النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه حَافِظُ الأَرْضِ حَبْرُهَا بِائِّفَاقِ رَحْمَةِ اللهِ لِلْعِرَاقِيِّ تَثْرَى لَمْ يَكُنْ فِي الْبِلادِ مِثْلُ الْعِرَاقِي إِنَّنِي مُقْسِمٌ أَلِيَّةَ صِدْقٍ مات عَقِيبَ خروجه من الحَمَّام في ليلة الأربعاء ثامن شعبان سنة ست وثمانمائة بالقاهرة، ودفن بها. كذا في ((البدر الطالع)). ومنها: شرح للحافظ ابن الملقِّن، وهو شرح زوائده على ((الصحيحين)) وأبي داود. والحافظ ابن الملَقِّن هذا - هو: عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله السراج، الأنصاري الأندلسي التكروري الأصل، المصري الشافعي(١)، ولد في ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة بالقاهرة، وكان أصلُ أبيه من الأندلس، فتحوَّل منها إلى التَّكْرُور، ثم قَدِمَ القاهرة، ثم مات بعد أن وُلِدَ له صاحب الترجمة بسنة، فأوصى به إلى الشيخ عيسى المغربي، وكان يُلَقِّنُ القرآن، فنسب إليه، وكان يغضب من ذلك، ولم يكتبه بخطه، إنما كان يكتب: ((ابن النحوي))، وبها اشتهر في بعض البلاد كاليمن، ونشأ في كفالة زوج أمه وصيِّه، وتفقَّه بالتقيّ السبكي والعز بن جماعة وغيرهما، وأخذ في العربية عن أبي حَيَّان والجمال بن هشام وغيرهما، وفي القراءات عن البرهان الرشيدي، قال البرهان الحلبي: إنه اشتغل في كل فَنٍّ، حتى قرأ في كل مذهب كتابًا، وسمع على الحفاظ، كابن سيد الناس، والقطب الحلبي، وغيرهما، وأجاز له جماعة كالمِزِّيِّ، ورحل إلى الشام وبيت المقدس، وله مصنفات كثيرة، منها: ((تخريج أحاديث الرافعي)) في سبع مجلدات، و((مختصر الخلاصة)) في مجلد، و((مختصره للمنتقى)) في جزء، و(تخريج أحاديث الوسيط)) للغزاليٌّ، المسمَّى بـ((تذكرة الأحبار بما في الوسيط من الأخبار)) في مجلد، وتخريج أحاديث ((المهذَّب))، المسمَّى بـ: ((المحرَّر المذهَّب في تخريج أحاديث المذهب)) في مجلدين، و((تخريج أحاديث المنهاج الأصلي)) في جزء، و(تخريج أحاديث مختصر المنتهى)) لابن الحاجب، في جزء، وشرح العمدة المسمى بـ: ((الإعلام)) في ثلاثة مجلدات، وأسماء رجالها في مجلد، وقطعة من ((شرح المنتقى في الأحكام)) للمجد ابن تيميَّة، ولكنه قال صاحب الترجمة في ((تخريج الرافعي)): إنه إنما كتب شيئًا من ذلك على هوامش نسخة، كالتخريج الأحاديث ((المنتقى))، ثم رَغِبَ من يأتي بعده في شرح هذا الكتاب حَسْبَما نقلته من كلامه في أوائل شرحِي لـ((المنتقى)). (١) انظر ترجمته في ((البدر الطالع)) للشوكاني (٥٠٨/١)، و((حسن المحاضرة)) (٢٤٩/١) وغيرهما. ٣٦٢ مقدمة تحفة الأحوذي ومن مصنفاته: ((طبقات الفقهاء الشافعية))، و(طبقات المحدثين))، وفي الفقه ((شرح المنهاج))، وقال ابن حجر: إن صاحب الترجمة شَرَحَ ((المنهاج)) عدة شروح، أكبرها في ثمانية مجلدات، وأصغرها في مجلد، و((التنبيه)) كذلك و((البخاريّ)) في عشرين مجلَّدًا، وشرح ((زوائد مُسْلِمٍ على البخاري)) في أربعة أجزاء، و((زوائد أبي داود على الصحيحين)) في مجلدين، و((زوائد الترمذي على الثلاثة))، كَتَبَ منه قطعة، و((زوائد النسائيّ على الأربعة))، كتب منه جزءًا، و((زوائد ابن ماجه على الخمسة)) في ثلاث مجلدات، و((إكمال تهذيب الكمال))، قال ابن حجر: إنه لم يقف عليه، وقال السخاوي: إنه وَقَفَ منه على مجلد، وله مصنَّفات غير هذه، وقد اشتهر صيته وطار ذكره، وسارت مؤلفاته في الدنيا . وحكَى السخاويُّ أنه طلب الاستقلال بالقضاء(١)، وخَدَعَهُ بعض الناس حتى كتب بخطّه بمالٍ على ذلك، فغَضِبَ ((بَرْقُوقُ)) عليه بمزيد اختصاصِهِ به؛ لكونه لم يُعْلِمْهُ بذلك، ولو أعلمه لكان يأخذه له بلا بذل، وأراد الإيقاع به، فسلَّمه الله من ذلك، ثم استقرَّ في التدريس بأماكن، وقد ترجمه جماعة من أقرانه الذين ماتُوا قبله، كالعثمانيِّ قاضي صَفَد، فإنه قال في ((طبقات الفقهاء)): إنه أحد مشايخ الإسلام، صاحب التصانيف التي ما فتح على غيره بمثلها في هذه الأوقات، وقال البرهان الحلبي: كان فريدَ وقته في كثرة التصنيف، وعبارته فيها جلية جيدة، وغرائبه كثيرة، وقال ابن حجر في أنبائه: إنه كان موسعًا عليه في الدنيا، مشهورًا بكثرة التصانيف، حتى كان يقال: إنها بلغت ثلاثمائة مجلَّدة ما بين كبير وصغير، وعنده من الكتب ما لا يدخل تحت الحصر، منها ما هو ملكه، ومنها ما هو من أوقاف المدارس، ثم إنها احترقَتْ مع أكثر مسوَّداته في آخر عمره، ففقد أكثرها، وتغيَّر حاله بعدها، فحجبه ولده إلى أن مات(٢). قال: إن العراقيَّ والبُلْقِينِيَّ وصاحبَ الترجمة كانوا أعجوبة ذلك العصر: الأول: في معرفة الحديث وفنونه. والثاني: في التوسع في معرفة مذهب الشافعيِّ. والثالث: في كثرة تصانيفه. (١) انظر ((البدر الطالع)) (٥١٠/١). (٢) انظر ((الضوء اللامع)) (١٠٥/٦). ٣٦٣ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه وكل واحد من الثلاثة ولد قبل الآخر بسنة، ومات قبله بسنة، فأولهم ابن الملقِّن، ثم البلقينيّ، ثم العِرَاقِي، ومات في ليلة الجمعة سادس عشر ربيع الأول، سنة أربع وثمانمائة. ذكره في ((البدر الطالع)). ومنها: شرحُ للشيخ الإمام الحافظ أبي الفرج زين الدين عبد الرحمن بن شهاب الدين أحمد بن حسن بن رجب البغدادي الحنبلي، قال الحافظ ابن حَجَر في ((الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة))(١): ولد ابن رَجَبٍ ببغداد في ربيع الأول سنة ٧٠٦ست وسبعمائة، وقَدِمَ دمشقَ مع والده، فسمع معه من محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن الخباز، وإبراهيم بن داود العطار، وغيرهما، وبمصر من أبي الفتح المندومي، ومن أبي الحزم القلانسي، وغيرهما، وأكثر من المسموع، وأكثر الاشتغال حتى مَهَرَ، وصنَّف ((شرح الترمذي))، وقطعةً من ((البخاري))، وَ((ذَيْلَ الطبقات)) للحنابلة، و((اللطائفَ)) في وظائف الأيام بطريق الوعظ، وفيه فوائد، و((القواعد الفقهية)) أجاد فيه، وقرأ القرآن بالروايات، وأكثر عن الشيوخ، وخرَّج لنفسه مَشْيَخَةً مفيدة، ومات في شهر رجب سنة خمس وتسعين وسبعمائة، ويقال: إنه جاء إلى شخص حَفَّار، وقال له: احْفِرْ لي هنا لَحْدًا، وأشار إلى بقعة، قال الحفَّار: فحَفَرْتُ له، فنزل فيه، وأعجبه واضطجع، وقال: هذا جيد، فمات بعد أيام، فدفن فيه. انتهى. وفي ((الروضة الغنَّاء في تاريخ دمشق الفيحاء)): هو الإمام الأصولي المحدِّث الفقيه الواعظ الشهير كان إمامًا عالمًا في العلوم، له مصنَّفات كثيرة، منها: (شرح البخاري))، و((شرح الأربعين النووية))، و((طبقات الحنابلة))، و((القواعد))، و((رياض الأنس))، وغيرها، مات بدمشق، ودفن بباب الصغير، عند قبر معاوية ضُوعِنْه انتھی . قلت: ذكر الحافظ ابن رَجَبٍ ((شرح الترمذيِّ» له في شرح حديث: ((ما ذِثْبَانِ جَائِعَانِ ... ))(٢) إلخ، حيث قال: خَرَّجَ الإمام أحمد والنسائي والترمذيُّ وابن حِبَّان في عن النبي وَّ قال: ((ما ذِئْبَانِ ((صحيحه))، من حديث كعب بن مالك الأنصاري (١) ابن حجر في ((الدرر الكامنة)) (١٠٩/٣). (٢) الترمذي، كتاب الزهد، حديث (٢٣٧٦)، وأخرجه أيضًا أحمد (١٥٣٥٧)، والدارمي (٢٧٣٠)، وابن حبان (٣٢٢٨). ٣٦٤ مقدمة تحفة الأحوذي جَائِعَانِ أُرْسِلا فِي غَنَم بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حرص المرْءِ عَلَى المالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ)) قال الترمذيُّ: حسن صحيح، وروي من وجه آخر عن النبي ◌َّ من حديث: ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأسامة بن زيد، وجابر، وأبي سعيد الخدري، وعاصم بن عدي ـى أجمعين - وقد ذكرتها كلَّها - مع الكلام عليها - في كتاب ((شرح الأنصاري - الترمذي)). انتهى. ومنها: شرح الحافظ ابن حجر العسقلاني، قال في ((فتح الباري)) في شرح حديث حذيفة: ((أَتَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ سُبَاطَةَ قَوْم، فَبَالَ قَائِمًا))(١)، ما لفظه: ولم يثبت عن النبيِّ ◌َّلـ في النَّهْىٍ عنه - أي: عن البول قائمًا - شيءٌ، كما بينته في أوائل ((شرح الترمذي)). انتهى. وله شرح نفيسٌ لقول الترمذيِّ: ((وفي الباب ... )) سماه: ((اللباب)). والحافظ ابن حجر هذا هو: إمام الحُفَّاظ في زمانه، قاضي القضاة، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن الكناني العسقلاني ثم المصري، ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، وعانَى أولًا الأدب وتعلَّم الشعر، فبلغ فيه الغاية، ثم طلب الحديثَ، فسمع الكثير، ورحل وتخرَّج بالحافظ أبي الفضل العراقي، وبَرَعَ فيه، وتقدَّم في جميع فنونه، وانتهَتْ إليه الرحلة والرياسة في الحديث في الدنيا بأَسْرِهَا، فلم يكن في عصره حافظ سواه، وألف كتبًا كثيرة، كـ((شرح البخاري))، و((تعليق التعليق))، و((تهذيب التهذيب))، و((تقريب التهذيب))، و(لسان الميزان))، و((الإصابة في تمييز الصحابة))، و((نكت ابن الصلاح))، و((رجال الأربعة))، و((النخبة))، و((شرحها)) و((الألقاب))، و((تبصير المنتبه بتحرير المشتبه))، و((تقريب المنهج بترتيب المدرج))، وأملى أكثر من ألف مجلس، توفي في ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة؛ قاله الجلال السيوطي(٢) في ((حُسْن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة)). وقال في ((طبقات الحفاظ))(٣): ولد سنة ٧٧٣، وحكى أنه شَرِبَ ماءَ زمزم لِيَصِلَ إلى رتبة الذهبي، فبلغها وزاد، ولما حَضَرَت العراقيَّ الوفاةُ، قيل له: من تَخْلُفُ بعدك؟ قال: (١) البخاري، كتاب الوضوء، حديث (٢٢٤). (٢) السيوطي في ((حسن المحاضرة)) (ص/ ١٢١). (٣) السيوطي في ((طبقات الحفاظ)) (ص/ ٥٥٢). ٣٦٥ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه ابن حجر، ثم ابني أبا زُرْعَةَ، ثم الهيثمي، وصنَّف التصانيف التي عم النفع بها، كـ((شرح البخاري))، الذي لم يصنف أحد في الأولين ولا في الآخرين مثله، و((التشويق إلى وصل التعليق))، و((التوفيق)) فيه أيضًا، و((أسباب النزول))، و((تعجيل المنفعة))، و((المدرج))، و((المقترب في المضطرب))، وأشياء كثيرة جدًّا تزيد على المائة، وولي القضاء بالديار المصرية، والتدريسَ بعدة أماكن، وخرَّج أحاديث الرافعي و((الهداية)) و((الكشّاف» و((الفردوس))، وعمل أطراف الكتب العشرة، والمسند الحنبلي، وعمل زوائد المسانيد الثمانية. انتهى. وقال في ((نظم العقيان في أعيان الأعيان))(١): حُبِّبَ إليه فن الحديث، فأقبل عليه سماعًا وكتابة وتخريجًا وتعليقًا وتصنيفًا، ولازم حافظَ عهده زين الدين العراقي، حتى تخرَّج به، وأكبَّ عليه إكبابًا لا مزيد عليه، حتى رَأَسَ فيه في حياة شيوخه، حتى شهدوا له بالحفظ، تفقه على الشيخ سراج الدين البلقيني، والشيخ سراج الدين بن الملقِّن، والشيخ برهان الدين الأبناسي، وأخذ الأصول وغيره عن عز الدين بن جماعة، ولازمه طويلًا، ورحل إلى الشام والحجاز، ودخل باليمن فاجتمع بالعلامة مجد الدين الشيرازي صاحب ((القاموس))، ثم رجع، فأقبل بكليته على الحديث، وصنف فيه التصانيف الباهرة، وولي وظائفَ سنيَّةً لتدريس الحديث بالشيخونية، ومجامع القلعة بالجمالية، والبيبرسية، وتدريس الفقه بالمؤيَّدية، وبالشيخونية، وولي مسجد الشيوخ بالبيبرسية، ومسجد الصلاحية بجوار مشهد الإمام الشافعي ◌ُه وولي قضاء القُضَاة بالديار المصرية، وأَوَّل ما وليه سنة سبع وعشرين. انتهى. وقال الشوكاني في ((البدر الطالع))(٢): أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد، الشِّهابُ أبو الفضل، الكناني العسقلاني القاهريُّ الشافعي، المعروف بابن حَجَرٍ، وهو لقب لبعض آبائه الحافظ الكبير الشهير، الإمام المنفرد بمعرفة الحديث وعلله في الأزمنة المتأخرة، ولد في ثاني عشر شعبان سنة ٧٧٣ ثلاث وسبعين وسبعمائة بمصر، ونشأ بها يتيمًا في كنف أحد أوصيائه، فحفظ القرآن وهو ابن تسع، ثم حفظ ((العمدة))، (١) السيوطي في ((نظم العقيان في أعيان الأعيان)) (ص/ ١٣). (٢) الشوكاني في ((البدر الطالع)) (٨٧/١). ٣٦٦ مقدمة تحفة الأحوذي و((ألفية الحديث)) للعراقي، و((الحاوي الصغير))، و((مختصر ابن الحاجب)) في الأصول، و((الملحة))، وبحث في ذلك على الشيوخ وتفقَّه بالبُلْقِينيّ والبرماوي وابن الملقِّن والعز بن جماعة، وعليه أخذ غالِبَ علوم الآلية والأصولية، كـ((المنهاج))، و((جمع الجوامع)) ((شرح المختصر)) و((المطول))، ثم حَبَّب الله إليه فَنَّ الحديث، فأقبل عليه بكليته، وطلبه من سنة ٧٩٣ وما بعدها، فعكف على الزين العراقي، وحمل عنه جملةً نافعة من علم الحديث، سندًا ومتنًا وعللًا واصطلاحًا، وارتحل إلى بلاد الشام والحجاز واليمن ومكة وما بين هذه النواحي، وأكثر جدًّا من المسموع والشيوخ، وسمع العالي والنازل، واجتمع له من ذلك ما لم يجتمع لغيره، وأدرك من الشيوخ جماعةً، كُلُّ واحدٍ رَأْسٌ في فنه الذي اشتهر به. فالتّنُوخِيُّ في معرفة القراءاتْ، والعراقي في الحديث، والبُلْقِينِيُّ في سعة الحفظ وكثرة الاطلاع، وابن الملقِّن في كثرة التصانيف، والمَجْدُ صاحب ((القاموس)) في حفظ اللغة، والعز بن جماعة في تفننه في علوم كثيرة؛ بحيث كان يقول: أنا أقرأ في خمسة عشر علمًا لا يعرف علماء عصري أسماءها، ثم تصدَّى لنشر الحديث وَقَصَرَ نفسه عليه مطالعةً وإقراءً وتصنيفًا وإفتاءً، وتفرَّد بذلك، وشهد له بالحفظ والإتقان القريبُ والبعيد، والعدو والصديق، حتى صار إطلاق لفظ ((الحافظ)) عليه كلمةَ إجماع، ورَحَلَ الطلبة إليه من الأقطار، وطارَتْ مؤلَّفاته في حياته، وانتشرَتْ في البلاد، وتكاتَبَت الملوك من قطر إلى قطر في شأنها، وهي كثيرة جدًّا، منها ما كمل، ومنها ما لم يكمل، وقد عدَّدها السخاويُّ في ((الضوء اللامع))، وكذلك عدَّد مصنَّفاته في: الأربعينيَّاتِ والمعاجم، وتخريج الشيوخ، والأطرافِ، والطرق، والشروح، وعلوم الحديث وفنونه ورجاله في أوراقٍ من ترجمته، ونقل عنه أنه قال: لستُ راضيًا عن شيء من تصانيفي؛ لأنِّي عملتها في ابتداء الأمر، ثم لم يتهيَّأ لي من يحرِّرها معي، سوى ((شرح البخاريِ)) و((مقدمته))، و((المشتبه))، و((التهذيب))، و((لسان الميزان)). وروي عنه في موضع آخر أنه أثنى على ((شرح البخاري)) و((التعليق)) و((النخبة)). ولا ريب أن أجلَّ مصنفاته ((فتح الباري))، وكان شروعه في تصنيفه سنة ٨١٧ على طريق الإملاء، ثم صار يكتُبُ من خطه يداوله بين الطلبة شيئًا فشيئًا والاجتماع في يوم من الأسبوع للمقابلة والمباحثة، إلى أن انتھَى في أول يوم من رجب سنة ٨٤٢، سوَى ما ٣٦٧ الباب الثانى فى فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه ألحق فيه بعد ذلك، وجاء بخطه في ثلاثة عشر سفرًا وبيض في عشرة وعشرين وثلاثين وأقل وأكثر، وقد سبقه إلى هذه التسمية شيخه صاحب ((القاموس))، فإنه وُجِدَ له في أسماء مصنفاته أن من جملتها ((فتح الباري في شرح صحيح البخاري))، وأنه كمل ربعه في عشرين مجلدًا، وله مؤلفات في الفقه وأصوله، والعَرُوضِ، والآداب، سردها السخاويُّ، وقال بعد ذلك: إنها تهادَتْ تصانيفَهُ الملوكُ بسؤال علمائهم لهم في ذلك، حتَّى ورد كتاب في سنة ٨٣٣ من شاه رخ بن تيمور ملك الشرق، يستدعي من السلطان الأشرف برسباي هدايا من جملتها ((فتح الباري))، فجهز له صاحب الترجمة ثلاث مجلدات من أوائله، ثم أعاد الطلبَ في سنة ٨٣٩، ولم يتفق أن الكتاب قد كمل، فأرسل إليه أيضًا قطعة أخرى، ثم في زمن الظاهر جقمق جهزت له نسخة أخرى كاملة .. وكذا وقع لسلطان المغرب أبي فارس عبد العزيز الحَفْصِيِّ، فإنه أرسل يستدعيه، فجهز له ما كَمُلَ من الكتاب، وكان يجهز لكتبة الشرح، ولجماعة مجلس الإملاء ذهبًا يفرق عليهم، هذا ومصنفه حي رحمه الله، ولما كمل ((شرح البخاري)) تصنيفًا وقراءة عمل مصنّفه - رحمه الله - وليمة عظيمة بالمكان الذي بناه المؤيَّد خارج القاهرة في يوم السبت ثامن شعبان سنة ٨٤٢، وقرأ المجلس الأخير هنالك، وجلس المصنِّف على الكرسي، قال تلميذه السخاويُّ: وكان يومًا مشهودًا لم يعهد أهل العصر مثله بمحضر من العلماء والقضاة والرؤساء والفضلاء، وقال الشعراء في ذلك فأكثروا، وفرق عليهم الذهب، وكان المستَغْرَقُ في الوليمة المذكورة نَحْوَ خمسمائة دينار، قال: وقد دَرَّس بمواطن متعددة، واشتهر ذكره، وبعد صيته، وارتحل إليه العلماء، وتبجَّح الأعيان بلقائه والأخذ عنه، وأخذ الناسُ عنه طبقةً بعد طبقة، وألحق الأصاغر بالأكابر، وامتدحه الكبار، وتبجح فحولُ الشعراء بمطارحته، واستمَرَّ على طريقته حتَّى مات في أواخر ذي الحجة سنة ٨٥٢ اثنتين وخمسين وثمانمائة، وكان له مشهدٌ لم ير مثله مَنْ حضره من الشيوخ، فضلًا عمن دونهم، وشهده أمير المؤمنين والسلطان، فمن دونهما، وقُدِّمَ الخليفة للصلاة عليه، ودفن تجاه تربة الديلمي بالقرافة، وتزاحم الأمراء والكبراء على حمل نعشه. انتهى. ٣٦٨ مقدمة تحفة الأحوذي ومنها: شرح الحافظ عمر بن رسلان البُلْقِينِيِّ، قال صاحب ((كشف الظنون)) (١): ومن شروح الترمذي شَرْحُ سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني الشافعي، المتوفى سنة خمس وثمانمائة كتب منه قطعة، ولم يكمله، وسماه ((العَرْف الشذي على جامع الترمذي)) انتهى. وقال الشوكاني في ((البدر الطالع)) (٢) (ص٥٠٦ج١): عمر بن رسلان بن بصير بن صالح بن شهاب بن عبد الخالق بن عبد الحق السراج البلقيني، ثم القاهري الشافعي، ولد في ليلة الجمعة سنة أربع وعشرين وسبعمائة بُبُلْقِينَة، فحفظ بها القرآن وهو ابن سبع، و((الشاطبيةً)) و((المحرَّر)) و((الكافية الشافية)) والمختصر الأصلي، ثم أقدمه أبوه القاهرة وهو ابن اثنَتَيْ عشرة سنة، فَعَرَضَ مَحَافِيظُهُ على جماعة، كالتقي السبكي، والجلال القزويني، وفاق القزويني، وفاق بذكائه وكثرة محفوظاته وسرعة فهمه، ثم رجع به أبوه، ثم عاد معه وقد ناهز الاحتلام، فاستوطن القاهرة، وقرأ على أعيان العلماء في الفنون، كالشيخين المتقدمين، والعز بن جماعة، وابن عدلان، وسمع مِن خَلْق، وأجاز له الأكابر، وله تصانيفُ كثيرة لم تتم؛ لأنه يبتدئ كتابًا فيصنّف منه قطعة، ثم يتركه، وقد ذكر الشوكاني ترجمته طويلة، من شاء الوقوف عليها فليراجع (البَدْر))(٣). ومنها: شرح السيُوطِيِّ، سماه: ((قوت المغتذي على جامع الترمذي)) والحافظ السيوطيُّ هذا اسمه: جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد بن سابق السُّيوطِيُّ، ولد بعد المغرب ليلة الأحد مستهلَّ رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة أخذ العلوم عن علم الدين البُلْقِينيِّ، وشرف الدين المُنَاوِيّ، وتقي الدين الشُّمُنِّي، ومحيي الدين الكَافِيَجِيٌّ، وجلال الدين المَحَلِّيِّ، والقاضي عز الدين أحمد بن إبراهيم. قال صاحب الترجمة الأولى في ((حُسْن المحاضرة))(٤): بَلَغَتْ مؤلفاتي إلى الآنَ ثلاثمائة كتاب، سوى ما غسلته، ورجعْتُ عنه، وسافرْتُ - بحمد الله تعالى - إلى بلاد الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب، ولما حججْتُ شربْتُ من ماء زمزم لأمور، منها: أن أصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البُلْقِينِيِّ، وفي الحديث إلى رتبة (١) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (٥٥٩/١). (٢) الشوكاني في ((البدر الطالع)) (١ / ٥٠٦). (٣) الشوكاني في ((البدر الطالع)) (١/ ٥٠٧). (٤) السيوطي في ((حسن المحاضرة)) (ص/ ١١١). ٣٦٩ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه الحافظ ابن حجر، ورُزِقْتُ التبخّر في سبعة علوم: الحديث، والتفسير، والفقه، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع على طريقة العرب والبلغاء، لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة، والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم الستة سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها فيها لم يصلْ إليه أحدٌ من أشياخي، فضلًا عمن دونهم، وقد كَمُلَتْ عندي - الآن - آلاتُ الاجتهاد - بحمد الله تعالى - أقول ذلك، تحديثًا بنعمة الله تعالى لا فخرًا. انتھی بتلخيصه. وله مؤلَّفات جليلة في العلوم السبعة، ولنكتف على بعضها: ففي التفسير: ((الدر المنثور))، و((الإتقان))، و((تكملة الشيخ جلال الدين المحلي))، و((مفحمات الأقران))، و((الإكليل))، وغير ذلك. وفي فن الحديث: ((كشف المغطى في شرح الموطا))، و((تنوير الحوالك على موطأ مالك))، و((إسعاف المبطأ في رجال الموطأ))، و((مرقاة الصعود حاشية سنن أبي داود))، و((زهر الرُّبَى على سنن المجتَبى))، و((التوشيح على الجامع الصحيح))، و((الدِّيباج على مسلم بن الحجاج))، و((مصباح الزجاجة على سنن ابن ماجه))، و((قوت المغتذي على جامع الترمذي))، و((اللآلىء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة))، و((الجامع الصغير))، وغير ذلك مما هو مذكور في ((حُسْن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة)»(١)، وتوفي الشيخ يوم الجمعة إحدى عشرة بعد تسعمائة وقت العصر، تاسع جمادى الأولى. ومنها: شرح العلامة محمد طاهر صاحب ((مجمع البحار)) قال فيه: وفي تعليقي للترمذي عن شرحه ((الأحوذي))، خص الخلاء بالاستعاذة؛ لكونه مئِنَّة للوَحْدَةِ وخُلُوِّه عن الذكر للقَذَرِ، ولذا يستغفر إذا خرج. انتهى. قلت: لم أقفْ على حال تعليقه، ولا عِلْمَ لي أنه أتمه أم لا، ومحمد طاهر هذا هو: شيخ الإسلام، حجة الأنام، جمال الدين الشيخ محمد بن طاهر بن علي الصِّدِّيقِيُّ الْفتنِيُّ، ولد في بلدة نهرواله سنة أربع عشرة وتسعمائة، وحصَّل الفنون من عظماء الدهر، مثل: أستاذ الزمان مهته، ومولانا الشيخ الناكوري، ومولانا برهان الدين السمهودي، ومولانا يد الله السوهي، فسافر بعده سنة أربع وأربعين وتسعمائة إلى زيارة الحرَمَيْن الشريفَيْن، (١) انظر إن شئت المصدر المذكور (ص/ ١١٢). ٣٧٠ مقدمة تحفة الأحوذي وحَجَّ واعتمر وزار الروضة الشريفة، وأخذ علوم الحديث من فضلاء تلك الأمكنة الشريفة، كالشيخ: أبي عبيد الله الزبيدي، والسيد عبد الله العدني، والشيخ عبيد الله الحضرمي، والشيخ جار الله المكي، والشيخ ابن حجر المصري ثم المكي، والشيخ علي المدني، والشيخ برخور دار السِّنْدِيِّ، والشيخ علي بن حسام الدين المتقي، والشيخ أبي الحسن البكري، وغيرهم، فنشره في البلاد الكجراتية، وصنَّف تصانيف رائقة معجبة، وكان عالمًا عاملًا فاضلًا آمرًا بالمعروف، وناهيًا عن المنكر، مجاهدًا في سبيل الله، واستشهد مسافرًا لابتغاء مرضاة الله في بلاد مالوه عند أُجَيْن بأيدي القرامطة، وكان وفاته في سنة ست وثمانين وتسعمائة، تقبل الله ما سَعى. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في ((أخبار الأخيار)): ميال محمد طاهر هردريبن کجرات بوده ازقوم بوبهيره كه درال دياراند(١) حق سبحانه وتعالى أورا علم وفضل دار الرین شریفین رفت(٢) ومشايخ آل ديار شريف رادريافت تحصيل وتكميل علم حديث نمور(٣) بأشيخ علي متقي رحمة الله عليه صحبت داشت(٤) ومريد شددر علم حديث تواليف مفيدة جمع كرده(٥) ازال جملة كتابيست كه متكفل شرح صحاح است مسمى لمجمع البحار(٦) ورسالة ديكر مختصر مسمى بمغنى كه تصحيح أسماء رجال كرده(٧) بي تعرض به بيان أحوال بغايت مختصر ومفيد ورخطبهاي أين كتب مدح شيخ علي متقي بسيار كرده(٨) وولى بوصيت شيخ سياسي لجبهت إمداد طلبه راست هي كردودر(٩) وقت (١) عبارة فارسية بمعنى: وكان محمد بن طاهر في وسط كجرات، حيث كان من أصل هذه المناطق وهم البوهرة. (٢) عبارة فارسية بمعنى: ووهبه الله علمًا وفضلًا وذهب إلى الحرمين الشريفين. (٣) عبارة فارسية بمعنى: حيث مثل بين يدي مشايخ هذه الديار الشريفة، واستكمل هناك علم الحديث. (٤) عبارة فارسية بمعنى: وكان مصاحبًا للشيخ علي المتقي رحمه الله. (٥) عبارة فارسية بمعنى: وأصبح له مريدًا، وله مؤلفات مفيده في علم الحديث. (٦) عبارة فارسية بمعنى: من بينها كتاب قام بشرح الصحاح تحت اسم مجمع البحار. (٧) عبارة فارسية بمعنى: ورسالة أخرى تحت اسم المغني فيها تصحيح لأسماء الرجال. (٨) عبارة فارسية بمعنى: دون التعرض لدراسة حياتهم وفي رسالة مختصرة جدًّا ومفيدة، ولقد مدح الشيخ علي المتقي في خطبة الکتاب کثیرًا . (٩) عبارة فارسية بمعنى: ولقد أعد جيشًا لمساعدة الطلبة. ٣٧١ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه ورس نيزبحل كردن مشغول مي بودتادست(١) نيز دركارباشد(٢) وبإزالة بدع وآبهل بدع كه درال ديار بودند تقصير نكروه(٣) وآخرهم بدست آل جماعة درسنه بهفت وثمانين وتسع مائة بشهادات رسید(٤) شكر الله سعيه، وجزاه الله عن المسلمین خیرًا. انتهى. ومنها: ((شرح أبي الطَّيِّب السِّنْدي)). ومنها: ((شرح الشيخ أحمد السرهندي))، وهو بالفارسية، قد طبع قطعة منه، ومن ((شرح أبي الطيب السندي))، في المطبعة النظامية في الهند. ومنها: ((شرح أبي الحسن)) بن عبد الهادي السندي المدني، المتوفى سنة ١١٣٩ تسع وثلاثين ومائة وألف بالحرم النبوي، وهو شرح لطيف بالقول؛ كذا في ((كشف الظنون)»(٥) . قلت: قد طبع هذا الشرح مع ((جامع الترمذي)) بمصر. فائدة: اعلم أن لـ((الصحيحين)) ولـ ((سنن أبي داود)) مختصرات عديدةً اختصرها أهل العلم، فتتبعت هل لـ((جامع الترمذي)) مختصر أم لا؟ فوقفْتُ على ثلاث مختصرات له، ذكرها صاحب ((كشف الظنون)) (ص٣٧٦ ج١) حيث قال(٦) له - أي: لـ ((جامع الترمذي)) - مختصراتٌ، منها ((مختصر الجامع)) لنجم الدين محمد بن عقيل البالسي الشافعي، المتوفى سنة تسع وعشرين وسبعمائة، و((مختصر الجامع)) أيضًا لنجم الدين سليمان بن عبد القوي الظُوفي الحنبلي، المتوفى سنة عشر وسبعمائة، و((مائة حديث منتقاة)) منه عَوَالٍ للحافظ صلاح الدين خليل بن کیکلدي العلائي. انتهى. ووقفْتُ على مستخرجٍ على جامع الترمذيِّ، قال السُّيوطيُّ في ((التدريب))(٧): لا يختص المستخرج بـ ((الصحيحين))، فقد استخرج محمد بن عبد الملك بن أيمن على ((سنن (١) عبارة فارسية بمعنى: وكان ينشغل بالدرس والتحصيل وقت الدراسة. (٢) عبارة فارسية بمعنى: حتى يكون له شأن في مجال الدراسة. (٣) عبارة فارسية بمعنى: ولم يقتصر في القضاء على البدع وأهلها. (٤) عبارة فارسية بمعنى: واستشهد على يد هذه الجماعة في النهاية وذلك عام/ ٩٨٧هـ. (٥) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (١٦٨٠/٢). (٦) المصدر السابق (٥٥٩/١)؛ وانظر ((الحطة)) للقنوجي (ص/ ٢١٠). (٧) السيوطي في ((تدريب الراوي)) (١١٦/١)؛ وانظر ((توضيح الأفكار)) للأمير الصنعاني (٦٩/١). ٣٧٢ مقدمة تحفة الأحوذي أبي داود))، وأبو علي الطوسي على ((الترمذي))، وأبو نُعَيْم على ((التوحيد)) لابن خُزَيْمَةَ، وأملى الحافظ أبو الفضل العراقي على ((المستدرك)) مستخرجًا لم يكمل. انتهى. وقد عرفت معنى ((المُستَخْرَجِ)) في الباب الأول . الْفَصْلُ العَاشِرُ: في بَيَانِ بَعضٍ عَادَاتِ التِّرْمِذِيِّ ي جَامِعِهِ فمنها: أنه يترجم البابَ الذي فيه حديثٌ مشهور عن صحابي قد صح الطريق إليه، وأُخْرِجَ حديثُهُ في الكتب الصحاح، فيورد في الباب ذلك الحُكْمَ من حديث صحابيٍّ آخر، لم يخرجوه من حديثه، ولا يكونُ الطريق إليه كالطريق إلى الأول، إلا أن الحكم صحيح، ثم يتبعه بأن يقول: ((وفي الباب عن فلان وفلان))، ويعدُّ جماعة منهم الصحابي، الذي أخرج ذلك الحُكْمَ من حديثه؛ كذا في ((قوت المغتذي)). قلت: في اختيار الترمذي هذا الصنيع فوائدُ: منها: أن يطلع الناس على هذا الحديث الغير المشهور، ومنها: إظهار ما في سنده مِنْ علة، ومنها: بيانٌ لما في هذا الحديث من زيادة أو شيء آخر، ومنها: أنه يعقد الباب أولًا ثم يروي حديثًا واحدًا أو أكثر، ثم إن كان فيه كلامٌ يتكلّم، ثم يقول: ((وفي الباب عن فلان وفلان)). قال السُّيوطيُّ في ((تدريب الراوي)) (١): لا يريد ذلك الحديثَ المعيّن، بل يريد أحاديث أخر يصح أن تكتب في الباب، قال العراقي: وهو عمل صحيح، إلا أن كثيرًا من الناس يفهمون من ذلك أن من سمي من الصحابة يروون ذلك الحديث بعينه، وليس كذلك بل قد يكون كذلك، وقد يكون حديثًا آخر يصحُّ إيراده في ذلك الباب. انتهى . ومنها: أنه يقول: ((وفي الباب عن فلان وفلان))، أي: يذكر أسماء الصحابة، وقد يقول: ((عن فلان عن أبيه)) ي: يذكر اسم ابن الصحابي الراوي، كما قال في ((باب لا تُقْبَلُ صلاةٌ بغير ◌ُهُورٍ)): في الباب عن أبي المَلِيحِ، عن أبيه)) فصنيعه هذا لأمورٍ: منها: أن من الصحابة من يتفرَّد ابنه برواية عنه ولا يروي عنه غيره، كأبي المَلِيحِ، فأبوه هو: أسامة بن عُمَيْر لهذلي البصري، يروي عنه أبو المَليح فقط، وكما قال في (١) السيوطي في ((تدريب الراوي (٢٣٧/١). ٣٧٣ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه ((باب ما جاء عن رسول الله (وَ﴿﴿ في منع الزكاة من التشديد)): ((وفي الباب عن قبيصة بن هلب، عن أبيه))، فهلب هذا هو الطائيُّ لا يروي عنه إلا ابنه، ومنها: الاختلاف في اسم الصحابي مثلًا يقول في ((باب سهم الخيل)): ((وفي الباب عن أبي عَمْرَةَ عن أبيه))، فأبو عَمْرة هذا: صحابي أنصاريُّ نَجَّارِيٌّ، يروي عنه ابنه فقط، واختلفوا في اسمه، قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)»(١) في ترجمة ابنه عبد الرحمن: واسم أبي عَمْرَةَ: عمرو بن محصن، وقيل: ثعلبة بن عمرو بن مِحْصَنٍ، وقيل: أسيد بن مالك، وقيل: يسير بن عمرو بن محصن بن عتيْكِ بن عمرو بن مَبْذُولٍ بن مالك بن النَّجَّار. قاله ابن سعد، وقال في ترجمته: قال ابن عبد البر(٢): يقال: اسمه رشيد، وقال العسكري: يقال: إنه عمرة بن عمرو بن محصن، ويقال: أسامة بن مالك. ومنها: الاختلاف في اسم والد ذلك الصحابي، أو نسبته، أو غير ذلك، مثلًا يقول في ((باب كان إذا أراد الحاجَةَ أَبْعَدَ في المذهب)): ((في الباب: عن يحيى بن عُبَيْدٍ، عن أبيه))، فعبيد والد يَحْيى هذا اختلفوا فيه، فقال بعضهم: عُبَيْد: رُحَيٍّ: بالراء والحاء المهملتين مصغرًا، ويقال في اسم أبيه: دُحَيٍّ، بالدال بدل الراء، ومنهم من قال في أبيه: صَيْفِيّ، وأما في نسبته، فقيل: الجهضمي، وقيل: الجهني، وأخرج ابن قانع والحارثُ بن أبي أسامة، وابن منده، وغيرهم بسندهم، عن يحيى بن عُبَيْد بن دُحَيٍّ، عن أبيه قال: (كَانَ النَّبِيُّ وَلِ يَتَبَوَّأُ لِبَوْلِهِ كَمَا يَتَبَوَّأْ لِمَنْزِلِهِ)) قال الحافظ: وفي رواية إبراهيم الحربي: ((صيفي)) بدل ((رحي))، وعند ابن عبد البر: ((دحي) بالدال، وعند ابن مَنْدَه: ((الجهني)) بدل ((الجهضمي))، وقال ابن أبي حاتم في ((المراسيل))(٣): سمعتُ أبا زرعة يقولُ: ليس لوالد يَحْبَى صحبةٌ ... إلى قوله: فذكر حديثًا فأحبَّ الترمذي ألَّ يذكر اسم ذلك الصحابي؛ لأن في ذِكْرِ اسمه من غير ذكر أبيه مَظِنَّة الالتباس بالآخر الذي هو سَمِيُّهُ، وما طاب نفسُهُ بذكر اسم والِدِ ذلك الصحابي؛ لأجل عدم التيقن، فأزاح بذكر ولده؛ لأن والد ذلك الصحابيِّ لم يختلفوا في اسمه، ولكن هذه قاعدة ليست بمطّردة في جميع المواضع، بل في بعض المواضع ما يخالفه. (١) ابن حجر في (تهذيب التهذيب)) (٢١٩/٦). (٢) ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) (١٧٢١/٤). (٣) ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) (ص/ ١٦٣). ٣٧٤ مقدمة تحفة الأحوذي ومنها: عدم شهرة اسم ذلك الصحابي إلَّا بذكْر ولده. ومنها: أنه إذا رَوَى حديثًا عن صحابي في باب، فلا يعيدُ ذكْرَ ذلك الصحابي بعد قوله: ((وفي الباب))، مثلًا: إذا رَوَى في باب حديثًا عن أبي هريرة، فلا يقول بعد روايته: ((وفي الباب عن أبي هريرة)»، إلا أنه خالف عادته هذه في عدة أبواب، منها: ((باب صفة شَجَرِ الجنة))، فقد روى فيه عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ◌َّ قال: ((في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَة عَامٍ))(١) الحديث، ثم قال الترمذي: ((وفي الباب عن أبي سعيد))، فالظاهر: أنه أراد حديثًا آخر لأبي سعيد غير الحديث الذي قدمه، وهو ما رواه ابن حِبَّان(٢) في (صحيحه)) عنه، عن رسول الله وَلَّهِ أنه قال له رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، مَا طُوبَى؟ قَالَ: ((شَجَرَةٌ مَسِيرَةُ مِائَةٍ سَنَةٍ ... )) الحديث. ومنها: ((باب كراهية خاتم الذهب)) فقد رَوَى فيه عن علي بن أبي طالب قال: ((نَهَانِي رَسُولُ اللهِ وَلّهِ عَنِ النَّخَتُم بِالذَّهَبِ، وَعَنْ لِيَاسِ القَسيِّ ... )) الحديث(٣)، ثم رَوَى حديث عمران بن حصين قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنِ النَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ)) (٤) ثم قال: ((وفي الباب عن علي وابن عمر ... )) إلخ، فالظاهر أنه أشار إلى حديث آخر لعلي سوى ما تقدَّم، وهو: ما رَوَى عنه أحمد وأبو داود والنسائي(٥): ((أن النبيَّ ◌َِّ أَخَذَ حَرِيرًا فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ وَأَخَذَ ذَهَبًا فَجَعَلَهُ فِي شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورٍ أُمَّتِي)) . ومنها: ((باب الركعتين إذا جاء الرجلُ والإمام يَخْطُبُ))، فإنه رَوَى في هذا البابِ عن جابر بن عبد الله قال: ((بَيْنَمَا النَّبِيُّ ◌َّهِ يخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ النّبِيُّ ◌َل: أَصَلَّيْتَ؟ ... )) (٦) الحديث، ثم قال الترمذيُّ: ((وفي الباب عن جابر))، قال الحافظ (١) الترمذي، كتاب صفة الجنة، حديث (٢٥٢٣). وقد أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، حديث (٤٨٨١) من حديث أبي هريرة، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعیمها، حدیث (٢٨٢٨) من حديث أبي سعيد. (٢) ابن حبان (٧٤١٣). وهو حديث صحيح. (٣) الترمذي، كتاب اللباس، حديث (١٧٣٧)، وقد أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، حديث (٢٠٧٨). (٤) الترمذي، كتاب اللباس، حديث (١٧٣٨)، وقد أخرجه أحمد (١٩٤٧٨)، والنسائي (٥١٨٧). (٥) أحمد (٩٣٧)، وأبو داود، كتاب اللباس، حديث (٤٠٥٧)، والنسائي، كتاب الزينة، حديث (٥١٤٦). (٦) الترمذي، كتاب الجمعة، حديث (٥١٠). ٣٧٥ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه العراقي: لعله أراد حديثًا آخر لجابرٍ غيرَ الحديث الذي قَدَّمه، وهو: ما رواه الطبرانيُّ من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: ((دَخَلَ الُّعْمَانُ بْنُ نَوْفَلِ وَرَسُولُ اللهِ وَلِيل عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((صَلِّ رَكْعَتَيْنِ)) الحديث(١). انتهى كلام العراقي. قلت: ما قاله الحافظ العراقي من أن الترمذيَّ يريد حديثًا آخر لذلك الصحابي غيرَ الحديث الذي يقدِّمه هو المعتمد. ومنها: أنه يترجم الباب، ثم يقول بعد إيراد الحديث: ((وفي الباب عن فلان)) أي: يذكر اسم صحابي، ثم يروي عن ذلك الصحابي الذي أشار إلَى حديثه بقوله: ((وفي الباب عن فلان))، والظاهر من صنيعه هذا: أنه يريد بحديث ذلك الصحابيِّ المشار إليه حدِيثَهُ الذي يَرْوى عنه بعدُ، مثلًا: قال في ((باب زكاة البقر)) بعد رواية حديث ابن مسعود مرفوعًا : (فِي ثَلَاثِينَ مِنَ البَقَرِ تَبِيعٌ ... ))(٢) الحديث: ((وفي الباب عن معاذ بن جبل، ثم روى عنه أنه قال: ((بَعَثَنِي النَّبِيُّ ◌َّهِ إِلى الْيَمَنِ، فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا))(٣) الحديث، وقال في ((باب الأربع قبل العصر)) بعد رواية حديث علي: ((وفي الباب عن ابن عمر))، ثم ذكر مذاهبَ الأئمة، ثم روَى عنه مرفوعًا: ((رَحِمَ اللهُ امْرَأَ صَلَّى قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعًا))(٤). ومنها: أنه قد يقول في باب واحد: ((وفي الباب)) مرتين، كما في ((باب استكمال الإيمان والزيادة والنقصان))، فإنه قال فيه بعد إيراد حديث عائشة مرفوعًا: ((إنَّ مِنْ أَكْمَلٍ المُؤمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا))(٥) الحديث: ((وفي الباب عن أبي هريرة وأنس))، ثم أورد في هذا الباب حديث أبي هريرة، وقال بعده: ((وفي الباب عن أبي سعيد وابن عمرو))، (١) انظر (مجمع الزوائد» (١٨٤/٢). (٢) الترمذي، كتاب الزكاة، حديث (٦٢٢)، وابن ماجه، كتاب الزكاة، حديث (١٨٠٤). (٣) الترمذي، كتاب الزكاة، حديث (٦٢٣)، وقد أخرجه أحمد (٢١٦٢٤)، والدارمي (١٦٢٣)، وأبو داود، كتاب الزكاة، حديث (١٥٧٦)، والنسائي، كتاب الزكاة، حديث (٢٤٥٢)، وابن ماجه، كتاب الزكاة، حديث (١٨٠٣). (٤) حسن. أخرجه الترمذي، كتاب الصلاة، حديث (٤٣٠)، وأخرجه أيضًا أحمد (٥٩٤٤)، وأبو داود، كتاب الصلاة، حديث (١٢٧١) وفيه محمد بن مسلم بن مهران قال الحافظ: صدوق يخطئ، قلت: فمثله حسن الحديث إن شاء الله، والله أعلم. (٥) الترمذي، كتاب الإيمان، حديث (٢٦١٢) وقال: حديث صحيح. ٣٧٦ مقدمة تحفة الأحوذي كما في باب («أكل لحوم الجَلَّالة وألبانها))، فإنه أورد فيها أولًا حديث ابن عمر، ثم قال: ((وفي الباب عن ابن عباس))، ثم رَوَى عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ نَهَى عَن المُجَثَّمَةِ وَعَنْ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ ... )) (١) الحديث، ثم قال بعد تحسين حديثه وتصحيحه: ((وفي الباب عن عبد الله بن عمرو))، والظاهر: أنه يريد بقوله: ((وفي الباب)) الثاني، أي: في معنى الحديث الذي قبله، فأشار بحديث عبد الله بن عمرو إلى ما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم والدارقطني والبيهقي، عنه، قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِنَّهِ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ وَعَنِ الجَلَّالَةِ، عَنْ رُكُوبِهَا وَلُحُومِهَا))(٢) . ومنها: أنه قد يعقد بابًا بغير ترجمة، ثم يورد فيه حديثًا، ثم يقول: ((وفي الباب عن فلان))، فيشير بقوله: ((وفي الباب)) إلى حديثٍ يكون في معنى الحديث الذي ذكره في هذا الباب، كما في أوائل القَدَرِ، فإنه عقد بابًا بغير ترجمة، وأورد فيه حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى ... ))(٣) الحديث، ثم قال: ((وفي الباب عن عُمَرَ، وجندُبٍ))، وكما في أواخر الفتن، في عدة أبواب. ومنها: أنه إذا اختصَرَ بَعْضَ الأحاديثِ، يشيرُ إلى أنه مطوَّل بقوله: ((وفيه قصَّةٌ)) أو: «فیه كلام أكثر من هذا»، أو نحوه. ومنها: أنه يبيِّن الفرق بين الأسماء المشتركة: كيزيد الفارسيِّ ويزيد الرُّقاشِيِّ، أو الكُنَى المشتركة: كأبي حازم الزاهِدِ، وهو مديني، واسمه سَلَمَة بن دِينَارٍ، وأبي حَازِمٍ الأشجعيِّ، وهو کوفي، واسمه سلمان. ومنها: أنه قد يعقد بابًا، ويورد فيه حديثًا اختلف في رفعه ووقفه، ويكون في الباب حديثٌ مرفوعٌ صحيحٌ لم يُخْتَلَفْ في رَفْعِهِ وَوقفه، فلا يورده فيه، بل يشير إليه، وكذلك یورد في باب حديثًا ضعيفًا، وفي حديثٌ صحيحٌ، فلا يورد الحديث الصحيح فیه، بل يشير إليه بعد قوله: ((وفي الباب)). (١) الترمذي، كتاب الأطعمة، حديث (١٨٢٥). (٢) أحمد (٦٩٩٩)، وأبو داود، كتاب الأطعمة، حديث (٣٨١١)، والنسائي، كتاب الضحايا، حديث (٤٤٤٧)، والحاكم (٢٢٢٩) وقال: صحيح الإسناد، والدارقطني (٢٨٣/٤) (٤٤)، والبيهقي ((الكبرى)) (١٩٢٦٣). (٣) الترمذي، كتاب القدر، حديث (٢١٣٤)، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (٣٤٠٩)، ومسلم، كتاب القدر، حديث (٢٦٥٢). ٣٧٧ الباب الثاني في فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه فأما صنيعه الأول: فقيل في توجيهه: إنه أخرج المختلَفَ فيه، واستشهد بما لم يختلَفْ فيه؛ لأن الاستشهاد لا يَحْسُنُ بالمختلف فيه، وأما صنيعه الثاني: فلينبه على ذلك الحديثِ الضعيفِ، ويبيِّن ما فيه من الكلام، ويستشهدَ بالصحيح. ومنها: أنه قد یحسِّن الحديث الضعيف الذي یکونُ ضعفه ظاهرًا لجهالة رواته أو لضعفه أو للانقطاع أو لغير ذلك من وجوه الضعف، فأما تحسينه ما في إسناده مجهولٌ، فيحتمل أن الترمذيَّ عرفه. قال ابن الملقِّن في ((شرح المنهاج)) - جوابًا على من أنكر على الترمذيِّ تحسينَ الحديث، يعني: حديثَ زيد بن ثابت: ((أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ◌َهِ تَجَرَّد لإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ)) (١) -: لعله إنما حسنه لأنه عرف عبد الله بن يعقوب الذي في إسناده، أي: عرف حاله. انتهى. وروى الترمذيُّ حديثًا عن رجلٍ من الأنصار: ((أن النَّبِيَّ وَ﴿ بَاعَ حِلْسًا)) الحديث، وفي سنده أبو بكر الحنفي، وهو مجهول. قال ابن القطان: والحديث معلولٌ بأبي بكر الحنفيّ، فإني لا أعرف نقل عدالته، فهو مجهول الحال، وإنما حَسَّن الترمذيُّ حديثه على عادته في قبول المشاهير؛ كذا في ((نصب الراية))(٢). وأما تحسينه ما في إسناده ضعف أو انقطاعٌ: فلمجيئه من وجه آخر ولشواهده، قال السُّيُوطِيُّ في ((التدريب)) (٣): إذا رُوِيَ الحديثُ من وجوه ضعيفة لا يلزمُ أن يحصُلَ من مجموعها أنه حسن، بل ما كان ضعفه لضعف حفظ راویه الصدوق الأمین زال بمجيئه من وجه آخر، وعرفنا بذلك أنه قد حَفِظَهُ، ولم يختلَّ فيه ضبطه، وصار الحديثُ حسنًا بذلك، كما رواه الترمذيُّ وحسَّنه من طريق شُعْبَة، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، ((أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَني فَزَارَةَ تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنٍ، فَقَال رَسُولُ اللهِ وَهُ: أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ؟! قالت: نَعَمْ، فَأَجَازَ))(٤). قال الترمذيُّ: ((وفي الباب عن عمر وأبي هريرة وعائشة وأبي حَدْرَدٍ) فعاصم: (١) الترمذي، كتاب الحج، حديث (٨٣٠). (٢) ((نصب الراية)) (٤/ ٢٢). (٣) السيوطي في (تدريب الراوي)) (١٧٦/١). (٤) الترمذي، كتاب النكاح، حديث (١١١٣). ٣٧٨ مقدمة تحفة الأحوذي ضعيف؛ لسوء حفظه، وقد حسَّن له الترمذيُّ هذا الحديثَ؛ لمجيئه من غير وجه، وكذا إذا كان ضعفُها لإرسال أو تدليسٍ أو جهالةِ رجالٍ - كما زاده شيخ الإسلام - زال بمجيئه من وجه آخر، وكان دون الحسن لذاته، مثال الأول: يأتي في نوع المرسل، ومثال الثاني: ما رواه الترمذيُّ وحسَّنه من طريقٍ هُشَيْم، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، عن البراء بن عازب مرفوعًا: ((إنَّ حَقًّا عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ يَغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَمَسَّ أَحَدُهُمْ مِنْ طِيبٍ أَهْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَالمَاءُ لَهُ طِيْبٌ)) (١)، فَهُشَيْمٌ موصوف بالتدليس، لكن لما تابعه عند الترمذيِّ أبو يحيى التيميُّ، وكان للمتنِ شواهدُ من حديث أبي سعيد الخدري وغيره حسّنه. انتهى. وقال الحافظ في ((التلخيص))(٢): وأما رواية عمران بن حُصَيْن فرواها أبو داود والترمذيُّ والبيهقيُّ(٣) من حديث علي بن زيد بن جُدْعَان، عن أبي نَضْرة، عن عمران بن حصين، قَالَ: ((غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ لِهِ وَشَهِدْتُ مَعَهُ الفَتْحَ، فَأَقَامَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ... )) الحديث، حسَّنه الترمذي، وَعَلِيٍّ ضعيف، وإنما حسن الترمذيُّ حديثه لشواهده، ولم يعتبر الاختلاف في المدة، كما عُرِفَ من عادة المحدِّثين من اعتبارهم الاتفاقَ على الأسانيد دون السياق. انتهى. قلت: والظاهرُ: أن الترمذيَّ إنما حسَّنه؛ لأن علي بن زيد بن جُدْعَان ليس بضعيف عنده، بل هو عنده صدوقٌ كما صرَّح به الترمذيُّ نفسه، حيث قال في ((باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة)) من أبواب العلم، بعد رواية حديث أنس من طريق علي بن زيد، عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّب عنه ما لفظه: ((هذا حديث حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه)). قال: وعليُّ بن زَيْدٍ صدوقٌ، إلا أنه يَرْفَعُ الشيء الذي يُوقِفُهُ غيره. انتهى. قلت: ولأجْلٍ ذلك صحَّح حديثَهُ في موضع آخر من كتابه ((الجامع))، حيثُ قال: وفي باب التسليم: إذا دخل بيته بعد رواية حديث أنس من طريق علي بن زيد عن سعيد بن (١) انظر ((سنن الترمذي))، كتاب الجمعة، حديث (٥٢٨). (٢) ابن حجر في ((تلخيص الحبير)) (٤٥/٢). (٣) أبو داود، كتاب الصلاة، حديث (١٢٢٩)، والترمذي، كتاب الجمعة، حديث (٥٤٥)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٥٢٨٧). ٣٧٩ الباب الثانى فى فوائد خاصة متعلقة بالإمام الترمذي وجامعه المسيَّب، عنه، مرفوعًا: ((يا بُنَيَّ، إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ يَكُونُ بركةً عَلَيْكَ وَعَلَى آَهْلِكَ»(١)، هذا حديث حسن صحيح غريب. انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح)): زعم ابن بَطَّال أن حديثَ معاذٍ المرفوعَ: ((إنَّ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ))(٢) متصلٌ صحيحٌ، وفي كلامه نظر، فإن حديث معاذ أخرجه أصحاب السنن - يعني: من طريق أبي وائل، عن مسروق عن معاذ - وقال الترمذي: حسن، وأخرجه الحاكم (٣) في ((المستدرك))، وفي الحكم بصحّته نظر؛ لأن مسروقًا لم يَلْقَ معاذًا، وإنما حسَّنه الترمذي لشواهده. انتهى. ومنها: أنه يقولُ في أكثر الأبواب بعد رواية الحديثِ والحُكْم عليه بالصِّحَّة أو الحُسْنِ: ((والعملُ على هذا عند أهل العلم))، أو: ((أكثر أهل العلم))، أو: ((عند بعض أهل العلم))، وهذا من عادته المستمرَّة، فهو يشترط عمل أهل العلم في صحة الحديث أو في حسنه أم لا؟. قال صاحب ((دراسات اللبيب)) في الدراسة السابعة: وأما ما استمرَّ عليه دأب الإمام الجليل أبي عيسى بن عيسى بن سَوْرة الترمذيِّ في أكثر الأحاديث من قوله: ((والعمل على هذا عند أهل العلم))، أو: ((أكثره)) أو: ((بعضه))، يأتي به بعد الفراغ من الحكم على الحديث بالصحة أو الحسن، أو بهما، أو غيرِ ذلك مما يحكم به على اصطلاحه، فهو ليس عنده مما يشترط في صُلْب ما حكم به، ولا شك في أن كون الحديث معمولا به عند الصحابة ومَنْ بعدهم من العلماء مما يؤيد أمر ثبوته، وليس الكلام في ذلك، وإنما الكلام في أنه ليس مما يشترط في الحسن والصحة، حتى إذا لم يأخذ به أجِلَّةُ القوم منهم يعدُّ بذلك معلولًا، وإن كان الترمذي يرى ذلك فهو مما يختصُّ به، على خلاف جماهير العلماء، قال: ومما يثقل على هذا العبد الضعيف مِنْ صنيعه في ((سننه)) أنه ربّما يسند الحديث ويحكم عليه بالحسن أو الصحة، ثم يقول: ((ولم يأخذ به أهل العلم)) أو: ((بعض أهل العلم))، فيذكُرُ قولهم المخالف بالحديث، ثم ربما يذكر حديثًا تمسّكوا به خِلَافَ هذا (١) الترمذي، كتاب الاستئذان، حديث (٢٦٩٨). (٢) الترمذي، كتاب الزكاة، حديث (٦٢٣). (٣) الحاكم في ((المستدرك)) (١٤٠١) وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وهو كما قالا. ٣٨٠ مقدمة تحفة الأحوذي الحديث، ولا انتقاد عليه في ذلك، فإنه من باب ترجيح أحد الحديثين، وربما يَسْكُتُ من متمسّكهم من الحديث، فيقع قولهم الغربة - أي: الخالي عن تمسُّكٍ - معارضًا بالحديث، فينتقض به - إن شاء الله تعالى - ظهر من ذوقنا في كتابنا هذا ذوقة؛ إذ لا معارضة لأحدٍ كائنًا من كان مع رسول الله وَله، فأهل التأديب بحضرة القدس العلية يحترزُونَ كل التحرُّز في أقوالهم وأعمالهم عمَّا يتضمَّن صورة المعارضة، وإن لم يكُنْ في الواقع من العلماء معارضة؛ لفوزهم بحديث هو إمامُهُمْ فيما ذهبوا إليه من خلاف هذا الحديث، ولم يذكره الترمذي أيضًا إلا بهذا اللَّحَاظ، لكنه حُسْن ظن إليهم على جواز أَلَّا يبلغهم هذا الحديث رأْسًا، فلا يمهد عذرًا في هذا الصنيع والله تعالى أعلم. انتهى كلامه. وقال في أول هذه الدراسة: اعلم - سدّدك الله سبحانه إلى سواء السبيل، وأذاقك حلاوة صفوة الدليل - : أنك إذا عرفْتَ ما قدَّمنا في المباحث السابقة من أنه لا حجة لأحد مع رسول الله - وَ﴿ه ـ وترسَّخ عندك أساسُ ما بيناه من الدلائل، علمْتَ أنه كما يجب تركُ قول إمام واحد مخالفٍ بالحديث، كذلك يجب ترك قول مائة إمام - مثلاً - إذا كان مخالفًا بالحديث الصحيح، فلو وجدنا حديثًا صحيحًا خالفه الأئمة الأربعة، وجب علينا تركُ أقوالهم فورًا بعين ما ذكرنا من الدراسات المتقدمة، إلى أن يظهر له عندنا معارضةٌ منهم لهذا الحديث بحديث آخر رجَّحوه عليه، أو جواب يتستَّرون به عن ورود الحديث حجةً عليهم، واحتمالُ أنه لم يبلغهُم الحديث كائنٌ - ههنا - أيضًا، ولو على ضعفٍ؛ لاستيفاء المذاهب الأربعة أكثر ما ثبت من السنة الصحيحة، فكذلك احتمال أن واحدًا منهم أو أكثر أخَذَ بهذا الحديث بعد العلم به في قوله الجديد، ورجع عما خالفه لم يرتفع بعدم نقله إلينا، ولا بَعْد وصول ذلك إلى أتباعه جميعًا، والشافعيُّ لا يتحقَّق لقوله خلافُ بالحديث الصحيح بعد ما قال، وصح عنه: ((إذا وُجِدَ الحديثُ الصحيح فهو مذهبي))، وبهذا القول اتخذ أصحابه، فينسبون إليه ما ثبت في الصحيح أنه مذهبه، وذلك في عدة مواضع، وكذا الأئمة الثلاثة صحَّ عنهم ما صح عن الشافعي، لكن أتباعه قد خصوا مِن بين أتباعهم بإقرار ذلك وترك ما خالف الحديث من أقواله، وعلى كل حال نعتقد أن للأئمة الأربعة أعذارًا موجهة عن هذا الحديث، وذلك مما أوجب حسن الظن إليهم، لا ترك الحديث لقولهم، فيُعمل بالحديث، ويُترك قولهم وذلك لو تحقَّقْتَ الأمر