النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
وخمسين وثمانمائة، وسماه: ((فيض المعين))، وبرهان الدين إبراهيم بن أحمد الخجندي
الحنفي المدني، المتوفى سنة إحدى وخمسين وثمانمائة.
والشِّهَاب أحمد بن محمد بن أبي بكر الشيرازي الكازروني، شرحه ممزوجًا،
وسماه: ((الهَادِي للمسترشدين))، أوله: ((الحمد لله الذي صحَّح بصحاح حديث من
لا ينطق ... )) إلخ، والشيخ زين الدين سريجا بن محمد الملطي، المتوفى سنة ثمان
وثمانين وسبعمائة، وسماه: ((نثر فرائد المربعين المنوية في نشر فوائد الأربعين النووية))
أربعة أجزاء، والشيخ ولي الدين سماه: ((الجواهر البهية))، والحافظ مسعود بن منصور
الأمير بن سيف الدين عبد الله العلوي - أيضًا - شرحه ممزوجًا، وسماه: ((الكافي))، أوله:
((الحمد لله الذي نور بسبحَات أنواره .... )) إلخ، ومعين بن صفي شرحه بالقول شرحًا
صغيرًا أوله: ((الحمد لله والمنة، على أن أتم علينا النعمة ... )) إلخ، وشرح العلّامة
مصلح الدين محمد السعدي العبادي اللاري، المتوفى سنة تسع وسبعين وتسعمائة، وهو
أفضل ما دونوا في بيانها، والحق أنه بالنسبة إليه سائر الشروح كالأبدان الخالية عن
الأرواح، أوله: ((أحسنُ حديثٍ ينطق به الناطقون بالحَقِّ المبين ... )) إلخ، ألفه للوزير علي
باشا، وشرح الإمام الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي المكي، المتوفى سنة
أربع وسبعين وتسعمائة، وهو ممزوج، اسمه: ((فتح المبين))، أوله: ((الحمد لله الذي وفق
طائفة من علماء كل عصر ... )) إلخ، وشرح نور الدين محمد بن عبد الله الأيجي المسمى
بـ (سراج الطالبين ومنهاج العابدين)) وهو شرح فارسي في مجلّد، أوله: ((الحمد لله بجميع
محامده على جميع نعمه .... )) إلخ، وشرح ملا علي القاري المكي الهروي الحنفي،
المتوفى سنة أربع وأربعين وألف، شرحًا لطيفًا جامعًا أنواع الفوائد، وأظنه أنه فاق
الجميع، وشرح آخر ممزوج - أيضًا - أوله: ((الحمد لله رافع أعلام الملة الزهراء .... ))
إلخ، وتخريجه للإمام شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المتوفى سنة
اثنتين وخمسين وثمانمائة، خرَّجه بالأسانيد العالية، وممن شرحه الشيخ سراج الدين
عمر بن علي بن الملقِّن الشافعي سنة أربع وثمانمائة. انتهى.

١٢٢
مقدمة تحفة الأحوذي
الفَصْلُ الْعِشْرُونَ: في ذِكْرِ الْكُتُبِ السِّئَّة المُعْرُوفَةِ بالصِّحَاحِ السَّنَّةِ
وفيه وصلان: الأول: في ذكرها إجمالًا، والثاني: في ذكرها، وذكر اسم تراجِمٍ
مصنفيها تفصيلًا.
الوصل الأول: اعلم: أن أهل العلم قد دوَّنوا في الحديث - على اختلاف أغراضهم
ومقاصدهم - كتبًا كثيرة، بحيث لا يحصى عددها، لكن الكتب الستة المعروفة بالصحاح
الستة - أعني: ((صحيح البخاري))، و((صحيح مسلم))، و((سنن أبي داود))، و((جامع
الترمذي))، و((سنن النسائي))، و((سنن ابن ماجه)) - اشتهرتْ غاية الاشتهار، واختيرت
للقراءة والإقراء، والسماع والإسماع، وذلك لما فيها من الفوائد ما ليس في غيرها، قال
أبو جعفر بن الزبير: أول ما أرشد إليه: ما اتفق المسلمون على اعتماده، وذلك الكتب
الخمسة، و((الموطأ)» الذي تقدَّمها وضعًا ولم يتأخّر عنها رتبة، وقد اختلفت مقاصدهم
فيها، وللصحيحين فيها شفوف، وللبخاريِّ لمن أراد التفقُّه مقاصدُ جليلة، ولأبي داود في
حصر أحاديث الأحكام واستيعابها ما ليس لغيره، وللترمذيِّ في فنون الصناعة الحديثية ما
لم يشاركه غيره، وقد سَلَكَ النَّسائِيُّ أغمَضَ تلك المسالك وأجلَّها. انتهى.
قال الحافظ ابن حَجَر: وأول من أضاف ابن ماجه إلى الخمسة الفضل بن طاهر؛
حيث أدرجه معها في ((أطرافه))، وكذا في ((شروط الأئمة الستة))، ثم الحافظ عبد الغني في
كتاب: ((الإكمال في أسماء الرجال)) الذي هذَّبه الحافظ الْمِزِّيُّ(١)، وقدموه على
((الموطأ))؛ لكثرة زوائده على الخمسة، بخلاف ((الموطأ))، وهو كما قاله ابن الأثير: كتاب
مفيد قويُّ التبويب في الفقه، لكن فيه أحاديث ضعيفة جدًّا، بل منكرة، بل نقل عن
الحافظ المزي أن الغالب فيما انفرد به الضعف؛ ولذا لم يضفه غير واحد إلى الخمسة،
بل جعلوا السادس ((الموطأ))، منهم: رَزِينٌ والمجْدُ بن الأثير، وقال الحافظ: وينبغي أن
يجعل مسند الدارمي سادسًا للخمسة بدله، فإنه قليل الرجال الضعفاء، نادرُ الأحاديث
المنكرة والشاذَّة، وإن كان فيه أحاديثُ مرسلة وموقوفة، فهو مع ذلك أولى منه. انتهى.
(١) وسماه: ((تهذيب الكمال)) ثم هذبه الحافظ فسماه: ((تهذيب التهذيب))، ثم قرب الحافظ رأيه في كل راوٍ فيه في
كتاب مفيد سماه: ((تقريب التهذيب)).

١٢٣
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
وقال القاري في ((المرقاة شرح المشكاة)) (ج١ ص٢٣): إذا قالوا: الكتب الخمسة،
أو الأصول الخمسة فهي: ((البخاري))، ((ومسلم))، و((سنن أبي داود))، و((جامع الترمذي)»،
و«مجتبی النسائي)). انتھی.
الوصل الثاني: في ذكر الكتب الستة، وذكر تراجم مصنّفيها تفصيلاً.
أما ((صحيح البخاري))، و((صحيح مسلم)): فقال الإمام النوويُّ في مقدمة ((شرح
صحيح مسلم)) (١) اتفق العلماء - رحمهم الله تعالى - على أن أصحَّ الكتب بعد القرآن العزيز
((الصحيحان)): ((البخاري))، و((مسلم))، وتلقتهما الأُمَّة بالقبول، وكتاب البخاري أصحُّهما
صحيحًا، وأكثرهما فوائد، ومعارفَ ظاهرةً وغامضةً، وقد صح أن مسلمًا كان ممن يستفيد
من البخاريِّ، ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث، وهذا الذي ذكرناه من ترجيح
كتاب ((البخاري)) هو المذهب المختار الذي قاله الجماهير وأهل الإتقان والحِذقِ
والغَوْصِ على أسرار الحديث، وقال أبو علي الحسين بن علي النيسابوري الحافظ، شيخ
الحاكم أبي عبد الله بن الْبَيِّعِ: كتابُ ((مسلم)) أصحُّ، ووافقه بعض شيوخ المغرب،
والصحيح الأول. انتهى.
وقال الحافظ ابن الصَّلاح في ((علوم الحديث))(٢) أول من صنف في الصحيح:
البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجُعْفِيُّ مولاهم، وتلاه أبو الحسين مسلم بن
الحجاج النيسابوري القشيري من أنفسهم، ومسلم - مع أنه أخذ عن البخاري، واستفاد
منه - يشاركه في أكثر شيوخه، وكتاباهما أصحُّ الكتب بعد كتاب الله العزيز، وأما ما
رُوِّينَاهُ عن الشافعيِّ ◌َّه من أنه قال: ((ما أعلم في الأرض كتابًا في العلم أكثر صوابًا من
كتاب مالك))(٣)، ومنهم من رواه بغير هذا اللفظ، فإنما قال ذلك قبل وجود كتابي
((البخاريِّ)) و((مسلم))، ثم إن كتاب ((البخاري)) أصحُّ الكتابين صحيحًا، وأكثرهما فوائد،
وأما ما رويناهُ، عن أبي علي الحافظ النيسابوري أستاذ الحاكم أبي عبد الله الحافظ من أنه
(١) النووي في مقدمة شرحه لمسلم (١/ ١٤).
(٢) ابن الصلاح في ((المقدمة)) (ص/ ١٧).
(٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية)) (٩/ ٧٠)، وأبو الوليد الباجي في ((التعديل والتجريح)) (٦٩٧/٢)، وابن عبد البر
في «التمهيد)) (٧٦/١).

١٢٤
مقدمة تحفة الأحوذي
قال: ((مَا تَحْتَ أَدِيم السماء كتابٌ أصحُ من كتاب مسلم بن الحجاج))، وقَوْلُ من فَضَّل
من شيوخ المغرب كتابَ مسلم على كتاب البخاري: إن كان المرادُ به أن كتاب مسلم
يترجح بأنه لم يمازجه غير الصحيح، فإنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث الصحيح
مسرودًا غير ممزوج بمثل ما في كتاب البخاري في تراجم أبوابه من الأشياء التي لم
يسندها على الوصف المشروط في الصحيح فهذا لا بأس به، وليس يلزم منه أن كتاب
((مسلم) أرجح فيما يرجع إلى نفس الصحيح على كتاب ((البخاري)). وإن كان المراد به أن
كتاب مسلم أصحُّ صحيحًا، فهذا مردود على من يقوله، انتهى.
تنبيه: قال الشيخ أبو محمَّد عبد الله بن أبي جَمْرَةَ: قَالَ لي مَنْ لَقِيتُ من العارفين،
عمن لقيه من السادة المُقَرِّ لهم بالفضل: إنَّ ((صحيح البخاري)) ما قرئ في شدة إلا
فرجت، ولا ركب به في مركب إلا نجت. قال: وكان مُجَابَ الدعوة، وقد دعا لِقَارِيهِ (١).
وقال الحافظ عماد الدين بن كَثِيرٍ: وكتابُ البخاريِّ ((الصحيحُ)) يستسقَى بقراءته
الغمام، وأجمع على قبوله وصحة ما فيه أهل الإسلام(٢).
وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في ((أشعة اللمعات)): قرأ كثير من المشايخ والعلماء
والثقات ((صحيح البخاري)) لحصول المرادات، وكفاية المهمات، وقضاء الحاجات،
ودفع البليات، وكشف الكربات، وصحة الأمراض وشفاء المرضى، وعند المضائق
والشدائد، فحصل مرادهم، وفازوا بمقاصدهم، ووجدوه كالترياق مُجَرَّبًا، وقد بلغ هذا
المعنَى عند علماء الحديث مرتبة الشهرة والاستفاضة.
ونقل السيد جمال الدين المحدِّث عن أستاذه أصيل الدين أنه قال: قَرَأْتُ ((صحيح
البخاري)) نحو عشرين ومائة مرَّة في الوقائع والمهمات، لنفسي وللناس الآخرين، فبأي
نية قرأته حصل المقصود، وكفى المطلوب. انتهى مترجمًا بالعربية.
قلت: قد أجاز كثير من أهل العلم في هذا الزمان قراءة ((صحيح البخاري))، وختمه
لشفاء الأمراض، ودفع المصائب، وحصول المقاصد، فيجتمعون ويقرأ بعضهم الجزء
الأول منه مثلًا، وبعضهم الجزء الثاني، وبعضهم الجزء الثالث ... وهكذا، فيختمونه
(١) انظر ((اليواقيت والدرر)) للمناوي، و((تدريب الراوي)) للسيوطي، و((الحطة)) للقنوجي.
(٢) ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (٢٤/١١)، وأورده القنوجي في ((الحطة)) (١٧٩/١).

١٢٥
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
باجتماعهم، ثم يدعون الله تعالى لشفاء مرضاهم، أو لدفع مصائبهم، أو لحصول
مقاصدهم، واستدلوا على ذلك بأن قراءته بتمامه رقيةٌ لشفاء المرضى، ودفع المصائب،
وحصول المقاصد، والرقية بما ليس فيه شرك ولا كلمة لا يفهم معناها جائزةٌ بالاتفاق.
فإن قيل: كيف علموا أن قراءته بتمامه رُقية، ولم يثبت كونه رقيةً لا بالكتاب
ولا بالسنة ولا بالإجماع؟
يقال: كون شيء من الآيات القرآنية أو ذكر أو دعاء من الأذكار والأدعية المأثورة
رقيةً لشيء من الأمراض، وجواز الاسترقاء به لا يتوقَّف على ثبوت كونه رقية من الكتاب
والسنة، فقد روى البخاري(١) في ((صحيحه)) عن أبي سعيد قال: ((انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابٍ
النَّبِّ وَّهِ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ، فَأْبَوا أَنْ
يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذلِكَ الْحَيِّ، فَسَعَوا بِكُلِّ شَيءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ . .. )) الحديث، وفيه:
((فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّها رُقْيَةٌ؟))، قال الحافظ في الفتح(٢): وزاد سليمان بن قتة في روايته -
بعد قوله: ((وما يُدْرِيكَ أنها رقية؟)) قُلْتُ: ((أُلْقِيَ فِي رُوعِي))، والدارقطني(٣) من هذا
الوجه: ((فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ شَيْءٌ أُلْقِيَ فِي رُوِعي)) وهو ظاهر في أنه لم يكن عنده علم
متقدِّم بمشروعية الرقى بالفاتحة، ولهذا قال له أصحابه لَمَّا رَجَعَ: (([أ] (٤) كُنْتَ تُحْسِنُ
رُقیةً»(٥)، كما وقع في رواية معبد بن سیرین. انتهى.
أما الإمام البخاري: فهو: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفِيُّ، أبو
عبد الله البخاريُّ، جَبَلُ الحِفِظِ، وإمام الدنيا في ثقة الحديث، من الحادية عشرة. قاله
الحافظ في ((التقريب))(٦)، وقال في ((تهذيب التهذيب))(٧) روى عن عُبَيْد الله بن موسى،
ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وعفان، وأبي عاصم النبيل، ومكي بن إبراهيم، وأبي
(١) البخاري، كتاب الإجارة، حديث (٢٢٧٦).
(٢) ابن حجر في ((فتح الباري)) (٤/ ٤٥٧).
(٣) الدارقطني في ((السنن)) (٦٤/٣) (٢٤٦).
(٤) في الأصل: ما، والتصويب من المصدر السابق.
(٥) البخاري، كتاب فضائل القرآن، حديث (٥٠٠٧).
(٦) ابن حجر في ((تقريب التهذيب)) (٥٧٢٧).
(٧) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٤١/٩) (٥٣).

١٢٦
مقدمة تحفة الأحوذي
المغيرة، وأبي مسهر، وأحمد بن خالد الوهبي، وخلق كثير سواهم، ممن سمع من
التابعين، فمن بعدهم، إلى أن كتب عن أقرانه وعن تلامذته، روى عنه الترمذي في
((الجامع)) كثيرًا، ومسلمٌ في غير ((الجامع))، وروى النسائي في الصيام عن محمد بن
إسماعيل، عن حفص بن عمر بن الحارث، عن حَمَّادٍ حديثًا، هكذا وقع غير منسوب في
عامة الروايات عنه، وفي أصل الصوري الذي كتبه عن ابن النَّخَّاس، عن حمزة، عن
النسائي: ((حَدَّثنا محمد بن إسماعيل، وهو أبو بكر الطبراني))، ووقع في رواية ابن السُّنِّيِّ
وحده عن النسائي: ((حدَّثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ))، وقد روى النسائي الكثير عن
محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم، وهو: ابن عُلَيَّةَ، وهو يشارك البخاريَّ في كثير من
شيوخه، وروى في كتاب ((الكنى)) عن عبد الله بن أحمد بن عبد السلام الخفاف، عن
البخاري عدَّةً أحاديث، فهذه قرينة ظاهرة في أنه لم يلق البخاري، وروى عن البخاري -
أيضًا - أبو زُرْعَةَ، وأبو حاتم، وإبراهيم الْحَرْبِي، وابن أبي الدنيا، وخلْقٌ كثير، قال
بكير بن نمير: سَمِعْتُ الحسن بن الحسين البَزَّار ببخارَى يقول: رَأَيْتُ محمد بن إسماعيل
شيخًا نحيفَ الجسم، ليس بالطويل ولا بالقصير، ولد في شوال سنة ١٩٤، وتوفي يوم
السبت لغرة شوال سنة ٢٥٦ عاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يومًا. انتهى.
وقال الذّهَبِيُّ في ((تذكرة الحفاظ))(١) وأول سماعه للحديث سَنَةً خمس ومائتين،
وحفظ تصانيف ابن المبارك وهو صبي، ونشأ يتيمًا، ورحل مع أمه وأخيه سنة عشرة
ومائتين بعد أن سمع مرويَّات بلده من محمد بن سَلَّام، والمسنديِّ، ومحمد بن يوسف
البيگنْدِيِّ، وسمع ببلخ من مكي بن إبراهيم، وببغداد من عفان، وبمكة من المقري،
وبالبصرة من أبي عاصم الأنصاري، وبالكوفة من عبيد الله بن موسى، وبالشام من أبي
المغيرة، والفريابي، وبعسقلان من آدم، وبحمص من أبي اليمان، وبدمشق من أبي
مسهر، شدا وصنَّف وحدَّث وما في وجهه شَعْرَة، وكان رأسًا في الذكاء، رأسًا في العلم،
رأسًا في الورع والعبادة، حدث عنه الترمذي، ومحمد بن نصر المروزي الفقيه، وصالح بن
محمد جَزَرَةُ(٢)، ومُطَيَّنٌ، وابن خُزَيْمَةَ، وأبو قريش محمد بن جمعة، وابن صاعد، وابن
(١) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٥٥٥/٢).
(٢) جَزَرَة؛ كذا قيده ابن ماكولا في ((الإكمال)) (٤٦١/٢).

١٢٧
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث و کتبه وأهله عموماً
أبي داود، وأبو عبد الله الفربري، وأبو حامد بن الشرقي، ومنصور بن محمد البزدوي،
وأبو عبد الله المحاملي، وخلق كثير، وكان شيخًا نحيفًا، ليس بطويل ولا قصير، إلى
السمرة، كان يقول: لما طعنت في ثمان عشرة سنة، جعلت أصنف قضايا الصحابة
والتابعين، وأقاويلهم في أيام عبيد الله بن موسى، وحينئذ صنفت التاريخ عند قبر النبيِّ
﴿ ﴿ في الليالي المُقْمِرَةِ. وعن البخاريِّ قال: كتبتُ عن أكثر من ألف رجل.
ومن مناقبه: قال وَرّاقه: محمَّد بن أبي حاتم: سمعت حاشد بن إسماعيل وآخر
يقولان: كان البخاري يختلف معنا إلى السماع، وهو غلام فلا يكتب، حتّى أتى على
ذلك أيامًا، فكنا نقول له، فقال: إنكما قد أكثرتما عليَّ، فاعرضا عليَّ ما كتبتما،
فأخرجنا إليه ما كان عندنا، فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها عن ظهر
قلب، حتى جعلنا نُحْكِمُ كتبنا من حفظه، ثم قال: أترون أني أختلِفُ هَدَرًا وأضيِّع
أيامي؟! فعرفنا أنه لا يتقدَّمه أحد(١)، وقال محمد بن [حمدويه](٢): سمعت البخاريَّ
يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائَتَيْ ألف حديث غير صحيح(٣)، قال
الذهبي(٤): قد أفردت مناقب هذا الإمام في جزء ضخم، فيها العَجَبُ.
وقال القاضي ابن خَلِّكَانَ(٥): رحل في طلب الحديث إلى أكثر مُحَدِّثِي الأمصار،
وكتب بخراسان والجبال ومدن العراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد، واجتمع إليه
أهلها واعترفوا بفضله، وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية.
وحكى أبو عبد الله الحُمَيْدِيُّ في كتاب ((جَذْوَةِ المُقْتَبِس))(٦)، والخطيب في ((تاريخ
بغداد)»(٧) أن البخاري لما قَدِمَ بغداد سمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى
(١) أخرجه ابن عساكر في ((تاريخه)) (٦١/٥٢).
(٢) في الأصل: حميرويه، والتصويب من كامل ابن عدي (١٣١/١)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (٦٤/٥٢)،
والخطيب البغدادي في ((الاحتجاج بالشافعي)) (ص/ ٣٦).
(٣) المصدر السابق.
(٤) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٥٥٥/٢).
(٥) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (١٨٩/٤).
(٦) الحميدي في ((جذوة المقتبس)) (ص/ ٥٠).
(٧) الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (٢٠/٢).

١٢٨
مقدمة تحفة الأحوذي
مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا
المتن لمتن آخر، ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عَشَرَةَ أحاديث، وأمروهم إذا
حضروا المَجلِسَ أن يلقوا ذلك على البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر
المجلسَ جماعةٌ من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها من
البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله، انتدب إليه واحدٌ من العشرة، فسأله عن حديث
من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فما زال
يلقي عليه واحدًا بعد واحد حتى فرغ من عشرته والبخاري يقول لا أعرفه، فكان الفقهاء
ممن حضر المجلس يلتفتُ بعضُهم إلى بعض، ويقولون: الرجل فَهِمَ، ومن كان منهم ضدَّ
ذلك، يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلّة الفهم، ثم انتدب رجُلٌ آخر من العشرة،
فسأله عن حديثٍ من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن
الآخر، فقال: لا أعرفه، فلم يزل يلقي عليه واحدًا بعد واحدٍ، حتى فرغ من عشرته،
والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم انتدب الثالث والرابع إلى تمام العشرة، حتى فرغوا كلهم
من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدُهُمْ على قوله: لا أعرفه، فلما علم البخاري
أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني
فهو كذا، والثالث والرابع على الولاء، حتى أتى على تمام العشرة، فَرَدَّ كُلَّ متنٍ إلى
إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل مع الآخرين كذلك، ورَدَّ متونَ الأحاديث كلَّها إلى
أسانيدها، وأسانيدها إلى متونها، فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل. انتهى.
قلت: ذكر الحافظ هذه الحكاية بسنده في مقدِّمة ((الفتح)) (١) ثم قال: هنا يُخْضَعُ
للبخاري، فما العجب من رده الخطأ إلى الصواب، فإنه كان حافظًا، بل العجب من
حفظه للخطأ على ترتيب ما أَلْقَوْهُ عليه من مرة واحدة، وروينا عن أبي بكر الكلوذاني
قال: ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل، كان يأخذ الكتاب من العلم فيطلع عليه اطّلاعَةً،
فيحفظ عامَّة طرق الأحاديث، وقد سبق ما حكاه حاشد بن إسماعيل في أيام طلبهم
بالبصرة معه، وكونُهُ كان يحفظ ما سمع ولا يكتب، وقال أبو الأزهر: كان بسمرقند
أربعمائة محدِّث، فَتَجَمَّعُوا وأحبوا أن يغالطوا محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسناد الشام
(١) ابن حجر في ((فتح الباري)) (٤٨٦/١).

١٢٩
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
في إسناد العراق، وإسناد العراق في إسناد الشام، وإسناد الحرم في إسناد اليمن، فما
استطاعوا مع ذلك أن يتعلَّقوا عليه بِسَقْطة.
وقال غنجار في ((تاريخه)): سمعت أبا القاسم منصور بن إسحاق بن إبراهيم الأَسَدِيَّ
يقول: سمعتُ أبا محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم يقول: سمعت يوسف بن موسى
المروزي يقول: كنت بالبصرة في جامعها، إذ سمعت مناديًا: يَا أَهْلَ الْعِلْمِ، لَقَدْ قَدِمَ
محمد بن إسماعيل البخاري، فقاموا إليه وكنت معهم، فرأينا رجلًا شابًا ليس في لحيته
بياض، فصلى خلف الأسطوانة، فلما فرغ أحدقوا به، وسألوه أن يعقِد لهم مجلسًا
للإملاء، فأجابهم إلى ذلك، فقام المنادي ثانيًا في جامع البصرة فقال: يَا أهْلَ العلم، لقد
قدم محمد بن إسماعيل البخاريُّ، فسألناه أن يعقد مجلس الإملاء، فأجاب أن يجلس غدًا
في موضع كذا، فلما كان الْغَدُ حضر المحدِّثون والحقَّاظ والفقهاء والنَّظّارة، حتى اجتمع
قريبٌ من كذا كذا ألف نَفْسٍ، فجلس أبو عبد الله للإملاء، فقال قبل أن يأخذ في
الإملاء: يَا أَهْلِ البصرة، أنا شابٌ، وقد سألتموني أن أحدِّئكم، وسأحدثكم بأحاديثَ عن
أهل بلدكم تستفيدونها - يعني: ليست عندكم - قال: فَتَعَجَّب الناس من قوله، فأخذ في
الإملاء فقال: حدَّثنا عبد الله بن عثمان بن جَبَلَةَ بن أبي رواد العَتَّكِيُّ بَبَلَدِكُمْ، قال: حَدَّثنا
أبي، عن شعبة، عن منصور وغيره، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس بن مالك: أَنَّ
أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِّ وَهِفَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: ((الرَّجُلُ يُحِبُّ الْقَوْمَ ... ))(١) الحديثَ، ثم
قال: ((هذا ليس عندكم عن منصور، إنما هو عندكم عن غير منصور، قال يوسف بن
موسى: فأملى عليهم مجلسًا من هذا النسق، يقول في كل حديث: روى فلانٌ هذا
الحديث عندكم كذا، فأما من رواية فلان - يعني: التي يسوقها - فليست عندكم. انتهى.
وقال القاضي بن خَلِّكَانَ(٢): وكانت ولادته يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة
خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وقال أبو يعلى الخليلي في ((كتاب الإرشاد))(٣).
إن ولادته كانت لاثنتي عشرة خَلَتْ من الشهر المذكور، وتوفي ليلة السبت بعد صلاة
(١) أخرجه البخاري في (صحيحه)) من حديث ابن مسعود (٦١٦٩)، وأبي موسى الأشعري (٦١٧٠).
(٢) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (٤/ ١٩٠).
(٣) الخليلي في ((الإرشاد)) (٩٥٩/٣).

١٣٠
مقدمة تحفة الأحوذي
العشاء، وكانت ليلة عيد الفطر، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر، سنة ست وخمسين
ومائتين بـ ((خَرْتَنْكَ)) - رحمه الله تعالى -.
وكان خالد بن أحمد بن خالد الذَّهلي أمير خراسان قد أخرجه من بُخَارَى إلى
خَرْتَنْك، ثم حج خالد المذكور، فوصل إلى بغداد، فحبسه الموفق بن المتوكل أخو
المعتمد الخليفة، فمات في حبسه.
وقد اختلف في اسم جدِّه، فقيل: إنه ((يَزْذِبَهْ))، بفتح الياء المثناة من تحتها، وسكون
الزاي، وكسر الذال المعجمة، وبعدها باء موحدة، ثم هاء ساكنة، وقال أبو نصر بن
ماكولا(١)، في كتاب ((الإكمال)): وهو ((برْدِزْبه))، [براء ودال](٢) وزاي وباء معجمة
بواحدة، وقال غيره: كان هذا الجد مجوسيًا مات على دينه، وأول من أسلم منهم
المغيرة، ووجدته في موضع آخر عوض ((يزذبه)) ((الأحنف))، ولعل ((يزذبه)) كان أحنف
الرِّجْل، البُخَاريُّ، بضم الباء الموحّدة، وفتح الخاء المعجمة، وبعد الألف راء، هذه
النسبة إلى بُخَارَى، وهي أعظم مدن ما وراء النهر(٣)، بينها وبين سَمَرْقَنْدَ مسافة ثمانية
أيام، وَخَرْتَنْكُ بفتح الخاء المعجمة، وسكون الراء، وفتح التاء المثناة من فوقها، وسكون
النون، وبعدما كاف، وهي قرية من قرى سمرقند، ونسبة البخاري إلى سعيد بن جعفر
الجعْفِيّ والي خراسان، وكان له علیهم الولاء، فنسبوا إليه. انتهى.
وأما الإمام مُسْلِمٌ: فهو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري،
صاحب ((الصحيح))، أحد الأئمة الحفاظ وأعلام المحدِّثين، رحل إلى الحجاز والعراق
والشام ومصر، وسمع يحيى بن يحيى النيسابوريّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن
راهويه، وعبد الله بن مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيَّ وغيرهم، وقدم بغداد غير مرة، فروى عنه أهلُها،
وآخر قدومه إليها في سنة تسع وخمسين ومائتين، وروى عنه الترمذي، وكان من الثقات،
وقال محمد المَاسَرْ جِسِيُّ: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: صنفت هذا المسند الصحيح
من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة(٤)، وقال الحافظ أبو علي النيسابوري: ما تحت أديم
(١) ابن ماكولا في ((الإكمال)) (٢٥٩/١).
(٢) في الأصل: بدال؛ والتصويب من إكمال ابن ماكولا (٢٥٩/١).
(٣) انظر ((تاريخ بخارى) لأبي بكر محمد بن جعفر النرشخي المتوفى سنة (٣٤٨هـ).
(٤) أخرجه الخطيب البغدادي في ((تاريخه)) (١٠١/١٣)، وابن عساكر في ((تاريخه)) أيضًا (٩٢/٥٨)، وابن نقطة في
((التقیید» (ص٤٤٧).

١٣١
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
السماء أصحُّ من كتاب مسلم في علم الحديث(١) وقال الخطيب البغدادي(٢): كان مسلم
يناضل عن البخاري، حتى أوحش ما بينه وبين محمد بن يحيى الذهلي بسببه. وقال أبو
عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ: لما استوطن البخاريُّ نيسابور، أكثر مسلم من
الاختلاف إليه، فلما وقع بين محمد بن يحيى والبخاري ما وقع في مسألة اللفظ، ونَادَى
عليه، ومنع الناس من الاختلاف إليه، حتى هُجِرَ، وخرج من نيسابور في تلك المحنة،
قطعه أكثر الناس غير مسلم، فإنه لم يتخلَّف عن زيارته، فَأَنْهِي إلى محمد بن يحيى أن
مسلم بن الحجاج على مذهبه قديمًا وحديثًا، وأنه عوتب على ذلك بالحجاز والعراق،
ولم يرجع عنه، فلما كان يوم مجلس محمد بن يحيى قال في آخر مجلسه: ألا من قال
باللفظ، فلا يَحِلُّ لَهُ أن يحضر مجلسنا، فأخذ مسلم الرداء فوق عمامته، وقام على رؤوس
الناس، وخرج من مجلسه، وجمع كُلَّ ما كتب منه، وبعث به على ظهر حمال إلى باب
محمد بن يحيى، فاستحكمت بذلك الوحشة، وتخلف عنه وعن زيارته. قاله القاضي ابن
خَلِّكَانَ(٣).
وقال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (٤) رَوَى عن القَعْنَبِيِّ، وأحمد بن يونس،
وإسماعيل بن أبي أويس، وداود بن عمرو الضبي، ويحيى بن يحيى النيسابوري،
والهيثم بن خارجة، وسعيد بن منصور، وشيبان بن فروخ، وخلقٍ كثير، وَرَوَى عنه
الترمذيُّ حديثًا واحدًا عن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية، عن محمد بن عمرو، عن
أبي سلمة، وعن أبي هريرة حديثَ: (أَحْصُوا هِلالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ»(٥)، ما له في ((جامع
الترمذي)) غيره، وأبو الفضل أحمد بن سلمة، وإبراهيم بن أبي طالب، وأبو عمرو
الخفاف، وحسين بن محمد القباني، وأبو عمرو المستملي، وصالح بن محمد الحافظ،
وآخرون.
قال أبو عمرو المسْتَمْلِي: أملى علينا إسحاق بن منصور، سنة إحدى وخمسين،
(١) الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (١٠١/١٣).
(٢) المصدر السابق (١٠٣/١٣) ..
(٣) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (١٩٥/٥).
(٤) ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (١١٣/١٠).
(٥) الترمذي، كتاب الصوم، حديث (٦٨٧).

١٣٢
مقدمة تحفة الأحوذي
ومسلمٌ ينتحبُ عليه، وأنا أستملي، فنظر إسحاق بن منصور إلى مسلم، فقال: لن نعدم
الخَيْرَ ما أبقاك الله للمسلمين، وقال الحاكم: سمعتُ أبا الفضل محمد بن إبراهيم،
سمعت أحمد بن سلمة يقول: عُقِدَ لمسلم مجلسُ المذاكرة، فذكر له حدیثٌ فلم يعرفه،
فانصرف إلى منزله، وقدِّمت له سلة فيها تمر، فكان يطلب الحديث، ويأخذه تمرة تمرة،
فأصبح وقد فني التمر، ووجد الحديث.
زاد غيره: فكان ذلك سبب موته، وقال: حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم مفرطً لم
يحصل لأحد مثله، بحيث إن بعض الناس كان يفضِّله على صحيح محمد بن إسماعيل،
وذلك لما اختص به من جمع الطرق، وجودة السياق، والمحافظة على أداء الألفاظ كما
هي، من غير تقطيع ولا رواية بمعنى، وقد نسج على منواله خَلْقٌ من النيسابوريين، فلم
يبلغوا شأوه، وحفظتُ منهم أكثر من عشرين إمامًا ممن صنَّف المستخرج على مسلم،
فسبحان المعطِي الوهّاب.
وله من التصنيف - غير ((الجامع)) - ((كتاب الانتفاع بجلود السباع))، و((الطبقات))
مختصر، و((الكنى)) كذلك، و((مسند حديث مالك))، وذكره الحاكم في ((المستدرك)) في
كتاب الجنائز استطرادًا، وقيل: إنه صنف مسندًا كبيرًا على الصحابة لم ينته، قال
الحاكم: كان تامَّ القامة، أبيض الرأس واللحية، يرخي طرف عمامته بين كتفيه، قال فيه .
شيخه محمد بن عبد الوهّاب الفراء: كان مسلم من علماء الناس، وأوعية العلم، ما علمته
إلا خَيِّرًا، وكان بَزَّازًا، وكان أبوه الحجاج من المشيخة، وقال ابن الأخرم: إِنما خَرَّجَتْ
مدينتنا هذه من رجال الحديث ثَلاثةً: محمد بن يحيى، وإبراهيمَ بْنَ أَبِي طالب، ومسلمًا.
وقال ابن عُقْدَةَ: قَلَّما يقع الغلط لمسلم في الرجال؛ لأنه كتب الحديث على وجهه، وقال
أبو بكر الجارودي: حدّثنا مسلم بن الحجاج، وكان من أوعية العلم، وقال مسلمة بن
قاسم: ثقة جليل القدر من الأئمة، وقال ابن أبي حاتم: كتبت عنه، وكان ثقة من
الحفاظ، له معرفة بالحديث، وسئل أبي عنه فقال: صدوق، وقال بندار: الحفاظ أربعة:
أبو زُرْعة، ومحمد بن إسماعيل، والدَّارميُّ، ومسلم. انتهى.
وقال ابن خَلِّكَانَ(١): وتوفي مسلِمٌ عشية يوم الأحد، ودفن بنصر آباد ظاهر نيسابور،
(١) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (١٩٥/٥).

١٣٣
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
يوم الإثنين، لخمس - وقيل لست - بقين من شهر رجب الفَرْدِ سنة إحدى وستين ومائتين
بنيسابور، وعمره خمس وخمسون سنة، هكذا وجدته في بعض الكتب، ولم أرَ أَحدًا من
الحفاظ ضبط مولده، ولا تقدیر عمره، وأجمعوا على أنه ولد بعد المائتين، وكان شيخنا
تقي الدين أبو عمرو عثمان المعروف بابن الصلاح يذكر مولده، وغالب ظني أنه قال: سنة
اثنتين ومائتين، ثم كشفت ما قاله ابن الصلاح، فإذا هو في سنة ست ومائتين، نقل ذلك
من كتاب ((علماء الأمصار)) تصنيف الحاكم أبي عبد الله بن البيع النيسابوري الحافظ،
ووقفت على الكتاب الذي نقل منه، وملكت النسخة التي نقل منها أيضًا، وكانت ملكه،
وبيعت في تركته، ووصلت إِلَيَّ وملكتها، وصورة ما قاله بأن مسلم بن الحجاج توفي
بنيسابور لخمس بَقِيْنَ من شهر رجب الفَرْدِ سنة إحدى وستين ومائتين، وهو ابن خمس
وخمسين، فتكون ولا دته في سنة ست ومائتين. انتهى.
وأما ((جامع الترمذي))، فسيأتي ذكره مع ترجمة الإمام الترمذي في الباب الثاني.
وأما ((سنن أبي داود)) فقال هو (١): كتبتُ عن رسول الله وَ ﴾ خمسمائة ألف حديث،
انتخبت ما ضمنته، وجمعت في كتابي هذا أربعةَ آلاف حديث وثمانمائة حديث من
الصحيح، وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسانَ لِدِينِهِ من ذلك أربعةُ أحاديث:
أحدها: ((إنما الأعمال بالنيات))(٢).
والثاني: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))(٣).
والثالث: ((لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه))(٤).
الرابع: ((الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك مشتبهات ... ))(٥) الحديث.
كذا في ((مفاتيح الدجَى وشرح مصابيح الهدى)).
(١) كما نقله الخطيب البغدادي بإسناده في ((تاريخ بغداد)) (٩/ ٥٧).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، حديث (١)، وأبو داود، كتاب الطلاق، حديث (٢٢٠١).
(٣) مالك، حديث (١٦٧٢)، وأحمد (١٧٣٩)، وهو حديث صحيح.
(٤) لم أجده بهذا اللفظ ولعله أشار إلى الحديث الصحيح ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)).
المخرج في صحيح البخاري، كتاب الإيمان، حديث (١٣)، ومسلم، كتاب الإيمان، حديث (٤٥).
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، حديث (٥٢)، ومسلم، كتاب المساقاة، حديث (١٥٩٩)، وأبو داود، كتاب
البیوع، حدیث (٣٣٢٩).

١٣٤
مقدمة تحفة الأحوذي
قال الشاه عبد العزيز الدهلوي: ومعنى الكفاية: أنه بعد معرفة القواعد الكلية للشريعة
ومشهوراتها لا تبقى حاجة إلى مجتهد ومرشد في جزئيات الوقائع؛ لأن الحديث الأوَّل
يكفي لتصحيح العبادات. والثاني لمحافظة أوقات العمر العزيز. والثالث لمراعاة حقوق
الجيران والأقارب وأهل التعارف والمعاملة. والرابع لدفع الشك والتردُّد الذي يحصل
باختلاف العلماء أو اختلاف الأدلَّة.
فهذه الأحاديث الأربعة عند الرجل العاقل كالشيخ والأستاذ. انتهى.
قال ابن السبكي في ((طبقاته))(١) وهي من دواوين الإسلام، والفقهاءُ لا يتحاشَوْنَ من
إطلاق لفظ الصحيح عليها وعلى ((سنن الترمذي)). انتهى. وروى الحافظ أبو طاهر السلَفِيُّ
بسنده إلى حسن بن محمد بن إبراهيم، أنه قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ فِي المنَامِ يَقُولُ:
((مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَمْسِكَ بِالسُّنَنِ فَلْيَقْرَأُ سنن أبي داود)»(٢)، وروي عن يحيى بن زكريا بن
يحيى الساجي، أنه قال: أصل الإسلام كتاب الله سبحانه وتعالى، وعماده ((سنن
أبي داود)) (٣)، وقال ابن الأعرابي: إن حصل لأحد عِلْمُ كتاب الله و ((سنن أبي داود)) يكفيه
ذلك في مقدِّمات الدين، ولهذا مَثَّلوا في كتب الأصول لبضاعة الاجتهاد في علم الحديث
بسنن أبي داود، وهو لَمَّا جمع كتاب ((السنن)) - قديمًا - عرَضَه على الإمام أحمد بن
حنبل، فاستجاده واستحسنه (٤).
وقال الحافظ أبو بكر الخطيبُ(٥): كتاب ((السنن لأبي داود)) كتابٌ شريفٌ، لم يصنَّف
في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من كافة الناس، وطبقات الفقهاء، على
اختلاف مذاهبهم، وعليه معول أهل العراق ومصر وبلاد المغرب وكثير من أقطار
الأرض، فكان تصنيفُ علماءِ الحديث قبل أبي داود الجوامِعَ والمسانيدَ ونحوَها، فتجمع
(١) ابن السبكي في ((صفات الشافعية)) (١٨٨/٥).
(٢) النووي في (تهذيب الأسماء واللغات)) (٥١١/٢)، والقنوجي في ((الحطة)) (ص/ ٢١٢).
(٣) الذهبي في ((تاريخ الإسلام)) (٢٠/ ٣٦٠)، والقنوجي في ((الحطة)) (ص/ ٢١٢).
(٤) القنوجي في (الحطة)) (ص/ ٢١٢).
(٥) هذا وهم من الشرح بع حبه القنوجي في النقل؛ والصواب أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي البستي، وكلامه
هذا في مقدمة كتابه (معا ء السنن)) (٦/١-٧) مختصرًا. ومنه نقله النووي في ((تهذيب الأسماء)) (٥١٠/٢)،
وطاهر الجزائر ى فى ((توجيه النظر)) (٣٧١/١).

١٣٥
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارًا وقصصًا ومواعظَ وآدَابًا فأما السنن
المحضة، فلم يقصد أحدٌ جمعها واستيفاءها على حسب ما اتفق لأبي داود، لذلك حَلَّ
هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر مَحَلَّ العجب، فضربت فيه أكباد الإبل،
ودامت إليه الرحل.
قال ابن الأعرابيّ: لو أن رجلًا لم يكن عنده من العلم إلا المصحَفُ، ثم كتابُ
أبي داود، لم يحتَجْ معهما إلى شيء من العلم، قال الخَطَّابي(١): وهذا كما قال لا شك
فيه، فقد جمع في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما
لم يعلم متقدِّمًا سبقه إليه ولا متأخِّرًا لحقه فيه. [انتهى].
قال النوويُّ في القطعة التي كتبها من ((شرح سنن أبي داود)): ينبغي للمتشاغل بالفقه
وغيره الاعتبارُ بـ ((سنن أبي داود)) بمعرفته التَّامَّة، فإن معظم أحاديث الأحكام التي يحتجُّ
بها فيه، مع سهولة تناوله وتلخيصٍ أحاديثِهِ وبراعَةِ مصنِّفه واعتنائِهِ بتهذيبه.
وقال إبراهيم الحَرْبِيُّ: لما صنَّف أبو داود كتاب السنن أُلِينَ لأبي داود الحَدِيثُ، كما
أُلِينَ لداود الحديد(٢). وحكى أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن مَنْدَه الحافظ أن شرط
أبي داود والنسائي أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صحَّ الحديث باتصال السند من
غير قطع ولا إرسال. وقال الخطّابي: كتاب أبي داود جامعٌ لنوعَي الصحيح والحَسَن،
وأما السقيم فعلى طبقاتٍ، شَرُّها الموضوع، ثم المقلوب، ثم المجهول، وكتاب أبي داود
خلا منها، برئ من جملة وجهها، ويحكى عنه أنه قال: ما ذكرْتُ في كتابي حديثًا أجمَعَ
الناسُ علی تر که.
وقال الحافظ أبو جعفر بن الزبير في ((برنامجه)): رَوَى هذا الكتاب عن أبي داود -
ممن اتصلَتْ أسانيدنا به - أربعةُ رجال:
أبو بكر بن محمد بن بكر بن عبد الرَّزَّاق التَّمَّار البصريُّ المعروف بـ ((ابن دَاسَة)) بفتح
السين وتخفيفها، نص عليه القاضي أبو محمد بن حوطة الله، وألفيته في أصل القاضي
-
-
(١) في ((معالم السنن)) (٨/١).
(٢) أخرجه الخطابي في ((معالم السنن)) (٧/١)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٩٦/٢٢)، وابن نقطة في
«التقیید» (ص/ ٢٨٢).

١٣٦
مقدمة تحفة الأحوذي
أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي المالكي، من كتاب ((الغنية)) مشدَّدًا، وكذا وجدته
في بعض ما قيدته عن شيخنا أبي الحسن الغافقي شكلًا من غير تنصيص.
وأبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشر المعروف بـ ((ابن الأعرابي)).
وأبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي البصري.
وأبو عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرَّملي، ورَّاق أبي داود، ولم يتشعَّب طرقه
كما اتفق في ((الصحيحين))، إلا أن رواية ابن الأعرابي يسقط منها كتاب الفتن والملاحم
والحروف والخاتم، ونحو النصف من كتاب اللباس، وفَاتَهُ أيضًا من كتاب الوضوء
والصلاة والنكاح أوراقٌ كثيرة، ورواية ابن دَاسَّةَ أكملُ الروايات، ورواية الرَّمْلِي تقاربها،
ورواية اللؤلؤي من أصح الروايات؛ لأنها من آخر ما أملى أبو داود، وعليها مات.
وقال الشاه عبد العزيز الدهلويُّ(١): رواية اللؤلؤي مشهورةٌ في المشرق، ورواية ابن
داسة مرجة في المغرب، وأحدهِما يقارب الآخر، وإنما الاختلاف بينهما بالتقديم
، دون الزيادة والنقصان، بخلاف رواية ابن الأعرابي فإن نقصانها بَيِّنٌ بالنسبة إلى
ساتین النسختين. انتھی.
ولـ ((سنن أبي داود)) شروحٌ عديدة:
فمنها: ((معالم السنن)): للإمام الخَطَّابي، ولخَّصه الحافظ شهاب الدين أبو محمود
أحمد بن محمد بن إبراهيم المقدسي، المتوفى سنة تسع وستين وسبعمائة، وسمَّاه:
((عُجَالَةَ العَالِم من كتاب المعالم)).
ومنها: ((شرح الإمام النووي))، لكنه لم يتم.
ومنها: ((شرح الحافظ ابن القَيِّم))، ذكر فيه: أن الحافظ زكي الدين المنذري، قد
أحسن في اختصاره، فهذبته نحو ما هذب هو به الأصل، وزدت عليه من الكلام على
علل سكت عنها؛ إذ لم يكملها، وتصحيح أحاديثه والكلام على متون مشكلة لم يفتح
معضلها، وبسط الكلام على مواضع لعلَّ الناظر لا يجدها في كتاب سواه .
ومنها: ((شرح سراج الدين عمر بن علي بن الملقّن))، شرح زوائده على الصحيحين
في مجلدین .
(١) انظر ((الحطة)) القنوجي (ص/ ٢١٦).

١٣٧
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث و کتبه وأهله عموماً
ومنها: ((شرح الشيخ شهاب الدين أحمد بن الحسين الرَّمْلِيّ)) المقدسيّ الشافعيّ،
المتوفى سنة أربع وأربعين وثمانمائة.
ومنها ((شرح الشيخ قُطب الدين)) أبي بكر بن أحمد اليمني الشافعي، المتوفى سنة
اثنتين وخمسين وستمائة، في أربع مجلدات کبار.
ومنها: ((شرح الإمام ولي الدين أبي زُرعَة))، أحمد ابن الحافظ أبي الفضل زين الدين
العراقي، المتوفى سنة ست وعشرين وثمانمائة، وهو شرح مبسوط، لم يؤلف مثله، كتب
منه من أوله إلى سجود السهو في سبع مجلدات، وكتب مجلدًا فيه الصيام والحج
والجهاد، ولو كمل لجاء في أكثر من أربعين مجلدًا.
ومنها: ((شرح الحافظ علاء الدين مُغَلْطَاي)) بن قليج، المتوفى سنة اثنتين وستين
وسبعمائة، ولم یکمله.
ومنها: ((شرح الشيخ شهاب الدين)) أبي محمد أحمد بن محمد بن إبراهيم بن هلال
المقدسي، من أصحاب المزي، المتوفى بالقدس سنة خمس وستين وسبعمائة، وسماه:
((انتحاء السَّنن، واقتفاء السُّنَن)) أوله: ((الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ... )) إلخ.
ومنها: ((شرح الحافظ شهاب بن رسلان))، وهو شرح حافل، ينقل فيه عن شيخه
الحافظ ابن حجر، حكى صاحب ((غاية المقصود)» عن الشيخ العلامة حسين بن محسن
الأنصاري اليماني، أنه رأى ((شرح ابن رسلان)) في بعض بلاد العرب، وأنه في ثمان
مجلدات کبار.
ومنها: ((شرح العيني))، صاحب ((عمدة القاري))، شرح قطعة من السنن.
ومنها شرح الحافظ السيوطي، وسماه: ((مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود))
ومنها: ((شرح أبي الحسن السندي)) ابن عبد الهادي المدني، المتوفى سنة تسع
وثلاثين ومائة وألف وهو شرح لطيف بالقول سماه: ((فتح الودود على سنن أبي داود))
وأما أبو داود(١): فهو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شَدَّاد بن عمرو بن
عمران الأزدي السجستاني، الإمام الحافظ العَلَم، أحد حفاظ الحديث وعِلَلِهِ، وفي
(١) انظر ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٤٠٤/٢)، و((مرآة الجنان)) اليافعي (١٨٩/٢).

١٣٨
مقدمة تحفة الأحوذي
الدرجة العليا من النسك والصلاح وعلم الفقه، والورع والإتقان، أحد من رحل وطاف
البلاد، وجمع وصنف، وسمع بخراسان والعراق والجزيرة والشام والحجاز ومصر، ولد
سنة اثنتين ومائتين، وقدم بغداد مرارًا، ثم نزل إلى البصرة، وسكنها، وأخذ الحديث عن:
أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وقتيبة بن سعيد، وعثمان بن أبي شيبة، وعبد الله بن
مَسْلَمَةَ، ومسدَّد بن مسرهد، وموسى بن إسماعيل، والحسن بن عمرو السدوسي،
وعمرو بن مرزوق، وعبد الله بن محمد النفيلي، ومحمد بن بشار، وزهير بن حرب،
وعبيد الله بن عمر بن ميسرة، وأبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن
العلاء، وغير هؤلاء من أئمة الحديث، ممن لا يحصَى كثرةً، قال المنذريُّ: قال أحمد بن
محمد بن ياسر الهرويُّ: سليمان بن الأشعث السجزيُّ كان أحد حفاظ الإسلام لحديث
رسول الله ربَّ وعلمِهِ وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع،
من فرسان الحديث. وقال أحمد بن محمد بن الليث: جاء سَهْلُ بن عبد الله التُّسْتَرِيُّ إلى
أبي داود السجستاني فقيل: يا أبا داود، هذا سهل بن عبد الله، جاءك زائرًا، قال: فرحب
به وأجلسه، فقال له سهل: يا أبا داود، لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: حتى
تقول: قد قَضَيْتُهَا مع الإمكان، قال: قد قضيتها مع الإمكان، قال: أَخْرِجْ إِلَيّ لسانك
الذي حدَّثتَ به أحاديث رسول الله وَّة، حتى أقبله، قال: فأخرج إليه لسانه فقبله (١).
انتهى. كذا في مقدمة ((غاية المقصود حل سنن أبي داود)) وقال الحافظ الذهبي في
(التذكرة))(٢) في ترجمته: حَدَّث عنه الترمذيُّ، والنسائيُّ، وابنه أبو بكر بن أبي داود،
وأبو عوانة، وأبو بشر الدولابي، وعلي بن الحسن بن العبد، وأبو أسامة محمد بن
عبد الملك، وأبو سعيد بن الأعرابي، وأبو علي اللؤلؤي وأبو بكر بن داسة، وأبو سالم
محمد بن سعيد الجلودي، وأبو عمرو أحمد بن علي.
فهؤلاء السبعة روَوْا عنه سننه، وحدّث أيضًا عنه محمد بن يحيى الصُّوليُّ، وأبو بكر
النَّجَّاد، ومحمد بن أحمد بن يعقوب المنقري، وغيرهم، وکتب عنه شيخه أحمد بن حنبل
(١) أخرجه ابن نقطة بسنده في ((التقييد)) (ص/ ٢٨٢). انظر ((تهذيب الكمال)) للمزي (١٩٠/٢)، و ((السير)) للذهبي
(٢١٣/١٣).
(٢) الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٥٩٢/٢).

١٣٩
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
حديثَ العتيرة، وأراه كتابه فاستحسنه، وقال محمد بن إسحاق الصاغاني: لينَ لأبي داود
الحديث، كما لين لداود الحديد، وكذلك إبراهيم الحربي. انتهى ما في ((التذكرة)).
وقال في مقدمة ((غاية المقصود)): قال أبو سليمان: وحدثني عبد الله بن محمد
السبكي، قال: حدثني أبو بكر بن جابر خادم أبي داود، قال: كنت معه ببغداد، فصلينا
المغرب، إذ قرع الباب، ففتحته، فإذا خادم يقول: هذا الأمير أبو أحمد المؤَّفق يستأذن،
فدخلتُ إلی أبي داود، فأخبرته بمكانه، فأذن له، فدخل وقعد ثم أقبل عليه أبو داود،
وقال: ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت؟! قال: خِلالٌ ثلاث، قال: وما هي؟ قال:
تنتقلُ إلى البصرة، فتتخذها وطنًا لترحَلَ إليك طلبة العلم من أقطار الأرض، قال: هذه
واحدة، هات الثانية، قال: تروي لأولادي كتاب ((السنن))، قال: نعم، هات الثالثة،
قال: تفرد لهم للرواية، فإن أولاد الخلفاء لا يَقْعُدُونَ مع العامَّة، فقال: أما هذه، فلا
سبيل إليها، فإن الناس شريفهم ووضيعهم في العلم سواء، قال ابن جابر: فكانوا
يحضرون بعد ذلك، ويقعدون، ويضرب بينهم وبين الناس ستر، فيسمعون مع العامَّة(١).
انتھی.
وفي ((الإكمال)): قال أبو بكر الخَلَّال: أبو داود هو الإمام المقدَّم في زمانه، رجل لم
يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم وبصره بمواضعه أحدٌ في زمانه(٢). انتهى.
وقال ابن حبان: أبو داود أحدُ أئمة الدنيا، فقهًا وعلمًا وحفظًا، ونسكًا وورعًا
وإتقانًا(٣) . انتهى.
وقال الحافظ موسى بن هَارونَ: خُلِقَ أبو داود في الدنيا للحديث، والآخرة للجنة،
وما رأيت أفضل منه(٤)، توفي في البصرة يوم الجمعة منتصف شوال، سنة خمس وسبعين
ومائتين، ودفن بها، وسِجستَانِيّ، بكسر السين المهملة والجيم، وسكون السين الثانية:
منسوب إلى سِجِسْتَانَ، الإقليم المعروف بین خراسان وگرْمَان، وقيل: هو منسوب إلى
(١) الخطابي في ((معالم السنن)) (٧/١-٨).
(٢) أخرجه الخطيب البغدادي بسنده في ((تاريخ بغداد)) (٥٧/٩) ومن طريقه ابن نقطة في ((التقييد)) (ص/ ٢٨٠).
(٣) ابن حبان في ((الثقات)) (٢٨٢/٨) (١٣٤٥٨).
(٤) أخرجه ابن عساكر بسنده في ((تاريخ دمشق)) (١٩٦/٢٢).

١٤٠
مقدمة تحفة الأحوذي
سجستان أو سِجِسْتَانَةً، قرية بالبصرة، والأول أكثر وأشهر، ويقال في النسبة إلى
سجستان: سجزي أيضًا، وقد نسب إليها أبو داود وغيره كذلك، وهو عجيب التغيير في
النسب. قاله المنذريُّ وابن خَلِّكَان، وأخذ الحديث عنه ابنه أبو بكر عبد الله بن أبي داود،
وكان من أكابر الحفاظ ببغداد عالمًا متفقًا، عليه إمامٌ ابْنُ إمام، وشارك أباه في شيوخه
بمصر والشام، وسمع ببغداد وخراسان وأصبهان وشيراز، وتوفي سنة ست عشرة
وثلاثمائة(١) .
واحتجَّ به ممن صنَّف الصحيح أبو علي الحافظُ النيسابوريُّ، وابن حمزة الأصبهاني،
وأخذ عنه الحافظ أبو عبد الرحمن النَّسائي صاحب ((السنن)) المشهورة، وعبد الرحمن
النيسابوري، وأحمد بن محمد الخَلَّال، وأبو عيسى الترمذيُّ، وروى عنه السنن ابن
داسة، واللؤلؤي، وابن الأعرابي، وأبو عيسى الرملي، وروى عنه أحمد بن حنبل فَرْدَ
حديثٍ، وكان أبو داود يفتخر بذلك، وأبو الحسن علي بن عبد، وروى عنه خلق سواهم،
وعرض كتابه ((السنن)) على أحمد بن حنبل، فاستجاده واستحسنه، وأنشد الإمام الحافظ
أبو طاهر السِّلَفِيُّ في حقه: [من الكامل]
لإمام أَهْلِيهِ أَبِي دَاوُدِ
لَانَ الْحَديثُ وَعِلْمُهُ بِكَمَالِهِ
لِـنَبِيِّ أَهلِ زَمَانِهِ دَاوُدِ
مِثْلَ الَّذِي لَانَ الحَدِيدُ وَسَبْكُهُ
وأما سُنَنُ النَّسَائِيِّ المسمى بـ ((المجْتَبَى)) أو ((المُجْتَنَى)) فقال السيد جمالُ الدين:
صنف في أول الأمر كتابًا يقال له: ((السنن الكبير)) للنسائي، وهو كتاب جليل، لم يكتب
مثله في جمع طرق الحديث، وبيان مخرجه، وبعده اختصره وسماه بـ ((المجتنى))(٢)
بالنون، وسبب اختصاره أن أحدًا من أمراء زمانه سأله أن جميع أحاديث كتابك صحيحٌ؟
فقال في جوابه: لا، فأمره الأمير بتجريد الصحاح، وكتابة صحيح مجرَّد، فانتخب منه
((المجتنى))، وكل حديث تكلم في إسناده أسقطه منه، فإذا أطلق المحدثون بقولهم: ((رواه
النسائي)) فمرادهم: هذا المختصر المسمَّى بـ ((المجتنى)) لا الكتاب الكبير. كذا في
((المرقاة)).
(١) ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (٤٠٥/٢).
(٢) لم يختصره -بعد التحقيق- وإنما هو من عمل تلميذه ابن السني، والله أعلم.