النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
ومن الكتب المصنفة في ذلك: كتاب ((مشتبه النسبة)) للحافظ عبد الغني بن سعيد
الأزدي المصري، أوله: ((الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا
محمد رسوله، وعلى أبرار عترته وسلَّم تسليمًا، أما بعد: فإني لما صنفت كتابي في
مؤتلف أسماء المحدِّثين ومختلفها، فنظرْتُ فإذا من ينسب منهم إلى قبيلة أو بلدة أو
صنيعة - قد يقع فيها من التصحيف والتحريف مِثْلُ ما يقع في الأسماء والكنى التي حواها
كتاب ((المؤتلف والمختلف)) الذي تقدَّم تصنيفي إياه قبل هذا الكتاب وغيره، فاستخرْتُ الله
تعالى، وألَّفت كتابًا في المنسوب منهم إلى قبيلة أو بلدة أو صنيعة يشتبه انتسابه في
الخط، ويفترق في اللفظ والمعنى، على من ليس له بذلك عِلْمٌ، ولا له به دراية.
ومنها: «تلخیص المتشابه)» للخطيب، وهو من أحسن کتبه.
الْفَصْلُ الأَرْبَعُونَ: في ذِكْرٍ بَعْضِ الأُصُولِ الَّتِي ذَكَرَهَا الحَنَفِيَّةُ
أَوْ غَيْرُهُمْ لِرَدِّ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالْكَلامِ عَلَيْهَا
فمنها: ما قال بعضُهم في مقدمة شرحه لِـ ((المُوَظَّأ)): إن عمل أحد من الأئمة
المعروفين على حديثٍ يكفي لتصحيح الحديث، سِيَمَا لموافقيه ومقلِّديه، بل هو فوق
تصحیح المحدِّثين. انتھی.
قلت: عمل إمام من الأئمة المعروفين علَى وَفْق حديث رواه لا يكفِي لتصحيحِ ذلك
الحديث البتة، ولا يكون عمله وفتياه على وَفْقِهِ حكمًا منه بصحته، وهذا هو الحقُّ، وأما
عمله وفتياه على وَفْق حديث لم يَرْوِهِ، فعدم كفايته لتصحيح ذلك الحديث، وعدمُ كونه
حكمًا منه بصحته أظهر وأبين؛ لاحتمال أنه لم يبلغه.
قال النووي في ((التقريب)): وعمل العالم وفتياه على وَفْق حديث رواه ليس حكمًا
بصحته، ولا مخالفته قَدْحٌ في صحته ولا في رواته. انتهى.
وقال السُّیوطي في ((التدریب))(١): وعمل العالم وفتیاہ علی وفق حديث رواه ليس
حکمًا منه بصحته، ولا بتعدیل رواته؛ لإمكان أن یکون ذلك منه احتیاطًا، أو لدلیل آخر
وافق ذلك الخبر، وصحح الآمِدِيُّ وغيره من الأصوليين أنه حكم بذلك. وقال إمام
(١) السيوطي في ((تدريب الراوي)) (٣١٥/١).

٣٠٢
مقدمة تحفة الأحوذي
الحرمين: إن لم يكن في مسالك الاحتياط(١). وفرق ابن تيمية بين أن يُعْمَلَ به في الترغيب
وغيره. ولا مخالفتُهُ له قَدْحٌ منه في صحته ولا في رواته؛ لإمكان أن يكون ذلك لمانعٍ من
معارضٍ أو غيره.
وقد رَوَى مالكٌ ((حديثَ الخِيَارِ)) ولم يعملْ به؛ لِعَمَلِ أهل المدينة بخلافه، ولم يكن
ذلك قَدْحًا في نَافِعِ راويه، وقال ابن كثير: في القِسْمِ الأول نظر إذا لم يكن في الباب غيرُ
ذلك الحديث، وتعرَّض للاحتجاج به في فتياه أو حكمه، واستشهد به عند العمل
بمُقْتَضَاه.
قال العِرَاقِيُّ: والجواب أنه يلزم من كون ذلك البابِ لَيْسَ فيه غَيْرُ هذا الحديث أَلَّا
يكون ثَمَّ دليل آخر من قياس أو إجماع، ولا يلزم المفتيَ أو الحاكِمَ أن يذكر جميع أدلته،
بل ولا بعضَها، ولعلَّ له دليلًا آخَرَ، واستأنس بالحديث الوارد في الباب، وربما کان یری
العمل بالضعيف وتقديمه على القياس كما تقدَّم. انتهى ما في ((التدريب)).
ومن هاهنا ظهر أن قول الشعراني في ((كشف الغُمَّة)): لولا ما صَحَّ - أي: الحديث -
عنده - أي: عند المجتهد - ما استدلَّ به، ولا يقدح فيه تجريحُ غيره من المحدِّثين
والمجتهدين من طريق روايتهم. انتهى.
وكذا قوله فيه في موضع آخر: ((ولم أعز أحاديثه إلى مَنْ خرَّجها من الأئمة؛ لأني ما
ذكرت فيه إلا ما استدَلَّ به الأئمة المجتهدون لمذاهبهم، وكفانا صحَّةً لذلك الحديثِ
استدلالُ مجتهدٍ به». انتهى. مجرَّدُ دعوَى لا دليلَ عليها؛ ألا ترى أن الإمام أبا حنيفة قد
عَمِلَ على وَفْق حديث: ((لا مَهْرَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ)(٢)، وقد صرَّح الحنفية بأنه حديثٌ
ضعيفٌ، قال في ((الهداية)): ولنا قوله ◌َّ: ((وَلا مَهْرَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةٍ)).
قال الزيلعيُّ الحنفيُّ في ((نصب الراية)(٣) (ص١٩ج٢): قال عليه السلام: ((لا مَهَرَ
(١) ينظر ((البرهان)) لأبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني (١/ ٤٠٢).
(٢) أخرجه أبو يعلى في مسنده (٢٠٩٤)، والدارقطني في ((السنن)) (٢٤٤/٣) (١١)، والطبراني في «الأوسط))
(٦/١) (٣)، والبيهقي في ((الكبرى)) (١٤١٦١) وقال الطبراني: تفرد به مبشر بن عبيد.
قلت: قال أحمد: أحاديث مبشر بن عبيد موضوعة كذب. وقال الدارقطني: متروك الحديث أحاديثه لا يتابع
عليها. قال الترمذي: وروي عن علي أنه قال: لا قطع في أقل من عشرة دراهم وليس إسناده بمتصل.
(٣) الزيلعي في ((نصب الراية)) (١٩٩/٣).

٣٠٣
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث و کتبه وأهله عموماً
أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ))، قلت: تقدَّم في الكفاءة حديثُ مبشِّر بن عُبَيْد: حدَّثني الحجاجُ بن
أرطاة، عن عطاء وعمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رَسُولُ اللهِوَالَ: ((لا
تُنْكِحُوا النِّسَاءَ إلَّ الأَكْفَاءَ، وَلَا يُزَوِّجْهُنَّ إِلَّ الأَوْلِيَاءُ، وَلا مَهْرَ دُونَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ)). انتهى،
وهو حديثٌ ضعيفٌ تقدَّم الكلام عليه. انتهى ما في ((نصب الراية)) بلفظه.
وقال الفاضل اللكنويُّ في ((عمدة الرعاية)) في شرح قوله: ((أَقلَّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ)) هذا
عندنا - أي: تعيينُ الأقلِّ بعشرة دراهم - مذهبنا؛ لأحاديثَ وَرَدَتْ بذلك، ثم ذكرها، ثم
قال: إن هذه الأحاديث كلَّها أسانيدُها مجروحةٌ غير قابلة لأن يحتج بها، وأجاب عنه
العَيْنِيُّ في ((البنَايَة)) بأنه: إذا روي الحديث من طرق مفرداتُها ضعيفةٌ يصير حسنًا ويحتج
به .
أقول: لا يخفَى ما فيه، فإن بكثرة الطرق إنما يصير الحديث حسنًا إِذَا كان الضَّعْفُ
فيها يسيرًا، فينجبرُ بالتعدُّد، لا إذا كانَتْ شديدة الضعف بألَّا يخلو واحدٌ منها عن كَذَّاب
أو مثَّهم، والأمر فيما نحن فيه كذلك. انتهى ملخصًا.
ومنها: أنه لو رَأَى أحدٌ رسولَ اللهِ وَ ﴿ في المنام، وسأله عن حديث لا يعلَمُ صِحَّته،
هل هو صحيحٌ أم لا؟ فقال: هو حديث صحيح، فهذا الحديثُ يكون صحيحًا قابلًا
للاحتجاج، وكذا تثبت صحة الحديث بالكَشْفِ والإلهام، ويجوز الاحتجاج به؟ قال
الشيخ محيي الدين محمد بن علي، المعروف بابن عَرَبِيٍّ الطائي المالكي، المتوفى سنة
ثمان وثلاثين وستمائة: بَلَغَنِي عَنِ النَّبِيِّ بَّهِأَنَّ مَنْ قال: ((لا إِلهَ إِلَّ الله) سَبْعِينَ أَلْفًا - غُفِرَ
لَهُ، وَمَنْ قِيلَ لَهُ غُفِرَ لَهُ أيضًا، فكنت ذكرت التهليلة بالعدد المرويِّ من غير أن أَنْوِيَ لأحد
بالخصوص، بل على الوجه الإجمالي، فحضرت طعامًا مع بعض الأصحاب، وفيهم
شابٌّ مشهور بالكشف، فإذا هو في أثناء الأكل - أظهر البكاء، فسألته عن السبب، فقال:
أَرَى أُمِّي في العذاب، فوهَبْتُ في باطني ثوابَ التهليلة المذكورة لها، فضَحِكَ وقال: إني
أراها الآن في حسن المآب، قال الشيخ: فعرفْتُ صحة الحديثِ بصحَّةٍ كَشْفِهِ، وصحةً
كشفه بصحة الحديث. انتهى.
وقد عقد الشيخ بابًا في ((الفتوحات المكيَّة)) للعارفين والأولياء الآخذين عن باطن
رسول الله وَ﴿ وبين ما خُصُّوا به من طريق معهودٍ في أخذ الأحكام عن النبي ريَّ، فقال:

٣٠٤
مقدمة تحفة الأحوذي
إن أحدهم إذا احتاج في واقعةٍ أو سؤالٍ عن حديث رأى النبيَّ - صلى الله تعالى عليه
وسلم - فينزل عليه جبرائيلُ - عليه السلام، فيسأله عما احتاجَ إليه الوليُّ، فيجيبه رسولُ الله
وَلجر، ويسمعُ هذا الوليُّ، فَيهِي ما قال صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: وهذا كما سأل
جبرائيلُ - عليه السلام من الإيمانِ وشرائع الإسلام، فأجابه - صلى الله تعالى عليه وسلم -
وَوَعُوهُ، قال: ونصحِّح من هذا الطريقِ أحاديثَ النبيِّ - صلى الله تعالى عليه وسلم - فَرُبَّ
حديثٍ صحيحٍ عند أهل الفنِّ لا يثبت عندنا من هذا الطريق، ورُبَّ موضوعٍ عندهم يَصِحُ
بقوله - صلی الله تعالی علیه وسلم - هذا حدیث قلته. انتهى.
قلت: إن الحديث الذي لا يُعْلَمُ صحته لا يكونُ صحيحًا بتصحيحه وَّ في المنام
ولا بالكشف والإلهام، فإن أمثال هذا الحُكْم لا تثبت بقوله ◌َّ في المنام، وإنما تثبت
بقوله في حياته في الدنيا، ولأن مدار تصحيح الحديث على الإسناد، قال القاري في
((شرح النخبة)): ((وأما الكَشْف والإلهام، فخارجان عن المَبْحَث؛ لاحتمال الغلط فيهما».
انتھی .
وقال العينيُّ في بعض أسئلته وأجوبته ما لفظه: منها ما قِيلَ: إن رؤيا النبيِّ - عليه
الصلاة والسلام - إذا كانت حقًّا، فهل يطلق عليه الصحابيُّ أم لا؟ أجيب بـ((لا))؛ إذ
لا يصدق عليه حَدُّ الصحابي، وهو: مسلِمٌ رأَى النبيَّ عليه الصلاة والسلام: إذ المراد منه
الرؤية المعهودةُ الجاريةُ على العادة، أو الرؤيةُ في حياته في الدنيا؛ لأن النبيَّ - عليه
الصلاة والسلام - هو المخبر عن الله، وهو ما كان مخبِرًا عنه للناس في الدنيا لا في
القَبْرِ .
ومنها: ما قيل: الحديث المسموعُ منه في المنامِ، هل هو حُجَّةٌ يستدلُّ به أم لا؟!
أجيب بـ((لا))؛ إذ يشترط في الاستدلال به أن يكون الراوي ضابطًا عند السماع، والنومُ
ليس حال الضبط.
ومنها: التقريرُ الذي نقله بعض الحنفية في آخر مقدِّمة شرحه لـ((الموطأ)) عن بعض
مشايخه، وهو: أنَّ المشهور على ألسنة العلماء: أن ((صحيح البخاري)) أصحُّ الكتب بعد
كتاب الله، وهذا صار كالمجمع عليه فيما بينهم، فإذا عمل أحد الأئمة بحديث خالف
ظاهرَهُ حديثُ البخاري - قالوا: يلزم المخالفةُ بين المشهور وبين هذا العمل، خصوصًا

٣٠٥
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
الحنفية، فإنهم مُتَّهَمُونَ بهذا أكثر من غيرهم؛ فلهذا تحتاج المقولة المشهورة إلى التوضيح
والتشريح، وطريقتُهُ إيضاحُ معناها، بحيث يزول الاشتباه، وأيضًا: قد اشتهر عند
المحدِّثين، بناءً على المقولة المشهورة: إن أقسام الصحيح سبعةٌ: أصحها: ما اتفق عليه
الشيخان، ثم ما أخرجه البخاري ... إلخ، فإذا وقع العمل بما يخالف حديث البخاري
ألزموا العامل بما لا يلزم، وقد تكلّم صاحبُ ((فتح القدير)) في هذا المقام في انحصار
أصحِّ الحديث في ((البخاري))، لكنَّ المقام بعد في خفاء.
وطريق الإيضاح: أن يبيّن أن المراد بكونه أصَّ الكتب: أن مصنّفه في هذا الكتاب
اشترط في صحة الحديث ما لم يشترط غيره من المحدِّثين وشدَّد فيها، وإن خالف بعضُ
تلاميذه في هذا الاشتراطِ، كـ((المُسْلِم)) على ما لا يخفى على القارئين، ومعناه: أن
الكتاب بمجموعِهِ أصحُّ من بقية الكتب من حيث المجموعُ، وليس معناه: أن كل حديث
في ((البخاري)) فهو أصح من كل حديث مما في غيره من الكتب كما فهموا، وهذا لا ينافي
أن يعمل بحديثٍ خالفَ حديثًا مما في ((البخاري))، فإن الفرق بين أحكام الكل الإفراديِّ
والمجموعيِّ مما لا يخفَى على الواقف، فرُبَّ موضع يصح الحكم على الكل الإفرادي،
ولا يصح على المجموعي، ورُبَّ موضع بالعكس، كما يقال: كل إنسان يشبعه هذا
الرغيف. فههنا: إن أريد أن هذا الفرد من الرغيف يشبع مجموع أفراد الإنسان، فلا
يصحُّ، وإن أريد أنه يشبع واحدًا من أفراد الإنسان، أيَّ فرد كان فهو صحيح لا محالة،
ومثال العكس: كل إنسان يحمل هذا الحجر المخصوص ... إلى غير ذلك من الأمثلة.
والطريق الثاني: أنه لا يخفى أن في ((صحيح البخاري)) من الأحاديث ما هو صحيحٌ
بالاتفاق، وضِعَافٌ بالاتفاق، ومختلفٌ فيها، حتى إن البخاري بنفسه صرَّح في الكتاب
بالنسبة ببعض الأحاديث أنه لا يصح، فكيف يُدَّعَى كل حديث مما في ((البخاري)) أصحُّ
مما في غيره من الكتب، فلا محالة يضطر إلى التخصيص ببعض الأحاديث التي ليست في
التراجم.
وقد تكلّم الدارقطني على أحاديث البخاري حديثًا حديثًا، واعترض على كثيرٍ من
أحاديثه، وإن أجاب عن أكثرها صاحبُ ((فتح الباري)) في مقدمة ((الصحيح))، لكن اضطر
إلى الاعتراف بكون بعض أحاديثه ضعيفًا، وأنصَفَ، وإن كان مولعًا بتصحيح أحاديثه.

٣٠٦
مقدمة تحفة الأحوذي
والطريق الثالث - بعد تسليم أصحية أحاديثه -: أن العمل على حديثٍ غيره لا ينافي
أصحيته، فقد يوجد في المَفُوقِ ما يفوق به الفائق، ويجعل المفضول فاضلًا بل أفضل،
ونظائره في الشريعة غير قليلة، كما أن القياس ظنيٌّ، لكن ما كان بعلَّة منصوصة فهو
قطعي، وكذا: خبر الواحد ظنيٍّ، لكن المحفوفَ بالقرائن قد يكون قطعيًّا، صرح به الشيخ
صاحبُ ((فتح الباري) في ((شرح النخبة))، في حديث تحويلٍ قبلة أهل قُبَاء، وكذا:
لا يخفَى على من نظر في كتب الحديث أن أهل الحديث يصرِّحون بصحة حديثٍ مَعَ كون
العمل على خلافه إجماعًا، فبهذا التقرير: ظهر أن أصحية الحديث لا ينافي العمَلَ على
خلافه، وهذا ليس بخلافية، بل إجماع من العلماء، كما إذا صار الحديثُ الصحیحُ
منسوخًا، فهذا ليس فيه خلاف؛ لأن العمل - هاهنا - متحقِّق بخلاف المنسوخ مع كونه
صحيحًا إجماعًا، فلو سلمنا: أن البخاريَّ أصحُ الأحاديث، لكن فيه المنسوخُ، والعملُ
بخلافه لا محالة، فقد انحل الإشكال وزال الاشتباه.
والطريق الرابع: أن الحكم بصحة الحديث إنما يكونُ بالاجتهاد لا بالقَطْع، فيمكن
أن يخالف اجتهادُهُ اجتهادَ غيره في تصحيح الأحاديث، كما هو المشاهَدُ فیما بین
العلماء، فرُبَّ حديث ضعيفٍ عند واحد من المحدِّثين، وهو صحيح عند غيره. انتهى.
قلت: هذا التقرير - وإن ذكره هذا البعض مفتخرًا به، وإظهارًا لجلالة شأن بعض
مشايخه، حيث قال في أوله: تقريرٌ أنيقٌ، أفاده بعض مشايخي، أدام الله علوه، نختم به
هذه المقدمة، وإن جاء بعض معانيه في الأوراق المتقدِّمة بمواضع شتى، لكن جلالةً
لكلامه ذكرناه بدون التغيير في ألفاظه، وقال في آخره: انتهى. بلفظه الشريف - لكنه
مخدوش من جهة اللفظ والمعنى :
أما من جهة اللفظ :
فقوله: ((كَالمُسْلِم)» بالألف واللام - ليس بصحيح، والصحيح: ((كمسلم)) بغير الألف
واللام؛ لأن مسلمًا صاحب الصحيح لايقال: له ((المُسْلِم))، بل يقال له: ((مُسْلِم)) بدون
الألف واللام، فإن كنت في شك منه، فانظر ((بلوغ المرام))، و((مشكاة المصابيح))،
و((المنتقى)) و((الترغيب والترهيب)) للمنذري، و((تلخيص السنن)) له، و((أثار السنن))
للنيموي، و((شرح مسلم)) للنووي، و((فتح الباري)) و((عمدة القاري))، وغير ذلك من الكتب

٣٠٧
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
التي وقع فيها ذكر الإمام مُسْلِم صاحب ((الصحيح)) - رحمه الله تعالى - هل وقع فيها
((المُسْلِم)) بالألف واللام، أم وقع فيها ((مُسْلِم)) بدون الألف واللام، فإن طالعت هذه
الكتب وغيرها من أولها إلى آخرها - لا تجد ((المُسْلِم)) بالألف واللام البتة، فالعجب من
صاحب هذا التقرير الأنيق أنه كيف قال كـ ((المسلم)).
فإن قال قائل: ((المُسْلِم)) كالحارث، ويجوز فيه الوجهان: دخولُ اللام عليه، ونزعها
عنه، فكذا في ((مسلم)) يجوز دخول اللام ونزعها عنه: قلنا: دخول الألف واللام على
مثل ((الحارث)) موقوف على السماع، قال ابن هشام في ((مغني اللبيب)(١) ((أل)) على ثلاثة
أوجه ... ثم قال بعد ذكر الوجهين الأولين: الوجه الثالث: أن تكون زائدة، وهي نوعان:
لازمة وغير لازمة، ثم قال بعد ذكر النوع الأول: والثانية: نوعان: كثيرة واقعة في
الفصيح، وغيرها، فالأولى: الداخلة على علم منقول مِنْ مجرَّد صالِحِ لها مَلْمُوحٍ،
أصلُهُ؛ كـ ((حارث)) وَ(«عَبَّاس، و((ضَحَّاك))، فتقول فيها: ((الحارث))، و((العباس،
و((الضحاك))، ويتوقف هذا النوع على السماع؛ ألا ترى أنه لا يقال مثل ذلك في نحو
محمد ومعروف وأحمد. انتھی.
ولا شك: أنه ليس ((مُسْلِم)) من نحو: ((حارث)) و((عباس))، ولم يُنْقَلْ عن أحد من
المتقدمين إدخالُ الألف واللام على ((مُسْلِم))، ولا وقع في كتاب من كتبهم ((المُسْلِم))
بالألف واللام، فلا يصح قول صاحب هذا التقرير: ((كالمسلم)» بالألف واللام.
وأما قوله: ((لا يخفى أن في ((صحيح البخاري)) من الأحاديث ما هو صحيح بالاتفاق
وضِعَافٌ بالاتفاق))، ففيه: أن قوله: ((ضعاف)) إما معطوف على ((ما)) الموصولة، أو على
قوله: ((صحيح))، وعلى الأول: يجب أن يكون قوله ((ضِعَاف)) بالنصب دون الرفع؛ لأن
((ما)) في محل النصب على أنه اسم ((أنَّ)، وعلى الثاني: يجب أن يكون قوله: ((ضعاف))
بالإفراد دون الجمع، وألا يكون تقدير الكلام: أن في ((صحيح البخاري)) من الأحاديث
ما هو ضِعَاف. وهو فاسدٌ لعدم المطابقة بين المبتدأ - وهو لفظ ((هو)) - وبين خبره، وهو
لفظة ((ضعاف)).
وأما قوله: ((ومختلف فيها))، ففيه أيضًا: أنه إما معطوفٌ على ما الموصولة، وإما
(١) ابن هشام في ((مغني اللبيب)) (ص/ ٧١).

٣٠٨
مقدمة تحفة الأحوذي
معطوف على قوله: ((صحيح))، وعلى الأول: يجب أن يكون ((مختلفًا فيها)) بالنصب كما
عرفْتَ، وعلى الثاني: يجب أن يكون ((مختلفٌ فيه)) بتذكير الضمير المجرور لا بتأنيثه.
وأما قوله: ((حتى إن البخاري بنفسه صرّح في الكتاب))، ففيه: أنه لا حاجة إلى زيادة
((الباء)) في قوله ((بنفسه))، بل كان عليه أن يقول: ((حتى إِن البخاريَّ نَفْسَهُ صرَّح في
الكتاب))، فإنه لا يقال: ((جاء زيد بنفسه))، بل يقال: ((جاء زيد نفسه)).
وأما قوله: ((بالنسبة ببعض الأحاديث))، ففيه: أنه كان عليه أن يقول: ((بالنسبة إلى
بعض الأحاديث))، فإن صلة النسبة تأتي بـ ((إلى)) لا بـ ((الباء))، قال في المنجد: يقال:
بالنسبة إلى كذا، أي: بالنظر إليه، وبالقياس عليه.
وأما قوله: ((فكيف يدعى كل حديث مما في ((البخاري)) أصحّ مما في غيره من
الكتب))، ففيه: أنه كان عليه أن يقول: فكيف يدعَى أن كل حديثٍ مما في ((البخاري))
أصحُ مما في غيره من الكتب)) بزيادة ((أن)) بعد قوله: ((فكيف يدعى)).
وأما قوله: ((وإن أجاب عن أكثرها صاحب ((فتح الباري)) في ((مقدمة الصحيح))، ففيه
مسامحة ظاهرة، فإن الحافظ ابن حجر العسقلاني إنما أجاب عن اعتراض الدارقطني في
((مقدمة فتح الباري)) لا في ((مقدمة الصحيح))، بل ليس للحافظ ابن حجر مقدّمة للصحيح،
فكان لصاحب التقرير أن يقول: ((وإن أجاب عن أكثرها صاحب ((فتح الباري)) في
مقدمته)) .
وأما قوله: ((وهذا ليس بخلافية، بل إجماع من العلماء))، ففيه أن اسم ((ليس)) - وهو:
الضمير المستكنُّ فيه الراجعُ إلى ((هذا)» - مذكَّر، وخبره - وهو قوله: ((بخلافية)) - مؤنثٌ،
فلا مطابقة بينهما، فكان عليه أن يقول: ((وهذا ليس فيه خلافٌ، بل عليه إجماع العلماء))،
أو يقول: ((هذه المسألة ليست بخلافية، بل عليها إجماع العلماء)»، وفيه خدشات أخرى
لا تخفَى على المتأمل.
وأما كونه مخدوشًا من جهة المعنى، فقوله: ((المشهورُ أن ((صحيح البخاري)) أصح
الكتب بعد كتاب الله، وهذا صار كالمجمَع عليه فيما بينهم) ففیه: أن قوله هذا صحيح،
وبه صرح العلماء الحنفية أيضًا، قال العينيُّ في ((شرح البخاري)): اتفق علماء الشرق
والغرب على أنه ليس بعد كتاب الله أصحُ من صحيحَي البخاري ومسلم، فرجَّح البعض -

٣٠٩
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
منهم المغاربة - ((صحيح مسلم)) على ((صحيح البخاري))، والجمهور على ترجيح
((البخاري)) على ((مسلم)). انتهى.
وقال القاري في ((المرقاة)) (ص١٥ ج١): اتفقَتِ العلماءُ على تلقي ((الصحيحين))
بالقبول، وأنهما أصح الكتب المؤلفة، ثم الجمهورُ على أن ((صحيح البخاري)) أرجحهما
وأصحهما. انتهى.
لكن قوله الآتي: ((ومعناه: أن الكتاب بمجموعه أصحُّ من بقية الكتب من حيث
المجموع، وليس معناه: أن كل حديث في ((البخاري)) فهو أصح من كل حديث مما في
غيره من الكتب كما فهموا)) فباطل جدًّا، بل الحق، والصحيح هو: ما فهموه من أن
معناه: أن كل حديث مسند في ((البخاري)) أصحُّ من كل حديث في غيره من الكتب، على
سبيل الكلِّ الإفراديِّ، كما فهموا، فتوضيحه: أن المراد بقول العلماء: ((صحيحُ البخاريِّ))
أصُّ الكتب بعد كتاب الله: أن كل حديث مسند في ((صحيح البخاري)) - الذي هو على
شرطه - أصح من كل حديث في غيره من الكتب، وليس معناه: أن كل حديث في
((صحيح البخاري)) مطلقًا مسندًا كان أو معلقًا، وسواء كان على شرطه أو لم يكن، هو
أصح من كل حديث في غيره من الكتب. قال الحافظ في ((مقدمة الفتح)) (١) ص ٤٠١:
الجواب عما يتعلَّق بالمعلَّق سهْلٌ؛ لأن موضوع الكتابين إنما هو للمسنداتِ، والمعلَّق
ليس بمسند، ولهذا لم يتعرض الدارقطنيُّ فيما يتبعه على ((الصحيحين)) إلى الأحاديث
المعلّقة التي لم تُوصَلْ في موضعٍ آخَرَ؛ لعلمه بأنها ليست من موضوع الكتاب، وإنما
ذكرت استیناسًا واستشهادًا. انتهى.
والدليل على صحة ما فهموه: أن هذا الحكم مبنيٌّ على شدة شرط البخاريِّ في
((صحيحه))، واشتراطه فيه ما لم يشترط أحد من أئمة الحديث في كتابه، وقد راعَى الإمامُ
البخاريُّ شرطه الشديد، والتزمه في كل حديث من مسندات صحيحه على سبيل الكلِّ
الإفراديِّ لا في مجموع أحاديثه من حيث المجموعُ، فظهر بهذا كله: أن المراد بقول
العلماء: أصَحُّ الكتب بعد كتاب الله ((صحيحُ البخاريِ))، هو: أن كل حديث مسندٍ في
((صحيحِ البخاريِّ)) أصحُّ من غيره على سبيل الكلِّ الإفرادي دون الكل المجموعيِّ، كما
فهم صاحب ((التحرير)).
(١) ابن حجر مقدمة ((الفتح)) (٣٤٦/١).

٣١٠
مقدمة تحفة الأحوذي
وأما شرط البخاري الذي راعاه في كل حديث مسند من مسنداته والتزمه، فقد بينه
الحافظُ في ((مقدمة الفتح)(١) ص ١٠ مفضَّلًا، قال: وأما من حيث التفصيلُ، فقد قررنا:
أن مدار الحديث الصّحيح على الاتصال وإتقان الرجال وعدم العلل، وعند التأمل يظهر
أن كتاب البخاري أتقنُ رجالًا ، وأشدُّ اتصالًا، وبيان ذلك من أوجه:
أحدها: أن الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم: أربعمائة وبضعة وثلاثون
رجلًا، المتكلّم فيه بالضعف منهم: ثمانون رجلًا، والذين انفرد مسلم بالإخراج لهم دون
البخاري: ستمائة وعشرون رجلًا، المتكلّم فيه بالضعف منهم: مائة وستون، ولا شك أن
التخريج عمن لم يتكلّم فيه أصلًا أولَى من التخريج عمن تكلّم فيه، وإن لم يكن ذلك
الكلام قادحًا .
ثانيها: أن الذين انفرد بهم البخاريُّ ممن تكلّم فيه لم يكثر من تخريج أحاديثهم،
وليس لواحد منهم نسخةٌ كبيرة أخرجها كلَّها أو أكثرها، إلا ترجمة عكرمة عن ابن عباس،
بخلاف مسلم: فإنه أخرج أكثر تلك النسخ، كأبي الزبير عن جابر، وسُهَيْل عن أبيه،
والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، وحَمَّاد بن سَلَمَة عن ثابت، وغير ذلك.
ثالثها: أن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلِّم فيه أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم،
وجالسهم، وعرف أحوالهم، واطلع على أحاديثهم، وميز جيدها من موهونها، بخلاف
مسلم، فإن أكثر من تفرد بتخريج حديثه ممن تُكلِّم فيه ممن تقدَّم عن عصره من التابعين
ومن بعدهم، ولا شك أن المحدِّث أعرف بحديث شيوخه ممن تقدَّم عنهم.
رابعها: أن البخاري يخرج من أحاديث أهل الطبقة الثانية اتفاقًا، ومسلم يخرِّجها
أصولًا، كما تقدَّم ذلك من تقرير الحافظ أبي بكر الحازميِّ.
فهذه الأوجه الأربعة تتعلَّق بإتقان الرواة، وبقي ما يتعلق بالاتصال، وهو: الوجه
الخامس: وذلك أن مسلمًا كان مذهبه على ما صرَّح به في ((مقدِّمة صحيحه))، وبالغ في
الرَّدِّ على من خالفه: أن الإسناد المعنعن له حُكْمُ الاتصال إذا تعاصر المعنعِنُ ومن عَنْعَنَ
عنه، وإن لم يثبت اجتماعهما، لا إن كان المعنعِنُ مدلسًا، والبخاري لا يحمِلُ ذلك على
(١) ابن حجر في مقدمة ((الفتح)) (١١/١).

٣١١
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث و کتبه وأهله عموماً
الاتصال، حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة، وقد أظهر البخاري هذا المذهب في ((تاريخه)»
وجَرَى عليه في ((صحيحه))، وأكْثَرَ منه حتى أنه ربما خرَّج الحديث الذي لا تعلَّق له بالباب
جملةً إلا ليبيِّن سماع راو من شيخه، لكونه قد أخرج له قبل ذلك شيئًا معنعنًا، وهذا مما
يرجّح به كتابه؛ لأنا - وإن سلّمنا ما ذكره مسلمٌ من الحكم بالاتصال - فلا يخفى أن شرط
البخاري أوضح في الاتصال.
وأما ما يتعلَّق بعدم العلة وهو: الوجه السادس: فإن الأحاديث التي انتقدتْ عليهما
بلغت مائَتَيْ حديثٍ وعشرة أحاديث، اختص البخاريّ منها بأقلَّ من ثمانين، وباقي ذلك
مختصُّ بمسلم، ولا شك أن ما قل الانتقاد فيه أرجح مما كثر. انتهى ما في ((مقدمة الفتح)).
وأما قوله: ((والطريق الثاني: أنه لا يخفى أن في ((صحيح البخاري)) من الأحاديث ما
هو صحيحٌ بالاتفاق وضعافٌ بالاتفاق، ومختلفٌ فيها)) ففيه: أنه خلافٌ لما عليه جمهور
المحدِّثين، ولما نُقِلَ عن البخاري، فقد روي عنه أنه قال: كنا عند إسحاق بن راهويه
فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة النبي ◌َّ فوقع ذلك في قلبي، فأخذْتُ في
جمع ((الجامع الصحيح)) (١). وعن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعتُ البخاريَّ
يقول: رأيت النبيَّ بَّه وكأنني واقف بين يديه، وبيدي مروحة أذبُّ عنه، فسألتُ بعض
المعبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج ((الجامع
الصحيح)) (٢)، وروى الإسماعيلي عنه قال: لم أخرجْ في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما
تركتُ من الصحيح أکثر.
وقال إبراهيم بن معقل النسفي: سمعتُ البخاريَّ يقول: ما أدخلْتُ في كتاب
((الجامع)) إلا ما صح، وتركْتُ من الصحيح حتَّى لا يطول.
وقال أبو جعفر محمد بن عمرو العُقَيْليُّ: لما ألف البخاري كتاب ((الصحيح)) عرضه على
أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني وغيرهم، فاستحسنوه، وشهدوا له
بالصحة إلا في أربعة أحاديث، قال العُقَيْلي: والقول فيها قَوْلُ البخاري؛ ذكره الحافظ (٣).
(١) أخرجه الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (٨/٢)، ومن طريقه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٧٢/٥٢).
(٢) انظر ((تهذيب الأسماء)) للنووي (٩٢/١)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (١٣٤/٢).
(٣) مقدمة ((فتح الباري)) (١/ ٧).

٣١٢
مقدمة تحفة الأحوذي
فعلم من هذا: أن جميع ما في ((البخاري)) صحيحٌ، وليس فيه حديث ضعيف،
ولا مختلف فيه. وأما التعليقات، فهي خارجة عن موضوع الكتابِ ومقاصدِهِ، ومع ذلك
هي محكومةٌ بالصحة إلا ما ورد بصيغة التمريض، فظهر بطلان هذا القول.
ومنها: أن القاري قال في ((المرقاة)) (ص٣٦٤ج٢): جَهْلُ الراوي المتأخِّر لا يضرُّ
للمجتهدِ حيث ثبت الحديثُ عنده، وقال به. انتهى. وقال بعضهم: إن ضعف الراوي
المتأخِّر عن المجتهدِ لا يدلُّ على كون حديثه ضعيفًا عند المجتهد إذا عمل به، بل عمله به
يدلُّ على كونه صحيحًا عنده، وأمثال هذا الحديث ضعيفةٌ عند المحدِّث المتأخر؛ لوقوع
الراوي الضعيف بينه وبين النبي ◌ّر، وهي صحيحة عند المجتهد المتقدم؛ لأجل عمله
به، ولعدم وقوع الراوي الضعيفِ بينه وبين النبي ◌َّه .
مثال جهل الراوي المتأخر: ما رواه الترمذي(١) في ((جامعه)) قال: حدَّثنا محمود بن
غَيْلان، أخبرنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن يحيى إمام بني تَّيْم الله، عن أبي ماجد، عن
عبد الله بن مسعود قال: سألنا رَسُولَ اللهِنَّهِ عَنِ المَشْي خَلْفَ الجَنَازَةِ، فَقَالَ: «مَا دُونَ
الخَبَبِ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا، عَجَّلْتُمُوهُ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا، فَلا يُبَعَّدُ إِلَّا أهلُ النَّارِ، الجَنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ
وَلا تَتْبَعُ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ تَقَدَّمَهَا))(٢)، فهذا الحديث ضعيفٌ عند الترمذي، وعند البخاريِّ
أيضًا، كما ذكره الترمذي؛ لوقوع أبي ماجد، وهو رجلٌ مجهولٌ بينهما وبين النبي ◌ِّهِ،
وهو صحيحٌ عند أبي حنيفة؛ لعمله به، وعدم وقوع أبي ماجد بينه وبين النبي وَّد.
ومثال الراوي الضعيف المتأخر: ما رواه الترمذيُّ(٣) أيضًا قال: حدَّثنا يحيى بن
موسَى، أخبرنا أبو معاوية، أخبرنا خالد بن إياس، ويقال: خالد بن إلياسٍ، عن صالح
مولى التوءمة، عن أبي هريرة، قال: ((كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ يَنْهَضُ فِي الصَّلاةِ عَلَى صُدُورِ
قَدَمَيْهِ))، فهذا الحديث ضعيفٌ عند الترمذي؛ لوقوع خالد بن إياس - وهو ضعيف متروك -
بینه وبین النبي څ، وهو صحیح عند أبي حنيفة؛ لعمله به، ولعدم وقوع خالد بن إياس
بينه وبين النبي ◌َلچر .
(١) الترمذي، كتاب الجنائز، حديث (١٠١١).
(٢) أخرجه أحمد (٣٧٢٦)، وأبو داود، كتاب الجنائز، حديث (٣١٨٤)، وقال الترمذي عن البخاري: أبو ماجد
منكر الحديث، وضعَّفه جدًّا. ((علل الترمذي الكبير)) (ص/ ١٤٥).
(٣) الترمذي، كتاب الصلاة، حديث (٢٨٨) وإسناده ضعيف.

٣١٣
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
قلت: قد عرفْتَ فيما تقدَّم: أن عمل المجتهد على حديث ليس تصحيحًا له، فعمله به
لا يدلُّ على أنه كان صحيحًا عنده؛ لإمكان أن يكون ذلك منه احتياطًا، أو لدليلٍ آخر
وافق ذلك الخبر، قال الحافظ ابن الصلاح: إن عمل العالم أو فتياه على وَفْقِ حديث لیس
حكمًا منه بصحة ذلك الحديث، وكذلك مخالفته للحديثِ ليست قدحًا منه في صحته
ولا في رواته، والله أعلم.
ومنها: أن الشيخ عبد الحَقِّ الدهلويَّ قال في ((اللمعات)»: عدم صحة ((أحاديث
الضربتين)) في زمن الأئمة الذين استدلّوا بها محلُّ منع؛ إذ يحتمل أن تطرق الضعف
والوَهَنِ فيها بعدهم من جهة لين بعض الرواة الذين رووها بعد زمن الأئمة، فالمتأخرون
من المحدِّثين الذين جاءوا بعدهم أوردوها في ((السنن)) دون ((الصحاح))، فلا يلزم من
وجود الضعف في الحديث عند المتأخرين وجودُهُ عند المتقدمين، مثلًا: رجال الإسناد
في زمن أبي حنيفة كان واحد من التابعين يروي عن الصحابي أو اثنين أو ثلاثة، إن لم
يكونوا منهم، وكانوا ثقاتٍ من أهل الضبط والإتقانِ، ثم روى ذلك الحديثَ مِنْ بعده مَنْ
لم يكن في تلك الدرجة، فصار الحديث عند علماء الحديث - مِثْلُ: البخاري ومسلم
والترمذي وأمثالهم - ضعيفًا، ولا يضر في الاستدلال عند أبي حنيفة، فتدبّر، وهذه نكتة
جيدة. انتهى كلام الشيخ.
قلت: قد تدبرنا،" فعلمنا: أنه لا يثبت بهذه النكتة صِحَّةُ أحاديثِ الضَّرْبَتَيْنِ الضعيفة
البتة.
أما أولًا: فلأنا سلَّمنا أنه يحتمل أن يتطرّق الضعف في ((أحاديث الضربتين)) بعد زمن
الإمام أبي حنيفة وغيره من الأئمة المتقدمين القائلين بالضربتين، ولكن هذا احتمالٌ
محضّ، وبالاحتمال لا يثبت صحة هذه الأحاديث الضعيفة التي ثبت ضعفها عند
المتأخرين من حُفَّاظ الحديث، الماهرين بفنون الحديث، مثل: البخاري ومسلم والترمذي
وأمثالهم.
وأما ثانيًا: فلأنا لا نسلِّم أن من قال بالتيُّم بالضربتين، كالإمام أبي حنيفة وغيره
استدلَّ بهذه الأحاديث الضعيفة، حتى يثبت باستدلاله بها صِحَّتُهَا؛ بل نقول: يحتمل أن
هذه الأحاديث الضعيفة لم تبلغه، وإنما استدلَّ ببعض آثار الصحابة﴿ه فما لم يثبتٍ
استدلالُهُ بهذهِ الأحاديثِ الضعيفة لا يثبت بالنكتة المذكورة صحةٌ هذه الأحاديث الضعيفة . .

٣١٤
مقدمة تحفة الأحوذي
وأما ثالثًا: فلأنه لو سلِّم أنه استدلَّ بهذه الأحاديث الضعيفة، فعلى هذا التقدير -
أيضًا - لا يلزم صحتُها؛ لجواز أنه لم يبلغه في هذا الباب غيرُ هذه الأحاديث الضعاف
فاستدل بها، وعمل بمقتضاها مع العلم بضعفها .
قال النووي في ((التقريب)): وعمل العالم وفتياه على وَفْق حديث ليس حكمًا بصحته،
ولا مخالفته قَدْحٌ في صحته ولا في رواته.
قال السيوطي في ((التدريب)(١) وقال ابن كثير(٢) : في القسم الأول نظر إذا لم يكن في
الباب غير ذلك الحديث، فتعرَّض للاحتجاج به في فتياه أو حكمه، أو استشهَدَ به عند
العمل بمقتضاه.
قال العراقي: والجوابُ: أنه يلزم من كون ذلك الباب ليس فيه غير هذا الحديث أَلَّا
يكون ثَمَّ دليلٌ آخر من قياس أو إجماع، ولا يلزم المفتي أو الحاكم أن يذكر جميع أدلته،
بل ولا بعضَها، ولعلَّ له دليلا آخر، واستأنس بالحديث الوارد في الباب، وربما کان یری
العمَلَ بالضعيف وتقديمه على القياس. انتهى.
وأما رابعًا: فلأن هذه النكتة ليسَتْ بجيدة، بل هي فاسدة؛ فإن حاصلها: أنه لا يلزم
من وجود الضعف في الحديث في الزمن المتأخِّر وجودُهُ فيه في الزمن المتقدِّم، وعلى
هذا: يلزم صحة كل حديث ضعيف ثبت ضعْفُهُ في الزمن المتأخِّر لضعف بعض رواته،
فإن الراوي الضعيف: إما أن يكون تابعيًّا أو غيره ممن دونه، فعلى الأول: يقال: إن
الحديث كان في زمن الصحابة صحيحًا، والضعف إنما حدث في زمن التابعي، وعلى
الثاني: يقال: إن الحديث كان صحيحًا في زمن التابعيِّ، والضعف إنما حَدَثَ في زمن
غير التابعي ممن دونه، واللازم باطل، فاللزوم كذلك، فتدبر وتفكر.
ومنها: ما ذكره الشيخ العلامة محمَّد الملقَّب بـ ((المعين)) في كتاب: ((دراسات
اللبيب)): ومن الإغراب البديع مُعَارَضَةُ حديث الرفعات من أكثر الحنفية بما حَکَی ابن
عيينة: أنه اجتمع أبو حنيفة مع الأوزاعيِّ بمكة في دار الحنَّاطين، فقال الأوزاعيُّ: ما
بالُكُمْ لا ترفَعُونَ عند الركوع والرفع منه؟! قال: لأجل أنه لم يصحَّ عن رسول الله وَّهِ فيه
(١) السيوطي في ((تدريب الراوي)) (٣١٥/١).
(٢) ابن كثير في ((الباعث الحثيث)) (٢٩١/١).

٣١٥
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
شيء، فقال الأوزاعي: كيف لم يصحَّ، وحدَّثني الزهري، عن سالم، عن أبيه: ((أَنَّ
رَسُوْلَ اللهِ وَّهَكَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذا افتَتَحَ الصَّلاةَ، وَعِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ))؟! فقال أبو
حنيفة: حدَّثنا حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن الأسود، عن عبد الله بن مسعود: ((أَنَّ
رَسُوْلَ اللهِ وَّ﴿ كَانَ لا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلاةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُ بِشَيءٍ مِنْ ذَلِكَ))، فقال
الأوزاعي: أحدِّثك عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، وتقول: حدّثني حماد، عن
إبراهيم؟! فقال أبو حنيفة: كان حمَّاد أفقه من الزهريِّ، وكان إبراهيم أفقه من سالم،
وعلقمة ليس بدون ابن عمر في الفقه، وإن كان لابن عمر صحبةٌ، وله فضلُ صحبة،
وللأسود فضلٌ كثير، وعبد الله: عبد الله، قال ابن الهمام: فرجَّح بفقه الرواة كما رجَّح
الأوزاعيُّ بعلو الإسناد. انتهى. وذلك الإغراب من وجوه فذكرها.
ومنها: أن هذه الحكاية عن ابن عُيَيْنَة معلقة، ولم أر من أسندها، ومَنْ عنده السند
فليأتِ به، حتى نَنْظُرَ في رجاله، والمعلَّقات من أمثالها ليس من الاحتجاج في شيء،
ولهذا لم يتعرَّض لها الحافظ الزيلعيُّ في ((تخريج الهداية)) (١) مع استيفائه حجج المسألة
من كل قويٍّ وضعيفٍ يعتبر به ويشهد له، وذلك لأن المعلِّق من غير ((الجامع الصحيح)) .
كما لا يحتج به - لا يصلح للاعتبار والشهادة مطلقًا، وليس في ذلك كالضعاف التي تنقسم
إلى ما يعتبر بها، وإلى ما لا يعتبر، ومن هذا سقط ما أشار إليه ابن الهمام من الاعتبار
والشهادة بقوله، ويؤيد صحةَ هذه الزيادة - يعني: زيادَةً بعض الرواة في حديث ابن
مسعود: ((ثم لا يعود)» - روايةٌ أبي حنيفة من غير الطريق المذكور، وذلك أنه اجتمع مع
الأوزاعي بمكة في دار الحَنَّاطين كما حَكَى ابن عيينة ... إلى آخرها؛ لما عَرَفْتَ من
تعليقها، وحكم التعاليق.
ومنها: أن فقه الرواة لا أثر له في صحة المرويِّ، وإنما مدارها على العدالة
والضبط، وكلِّ ما اشترط في صحة الحديث؛ إذ قلةُ الفقه لا توجبُ الوَهَنَ في شرائط
التحمُّل، وما يلازمه الوثوقُ بالرواية، وإذا انتفَى ذلك، بقي العلو لسند ابن عمر، مع ما
له من الصحة.
والحنفية لا يعتقدون - أيضًا - : أن قلة فقه الراوي مما يتطرَّق به الوهن إلى مرويه،
(١) الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٠٩/١).

٣١٦
مقدمة تحفة الأحوذي
بل يرون أن رواية قليل الفقه من الصحابة إذا خالفها القياس من كل وجه يقدَّم القياس
عليها، من غير أن يتطرق عندهم وَهَنٌّ بعدم فقه الراوي في صحة مرويه، أو يحصل زيادة
وثوق بفقه الراوي؛ لصحة مرويه من مرويِّ مَنْ دونه في الفقه، وما ذهبوا إليه من تقديم
القياسِ عَلَى رواية مثل: أبي هريرة، وأنس بن مالك، وجابر بن سَمُرَةَ - وهم عندهم ممن
يقلُّ فقههم من الصحابة - قد وقع عليهم بذلك الطعن الشديد، لا سيما في حكمهم على
أبي هريرة رَظ ◌ُله بقلة الفقه، حيث نسبوهم بعظم الجَسَارَةِ بهذا القول.
ثم ذكر صاحب ((الدراسات)) هاهنا كلامًا طويلًا، وهو مفيد نافع جدًّا، فعليك أن
تراجعه .
ومنها: ما قال صاحب ((الدراسات)) في الدراسة السابعة: اعلم - سدَّدك الله سبحانه
على سواء السبيل، وأذاقك حلاوة صفوة الدليل - أنك إذا عرفت ما قدَّمنا في المباحث
السابقة من أنه لا حجة لأحد مع رسول الله وَّه، وترسَّخ أساسُ ما بيناه من الدلائل -
علمْتَ أنه - كما يجب ترك قول إمام واحدٍ مخالفٍ بالحديث، كذلك يجب ترك قول مائة
إمام - مثلًا - إذا كان مخالفًا بالحديث الصحيح، فلو وجدنا حديثًا صحيحًا خالفه الأئمة
الأربعة - رحمهم الله تعالى - وجبَ علينا ترك أقوالهم فَوْرًا بعين ما ذكرنا من الدراسات
المتقدِّمة، إلى أن يظهر عندنا معارضةٌ منهم لهذا الحديث بحديث آخر رجَّحوه عليه، أو
جَوَابٍ يتسترون به عن ورود الحديث حُجَّةً عليهم، واحتمالُ أنه لم يبلغْهُمُ الحديثُ كائنٌ
هاهنا أيضًا، ولو على ضعفٍ؛ لاستيفاء المذاهب الأربعة أكثر ما ثَبَتَ من السنة
الصحيحة .
وكذلك: احتمال أن واحدًا منهم أو أكثر أخذ بهذا الحديث بعد العِلْم به في قوله
الجديد، وَرَجعَ عما خالفه لم يرتفع بعدم نقله إلينا، بل ولا بعد وصول ذلك إلى أتباعه
جميعًا، والشافعيُّ لا يتحقق لقوله خلاف بالحديث الصحيح بعد ما قال وصَحَّ عنه: ((إذا
وجد الحديث الصحيحُ فهو مذهبي))، وبهذا القول اتخذ أصحابه، فينسبون إليه ما ثَبَتَ في
(الصحيح)) أنه مذهبه، وذلك في عدة مواضع، وكذلك الأئمة الثلاثة، صحَّ عنهم ما صحَّ
عن الشافعي، لكن أتباعه قد خُصُّوا من بين أتباعهم بإقرار ذلك وترك ما خالف الحديث
من أقواله، وعلى كل حال نعتقد أن للأئمة الأربعة أعذارًا موجّهة عن هذا الحديث،

٣١٧
الباب الأول: فیما يتعلق بعلم الحدیث و کتبه وأهله عموماً
وذلك مما أوجب حُسْنَ الظنِّ إليهم، لا تَرْكَ الحديث لقولهم، فيعمل بالحديث ويترك
قولهم، وذلك لو تحقَّقْتَ الأمر على ما هو عليه تركْتَ أقوالهم؛ بقولهم عند صحة
الحديث: ((أنه يجب ترك قولهم))، وخلاف الأئمة الأربعة ليس مما عُدَّ دليلًا على علة
خفية في الحديث، بل ولا خلاف أَكْثَر منهم من العلماء، ولا عَدَمُ أخذِهِمْ للحديث إذا
ثَبَتَ من حذاق الفن الحُكْمُ عليه بالصحة أو بالحسن، وليس أحد من المحدِّثين يلتفتُ في
صحة الحديث وحسنه إلى اشتراط أخذ أهل العِلْم له، وأما ما استمر عليه دأب الإمام
الجليل أبي عيسى بن عيسى بن سَوْرَةَ الترمذي في أكثر الأحاديث من قوله: ((والعملُ على
هذا عند أهل العلم، أو أكثره، أو بعضه)) يأتي به بعد الفراغ عن الحكم على الحديث
بالصحة أو الحسن أو بهما، أو غير ذلك مما یحکُمُ به على اصطلاحه، فهو ليس عنده
مما يشترط في صُلْبٍ ما حَكَمَ به.
ولا شك في أن كون الحديث معمولا به عند الصحابة ومن بعدهم مما يؤيِّد أمر
ثبوته، وليس الكلام في ذلك، وإنما الكلام في أنه ليس مما يشترط في الحسن والصحة،
حتَّى إذا لم يأخذ به أجِلَّةُ القوم منهم يُعَدُّ بذلك معلولًا، وإن كان الترمذيُّ یَرَی ذلك فهو
مما اختصَّ به على خلاف جماهير العلماء.
قلت: قولُ صاحِبٍ ((الدراسات)): ((أما ما استمرَّ عليه دَأْبُ الإمام أبي عيسى الترمذيِّ
في أكثر الأحاديث من قوله: ((والعملُ على هذا عند أهل العلم، أو أكثره، أو بعضه ... ))
إلى قوله: ((فهو ليس عنده مما يشترط في صلب ما حكم به)) هو الظاهر، وهو الحق
والصواب.
الفَصْلُ الحَادِي وَالأَرْبَعُونَ: في تَذْكِرَةِ كُتُّبِ الحَدِيثِ القَلَمِيَّةِ النَّادِرَةِ،
وَبَيَانِ أمْكِنَةِ وُجُودِهَا لِيَسْتَفِيدَ مِنْهَا مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً
فمنها: ((صحيح ابن حِبَّان)) للحافظ أبي حاتم محمد بن حِبَّان البستي، المتوفى سنة
٣٥٤ أربع وخمسين وثلاثمائة، ويوجد هذا الكتاب في مواضع عديدة، فنسخة صحيحة
نفيسة منه مكتوبة بخط الحافظ ابن حجر، في خزانة الكتب الجرمنية، وقد كتب الحافظ
على هامشها حواشي مفيدة نافعة جدًّا، والمجلد الأول منه في خزانة الكتب المحمودية
بالمدينة المنورة.

٣١٨
مقدمة تحفة الأحوذي
ومنها: ((صحيح ابن خُزَيْمة)) للحافظ الإمام أبي بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة
النيسابوري، المتوفى سنة ٣١١ إحدى عشرة وثلاثمائة. يوجد هذا الكتاب أيضًا في
مواضع، فنسخة كاملة منه موجودةٌ في الخزانة الجرمنية، لكن المجلد الأول منها ناقصٌ،
والمجلَّدان الأخيران منها سالمان عن النقص، وقد كتب الحافظ ابن حجر على هامشها
أيضًا حواشي نافعة.
ومنها: ((صحيح أبي عَوَانة)) للحافظ أبي عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد
الإسفراييني النيسابوري الأصل، المتوقَّى سنة ستَّ عشرة وثلاثمائة، ويوجد هذا الكتاب
أيضًا في مواضع، فنسخة كاملة منه مكتوبة بخط يحيى بن نُعَيْم الأنصاري، موجودة في
الخزانة الجرمنية.
ونسخة صحيحة نفيسة منه موجودة في خزانة الكتب للعلامة أبي الطيب شمس الحق
العظيم آبادي، مصنف ((غاية المقصود)) و ((عون المعبود» - رحمه الله تعالی، وغفر له - وقد
نقلت مِنْ هذه النسخة المباركة بعض الروايات في رسالتي ((المقالة الحسنى في سنية
المصافحة بالید الیمنی)).
ومنها: ((الصحيح المنتقَى)) للحافظ أبي علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السَّكَنِ
البغدادي، المتوفى سنة ٣٥٣ ثلاث وخمسين وثلاثمائة، لم أقف على وجوده إلا في
الخزانة الجرمنية، فنسخة منه مكتوبة بخط الحافظ السيوطي موجودة فيها .
ومنها: ((صحيح الإسماعيلي))، وهو مستخرج على ((صحيح البخاري))، للحافظ الإمام
أبي بكر بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني، المتوفى سنة ٣٧١ إحدى وسبعين
وثلاثمائة، نسخة منه مكتوبة بخط الحافظ ابن حجر، موجودة في الخزانة الجرمنية، وقد
اختصر الحافظ هذا الكتاب ولخصه وسماه: ((المُنْتَقَى)).
ومنها: ((المستخرج على صحيح مسلم)) للحافظ أبي عَوَانة يعقوب بن إسحاق
المذكور، نسخة صحيحة من هذا الكتاب، مكتوبة بخط الحافظ ابن حجر، موجودة في
الخزانة الجرمنية.
ومنها: ((المستخرج)) لابن مَنْدَه، وهو الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن
إسحاق بن مَنْدَه، المتوفى سنة ٤٧٠ سبعين وأربعمائة، نسخة صحيحة منه مصحّحة من
الحافظ ابن حجر، مكتوبة بخط عمر بن يحيى المصري، موجودة في الخزانة الجرمنية.

٣١٩
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
ومنها: ((المستخرج)) لأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، المتوفى سنة
٤٣٠ ثلاثين وأربعمائة، نسخة من هذا الكتاب مكتوبة بخط إبراهيم الأفندي، مصحّحة من
الحافظ السيوطي، موجودة في الخزانة الجرمنية.
ومنها: ((مسند ابن أبي أسامة))، وهو الإمام الحارث بن محمد بن أبي أسامة،
أبو محمد التميمي البغدادي، المتوفى سنة ٢٨٢ اثنتين وثمانين ومائتين، ومسنده هذا
مرتب على الشيوخ لا على الصحابة، نسخة كاملة من هذا الكتاب موجودة في الخزانة
الجرمنية .
ومنها: ((مسند ابن أبي عمرو))، وهو الحافظ أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أبي عمرو
العدني الدراوردي، المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائتين، نسخة كاملة من هذا الكتاب
مكتوبة بخط الملا علي القاري، موجودة في الخزانة الجرمنية.
ومنها: ((مسند الطيالسي))، وهو الإمام سليمان بن داود بن الجارود، أبو داود
الطيالسي البصري، المتوفى سنة ٢٠٤ أربع ومائتين، نسخة كاملة من هذا الكتاب مكتوبة
بخط إبراهيم الأفندي، موجودة في الخزانة الجرمنية.
ومنها: ((مسند أبي عَوَانة)) وهو الحافظ يعقوب بن إسحاق المذكور، نسخة كاملة من
هذا الكتاب مكتوبة بخط الحافظ ابن حجر، موجودة في الخزانة الجرمنية.
ومنها: ((مسند ابن أبي شيبة))، وهو الحافظ أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة،
إبراهيم بن عثمان الواسطي الأصل الكوفي، المتوفى سنة ٢٣٥ خمس وثلاثين ومائتين،
وهو كتاب كبير، نسخة كاملة من هذا الكتاب مكتوبة بخط السيوطي موجودة في الخزانة
الجرمنية.
ومنها: (مسند أبي يعلى)) وهو الحافظ أحمد بن علي بن المثنى، الموصلي التميمي،
المتوفى سنة سبع وثلاثمائة، نسخة كاملة من هذا الكتاب مكتوبة بخط الإمام الشوكاني،
موجودة في الخزانة الجرمنية، قال الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)(١) (ص ٢٧٦ ج٢): قال
السمْعَانِيُّ: سمعتُ إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ یقول: قرأت المسانید کـ («مسند
العدني)) و((مسند ابن منيع)) وهي كالأنهار، و((مسند أبي يعلى)) كالبحر يكون مجتمع الأنهار.
(١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٧٠٨/٢).

٣٢٠
مقدمة تحفة الأحوذي
ومنها: ((مسند بَقِيٍّ بن مَخْلَدِ القرطبي))، المتوفى سنة ٢٧٦ ست وسبعين ومائتين،
نسخة من هذا الكتاب موجودة في الخزانة الجرمنية.
قال في ((كشف الظنون)) (١) مسند الإمام أبي عبد الرحمن بقي بن مخلد القرطبي
الحافظ، المتوفى سنة ٢٧٦ ست وسبعين ومائتين، قال ابن حزم: روى فيه عن ألف
وثلاثمائة صحابي ونيف، رتبه على أبواب الفقه، فهو مسند ومصنّف ليس لأحد مثله.
انتھی .
ومنها: ((مسند البَزَّار))، وهو الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري،
المتوفى سنة ٢٩٢ اثنتين وتسعين ومائتين، ونسخة صحيحة حسنة كاملة من هذا الكتاب،
مكتوبة بخط الحافظ الهيثمي، موجودة في الخزانة الجرمنية، وقد كانت هذه النسخة عند
الحافظ ابن حجر، و((مسند البزار)) هذا معلَّلٌ.
ومنها: ((مسند الفردوس))، وهو عبارة عن ((فردوس الأخبار للديلمي))، وهو الحافظ
شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فَنَاخُسْره الديلمي، المتوفى سنة ٥٠٩ تسع وخمسمائة،
نسخة كاملة من هذا الكتاب مكتوبة بخط الحافظ السيوطي موجودة في الخزانة الجرمنية،
قال صاحب (الكشف))(٢) ((فردوس الأخبار بمأثور الخطاب المخرَّج على كتاب الشهاب))
في الحديث، لأبي شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فَتَاخُسْره الهمداني الديلمي،
أوله: ((إن أحسن ما نطق به الناطقون .... )) إلخ، ذكر فيه أنه أورد فيه عشرة آلاف
حديث، وذكر فيه أنه أورد القضاعي فيه أيضًا عشرة آلاف حديث، وذكر في ((الفردوس))
رواتها ورتّبها على حروف المعجم مجرَّدة عن الأسانيد، ووضع علامات مخرَّجة بجانبه،
وعدد رموزه عشرون، واقتفى السيوطيُّ أثره في جامعه الصغير، ثم جمع ولده الحافظ
شهردار، المتوفى سنة ٥٥٨ ثمان وخمسين وخمسمائة أسانيد كتاب ((الفردوس)» ورتبها
ترتيبًا حسنًا في أربع مجلدات، وسماه ((مسند الفردوس)). انتهى بلفظه.
ومنها: ((المسند الكبير)) للإمام محمد بن إسماعيل البخاري صاحب ((الصحيح))،
نسخة كاملة من هذا الكتاب مكتوبة بخط الحافظ ابن تيميّة موجودة في الخزانة الجرمنية.
(١) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (١٦٧٩/٢).
(٢) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (٢/ ١٢٥٤).