النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
والصلاة، والزكاة، والصوم، كيف نأتيها؟ وقال الحسن: جعل الله طاعة رسوله
طاعته(١)، وقامت به الحجة على المسلمين. ذكره صاحب ((فتح البيان)).
وقال الحافظ ابن كثير (٢): يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد وَالقول بأن من أطاعه فقد
أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا
وحي يوحى. انتهى، وفيه إشارة على العمل بالحديث؛ لأن طاعة الرسول لا تتحقق إلَّا إذا
عمل بقوله واقتدى بفعله، وذلك لا يتأتى إلا باتباع سنته والاعتصام بحديثه، فالقرآن داعٍ
إلى العمل بالسنة - أي: الحديث - كما أن السنة تدعو إلى العمل بالقرآن والاعتصام به.
وقال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾
[الأنفال: ٢٤].
أُمِرَ المؤمنون باستجابة الله ورسوله، والأمر للوجوب ، والاستجابة لهما هي قبول ما
أمرا به، ونهيا عنه في الكتاب والسنة، والعملُ بمقتضاهما، ولا ريب أن الله ورسوله دعوا
الأمة جميعها حاضرها وغائبها إلى التمسك بالثقلين - أي: الكتاب والسنة - والاعتصام
بهذین الأصلین النيرين .
وقال الله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُوْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضَأْ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ
الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذَاْ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَهُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيرُ﴾ [النور: ٦٣] فيه: أن دعاء الرسول وَ* ليس كدعاء آحاد الأمة بل هو أعظم خطرًا،
وأجلُّ قدْرًا من دعوات سائر الخلق، فإذا دعا أحدًا تعيّن عليه الإجابة، ولا ريب أنه وَه
قد دعا أمته إلى التمسك بكتاب الله وسنته في غير موضع منها(٣) ، فتعيَّن على جميع الأمة
أن يجيبوه، ولا يقعدوا عن استجابته، ودعاؤه و طهو إياهم باق إلى يوم بقاء الأحاديث في
الأمهات السِّتِّ وغيرها، وبقاء القرآن في الدنيا إلى قيام الساعة لا يبرأ ذمة أحد من الأمة
(١) انظر ((الرسالة)) للشافعي (ص/ ٨٥).
(٢) ابن كثير في ((التفسير)) (٥٢٨/١).
(٣) (صحيح) أخرج الحاكم في ((مستدركه)) (٢٩٠) من حديث ابن عباس مرفوعًا: ((إني قد تركت فيكم ما إن
اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا: كتاب الله وسنة نبيه ﴿ه قال الحاكم: احتج البخاري بأحاديث عكرمة، واحتج
مسلم بأبي أويس، وسائر رواته متفق عليهم.

٦٢
مقدمة تحفة الأحوذي
من إجابة دعوته في أيِّ عصر وقطر عند وجود هذه الكتب بين ظهرانَي العلماءِ، من سائر
أصنافهم، على اختلاف مذاهبهم، وتباين مشاربهم، فمن لم يجب داعي الله فهو الخاسر
في الدنيا والآخرة.
وقال الله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيُعُ
عَلِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ١، ٢]، قال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)):
هذه آداب أَذَبَ الله تعالى بها عباده المؤمنين فيما يُعَامِلُونَ به الرَّسُولَ وَلِّ من التوقير،
والاحترام، والتبجيل، والإعظام، فقال تبارك وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ
اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] أَي: لا تسرعوا في الأشياء بين يديه، أي: قبله، بل كونوا تبعًا
له في جميع الأمور؛ حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعيّ حديث معاذ څبه، حیث
قال له النبي ◌َّ - حين بعثه إلى اليمن - ((بم تحكم؟)) قال: بكتَابِ اللهِ تَعَالَى، قَالَ وَلِّ:
(فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟)) قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ وَ ◌ِّ، قَالَ بَّهِ: ((فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟)) قَالَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:
أجْتَهِدُ رَأْيِي، فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ، وَقَالَ: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَقَّقَ رَسُولَ رسولِ اللهِ لِمَا يُرْضِي
رَسُولَ اللهِ وَ ﴿)). وقد رواه أحمد وأبو داود والترمذي(١) وابن ماجه فالغرض منه: أنه أخر
رأيه ونظره واجتهاده، إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من
باب التقديم بين يدي الله ورسوله، قال علي بن طَلْحَة، عن ابن عباس ﴿هَا: ﴿لَا نُقَدِّمُواْ
بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة(٢)، وقال العوفي عنه: نُهُوا أن
يتكلَّموا بين يَدَيْ كلامه(٣)، وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله وَّه بشيء، حتَّى
يقضي الله تعالى على لسانه(٤) .
وقال الضَّخَّاك: لا تقضوا أمرًا دون الله ورسوله من شرائع دينكم(٥) ، وقال سفيان
الثوري: لا تقدموا بين يدي الله وَرَسُوله بقول ولا فعل (٦) . انتهى.
(١) أحمد (٢١٥٠٢)، وأبو داود، كتاب الأقضية، حديث (٣٥٩٢)، والترمذي، كتاب الأحكام، حديث
(١٣٢٧)، قال البخاري: لا يصح ولا يعرف إلا مرسلًا، وأخرجه ابن ماجه، كتاب المقدمة، حديث (٥٥) -
دون ذكر الرأي فيه - لكن في رواته من هو متهم بالوضع.
(٢) أخرجه ابن جرير في ((التفسير)) (١١٦/٢٦ - فكر) لكنه منقطع؛ علي لم يلق ابن عباس.
(٣) أخرجه ابن جرير في ((التفسير)) (١١٦/٢٦) والعوفي ضعيف.
(٤) ابن جرير في ((التفسير)) (١١٦/٢٦).
(٥) ابن جرير في ((التفسير)) (١١٧/٢٦ -فكر).
(٦) انظر تفسير ابن كثير (٢٠٦/٤).

٦٣
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ
أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُمْ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] قال الحافظ ابن كثير: هذه
الآية عامَّة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته،
ولا اختيارَ لأحد ههنا ولا رأي ولا قول، كما قال تبارك وتعالى: ﴿فَلَ وَرَيِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ
تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وفي الحديث: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ
تَّبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ)) (١) ولهذا شدَّد في خلاف ذلك، فقالَ: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ
ضَلًا مُبِينًا﴾، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيِؤُ﴾ [النور: ٦٣]. انتهى.
وقال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَّةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللّهَ وَالْيَّوْمَ الْآَخِرَ
وَذَكَرَ اَللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]، قال الحافظ ابن كثير(٢): هذه الآية الكريمة أصلٌ كبيرٌ في
التأسِّي برسول الله وَّله: في أقواله، وأفعاله، وأحواله، ولهذا أمر تبارك وتعالى الناس
بالتأسي بالنبي * يوم الأحزاب في صبره، ومصابرته، ومرابطته، ومجاهدته، وانتظاره
الفرج من ربه - عزَّ وجلَّ - صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين ولهذا قال تعالى -
اللَّذين تقلقلوا، وتضجروا؛ وتزلزلوا، واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب -: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ
فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، أَيْ: هلا اقتديتم به، وتأسيتم بشمائله بَّر. انتهى.
وقال الله تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ
فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] قال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره))(٣)
يقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدَّسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكّم الرسول و8َ في جميع
الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَا
يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾، أَي: إِذَا حكَّموك يطيعونك في
(١) أخرجه محمد بن أسلم الطوسي في ((الأربعين)) (٩)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (١٢/١) (١٥)، والبغوي
(شرح السنة)) (٢١٢/١ - ٢١٣)، والبيهقي في ((المدخل)) (٢٠٩)، وتكلم الحافظ ابن رجب فيه بما لا مزيد بعده
وضعفه في كتابه ((جامع العلوم والحكم)) (ص٣٨٩) فقال: تصحيح هذا الحديث بعيد جدًّا.
(٢) في ((التفسير)) (٤٧٥/٣).
(٣) (٥٢١/١).

٦٤
مقدمة تحفة الأحوذي
بواطنهم فلا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن،
فيسلِّموا لذلك تسليمًا كلِّيًا من غير ممانعة، ولا مدافعة، ولا منازعة، كما ورد في الحديث:
((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ)). انتهى.
وقال الرازيُّ في ((تفسيره الكبير))(١): ظاهر الآية يدلُّ على أنه لا يجوز تخصيص
النص بالقياس؛ لأنه يدلُّ على أنه يجب متابعة قوله وحكمه على الإطلاق، وأنه لا يجوز
العدول عنه إلى غيره، ومثل هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية قَلِّما يوجد في شيء من
التكاليف، وذلك يوجب تقديم عموم القرآن والخبر على حكم القياس، وقوله: ﴿ثُمَّ لَا
يَجِدُوا﴾ إلى آخره، مشعر بذلك؛ لأنه متى خطر بباله قياس يفضي إلى نقيض مدلول
النص، فهناك يحصل الحرج في النفس، فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد ألَّا يلتفت
إلى ذلك الحرج، ويسلِّم النص تسليمًا كليًّا. انتهى.
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وفيما ذكرنا كفاية لمن له دراية.
الفَصْلُ السَّادِسُ: في أَنَّ حَمَلَةَ الْعِلْمِ في الإِسْلَامِ أَكْثَرُهُم الْعَجَم
وذلك من الغريب الواقع؛ لأن علماء الملة الإسلامية - في العلوم الشرعية والعقلية -
أكثرهم العجم، إلا في القليل النادر (٢)، وإن كان منهم العربي في نسبته، فهو أعجمي في
لغته، والسبب في ذلك أن الملة - في أولها - لم يكن فيها علم ولا صناعة؛ لمقتضى
أحوال البداوة، وإنما أحكام الشريعة كان الرجال ينقلونها في صدورهم، وقد عرفوا
مأخذها من الكتاب والسنة بما تلقوه من صاحب الشرع وأصحابه، والقومُ يومئذ عرب،
لم يعرفوا أمر التعليم والتدوين، ولا دعتهم إليه حاجة إلى آخر عصر التابعين، كما سبق،
وكانوا يسمُّون المختصين بحمل ذلك ونقله ((القُرَّاءَ))، فهم قُرَّاء كتاب الله - سبحانه وتعالى -
والسنة المأثورة التي هي في غالب مواردها تفسير له وشرح.
فلما بَعُدَ النقل من لَدُنْ دولة الرشيد، احتيج إلى وضع التفاسير القرآنية، وتقييد
الحديث؛ مخافة ضياعه، ثم احتيج إلى معرفة الأسانيد، وتعديل الرواة، ثم كثر استخراج
(١) (١٣٢/١٠ - ١٣٣).
(٢) لعل هذا الإطلاق فيه نظر كما هو معلوم.

٦٥
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
أحكام الواقعات من الكتاب والسنة، وفسد مع ذلك اللسان، فاحتيج إلى وضع القوانين
النحوية، وصارت العلوم الشرعية كلَّها ملكات في الاستنباط والتنظير والقياس ،
واحتاجت إلى علوم أخرى هي وسائل لها كقوانين العربية، وقوانين الاستنباط والقياس،
والذبِّ عن العقائد بالأدلة، فصارت هذه الأمور كلها علومًا محتاجة إلى التعليم،
فاندرجت في جملة الصنائع، والعربُ أبعدُ الناس عنها، فصارت العلوم لذلك حضريةً،
والحضرُ هم العجَمُ، أو مَنْ في مَعناهُم؛ لأن أهل الحواضر تَبَعٌ للعجم في الحضارة
وأحوالها من الصنائع والحِرَفِ؛ لأنهم أقوم على ذلك للحضارة الراسخة فيهم، منذ دولة
الفرس.
فكان صاحبُ صناعة النحو سيبوَيْهِ والفارسيَّ والزجَّاجّ، كُلُّهم عَجَمٌ في أنسابهم،
اكتسبوا اللسان العربي بمخالطة العرب، وصيروه قوانين لمن بعدهم، وكذلك حملة
الحديث وحفاظه أكثرهم عجم، أو مستعجمون باللغة، وكان علماء أصول الفقه كلهم
عجمًا، وكذلك حملة أهل الكلام، وأكثر المفسرين، ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلا
الأعاجمُ.
وأما العرب الذين أدركوا هذه الحضارة، وخَرَجَوا إليها عن البداوة فشغلتهم الرياسة
في الدولة العباسية، وما دُفِعُوا إليه من القيام بالملك عن القيام بالعلم، مع ما يلحقهم من
الأَنَفة عن انتحال العلم؛ لكونه من جملة الصنائع، والرؤساءُ يستنكفون عن الصنائع، وأما
العلوم العقلية، فلم تظهر في الملة إلا بعد أن تميَّز حملة العلم ومؤلِّفوه، واستقر العلم كلُّه
صناعةً، فاختصَّت بالعجم، وتركها العرب، فلم يحملها إلا المستعربون من العجم. كذا
في (كشف الظنون))(١).
وقال الحافظ ابن الصَّلاح(٢) في ((مقدمته)) ص ١٩٩: روينا عن الزهريِّ قال: قَدِمْتُ
على عبد الملك بن مروان، فقال: من أين قدمتَ يَا زُهْريُّ؟ قلت: من مكة، قال: فمن
خَلَّفْتَ بها يسود أهلها؟ قلت: عطاء بن أبي رباح، قال: فمن العرب أم من الموالي؟
قال: قلت: من الموالي، قال: وبم سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية، قال: إن أهل
(١) حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (٤٠/١-٤١).
(٢) (ص٤٠٣- فكر معاصر).

٦٦
مقدمة تحفة الأحوذي
الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا، قال: فمن يسود أَهلَ اليمن؟ قال: قلت: طاوس بن
كيسان، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: وبم سادهم؟
قلت: بما سادهم به عطاء، قال: إنه لينبغي له: قال: فمن يسود أهل مصر؟ قال: قلت:
يزيد بن أبي حبيب؟ قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال:
فمن يسود أهل الشام؟ قال: قلت: مكحول، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال:
قلت: من الموالي، عبد نُوبِيٍّ، أعتقته امرأة من هُذَيْلٍ، قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟
قلت: ميمون بن مهران؟ قال: فمن العَرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي،
قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قال: قلت: الضَّكَّاك بن مُزَاحِم، قال: فمن العرب أم من
الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قال: قلت: الحسن بن
أبي الحسن، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: فمن
يسود أهل الكوفة؟ قال: قلت: إبراهيم النخعي، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال:
قلت: من العرب، قال: وَيْلَكَ يَا زهريُّ، فرجت عني، والله، ليسُودَنَّ الموالي على
العرب، حتى يخطب لها على المنابر والعَرَبُ تحتها، قال: قلت: يا أَمير المؤمنين، إِذَنْ
هو أمر الله ودينه، من حفظه ساد، ومن ضيعه سقط (١).
وفيما نرويه: عن [عبد الرحمن](٢) بن زيد بن أسلم قال: لَمَّا مات العَبَادِلَة صار
الفقه في جميع البلدان إلى جميع الموالي إلا المدينة، فإن الله حصنها بقرشيٍّ، فكانُ فقيه
أَهل المدينة سعيد بن المسيِّب غَيْرَ مدافع(٣). قلت(٤): وفي هذا بعض الميل، فقد كان
حينئذ - من العرب غير ابن المسيِّب فقهاءُ أئمة مشاهير، منهم: الشَّعْبِيُّ، والنَّخْعِيُّ،
وجميعُ الفقهاء السبعة الذين منهم ابن المسيِّب عَرَبٌ إلا سليمان بن يسار، والله أعلم.
انتھی .
(١) أخرجه الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (ص/١٩٩): وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٠، ٣٩٤/٥٦، ٣٠٤)،
قال الذهبي في ((السير)) (٨٥/٥): الحكاية منكرة، والوليد بن محمد - أحد الرواة- واه.
(٢) في الأصل: عبد الله، وهو خطأ في النقل من المصنف، والصواب ما أثبتُّ، وهو المثبت في مقدمة ابن
الصلاح (ص/ ٤٠٣).
(٣) أخرجه الفاكهي في ((أخبار مكة)) (٣٤٢/٢-٣٤٣) (١٦٣٢)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٠، ٤٢٦/٦٠،
٢١٤)، وابن الجوزي في ((المنتظم)) (٣١٩/٦).
(٤) هو ابن الصلاح كما في مقدمته.

٦٧
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
الْفَصْلُ السَّابعُ: في شُيُوعٍ عِلْم الحدِيثِ في أَرْضِ الهِنْدِ
قال صاحب ((الحطة))(١) ص ٧٠: اعلم: أَن الهند لم يكن بها علم الحديث منذ
فتحها أهل الإسلام، بل كان غريبًا كالكبريت الأحمر، وعديمًا كعنقاءَ مُغْرِبٍ في الخبر،
وإنما صناعة أهلها من قديم العهد والزمان فنونُ الفلسفةِ، وحكمةُ اليونان، والإضرابُ عن
علوم السنة والقرآن، إلا ما يذكر من الفقه على القلة؛ ولذلك تراهم - إلى الآن - عارين
عن ذلك، متحلِّين بما هنالك، وعمدة بضاعتهم - اليوم - هي الفقه الحنفي، على طريق
التقليد دون التحقيق، إلا ما شاء الله تعالى في أفراد منهم، ولأجل هذا يتوارثه أولهم عن
آخرهم، ويتناقله كابرُهُم عن كابرهم، حتى كثرت فيهم الفتاوى والروايات، وعمت
البلوى بتعامل هذه التقليدات، وتركت النصوص المحكمات، وهجرت سنن سيد
البريات، ورُفِضَ عرض الفقه على الحديث، وتطبيق المجتهدات بالسنن، ودرجَ على ذلك
زمانٌ كثيرٌ، حتى منَّ الله تعالى على الهند بإفاضة هذا العلم، على بعض علمائها، كالشیخ
عبد الحق بن سيف الدين الترك الدَّهْلَويِّ، المتوفّى سنة اثنتين وخمسينٍ وألف، وأمثالهم،
وهو أول من جاء به في هذا الإقليم، وأفاضه على سكانه في أحسن تقويم، ثم تصدى له
ولده الشيخ نور الحق، المتوفَّى سنة ثلاث وسبعين وألف، وكذلك بعض تلامذته على
القلّة، ومن سَنَّ سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها، كما اتفق عليه أهل الملة.
وتحديثُ هؤلاء أهل الصلاح، وإن كان على طريق الفقهاء المقلِّدة الصراح، دون
المحدِّثين المُبرَّزِين المُتَّبَعِينَ الأقحاح، ولكن مع ذلك لا يخلو عن كثير فائدة في الدين،
وعظيم عائدةٍ بالمسلمين، جزاهم الله تعالى عن المسلمين خير الجزاء، وأفاض عليهم
رحمته السحاء.
ثم جاء الله - سبحانه وتعالى - من بعدهم بالشيخ الأجلِّ، والمحدث الأكمل، ناطق
هذه الدورة وحكيمِها، وفائقٍ تلك الطبقة وزعيمِها، الشيخ ولي الله بن عبد الرحيم
الدهلويِّ المتوقَّى سنة ست وسبعين ومائة وألف، وكذا بأولاده الأمجاد، وأولادٍ أولا دِهِ
أولي الإرشاد، المشمرين لنشر هذا العلم عن ساق الجد والاجتهاد، فعاد بهم علم
(١) القنوجي في ((الحطة في ذكر الصحاح الستة)) (ص/ ١٤٥- علمية).

٦٨
مقدمة تحفة الأحوذي
الحديث غَضًّا طريًّا بعد ما كان شيئًا فريًا، وقد نفع الله بهم وبعلومهم كثيرًا من عباده
المؤمنين، ونفى بسعيهم المشكور من فِتَنِ الإشراك والبدع ومحدثات الأمور في الدين، ما
ليس بخافٍ على أحد من العالمين، فهؤلاء الكرام قد رجّحوا علم السنة علَى غيرها من
العلوم، وجعلوا الفقه كالتابع له والمحكوم(١).
وجاء تحديثهم حيث يرتضيه أهل الرواية، ويبغيه أصحاب الدراية، شهدت بذلك
كتبهم وفتاواهم، ونطقت به زُبُرُهُمْ ووصاياهم، ومن كان يرتاب في ذلك، فليرجع إلى ما
هنالك، فعلى الهند وأهلها شكرهم ما دامت الهند وأهلها. [من البسيط]:
تَرْوِي أَحَادِيثَ مَا أَوْلَيْتَ مِنْ مِنَنِ
مَنْ زَارَ بَابَكَ لَمْ تَبْرَحْ جَوَارِخُهُ
وَالْقَلْبُ عَنْ جَابِرٍ وَالسَّمْعُ عَنْ حَسَنِ
فَالْعَيْنُ عَنْ قُرَّةٍ وَالْكَفُّ عَنْ صِلَةٍ
انتھی .
وجملة الكلام: أن الشاه ولي الله المحدِّث الدَّهْلَوِيَّ - رَحمه الله تعالى - غَرَسَ في
الهند شجرةً علم الحديث، فاشتدت هذه الشجرة، وتمكنت، وطالت أغصانها وعلت،
وتشعبت قضبانها وانتشرت، حتى أحاطت البلادَ والأمصار، وبلغت فروعُها في جميع
النواحي والأقطار، وتخرج بإفاضة علمه جماعة عظيمة، قاموا لنشر علوم الدين وإشاعة
السنة النبوية، وظهر بسعيه طائفة كبيرة، اجتهدوا في ترويج علوم الحديث وتبليغها، منهم
أبناؤه الكرام: الشيخ الأجلُّ الشاه عبد العزيز، والشيخ العلامة الشاه عبد الغني، والشيخ
العلامة الشاه عبد القادر، والشيخ العلامة الشاه رفيع الدين، ومنهم: الشيخ العلامة محمد
معين صاحب ((دراسات اللبيب))، والعلامة القاضي ثناء الله صاحب ((التفسير المظهري))،
وغيرُهُم ممن لا يحصى عددهم، وكان كل واحد منهم إمام زمانه في غزارة العلم،
وملازمة التقوى، ونهاية في الورع والزهد، رأسًا في التحقيق والإتقان، قد أشرب في
قلوبهم حبُّ الحدیث واتباعه.
وامتاز من بينهم: الشيخ الأَجَلُّ مُسْنِد الوقت، الفقيه، المفسر، المحدث، الشاه
عبد العزيز بمزيد الاعتناء بعلوم الحديث والقرآن، وسَبَقَهم، وحين كان عمره سبع عشرة
سنة توفي والده المعظم، فانتقل إليه وظيفة التدريس والإفتاء والإرشاد والهداية، فأكب
(١) انظر لهذا وما بعده ((الحطة)) للقنوجي (ص/ ١٤٥).

٦٩
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
الناس عليه، وصار مرجعهم في مهمات الدين والعلوم الشرعية، فلازم التدريس والإرشاد
إلى آخر عمره، ودرَّس مع سائر العلوم، سِيَّمَا الحديث والتفسير، فإنه أقبل عليهما
بشراشره ومجامع قلبه، واعتنى بترويجهما بما لا يستطاع بيانه، فَتَشَأَ بإفاضته العلمية كثيرٌ
من العلماء العُبَّادِ، والفضلاء النُّقَّاد، والجهابذة أولي الإصلاح والإرشاد؛ منهم المجاهد
الكبير، والبطل الجليل، السيد العلامة الشاه محمد إسماعيل الشهيد ابن الشاه عبد الغني،
وابن بنته المحدِّث البارع في الآفاق، الشاه محمد إسحاق الدهلوي المهاجر المكي،
والشاه مخصوص الله ابن الشاه رفيع الدين، والشاه عبد الحي البدهانوي، والشيخ حسن
علي الهاشمي اللكنوي، وغيرُهُمْ، واختص من بينهم بكثرة العبادة والرياضة ومزيد الورع
والتقوى، والتبحر في العلم والفضل، والسعي في الإصلاح والإرشاد، وحسن الإفادة
والإفاضة، ابن بنته الكريمة، الشيخ العلامة، الشهير في الآفاق، الشاه محمد إسحاق
المذكور، فجلس بعده مجلسه، وأفاد الناس بعلومه، وانتهت إليه رياسة الحديث في
عصره، وتخرَّجت عليه جماعة كبيرة، منهم: الشيخ الأجلُّ، مسنِدُ الوقت، السيد محمد
نذير حسين الدهلوي، والشيخ المحدِّث عبد الغني بن أبي سعيد المجددي الدهلوي ثم
المدني، والنواب قطب الدين مؤلف ((مظاهر حق))، والشاه فضل رحمن المراد أبادي،
والشيخ العلامة المحقِّق محمد بن ناصر الحازمي، وغيرهم.
ثم إنه هاجر إلى مكة المكرمة، واستخلف مَن هو فرد زمانه، وقطب أوانه، رحلة
الآفاق، شيخ العرب والعجم بالاتفاق، المجدد على رأس المائة الثالثة عشر، أعني:
المحدِّث المفسر الفقيه شيخنا الأجلَّ السيد محمد نذير حسين الدهلوي في إشاعة العلوم
الحديثية، فولي التدريس والإفادة والإفتاء والوعظ والتذكير، ودرَّس الكتب من جميع
العلوم المتداولة ثنتي عشرة سنة، ثم غلب عليه حُبّ تدريس القرآن والحديث، فترك
اشتغاله بما سواهما إلا الفقه، فاشتغل بتدريس هذه العلوم الثلاثة إلى آخر عمره، أي:
من سنة سبعين بعد الألف والمائتين، إلى سنة عشرين بعد الألف وثلاثمائة، فجميع مدة
اشتغاله بتدريس هذه العلوم الثلاثة: اثنتان وستون سنة، أفاد شيخُنا بعلومه، ونفع بإفاضته
خلقًا كثيرًا لا يحصى عددهم، فأنارت بأنوار فيوضه البلاد، وأضاءت بأضواء علومه
الأمصار، انتشر تلامذته في جميع أقطاع الأرض: من الهند، والعرب، وغيرهما، فليس
في بلدة ولا قرية إلا وقد بلغ بها نفحاته المسكية، ووصل إليها فوحاته العلمية، سيقت

٧٠
مقدمة تحفة الأحوذي
إليه المطايا، وشدت نحوه الرحال؛ ليقتبس من أنوار معرفته، ويغترف من بحار علومه،
ويتلقى من مكارم أخلاقه وشمائله، ويستمسك بمحاسن آدابه وفضائله، فله على رقاب
الناس منن عظيمة، وأياد جسيمة، أفنى عمره العزيز في إشاعة الدين، وصرف متاعه وماله
في نشر العلوم الدينية، وترويج السنن السنية، لم يوجد مثله في زمانه، ولا بعده في علمه
وفضله وخلقه وحلمه، وجوده، وتواضعه، وكرمه وعفوه، وكثرة عبادته لربه، وخشيته له
واتقائه، وورعه وزهده، وجميع الخصائل الحميدة، والشيم المرضية، والصفات
الجميلة، والسمات الحسنة، وصنَّف تصانيف مفيدة تشهد له بطول الباع في العلوم،
والاطلاع على الكتب، وتدلُّ على تبحره وسعة نظره وكثرة مطالعته وجودة حفظه، ودقة
فهمه، وإصابة فكره، حصل له من الشرف والفضل ما لم يحصل لأحد ممن عاصره، وبلغ
من العلى والرفعة ما لم يبلغ غيره من معاصريه.
وممن سعَى في نشر علوم الحديث في الهند، واجتهد في إشاعة السنن النبوية
وإحيائها، وبذل مجهوده لإعلاء الدين المستقيم، وأفرغ جهده لإماتة المحدثات
والمنكرات شيخنا المحدث المفسر الفقيه، آية الله في الأرض، الشيخ حسين بن محسن
الأنصاري الخزرجي السعدي اليماني، فإنه لما فرغ من تحصيل العلوم في بلاد اليمن
جلس مجلس الإفادة، فدرَّس، وأفاض بركاته على بلاد العرب، ثم ارتحل في حياة
الرئيسة المكرَّمة النواب سكندربيكم إلى بوفال عند أخيه العلامة زين العابدين قاضي
بوفال، ولقي الرئيسة المذكورة، فأكرمَتْ نزله، وفوَّضت إليه دار الحديث، وأمرته بتدريس
علوم الحديث، فانتفع به جمع كثير من علماء تلك البلدة وغيرها، وانتشر صيته في بلاد
الهند، وطار ذكره في أقطارها، ورحل إليه طلبة الحديث من كل ناحية، وتَلْمَذَ له جماعةٌ
من العلماء المشهورين بالفضل والكمال، ممن لا يمكن حصرهم، ثم بعد سنة أو سنتين
من قدومه استأذن الرئيسة المذكورة في الرجوع إلى بلدة ((الحُدَيْدَة))، فأذنتْ له، فرجع إلى
وطنه، ولما توفيت الرئيسة، وتولت الحكومةَ بنتها الرئيسة شاهجها ربيكم، وتزوَّجت
بالسيد العلامة صِذِيق حسن القِنَّوْجِيِّ، استدعت من شيخنا أن يتحوَّل بأهله، ويتخذها
كالوطن، فأجاب بدعوتها، ونزل ((بوفال)) واستوطنها، ولم يزل محظًا للطلاب، ومنهلًا
صافيًا يرده الرواد. وينتالون إليه من كل صوب وناحية، إلى أن توفاه الله تعالى سنة سبع
وعشرين بعد الألف وثلاثمائة، رحمه الله تعالى.

٧١
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
الْفَصْلُ الثَّامِنُ: النَّاسُ في تَصَانِيفِهِمُ الَّتي جَمَعُوهَا مُخْتَلِفُو الأغراضِ
فمنهم(١): من قصر همته على تدوين الحديث مطلقًا؛ ليحفظ لفظه، وليستنبط له
الحكم، كما فعله عبيد الله بن موسى العبسي، وأبو داود الطيالسي، وغيرهما من أئمة
الحديث أولًا، وثانيًا: الإمام أحمد بن حنبل ومن بعده، فإنهم أثبتوا الأحاديث في مسانيد
رواتها، فيذكرون مسند أبي بكر الصديق مثلًا، ويثبتون فيه كل ما رُوِيَ عنه، ثم يذكرون
بعده الصحابة واحدًا بعد واحد، على هذا النسق.
ومنهم: من يثبت الأحاديث في الأماكن التي هي دليلٌ عليها، فيضعون لكل حديث
بابًا يختص به فإن كان في معنى الصلاة ذكروه في باب الصلاة، وإن كان في معنى الزكاة
ذكروه في باب الزكاة، كما فعله مالك بن أنس في ((الموطأ))، إلا أنه لقلَّة ما فيه من
الأحاديث قلَّت أبوابه، ثم اقتدى به من بعده، فلما انتهى الأمر إلى زمن البخاريِّ ومسلم،
وكثرت الأحاديث المودعة في كتابيهما كثرت أبوابهما، واقتدَى بهما من جاء بعدهما.
وهذا النوع أسهلُ مطلبًا من الأول؛ لوجهين:
الأول: أن الإنسان قد يعرف المعنى الذي يطلب الحديثَ لأجله، وإن لم يعرف
راويه ولا في مسند مَن هو؟ بل ربما لا يحتاج إلى معرفة راويه.
والوجه الثاني: أن الحديث .... إذا ورد في كتاب الصلاة علم الناظر فيه أن هذا
الحديث هو دليل هذا الحكم من أحكام الصلاة، فلا يحتاج أن یتفكّر فيه.
ومنهم: من استخرج أحاديث تتضمَّن ألفاظًا لغويةً، ومعاني مشكلةً، فوضع لها كتابًا
على حدة على شرح الحديث، وشرح غريبه، وإعرابه ومعناه، ولم يتعرض لذكر
الأحكام، كما فعله أبو عبيد القاسمُ بْنُ سلام، وعبد الله بن مسلم بن قتيبة، وغيرُهما.
ومنهم: من أضاف إلى هذا ذكر الأحكام وآراء الفقهاءِ، مثل أبي سليمان أحمد بن
محمد الخطابي، وغيره.
ومنهم: من قصد ذكر الغريب دون متن الحديث، واستخرج الكلمات الغريبة ودوَّنها،
کما فعله أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي، وغيره.
(١) انظر (كشف الظنون)) لحاجي خليفة (٦٣٨/١)، و((الحطة)) للقنوجي (ص/ ٦٢).

٧٢
مقدمة تحفة الأحوذي
ومنهم: من قصد إلى استخراج أحاديثَ تتضمَّن ترغيبًا وترهيبًا، وأحاديث تتضمن
أحكامًا شرعيةً، فدونها، وأخرج متونها وحدها، كما فعله أبو محمد الحسين بن مسعود
البغوي ني كتاب ((المصابيح)).
وغير هؤلاء المذكورين من أئمة الحديث لو رُمْنَا أن نستقصي ذكر كتبهم واختلاف
أغراضهم ومقاصدهم في تصانيفهم طال الخَطْب، ولم ينته إلى حدٍّ.
الْفَصْلِ التَّاسِعُ: في بَيَانِ طَبَقَاتٍ كُتُبِ الحدِيثِ
اعلم(١): أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الشرائع والأحكام إلا خبرُ النبي وَّ، بخلاف
المصالح، فإنها قد تدرك بالتجربة، والنظر الصادق، والحدس، ونحو ذلك، ولا سبيل لنا
إلى معرفة أخباره ويه إلا تلقي الروايات المنتهية إليه بالاتصال والعنعنة، سواء كانت من
لفظه وَّةٍ، أو كانت أحاديثَ موقوفة قد صحت الرواية بها عن جماعة من الصحابة
٠١٠
،، بحيث يبعد إقدامهم على الجزم بمثله لولا النصُّ أو الإشارةُ من الشارع، فمثل
ـك رواية عنه في دلالة، وتلقي تلك الروايات لا سبيل إليه - في يومنا هذا - إلا تتبع
الكتب المدونة في علم الحديث، فإنه لا يوجد اليوم رواية يعتمد عليها غير مدوَّنة.
وكتب الحديث على طبقات مختلفة، ومنازلَ متباينة، فوجب الاعتناء بمعرفة طبقات
کتب الحدیث، فنقول:
هي باعتبار الصحة والشهرة على أربع طبقات، وذلك؛ لأن أعلى أقسام الحديث: ما
ثبت بالتواتر، وأجمعت الأمة على قبوله والعمل به.
ثم ما استفاض من طرق متعددة لا يبقَى معها شبهة يعتد بها، واتفق على العمل به
جمهور فقهاء الأمصار، أو لم يختلف فيه علماء الحرمين خاصة؛ فإن الحرمين محلُّ
الخلفاء الراشدين في القرون الأولى، ومحظُ رحال العلماء طبقةً بعد طبقة، يبعد أن
يسلِّموا منهم الخطأ الظاهر.
أو كان قولًا مشهورًا معمولا به في قطر عظيم، مرويًا عن جماعة عظيمة من الصحابة
والتابعين .
(١) الدهلوي في ((حجة الله البالغة)) (ص/ ٢٨٠).

٧٣
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث و کتبه وأهله عموماً
ثم ما صح أو حَسُنَ سنده، وشهد به علماء الحديث، ولم يكن قولًا متروكًا لم يذهب
إليه أحد من الأمة.
أما ما كان ضعيفًا موضوعًا ، أو منقطعًا، أو مقلوبًا في سنده أو متنه، أو من رواية
المجاهيل ، أو مخالفًا لما أجمع عليه السلف طبقة بعد طبقة، فلا سبيل إلى القول به.
فالصحة: أن يشترط مؤلِّف الكتاب على نفسه إيراد ما صحَّ أو حَسُنَ غير مقلوب
ولا شاذٍّ ولا ضعيف؛ إلا مع بيان حاله، فإن إيراد الضعيف - مع بيان حاله - لا يقدح في
الکتاب.
والشهرة(١) أن تكون الأحاديث المذكورة فيها دائرة على ألسنة المحدِّثين قبل تدوينها
وبعد تدوينها، فيكون أئمة الحديث قبل المؤلِّف رَوؤْها بطرق شتى، وأوردُوها في
مسانيدهم ومجاميعهم، وبعد المؤلف اشتغلوا برواية الكتاب وحفظه وكشف مشْكِلِهِ،
وشرح غريبه، وبيان إعرابه، وتخريج طرق أحاديثه واستنباط فقهها، والفحص عن أحوال
رواتها طبقةً بعد طبقة، إلى يومنا هذا، حتى لا يبقى شيء مما يتعلَّق به غير مبحوث عنه،
إلا ما شاء الله، ويكون نُقَّاد الحديث قبل المصنّف وبعده وافقوه في القول بها، وحكموا
بصحتها، وارتضوا رَأْيَ المصنّف فيها، وتلقوا كتابه بالمدح والثناء، ويكون أئمة الفقه
لا يزالون يستنبطون عنها، ويعتمدون عليها، ويعتنون بها، ويكون العامَّة لا يَخْلُونَ عن
اعتقادها وتعظيمها .
وبالجملة: فإذا اجتمعت هاتان الخصلتان كَمُلا فِي كتاب كان من الطبقة الأولى، ثم
وثم.
وإن فقدتا رأسًا لم يكن له اعتبار، وما كان أعلى حد في الطبقة الأولى، فإنه يصل
إلى حد التواتر، وما دون ذلك يصل إلى الاستفاضة، ثم إلى الصحة القطعية، أعني:
القطع المأخوذ في علم الحديث، المفيد للعمل.
والطبقة الثانية إلى الاستفاضة أو الصحة القطعية أو الظنية، وهكذا ينزل الأمر.
فالطبقة الأولى: منحصرة بالاستقراء في ثلاثة كتب: ((الموطأ))، و((صحيح البخاري))،
(١) انظر لهذا وما قبله ((حجة الله البالغة)) الدهلوي (ص/ ٢٨١).

٧٤
مقدمة تحفة الأحوذي
و((صحيح مسلم)). قال الشافعي: أصح الكتب بعد كتاب الله ((موطأ مالك))، واتفق أهل
الحديث على أن جميع ما فيه صحيحٌ على رأي مالك ومن وافقه، وأما على رأي غيره
فليس فيه مرسلٌ ولا منقطعٌ إلا قد اتصل السند به من طرق أخرى، فلا جرم أنها صحيحة
من هذا الوجه (١) .
وقد صنف في زمان مالك موطآت كثيرة في تخريج أحاديثه، ووصل منقطعه، مثل :
كتاب ابن أبي ذئب، وابن عيينة، والثوري، ومعمر، وغيرهم ممن شارك مالكًا في
الشيوخ، وقد رواه عن مالك بغير واسطة أكثر من ألف رجل، وقد ضرب الناس فيه أكباد
الإبل إلى مالك، من أقاصي البلاد، كما كان النبي ◌َّير ذكره في حديثه، فمنهم: المبرزون
من الفقهاء، كالشافعيّ، ومحمد بن الحسن، وابن وهب، وابن القاسم، ومنهم: نحارير
المحدِّثين؛ كيحيى بن سعيد القَطَّان، وعبد الرحمن بن مَهْدِيٍّ، وعبد الرَّزَّاق، ومنهم:
الملوك والأمراء، كالرشيد وابنيه، وقد اشتهر في عصره حتى بلغ على جميع ديار
الإسلام، ثم لم يأت زمان إلا هو أكثر له شهرة وأقوَى به عناية، وعليه بنى فقهاء الأمصار
مذاهبهم حتى أَهْلُ العراق في بعض أمرهم.
ولم يزل العلماء يخرِّجون أحاديثه، ويذكرون متابعاته وشواهده، ويشرحون غريبه،
ويضبطون مشكله، ويبحثون عن فقهه، ويفتِّشون عن رجاله إلى غاية ليس بعدها غاية، وإن
شئت الحق الصراح فقسْ كتاب ((الموطأ)) بكتاب ((الآثار)) لمحمد، و((الأمالي)) لأبي
يوسف، تجد بينه وبينهما بعد المشرقين، فهل سمعت أحدًا من المحدِّثين والفقهاء تعرَّض
لهما واعتنى بهما؟
(١) قال بعض العلماء: هذا الإطلاق فيه نظر؛ إذ فيه من الأحاديث المرسلة والمعضلة كما لا يخفى. وقال
السيوطي: ما في كتاب مالك من المراسيل؛ فإنها مع كونها حجة عنده وعند من وافقه من الأئمة من الاحتجاج
بالمرسل، هي أيضًا حبّةٌ عندنا لأنَّ المرسل عندنا حجة إذا اعتضدَ، وما من مرسل في الموطأ إلَّا وله عاضدٌ،
أو عواضد، فالصحيح إطلاق أنَّ الموطأ صحيحٌ لا يُستثنى منه شيء. [انظر حاشيته على الموطأ].
وقال الشيخ صالح الفلاني في بعض طرقه على ((ألفية السيوطي)) في المصطلح: وما ذكره العراقي أنَّ مِن بلاغاته
ما لا يُعرَّف؛ مردود بأن ابن عبد البر ذكرَ أنَّ جميعَ بلاغاتهِ ومراسيلهِ ومنقطعاته كلّها موصولة بطرق صحاح إلَّا
أربعة، وقد وصل ابن الصلاح الأربعة بتأليف مستقل، وهو عندي وعليه خطّه، فظهر بهذا أنهُ لا فرق بينَ الموطأ
والبخاري، وصحَّ أنَّ مالكًا أوَّل من صنَّف في الصحيح، كما ذكره ابن العربي وغيره، فافهم ا.هـ. قلت: وقال
بعضهم: لكن هذا قبل وجود الصحيحين وإلا فصحيح البخاري هو الأصح مطلقًا على الأصح، والله تعالى أعلم.

٧٥
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً
أما ((الصحيحان)): فقد اتفق المحدِّثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع
صحيحٌ بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنِّفَيْهما، وأنه كل من يهوِّن أمرهما فهو مبتدع متبع
غير سبيل المؤمنين، وإن شئت الحق الصراح فقسهما بكتاب ابن أبي شيبة، وكتاب
الطحاوي، و((مسند الخوارزمي))، وغيرهما تجد بينها وبينهما بعد المشرقين.
وقد استدرك الحاكم عليهما أحاديثَ هي على شرطهما، ولم يذكراها، وقد تَتَبَّعْتُ ما
استدركه، فوجدته قد أصاب من وجه، ولم يصب من وجه؛ وذلك لأنه وجد أحاديث
مروية عن رجال الشيخين بشرطهما في الصحة والاتصال، فاتجه استدراكه عليهما من هذا
الوجه(١)، ولكن الشيخين لا يذكران إلا حديثًا قد تناظر فيه مشايخهما، وأجمعوا على
القول به والتصحيح له، كما أشار مسلم، حيث قال: لم أذكر ههنا إلا ما أَجمعوا عليه.
وجُلُّ ما تفرد به ((المستَدْرَكُ)) كالموكأ عليه، المخفي مكانه في زمن مشايخهما، وإن
اشتهر أمره من بعد، أو ما اختلف المحدِّثون في رجاله، فالشیخان کأساتذتهما، کانا
يعتنيان بالبحث عن خصوص الأحاديث في الوصل والانقطاع وغير ذلك، حتى يتضح
الحال، والحاكم يعتمد في الأكثر على قواعد مخرَّجة من صنائعهم، كقوله: زيادة الثقات
مقبولة، وإذا اختلف الناس في الوصل والإرسال والوقف والرفع وغير ذلك، فالذي حفظ
الزيادة حُجّةٌ على من لم يحفظ، والحق: أنه كثيرًا ما يدخل الخلل في الحفاظ من قبل
الموقوف ووصل المنقطع، لاسيَّما عند رغبتهم في المتصل المرفوع، وتنويههم به،
فالشيخان لا يقولان بكثير مما يقوله الحاكم(٢) . والله أعلم.
وهذه الكتب الثلاثة التي اعتنى القاضي عياض في المشارق بضبط مشكلها ورد
تصحیفها .
الطبقة الثانية: كتب لم تبلغ مبلغ ((الموطأ)) و((الصحيحين))، ولكنها تتلوها، كان
مصنّفوها معروفين بالوثوق والعدالة والحفظ والتبخّر في فنون الحديث، ولم يرضوا في
كتبهم هذه بالتساهل فيما اشترطوا على أنفسهم، فتلقاها مَنْ بعدهم بالقبول، واعتنى بها
(١) مشى على منواله شيخه الدار قطني: انظر ((الإلزامات والتتبع)) للدار قطني.
(٢) قال الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) (٢١٥/٦): يصحح في مستدركه أحاديث ساقطة، ويكثر من ذلك، فما أدري
هل خفيت عليه؟ فما هو ممن يجهل ذلك! وإن علم فهذه خيانة عظيمة.

٧٦
مقدمة تحفة الأحوذي
المحدِّثون والفقهاء طبقة بعد طبقة، واشتهرت فيما بين الناس، وتعلَّق بها القوم شرحًا
لغريبها، وفحصًا عن رجالها، واستنباطًا لفقهها. وعلى تلك الأحاديث بناءُ عامّة العلوم
كـ((سنن أبي داود))، و((جامع الترمذي))، و((مجتبى النسائي))(١).
وهذه الكتب مع الطبقة الأولى اعتنى بأحاديثها رَزِينٌ في ((تجريد الصحاح))، وابن
الأثير في ((جامع الأصول))، وكاد ((مسند أحمد)) يكون من جملة هذه الطبقة، فإن الإمام
أحمد جعله أصلًا يعرف به الصحيح والسقيم، قال: ما ليس فيه فلا تقبلوه.
والطبقة الثالثة: مسانيد وجوامع ومصنَّفات، صنّفت قبل البخاري ومسلم، وفي
زمانهما وبعدهما، جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف، والمعروف والغريب، والشاذِّ
والمنكر، والخطأ والصواب، والثابت والمقلوب، ولم تشتهر في العلماء ذلك الاشتهار،
وإن زال عنها اسم النكارة المطلقة، ولم يتداول ما تفردت به الفقهاء كثير تداول، ولم
يَفْحَصْ عن صحتها وسقمها المحدِّثون كثير فحص، ومنه: ما لم يخدمه لُغَوِيٌّ لشرح
غريب، ولا فقيه بتطبيقه بمذاهب السلف، ولا محدِّث ببيان مشكله، ولا مؤرِّخ بذكر
أسماء رجاله، ولا أُرِيدُ المتأخرين المتعمقين، وإنما كَلامِي في الأئمة المتقدمين من أهل
الحديث، فهي باقية على استتارها، واختفائها، وخمولها، كـ ((مسند أبي يعلى)) و((مصنَّف
عبد الرزاق))، و((مصنّف أبي بكر بن أبي شيبة))، و((مسند عَبْد بن حُمَيْد))، والطيالسي،
وكتب البيهقي والطحاوي والطبراني، وكان قصدهم جَمْعَ ما وجدوه، لا تلخيصه وتهذيبَهُ
وتقريبهُ من العمل.
والطبقة الرابعة: كتب قصد مصنِّفوها بعد قرون متطاولة جَمْعَ ما لم يوجد في الطبقتين
الأوليين، وكانت في المجاميع والمسانيد المختفية، فنوَّهوا بأمرها، وكانت على ألسنة مَنْ
لَم يَكْتُبْ حديثَهُ المحدِّثون، ككثير من الوعاظ المتشدِّقين، وأهل الأهواء والضعفاء، أو
كانت من آثار الصحابة والتابعين، أو من أخبار بني إسرائيل، أو من كلام الحكماء
والوعاظ، خلطها الرواة بحديث النبي ﴿ سهوًا، أو عمدًا، أو كانت من محتملات
القرآن والحديث الصحيح، فرواها بالمعنى قوم صالحون، لا يعرفون غوامض الرواية،
(١) قيل: هو من اختصار النسائي للسنن الكبرى، وقيل: جمعه تلميذه ابن السني المتوفى سنة (٣٦٤ هـ)، مختَصِرًا
كتاب النسائي ((السنن الكبرى))؛ فسماه: ((المجتبى)). والله تعالى أعلم وأحكم.

٧٧
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث و کتبه وأهله عموماً
فجعلوا المعاني أحاديث مرفوعة، أو كانت معاني مفهومة من إشارات الكِتَاب والسنة،
جعلوها أحاديث مستبدة برأسها عمدًا، أو كانت جُمَلًا شَتَّى من أحاديث مختلفة، جعلوها
حديثًا واحدًا بنسق واحد، ومَظنَّةُ هذه الأحاديث: كتاب ((الضعفاء)) لابن حبَّان، و((كامل))
ابْنِ عَدِيٍّ، وكتب الخطيب، وأبي نُعَيْم، والجَوْزَقَانِيِّ، وابن عساكر، وابن النَّجَّار،
والدَّيْلَميِّ، وكاد ((مسند الخُوَارَزْمِيّ) يكون من هذه الطبقة، وأصلَحُ هذه الطبقة ما كان
ضعيفًا محتملًا، وأسَوؤهَا ما كان موضُوعًا أو مقلوبًا شديدَ النَّكَارة، وهذه الطبقة مادَّة
کتاب ((الموضوعات)) لابن الجوزي .
هاهُنا (١) طبقة خامسة: منها: ما اشتهر على ألسنة الفقهاء والصوفية والمؤرِّخين
ونحوهم، وليس له أصل في هذه الطبقات الأربع، ومنها: ما دسه الماجن في دينه،
والعالم بلسانه، فَأَتَى بإسناد قوي لا يمكن الجرح فيه، وكلام بليغ لا يبعد صدوره عنه
وَ*، فأثار في الإسلام مصيبةً عظيمةً، لكن الجهابذة من أهل الحديث يوردون مثل ذلك
على المتابعات والشواهد، فتهتك الأستار، ويظهر العوار.
أما الطبقة الأولى والثانية: فعليهما اعتماد المحدِّثين وحول حماهما مرتعهم
ومسرحهم.
وأما الثالثة: فلا يباشرها للعمل عليها والقولِ بها إلا النحاريرُ والجهابذة الذين
يحفظون أسماء الرجال وعِلل الأحاديث، نعم ربما يؤخذ منها المتابعات والشواهد، وقد
جعل الله لكل شيء قدرًا .
وأما الرابعة: فالاشتغالُ بجمعها، أو الاستنباطُ منها نوع تعمق من المتأخرين، وإن
شئت الحق فطوائف المبتدعين من الرافضة والمعتزلة وغيرهم، يتمكنون بأدنى عناية أن
يلخصوا منها شواهد مذاهبهم، فالانتصار بها غيرُ صحيح في معارك العلماء بالحديث،
والله أعلم. كذا في ((حجة الله البالغة)) ص ١٠٥، للعلامة الشاه ولي الله. انتهى ما في
((العُجَالة)).
ولأبي محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري مقالَةٌ في ترتيب كتب الحديث، جَرَی
فيها على ما ظهر له في ذلك، ذكرها في كتابه ((مراتب الديانة))، وقد أورد السُّيوطِيُّ
(١) انظر لهذا وما قبله ((حجة الله البالغة)) للدهلوي (ص/ ٢٨٥).

٧٨
مقدمة تحفة الأحوذي
خلاصتها في ((شرح التقريب))(١)، فقال: وأما ابن حزم، فإنه قال: أولى الكتب
((الصحيحان))، ثم ((صحيح سعيد بن السَّكَن))، و((المنتقى)) لابن الجارود، و((المنتقى))
القاسم بن أَصْبَغ، ثم بعد هذه الكتب ((كتاب أبي داود))، و((كتاب النَّسائي))، و((مصنَّف
قاسم بن أصبغ))، و((مصنف الطحاوي))، و((مسانيد)) أحمد والبَزَّار، وابنَي أبي شيبة:
أبي بكر، وعثمان، وابن راهويه، والطيالسيِّ، والحسن بن سفيان، والمسندي، وابن
سنجر، ويعقوب بن شيبة، وعلي بن المديني، وابن أبي غرزَة، وما جرى مجراها، التي
أُقْرِدَتْ لكلام رسول الله وَل ◌ِ صِرْفًا، ثم بعدها الكتب التي فيها كلامه وكلامُ غيره، ثم ما
كان فيه الصحيح فهو أجَلُّ، مثل: ((مصنَّف عبد الرزّاق))، و((مصنَّف ابن أبي شيبة))،
و((مصنَّف بَقِيّ بن مخلد))، وكتاب محمد بن نصر المروزي، وكتاب ابن المنذر، ثم
((مصنَّف حماد بن سلمة))، و((مصنَّف سعيد بن منصور))، و((مصنَّف وكيع))، و((مصنَّف
الفريابي))، و((موطأ مالك))، و((موطأ ابن أبي ذئب))، و((موطأ ابن وهب))، و((مسائل ابن
حنبل))، و((فقه أبي عُبَيْد))، و((فقه أبي ثَوْر))، وما كان من هذا النمط مشهورًا، كحديث
شعبة وسفيان، والليث والأوزاعي والحُمَيْدِيِّ وابن مهديٍّ ومُسدّد، وما جرى مجراها،
فهذه طبقة ((موطأ مالك))، بعضها أجمع للصحيح منه، وبعضها مثله، وبعضها دونه.
ولقد أحصَيْتُ ما في حديث شعبة من الصحيح، فوجدته ثمانمائة حديث ونيفًا،
مسندة، ومرسلًا يزيد على المائتين، وأحصيت ما في ((موطأ مالك)) وما في حديث
سفيان بن عيينة، فوجدت في كل واحد منهما من المُسْنَدِ خمسمائة ونيفًا مسندًا، وثلاثمائة
مرسلًا ونيفًا، وفيه نيف وسبعون حديثًا، قد ترك مالك نفسُهُ العمَلَ بها، وفيها أحاديثُ
ضعيفةٌ وهَّاها جمهور العلماء. انتهى .
الْفَضْلُ الْعَاشِرُ: في ذِكْرٍ أَنْوَاعِ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ في عِلْمِ الحديثِ
قال العلامة الشاه عبد العزيز المحدِّث الدهلويُّ في ((العجالة النافعة)) ما نصه
بالعربية: إن كتب الحديث لها طرق متنوعة، كالجوامع، و((الْجَامِعُ)) - في اصطلاح
المحدثين -: ما يوجد فيه جميع أقسام الحديث، أي: أحاديث العقائد، وأحاديثُ
-
(١) السيوطي في ((تدريب الراوي)) (١/ ١١٠ - الرياض).

٧٩
الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث و کتبه وأهله عموماً
الأحكام، وأحاديثُ الرِّقاقِ، وأحاديث آداب الأكل والشرب، وأحاديثُ السفر، والقيام
والقعود، والأحاديث المتعلّقة بالتفسير والتاريخ والسير، وأحاديثُ الفِتَنِ، وأحاديثُ
المناقب والمثالب، وقد صنَّف أهل العلم بالحديث في كل فن من هذه الفنون الثمانية
تصانيف مفرزة. فأحاديثُ العقائد - منها - تسمى: ((علم التوحيد)) وفيه ((كتاب التوحيد))
لأبي بكر بن خزيمة، وكتاب ((الأسماء والصفات)) للبيهقي، وأحاديثُ الأحكام: من كتاب
الطهارة إلى كتاب الوصايا على ترتيب الفقه تسمَّى: ((سُنَنًا))، والكتب المصنَّفة فيها أكثر
من أن تحصر. وأحاديث الرِّقاق تسمَّى: ((عِلْم السلوك والزهد))، وفيه: كتاب ((الزهد))
للإمام أحمد، وعبد الله بن المبارك، وجماعة أخرى، وأحاديث الآداب يقال لها: ((عِلْمُ
الأدب))، وللبخاري كتابٌ مبسوطً موسوم بـ ((الأدب المفرد))، والأحاديث المتعلّقة
بالتفسير تسمى: ((علم التفسير))؛ كـ ((تفسير ابن مَرْدَوَيْهِ))، و((تفسير الدَّيْلَمِيِّ))، و((تفسير ابن
جرير))، فإنها من مشاهير تفاسير الحديث، وكتابُ ((الدُّرِّ المنثور)) يجمعها كلَّها، وأما
أحاديث التواريخ والسير فهي قسمان:
قسم يتعلَّق بخلق السماء والأرض، والحيوانات، والجن والشياطين، والملائكة،
والأنبياء الماضين، والأمم السابقين، ويسمى: ((بدء الخلق)).
وقسم يتعلَّق بوجود النبي ◌َّه وأصحابه الكرام وآله العظام من بدء ولادته إلى وفاته،
ويسمى: ((سيرة)) كـ ((سيرة ابن إسحاق))، و((سيرة ابن هشام))، و((سيرة ملا عمر))، والكتب
المصنفة في هذا الباب - أيضًا - كثيرة جدًّا، وكتاب ((روضة الأحباب)) للسيد جمال الدين
المحدِّث أحسن السير، لكن إن تيسرت نسخة صحيحة منه خالية عن الإلحاق والتحريف،
و((مدارج النبوة)) للشيخ عبد الحق الدهلوي، و((السيرةُ الشامية)) و((المواهب اللدنية)) من
مبسوطات السير.
وأحاديثُ الفتن تسمى: ((علم الفتن))، وفيه: كتاب ((الفتن)) لنُعَيْم بن حماد، وهو
طويلٌ عريض جدًّا، أورد فيه كل رطب ويابس، ومصنفاتٌ أخرى للآخرين.
وأحاديث المناقب والمثالب تسمى: ((عِلْمَ المناقب)) وفيها - أيضًا - تصانيفُ عديدة
متنوعة، وقد أفرد بعض المحدِّثين مناقب بعضهم عن بعض، سِيَّمَا مناقبُ الآل
والأصحاب؛ لغرض تعلّق به، كمناقب قريش، ومناقب الأنصار، ومناقب العشرة المبشَّرة

٨٠
مقدمة تحفة الأحوذي
المسماة بـ ((الرياض النِّضِرَة في مناقب العشرة)) للمحب الطبري، و((ذخائر العقبى في
مناقب ذوي القربى))، و((حلية الكميت في مناقب أهل البيت))، و((الديباج في مناقب
الأزواج)). وصنفت كتب كثيرة في مناقب الخلفاء الراشدين كـ ((القول الصواب في مناقب
عمر بن الخطاب))، و((القول الجلي في مناقب علي))، وللنَّسائي(١) رسالة طويلة الذيل في
مناقبه - كرم الله وجهه - وعليها نال الشهادة في دمشق من أيدي نواصب الشام؛ لفرط
تعصبهم وعداوتهم معه
فـ ((الجامع)) ما يوجد فيه أنموذج كل فن من هذه الفنون المذكورة، كـ «الجامع
الصحيح)) للبخاري، و((الجامع)) للترمذي.
وأما ((صحيح مسلم))، فإنه وإن كانت فيه أحاديث تلك الفنون، لكن ليس فيه ما يتعلَّق
بفن التفسير والقراءة، ولهذا لا يقال له: ((الجامع))، كما يقال لأخويه.
القسم الثاني: من المصنَّفات في الحديث: ((المسانيد))، والمسند - في اصطلاحهم -:
ذكر الأحاديث على ترتيب الصحابة ﴿ بحيث يوافق حروف الهجاء، أو يوافق السوابق
الإسلامية، أو يوافق شرافة النسب، فإن جمع على حروف التهجي، فالأحاديث المروية
عن أبي بكر الصديق به تقدم، وكذا أحاديث أسامة بن زيد، وأنس بن مالك، ونحوهما
على أحاديث الصحابة الأخر، وإن جمع على السوابق الإسلامية، فتقدم العشرة المبشرة
بالجنة، وتذكر أحاديث الخلفاء الراشدين على الترتيب، ثم أحاديث أهل بدر، وأهل
الحديبية، ثم مسلمة الفتح، ثم أحاديثُ النسوة الصحابيات، وتقدم الأزواج المطَّرات
على كلِّهن، ولم تقع رواية الحديث عن البنات الطاهرات إلا القدر اليسير من سيدة النساء؛
لأنهن مُثْنَ في حياة النبي ◌َّر، وماتت سيدة النساء بعده بستة أشهر، ولم تجد ◌ُتا فرصة
الرواية، وإن جمع على القبائل والأنساب، فتكتب أولًا مسانيد بني هاشم - خصوصًا:
الحسن، والحسين، وعلي المرتضى - ثم أحاديث القبائل التي هي الأقرباء منه وصلفر في
النسب، وحينئذٍ تقدَّم مرويات عثمان ذي النُّورَيْن على أحاديث أبي بكر الصديق، وأحاديثُ
الصديق وطلحةَ بْنِ عُبيد الله، على أحاديث عمر بن الخطاب، وقِس البواقي على هذا.
(١) النسائي في (مناقب أمير المؤمنين علي ﴿به)) وقد حققه وعلق عليه الشيخ أبو إسحاق حجازي بن محمد
الحويني المصري، طبعة دار الكتب العلمية.