمة ومسروق والأسود وطائفة،
ودخل على أم المؤمنين عائشة، وهو صبي، أخذ عنه حماد بن سليمان الفقيه، وسِمَاك بن
حَرْب، والحكم بن عتيبة، وابن عون، والأعمش، ومنصور، وخلق، وكان من العلماء
ذوي الإخلاص، قال مغيرة: كنا نهاب إبراهيم كما يهاب الأمير، وقال الأعمش: ربما
رأيت إبراهيم يصلي، ثم يأتينا فيبقى ساعة كأنه مريض، وقال: كان إبراهيم صيرفيًا في
الحديث، وكان يتوقى الشهرة ولا يجلس إلى أُسطوانة، وقال الشعبي لما بلغه موت
إبراهيم: ما خلف بعده مثله، وروى أبو حنيفة قال: بَشَرْتُ إبراهيمَ بموت الْحَجَّاجِ،
فسجد وبكى من الفرح، وقال عبد الملك بن أبي سليمان: سمعت سعيد بن جبير يقول:
تستفتوني، وفيكم إبراهيم النخعي؟! وقالت هُنَيْدَة زوجةُ إبراهيم: إنه كان يصوم يومًا.
ويفطر يومًا، وجاء من وجوه عن إبراهيم أنه كان لا يتكلَّم في العلم إلا أن يُسْأَلَ، مات
إبراهيم في آخر سنة خمس وتسعين كَهْلًا قبل الشيخوخة. انتهى.
وقال الحافظ(٢): رَوَى عن: خاليه: الأسود، وعبد الرحمن ابنَيْ يزيد، ومسروقٍ،
وعلقمةٍ، وأبي مَعْمَرٍ، وهَمَّام بن الحارث، وشُرَيْح القاضي، وسَهْمِ بْنِ مِنْجَاب،
وجماعة، وروَى عن عائشة، ولم يثبتْ سماعُهُ منها، روى عنه: الأعمشُ، ومنصور،
وابن عون، وزبيد اليامي، وحماد بن سليمان، ومغيرة بن مقسم الضبيُّ، وخلق، قال
العجلي: رأى عائشة رؤيا، وكان مفتي أهل الكوفة، وكان رجلاً صالحًا فقيهًا متوقيا،
قليل التكلف، ومات وهو مُخْتَفٍ من الحَجَّاج. انتهى.
قلت: قال الذهبي في ((الميزان))(٣): استقر الأمرُ على أن إبراهيم حُجَّةٌ، وأنه إذا
أرسل عن ابن مسعود وغيره فليس ذلك بحجَّةٍ، وكان لا يُحْكِمُ العربية؛ ربما لَحَنَ، نقموا
عليه قولَهُ: ((لم يكن أبو هريرة فقيهًا)) (٤).
(١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١/ ٧٣).
(٢) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (١٥٥/١).
(٣) الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) (٧٤/١- ٧٥) (٢٥٢).
(٤) قال أبو بكر ابن العربي المالكي في ((عارضة الأحوذي)) (٢٦٥/٥ -٢٦٧): هذه جرأة على الله واستهانة في الدين =

٤١٦
مقدمة تحفة الأحوذي
ومنهم: إسحاق بن راهويه، قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (١): إسحاق بن
إبراهيم بن مَخْلَد بن إبراهيم بن مطر، أبو يعقوب الحنظلي، المعروف بابن راهويه،
المروزيّ، نزيلُ نيسابور، أحد الأئمة، طاف البلاد، وروى عن: ابن عيينة، وابن عُلَّيَّة،
وجرير، وبشْر بن المفضل، وحفص بن غياث، وسليمان بن نافع العبدي، ولأبيه رؤيةٌ،
ومعتمِرِ بْنِ سليمان، وابن إدريس، وابنِ المبارك، وعبد الرزاق، والدراوردِيّ، وعَتَّاب بن
بَشِير، وعيسى بن يونس، وأبي معاوية، وتُنْدَر، وبقيَّة، وشعيبَ بْنِ إسحاق، وخلقٍ،
وعنه: الجماعة سوى ابن ماجه، وبقيَّة بن الوليد، ويحيى بن آدم، وهما من شيوخه،
وأحمد بن حنبل، وإسحاق الكوسج، ومحمد بن رافع، ويحيى بن معين، وهؤلاء من
أقرانه، والذَّهْلِيُّ، وزكرياء السجزي، ومحمد بن أفلح، وأبو العباس السَّرَّاج، وهو آخِرُ
من حدث عنه، قال أحمد: لا أعرفُ له بالعراق نظيرًا، وقال مرة لما سئل عنه: إسحاق -
عندنا - إمام من أئمة المسلمين، وقال محمد بن أسلم الطوسي - لما مات - : كان أعلَمَ
الناس، ولو عاش الثوريُّ لاحتاج إلى إسحاق، وقال النسائي: إسحاقُ أحد الأئمة، وقال
أيضًا: ثقة مأمون، وقال أبو داود الخفاف: سمعتُ إسحاق يقول: لَكَأَنِّ أنظُرُ إلى مائة
ألف حديثٍ في كتبي، وثلاثين ألفًا أسردها، وقال: أملَى علينا إسحاق أحدَ عَشَرَ ألفَ
حديثٍ من حفظه، ثم قرأها علينا، فما زاد حرفًا ولا نقص حرفًا، وقال أبو حاتم: ذكرْتُ
لأبي زُرْعَة إسحَاقَ وحِفْظَه للأسانيد والمتون، فقال أبو زُرْعة: ما رُئِيَ أحفظُ من إسحاق،
قال أبو حاتم: والعجَبُ من إتقانه وسلامَتِهِ من الغلط مع ما رزق من الحفظ، وقال
أحمد بن سلمة: قلت لأبي حاتم: إنه أَمْلَى التفسير عن ظهر قلبه، فقال أبو حاتم: وهذا
أعجَبُ فإنَّ ضبط الأحاديث المسندة أسهَلُ وأهونُ من ضبط أسانيد التفسير وألفاظهم،
= عند ذهاب حملته وفقد نصرته! ومن أفقه من أبي هريرة وابن عمر؟ من أحفظ منهما؟ وخصوصًا من أبي هريرة؟
وقد بسط رداءه وجمعه النبي وَ﴿ وضمه إلى صدره فما نسي شيئًا أبدًا، ونسأل الله المعافاة من مذهب لا يثبت
إلَّا بالطعن على الصحابة، ولقد كنت في جامع المنصور من مدينة السلام في مجلس علي بن محمد الديقاني
قاضي القضاة، فأخبرني به بعض أصحابنا، وقد جرى ذكر هذه المسألة أنه تكلم فيها بعضهم يومًا وذكر هذا
الطعن في أبي هريرة، وسقطت من السقف حية عظيمة في وسط المسجد وأخذت من تحت المتكلم بالطعن،
ونفر الناس وافترقوا، وأخذت الحية تحت السواري فلم يدر أحدٌ أين ذهبت أبدًا، وارعوى بعد ذلك من
يسترسل في هذا القدح.
(١) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (١٩٠/١).

٤١٧
الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه
وقال إبراهيم بن أبي طالب: أملى المسنَدَ كلَّه من حفظه مرة، وقرأه من حفظه مرة، وقال
ابن حِبَّان في ((الثقات)): كان إسحاق من ساداتِ أهل زمانه فقهًا وعلمًا وحفظًا، وصنَّف
الكتب، وفرَّع على السنن، وذب عنها، وقمع من خالفها. انتهى ما في ((تهذيب
التهذیب».
وقال ابن عدي: رَكِبَ إسحاقَ بْنَ راهويه دَيْنٌ، فخرج من مرو، وجاء نيسابور، فكلِّم
أصحاب الحديث يحيى بن يحيى في أمر إسحاق، فقال: ما تريدون؟ قالوا: تكتب إلى
عبد الله بن طاهر رقعةً، وكان عبد الله أمیرَ خراسان، وكان بنيسابور، فقال يحيى: ما
كتبتُ إليه قظُ، فألحوا عليه، فكتب في رقعة إلى عبد الله بن طاهر: أبو يعقوب إسحاق بن
إبراهيم رجُلٌ من أهل العلم والصلاح، فحمل إسحاقُ الرقعةَ إلى عبد الله بن طاهر، فلما
جاء إلى الباب، قال للحاجب: معي رقعة يحيى بن يحيى إلى الأمير، فدخل الحاجب،
فقال له: رجلٌ بالباب زَعَمَ أن معه رقعةً يحيى بن يحيى إلى الأمير، فقال: يحيى بن
يحيى؟! قال: نعم، قال: أدخِلْهُ، فدخل إسحاقُ، وناوله الرقعة، فأخذها عبد الله،
وقَبَّلَها، وأقعد إسحاق بجنبه، وقضَى دَيْنَهُ ثلاثين ألف درهم، وصَيَّره من ندمائه(١).
وقال ابن خلكان(٢): جمع بین الحديث والفقه والورع، وكان أحد أئمة الإسلام،
ذكره الدارقطني فيمن روى عن الشافعي رُه وعده البيهقي في أصحاب الشافعي، وكان
قد ناظر الشافعي في مسألة جواز بيع دُورٍ مكة، وقد استوفى الشيخُ فخر الدين الرازيُّ
صورةَ ذلك المجلس الذي جرى بينهما في كتابه الذي سماه: ((مناقب الإمام الشافعي))
◌ُّ فلما عرف فضله نسخ كتبه، وجمع مصنفاته بمصر.
قال أحمد بن حنبل ◌َُّه: إسحاقُ - عندنا - إمام من أئمة المسلمين، وما عَبَرَ الجِسْرَ
أفقهُ من إسحاق، وقال إسحاق: أحفظُ سبعين ألف حديثٍ وأذاكر بمائة ألف حديث، وما
سمعتُ شيئًا قظُ إلا حفظته، ولا حفظتُ شيئًا قظُ فنسیته، وله مسند مشهور، وكان قد
رحل إلى الحجاز والعراق واليمن والشام، وسمع من سفيان بن عيينة، ومَنْ في طبقته،
وسمع منه البخاري ومسلم والترمذي، وكانت ولادته سنة ١٦١ إحدى وستين ومائة،
(١) انظر ((طبقات الشافعية الكبرى)) لابن السبكي (٨٥/٢).
(٢) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)» (١٩٩/١).

٤١٨
مقدمة تحفة الأحوذي
وقيل: سنة ١٦٣ ثلاث وستين ومائة، وقيل: سنة ١٦٦ ست وستين ومائة، وسكن في آخر
عمره نيسابور، وتوفي بها ليلة الخميس النصف من شعبان، وقيل: الأحد، وقيل:
السبت، سنة ثمان، وقيل: سبع وثلاثين ومائتين، وقيل: سنة ثلاثين ومائتين، رحمه الله
تعالى وَرَاهْوَيهْ: بفتح الراء، وبعد الألف هاء ساكنة، ثم واو مفتوحة، وبعدها ياء مثناة من
تحتها ساكنة، وبعدها هاء ساكنة: لقب أبيه أبي الحسن إبراهيم، وإنما لقب بذلك؛ لأنه
ولد في طريق مكة، والطريق بالفارسية: ((رَاهُ)) و((ويه)) معناه: وجد، فكأنه وُجِدَ في
الطريق، وقيل فيه أيضًا: رَاهُوْيَه، بضم الهاء، وسكون الواو، وفتح الياء، وقال إسحاق
المذكور: قال لي عبد الله بن طاهر أمير خراسان: لم قيل لك: ابن راهويه؟ وما معنى
هذا؟ وهل تكره أن يقال لك هذا؟ قلت: اعلم - أيها الأمير - أن أبي ولد في الطريق،
فقالت المراوزة: رَاهْوَيَهْ لأنه وُلِدَ في الطريق، وكان أبي يكره هذا، وأما أنا فلست أكره
ذلك، ومَخْلَد؛ بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة، وفتح اللام، وبعدها دال مهملة،
والحنظليُّ: بفتح الحاء المهملة، وسكون النون، وفتح الظاء المعجمة، وبعدها لام: هذه
النسبة إلى حنظلة بن مالك، ينسب إليه بطن من تميم (١).
ومنهم: أيوب السَّخْتَيَانِيُّ. قال الحافظ (٢): أَيُّوبُ بن أبي تَمِيمَةَ كيسَانُ السختيانيُّ،
أبو بكر البصري، مولى عنزة، ويقال: مولى جُهَيْنة، رأى أنس بن مالك، وروى عن
عمرو بن سلمة الجَرْمِيِّ، وحُمَيْد بن هلال، وأبي قِلَابة، والقاسم بن محمد، وعبد
الرحمن بن القاسم، وغيرهم، وعنه: الأعمش من أقرانه، وقتادَةُ، وهو من شيوخه،
والحَمَّادان والسُّفْيَانان، وشُعْبة، وعبد الوارث، ومالك، وابن إسحاق، وسعيد بن أبي
عَرُوبة، وابن عُلَيَّة، وخلقٌ كثير، وقال عليٍّ بن المديني: له نحو ثمانمائة حديث، وأما
ابن عُلَيَّة فكان يقول: حديثه ألفا حديث، فما أقلَّ ما ذهب عَلَيَّ منها، وقال الجعد أبو
عثمان: سمعتُ الحسن يقول: أيوبُ سيِّدُ شباب أهل البصرة، وقال أبو الوليد عن شعبة:
حدَّثني أيوب، وكان سيد الفقهاء، وقال ابن الطَّبَّاع عن حماد بن زيد: كان أيوبُ ـ عندي
- أفضلَ مَنْ جالسته وأشدَّه اتباعًا للسنة، وقال أبو حاتم: سئل ابن المدينيِّ: من أَثْبَتُ
(١) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (٢٠٠/١).
(٢) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٤٥٧/٣).

٤١٩
الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه
أصحاب نافع؟ قال: أيوبُ وَفَضْلُهُ، ومالكٌ وإتقانُهُ، وعُبَيْدُ اللهِ وحفظه، وقال ابن البَرَاءِ
عن ابن المديني: أيوب في ابن سيرين أثبتُ من خالد الحَذّاءِ، وقال ابن سعد: كان ثقةً
ثَبّا في الحديث جامعًا، كثير العلم، حجة عدلًا، وقال أبو حاتم: هو أحبُّ إِلَيَّ في كل
شيء من خالدِ الحَذَّاء، وهو ثقةٌ لا يسأل عن مثله، وهو أكبر من سليمان، وقال النسائي:
ثقة ثَبَتْ، ورُوِيَ أَنَّ شعبة سأله عن حديث، فقال: أَشُلُّ فيه، فقال له: شَكُّكَ أحبُّ إِلَيَّ
من يقينٍ غيرك، وقال مالك: كان من العالمين العاملين الخاشعين، وقال هشام بن عروة:
ما رأيتُ بالبصرة مثله، وقال الذهلي عن ابن مهدي: أيوب حجة أهل البصرة، وقال
الدار قطني: أيوبُ من الحفاظ الأثبات، وقال الآجُرِّيُّ: قيل لأبي داود: سمع أيوب من
عطاء بن يَسَار؟ قال: لا، قال أبو داود: قلتُ لأحمد: تقدَّم أيوبُ على مالك؟ قال: نعم.
انتھی .
وقال الذهبي(١) في ترجمته: عن هشام بن حَسَّان قال: حج أيوبُ السختياني أربعين
حِجَّةً. سعيد بن عامر الضبيُّ عن سلام قال: كان أيوبُ السختيانيُّ يقوم الليل كلَّه يُخْفِي
ذلك، فإذا كان عند الصبح رَفَعَ صوته، كأنه قام تلك الساعة، ابن مهدي: أخبرنا حَمَّاد بن
زيد: سمعتُ أيوب، وقيل له: ما لَكَ لا تنظُرُ في هذا؟ - يعني: الرأي - قال: قيل
للحمار: ألا تجتر؟ قال: أكره مَضْغَ الباطل، وقال ابن عَقِيلٍ في ((شمائل الزهاد)»: أخبرنا
محمد بن إبراهيم: أخبرنا أبو الربيع: سمعت أبا يعمر بالري يقول: كان أيوبُ في طريق
مكة، فأصابَ الناسَ عطَشٌ وخافوا، فقال أيوبُ: تكتمون علي؟ قالوا: نعم، فدور دارة
ودعا، فنبع الماء، فَرَؤُوا وَرَوَوُا الجِمَالَ، ثم أَمَرَّ يده على الموضع، فصار كما كان، قال
"أبو الربيع: فلما رجَعْتُ إلى البصرة، حدثت حماد بن زيد بهذا، فقال: حدثني
عبد الواحد بن زياد أنه كان مع أيوبَ في هذه السَّفْرة التي كان هذا فيها، عن النضر بن
كثير السعدي: حدثنا عبد الواحد بن زيد قال: كنت مع أيوبَ، فعطشْتُ عطشًا شديدًا،
فقال: تستر عليَّ؟ فقلْتُ: نعم، فغمز برجله على حِرَاءٍ، فنبع الماء، فشربْتُ حتى رَوِيتُ،
وحملْتُ معي. مات أيوب سنة إحدى وثلاثين ومائة في الطاعون، وله ثلاث وستون سنة.
انتھی .
(١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١٣١/١).

٤٢٠
مقدمة تحفة الأحوذي
قلت: وولد أيوب سنة (٦٦)، وقيل: سنة (٦٨).
ومنهم(١): جعفر بن محمد بن علي ابن الشهيد الحسين بن علي بن أبي طالب، الإمام
أبو عبد الله العلوي المدني الصادق، أحد السادة الأعلام، وابن بنت القاسم بن محمد،
وَأُمُّ أمه هي: أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فلذلك كان يقول: وَلَدَنِي أبو بَكْر
الصديقُ مرَّتين. حدَّث عن جده القاسم، وعن أبيه أبي جعفر الباقر، وعبيد الله بن
أبي رافع، وعروة بن الزبير، وعطاء، ونافع، وعدة، وعنه: مالك والسُّفْيَانَان، وحاتم بن
إسماعيل، ويحيى القطان، وأبو عاصم النبيلُ، وخلق كثير، قيل: مولده سنة ثمانين،
فالظاهر: أنه رأى سهل بن سعد الساعدي، وثقه الشافعيُّ ويحيى بن معين، وعن أبي حنيفة
قال: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد، وقال أبو حاتم: ثقة لا يسأل عن مثله، وعن
صالح بن أبي الأسود: سمعتُ جعفر بن محمد يقول: سَلُونِي قَبْلَ أن تَفْقِدُونِي، فإنه
لا يحدِّثكم أحد بعدي بمثل حديثي، وقال هَيَّاج بن بِسْطَام: كان جعفرٌ الصادقُ يُطْعِمُ
حتى لا يَبْقَى لعياله شيءٌ.
قال الذهبي (٢): مناقبُ هذا السيِّد جمَّة، ومن أحسنها روايةُ حفْص بن غِيَات: أنه
سمعه يقول: ما أرجو من شفاعة عليٍّ شيئًا إلا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثلَهُ؛ لقد
ولدني مرتين. توفي سنة ثمان وأربعين ومائة، لم يحتجّ به البخاري، واحتج به سائر
الأمة، ثم ذكر بإسناده عن سفيان: دخلتُ على جعفر بن محمد وعليه جُبَّةُ خَرٍّ، وكساءُ
خَزِّ دُخَانِيّ، فقلت: يا ابْنَ رَسُولِ الله، ليس هذا مِن لباس آبائك؟ قال: كانوا على قدر
إقتار الزمان، وهذا زمانٌ قد أسبل عزاليه، ثم حسر عن جبة صوف تحت، وقال:
يا ثوريُّ، لبسنا هذا لله، وهذا لكم، فما كان لله أخفيناه، وما كان لكم أبديناه. انتهى.
وقال ابن خَلْكَانَ (٣): كان من ساداتِ أهلِ البيت، ولُقِّبَ بـ ((الصادق))؛ لصدقه في
مقالته، وفضلُهُ أشهر من أن يذكر، وكانت ولادته سنة ثمانين للهجرة، وهي: سنة سَيْلٍ
الجَخَّاف، وقيل: ولد يوم الثلاثاء قبل طلوع الشمس، ثامن شهر رمضان سنة ثلاث
(١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١٦٦/١).
(٢) المصدر السابق.
(٣) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (١/ ٣٢٧).