النص المفهرس
صفحات 21-40
الْبَابُ الأَوَّلُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ الحَدِيثِ وَكُتُبِهِ وَأَهْلِهِ عُمُومًا، وَفِيهِ أَحَدٌ وَأَزْبَعُونَ فَضْلًا الفَصْلُ الأَوَّلُ: فيٍ حَدٌ عِلْمِ الحدِيثِ، وَمَوْضُوعِهِ، وَغَايَتِهِ قَالَ الكَرَمَانِيُّ فِي ((شَرْحِ الْبُخَارِيِّ)(١) اعلم: أن علم الحديث: مَوْضُوعُهُ: هو ذاتُ رَسُولِ اللهِ وَّيِ من حيث إنه رسول الله وَله . وَحدُّهُ: هو علْمٌ يعرف به أقوالُ رسولِ اللهِ وَّهِ وأفعالُهُ وأحوالُهُ. وغَايَتُهُ: هو الفوز بسعادة الدارين. قال السُّيُوطِيُّ: هذا الحَدُّ مع شموله لعلم الاستنباط غَيْرُ محرَّر، ولم يزل شيخنا العلّامة محيي الدين الكّافِيجِيُّ(٢) يتعجَّب من قوله: ((إن موضوع علم الحديث ذاتُ الرسول)؛، ويقول: هذا موضوعُ الطَّبِّ، لا موضوعُ الحديث. كذا في ((التدريب)(٣). قلت: وَالْعَجَبُ كُلُّ العجب من الكافيجيّ؛ أنه كيف تعَجَّب من قول الكَرْمانيّ: ((إن موضوع علم الحديث ذات الرسول)»؟ وكيف قال: إن هذا موضوعُ الطّبِّ لا موضوع الحديث؟ ! ألم يعلم أن موضوع الطب هو بدن الإنسان من حيث الصحة والمرض، لا ذاتُ رسول الله چلِے . فإن قال: إن ذاتَ رسول الله ◌َ من أفراد بدن الإنسان، فبهذا الاعتبار صار ذاته وَالفول موضوعَ الطبِّ. (١) (١٢/١). (٢) (الكافيجي) (٧٨٨ - ٨٧٩ هـ، ١٣٨٦ - ١٤٧٤ م) محمد بن سليمان بن سعد بن مسعود الرومي الحنفي محيي الدين، أبو عبد الله الكافيجي: من كبار العلماء بالمعقولات. رومي الأصل. اشتهر بمصر، ولازمه السيوطي ١٤ سنة. وعرف بالكافيجي لكثرة اشتغاله بالكافية في النحو. ولي وظائف، منها مشيخة الخانقاه الشيخونية. وانتهت إليه رياسة الحنفية بمصر. له تصانيف، أكثرها رسائل. [الأعلام: ٦/ ١٥٠]. (٣) النووي في ((تدريب الراوي)) (٤١/١). ٢٢ مقدمة تحفة الأحوذي قُلْنَا: لم يقل الكرمانيُّ: إن موضوعَ علم الحديث ذاتُ رسول الله وَ ل﴿ من حيث الصحة والمرض، بل قال: ((موضوع علم الحديث ذات رسول الله وص له من حيث إنه رسول الله فبعد تقييده بهذه الحيثية كيف يكون ذاته وص له موضوعَ الطَّبِّ؟! وَالْعجبُ مِن السُّيوطِيِّ أيضًا أنه نقل كلام شيخه الكافيجيّ هذا وسَكَتَ. وَقَالَ صَاحِبُ ((كشف الظنون))(١): عِلْمُ الْحَدِيثِ: هو علم يعرف به أقوال النبي ◌َّه وأفعاله وأحواله، فاندرج فيه معرفة موضوعه. وَأَمَّا غَايَتُهُ: فَهِيَ الْفَوْزُ بسعادة الدَّارَيْنِ. كَذَا فِي ((الْفَوَائِدِ الْخَافَانِيَّةِ)). وهو ينقسم إلى: الْعِلْمِ بِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ: وهو عِلْمٌ يُبْحَثُ فيه عن كيفية اتصال الأحاديث بالرسول - عليه الصلاة والسلام - من حيث أحوال رواتها ضبطًا وعدالةً، ومن حيث كيفيةُ السند اتصالًا وانقطاعًا، وغَيْرُ ذلك، وقد اشتهر بـ((أُصولِ الْحَدِيثِ)). وإِلَى الْعِلْمِ بِدِرَايَةِ الْحَدِيثِ: وهو علم باحثٌ عن المعنى المفهوم من ألفاظ الحديث، وعن المراد منها؛ مبنيًا على قَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ، وَضَوَابِطِ الشريعة، ومطابقًا لأحوال النبي ◌َّهِ. وموضوعُه: أَحَادِيثُ الرسولِ وَّهِ، من حيثُ دلالتها على المعنى المفهوم أو المراد. وَغَايَتُهُ: التحلِّي بالآداب النبوية، والتَّخَلِّي عما يكرهه وينهاه، ومنفعته: أعظم المنافع، كما لا يخفى على المتأمل. وَمَبادِتُه: العلوم العربية كُلُّها، ومعرفةُ القَصَص والأخبار المتعلِّقة بالنبيِ وَِّ، ومعرفةُ الأَصْلَيْنِ والفقه وغير ذلك. كذا في ((مفتاح السَّعادَة)). انتهى ما في ((الكشْفِ)). وقال الْجَزَائِرِيُّ: قد قَسَّموا علم الحديث أَوَّلًا إلى قسمَيْن: قِسْمِ يتعلَّق بروايته، وقسْم يتعلَّق بدرایته. (١) هو مصطفى بن عبد الله القسطنطيني الرومي الحنفي الصوفي الشهير بالملا كاتب الجلبي، والمعروف باسم: حاجي خليفة، (١٠١٧- ١٠٦٧ هـ) وكلامه هذا في كتابه ((كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون)» (١ / ٦٣٥ - علمية). ٢٣ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً وقال ابن الأكفانيّ في ((إرشاد القَاصِد)): علم رواية الحديث: علْمٌ ينقل أقوال النبيِّ ◌َ ه وأفعاله بالسماع المتصل، وضبطها، وتحريرها . وعلم دراية الحديث: علم يتعرَّف منه: أنواع الرواية، وأحكامُها، وشروطُ الرواة، وأصنافُ المرويات، واستخراجُ معانيها . قال الجزائريُّ(١): والأَوْلَى تسمية هذا الفَنِّ - أي: فَنَّ مُصْطَلِحِ الْحَدِيثِ الَّذِي سماه ابن الأكفاني بـ((عِلْم دِرَايَةِ الْحَدِيثِ)) - باسمه المعروف، أعني: ((مُصْطَلَحَ أَهْلِ الأَثَرِ)) فإنه أدَلُّ على المقصود، وليس فيه شيء من الإبهام والإيهام، وقد جَرَى على ذلك الحافظُ ابْنُ حَجَرٍ، فَسَمَّى رسالته المشهورة فيه بـ«نُخْبَةِ الْفِكْرِ، فِي مُصْطَلَحِ أَهْلِ الأَثَرِ))، انتهى. وذكر صاحب ((الحطة))(٢) ص٣٦ تعريفَ عِلْم الحديث في فصلين، فقال: الفصل الأوَّل: في علم الحديث روايةً، وهو: علم يبحث فيه عن كيفية اتصال الحديث برسول الله وَله، من حيث الصحةُ والضعف، ومن أحوال رواتها ضبطًا وعدالةً، وأحوال رجالها جَرْحًا وتعديلًا، ومن حيث كيفيةُ السند اتصالًا وانقطاعًا، وغَيْرُ ذلك، وقد اشتهر بـ(أُصُولِ الحَدِيثِ)). وقال البَاجُورِيُّ في حاشيته على ((الشَّمائِلِ المُحَمَّدِيَّةِ)): إنهم عرَّفوا عِلْمَ الحديثِ روايةً بأنه: علم يشتمل على نقل ما أضيف إلى النبي ﴿ - قيل: أو إلى صحابيٍّ، أو إلَى من دونه - قولًا، أو فعلًا، أو تقريرًا، أو صفة. وموضوعه: ذات النبي ◌َّيه من حيث إنه نبي، لا من حيث إنه إنسان مثلًا. وواضعه: أصحابه وَل﴿ الذين تصدَّوا لضبط أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته. وغايته: الفوز بسعادة الدارَیْن. (١) الباحث طاهر بن صالح السمعوني الجزائري ثم الدمشقي؛ عالم كبير باللغة والأدب، وكلامه هذا من كتابه (توجيه النظر إلى علم الأثر)) (١/ ٨١- مكتبة المطبوعات الإسلامية). (٢) هو صديق حسن خان القِنّوجي الحسيني، واسم كتابه ((الحطة في ذكر الصحاح الستة)) وكلامه هذا فيه، تحت صفحة ٧٨- ط العلمية. ٢٤ مقدمة تحفة الأحوذي ومسائله: قضاياه التي تذكر ضمنًا، كقولك: قال بَّهِ: ((إِنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ))(١)، فإنه متضمن لقضية قائله: ((إنما الأعمال بالنيات)) من أقواله ◌َلل. واسمه: علم الحديث رواية. ونسبته: أنه من العلوم الشرعية، وهي: الفقه، والتفسير، والحديث. وَفَضْله: أن له شرفًا عظيمًا، من حيث إنه تُعْرفُ به كيفية الاقتداء به وَّ. وحكمه: الوُجُوبُ العينيُّ على مَن انفردَ، والكِفَائِيُّ على من تعدد. واستمداده: من أقوال النبي وَّه، وأفعاله، وتقريره، وَهَمِّهِ، وأوصافِهِ الخلْقِيَّةِ، وأخلاقه المرضيّة. فهذه هي المبادئ العشرة. الفصل الثاني: في عِلْم الحديث درايةً، وهو المراد عند الإطلاق، وهو: علْمٌ يعرف به حال الراوي والمرويِّ من حيث القَبُولُ والرَّدُّ، وما يَتْبَعُ ذلك. وموضوعه: الراوي والمرويُّ من الحيثية المذكورة. وغايته: معرفة ما يُقبل وما يُردُّ من ذلك. ومسائله: ما يذكر في كتبه من المقاصد، كقولك: كلُّ حديثٍ صحيحٍ يُقْبَلُ. وواضعه: ابن شهابِ الزُّهْرِيُّ، في خلافة عُمَرَ بنِ عبد العزيز بأمره، وقد أمر أتباعه بعد فناء العلماء العارفين بالحديث بجمعه(٢)، ولولاه لضاع الحديث. واسمه: علم الحديث درايةً. (١) البخاري، كتاب بدء الوحي، حديث (١)، ومسلم كتاب الإمارة، حديث (١٩٠٧). (٢) قال أبو نعيم الأصبهاني في ((تاريخ أصبهان)) (٣٦٦/١): ((حدثنا الحسين بن عبد الله؛ ثنا ابن الجارود، ثنا إسماعيل بن عبد الله، ثنا درهم بن مظاهر، ثنا عبد العزيز بن مسلم، عن عبد الله بن دينار قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه واحفظوه؛ فإني أخاف دروس العلم وذهاب العلماء. وأشار البخاري في صحيحه (كتاب العلم - باب كيف يقبض العلم) وقال الحافظ في الفتح (١/ ٢٥٧ - فيحاء): ((يستفاد منه ابتداء تدوين الحديث النبوي)). وإنما نقلناه بإسناده لأننا لم نجده عند غير أبي نعيم، والله أعلم. ٢٥ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث و کتبه وأهله عموماً وبقية المبادئ العشرة تُعْلَمُ مما تقدَّم؛ لأنه قد شارك فيه النوع الثاني الأوَّلَ. كذا في ((حاشية الباجوريٌ)). انتهى ما في ((الحطة))(١). قُلْتُ: قد ظهر من هذه العبارات أن علم الحديث يطلق على ثلاثة معانٍ: الأوّل: أنه علم يُعْرَفُ بِهِ أقوال رسول الله ◌ِّيهِ وأفعاله وأحواله، وقد قيل له: ((العلمُ برواية الحديث)) كما في عبارة ابن الأكفانيّ والباجوريِّ. والثاني: أنه علم يُبْحَثُ فيه عن كيفية اتصال الأحاديث بالرسولِ وَلِّ، من حيثُ أحوالُ رُوَاتِهَا ضبطًا وعدالةً، ومن حيث كيفيةُ السَّنَدِ اتِّصالًا وانقطاعًا، وغَيْرُ ذلك. وعلْمُ الحديث بهذا المعنى الثَّاني هو المعروف بـ((علم أصول الحديث))، وقد قيل له: ((العلْمُ برواية الحديث)) أيضًا كما في عبارة ((الكَشْف)) و((الحطّةِ)). وقد قيل له: ((العلم بدِرَايَةِ الحديث)) أيضًا، كما في عبارة ابن الأكفاني والباجوريِّ. والثالث: أنه علم باحث عن المعنى المفهوم من ألفاظ الحديث، وعن المراد منها، مبنيًا على قواعد العربية، وضوابط الشريعة، ومطابقًا لأحوال النبي صَ*، كما في عبارة ((الکشف))، فاحفظ هذا. وقال العلامة الشيخ زكريا بن محمَّد الأنصاريُّ في ((فَتْحِ الْبَاقِي شَرْحِ أَلْفِيَّةِ الْعِرَاقِي))(٢): الحديثُ - ويرادِفه الخبر على الصحيح -: ما أضيف إلى النبي ◌َّفير - قيل: أو إلى صحابي، أو إلى من دونه - قولًا، أو فعلًا، أو تقريرًا، أو صفةً، ويعبّر عن هذا بـ«علم الحديث روايةً)). ويحدُّ بأنه: علم يشتمل على نقل ذلك. وموضوعه: ذات النبي پے من حيث إنه نبيٌّ. وغايته: الفوز بسعادة الدارين. وأما علم الحديث درايةً، وهو المراد عند الإطلاق، كما في النظم - يعني قول الناظم: [من الرجز] فَهذِهِ المقَاصِدُ المهِمَّة تُوضِحُ مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ رَسْمَهْ (١) القنوجي في ((الحطة)) (ص / ٧٩). (٢) (٧/١). ٢٦ مقدمة تحفة الأحوذي - فهو: علم يعرف به حال الراوي والمرويّ، من حيث القبولُ والرَّدُّ. وموضوعه: الراوي والمرويُّ، من حيث ذلك. وغايته: معرفة ما يُقبل وما يُردُّ من ذلك. ومسائله: ما یذکر في کتبه من المقاصد. انتهى. وقال العلّامة عِزُّ الدين بْنُ جَمَاعَةَ: علم الحديث علْمٌ بقوانين يُعْرَفُ بها أحوال السند والمتن(١)، وقد نظمه الجلال السيوطي (٢)، فقال: [من الرجز] يُدْرَى بِهَا أَحْوَالُ مَثْنٍ وَسَنَدْ عِلْمُ الْحَدِيثِ ذُو قَوَانِينَ تُحَدّ أَنْ يُعْرَفَ المقْبُولُ وَالمرْدُودُ فَذَانِكَ الموْضُوعُ وَالمِقْصُودُ فَائِدَةٌ فِي حدِّ المحَدِّثِ وَالْحَافِظِ وَالمُسْنِدِ : قَالَ السُّيوطِيُّ فِي ((التَّدْرِیبِ)): اعلم: أن أدنى درجات الثلاثة - (من المحدِّث، والحافظ، والمُسْند) - المُسْنِدُ - بكسر النون - وهو: من يروي الحديث بإسناده، سواء كان عنده علْمٌ به أو ليس له إِلَا مجرَّد روایة . وأما المُحَدِّثُ فهو أرفَعُ منه، قال الرَّافعيُّ وغيره: إذا أوصى للعلماء لم يدخُلِ الذين يسمعون الحديثَ، ولا عِلْمَ لهم بطرقه، ولا بأسماء الرواة والمتون؛ لأن السماع المجرَّد ليس بِعِلْم(٣). وقال التاج بن يونُسَ في ((شَرْح التَّعْجِيزِ)): إِذا أوصى المحدِّثِ تناول مَنْ علم طرق إثبات الحَدِيث وعدالة رجاله؛ لأن من اقتصر على السماع فقط ليس بعالم، وكذا قال السُّبْكِيُّ في ((شرحِ الْمنهاج)) (٤). وقال القاضي عبد الوهّاب: ذكر عيسى بنُ أَبَانَ(٥) عَنْ مالك أنه قال: لا يؤخذ العِلْمُ (١) انظر ((اليواقيت والدرر)) للمناوي (٢٣١/١) و((إتمام الدراية)) للسيوطي (ص ٤٦)، و((قواعد التحديث)) للقاسمي (ص ٧٥). (٢) انظر ((منهج ذوي النظر)) (ص/ ٨). (٣) انظر ((روضة الطالبين)) للنووي (١٦٩/٦). (٤) انظر ((فهرس الفهارس)) لعبد الحي الكتاني (٧٢/١ - العربي الإسلامي)، و((النكت على مقدمة ابن الصلاح)) لبدر الدين بن بهادر الزركشي (١ / ٤٤ - أضواء السلف). (٥) كذا قال؛ وهو وهم من المؤلف تبع فيه القاضي؛ والصواب: معن بن عيسى؛ وكذا أخرجه ابن أبي حاتم في = ٢٧ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً عن أربعة، ويؤخذ عمن سواهم: لا يؤخذ عن مُبْتَدِعٍ يدعو إلى بدعته، ولا عن سفيه يعلن بالسفه، ولا عمن يكذب في أحاديث الناس، وإن كان يصدق في أحاديث النبي وَّر، ولا عمن لا يعرف هذا الشَّأن، قال القاضي: فقوله: ((ولا عمن لا يعرف هذا الشأن)) مراده: إذا لم يكن ممن يعرف الرجال من الرواة، ولا يعرف هل زيد في الحديث شيء أو نقص، وقال الزركشي: أما الفقهاء فاسم المحدث عندهم لا يطلق إلا على من حفظ سند الحديث، وعلم عدالة رجاله وجرحها، دون المقتصر على السماع، وقال الشيخ تقي الدين السبكي: إنه سأل الحافظ جمال الدين المِزِّيّ عن حد الحفظ الذي إذا انتهى إليه الرجل جاز أن يطلق عليه الحافظ، قال: يرجع إلى أهل العرف، فقلت: وأين؟ أهل العرف قليل جدًّا، قال: أقل ما يكون أن يكون الرجال الذين يعرفهم، ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبلدانهم أكثر من الذين لا يعرفهم؛ ليكون الحكم للغالب، فقلت له: هذا عزيز في هذا الزمان، أدركت أنت أحدًا كذلك؟! فقال: ما رأينا مثل الشيخ شرف الدين الدمياطي، ثم قال: وابن دقيق العيد كان له في هذا مشاركة جيدة، ولكن: أين السهى من الثرى، فقلت: كان يصل إلى هذا الحد؟ قال: ما هو إلا كان يشارك مشاركة جيدة في هذا، أعني: في الأسانيد، وكان في المتون أكثر؛ لأجل الفقه والأصول. وقال الشيخ فتح الدين بن سيد الناس: وأما المحدث في عصرنا، فهو: من اشتغل بالحديث رواية ودراية، وجمع رواة، واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره، وتميز في ذلك حتى عرف فيه حظه، واشتهر فيه ضبطه، فإن توسع في ذلك حتى عرف شيوخه وشيخ شيوخه، طبقةً بعد طبقة، بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقة أكثر مما يجهله منها، فهذا هو ((الحافظ))(١). وأما ما يحكى عن بعض المتقدمين مِنْ قَوْلِهِمْ: كنا لا نعد صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث في الإملاء، فذلك بحسب أزمنتهم. انتهى. = ((الجرح والتعديل)) (٣٢/٢)، والعقيلي في ((الضعفاء)) (١٣/١)، والخطيب البغدادي في ((الكفاية)) (١٦٠/١)؛ کلهم عن مالك رحمه الله . (١) انظر ((النكت على مقدمة ابن الصلاح)) للزركشي (٥٣/١)، و((فهرس الفهارس)) للكتاني (٧٦/١)، و((قواعد التحديث» للقاسمي (ص ٧٧). ٢٨ مقدمة تحفة الأحوذي وسأل شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر شيخه أبا الفضل العراقي، فقال: ما يقول سيدي في الحدِّ الذي إذا بلغه الطالب في هذا الزمان استحق أن يسمى حافظًا؟ وهل يتسامح بنقص بعض الأوصاف التي ذكرها المِزِّيُّ وأبو الفتح - في ذلك - لنقص زمانه أم لا؟ فأجاب: الاجتهاد في ذلك يختلف باختلاف غلبة الظن في وقت ببلوغ بعضهم للحفظ، وغلبته في وقت آخر، وباختلاف من يكون كثير المخالطة للذي يصفه بذلك، وكلام المزِّيِّ فيه ضيق، بحيث لم يسم ممن رآه بهذا الوصف إلا الدمياطي، وأما كلام أبي الفتح فهو أسهل بأن ينشط بعد معرفة شيوخه إلى شيوخ شيوخه وما فوق. ولا شك: أن جماعة من الحفاظ المتقدمين كان شيوخهم التابعين أو أتباع التابعين، وشيوخُ شيوخهم الصحابة أو التابعين، فكان الأمر في هذا الزمان أسهل باعتبار تأخر الزمان، فإن اكتفى بكون الحافظ يعرف شيوخه وشيوخ شيوخه، أو طبقة أخرى، فهو سهل لمن جَعَلَ فَنَّهُ ذلك دون غيره من حفظ المتون والأسانيد، ومعرفة أنواع علوم الحديث كلها، ومعرفة الصحيح من السقيم، والمعمول به من غيره، واختلاف العلماء، واستنباط الأحكام، فهو أمر ممكن بخلاف ما ذكر من جميع ما ذكر، فإنه يحتاج إلى فراغ، وطول عمر، وانتفاء الموانع. وقد روي عن الزهري أنه قال: لا يولد الحافظ إلا في كل أربعين سنة (١). فإن صح كان المراد رتبة الكمال في الحفظ والإتقان، وإن وجد في زمانه من يوصف بالحفظ، وكم من حافظ وغيره أحفظ منه. انتهى ما في ((التدريب)) (٢) مختصرًا. وقيل : الحافظ: من أحاط علمه بمائة ألف حديث. والحجة: من أحاط علمه بثلاثمائة ألف حديث. والحاكم: من أحاط علمه بجميع الأحاديث المروية: متنًا، وإسنادًا، وجرحًا، وتعديلًا، وتاريخًا . (١) ذكره ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٩/٩) (٣٩) في ترجمة الوليد بن عبيد الله، من رواية: عمار بن رجاء، عن محمد بن بشير بن عطاء بن مروان الكندي، عن الوليد بن عبيد الله، عن الزهري .... فذكره. قال الحافظ في ((لسان الميزان)) (٧٧/١): محمد بن بشير ضعيف. (٢) انظر ((تدريب الراوي)) (٤٨/١-٤٩). ٢٩ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً وذكر القاري في ((شرح النخبة)) عن العلامة الجزري أن الراوي هو: الناقل للحديث بالإسناد، والمحدث: من تحمل الحدیث روایةً، واعتنى به دراية، والحافظ: من روی ما يصل إليه، ووعى ما يحتاج إليه (١). الفَصْلُ الثَّاني: في فَضِيلَةِ عِلْمِ الحدِيثِ وَأَهْلِهِ اعلم: أن أنف العلوم الشرعية ومفتاحها، ومشكاة الأدلة السمعية ومصباحها، وعمدة المناهج اليقينية ورأسها، ومبنى شرائع الإسلام وأساسها، ومستند الروايات الفقهية كلها، ومأخذ الفنون الدينية دقها وجلها، وأسوة جملة الأحكام وأَسَّها، وقاعدة جميع العقائد وإسطقسها، وسماء العبادات وقطب مدارها، ومركز المعاملات ومحط حارِّها وقارِّها - هو علم الحديث الشريف، الذي تعرف به جوامع الكلم، وتنفجر منه ینابیع الحكم، وتدور عليه رحى الشرع بالأسر، وهو ملاك كل نهي وأمر، ولولاه لقال من شاء ما شاء (٢)، وخبط الناس خبط عشواء، وركبوا متن عمياء. فطوبى لمن جد فيه، وحصل منه على تنويه، يملك من العلوم النواصي، ويقرب من أطرافها البعيد القاصي، ومن لم يرضع من دره، ولم يخض في بحره، ولم يقتطف من زهره، ثم تعرض للكلام في المسائل والأحكام فقد جار فيما حكم، وقال على الله تعالى ما لم يعلم، كيف وهو كلام رسول الله ◌ّى والرسول أشرف الخلق كلهم أجمعين، وقد أوتي جوامع الكلم وسواطع الحكم من عند رب العالمين، فكلامه أشرف الكلم وأفضلها، وأجمع الحكم وأكملها - كما قيل: كلام الملوك ملك الكلام - وهو تلو كلام الله العلام، وثاني أدلة الأحكام، فإن علوم القرآن وعقائد الإسلام بأسرها، وأحكام الشريعة المطهرة بتمامها، وقواعد الطريقة الحقة بحذافيرها، وكذا الكشفيات والعقليات بنقیرها وقطميرها تتوقف على بيانه ◌َّى فإنها ما لم توزن بهذا القسطاس المستقيم، ولم تضرب على ذلك المعيار القويم لا يعتمد عليها، ولا يصار إليها . فهذا العلم المنصوص، والبناء المرصوص بمنزلة الصراف لجواهر العلوم عقليها (١) وانظر ((شرح نخبة الفكر)) لأبي الحسن علي بن سلطان الهروي- المعروف بـ ((ملا علي القاري)) (ص/ ١٢٢). (٢) أخرج مسلم في مقدمة ((صحيحه)) عن عبد الله بن المبارك أنه قال: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. ٣٠ مقدمة تحفة الأحوذي ونقليها، وكالنقاد لنقود كل فنون أصليها وفرعيها؛ من وجوه التفاسير والفقهيات ونصوص الأحكام، ومأخذ عقائد الإسلام، وطرق السلوك إلى الله سبحانه وتعالى ذي الجلال والإكرام، فما كان منها كامل العيار في نقد هذا الصراف، فهو الحري بالترويج والاشتهار، وما كان زيفًا غير جيد عند ذاك النقاد فهو القمين بالرد والطرد والإنكار، فكل قول يصدقه خبر الرسول، فهو الأصلح للقبول، وكل ما لا يساعده الحديث والقرآن، فذلك في الحقيقة سفسطة بلا برهان، فھي - أي: علوم الحديث - مصابيح الدجى، ومعالم الهدى، وبمنزلة البدر المنير، من انقاد لها فقد رشد واهتدى، وأوتي الخير الكثير، ومن أعرض عنها وتولى، فقد غوى وهوى، وما زاد نفسه إلا التخسير، فإنه وَّيه نهى وأمر، وأنذر وبشر، وضرب الأمثال وذكر، وإنها لمثل القرآن بل هي أكثر، وقد ارتبط بها أتباعه ﴿ التي هي ملاك سعادة الدارين، والحياة الأبدية بلا مَين، كيف وما الحق إلا فيما قاله لي أو عمل به، أو قرره أو أشار إليه، أو تفكر فيه أو خطر بباله أو أَحَسَّهُ في خلده واستقام عليه. فالعلم - في الحقيقة - هو علم السنة والكتاب، والعمل: العمل بهما في كل إياب وذهاب، ومنزلته بين العلوم منزلة الشمس بين كواكب السماء، ومزية أهله على غيرهم من العلماء مزية الرجال على النساء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فيا له من علم سيط بدمه الحق والهدى، ونيط بعنقه الفوز بالدرجات العلى. وقد كان الإمام محمد بن علي بن حسين(١) عليه السلام يقول: ((إن من فقه الرجل بصيرته أو فطنته بالحديث))، ولقد صدق، فإنه لو تأمل المتأمل بالنظر العميق، والفكر الدقيق، لعلم أن لكل علم خاصية، تتحصل بمزاولته للنفس الإنسانية كيفيةٌ من الكيفيات الحسنة أو السيئة، وهذا علم من تعطي مزاولته صاحب هذا العلم معنى الصحابية؛ لأنها - في الحقيقة - هي: الاطلاع على جزئيات أحواله ربَّر، ومشاهدة أوضاعه في العبادات والعادات كلها، وعند بعد الزمان يتمكن هذا المعنى بمزاولته في مدركة المزاول، ويرتسم في خياله بحيث يصير في حكم المشاهدة والعيان، وإليه أشار القائل بقوله: [من البسيط]. (١) هو الباقر رحمه الله، وقوله هذا أخرجه الخطيب البغدادي في ((الفقيه والمتفقه)) (٥٤٥/١)، والحاكم في ((المدخل إلى كتاب الإكليل)) (ص/ ٢٨). ٣١ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً لَمْ يَصْحَبُوا نَفْسَهُ أَنفاسَهُ صَحِبُوا أَهْلُ الحَدِيثِ هُمُ أَهْلُ النَّبِيِّ وَإِنْ ويروى عن بعض العلماء أنه قال: أشد البواعث وأقوى الدواعي لي على تحصيل علم الحديث لفظُ: قال رسول الله وَ﴾(١)، فالحاصل: أن أهل الحديث - كثَّر الله تعالى سوادهم، ورفع عمادهم - لهم نسبة خاصة(٢)، ومعرفة مخصوصة بالنبي ◌َّي، لا يشاركهم فيها أحد من العالمين، فضلًا عن الناس أجمعين؛ لأنهم الذين لا يزال يجري ذكر صفاته العليا، وأحواله الكريمة، وشمائله الشريفة على لسانهم، ولم يبرح تمثال جماله الكريم، وخیال وجهه الوسیم، ونور حديثه المستبين، يتردد في حلق وسط جنانهم، فعلاقة باطنهم بباطنه العلي متصلة، ونسبة ظاهرهم بظاهره النقي مسلسلة، وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلّ أُنَاسٍِ بِإِمَمِ﴾ [الإسراء: ٧١]، قال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره))(٣): يخبر تبارك وتعالى عن يوم القيامة أنه يحاسب كل أمة بإمامهم، وقد اختلفوا في ذلك، فقال مجاهد وقتادة: أي بنبيهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمٍَّ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ الآية [يونس: ٤٧]، وقال بعض السلف: هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث؛ لأن إمامهم النبي ◌َّل. انتهى. وقد ورد في فضيلة علم الحديث وأهله أحاديث كثيرةٌ، وأنا أقتصر ــ ههنا - على ذكر خمسة أحاديث. ٠ الأوّل: روى الترمذي (٤)، عن ابن مسعود قال: قَالَ رَسُولُ اللهِوَله: ((أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً)) وَقَالَ: هذا حديث حسن غريب، قال القاري في ((المرقاة شرح المشكاة)) ورواه ابن حبان في ((صحيحه))، ذكره ميرك، والأحاديث في هذا الباب كثيرة، قال ابن حبان - عقب هذا الحديث - : في الخبر بيان صحيح على أن أولى الناس برسول الله ﴿ في القيامة يكون أصحاب الحديث؛ إذ ليس في هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه منهم. وقال غيره: لأنهم يصلون عليه قولًا وفعلًا. انتهى. (١) انظر ((الحطة)) للقنوجي (ص/ ٣٧)، و((قواعد التحديث)) للعلامة محمد جمال الدين القاسمي (ص/ ٤٧). (٢) أخرج مسلم في ((صحيحه)) (٢٤٩) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((ووددت أنا قد رأينا إخواننا؟ قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد)». (٣) ابن كثير في تفسيره)) (٥٣/٣). (٤) الترمذي، كتاب الصلاة، حديث (٤٨٤)، وابن حبان (٩١١). ٣٢ مقدمة تحفة الأحوذي وقال الخطيب في كتابه ((شرف أصحاب الحديث)): قال لنا أبو نُعَيْم: هذه منقبة شريفة يَخْتَصُّ بها رواة الآثار ونقلتها؛ لأنه لا يعرف لعصابة من العلماء من الصلاة على رسول الله ﴿﴿ أكثر مِمَّا يعرف لهذه العصابة نسخًا وذكرًا(١) .. وقال أبو اليمن ابن عساكر: ليهن أهلَ الحديث هذه البشرى، فقد أتم الله نعمه عليهم بهذه الفضيلة الكبرى، فإنهم أولى الناس بنبيهم، وأقربهم - إن شاء الله تعالى - وسيلة يوم القيامة إلى رسول الله وَلقه ، فإنهم يخلدون ذكره في طروسهم، ويجددون الصلاة والتسليم عليه في معظم الأوقات، في مجالس مذاكراتهم ودروسهم، فهم - إن شاء الله تعالى - الفرقة الناجية، جعلنا الله منهم، وحشرنا في زمرتهم(٢). انتهى. الحديث الثاني: روى الترمذي(٣) عن ابن مسعود قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: (ضّر اللهُ امْرَأَ سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَه كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغ أوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعٍ))، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب أحاديث أخرى. قال القاري: خص مبلِّغ الحديث كما سمعه بهذا الدعاء؛ لأنه سعى في نضارة العلم وتجديد السنة، فجازاه بالدعاء بما يناسب حاله، وهذا يدل على شرف الحديث وفضله، ودرجة طلابه، حيث خصَّهم النبي ◌َّه بدعاء لم يشرك فيه أحدًا من الأمة، ولو لم يكن في طلب الحديث وحفظه وتبليغه فائدة سوى أن يستفيد بركة هذه الدعوة المباركة لكفى ذلك فائدة وغنمًا، وجل في الدارين حظًّا وقسْمًا. انتهى. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: قال علماء الحديث: ما من أحَدٍ يطلب الحديث إلا كان على وجهه نضرة؛ لقول النبي ◌َّطاهر: ((نَضَّرَ اللهُ امْرَأْ سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا ... ))(٤) الحديث. قَالَ: وهذا دعاء مِنَ النَّبِيِّ وَّ﴿ لِحَامِلٍ علمه، ولا بد- بفضل الله تعالى - من نيل بركته. انتهى. (١) الخطيب البغدادي في ((شرف أصحاب الحديث)) (ص/ ٣٥). (٢) انظر ((فتح المغيث)) للسخاوي (٢/ ١٨٠)، و((الحطة)) للقنوجي (ص/ ٤١). (٣) الترمذي، كتاب العلم، حديث (٢٦٥٧). (٤) هو بهذا اللفظ أخرجه البزار في («مسنده) (٣٤٢/٨) (٣٤١٦) من حديث جبير بن مطعم، والطبراني في ((الكبير)) (١٥٤١) قال الهيثمي (١٣٩/١): في إسناده ابن إسحاق عن الزهري وهو مدلس، وله طريق عن صالح بن كيسان عن الزهري- يشير الهيثمي إلى ما أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٥٤٤)- ورجالها موثقون. ٣٣ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث و کتبه وأهله عموماً وإلى هذه النضرة أشار أبو العباس العزفي بقوله: [من الكامل] فَازُوا بِدَعْوَةِ سَيِّدِ الْخَلْقِ أَهْلُ الحَدِيثِ عِصَابَةُ الْحَقِّ لْألاوهَا كَتَأَلُّقِ الْبَرْقِ فَوُجُوهُهُمْ زُهْرٌ مُنَضَّرَةٌ مَا أَدْرَكُوهُ بِهَا مِنَ السَّبْقِ يَا لَيْتَنِي مَعَهُمْ فَيُذْرِگنِي الحديث الثالث: روى الطبراني (١) في ((الأوسط)) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اللَّهُمَّ ارْحَمْ خُلَفَائِي))، قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، وَمَنْ خُلَفَاؤُكَ؟ قَالَ: ((الَّذِينَ يَروُونَ أَحَادِيثِي ويُعَلِّمُونَهَا النَّاسَ)). قال القسطلاني في مقدمة ((إرشاد الساري) (١) بعد ذكر هذا الحديث: ولا ريب أن أداء السنن إلى المسلمين نصيحةً لهم من وظائف الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - فمن قام بذلك كان خليقة لمن يبلغ عنه، وكما لا يليق بالأنبياء عليهم السلام أن يهملوا أعاديهم ولا ينصحوهم، كذلك لا يحسن لطالب الحديث وناقل السنن أن يمنحها صديقه ويمنعها عدوه، فعلى العالم بالسنة أن يجعل أكبر همه نشر الحديث، فقد أمر النبي ؛ بالتبليغ عنه؛ حيث قال: ((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ... )) الحديثَ رواه البخاري (١). قال المظهريُّ: أَيْ: بَلِّغُوا عَنِّي أحاديثي، ولو كانت قليلة. قال البيضاوي: قال: ((ولو آيَةً)) ولم يقل: ولو حديثًا؛ لأن الأمر بتبليغ الحديث يفهم منه بطريق الأولوية، فإن الآيات - مع انتشارها وكثرة حملتها - تكفل الله تعالى بحفظها وصونها عن الضياع والتحريف. انتھی. وقال إمام الأئمة مالك رحمه الله تعالى: بلغني أن العلماء يسألون يوم القيامة عن تبليغهم العلم كما تسأل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (٤)، وقال سفيان الثوري: لا أعلم علمًا أفضل من علم الحديث لمن أراد به وجه الله تعالى، إن الناس يحتاجون إليه حتى في (١) الطبراني في «الأوسط)) (٥٨٤٦) قال الطبراني: تفرد به أحمد بن عيسى العلوي. قلت: قال الهيثمي (١/ ١٢٦): قال الدارقطني: كذّاب. قال الذهبي في ((الميزان)): هذا باطل. (٢) (إرشاد الساري)) (١/ ٤). (٣) البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، حديث (١٤٦١) من حديث ابن عمرو. (٤) انظر ((الحطة)) للقنوجي (ص/٣٨). ٣٤ مقدمة تحفة الأحوذي طعامهم وشرابهم، فهو أفضل من التطوع بالصلاة والصيام؛ لأنه فرض كفاية(١). انتهى. الحديث الرابع: روى البيهقي (٢) في ((المدْخَل)) عَنْ إِبْرَاهِيم بْن عبد الرَّحمن العذريِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((يَحْمِلُ هذَا الْعِلْمِ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الغَالِينِ، وَانِتِحَالَ المُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ)). كذا فِي ((المشكاة))(٣). قال القسطلاني (٤) - بعد ذكره من حديث أسامة بن زيد - : وهذا الحديث رواه من الصحابة علي، وابن عمر، وابن عمرو، وابن مسعود، وابن عباس، وجابر بن سمرة، ومعاذ، وأبو هريرة ﴿م، وأورده ابن عدي من طرق كثيرة، كلها ضعيفة، كما صرح به الدارقطني، وأبو نُعيم، وابن عبد البر، لكن يمكن أن يتقوى بتعدد طرقه ويكون حسنًا، كما جزم ابن کیکلدي العلائي. وفيه تخصيص حملة السنة بهذه المنقبة العلية، وتعظيم لهذه الأمة المحمدية، وبيان لجلالة قدر المحدثين، وعلو مرتبتهم في العالمين؛ لأنهم يحمون مشارع الشريعة، ومتون الروايات، من تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، بنقل النصوص المحكمة؛ لرد المتشابه إليها . وقال النووي في أول ((تهذيبه)): هذا إخبار منه وَ * بصيانة هذا العلم، وحفظه، وعدالة ناقليه، وأن الله تعالى يوفق له في كل عصر خَلقًا من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف، فلا يضيع، وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر، وهكذا وقع ولله الحمد، وهو من أعلام النبوة، ولا يضر كون بعض الفساق يعرف شيئًا من علم الحديث، فإن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه، لا أن غيرهم لا يعرف شيئًا منه (٥). انتهى. على أنه قد يقال: ما يعرفه الفساق من العلم ليس بعلم حقيقةً؛ لعدم عملهم، كما أشار إليه المولى سعد الدين التفتازاني في تقرير قول ((التلخيص)): قد يُنَزّلُ العالم منزلة الجاهل. وصرح به الإمام الشافعيُّ في قوله: (١) المصدر السابق. (٢) ابن وضاح في ((البدع والنهي عنها)) (١)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٣٠٧٠٠). (٣) ((مشكاة المصابيح)) للتبریزي (٨٢/١) (٢٤٨). (٤) ((إرشاد الساري)) (١/ ٤-٥). (٥) النووي في ((تهذيب الأسماء)) (٤٥/١- فكر). ٣٥ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث و کتبه وأهله عموماً ولَا العَقْلُ إِلَّا مَعَ الأَدَبِ ولا العِلْمُ إِلَّا مَعَ الثُّقَى ولعمري إن هذا الشأن من أقوى أركان الدين، وأوثق عرى اليقين، ولا يرغب في نشره إلا صادق تقي، ولا يزهده إلا كل منافق شقي. قال ابن القطان: ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث(١). وقال الحاكم: لولا كثرة طائفة المحدثين على حفظ الأسانيد لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والمبتدعة من وضع الأحاديث وقلب الأسانيد(٢). انتهى. الحديث الخامس: أخرج الترمذي(٣) في باب: ما جاء في أهل الشام، من أبواب الفتن، عن معاوية بن قُرَّةَ عن أبيه، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَله: ((إذا فَسَدَ أَهْلُ الشَّام فَلَا خَيْرَ فِيكُمْ، لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ)). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال: قال محمد بن إسماعيل - يعني البخاري : قال علي بن المدينيّ: هم أصحاب الحديث. انتهى. قال الإمام البخاري(٤) في ((صحيحه)): باب قول النبي ◌َّهِ: ((لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي ظاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ))، وهم أهل العلم. قال الحافظ في ((الفتح)) قوله: ((وهُمْ أَهْلُ العِلْمِ)) هو من كلام المصنف، وأخرج الترمذي حديثَ الباب، ثم قال: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: سمعت علي بن المديني يقول: هم أصحاب الحديث، قال: وذكر - أي البخاري - في كتاب ((خلق أفعال العباد)» عقب حديث أبي سعيد، في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا﴾ [البقرة: ١٤٣]: هم الطائفة المذكورة في حديث: ((لا تَزَالُ طائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ... )) ثم ساقه، وقال: ويُروى نحوه عن أبي هريرة، ومعاوية، وجابر، وسلمة بن نفيل، وقرة بن إياس(6). انتهى. (١) أخرجه الخطيب البغدادي في ((شرف أصحاب الحديث)) (ص/ ٧٣)، والحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (ص/ ٤) ومن طريقه أبو القاسم بن محمد الأصبهاني التيمي في ((الحجة في بيان المحجة)) (٢٢٠/١): كلهم عن ابن القطان، وهو أحمد بن سنان القطان. (٢) الحاكم في (معرفة علوم الحديث)) (ص / ٦). (٣) الترمذي، كتاب الفتن، حديث (٢١٩٢). (٤) البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي: ((لا تزال طائفة من أمتي ..... )). (٥) البخاري في ((خلق أفعال العباد)) (ص / ٦٠-٦١ - المعارف). ٣٦ مقدمة تحفة الأحوذي وأخرج الحاكم في ((علوم الحديث)) بسند صحيح عن أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم(١)، ومن طريق يزيد بن هارون مثله (٢) انتهى ما في ((الفتح)). قُلْت: ولأهل العلم في فضيلة الحديث وأهله أقوالٌ كثيرة منثورة ومنظومة. فمن أقوالهم المنظومة: ما أنشد السيد المرتضى الحسيني لنفسه في ((أماليه الشيخونية)): [من الطويل] عَلَيْكَ بِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ وَلَا تَعْدُوَنْ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ فَإِنَّهُمْ جَهّابِذَةٌ شُمُّ سَرَاةٌ فَمَنْ أَتَى لَقَدْ شَرَقَتْ شَمْسُ الْهُدَى فِي وُجُوهِهِمْ فَلِلَّهِ مَحْيَاهُمْ مَعًا وَمَمَاتُهُمْ وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ مَقَالَةً أَرَى المَرْءَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ كَأَنَّهُ عَلَيْهِ صَلاةُ اللهِ مَا ذَرَّ شَارِقٌ عِلْمُ الْحَدِيثِ شَرِيفٌ لَيْسَ يُدْرِكُهُ وَجَاهَدَ النَّفْسَ فِي تَحْصِيلِهِ فَغَدَا يَلْقَى الشُّيُوخَ وَيَرْوِي عَنْهُمُ سَنَدًا ذَاكَ الَّذِي فَازَ بالْحُسْنَى وَتَمَّ لَهُ طُوبَى لِمَنْ كَانَ هذَا الْعِلْمُ صَاحِبَهُ خِيارُ عِبَادِ اللهِ فِي كُلِّ مَحْفِلٍ نُجُوم الهُدَى فِي أَعْيُنِ المُتَأُمِّلِ إِلَى حَيِّهِمْ يَوْمًا فَبِالنُّورِ يَمْتَلِي وَقَدْرُهُم فِي النَّاسِ لَا زَالَ يَعْتَلِي لَقَدْ ظَفِرُوا إِذْرَاكَ مَجْدٍ مُوثَّل غَدَتْ مِنْهُمُ فَخْرًا لِكُلِّ مُحَصِّلٍ أرى المَرْءَ مِنْ صَحْبِ النَّبِيِّ المُفَضَّلِ وَآلٍ لَهُ وَالصَّحْبِ أَهْلِ التَّفَضُّلِ ومنها: ما قال السيد المرتضى الواسطي: [من البسيط] إِلَّ الَّذي فارَقَ الأوْطَانَ مُغْتَرِبَا يَجْتَابُ بَحْرًا وَفِي الأَوْعَارِ مُضْطَربا وَحَافِظُ مَا رَوَى عَنْهُمْ وَ مَا كَتَبَا حَظّ السَّعَادَة مَوْهُوبًا وَمُكْتَسَبًا لَقَدْ نَفَى اللهُ عَنْهُ الهَمَّ وَالْوَصَبَا (١) الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (ص/ ٢)، ثم قال الحاكم: فلقد أحسن أحمد بن حنبل في تفسير هذا الخبر. (٢) أخرجه الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (ص/١٧٨ - فكر)، والخطيب البغدادي في ((شرف أصحاب الحدیث» (ص/ ٢٤-٢٥) عن يزيد بن هارون من قوله. ٣٧ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث وكتبه وأهله عموماً ومنها: ما قال بعضهم وأجاد: [من البسيط] حَدِيثُ خَيْرِ الْبَرَايَا سَيِّدِ الْبَشَرِ بِالْعَدْلِ وَالْفَضْلِ وَالآياتِ وَالسُّورِ بِلَفْظِهِ مِنْهُ نَالُوا أَشْرَفَ الْوَطَرِ غُوَّاصُهُ بِأَعَالِي جَوْهَرِ الدُّرَرِ يَوْمَ الْوُرُودِ تَرَاهُ فَازَ بالصَّدِ لَهُ إِذا سَارَ هذَا أَفْخَرُ الْبَشَرِ يَرْعَاهُ بِالفَهْمِ لَوْ وَقْتًا مِنَ الْعُمُرِ لَهُ الْبَشَائِرُ فِي الآفاقِ بِالْبشر وُرْقٌ عَلَى فَنَنِ الأَغْصَانِ وَالشَّجَرِ أَصَُّ مَا قِيلَ بَعْدَ الذِّكْرِ مِنْ خَبَرٍ أَعْظِمْ بِهَ هَادِيًا زَكَّاهُ خَالِقُهُ فَلَوْ تَمَسَّكَ خَلْقُ اللهِ أَجْمَعُهُمْ هذَا هُوَ الْعِلْمُ وَالْبَحْرُ الَّذِي سَعِدَتْ تُشْفَى الصُّدُورُ بِهِ حَقًّا وَخَادِمُهُ تُلْقِي مَلَائِكَةُ الرَّحمنِ أَجْنِحَةً يسْتَغْفِرُ اللهَ حِيتَانُ الْبِحَارِ لِمَنْ الفَضْلُ لِلَّه هذا نُورُ مَنْ شَرَقَتْ صَلَّى عَلَيْهِ إِلهُ الْعَرْشِ مَا صَدَحَتْ ومنها: ما قال محمد بن محمد المديني: [من الطويل] أَئِمَّةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ الأَفَاضِلِ لَهُمْ رُتَبٌّ عُلْيَا وَأَسْنَى الْفَضَائِلِ وَلَمْ تَكُ فَتْوَى فِي فُنُونِ المِسَائِلِ نَعَمْ حَفِظُوهَا نَاقِلًا بَعْدَ نَاقِلٍ لَقَدْ أَخْرَزُوا فَضْلًا عَلَى كُلِّ فَاضِلٍ فَمَنْ فَاتَهُمْ يَحْظَى بِغَيْرِ الْفَضَائِلِ أَحَقُّ أُنَاسٍ يُسْتَضَاءُ بِهَدْيِهِمْ خَلَائِفُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ذَوُو الْحِمَى فَلَوْلَاهُمُ لَمْ يَعْرِفِ الشَّرْعَ عَالمٌ وَهَلْ نَشَرَ الآثَارَ قَوْمٌ سِوَاهُمُ فَدَيْتُهُمُ مِنْ عُصْبَةٍ عَلَم الْهُدَى هُمُ القَوْمُ لَا يَشْقَى لَعَمْرِي جَلِيسُهُمْ ومنها: ما قال السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير اليماني رحمه الله تعالى [من الطويل] سَلَامٌ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ فَإِنّنِي هُمُ بَذَلُوا فِي حِفْظِ سُنَّةٍ أَحْمَد وَأَعْنِي بِهِمْ أَسْلافَ سُنَّةٍ أَحمَدٍ أولئكَ أَمْثَالُ البُخَارِيْ وَمُسْلِمٍ بُحُورٌ وحاشاهُم عَنِ الجَزْرِ إِنَّمَا نَشَأْتُ عَلَى حُبِّ الأَحَادِيثِ مِنْ مَهْدِي وَتَنْقِيحِهَا مِنْ جُهْدِهِمْ غَايَةَ الْجُهْدِ أُولَئِكَ فِي بَيْتِ الْقَصِيدِ هُمُ قَصْدِي وَأَحْمَدَ أَهْلِ الجَدِّ فِي الْعِلْمِ وَالْجِدِّ لَهُمْ مَدَدِ يَأْتِي مِنَ اللهِ بالمَدِّ ٣٨ مقدمة تحفة الأحوذي رَوَوْا وَارْتَوَوْا مِنْ بَحْرٍ عِلْمٍ مُحَمَّدٍ كَفَاهُمْ كِتَابُ اللهِ والسُّنَّةِ الَّتِي أَأَنْتُمْ بِأَهْدَى أَمْ صَحَابَةُ أَحْمَدٍ أُولئكَ أَهْدى فِي الطَّرِيقَةِ مِنْكُمُ وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ المُقَلِّدِ في الهُدَى فَمَنْ قَلَّدَ النُّعْمَانَ أَصبَحَ شَارِبًا وَمَنْ يَقْتَدِي أَضْحَى إِمَامَ مَعَارِفٍ فَمُقْتَدِيًا فِي الحَقِّ كُنْ لَا مُقَلِّدًا وَأَقْبَحُ مِنْ كُلِّ ابْتَدَاعٍ سَمِعْتُهُ مَذَاهِبُ مَنْ رَامَ الْخِلَافَ لِبَعْضِهَا يُصَبُّ عَلَيْهِ سَوْطٌ ذَمِّ وَغِيْبَةٍ وَيُعزَى إِلَيْهِ كُلُّ مَا لَا يَقُولُهُ فَيَرْمِيهِ أَهْلُ الرَّفْضِ بِالنَّصبِ فِرْيَةً وَلَيْسَ لَهُ ذَنْبٌ سِوَى أَنَّهُ غدا وَيَتْبَعُ أَقْوَالَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ لَئِنْ عَدَّهُ الْجَُّالُ ذَنْبًا فَحبَّذا عَلَامَ جَعَلْتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ دِينَنَا هُمُ عُلَمَاءُ الدِّينِ شَرْفًا وَمَغْرِبًا وَلكِنَّهُمْ كَالنَّاسِ لَيْسَ كَلَامُهُمْ وَلَا زَعَمُوا حَاشَاهُمُ أنَّ قَوْلَهُمْ بَلَى صَرَّحُوا أَنَّا نُقَابِلُ قَوْلَهُمْ عَلَيْكَ بِأَصْحَابِ الحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ وَمَا النَّوْرُ إِلَّ فِي الحَدِيثِ وَأَهْلِهِ وَلَيْسَ لَهُمْ تِلْكَ المَذَاهِب مِنْ وَرْدِ كَفَتْ قَبْلَهُمْ صَحْبَ الرَّسُولِ ذَوِي المجْدِ وَأَهْلُ الْكِسَا هَيْهَاتَ مَا الشَّوْكُ كَالْوَرْدِ فَهُمْ قُدْوَتِي حَتَّى أُوَسَّدَ فِي لَحْدِي وَمَنْ يَقْتَدِي وَالصِّدُّ يُعْرَفُ بِالصِّدِّ نَبِيذًا وَفِيهِ الْقَوْلُ لِلْبَعْضِ بِالْحَدِّ وَكَانَ أُوِيْسًا فِي العِبَادَةِ وَالزُّهْدِ وَخَلِّ أَخَا التَّقْلِيدِ فِي الأَسْرِ بِالْقَدِّ وَأَنْكَاهُ لِلْقَلْبِ المُوَقَّقِ لِلرُّشْدِ يُعَضُّ بِأَنْيَابِ الأَسَاوِدِ وَالأُسْدِ وَيَجْفُوهُ مَنْ قَدْ كَانَ يَهْوَاهُ عَنْ عَمْدِ لِتَنْصِيصِهِ عِنْدَ التِّهامِيِّ وَالنَّجْدِ وَيَرْمِيهِ أَهْلُ النَّصْبِ بِالرَّقْضِ وَالْجَحْدِ يُتَابِعُ قَولَ اللهِ فِي الحَلِّ وَالعَقْدِ وَهَلْ غَيْرُهُ بِاللهِ فِي الشَّرْعِ مَنْ يَهْدِي؟! بِهِ حَبَّذا يَوْمَ انفِرَادِي فِي لَحْدِي لأَرْبَعَةٍ لَا شَكَّ في فَضلِهِمْ عِنْدِي؟! وَنُورُ عُيُونِ الفَضْلِ وَالحَقِّ وَالزُّهْدِ دَلِيلًا وَلا تَقْلِيدُهُمْ فِي غَدٍ يُجْدِي دَلِيلٌ فَيَسْتَهْدِي بِهِ كُلُّ مُسْتَهْدِي إِذا خَالَفَ المَنْصُوصَ بِالقَدْحِ وَالرَّدِّ ومنها: ما قال أبو محمد هبة الله بن الحسن الشيرازي: [من الطويل] عَلَى مَنْهَجِ لِلدِّينِ مَا زَالَ مُعْجَمَا إِذَا مَا دَجَى اللَّيْلُ الْبَهِيمُ وَأَظْلَمَا ٣٩ الباب الأول: فيما يتعلق بعلم الحديث و کتبه وأهله عموماً فَأَعْلَى البرايا مَنْ إِلى السُّنَنِ اعتَزَى وَمَنْ تَرَكَ الآثارَ ضُلِّلَ سَعْيُهُ وَأَعْمَى البَرَايَا مَنْ إلى البِدَعِ انْتَمَى وَهَلْ يَتْرُكُ الآثارَ مَنْ كانَ مُسْلمًا؟ !.. ومنها: ما قال أبو بكر بن أبي داود السجستاني: [من الطويل] تَمَسَّك بِحَبْلِ اللهِ وَاتَّبِعِ الهُدَى وَلَا تَكُّ بِدْعِيًّا لَعَلَكَ تُفْلِحُ أَتَتْ عَنْ رَسُولِ اللهِ تَنْجُو وَتَرْبَحُ وَلُذْ بِكِتَابِ اللهِ وَالسُّنَّنِ الَّتي وَدَعْ عَنْكَ آراء الرِّجَالِ وَقَوْلَهُمْ ولا تَكُ فِي قَوْمٍ تَلَهَّوْا بِدِينِهِمْ إِذَا ما اعْتَقَدْتَ الذَّهرَ يَا صَاحِ هذِهِ فَقَوْلُ رَسُولِ اللهِ أَزْکی وأُشْرَحُ فَتَطعَنُ فِي أَهْلِ الحدِيثِ وَتَقْدَحُ فَأَنْتَ علی خَيْرٍ تَبِيثُ وَتُصْبِحُ وللهِ در أبي بكر حميد القرطبي، فلقد أحسن وأجاد، حيث قال أشعارًا: [من البسيط] وَاحْدُ الرِّكَابَ لَهُ نَحْوَ الرِّضَى النَّدِسِ نُورُ الحَدِيثِ مُبِينٌّ فَادْنُ وَاقْتَبِسٍ وَاطلُبْهُ بِالصِّينِ فهوَ العِلْمُ إِنْ رُفِعَتْ فلا تُضعْ في سِوی تقییدِ شارِدِهِ وَخَلِّ سَمْعَكَ عَنْ بَلْوَى أَخِي جَدَلٍ مَا إِنْ سَمَتْ بِأَبِي بَكْرٍ وَلَا عُمَر إلَّا هَوىّ وَخُصُومات مُلَفَّقَةً فَلَا يَغُرَّكَ مِنْ أرْبَأَبِها هَذَرٌ أَعِرُهُمْ أُذْنَا صَمَّا إِذَا نَطَقُوا مَا العِلْمُ إلّا كِتَابُ اللهِ أو أثَرٌ نُورٌ لِمُقْتَبِسٍ خَيْرٌ لِمُلْتَمِسٍ فاعْكُفْ بِبابِهما على ◌ِلابِهِما وَرِدْ بِقَلْبِكَ عَذْبًا مِنْ حياضِهِما واقْفُ النَّبِيَّ وأتباعَ النَّبِيِّ تكُنْ وَالزَمْ مَجَالِسَهُمْ وَاحْفَظْ مُجَالِسَهُمْ واسلُكْ طَرِيقَهُمُ وَالزَمْ فَرِيقَهُمُ أَعْلَامُهُ بِرُبَاها يَا ابْنَ أَنْدُلُس عُمْرًا يَفُوتُكَ بَيْنَ اللَّحْظِ وَالنَّفَسِ شُغْلُ اللَّبِيبِ بِهَا ضَرْبٌ مِنَ الهَوَسِ وَلَا أَتَتْ عَنْ أَبِي هِرِّ وَلَا أَنَسِ لَيْسَتْ بِرَظْبٍ إِذَا عُدَّتْ وَلا يَبَسٍ أَجْدَى وَجَدُّكَ مِنْها نَغْمَةُ الجَرَسِ وَكُنْ إِذا سأَلُوا تُعْزَى إِلَى خَرَسٍ يَجْلُو بِنورِ هُداهُ كُلَّ مُلْتَبِسٍ حِمَّى لِمُخْتَرِسٍ نُعْمَى لِمُبْتَئِسٍ تَمْحُو العَمى بِهِما عن كُلِّ مُلْتَمسٍ تَغْسِل بِمَاءِ الهُدی ما فِیهِ مِنْ دَنَسٍ مِنْ هذْبِهِم أَبَدًا تَدْنو إلى قَبَسٍ وَانْدُبْ مَدَارِسَهُمْ بِالأَرْبُعِ الدُّرُسِ تَكُنْ رَفِيقَهُمُ فِي حَضْرَةِ القُدُسِ ٤٠ مقدمة تحفة الأحوذي فَحُظَّ رَحْلَكَ قَدْ عُوفِيتَ مِنْ تَعَسٍ تِلكَ السَّعَادَةُ إِنْ تَلْمُمْ بِسَاحَتِها وقال بعض الأعلام مخمِّسًا على هذه القصيدة: [من البسيط] وَحِرْتَ إِذْ غُمَّ عَنْكَ الرَّطْبُ بِالْيَبَسِ إِذْ كُنْتَ تَطْلُبُ عِلْمًا جِدَّ مُلْتَمِس نُورُ الحَدِيثِ مُبِينٌّ فادنُ وَاقْتَبِس فاسْمَعْ لِنُصْحِ لَبیبٍ أَيِّ مُحْتَرِسِ وَاحِدُ الرِّكَابَ لَهُ نَحْوَ الرِّضَى النَّدِسِ تَنْظُرْ شُمُوسَ الهُدى فِي الأُفْقِ قَدْ وَاقْطَع علائِقَ مِن تَحْصِيلِهِ مَنَعَتْ طَلَعَتْ فَاطلُبْهُ بِالصِّينِ فَهْوَ العِلْمُ إِن رُفعَتْ وَحُجْبَ غَيٍّ تَرَى عَنْ قَلْبِكَ ارْتَفَعَتْ أَعْلامُهُ بِرُباها يا ابْنَ أَندَلْسِ لَا تَقْنَعُ الدَّهْرَ مِنْ حَلْوَى مَوائِدِهِ ولَازِم الدَّرْسَ وَاغْنَمْ مِنْ فَوَائِدِهِ وَلَا تُضعْ فِي سِوَى تَقْییدِ شارِدِهِ - رَبْ فَدَيْتُكَ علّا مِنْ مَوَارِدِهِ عُمْرًا يَفُونُكَ بَيْنَ اللَّحْظِ والنَّفَسِ وانْبِذْ مَجَالِسه تُحْفَظْ مِنَ العِلَلِ دَعِ الكَلَامَ فَما فيهِ سِوَى الخطّلِ وَخَلِّ سَمْعَكَ عِنْ بَلوَى أَخِي جَدَلِ فَلَهْوَ شرِّ ابْتِدَاع جاءَ بِالخَلَلِ شُغْلُ اللّبيبِ بِها ضَرْبٌ مَن الهوَسِ لِلنَّاسِ مِنْ أَجْلِهِ فِي البَدْوِ والحَضَرِ اللهُ يَعْلَمُ كَمْ قَدْ سِيقَ مِنْ ضَرَدٍ مَا إِنْ سَمَتْ بِأَبِي بَكْرٍ وَلا عُمَر أَقْبِح بِهَا بِدْعَة تُدْني إلى الشَّررِ وَلَا أَتَتْ عَنْ أبِي هِرِّ وَلَا أَنَسٍ فَهِوَ الكلامُ بِكَسْرٍ سَاءَ مَخرَقَةٌ وَكَمْ دماءٍ غَدَتْ فِي النَّاسِ مُهْرَقَةً إلّا هوّى وَخُصُوماتٍ مُلَفَّقَةً فَلَا تُرى فيه شَمْسُ الحقِّ مُشرِقَةً لَيْستْ بِرَطْبٍ إِذَا عُدَّتْ وَلَا يَبَسٍ وَكُتْبُهُ بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ تُسْتَطِرُ دَاءٌ كَمَا جَرَبٌ في النَّاسِ مَنْتَشِرُ فِلاَ يَغُرَّكَ مِنْ أَرْبَابِها هَذرُ ذَرْ بِدْعَةً عِند أهْلِ الحقِّ تُخْتَقَرُ أَجْدَى وجَدُّكَ مِنْها نَغْمَةُ الجَرَسِ