النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
وقال الحاكم: كان ابن حبّان من أوعية العلم في الفقه، واللغة، والحديث،
والوعظ، ومن عقلاء الرجال، قدم نيسابور، فسمع من عبد الله بن شيرويه وغيره، ورحل
إلى بخارَى، فلقي عمر بن محمد بن بحير، ثم ورد نيسابور سنة أربع وثلاثين، وسار إلى
قضاء (نَسَأ))، ثم انصرف إلينا سنة سبع، فأقام بنيسابور، وبنى الخانقاه، وقرئ عليه جملة
من مصنفاته، ثم خرج من نيسابور إلى وطنه سجستان عام أربعين، وكانت الرحلة إليه
لسماع كتبه، وقال الخطيب: كان ثقة نبيلًا فَهِمًا (١)، قال الذهبي: مات أبو حاتم بن حِبَّانَ
في شوال سنة ٣٥٤ أربع وخمسين وثلاثمائة، وهو في عشر الثمانين.
ومنها: ((صحيح أبي عوانة))، وهو: الحافظ الثقة الكبير، يعقوب بن إسحاق بن
إبراهيم بن يزيد الإسفراييني النيسابوري الأصل، صاحب ((الصحيح المسند» المخرّج على
((صحيح مسلم))، وله فيه زيادات عدة، طوف الدنيا وعُنِيَ بهذا الشأن، وسمع يونس بن
عبد الأعلى، وأحمد بن الأزهر، والزعفراني، وعلي بن حرب، وعمر بن شبة، ومحمد بن
يحيى الذهلي، وعلي بن أشكاب، وطبقتهم، ومن بعدهم. حدث عنه الحافظ أحمد بن
علي الرازي، وأبو علي النيسابوري، ويحيى بن منصور القاضي وابن عدي، والطبراني،
والإسماعيلي، وحسينك، وخلق، وولده أبو مصعب محمد، وابن ابن أخيه، وأبو نعيم
عبد الملك بن الحسن الإسفراييني خاتمة أصحابه. قال الحاكم (٢): أبو عَوَانَةً من علماء
الحديث وأثباتهم، سمعت ابنه محمدًا يقول: إنه توفي سنة ٣١٦ ست عشرة وثلاثمائة،
وقال غيره: قبر أبي عوانة عليه مشهد مبني بأسفرائين يزار، وهو بداخل المدينة، وكان
أوَّل من أدخل كتب الشافعيِّ ومذهبَهُ إلى ((أسفرائين))، أخذ ذلك عن الرَّبيع والمُزَنِيِّ، وهو
ثقة جليل.
ومنها: ((صحيح ابْن السَّكَنِ))، وهو الحافظ أبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن
السكن البغدادي، نزيل مصر، ولد سنة ١٩٤ أربع وتسعين ومائة، سمع أبا القاسم
البغوي، وسعيد بن عبد العزيز الحلبي، ومحمد بن محمد بن بدر الباهلي، وأبا عروبة
(١) انظر ((تاريخ الإسلام)) للذهبي (١١٢/٢٦)، و((طبقات الشافعية)) لابن السبكي (١٣٢/٣).
(٢) أورده السمعاني في ((الأنساب)) ونسبه إلى الحاكم في ((تاريخ نيسابور)). انظر ((تاريخ الإسلام)) للذهبي (٥٢٦/٢٣)،
و«وفيات الأعيان) لابن خلکان (٦/ ٣٩٣).

١٦٢
مقدمة تحفة الأحوذي
الحراني، ومحمد بن يوسف الفربري، وابن جوصا، وطبقتهم من جيحون إلى النِّيل،
وعُنِيَ بهذا الشأن وجمع وصنف وبَعُدَ صيته، رَوَى عنه أبو عبد الله بن مَنْدَهْ، وعبد الغني بن
سعيد، وعلي بن محمد الدَّقَّاق وعبد الله بن محمد بن أسد القرطبي، وأبو عبد الله
محمد بن يحيى بن مفرج وأبو جعفر بن عون الله، وآخرون، ووقع كتابه ((الصحيح
المنتقى)» إلى أهل أندلس، توفي في المحرم سنة ٣٥٣ ثلاث وخمسين وثلاثمائة.
ومنها: ((صحيح الإسماعيلي))، وهو: الإمام الحافظ الثبت، شيخ الإسلام أبو بكر
أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإسماعيلي الجرجاني، كبير الشافعية بناحيته،
ولد سنة ٢٧٧ سبع وسبعين ومائتين، وسمع سنة تسع وثمانين، وبعدها من إبراهيم بن
زهير الحلواني، وحمزة بن محمد الكاتب، ويوسف بن يعقوب القاضي، وأحمد بن
محمد بن مسروق، ومحمد بن يحيى المروزي والحسن بن علويه، وجعفر بن محمد
الفريابي، ومحمد بن عبد الله الحضرمي، وابن أبي شيبة، وأبي خليفة الجمحي،
وبهلول بن إسحاق الأنباري، وعبدان، وأبي يعلى، وابن خزيمة، وخلقٍ، وله معجمٌ
مرويٌّ، وصنَّف ((الصحيح)) وأشياء كثيرة، من جملتها: ((مسند عمر نَّه)) هذبه في
مجلدین.
قال الذهبي(١): طالعتهُ وعلَّقت منه، وابتهرت بحفظ هذا الإمام، وجزمت بأن
المتأخرين على إياس من أن يلحقوا المتقدِّمين في الحفظ والمعرفة، حدث عنه الحاكم،
والبَرْقَاني، وحمزة السهمي، وأبو حازم العبدري، والحسين بن محمد الباساني،
وأبو الحسن محمد بن علي الطبري، والحافظ أبو بكر محمد بن إدريس الجرجرائي،
وعبد الواحد بن منير المعدل، وسبط الإسماعيلي أبو عمرو عبد الرحمن بن محمد
الفارسي، وخَلْقٌ سواهم، قال حمزة: وسمعت أبا محمد الحسن بن علي الحافظ بالبصرة
يقول: كان الواجب للشيخ أبي بكر أن يصنّف لنفسه سُننًا ويختار ويجتهد، فإنه كان يقدر
عليه؛ لكثرة ما كان كتب، ولغزارة علمه وفهمه وجلالته، وما كان ينبغي له أن يتقيد
بكتاب محمد بن إسماعيل، فإنه أجل من أن يتبع غيره، أو كما قال. قال الحاكم: كان
الإسماعيلي واحد عصره، وشيخ المحدثين والفقهاء، وأجلّهم في الرياسة والمروءة
(١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٩٤٨/٣).

١٦٣
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
والسخاء، ولا خلاف بين علماء الفريقين وعقلائهم فيه(١)، قال الذهبي (٢): قد جمع مع
إمامته في علم الحديث والفقه رفعة الإسناد والتفرد ببلاد العجم، وقال حمزة: مات في
رجب في غرته من سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة عن أربع وتسعين سنة.
فائدة: اعلم: أن نسخة قلميَّةً من ((صحيح ابن خزيمة)) موجودةٌ في خزانة الكتب
الجرمنية، وعلى هامشها حواش للحافظ ابن حَجَر مفيدةٌ نافعة، والمجلدان الأخيران منها
سالمان عن النقص، والمجلد الأول منها ناقص، ونسخة قلمية صحيحة كاملة من كتاب
((صحيح ابن حِبَّان)) أيضًا موجودة فيها مكتوبةٌ بخط الحافظ ابن حَجَر، وله على هامشها
أيضًا حواشٍ مفيدةٌ، والمجلد الأول من هذا الكتاب موجود في خزانة الكتب المحمودية
بالمدينة المنورة، ونسخة قلمية كاملة صحيحة من كتاب ((صحيح أبي عوانة)) موجودة في
خزانة الكتب الجرمنية، مكتوبةٌ بخط يحيى بن نعيم الأنصاري، ونسخة صحيحة قلمية
نفيسة من هذا الكتاب موجودة في خزانة الكتب للعلامة أبي الطيب شمس الحق العظيم
آبادي مصنّف: ((غاية المقصود))، و((عون المعبود)) - رحمه الله تعالى، وغفر له - وقد نقلت
من هذه النسخة المباركة بعض الروايات في رسالتي: ((المقالة الحسنى، في سُنِّيَّة
المصافحة باليد اليمنى))، ونسخة قلمية من كتاب ((صحيح ابن السكن)) موجودة فيها - أيضًا
- مكتوبة بخط الحافظ السيوطي، ونسخة قلمية صحيحة من كتاب ((صحيح الإسماعيلي))
موجودة فيها - أيضًا - مكتوبة بخط الحافظ ابن حجر.
ومنها: ((صحيح المستدرك))(٣) للحاكم، وهو: الحافظ الكبير، إمام المحدِّثين،
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم الضبي الطهماني النيسابوري،
المعروف بـ (ابن البَيِّع))، صاحب التصانيف، ولد سنة ٣٢١ إحدى وعشرين وثلاثمائة، في
ربيع الأول، طلب الحديث من الصغر باعتناء أبيه وخاله، فسمع سنة ثلاثين ورحل إلى
العراق وهو ابن عشرين، وحج ثم جال في خراسان وما وراء النهر، فسمع بالبلاد من
ألفَيْ شيخ أو نحو ذلك، وقد رأى أبوه مسلمًا، روى عن أبيه، ومحمد بن علي بن عمر
(١) أورده السمعاني في ((الأنساب)) ونسبه إلى الحاكم في ((تاريخ نيسابور)).
(٢) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٩٤٨/٣).
(٣) كذا سمَّاه، وفيه نظر، وانظر قول الذهبي فيه سيأتي. إن شاء الله . بعد قليل.

١٦٤
مقدمة تحفة الأحوذي
المذكور، وأبي العباس الأصمِّ وأبي جعفر محمد بن صالح بن هانئ، ومحمد بن عبد الله
الصَّفَّار، وأبي عبد الله بن الأخرم، وأبي العباس بن محبوب، وأبي حامد بن حيويه،
والحسن بن يعقوب البخاري، وأبي النصر محمد بن محمد بن يوسف، وأبي الوليد
حسان بن محمد، وأبي عمرو بن السماك، وأبي بكر النجاد، وابن دَرَسْتَوَيْهِ، وأبي سهل بن
زياد، وعبد الرحمن بن حمدان الجَلَّاب، وعلي بن محمد بن عقبة الشيباني، وأبي علي
الحافظ، وانتفع بصحبته، وما زال يسمع حتى سمع من أصحابه، حدث عنه الدارقطني،
وأبو الفتح بن أبي الفوارس، وأبو العلاء الواسطي، ومحمد بن أحمد بن يعقوب، وأبو ذر
الهروي، وأبو يعلى الخليلي، وأبو بكر البيهقي، وأبو القاسم القشيري، وأبو صالح
المؤذِّن، والزكي عبد الحميد البحيري، وعثمان بن محمد المحمي، وأبو بكر أحمد بن
علي بن خلف الشيرازي.
قال الخطيب أبو بكر(١): أبو عبد الله الحاكم كان ثقة يميل إلى التشيع، فحدَّثني
إبراهيم بن محمد الأرموي - وكان صالحًا عالمًا - قال: جمع الحاكم أحاديث، وزعم أنها
صحاح على شرط البخاري ومسلم، منها: حديث الطير (٢)، و: ((مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيُّ
مَوْلَاهُ))(٣)، فأنكرها عليه أصحاب الحديث، فلم يلتفتوا إلى قوله، قال الحسن بن أحمد
السمرقندي الحافظ: سمعت أبا عبد الرحمن الشاذياخي صاحب الحاكم يقول: كنا في
مجلس السيد أبي الحسن، فسئل أبو عبد الله الحاكم عن ((حديث الطير)) فقال: لا يصحُّ،
ولو صح لما كان أحد أفضل من علي نظا ◌ُله بعد النبي وَّر.
قال الذهبي(٤): ثم تغيَّر رَأيُ الحاكم، وأخرج ((حديث الطير)) في ((مستدركه))،
ولا رَيْبَ فسئل أن في ((المستدرك)) أحاديث كثيرة ليست على شرط الصحة، بل فيه
أحاديث موضوعة شان ((المستدرك)» بإخراجها فيه، وأما ((حديث الطير)» فله طرق كثيرة
جدًّا أفردتها بمصنّف، ومجموعها يوجب أن يكون الحديث له أصل، وأما حديث: ((مَنْ
كُنْتُ مَوْلَاهُ)) فَلَهُ طرق جيدةٌ، وقد أفردت ذلك أيضًا .
(١) الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (٥/ ٤٧٣).
(٢) أخرجه الترمذي، كتاب المناقب، حديث (٣٧٢١) وهو حديث ضعيف. وقال الترمذي: غريب.
(٣) صحيح. اعتنى بتخريجه النسائي في ((الخصائص)).
(٤) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ» (١٠٤٣/٣).

١٦٥
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
قال عبد الغافر بن إسماعيل: أبو عبد الله الحاكم هو إمامُ أَهْلِ الحديث في عصره،
العارف به حَقَّ معرفته، وقرأ على قرّاء زمانه وتفقه على أبي الوليد، وأبي سهل الأستاذ
واختص بصحبة إمام وقته أبي بكر الضبعي، فكان يراجعه في السؤال والجرح والتعديل
والعلل، وذاكر مثل الجعابي، وأبي علي المَاسَرْجِسِيٍّ، واتفق له من التصانيف ما لعله
يبلغ قريبًا من ألف جزء من تخريج ((الصحيحين)) و((تاريخ نيسابور))، وكتاب ((مزكي
الأخبار)) و((المدخل إلى علم الصحيح)) وكتاب ((الإكليل)) و((فضائل الشافعي))، وغير
ذلك، قال الحافظ أبو حازم العَبْدَوِي سمعت الحاكم يقول - وكان إمام أهل الحديث في
عصره - : شَرِبْتُ مَاءَ زَمْزَمَ، وسألت الله أن يَرْزُقَنِي حُسنَ التصنيف، قال الحافظ
أبو موسى: كان الحاكم دخل الحمام واغتسل وخرج، فقال: آه، فقبض روحه، وهو
مُتَّزِرٌ، ولم يلبس قميصه بَعْدُ، وصلى عليه القاضي أبو بكر الحيري، توفي الحاكم في
صفر سنة ٤٠٥ خمس وأربعمائة.
قلت: تساهل الحاكم في تصحيح الحديث مشهورٌ، كما أن تساهل ابن الجَوْزِيِّ في
تضعيف الحديث مشهورٌ، قال السُّيوطيُّ في أول تعقُّباته على ((موضوعات ابن الجوزي)):
إن كتاب ((الموضوعات)) جمع الإمام أبي الفرج بن الجوزي قد نبه الحفاظ قديمًا وحديثًا
على أن فيه تساهلًا كثيرًا وأحاديث ليست بموضوعة، بل هي من وادي الضَّعيف، وفيه
أحاديثُ حسانٌ، وَأُخرى صحاحٌ، بل وفيه حديثٌ من ((صحيح مسلم)) نبه عليه الحافظ
أبو الفضل ابن حجر، ووجدت فيه حديثًا من ((صحيح البخاري)) من رواية حمّاد بن
شاكر، وآخَرَ متنُهُ من البخاري من رواية صحابيٍّ غیر الذي أورده عنه، وقد قال شيخ
الإسلام ابن حجر: إن تساهله - أي: تساهُل ابن الجوزي - وتساهُل الحاكم في
((المُسْتَدْرَكِ)) أعْدَمَ النفع بكتابيهما؛ إذ ما من حديث فيهما إلا ويمكن أنه مما وقع فيه
التساهل؛ فلذلك وجب على الناقد الاعتناءُ بما ينقله منهما من غير تقليد لهما .
وقد اعتنى الحافظ الذهبيُّ بـ ((المستدرك)) فاختصره معلّقًا أسانيده، وأقره على ما
لا كلام فيه، وتعقّب ما فيه الكلام، وجرَّد بعضُ الحفاظ منه مائة حديث موضوعةً في
جزء.
وأما ((موضوعات ابن الجوزي)) فلم أقف على من اعتنى بشأنها، فاختصرتها معلِّقًا

١٦٦
مقدمة تحفة الأحوذي
أسانيدها، وتعقّبت منها كثيرًا على وجه الاختصار على نحو ما صنع الذهبي في
((المستدرك))، ثم جمعت كتابًا حافلًا في الأحاديث المتعقَّبة خاصة بسطْتُ فيه الكلام على
كل حديث حديث، مع ذكر طرقها وشواهدها، وما وقفت عليه من كلام الحُفَّاظ عليها،
وما عثرت أنا عليه في ضمن المطالعة من المتابعات ونحو ذلك، غير أن الهمم عن
الاعتناء بتحصيله قواصر، وأهل هذا الفن كانوا في الصدر الأول قليلًا، فما ظنك بهم في
هذا العصر الدابر، فأردت أن ألخّص الكتاب المذكور في تأليف وجيز، أقتصر منه على
إيراد الحديث على طريقة الأطراف، وأعقبه بذكر من أعله به، ثم أردفه بردِّه، إما بتوثيقه،
أو ذكر متابعه، أو شاهده، وأنبه على من خرَّجه من الأئمة المعتبرة في شيء من كتبه
الجلیلة. انتھی.
وقال في آخره: [البحر الطويل]
أَبُو الْفَرَجِ الْجَوْزِيُّ أَلَّفَ مَجْمَعًا
وهذَا كِتَابِي فِيهِ حَرَّرْتُ جُمْلَةٌ
حَدِيثٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ثُمَّ آخَرُ
وَفِي مِسْنَدٍ فَوْقَ الثَّلَاثِينَ ثُمَّ فِي
ثَلاثُونَ عِنْدَ التِّرْ مِذِيِّ وَابْنِ ما
وَسِتُّونَ فِي المِسْتَدْرَكِ مَعَ تَدَاخُلٍ
بِمَجْمُوعٍ مَا فِيهِ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي
كَذَا فِيهِ مِمَّا أَخْرَجَ الدَّارِمِيُّ وَالْـ
وما أخرج البُسْتِيُّ وابنُ خُزَيْمةً
فَدُونَكَ تَأْلِيفًا وَجِيزًا مُحَرَّرًا
وَيَا طَالَمَا أَنْعَمْتُ فِكْرًا وَ مُقْلةٌ
وَنَقَّبْتُ عَنْ طُرْقِ الأَحَاديثِ دَائِمًا
ولم أَكُ ذا كُلِّ عَلَى النَّاسِ آَخِذًا
وَلَا ظَفِرَتْ عَيْنِي بِمَا أَقْتَدِي بِهِ
فَيَا رَبِّ فَاجْعَلهُ لِوَجْهِكَ مُخْلَصًا
يُضَمِّنُهُ المُوْضُوعَ فَاتَّسَعَ الوَادِي
ثلاثًا وستين مِنْهُ تَحْرِيرَ نَقَّادِ
رَوَاهُ الْبُخَارِيْ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ
كِتَابٍ أَبِي دَاوُدَ تِسْعٌ بِتَعْدَادٍ
جَهُ مِثْلُهَا عَشْرٌ لَدَى النَّسَائِيِّ السَّادِ
تَرَاهُ وَلَمْ أَقْصِدْ لِعَدٍّ بِإِقْرَادِ
تُرَى مِائةً مَعْ نَحْوِ ثُلْثٍ بِآحادِ
بُخَارِيُّ فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ بِإِسْنَادِ
معَ البَيْهَقِي والدَّارِقُظْني وأَنْدَادِ
إِذَا أَبْهَمَ الدَّاجِي بِهِ يَهْتَدِي الْبَادِي
وَأَشْغَلْتُ أَوْقَاتِي بِبَحثٍ وَإِجْهَادٍ
وَأَعْمَلْتُ إِعْمَالَ المِجِدِّ بِإِسْعَادٍ
كَلَامَهُمُ مِنْ غَيْرٍ وُدِّ وَلَا عَادي
فَأَرْتَاحَ مِمَّا أجْتَنِيهِ بِأَكْدَادِ
فَأَنْتَ مَرَامِي مِنْكَ أَطْلُبُ إِرْشادِي

١٦٧
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
خسِيسَةَ قَدْرٍ ذات هَمِّ وَإِنْفادِ
وَللْعِلْمِ أبني أن يُرَادَ بِهِ دُنّا
جَنَابِ العَلِي القُدْسِيِّ يَحْدُو پِهِ الحَادِي
وَمَنْ كَانَ ذا حَظٌّ عَظِيمٍ يَكُنْ إِلَى
انتھی .
ورَوَى الْخَطِيبُ(١) وغيره عن أبي أُويْس، واسمه عبد الله بن أَوَيْسٍ، عن العلاء بن
عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ((أن النَّبيَّ ◌َرَ كَانَ إِذَا أَمَّ النَّاسَ جَهَرَ بـ ﴿إِسْمِ
اللَّهِ الرَّمَنِ الرَّحَمَةِ﴾))(٢)، قال الزيلعي - في ((نصب الراية)) بعد ذكر هذا الحديث،
والكلام على إسناده ما لفظه ـ: ومجرد الكلام في الرجل لا يسقط حديثه، ولو اعتبرنا
ذلك - لذهب معظم السنة؛ إذ لم يَسْلَمْ من كلام الناس إلا من عصمه الله، بل خرج في
((الصحيح)) لخلق ممن تكلّم فيهم، ومنهم: جعفر بن سليمان الضبعي، والحارث بن
عبد الإيادي، وأيمن بن نابل الحبشي، وخالد بن مخلد القطواني، وسويد بن سعيد
الحرثاني، ويوسف بن أبي إسحاق السبيعي، وغيرهم، ولكنْ صاحبا ((الصحيح)) -
رحمهما الله - إذا أخرجا لمن تكلِّم فيه، فإنهم يَنْتَقُونَ من حديثه ما تُوبع عليه، وظهرت
شواهده، وعلم أن له أصلًا، ولا يروون ما تفرَّد به، سيما إذا خالفه الثقات، كما أخرج
مسلم لأبي أوَيْسٍ حديثَ: ((قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي ... (٣))؛ لأنه لم يتفرَّد به، بَلْ
رواه غيره من الأثبات، كمالك وشعبة، وابن عيينة، فصار حديثه متابعة، وهذه العلة
راجت على كثير ممن استدرك على ((الصحيحين))، فتساهلوا في استدراكهم، ومن أكثرهم
تساهلًا الحاكم أبو عبد الله في كتابه ((المستدرك))، فإنه يقول: هذا حديث على شرط
الشيخين أو أحدهما، وفيه هذه العلَّة، إذْ لا يلزم من كون الراوي محتجًّا به في ((الصحيح))
أنه إذا وجد في أيّ حديث كان ذلك الحديثُ على شرطه، لما بيناه، بل الحاكم كثيرًا ما
يجيء إلى حديث لم يخرَّج لغالب رواته في ((الصحيح))، كحديث رُوِيَ عن عكرمة عن ابن
عباس، فيقول فيه: هذا حديث على شرط البخاري، يعني: لكون البخاري أخرج
-
(١) أخرجه الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد)) (٩٦/٥).
(٢) وأخرجه ابن عَدي في ((الكامل)) (١٨٣/٤)، والدارقطني في ((السنن)) (٣٠٦/١) (١٧)، ومن طريقه البيهقي في
((الكبرى)) (٤٦/٢) (٢٢٢٤). قال ابن الملقن: وسائر رواة هذا الحديث من جميع طرقه ثقات. ((البدر المنير))
(٥٥٩/٣).
(٣) مسلم، كتاب الصلاة، حديث (٣٩٥).

١٦٨
مقدمة تحفة الأحوذي
لعكرمة، وهذا - أيضًا - تساهلٌ، وكثيرًا مما يخرِّج حديثًا بعض رجاله للبخاريِّ، وبعضهم
لمسلم، فيقول: هذا على شرط الشيخين، وهذا - أيضًا - تساهلٌ، وربما جاء إلى حديث
فيه رحلٌ قد أخرج له صاحبا ((الصحيح)) عن شيخ معيَّن؛ لضبطه حديثه، وخصوصيته به،
ولم يخرِّجا حديثه عن غيره؛ لضعفه فيه، أو لعدم ضبطه حديثه، أو لكونه غير مشهور
بالرواية عنه، أو لغير ذلك، فيخرجه هو عن غير ذلك الشيخ، ثم يقول: هذا على شرط
الشيخين أو البخاري، أو مسلم، وهذا - أيضًا - تساهلٌ؛ لأن صاحبَي ((الصحيح)) لم
يحتجًا به إلا في شيخ معيَّن لا في غيره، فلا يكون على شرطهما، وهذا كما خرَّج
البخاري ومسلم حديثَ خالد بن مخلد القطواني، عن سليمان بن بلال وغيره، ولم
يخرِّجا حديثه عن عبد الله بن المثنى، فإن خالدًا غير معروف بالرواية عن ابن المثنى، فإذا
قال قائل في حديث يرويه خالد بن مخلد، عن ابن المثنى: ((هذا على شرط البخاري
ومسلم)) كان متساهلًا، وكثيرًا ما يجيء إلى حديث، فيه رجلٌ ضعيف، أو متهم بالكذب،
رحاله رجال الصحيح، فيقول: ((هذا على شرط الشيخين، أو: البخاري، أو:
مسلم))، وهذا - أيضًا - تساهلٌ فاحشٌ، ومن تأمل كتابه ((المستدرك)) تبين له ما ذكرناه.
انتهى كلام الزيلعيّ(١).
قال الجزائريُ(٢): قد اختلف في حُكْم ما انفرد الحاكمُ بتصحيحه، فقال ابن
الصَّلَاحِ (٣): الأولى أن نتوسط في أمره، فنقولَ: ما حَكَمَ بتصحيحه ولم نجد ذلك فيه لغيره
من الأئمة، إن لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن، يحتج به ويعمل به إلا أن
نظهر فيه علة توجب ضعفه، ويقاربه في حكمه صحيحُ أبي حاتم بن حبانٍ البستيِّ. انتهى.
وظاهر هذا الكلام: أن ما انفرد بتصحيحه، ولم يكن لغيره فيه حكم: أن يجعل دائرًا
بين الصحيح والحسن احتياطًا، وقد ظن بعضهم أن كلامه يدلُّ على أنه يحكم عليه
بالحسن فقط، فُنُسِبَ إليه التحكّم في هذا الحكم.
وقال كثير من المحدِّثين: إنَّ ما انفرد الحاكمُ بتصحيحه يُبْحَثُ عنه ویحكم عليه بما
(١) الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣٤١/١).
(٢) طاهر الجزائري الدمشقي في ((توجيه النظر)) (٣٤٤/١).،
(٣) ابن الصلاح في ((مقدمته)) (ص/ ٢٢).

١٦٩
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
يقضي به حاله: من الصحة، أو الحسن، أو الضعف، والذي حمل ابْنَ الصَّلاح على ما
قال: هو ما ذهب إليه من أن أمر التصحيح قد انقطع ولم يبق له أهل، والصحيح أنه لم
ينقطع، وأنه سائغ لمن كملت عنده أدواته، وكان قادرًا عليه. انتهى.
ومن الكتب الصِّحَاح: ((المختارة)) للحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد
المقدسي الحنبلي، التزم فيه الصحة، فصحَّحَ فيه أحاديث لم يسبق إلى تصحيحها، وقال
ابن كثير(١): وهذا الكتاب لم يتم، وكان بعض الحفاظ من مشايخنا يرجِّحه على ((مستدرك
الحاكم))؛ كذا في ((الشذا الفَيَّاحُ)) (٢) ذكره صاحب ((الكشف))(٣).
وضياء الدين المقدسيُّ هذا هو: الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد السعدي
المقدسي، ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي، صاحب التصانيف النافعة، ولد سنة تسع
وستين وخمسمائة، وأجاز له السِّلَفِيُّ وشهده، وسمع من أبي المعالي بن صابر،
وأبي المجد البانياسي، وأحمد بن الموازيني، وعمر بن علي الجويني، ويحيى الثقفي،
وطبقتهم بدمشق، وأبي القاسم البوصيري، وطبقته بمصر، والمبارك بن المعطوس، وابن
الجوزي، وطبقتهما ببغداد، وأبي جعفر الصيدلاني وطبقته بأصبهان، وعبد الباقي بن
عثمان بِهَمدان، والمؤيد الطوسي وطبقته بنيسابور، وعبد المعز بن محمد البزار بهراة،
وأبي مظفر بن السمعاني بمرو، ورحل مرتين إلى أصبهان، وسمع بها ما لا يوصف كثرة،
وحصل أصولًا كثيرة، ونسخ وصنَّف وصحّح ولَيَّن وجَرّح وعَدَّل، وكان المرجوعَ إليه في
هذا الشأن، قال تلميذه عمر بن الحاجب: شيخنا أبو عبد الله، شيخ وقتِهِ، ونسيجُ وَحْدِهِ :
علمًا وحفظًا، وثقة، ودينًا، من العلماء الربانيين، وهو أكثر من أن يدخل عليه مثل، كان
شديد التحري في الرواية، مجتهدًا في العبادة، كثير الذكر، منقطعًا متواضعًا، سَهْلَ
العارية، رأيت جماعة من المحدِّثين ذكروه، فأطنبوا في فقهه، ومدحوه بالحفظ والزهد،
سألت الزكي البرزالي عنه فقال: ثقة، جبل، حافظ دين، قال ابن النجار: حافظ، متقن،
حجة، عالم بالرجال، ورع، تقي، ما رأيت مثله في نباهته، وعفته، وحسن طريقته، وقال
(١) ابن كثير في ((الباعث الحثيث)) (١١٢/١).
(٢) الأبْناسي في ((الشذا الفياح)) (٨١/١).
(٣) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (٢/ ١٦٢٤).

١٧٠
مقدمة تحفة الأحوذي
الشرف بن النابلسي: ما رأيت مثل شيخنا الضياء. ذكره الذهبي في ((التذكرة)) (١) وقال: قد
استوفيْتُ سيرته وتواليفه في ((التاريخ الكبير)) (٢)، عاش أربعًا وسبعين سنة، وتوفي إلى
رضوان الله تعالى في جمادى الآخرة، سنة ثلاث وأربعين وستمائة. انتهى.
فائدة: اعلم: أن نسخة قلمية من كتاب ((المختارة)) للحافظ ضياء الدين المقدسي هذا
موجودةٌ في خزانة الكتب الجرمنية، مكتوبة بخط الحافظ ابن كثير، ونسخة صحيحة قلمية
من كتاب ((صحيح المستدرك)) للحاكم موجودةٌ فيها، مكتوبة بخط الحافظ الذهبي، وعلى
هامش هذه النسخة ((تلخيص)) الحافظ الذهبي بخطه أيضًا، ونسخة قلمية من كتاب
((تلخيص المستدرك)) للذهبي أيضًا موجودةٌ فيها، ونسخة قلمية في ((المستدرك)) ونسخة
قلمية من ((تلخيص الذهبي)) موجودة أيضًا في خزانة الكتب المحمودية بالمدينة المنورة،
وقد طبع الآن ((المستدرك)) مع ((تلخيص الذهبي)) في مطبعة دائرة المعارف ببلدة حيدر أباد
الدکن .
الفَصْلُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ في ذِكْرٍ كُتُّبِ الأَحَادِيثِ الْعِزُوَّةِ إِلَى
الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ الَّذِينِ هُمْ أَصْحَابُ الْمَذَاهِبِ الْمُتْبُوعَةِ وَذِكْرٍ تَراجِمِهِمْ
قال صاحب ((كشف الظنون))(٣): مسند الإمام الأعظم أبي حنيفة نعمان بن ثابت
الكوفي، المتوفى سنة ١٥٠ خمسين ومائة، رواه حسن بن زياد اللؤلؤي، ورتب المسند
المذكور الشيخ قاسم بن قُطْلُوبغَا الحنفي برواية الحارثي على أبواب الفقه، وله عليه
((الأمالي)) في مجلدين، ومختصر المسند المسمى بـ ((المعتمد)» لجمال الدين محمود بن
أحمد القونوي الدمشقيّ، المتوفى سنة ٧٧٠ سبعين وسبعمائة، ثم شرحه وسماه:
((المستند))، وجمع زوائده أبو المؤيَّد محمد بن محمود الخُوَارَزْمِيُّ، المتوفى سنة ٦٦٥
خمس وستين وستمائة، أوله: ((الحمد لله الذي سقانا بطّوْله من أصفى شرائع الشرائع ... ))
إلخ، قال: وقد سمعت في الشام عن بعض أهلين بمقداره ما ينقصه ويستصغره ويستعظم
غيره، وينسبه إلى قلة رواية الحديث، ويستدلُّ على ذلك بـ ((مسند الشافعي))، و((موطأ
(١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١٤٠٦/٤).
(٢) يريد: ((تاريخ الإسلام))، انظر تصانيفه فيه (٢١٢/٤٧).
(٣) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (٢/ ١٦٨٠).

١٧١
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
مالك))، وزعم أنه ليس لأبي حنيفة مسند، وكان لا يروي إلا عدة أحاديثَ، فلحقتني
حميةٌ دينيةٌ، فأردتُ أن أجمع بين خمسة عشر من مسانيده التي جمعها لَه فحولُ علماء
الحدیث :
الأول: الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي البخاري
المعروف بعبد الله الأستاذ.
الثاني: الإمام الحافظ أبو القاسم طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد العَدْلُ.
الثالث: الإمام أبو الحسين محمد بن المظفر بن موسى بن عيسى بن محمد.
الرابع: الإمام الحافظ أبو نُعَيْم الأصبهاني الشافعي.
الخامس: الشيخ أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد الأنصاري.
السادس: الإمام أبو أحمد عبد الله بن عَدِيِّ الجرجاني.
السابع: الإمام الحافظ عمر بن حسن الشيباني.
الثامن: أبو بكر أحمد بن محمد بن خالد الكلاعِيُّ.
التاسع: الإمام أبو يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، والمرويُّ عنه
یسمی بـ «نسخة أبي يوسف)).
العاشر: الإمام محمد بن حسن الشيباني، والمرويُّ عنه يسمى بـ ((نسخة محمد)).
الحادي عشر: ابنه الإمام حمَّاد، ورواه عن أبي حنيفة.
الثاني عشر: الإمام محمد أيضًا، وروى معظمه عن التابعين، وما رواه عنه يسمى:
((الآثار)).
الثالث عشر: الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الله بن أبي العَوَّام السعدي.
الرابع عشر: الإمام الحافظ أبو عبد الله حسين بن محمد بن خسرو البلخي المتوفى
سنة ٥٢٣ ثلاث وعشرين وخمسمائة، وقد خرجه تخريجًا حسنًا، ولم يحدِّث إلا باليسير،
وهو في مجلدين .
والخامس عشر: الإمام الماوردي.
فجمعتها على ترتيب أبواب الفقه، بحذف المُعاد، وترك تكرير الإسناد.

١٧٢
مقدمة تحفة الأحوذي
واختصره الإمام شرف الدين إسماعيل بن عيسى بن دولة الأوغاني المكي، وسماه:
((اختيار اعتماد المسانيد في اختصار أسماء بعض رجال الأسانيد))، وتوفي سنة ٨٩٢ اثنتين
وتسعين وثمانمائة، ذكر فيه نبذة من مناقب الإمام، واختصره - أيضًا - الإمام أبو البقاء
أحمد بن أبي الضياء محمد القرشي العدوي المكي، أوله: ((الحمد لله رب العالمين ...
إلخ)) فهذا مختصر مسند الإمام الأعظم الذي جمعه الإمام أبو المؤيّد الخُوَارَزْمِيُّ، حذفت
الأسانيد منه، ما كان مكرَّرًا عنه، وسميته ((المستند في مختصر المسند)»، واختصره
محمد بن عباد الخلاطي، المتوفى سنة ٦٥٢ اثنتين وخمسين وستمائة، وسماه ((مقصد
المسند»، واختصره أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الحنفي، وجمع زوائده -
أيضًا - حافظ الدين محمد بن محمد الكردري المعروف بابن البَزَّار، المتوفى سنة ٨٢٧
سبع وعشرين وثمانمائة، وشرحه جلال الدين السُّيوطيُّ، المتوفى سنة ٩١١ إحدى عشرة
وتسعمائة، سماه ((التعليقة المنيفة على مسند أبي حنيفة)) واختصره بعضهم، أوله:
((الحمد لله الذي أكمل ديننا ... )) إلخ، قال: لما رأى ((المسند الكبير)) لأبي المؤيد
الخوارزمي، ووجده مطولًا بالأسانيد، فحذفه، ثم وجد مختصرين من ((المسند الكبير))،
أحدهما: للإمام جمال الدين محمود بن أبي العباس القونوي، والثاني: للإمام
أبي البقاء بن أحمد الضياء المكي، ورأى أن الأول: ما وفى المقصود، والثاني: أتَى به،
لكنه ما حذف الحديث المكرر. انتهى.
وقال العلّامة الشاه عبد العزيز المحدِّث الدَّهْلَوِيُّ في ((البستان)) ما لفظه:
فائدة: مهمه بايد دانست(١) كه از تصانيف أئمة أربع رحمهم الله در علم حديث(٢)
أمر وزدردست مردم غير إذ موطأ موجود بميست(٣) ومسانيد أئمة ديكر كه در عالم
مشهور، راست خودایشال به تصنيف آل نبرداخته اندبلكه(٤) دیکران بعد ایشال آمده
(١) عبارة فارسية بمعنى: من المهم وجوب معرفة.
(٢) عبارة فارسية بمعنى: أنه بالنسبة لمؤلفات الأئمة الأربعة رحمهم الله في علم الحديث.
(٣) عبارة فارسية بمعنى: وهي تحت يد الناس من غير الموطأ باعتبارها متوافرة.
(٤) عبارة فارسية بمعنى: ومسانيد الأئمة الآخرين والمعروفة والمشهورة من أنحاء العالم، لم يقوموا هم بأنفسهم
بتأليفها .

١٧٣
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
مرويات راجمع نموده(١) اندو مسند فلاني مسمى كرده(٢) وبربهر عاقل بوشيده نمى
ماندكه(٣) مرويات شخص ازهر رطب ويابس مجموع ومخلوط مي باشدتا(٤) وقيتكه
خودال شخص كه اعتقاد بزركي وفضيلت أوداريم(٥) آل مخلوط رامتميزنه كندوبارها(٦)
بنظرا معان وتعمق مطالعة ننمايد(٧) وشاكردان خودرا تعليم نكند(٨) محل اعتقاد جه قسم
تواندبو (٩) وتفصيل ايل دجمال آنكه مسند حضرت امام أعظم كه بالفعل مشهورست تأليف
قاضي القضاة أبو المؤيد محمد بن محمود بن محمد الخوارزمي ست(١٠) كه درسن
ششصد وبنقاد وجار آنرا رائج ساخنة (١١) مسانيد امام أعظم راكه علمائي سابق برواخة
بودنددريل (١٢) مسند جمع كرده بزعم خودبيهج(١٣) جيزرا إز مرويات امام أعظم ترك نه
کرده(١٤) وقبل ازوي برجند مسانيد بسياربراتي مرويات إمام أعظم ساخنة بودند(١٥)
جنانحه خودش در خطبه ايل مسند نام آنبا ومصنفين آنبًاوسند خود بآن مصنفين بيان
نموده(١٦) أما بيشتر رائج ومشهور دومسند بودوتا(١٧) حال موجود ومتداول ست(١٨) أول
(١) عبارة فارسية بمعنى: إنما قام آخرون بعدهم بجمع الروايات.
(٢) عبارة فارسية بمعنى: اسمو المسند بهذا الاسم.
(٣) عبارة فارسية بمعنى: ولا يخفى على أي عاقل.
(٤) عبارة فارسية بمعنى: بأن روايات أي إنسان من رطب ويابس عبارة عن جمع وخلط.
(٥) عبارة فارسية بمعنى: وطالما أن نفس ذلك الإنسان الذي نعرف عقيدته الكبيرة وفضائله.
(٦) عبارة فارسية بمعنى: ولا يميز حقيقة الخلط.
(٧) عبارة فارسية بمعنى: ولم يدرس هذا المسند ويفحص بإمعان وتروٍ.
(٨) عبارة فارسية بمعنى: ولا يعلم تلاميذه.
(٩) عبارة فارسية بمعنى: أي جزء أو مجال هو مكان العقيدة والإيمان.
(١٠) عبارة فارسية بمعنى: وتوضيح هذا الإجمال هو أن مسند الإمام الأعظم المعروف والمشهور هو من تأليف
قاضي القضاة أبو المؤيد محمد بن محمود بن محمد الخوارزمي.
(١١) عبارة فارسية بمعنى: والذي نشره عام ستمائة وسبعون وأربع وبمحله ذائع الصيت.
(١٢) عبارة فارسية بمعنى: ومسانيد الإمام الأعظم التي قام العلماء السابقون بجمعها .
(١٣) عبارة فارسية بمعنى: أوردها وذكرها من هذا المسند حسب قوله.
(١٤) عبارة فارسية بمعنى: وحسب ادعائه، فإنه لم يترك شيئاً في روايات الإمام الأعظم.
(١٥) عبارة فارسية بمعنى: وعلى الرغم من وجود مسانيد قبله كثيرة عن روايات الإمام الأعظم.
(١٦) عبارة فارسية بمعنى: كما ذكر هو نفسه في خطبة المسند أسماء المصنفين ومصنفاتهم ومسنده.
(١٧) عبارة فارسية بمعنى: إلا أن المعروف والمشهور من هذه المسانيد اثنين.
(١٨) عبارة فارسية بمعنى: وهما ما زالا بين الأيدي ومعروفان.

١٧٤
مقدمة تحفة الأحوذي
مسند حافظ الحديث محمد بن يعقوب الحارثي (١) دوم مسند حافظ الوقت حسين بن
محمد بن خسرو رحمة الله عليه جنانجه أجازت ايل برسه مسند براقم الحروف نیزاز شيوخ
خودر سیده(٢) بس ایل مسندرا نسبت بحضرت امام أعظم کردن أزال باب ست كه مسند
أبي بكررا مثلا از مسند إمام أحمد نسبت بحضرت أبو بكر صديق نمائيم واز تصانيف
ایشال انكاریم وآل مغلطه بیش نیست(٣). انتهى.
قال في ((تهذيب التهذيب)): النعمان بن ثابت التيميُّ، أبو حنيفة الكوفيُّ، مولى بني
تميم الله بن ثعلبة، وقيل: إنه من أبناء فارس، رأى أَنَسًا، وروى عن عطاء بن أبي رباح،
وعاصم بن أبي النجود، وعلقمة بن مرثد، وحماد بن أبي سليمان، والحكم بن عتيبة،
وسلمة بن كُهَيْل، وأبي جعفر محمد بن علي، وعلي بن الأقمر، وزياد بن علاقة، وسعيد بن
مسروق الثوري، وعدي بن ثابت الأنصاري، وعطية بن سعد العوفي، وأبي سفيان
السعدي، وعبد الكريم أبي أمية، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، في
آخرين، وعنه: ابنه حماد، وإبراهيم بن طهمان، وحمزة بن حَبيبٍ الزيات، وزُفَرُ بْنُ
الهُذَيْل، وأبو يوسف القاضي، وأبي يحيى الحماني، وعيسى بن يونس، ووكيع، ویزید بن
زريع، وأسد بن عمرو البجلي، وحكام بن يعلى بن سلم الرازي، وخارجة بن مصعب،
وعبد المجيد بن أبي رواد، وعلي بن مسهر، ومحمد بن بشر العبدي، وعبد الرزاق،
ومحمد بن الحسن الشيباني، ومصعب بن المقدام، ويحيى بن يمان، وأبو عصمة نوح بن
أبي مريم، وأبو عبد الرحمن المقري، وأبو نعيم، وأبو عاصم، وآخرون.
قال العِجْلِيُّ: أبو حنيفة كوفي تيمي، من رهط حمزة الزَّيَّات، كان خزَّازًا يبيع الخَزَّ،
ويروي عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة قال: نحن مِنْ أبناء فارس الأحرار، ولد
جَدِّي النعمانُ سنة ثمانين، وذهب جدي ثابتٌ إلى عليٍّ، وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه
وفي ذريته، وقال محمد بن سعد العوفي: سمعت ابن معين يقول: كان أبو حنيفة ثقةً
(١) عبارة فارسية بمعنى: المسند الأول الحافظ الحديث محمد بن يعقوب الحارثي.
(٢) عبارة فارسية بمعنى: والثاني مسند الحافظ الوقت حسين بن محمد بن خسرو رحمه الله كما أن رخصة رواية
هذه المسانيد الثلاث قد جاءت إلى كاتب هذا المسند من شيوخه.
(٣) عبارة فارسية بمعنى: إذاً فإن هذا السند، إذا ما نسب إلى حضرة الإمام الأعظم هو من قبيل نسبة مسند أبي بكر
عن مسند الإمام أحمد إلى حضرة أبي بكر الصديق، فإذا ما تصورنا هذا من مؤلفاته فهو خطأ فادح.

١٧٥
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
لا يحدث بالحديث إلا بما يحفظ، ولا يحدث بما لا يحفظ، وقال صالح بن محمد
الأسدي، عن ابن معين: كان أبو حنيفة ثقةً في الحديث، وقال أبو وهب محمد بن
مزاحم: سمعت ابن المبارك يقول: أفقه الناس أبو حنيفة، ما رأيت في الفقه مثله، وقال
أيضًا: لولا أن الله تعالى أغاثني بأبي حنيفة وسفيانَ كنت كسائر الناس، وقال ابن
أبي خيثمة: حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال: كان أبو حنيفة وَرِعًا سَخيًّا، وعن ابن
عيسى بن الطباع: سمعت روح بن عبادة يقول: كنت عند ابن جريج سنة خمسين ومائة،
فأتاه موت أبي حنيفة، فاسترجع، وتوجع، وقال: أيُّ علم ذهب.
وقال أبو نُعَيْم: كان أبو حنيفة صاحب غوص في المسائل، وقال أحمد بن علي بن
سعيد القاضي: سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول:
لا نكذب الله، ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله. وقال الربيع،
وحرملة: سمعنا الشافعي يقول: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة. ويروى عن
أبي يوسف قال: بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمعت رجلاً يقول لرجل: هذا أبو حنيفة
لا ينام الليل، فقال أبو حنيفة: لا يتحدَّثْ عني بما لم أفعل، فكان يحيي الليل، يعني:
بعد ذلك. وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة عن أبيه قال: لما مات أبي سألنا
الحسن بن عمارة أن يتولَّى غسله، ففعل، فلمَّا غسَّله قال: رحمك الله تعالى وغفر لك،
لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسّد بيمينك بالليل منذ أربعين سنة، وقد أتعَبْتَ من بعدك،
وفضحْتَ القراء، وقال علي بن معبد: حدَّثنا عبيد الله بن عمرو الرقي قال: كلَّم ابن هبيرة
أبا حنيفة أن يلي قضاء الكوفة، فأبَى عليه، فضربه مائة سَوْط وعشرة أسواط، وهو على
الامتناع، فلما رأى ذلك خلى سبيله.
وقال ابن أبي داود، عن نصر بن علي: سمعتُ ابن داود - يعني الخريبي - يقول:
الناس في أبي حنيفة حاسد وجاهل. وقال أحمد بن عبدة قاضي الري عن أبيه: كنا عند
ابن عائشة فذكر حديثًا لأبي حنيفة، ثم قال: أما إنكم لو رأيتموه لأردتموه، فما مثله
ومثلكم إلا كما قيل: [من الطويل]
مِنَّ اللَّوْمِ أَوْ سُدُّوا المَكَانَ الَّذِي سَدُّوا
أَقِلُّوا عَلَيْهِمْ وَيْلَكُمْ لَا أَبَالَكُمْ
وقال الصغاني عن ابن مَعينٍ: سمعت عبيد بن أبي قُرَّة يقول: سمعت يحيى بن

١٧٦
مقدمة تحفة الأحوذي
الضريس يقول: شهدت سفيان وأتاه رجل، فقال: ما تنقم على أبي حنيفة؟! قال: وما
له، قال: سمعته يقول: آخُذُ بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله، فإن لم أجد فبقول
الصحابة، آخذ بقول من شئت منهم، ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى
الأمر إلى إبراهيمَ والشعبيِّ وابن سيرين وعطاء فقوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا. قال
أبو نُعَيْم وجماعة: مات سنة خمسين ومائة، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن ابن مَعِينٍ:
مات سنة إحدى وخمسين، له في كتاب الترمذي من رواية عبد الحميد الحمَّاني عنه قال:
ما رأيتُ أكذب من جابر الجعفيِّ، ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح، وفي كتاب
النسائي(١) حديثه عن عاصم بن أبي ذر، عن ابن عباس قال: ليس علَى مَنْ أَتى بهيمةٌ حَدٌّ.
قلت: وفي رواية أبي علي الأسيوطي والمغاربة عن النسائي قال: حدَّثنا علي بن حجر:
حدثنا عيسى، هو: ابن يونس، عن النعمان، عن عاصم ... فذكره ولم ينسب النعمان،
وفي رواية ابن الأحمر(٢) - يعني: أبا حنيفة - أورد عقيب حديث الدراوردي، عن عمرو،
عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: ((مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطِ، فَاقْتُلُوا الفَاعِلَ
وَالمِفْعُولَ به ... ))(٣)، الحديث، وليس هذا الحديث في رواية حمزة بن السني، ولا ابن
حيوة عن النسائي، وقد تابع النعمان عليه عن عاصم سُفْيَان الثوريُّ.
ومناقب الإمام أبي حنيفة كثيرة جدًّا، فرضي الله تعالى عنه، وأسكنه الفردوس، آمين.
انتھی.
وقال الذهبي(٤) في ((التذكرة)): رأى أنسَ بن مالك مرَّة لما قَدِمَ عليهم الكوفة، ورواه
ابن سَعْد، عن سيف بن جابر، أنه سمع أبا حنيفة يقوله، وتفقه به: زفر بن الهذيل، وداود
الطائي، والقاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأسد بن عمرو، والحسن بن زياد
اللؤلؤي، ونوح الجامع، وأبو مطيع البلخي، وعدة، وكان قد تفقه بحَمَّاد بن أبي سليمان
وغيره، كان إمامًا ورعًا عالمًا عاملًا متعبدًا كبير الشأن، لا يقبل جوائز السلطان، بل يتَّجر
(١) النسائي في ((الكبرى)) (٧٣٤١) وقال: هذا غير صحيح، وعاصم بن عمر ضعيف في الحديث.
(٢) انظر ((تحفة الأشراف)) للمزي (٦١٧٦).
(٣) النسائي في ((الکبری)) (٧٣٤٠) من الدراوردي عن عمرو به.
(٤) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١٦٨/١).

١٧٧
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
ويتكسَّب، قال ضرار بن صُرَدَ: سئل يزيد بن هارون: أيُّما أفقه: الثوريُّ أو أبو حنيفة؟!
فقال: أبو حنيفة أفقه، وسفيان أحفظ للحديث، وقال يزيد: ما رأيت أحدًا أورعَ ولا أعقل
من أبي حنيفة، وروى أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز، عن يحيى بن معين، قال:
لا بأس به، لم يكن يتهم، ولقد ضربه يزيد بن عمر بن هبيرة على القضاء، فأبى أن يكون
قاضيًا. انتهى .
قال ابن خلدون(١): اعلم: أن الأئمة المجتهدين تفاوتوا في الإكثار من هذه الصناعة
والإقلال، فأبو حنيفة يقال: بلغَتْ روايته سبعة عشر حديثًا أو نحوها، ومالك إنما صح
عنده ما في كتاب ((الموطأ))، وغايتها: ثلاثمائة حديثٍ ونحوها، وأحمد بن حنبل في
((مُسنده)) خمسون ألف حديث، ولكلٍّ ما أداه اجتهاده في ذلك، وقد يَقُولُ بعض المبغضين
المتعسفين: إن منهم من كان قليل البضاعة في الحديث، فلهذا قلَّت روايته، ولا سبيل إلى
هذا المعتقد في كبار الأئمة؛ لأن الشريعة إنما تؤخذ من الكتاب والسنة، ومن كان قليل
البضاعة من الحديث، فيتعيَّن عليه طلبه وروايته والجد والتشمير في ذلك، ليأخذ الدين
عن أصول صحيحة، ويتلقى الأحكام عن صاحبها المبلِّغ لها، وإنما قلَّل منهم من قلَّل
الرواية؛ لأجل المطاعن التي تعترضه فيها، والعِلَلِ التي تعترض في طرقها سِيَّمَا والجرحُ
مقدَّم عند الأكثر، فيؤديه الاجتهاد إلى ترك الأخذ بما يَعْرِضُ مثلُ ذلك فيه من الأحاديث
وطرق الأسانيد، ويكثر ذلك فتقل روايته؛ لضعف الطرق، هذا مع أن أهل الحجاز أكثر
رواية للحديث من أهل العراق؛ لأن المدينة دار الهجرة ومأوى الصحابة، ومن انتقل منهم
إلى العراق كان شغلهم بالجهاد أكثر.
والإمام أبو حنيفة إنما قَلَّتْ روايته، لما شدَّد في شروط الرواية والتحمُّل وضعف
رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعلُ النفسيُّ، وقلَّت من أجلها روايته، فقلَّ حديثه،
لا أنه ترك رواية الحدیث متعمدًا، فحاشاه من ذلك.
ويدلُّ على أنه من كبار المجتهدين في علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم، والتعويل
عليه، واعتباره ردًا وقبولًا، وأما غيره من المحدِّثين، وهم الجمهور، فتوسَّعوا في
الشروط وكثر حديثهم، والكل عن اجتهاد، وقد توسع أصحابه من بعده في الشروط
(١) ابن خلدون في ((المقدمة)) (ص/ ٤٤٤). انظر ((الحطة)) للقنوجي (ص/ ٧٣).

١٧٨
مقدمة تحفة الأحوذي
وكثرتْ رواياتهم، وروى الطحاوي فأكثر، وكتب مسنده، وهو جليل القدر، إلا أنه
لا يعدل («الصحيحين))؛ لأن الشروط التي اعتمدها البخاري ومسلم في كتابيهما مجمَعٌ
عليها بين الأمة كما قالوه، وشروط الطحاوي غيرُ مُتَّفَقٍ عليها، كالرواية عن المستور
الحال وغيره؛ فلذا قُدِّمَ ((الصحيحان))، بل وكتب السنن المرفوعة عليه؛ لتأُّر شرطه عن
شروطهم، ومن أجل هذا قيل في ((الصحيحين)) بالإجماع على قبولهما من جهة الإجماع
على صحة ما فيهما من الشروط المتفق عليها، فلا تأخذْكَ ريبة في ذلك، فالقوم أحقُّ
الناس بالظن الجميل بهم، والتماس المخارج الصحيحة لهم، والله سبحانه وتعالى أعلم
بحقائق الأمور. انتهى كلام ابن خلدون
وقال الجَلَال السُّيوطيُّ: وقفْتُ على فتيا رفعت إلى الحافظ الولي العراقيِّ صورتها :
هل روى أبو حنيفة عن أحد من أصحاب النبي ◌َّ؟ وهل يعد في التابعين أم لا؟ فأجاب
بما نصه: الإمام أبو حنيفة لم تصح روايته عن أحد من أصحاب النبي وَلّ، وقد رأى
أنس بن مالك، فمن يكتفي في التابعي بمجرَّد رؤية الصحابة يجعله تابعيًّا. وَمَنْ لا يكتفي
بذلك لا يعده تابعيًّا، ورفع هذا السؤال إلى الحافظ ابن حجر العسقلاني، فأجاب بما
نصه: أدرك الإمام أبو حنيفة جماعة من الصحابة؛ لأنه ولد بالكوفة سنة ثمانين من
الهجرة، وبها يومئذ من الصحابة عبد الله بن أبي أوفى، فإنه مات بعد ذلك بالاتفاق،
وبالبصرة يومئذ أنس بن مالك، ومات سنة تسعين أو بعدها، وقد أورد ابن سعد بسند
لا بأس به: أن أبا حنيفة رأى أَنسًا، وكان غيرُ هذين من الصحابة أحياء في البلاد، وقد
جمع بعضهم جزءًا فيما ورد من رواية أبي حنيفة عن الصحابة، لكن لا يخلو إسناده من
ضعف، والمعتمد على إدراكه ما تقدَّم، وعلى رؤيته لبعض الصحابة ما أورده ابن سعد في
(الطبقات))، فهو بهذا الاعتبار من طبقة التابعين، ولم يثبت ذلك لأحد من أئمة الأمصار
المعاصرين له، كالأوزاعي بالشام، والحَمَّادَيْنِ بالبصرة، والثوري بالكوفة، ومالك
بالمدينة، ومسلم بن خالد الزنجي بمكة، والليث بن سعد بمصر. انتهى.
وقال السخاوي في (شرحه لألفية العراقي)): المعتمد أنه لا رواية له عن أحد من
الصحابة؛ لصغره في زمن إدراكه إياهم. انتهى. وقال ابن حجر المكي في ((شرح
المشكاة)): أخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان، وأدرك أربعة من الصحابة، بل ثمانية،

١٧٩
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
منهم: أنس، وعبد الله بن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وأبو الطفيل. انتهى. قيل: ولم يلق
أحدًا منهم. قلت: لكن مَن حفظ حجة على من لم يحفظ، والمثبت مقدَّم على النافي.
انتهى. وقال ابن خَلِّكان(١): أدرك أبو حنيفة أربعة من الصحابة - رضوان الله عليهم
أجمعين - وهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي
بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة، ولم يلق أحدًا منهم، ولا أخذ عنه، وأصحابه
يقولون: لقي جماعة من الصحابة، وروى عنهم، ولم يثبت ذلك عند أهل النقل. انتهى.
وقال النوويُّ في ((تهذيب الأسماء))(٢): قال الشيخ أبو إسحاق(٣) في ((الطبقات)): هو
النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه، مولى تيم الله بن ثعلبة، ولد سنة ثمانين من الهجرة،
وتوفي ببغداد سنة خمسين ومائة، وهو ابن سبعين سنة، أخذ الفقه عن حماد بن
أبي سليمان، وكان في زمنه أربعة من الصحابة: أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى،
وسهل بن سعد، وأبو الطفيل، ولم يأخذ عن أحد منهم. انتهى.
وقال الحافظ في ((التقريب))(٤): النعمان بن ثابت الكوفي أبو حنيفة الإمام، يقال:
أصله من فارس، ويقال: مولى بني تيم، فقيه مشهور من السادسة. انتهى.
وقال الحافظ (٥) في أول ((التقريب)): السادسة: طبقة عاصروا الخامسة، لكن لم يثبت
لهم لقاء أحد من الصحابة، کابن جريج. انتهى.
فظهر من كلام هؤلاء العلماء المحقّقين المعتبرين: أن الإمام أبا حنيفة لم يلق أحدًا
من الصحابة، ولا أخذ عن أحد منهم.
وللإمام مالك في الحديث كتاب مشهور بـ ((الموطأ))، قال السيوطي(٦): في ((تنوير
الحوالك)): قال القاضي أبو بكر بن العربي في ((شرح الترمذي)): ((الموطأ)) هو الأصل
الأول و((اللباب))، وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب، وعليهما بنى
(١) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (٤٠٦/٥).
(٢) النووي في ((تهذيب الأسماء)) (٥٠١/٢).
(٣) هو الشيرازي. انظر ترجمته في ((تهذيب الأسماء)) للنووي (٤٦٥/٢) (٧١٤).
(٤) ابن حجر في ((تقريب التهذيب)) (٧١٥٣).
(٥) المصدر السابق (ص/ ٧٥).
(٦) السيوطي في ((تنوير الحوالك)) (ص/ ٦).

١٨٠
مقدمة تحفة الأحوذي
الجميع؛ كمسلم والترمذيِّ، وذكر ابن الهباب أن مالكًا روى مائة ألف حديث، جمع منه
في ((الموطأ)) عشرة آلاف، ثم لم يَزَلْ يعرضها على الكِتَاب والسنة، ويختبرها بالآثار
والأخبار، حتى رجعت إلى خمسمائة، وقال الكِيًّا الهراسيُّ في تعليقه في الأصول: إن
((موطأ مالك)) كان اشتمل على تسعة آلاف حديث، ثم لم يزل ينتقي، حتى رجع إلى
سبعمائة .
وأخرج أبو الحسن بن فِهْر في ((فَضَائِلِ مالك)) عن عتيق بن يعقوب قال: وضع مالك
((الموطأ)) على نحو من عشرة آلاف حديث، فلم يزل ينظُرُ فيه في كل سنة، ويسقط منه،
حتى بقي هذا. وأخرج ابن عبد البَرِّ(١)، عن عمر بن عبد الواحد - صاحب الأوزاعي قال:
عرضنا على مالك ((الموطأ)) في أربعين يومًا، فقال: كتاب ألفته في أربعين سنة، أخذتموه
في أربعين يومًا! ما أقلَّ ما تفقهون فيه! وقال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الكناني
الأصفهاني: قلتُ لأبي حاتم الرازي: لم سمي ((موطأ مالك)) بـ ((الموطأ))؟ فقال: شيء قد
صنَّفه وَوَظَّأَهُ للناس، حتى قيل: ((موطأ مالك))، كما قيل: ((جامع سفيان)). وقال
أبو الحسن بن فِهْرٍ: أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن فراس، سمعت أبي يقول: سمعت علي بن
أحمد الخليجي يقول: سمعت بعض المشايخ يقول: قال مالك: عرضْتُ كتابي هذا على
سبعين فقيهًا من فقهاء المدينة، فكلهم واطأني، فسميته: ((المُوَطَّأ))، قال ابن فِهْر: لم
يسبق مالكًا أحدٌ على هذه التسمية، فإن من ألَّف في زمانه سمَّى بعضهم بـ ((الجامع))،
وبعضهم بـ ((المصنف))، وبعضهم بـ ((المؤلف))، و((الموطأ))؛ الممهَّد المنقَّح.
وأخرج ابن عبد البر(٢)، عن المفضَّل بن محمد بن حرب المدني، قال: أول من
عمل كتابًا بالمدينة على معنى ((الموطأ)) من ذكر ما اجتمع عليه أهل المدينة عبد العزيز بن
عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وعمل ذلك كلامًا بغير حديث، فأتَى به مالكًا، فنظر فيه
فقال: ما أحْسَنَ ما عمل هذا! ولو كنت أنا الذي عملْتُ، ابتدأت بالآثار، ثم شَدَدْتُ
ذلك بالكلام. ثم إنه عزم على تصنيف ((الموطأ)) فصنَّفه، فعمل من كان بالمدينة يومئذ من
العلماء الموطآت، فقيل لمالك: شغلْتَ نفسك بعمل هذا الكتاب، وقد شَرَكَكَ فيه
(١) ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٧٨/١)، و((الاستذكار)) (١٣/١). انظر ((الديباج المذهب)) لابن فرحون (ص/ ٢٥).
(٢) ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٨٦/١). انظر ((تاريخ ابن خلدون)) (٦٨٣/٧).