النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وََّ / باب ((ومن سُورةٍ ﴿عَسَ﴾)) [ت ٧١، م٢] [٣٣٣٠] (٣٣٣٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أخْبَرَنِي شَبَّابَةُ عَن إِسْرَائِيلَ عَنِ ثُوَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((إنَّ أدْنَى أهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ إلى جِنَانِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ سَنَةٍ، وأكْرَمُهُمْ عَلَى الله عَزَّ وَجَلَّ مَن يَنْظُرُ إلى وَجْهِهِ غَدْوَةً وعَشِيَّةً))، ثُمَّ قَرأ رَسُولُ اللهِ وَ له: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةُ إِلَى ٢٢ رَِهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]. [ضعيف، ثوير، ضعيف حم: ٤٦٠٩]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَديثٌ غَرِيبٌ، وقَدْ رواه غَيْرُ وَاحِدٍ عَن إِسْرَائِيلَ مِثْلَ هَذَا مَرْفُوعاً . ورَوَى عَبْدُ المَلِكِ بْنُ أبجر عَن تُوَيْر عَن ابنٍ عُمَرَ قَوْلَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ. وَرَوَى الأَشْجَعِيُّ عَن سُفْيَانَ عَن تُوَيْرٍ عَن مُجَاهِدٍ عَن ابنِ عُمَرَ قَوْلهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَمَا نَعْلَمُ أحَدَاً ذَكَرَ فِيهِ عَن مُجَاهِدٍ غَيْرَ الثَّوْرِيِّ. حَدَّثَنَا بِذَلِك أَبُو كُريبٍ. حَدَّثَنَا عُبِيدُ اللهِ الأشجَعيُّ عَن سُفْيَانِ. ثويرٌ يُكَنَّى أَبَا جَهم، وَأَبُو فَاخِتَةَ اسْمُهُ: سَعِيدُ بْنُ عَلَاقَةً. ٧٢ - باب ((ومن سُورة ﴿عَبَسَ﴾)) [ت ٧٢، ١٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَةِ [٣٣٣١] (٣٣٣١) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الأَمَوِيُّ. حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: [٣٣٣٠] قوله: (إن أدنى أهل الجنة منزلة .... إلخ) مضى هذا الحديث مع شرحه في باب: ((رؤية الرب تبارك وتعالى)) من أبواب: ((صفة الجنة)). ٧٢ - باب وَمِنْ سُؤْرَةٍ عَبس(١) وَتُسَمَّى سُوْرَةَ السَّفَرَةِ وسُوْرَةَ الأَعْمَى مَكِّيَّةٌ، وَهِيَ إِحْدى أو اثْنَتَانٍ وَأَرْبَعُونَ آيَةً [٣٣٣١] (١) قال الشوكاني: وهي مكية في قول الجميع. وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة عبس بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. ٢٤٢ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ/ باب ((ومن سُورةٍ ﴿عَسَ﴾﴾)) هَذَا ما عَرَضْنَا عَلَى هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَن أبِيهِ عَن عائِشَةَ قَالَت: أَنْزِلَ ﴿عَبَسَ وَتَوَلٌَّ﴾ [عبس: ١] في ابنٍ أَمِّ مَكْتُوم الأَعْمَى، أتَى رَسُولَ الله ◌َّهِ فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ الله أَرْشِدْنِي، وَعِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَلَهَرَجُلٌ مِن عُظَمَاءِ المُشْرِكِينَ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ وَله يُعْرِضُ عَنْهُ ويُقْبِلُ عَلَى الآخَرِ وَيَقُولُ: ((أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأسَاً؟)) فَيَقُولُ: لَا، فَفِي هَذَا أُنْزِلَ. قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَريبٌ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ عَنِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَن أَبِيهِ قَالَ: أُنْزِلَ: وعبس وَتَوَ﴾ [عبس: ١] في ابنٍ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَن عَائِشَةَ. [ت ٧٢، م٢] [٣٣٣٢] (٣٣٣٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ الفَضْلِ، حَدَّثَنَا ثابِتُ بْنُ قوله: (هذا ما عرضنا على هشام بن عروة) أي: هذا ما قرأناه على هشام بن عروة؛ وهو يسمع . قوله: (﴿عَبَسَ﴾) أي: النبي وَلَ كلح وجهه، وقطب (﴿وَتَوَلَى﴾) أي: أعرض (في ابن أم مكتوم) اسمه عمرو بن زائدة، ويقال: عمرو بن قيس بن زائدة، وقيل: اسمه: عبد الله. والأول أكثر وأشهر. وأم مكتوم: أمه (أتى) أي: ابن أم مكتوم (أرشدني) أي: علمني (يعرض عنه) أي: عن ابن أم مكتوم (ويقول) أي: للرجل المشرك (أترى بما أقول) أي: من التوحيد (بأسًا) أي: ضَرَرًا وَحَرجًا (فيقول: لا) وفي رواية ((الموطأ)): ((وَيَقُولُ: يَا أَبَا فُلانٍ هَلْ تَرَى بِمَا أَقُولُ بَأُسًا؟ فَيَقُولُ: لَا وَالدِّمَاءُ مَا أَرَى بِمَا تَقُولُ بَأُسًا)) والدماء: جمع دمية، وهي: الصورة يريد بها : الأصنام. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه ابن حبان، وأبو يعلى(١)، وابن جرير (وروى بعضهم هذا الحديث، عن هشام بن عروة، عن أبيه؛ قال: أنزل ﴿عَبَسَ وَتَوَ﴾ .... إلخ) رواه مالك (٢) في ((الموطأ)). [٣٣٣٢] قوله: (حدثنا محمد بن الفضل) السدوسي، الملقب بـ ((عارم)) (حدثنا ثابت بن (٢) مالك في ((الموطأ)) (٤٧٥). (١) ابن حبان، حديث (٥٣٥)، وأبو يعلى (٤٨٤٨). ٢٤٣ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ◌َ / باب ((ومن سُورة ﴿إِذَا اُلَّمْسُ كُوْرَتْ﴾)) يَزِيدَ عَنِ هِلالِ بْنِ خَبَّابٍ عَن عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ قَالَ: ((تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاءً غُرْلًا))، فَقَالَت امْرَأَةٌ: أيُبْصِرُ أوْ يَرَى بَعْضُنَا عَوْرَةَ بَعْضٍ؟ قَالَ: ((يَا فُلَانَةُ: ﴿لِكُلِّ آمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُغْنِهِ﴾ [عبس: ٣٧])). قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، قد رُوِيَ مِن غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ، رَوَاهُ سَعيدُ بْنُ جُبيرٍ أيضاً. وَفِيهِ عَنْ عَائِشَةً مُِّنَا . ٧٣ - باب ((ومن سُورة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ﴾)) [ت ٧٣، م١] بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرّحمَةِ [٣٣٣٣] (٣٣٣٣) حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ العَظِيمِ العَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ بَجِيرٍ عَن عَبْدِ الرَّحْمنِ وهُوَ ابنُ يَزِيدَ الصَّنْعَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ يزيد) الأخول (عن هلال بن خباب) العبدي، البصري. قوله: (تحشرون حفاة) بضم المهملة، وتخفيف الفاء: جمع حَافٍ، أي: بلا خف، ولا نعل (عراة) بضم العين: جمع عار؛ وهو الذي لا ستر له (غرلًا) بضم الغين المعجمة، وسكون الراء: جمع أَغرل؛ وهو الأقلف، أي: غير مختونين (أيبصر) بضم الياء: من الإبصار (أو يرى) شك من الراوي (﴿لِكُلِّ آمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَيِدٍ شَأْنٌ يُقِهِ﴾) أي: لكل إنسان يوم القيامة حال يشغله عن شأن غيره، ويصرفه عنه؛ أي: يشتغل كل واحد بنفسه. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه النسائي، وابن أبي حاتم (١). ٧٣ - باب وَمِنْ سُورَةِ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ﴾ وتُسَمَّى سُوْرَةَ التَّكْويْرِ مَكِّيَّةَ وَهِيَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ آيَةً(٢) . [٣٣٣٣] قوله: (عن عبد الرحمن؛ وهو: ابن يزيد الصنعاني) أبو محمد القاص، صدوق، من الرابعة. (١) النسائي في ((الكبرى)) حديث (١١٦٤٧)، وابن أبي حاتم (٣٤٠٠/١٠) (١٩١٢٩). قلت: أما حديث عائشة الذي أشار إليه الترمذي، فتقدم في كتاب تفسير القرآن، حديث (٣٣٣١). (٢) وهي مكية بلا خلاف، وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس، قال: نزلت سورة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ﴾ بمكة. كذا قال الشوكاني في تفسيره (٣٨٥/٥). ٢٤٤ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِِّ / باب ((ومن سُورة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ﴾)) عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ كأَنَّهُ رأيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ﴾ [التكوير: ١] و﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] و﴿إِذَا السَّمَاءُ أُنشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١])). [حم: ٤٧٩١]. هذَا حَدِيثُ حَسنٌ غَرِيبٌ. وَرَوَى هِشَام بْنُ يُوسُفَ وَغَيرُهُ هذَا الحدِيثَ بِهِذَا الإسنَادِ وَقَالَ: ((مَنْ سَرَّهُ أنّ يَنْظُرَ إِلَى يَومِ القِيامَةِ كأَنَّه رَأْيُ عَينٍ فَلَيَقْرَأْ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾)) وَلَمْ يَذْكُرْ وَ﴿إِذَا السَّمَآءُ أَنْفَطَرَتْ﴾ و﴿ إِذَا السَّمَاءُ أُنشَقَّتْ﴾ . قوله: (من سره) أي: أعجبه (أن ينظر إلى يوم القيامة) أي: أحواله، وأن يطلع في أهواله (كأنه رأي عين) تقول: جعلت الشيء رأي عينك، وبمرأى منك؛ أي: حذاءك، ومقابلك بحيث تراه، هو منصوب على المصدر، أي: كأنه يراه رأي العين (فليقرأ ﴿إِذَا الشَّمْسُ(١) كُوَّرَتْ﴾) قال الحافظ ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ﴾ [التكوير: ١] يعني: أظلمت. وقال العوفي عنه: ذهبت، وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت؛ وكذا قال الضحاك، وقال قتادة: ذهب ضوؤها. وقال سعيد بن جبير: كورت: غورت، وقال الربيع بن خيثم: كورت؛ يعني: رمى بها، وقال أبو صالح: كورت: ألقيت، وعنه أيضًا نكست. وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض. قال ابن جرير: والصواب من القول عندنا في ذلك: أن التكوير: جمع الشيء بعضه على بعض، ومنه: تكوير العمامة، وجمع الثياب بعضها إلى بعض؛ فمعنى قوله تعالى: ﴿كُوْرَتْ﴾ [التكوير: ١] - جمع بعضها إلى بعض، ثم لفت؛ فرمى بها، وإذا فعل بها ذلك - ذهب ضوؤها. انتهى كلام الحافظ ابن كثير (﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]) أي: انشقت ﴿إِذَا السَّمَاءُ أُنشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] أي: انصدعت. والمراد: هذه السورة؛ فإنها مشتملة على ذكر أحوال يوم القيامة وأهواله. وحديث ابن عمر هذا أخرجه أيضًا أحمد، والطبراني، والحاكم(٢) وصححه، وابن مردويه. (١) قال النسفي (٣٣٥/٤): وارتفاع الشمس بالفاعلية ورافعها فعل مضمر يفسره (كورت) لأن (إذا) يطلب الفعل لما فيه من معنى الشرط. (٢) أبو نعيم في «حلية الأولياء)) (٢٣١/٩). ٢٤٥ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّهِ / باب ((وَمِن سُورة ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾)) ٧٤ - باب ((وَمِن سُورة ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾)) [ت ٧٤، ١٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ [٣٣٣٤] (٣٣٣٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَن ابنِ عَجْلَانَ عَن القَعْفَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَن أبي صَالِحِ عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَن رَسُولِ اللهِوَّهِ قَالَ: ((إنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءٌ، فَإِذَا هو نَزَعَ واستَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُه، ٧٤ - باب وَمِن سورةٍ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ مَدَنِيَّةٌ فِي قَوْلٍ، ومَكِّيَّةٌ فِي قَوْلٍ(١)، وَقِيْلَ: فِيْهَا ثَمَانِ آيَاتٍ مَكِّيَّةٍ وَهِيَ مِنْ قَولِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾ [المطففين: ٢٩] إلى آخرَهَا، وَقِيْلَ: فيها آيةٌ مَكّيَّةٌ وَهيَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَ عَلَيْهِ ءَنَا قَالَ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِنَ﴾ وَقِيْلَ إِنّهَا نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَديْنَةِ زَمَنَ الْهِجْرَةِ، وَهيَ ستُّ وَثَلاثُونَ آیةً [٣٣٣٤] قوله: (إن العبد إذا أخطأ خطيئة) وفي رواية أحمد: ((إِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا)) (نكتت في قلبه) بصيغة المجهول: من النكت؛ وهو في الأصل: أن تضرب في الأرض بقضيب؛ فيؤثر فيها (نكتة سوداء) أي: جعلت في قلبه نكتة سوداء؛ أي: أثر قليل؛ كالنقطة شبه الوسخ في المرآة والسيف ونحوهما. وقال القاري: أي: كقطرة مداد تقطر في القِرطاس. ويختلف على حسب المعصية وقدرها، والحمل على الحقيقة أولى من جعله من باب التمثيل والتشبيه؛ حيث قيل: شبه القلب بثوب في غاية النقاء والبياض، والمعصية بشيءٍ في غاية السواد أصاب ذلك الأبيض؛ فبالضرورة أنه يذهب ذلك الجمال منه، وكذلك الإنسان إذا أصاب المعصية - صار كأنه حصل ذلك السواد في ذلك البياض (فإذا هو) أي: العبد (نزع) أي: نفسه عن ارتكاب المعاصي (واستغفر) أي: سأل الله المغفرة (وتاب) أي: من الذنب (سقل قلبه) بالسين المهملة على البناء للمفعول، وفي رواية أحمد: ((صُقِلَ)) بالصاد. قال في ((القاموس)): السقل: الصقل. وقال فيه: صقله: جلاه. انتهى. والمعنى: نظّف وصفَّى مرآة قلبه؛ لأن التوبة بمنزلة المصقلة تمحو وسخ القلب وسواده حقيقيًا، أو تمثيليًا (١) قال القرطبي: وهي مكية في قول ابن مسعود والضحاك ومقاتل. ومدنية في قول الحسن وعكرمة. كذا في تفسير الشوكاني (٣٩٦/٥). ٢٤٦ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِّ / باب ((وَمِن سُورة ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾)) وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُو قَلْبَهُ وهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ الله ﴿كَلَّ بَلِّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤])). [جه: ٤٢٤٤، حم: ٧٨٩٢] . قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. [٣٣٣٥] (٣٣٣٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ بَصْرِيٌّ، حَدَّثَنَا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَن أيُّوبَ عَن نافِعٍ عَن ابنِ عُمَرَ قَالَ حَمَّادٌ: هُوَ عِنْدَنَا مَرْفُوعٌ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قَالَ: ((يَقُومُونَ في الرَّشْح إلى أَنْصَافِ آذَانِهِمْ)). [خ: ٤٩٣٨، م: ٢٨٦٢، جه: ٤٢٧٨، حم: ٤٥٩٩]. (وإن عاد) أي العبد في الذنب والخطيئة (زيد فيها) أي: في النكتة السوداء (حتى تعلو) أي: النكت (قلبه) أي: تطفئ نور قلبه؛ فتعمي بصيرته (وهو) الأثر المستقنح المستغلي (الران الذي ذكر الله) أي: في كتابه، وأدخل اللام على ران، وهو فعل؛ إما: لقصد حكاية اللفظ، وإجرائه مجرى الاسم، وإما لتنزيله منزلة المصدر (﴿كَلَّ بَلِّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]) قال الحافظ ابن كثير: أي: ليس الأمر كما زعموا، ولا كما قالوا: إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله وَّةٍ، وإنما حَجَبَ قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الران الذي قد لبس قلوبهم، من كثرة الذنوب والخطايا. والرين يعتري قلوب الكافرين، والغيم للأبرار، والغين للمقربين. انتهى. قلت: أصل الران، والرين: الغشاوة؛ وهو: كالصدأ على الشيء الصقيل. قال الطيبي: الران والرين: سواء؛ كالعَاب والعيب. والآية في الكفار إلا أن المؤمن بارتكاب الذنب، يشبههم في اسوداد القلب، ويزداد ذلك بازدياد الذنب. قال ابن الملك: هذه الآية مذكورة في حق الكفار؛ لكن ذكرها وَله؛ تخويفًا للمؤمنين؛ كي يحترزوا عن كثرة الذنب؛ كَيْلا تسودّ قلوبهم؛ كما اسودّت قلوب الكفار؛ ولذا قيل: المعاصي برید الكفر. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم(١)، وقال: صحيح على شرط مسلم. [٣٣٣٥] قوله: (عن أيوب) بن أبي تميمة السختياني (يقومون في الرشح) بفتحتين؛ أي: في العرق، وتقدم شيء من الكلام على هذا الحديث في أوائل صفة القيامة. (١) النسائي في ((الكبرى)) حديث (١١٦٥٨)، وابن حبان، حديث (١٧٧١ - موارد)، والحاكم، حديث (٣٩٠٨) وقال: على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. ٢٤٧ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِّهِ / باب ((ومن سُورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾)) [ت ٧٤، م٢] ٣١] (٣٣٣٦) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ ابنِ عَوْنٍ عَن نَافِعِ عَن ابنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قَالَ: ((يَقُومُ أحَدُهُمْ فِي الرَّشْحِ إِلى أَنْصَافِ أُذُنَيَّهِ)). قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ، وَفيهِ عَن أبي هُرَيْرَةَ. [ر: ٣٣٣٥]. ٧٥- باب ((ومن سُورة ﴿ إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾)) [ت ٧٥، ١٢] بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمِ [٣٣٣٧] (٣٣٣٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى عَن عُثمانَ بْنِ [٣٣٣٦] قوله: (حدثنا عيسى بن يونس) السبيعي، الكوفي (عن ابن عون) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان. قوله: (إلى أنصاف أذنيه) هو: من إضافة الجمع إلى الجمع حقيقة ومعنى؛ لأن لكل واحد أذنين. قاله العيني . قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان (١). قوله: (وفيه عن أبي هريرة) أي: وفي معنى حديث ابن عمر المذكور حديث أبي هريرة؛ وهو ما أخرجه الشيخان(٢) عنه؛ قال: قال رسول الله ◌َّه: ((يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيامَةِ حَتَّى يَذْهَب عَرَقَهُمْ فِي الأَرْضِ سَبْعِيْنَ ذِرَاعًا وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذانَهُمْ)). ٧٥ _ بَاب وَمِنْ سُورةٍ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ آَنْشَقَّتْ﴾ وتُسَمَّى سُورَةَ الانْشِقَاقِ، مَكِّيَّةٌ(٣)، وَهِيَ ثَلاثٌ أَوْ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ آيَةً. [٣٣٣٧] قوله: (حدثنا عبيد الله بن موسى) العبسي، الكوفي. (١) أحمد، حديث (٤٥٩٩)، والبخاري، كتاب تفسير القرآن، حديث (٤٩٣٨)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعیمها وأهلها، حدیث (٢٨٦٢). (٢) البخاري، كتاب الرقاق، حديث (٦٥٣٢)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث (٢٨٦٣). (٣) قال الشوكاني في تفسيره (٤٠٥/٥): وهي مكية بلا خلاف، وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس، قال: نزلت سورة الانشقاق بمكة. ٢٤٨ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((ومن سُورةٍ ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾)) الأسْوَدِ عَن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ عَن عَائِشَةَ قَالَت: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَلَ يَقُولُ: ((مَن نُوقِشَ الحِسَابَ هَلَكَ))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إنَّ الله [تَبَارَكَ وَتَعَالَى] يَقُولُ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَبَهُ بَِمِينِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧-٨] قَالَ: ((ذَلِكَ العَرْضُ)). [خ: ١٠٣، م: ٢٨٧٦، د: ٣٠٩٣، حم: ٢٣٦٨٠]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. حَدَّثَنَا سويد بْنُ نَصرِ، أخْبَرَنَا عبد الله بْنُ المُبَارَكِ عَن عُثْمَان بْنِ الأسوَدِ بِهِذَا الإسنَادِ نَحوَهُ. حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ أبَانَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَن أيُّوبَ عَن ابن أبي مُلَيْكَةَ عَن عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّمِ نحْوَهُ. [ت ٧٥، م٢] [٣٣٣٨] (٣٣٣٨) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أبي بَكْرٍ قوله: (عن عائشة قالت: سمعت النبي ◌َّ و يقول: من نوقش الحساب ... إلخ) سبق هذا الحديث مع شرحه في باب: ((العرض)) من أبواب: ((صفة القيامة)). [٣٣٣٨] قوله: (حدثنا محمد بن عبيد الهمداني) ضبط في ((النسخة الأحمدية)) بالقلم بفتح الهاء، وسكون الميم، وبالدال المهملة. وقال في ((التقريب)): محمد بن عبيد ابن عبد الملك الأسدي، الهمداني؛ بالتحريك، الجلاب؛ بالجيم، كوفي الأصل، ثقة، من العاشرة، ووقع في ((الخلاصة)) بالذال المعجمة، وقال في ((المغني)): الهمداني، بميم ومعجمة مفتوحتین، منه [مرار](١) بن حمویه، ومحمد بن عبيد. انتهى. وقال الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد المصري في كتاب ((مشتبه النسبة)): وأما الهمذاني؛ بفتح الميم والذال المعجمة فجماعة منهم: أصرم بن حوشب، والحارث بن عبد الله الخازن، ومحمد بن عبيد الهمداني الذي يروي عن الربيع بن زياد. انتهى. (حدثنا علي بن أبي بكر) بن سليمان الأَسْفَذْنِي؛ بفتح الهمزة، وسكون المهملة، وفتح الفاء، (١) في الأصل: مران، وهو غلط؛ والصواب ما أثبتُّ، وهو مَرَّار بن حمويه بن منصور أبو أحمد الهَمَداني الفقيه الحافظ. قال الخليلي: شيخ السنة وإمام وقته قديم الموت جليل نازل الإسناد. انظر ترجمته في ((تهذيب الكمال» للمزي (٥٨٤٨)، و((الإرشاد)» للخليلي (٦٣٩/٢). ٢٤٩ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَلِ / باب ((ومن سورة ﴿اَلْبُوجِ﴾)) عَن هَمَّامٍ، عَن قَتَادَةَ عَن أَنَسٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ قَالَ: ((مَن حُوسِبَ عُذِّبَ)). قَالَ: وَهَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِن حَدِيثٍ قَتَادَةَ عَن أنَسٍ لا نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثٍ قَتَادَةَ عَن أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ بَّهَ إلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ. ٧٦- باب ((ومن سورة ﴿اَلْبُرُوجِ﴾)) [ت ٧٦، ١٢] بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ [٣٣٣٩] (٣٣٣٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى عَن مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ عَن أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ عَن عَبْدِ الله بْنِ رَافِعٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ، وسكون المعجمة، بعدها نون، قبل ياء النسبة: نسبة إلى قرية بـ ((مرو)) صدوق، ربما أخطأ، وكان عابدًا، من التاسعة (عن همام) بن يحيى الأزدي العوذي. قوله: (من حوسب عذب) بالبناء للمفعول؛ أي: من حوسب بالمناقشة؛ كما يدل له الحديث المتقدم. قوله: (وهذا حديث غريب) وأخرجه الضياء(١) (لا نعرفه من حديث قتادة، عن أنس، عن النبي ( 98 إلا من هذا الوجه) قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة علي بن أبي بكر: أورد له ابن عدي، عن همام، عن قتادة، عن أنس ((مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ))، وقال: هو خطأ، والصواب: ما رواه عمرو بن عاصم، عن همام، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، ثم قال: لا أعرف له خطأ غير هذا الحديث الواحد، ويمكن أن يكون من الراوي عنه محمد بن عبيد الهمداني. انتهى. والحديث المذكور رواه الترمذي، عن محمد بن عبيد، واستغربه. انتهى. ٧٦ - بَاب وَمِنْ سُورةِ البُرُوجِ مَكِّيَّةٌ وهِيَ اثْتَتَانٍ وَعِشْرونَ آيَةً(٢) [٣٣٣٩] قوله: (عن موسى بن عبيدة) الرَّبذِي (عن أيوب بن خالد) بن صفوان بن (١) الضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة)) من طريق شيخ الترمذي به مثله (٧/ ٢٧) (٢٤٠٩) وإسناده حسن رجاله ثقات كلهم، وفي علي بن أبي بكر بن سليمان الكندي كلام لا ينزل حديثه عن رتبه الحسن إن شاء الله تعالى. والله أعلم. (٢) قال الشوكاني في تفسيره (٤١٠/٥): وهي مكية بلا خلاف، وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت ﴿وَالتَّعَلِّ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ بمكة. ٢٥٠ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَقو / باب ((ومن سورة ﴿اَلْبُوجِ﴾)) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اليَوْمُ المَوْعُودُ يَوْمُ القِيَامَةِ، واليَوْمُ المَشْهُودُ يَوْم عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الجُمعَةِ)) قال: ((وَمَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلا غَرَبَتْ عَلَى يَوْم أفْضَلَ مِنْهُ، فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَدْعُو الله بِخَيْرِ إلَّا اسْتَجَابَ الله لَهُ، وَلاَ يَسْتَعِيذُ مِن شَرِّ إلَّا أعاذَهُ الله مِنْهُ)). حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا قُرَّانُ بْنُ تَمَّامِ الأسَدِيُّ عَن مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ بهذَا الإسْنَادِ نَحْوَهُ. ومُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبذِيُّ يُكَنَّى أبَا عَبْدِ العَزِيزِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيه يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ القَطَّانِ وَغَيْرُهُ مِن قِبَلِ حِفْظِهِ. وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الأَئِمَّةِ عَنْهُ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حسنٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثٍ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، ومُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ يُضَعَّفُ في الحَدِيثِ، ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ مِن قِبلِ حفظه . أوس بن جابر، الأنصاري، المدني، ثم البرقي، ويعرف بابن أبي أيوب، لينه ابن حجر، وقد احتج به مسلم وغيره؛ كذا قال الخزرجي في ((الخلاصة))، وأراد بابن حجر: الحافظ ابن حجر العسقلاني. قوله: (اليوم الموعود) أي: المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلْيَوْمِ اٌلْمَوْعُودِ ﴿ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُورٍ﴾ [البروج: ٢، ٣] (يوم القيامة)؛ لأن الله وعد به الناس (واليوم المشهود: يوم عرفة)؛ لأن الناس يشهدونه؛ أي: يحضرونه، ويجتمعون فيه (والشاهد: يوم الجمعة) أي: يشهد لمن حضر صلاته (أفضل منه) أي: من يوم الجمعة (من شيء) وفي بعض النسخ: (مِنْ شَرِّ)). قوله: (هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث موسى ... إلخ) وأخرجه أحمد، وابن أبي حاتم(١)، وابن خزيمة. (١) أحمد، حديث (٧٩١٢)، وابن أبي حاتم (٣٤١٣/١٠) (١٩٢٠٤)، والطبراني في ((الأوسط)) (١٠٨٧). ٢٥١ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ/ باب ((ومن سورة ﴿اَلْبُوجِ﴾)) [ت ٧٦، م٢] [٣٣٤٠] (٣٣٤٠) حَدَّثَنَا مَحمُودُ بْنُ غَيْلَانَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ المَعْنَى وَاحِدٌ قالًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَن مَعْمَرٍ عَن ثَابِتِ البُنَانِيِّ عَن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أبِي لَيْلَى عَنِ صُهَيْبٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ إِذَا صَلَّى العَصْرَ هَمَسَ والهَمْسُ في قول بعضهم تَحَرُّكُ شَفَتَيْهِ كَأَنّهُ يَتَكَلَّمُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ يَا رَسُولَ الله! إذا صَلَّيْتَ العَصْرَ هَمَسْتَ، قَالَ: ((إِنَّ نَبِيَّاً مِنَ الأَنْبِيَاءِ كَانَ أُعْجِبَ بِأُمَّتِهِ فَقَالَ: مَن يَقُومُ لِهَؤْلَاءِ؟ فَأَوحَى الله إلَيْهِ أَنْ خَيِّرْهُمْ بَيْنَ أنْ أنْتَقِمَ مِنْهُمْ، وبَيْنَ أنْ أُسَلِّطَ عَلَيْهِم عَدُوَّهُمْ، فاخْتَارُوا النِّقْمَةَ، [٣٣٤٠] قوله: (عن صهيب) بن سنان الرومي، الصحابي المشهور. قوله: (همس) من باب ضَرَبَ؛ أي: تكلم بكلام خفيّ (والهمس في قول بعضهم: تحرك شفتيه؛ كأنه يتكلم) تفسير الهمس هذا من بعض الرواة. قال في ((النهاية)): الهمس: الكلام الخفي، لا يكاد يفهم (كان أعجب) بصيغة المجهول: من الإعجاب (بأمته) أي: من جهة الكثرة. يقال: أُعْجِبَ بالشيء: سَرَّه الشيءُ، وعجب منه (فأوحى الله إليه) أي: ذلك النبي (أن خيرهم بين أن أنتقم منهم) أي: أعاقبهم (فاختاروا النقمة)؛ بالكسر، وبالفتح، وكفرحة؛ هي: المكافأة بالعقوبة. اعلم: أن حديث صهيب هذا رواه الترمذي هكذا مختصرًا مجملًا، ورواه أحمد(١) في («مسنده) مطولًا مفصلًا؛ فرواه من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب؛ قال: ((كَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَ لَهَ إِذَا صَلَّى هَمَسَ شَيْئًا لَا أَفْهَمُهُ، وَلَا يُخْبِرُنَا بِهِ. قَالَ: أفِطِنْتُمْ لِي؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: إِنِّي ذَكَرْتُ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِياءِ أَعْطَى جُنُوْدًا مِنْ قَوْمِهِ فَقَالَ: مَنْ يُكَافِئُ هَؤُلَاءِ أَوْ مَن يَقُومُ لِهَؤلاء؟ أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الكَلامِ؛ فَأَوْحَى إِلَيْهِ أَنِ اخْتَرْ لِقَوْمِكَ إِحْدَى ثَلاثٍ: إِمَّا أنْ نُسَلِّطَ عَلَيْهِم عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، أَو الجُوْعَ، أَو المؤْتَ؛ فَاسْتَشَارَ(٢) قَوْمَهُ فِي ذَلِكَ؛ فَقَالُوا: أَنْتَ نَبِيُّ الله فَكُلُّ ذَلِكَ إِلَيْكَ خِرْ لَنَا؛ فَقَامَ إِلَى الصَّلاةِ وَكَانُوا إِذَا فَزِعُوا فَزَعُوا إِلَى الصَّلاةِ؛ فَصَلَّى مَا شَاءَ الله قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَي رَبِّ أَمَّا · عَدُوٌّ منْ غَيْرِهِم فَلَا، أو الجوعُ فلا، ولكِنِ المؤْتُ؛ فَسُلِّطَ عَلَيْهِمُ المَوْتُ؛ فَمَاتَ مِنْهُمْ سَبْعُوْنَ (١) أحمد، حديث (٢٣٤٠٩). (٢) في نسخة مطبوعة (فاستضار) وهو تحريف وخطأ ظاهر. ٢٥٢ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّ / باب ((ومن سورة ﴿الْبُوچ﴾)) فَسَلّطَ عَلَيْهِم المَوْتَ، فَمَاتَ مِنْهُمْ فِي يَوْمِ سَبْعُونَ أَلْفاً)). قَالَ: وكان إذَا حَدَّثَ بِهِذَا الحَدِيثِ حَدَّثَ بِهَذَا الحَدِيثِ الآخَرِ. قَالَ: ((كَانَ مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ، وَكَانَ لِذَلِكَ المَلِكِ كَاهِنٌ يَكْهَنُ لَهُ، فَقَالَ الكَاهنُ: انْظُرُوا لِي غُلَاماً فَهماً أوْ قَالَ: فَطِناً لَقِناً فأُعَلِّمَهُ عِلْمِي هَذَا، فإِنِّي أخَافُ أنْ أمُوتَ فَيَنْقَطِعَ مِنْكُمْ هَذَا العِلْمُ، وَلا يَكُون فيكم مَن يَعْلَمُهُ، قَالَ: فَنَظَرُوا لَهُ عَلَى ما وَصَفَ، فَأَمَرَوهُ أنْ يَحْضُرَ ذَلِكَ الكاهِنَ وَأنْ يَخْتَلِفَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِ، وَكَانَ عَلَى طَرِيقِ الْغُلَامِ رَاهِبٌ فِي صَوْمَعَةٍ)) - أَلْفًا؛ فَهَمسِي الَّذِي تَرَوْنَ أَنِّي أَقُوْلُ: اللَّهُمَّ بِكَ أُقَاتِلُ وَبِكَ أُصَارِلُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بِالله)) ورواه من طريق عفان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب: ((أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّلَكَانَ أَيَّامِ حُنَيْنِ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ بِشَيءٍ لَمْ نَكُنْ نَرَاهُ يَفْعَلُهُ [قبلَ ذلكَ]، فَقُلْنَا: يا رسولَ الله! إِنَّ نَرَاكَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ فَمَا هَذَا الّذِي تُحَرِّكُ شَفَتَيْك؟ قَالَ: ((إِنَّ نَبِيًّا فِيْمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَعْجَبَتْهُ كَثْرَةُ أَمَّتِهِ فَقَالَ: لَنْ يَرُوْمَ هَؤلاءِ شَيءٌ . فَأَوْحَى الله إليهِ أَنْ خَيِّرْ أُمَّتَكَ بَيْنَ إِحدى ثلاثٍ؛ إِمَّا أنْ نُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَسْتَبْيحَهُمْ، أَوِ الجُوْعَ وإمّا أَنْ أُرْسِلَ عَلَيْهِمُ المُؤْتَ، فَشَاوَرَهُم، فَقَالُوا: أَمَّا العدوُّ فَلا طَاقَةً لَنَا بِهِمْ. وأَمّا الجُوْعُ فَلَا صَبْرَ لَنَا عَلَيْهِ، وَلَكِنِ المُؤْثُ، فَأَرْسَلَ عليْهمُ المُؤْتَ فَمَاتٍ مِنْهُمْ فِي ثَلاثَةِ أَيَّامِ سَبْعُونَ أَلْفًا)) قَالَ رَسولُ اللهِ وَّه: ((فَأْنَا أَقُولُ الآنَ حَيْثُ رَأَى كَثْرَتَهُمْ: اللَّهُمَّ بِكَ أُحَاوِلُ وَبِّكَ أُصاوِلُ وبِكَ أقاتِلُ)) (قال: وكان إذا حدَّث بهذا الحديث - حدث بهذا الحديث الآخر، قال: كان ملك من الملوك ... إلخ) قال الحافظ ابن كثير: وهذا السياق ليس فيه صراحة أن سياق هذه القصة من كلام النبي بَّ، قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: فيحتمل أن يكون من كلام صهيب الرومي؛ فإنه كان عنده علم من أخبار النصارى. انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح)) صرح برفع القصة بطولها حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، ومن طريقه أخرجه مسلم، والنسائي، وأحمد، ووقفها معمر، عن ثابت، ومن طريقه أخرجها الترمذي. انتهى. قلت: في ((صحيح مسلم)): عن صهيب؛ أن رسول الله وَ ◌ّ ه قال: ((كَانَ مَلِكٌ فِيْمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ ... إلخ)) (غلامًا فهمًا) أي: سريع الفهم (أو قال: فطنًا) أي: حاذقًا (لقِنًا) أي: حسن التلقن لما يسمعه، وهذه الألفاظ الثلاثة بوزن: كَتِف بفتح الكاف، وكسر الفوقية. (فَتَظَروا له) أي: للكاهن (على ما وصف) أي: ذكر لهم الكاهن (فأمروه) أي: فوجدوا غلامًا على ما وصفه؛ فأمروه (وأن يختلف إليه) أي: يتردد إليه (راهب في صومعة) ٢٥٣ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَّ / باب ((ومن سورة ﴿الْبُرُوج﴾)) قَالَ مَعْمَرٌ: أحْسِبُ أنَّ أصْحَابَ الصَّوَامِع كانُوا يَوْمَئِذٍ مُسْلِمِينَ. قَالَ: فَجَعَلَ الغُلَامُ يَسْأَلُ ذَلِكَ الرَّاهِبَ كُلّمَا مَرَّ بِهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَخْبَرَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أعْبُدُ الله. قَالَ: ((فَجَعَلَ الغُلَامُ يَمْكُثُ عِنْدَ الرَّاهِبِ وَيُبْطِئُ عَلى الكاهِنِ، فَأَرْسَلَ الكاهِنُ إلَى أهْلِ الغُلَامِ إِنَّهُ لا يَكَادُ يَحْضُرُنِي، فَأَخْبَرَ الغُلَامُ الرَّاهِبَ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: إِذَا قَالَ لَكَ الكاهِنُ: أيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْ: عِنْدَ أهْلِي، وَإِذَا قَالَ لَكَ أهْلُكَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فأخْبِرْهُمْ أنّكَ كُنْتَ عِنْدَ الكاهِنِ، قَالَ: فَبَيْنَمَا الغُلَامُ عَلَى ذَلِكَ إِذْ مَرَّ بِجَمَاعَةٍ مِنَ النّاسِ کَثِيرٍ قَدْ حَبَسَتْهُمْ دَابَّةٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ تِلْكَ الدَّابَّةَ كَانَت أسَداً. قَالَ: فَأَخَذَ الغُلَامُ حَجراً قَالَ: اللَّهِمَّ إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ الرَّاهِبُ حَقًّا فَأَسْألُكَ أنْ أَقْتُلَهَا. قَالَ: ثُمَّ رَمَّى فَقَتَلَ الذَّابَّةَ. فَقَالَ النّاسُ: مَن قَتَلَهَا؟ قالُوا: الغُلَامُ، فَفَزِع النّاسُ وَقالُوا: لقَدْ عَلِمَ هَذَا الغُلَامُ عِلْماً لَمْ يَعْلَمْهُ أحَدٌ. قَالَ: فَسَمِعَ بِهِ أعْمَى، فَقَالَ لَهُ: إنْ أنْتَ رَدَدْتَ بَصَرِي فَلَكَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ له: لا أُرِيدُ مِنْكَ هَذَا، وَلكِنْ أرأيْتَ إِنْ رَجَعَ إليْكَ بَصَرُكَ أَتُؤْمِنُ بِالَّذِي رَدّهُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَدعَا الله فَرَدَّ عَلَيْهِ بَصَرَهُ. فَآَمَنَ الأعْمَى، فَبَلَغَ المَلِك أمْرُهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَالَ: لأَقْتُلَنَّ كلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ قِتْلَةً لا أقْتُلُ بِهَا صَاحِبَهُ، فأمَرَ بالرَّاهِبِ والرَّجُلِ الَّذِي كَانَ أعْمَى فَوَضَعَ الِمِنْشَارَ . الراهب: واحد رهبان النصارى؛ وهو: من اعتزل عن الناس إلى دير طلبًا للعبادة. والصَوْمَعَةُ؛ كجوهرة: بيت للنصارى ينقطع فيه رهبانهم (قال معمر: أحسب أن أصحاب الصوامع كانوا يومئذٍ مسلمين) كما يدل عليه سياق هذه القصة (فلم يزل به) أي: الغلام بالراهب (قال: فأخَذَ الغلام حجرًا) وفي رواية مسلم (١): ((فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ السَّاحِرُ أَفْضَلُ، أَمِ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ؛ فَأَخَذَ حَجَرًا)) (قال: فسمع به أعمى) وفي رواية مسلم. ((فَأَتَى الرَّاهِبُ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أَي بُنَيّ أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى، وإِنَّكَ ستبتلى؛ فَإِن ابْتُلِيتَ فَلا تدُلُّ عَلَيَّ، وَكَانَ الْغُلَامُ يُبرِئُ الأكمهَ وَالأَبْرَصَ وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الأَدْوَاءِ، فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمِلكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيْرَةٍ» (لأقتلن كل واحد منكم قتلة) بكسر القاف؛ أي: بنوع من القتل (لا أقتل بها صاحبه) صفة لقوله ((قتلة)): (فوضع المنشار) بكسر الميم: آلة ذات أسنان ينشر بها الخشب ونحوه (١) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، حديث (٣٠٠٥). ٢٥٤ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ/ باب ((ومن سورة ﴿اُلْبُوچ﴾)) عَلَى مَفْرقِ أحَدِهِمَا فَقَتَلَه وَقَتَلِ الآخَرَ بِقَتْلةٍ أُخْرَى. ثُمَّ أمَرَ بِالغُلَامِ، فَقَالَ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى جَبَلٍ كَذَا وكَذَا فَأَلْقُوهُ مِن رَأْسِهِ، فَانْطَلَقُوا بِهِ إلى ذَلِكَ الجَبَلِ، فَلَمَّا انْتَهُوْا بِهِ إلى ذَلِكَ المَكَانِ الَّذِي أرَادُوا أنْ يُلْقُوهُ مِنْهُ، جَعَلُوا يَتَهَافَتُونَ مِن ذَلِكَ الجَبَلِ ويَتَرَدَّوْنَ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الغُلَامُ. قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ، فَأَمَرَ بِهِ المَلِكُ أنْ يَنْطَلِقُوا بِهِ إلى البَحْرِ فَيُلْقُونَهُ فِيهِ، فَانْطُلِقَ به إلى البَحْرِ، فَغَرَّقَ اللهِ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ وَأَنْجَاهُ، فَقَالَ الغُلَامُ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لا تَقْتُلُنِي حَتَّى تَصْلُبَنِي وَتَرْمِينِي: وتَقُولَ إذَا رَمَيْتَنِي: بِسْم الله رَبِّ هَذَا الغُلَامِ. قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ ثَمَّ رَمَاهُ، فَقَالَ: بِسْم الله رَبِّ هَذا الغُلَامِ، قَالَ: فَوَضَعَ الغُلَامُ يَدَهُ عَلَى صُدْغِهِ حِينَ رُمِيَ، ثُمَّ مَاتَ، فَقَالَ الناسُ: لَقَدْ عَلِمَ هَذَا الغُلَامُ عِلْماً مَا عَلِمَهُ أحَدٌ، فَإِنَّا نُؤْمِنُ بِرَبِّ هَذَا الغُلَامِ، قَالَ: فَقِيلَ لِلْمَلِكِ أجَزِعْتَ (على مَفْرَق أحدهما) المفرق؛ كمفْعَد، ومَجْلِس: وسط الرأس؛ وهو الذي يفرق فيه الشعر (وقتل الآخر بقتلة أخرى) وفي رواية مسلم: ((فَجِيءَ بالرَّاهِبِ فَقِيْلَ لَهُ: ارجِعْ عَنْ دِيْنِكَ فَأَبَى فَدَعَا بِالمِنشَارِ فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِيْ مَفْرَقِ رَأْسِهِ فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيس الملِكِ فَقِيْلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِيْنِكَ فَأَبَى فَوَضَعَ المِنْشَارَ فِي مَفْرَقِ رَأْسِهِ فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقّاهُ))، فرواية مسلم هذه تخالف رواية الترمذي مخالفة ظاهرة، ولم يظهر لي وجه الجمع؛ فتفكر وتأمل (جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل) أي: يتساقطون منه (ويتردون) من التردي؛ أي: يسقطون، وفي رواية مسلم: ((فَصَعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ؛ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ؛ فَرَجَفَ بِهِمُ الجَبَلُ فَسَقَطُوا)): (فانطلق به إلى البحر؛ فغرَّق الله الذين كانوا معه، وأنجاه) وفي رواية مسلم: ((فَذَهَبُوا بِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شَئْتَ فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِيْنَةُ فَغَرِقُوا وَجَاءَ يَمْشِي إلَى الْمَلِكِ)) (حتى تصلبني) أي: على جذع؛ كما في رواية مسلم. قال في ((القاموس)): صلبه؛ كضربه: جعله مصلوبًا؛ كصلبه (فوضع الغلام يده على صدغه حين رمي، ثم مات) وفي رواية مسلم: ((ثُمَّ رمَاهُ فَوَضَعَ السَّهْمَ فِي صُدْغِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ (١) فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ)) (أجزعت) بكسر الزاي: من الجزع محركة؛ وهو: (١) الصُّدْغ: ما بين لحظ العين إلى أصل الأذن، والجمع: أصداغ، قيل: قفل وأقفال. كما في المصباح المنير (صدغ). ٢٥٥ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب ((ومن سورة ﴿الْبُرُوجِ﴾)) أَنْ خَالَفَكَ ثَلَاثَةٌ، فَهَذَا العَالَمُ كُلّهُمْ قَدْ خَالَفُوكَ. قَالَ: فَخَدَّ أُخْدُوداً، ثُمَّ أَلْقَى فِيهَا الخَطَبَ وَالنَّارَ، ثُمَّ جَمَعَ النَّاسَ. فَقَالَ: مَن رَجَعَ عَن دِينِهِ تَرَكْنَاهُ، وَمَنْ لَمْ يَرْجِعْ الْقَيْنَاهُ فِي هَذِهِ النَّارِ، فَجَعَلَ يُلْقِيهِمْ في تِلْكَ الأُخْدُودِ، قَالَ: يَقُولُ الله تعَالَى: ﴿قُئِلَ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج: ٤، ٥] حَتَّى بَلَغَ ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨])) ٤ أَضْحَبُ الْأُنْدُودِ قَالَ: فَأَمَّا الغُلَامُ فَإِنَّهُ دُفِنَ، فَيُذْكَرُ أنَّهُ أُخْرِجَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ وَأُصْبِعُهُ عَلَى صدْغِهِ كَمَا وَضَعَهَا حِينَ قُتِلَ. [م: ٣٠٠٥، حم: ٢٣٤٠٩]. نقيض الصبر (أن خالفك ثلاثة) أي: الأعمى، والراهب، والغلام (فخذ) أي: شقَّ (أخدودًا) بضم الهمزة، وسكون المعجمة: الشق العظيم، وجمعه: أخاديد (يقول الله ... تبارك وتعالى فيه) أي: في شأن هذه القصة (﴿قُئِلَ﴾ [البروج: ٤]) أي: لعن، وهو جواب القسم. وقيل: جوابه: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَيِّكَ لَشَدِيدٌ﴾(١) (﴿أَضْحَبُ الْأُخْذُورِ﴾ [البروج: ٤]) أي: الملك الذي خدَّ الأخدود، وأصحابه (﴿الَّارِ﴾ [البروج: ٥]) بدل اشتمال من ((الأخدود)) (﴿ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج: ٥]) وصف لها بأنها عظيمة، لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير، وأبدان الناس، وبعده ﴿إذ﴾ [البروج: ٦] ظرف لقتل؛ أي: لعنوا حين أحرقوا بالنار قاعدين حولها ﴿هُمْ عَلَيْهَا﴾ [البروج: ٦] أي: حولها على جانب الأخدود ﴿قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] أي: جلوس على الكراسي ﴿وَهُمْ﴾ [البروج: ٧] أي: الذين خدوا الأخدود؛ وهم: الملك وأصحابه ﴿عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ٧] بالله من تعذيبهم بالإلقاء في النار؛ إن لم يرجعوا عن إيمانهم ﴿شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] أي: حضور. روى أن الله أنجى المؤمنين الملقين في النار، بقبض أرواحهم قبل وقوعهم فيها؛ فخرجت النار إلى من ثم؛ فأحرقتهم ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَنْ يُؤْمِنُواْ﴾ [البروج: ٨] أي: ما عابوا منهم، وما أنكروا إلا: الإيمان؛ كقوله: [من الطويل]. وَلَا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُونَهُمْ بِهِنَّ قُلُوْلٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ (﴿ِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨]) ذكر الأوصاف التي يستحق بها أن يؤمن به، وهو كونه عزيزًا، غالبًا، قادرًا، يُخْشَى عقابه، حميدًا، منعمًا يجب له الحمد على نعمته، ويرجى ثوابه (قال: فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب ... إلخ) قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن (١) وبه قال المبرد: واعترض عليه بطول الفصل، وقيل: هو مقدّر يدلّ عليه قوله: ﴿قُلَ أَعْحَبُ الْأُنْدُودِ﴾ كأنه قال: أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون، كما لعن أصحاب الأخدود، وقيل: تقدير الجواب: لتبعثنّ، واختاره ابن الأنباري. ذكره الشوكاني في ((فتح القدير)) (٤١١/٥). ٢٥٦ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّ/ باب ((ومن سُورَة ﴿اُلْغَشِيَةِ﴾)) قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ٧٧- باب ((ومن سُورَة ﴿اُلْغَشِيَةِ﴾)) [ت ٧٧، ١٣] بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحِيمَةِ [٣٣٤١] (٣٣٤١) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنَا عِبْدُ الرّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَن أبي الزُّبَيْرِ عَن جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إلهَ إلَّ الله، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءُهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله))، ثُمَّ قَرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِعُصَيْطٍ﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢]. [جه: ٣٩٢٨، حم: ١٣٧٢٨]. أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم؛ أنه حدث أن رجلاً من أهل نجران كان زمان عمر بن الخطاب حفر خربة من خرب نجران؛ لبعض حاجته؛ فوجد عبد الله بن التامر تحت دفن فيها قاعدًا، واضعًا يده على ضربة في رأسه، ممسكًا عليها بيده؛ فإذا أخذت يده عنها انبعث دمًا، وإذا أرسلت يده ردت عليها؛ فأمسكت دمها، وفي يده خاتم مكتوب فيه ربي الله؛ فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب يخبره بأمره؛ فكتب عمر إليهم أن أقروه على حاله، وردوا عليه الذي كان عليه؛ ففعلوا . قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد، ومسلم، والنسائي(١)، ولم يذكروا الحدیث الأول منه. ٧٧ - بَاب وَمِنْ سُوْرَةِ الغَاشِيَةِ مَكِّيَّةٌ وَهِيَ سِتٌّ وَعُشْرُونَ آيَةً (٢) [٣٣٤١] قوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ... إلخ) سبق شرحه في أول كتاب ((الإيمان)) (﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١]) أي: ليس عليك إلا: التذكير والوعظ (﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِعُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]) وفي قراءة بالسين بدل الصاد(٣)؛ أي: بمسلط حتى تكرههم على الإيمان. (١) النسائي في ((الكبرى)) حديث (١١٦٦١). (٢) قال الشوكاني في ((فتح القدير)) (٤٢٧/٥): هي ست وعشرون آية وهي مكية بلا خلاف، وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الغاشية في مكة. (٣) قال الشوكاني (٤٢٧/٥): قرأ الجمهور: ((بمصيطر)) بالصاد، وقرأ هشام، وقنبل في رواية بالسين. وقرأ خلف بإشمام الصاد زايًا. وقرأ هارون الأعور بفتح الطاء اسم مفعول. ٢٥٧ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / باب ((ومن سُورَةٍ ﴿اُلْفَرِ﴾)) قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. ٧٨- بابٌ ((ومن سُورَة ﴿اَلْفَجْرِ﴾)) [ت ٧٨، ١٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ [٣٣٤٢] (٣٣٤٢) حَدَّثَنَا أبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عِبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وأبُو دَاوُدَ، قَالَا: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَن قَتَادَةَ عَنِ عِمْرَانَ بْنِ عِصَامِ عَن رَجُلٍ مِن أهْلِ البَصْرَةِ عَنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ سُئِلَ عَنِ الشّفْعِ والوتْرِ، فَقَالَ: ((هِيَ الصَّلاةُ بَعْضُهَا شَفْعٌ وَبَعْضُهَا وِتْرٌ)). [ضعيف الإسناد في إسناده مجهول حم: ١٩٤١٨]. قال النووي: قال المفسرون: معناه: إنما أنت واعظ، ولم يكن النبي ◌َلهو أمر إذ ذاك إلا: بالتذكير، ثم أمر بعد بالقتال. والمسيطر: المسلط، وقيل: الجبار، وقيل: الرب. انتهى. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، ومسلم، والنسائي، والحاكم (١). ٧٨ - باب وَمِنَّ سُؤْرَةِ الْفَجْرِ مَكِّيَّةٌ (٢)، وَهِيَ ثَلاثُونَ آيَةً، وَقِيْلَ: تِسْعٌ وَعِشْرُوْنَ. [٣٣٤٢] قوله: (حدثنا أبو حفص: عمرو بن علي) الفلاس (وأبو داود) الطيالسي (قالا: حدثنا همام) بن يحيى الأزدي، العوذي (عن عمران بن عصام) الضبعي؛ بضم المعجمة، وفتح الموحدة: أبي عمارة، البصري، والد أبي جمرة بالجيم، قتل يوم الزاوية سنة ثلاث وثمانين، من الثانية، وقيل له صحبة؛ كذا في ((التقريب)): وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: روى عن عمران بن حصين، وقيل: عن رجل عنه في ذكر الشفع والوتر، وروى عنه قتادة وغيره. قوله: (بعضها شفع) كالرباعية، والثنائية (وبعضها وتر) كالمغرب؛ فإنها ثلاث؛ وهي وتر النهار، وكذلك صلاة الوتر في آخر التهجد من الليل. وفيه: أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرٍ﴾ (٣): الشفع من الصلاة، والوتر منها؛ لكن (١) النسائي في ((الكبرى)) حديث (١١٦٧٠)، والحاكم، حديث (٣٩٢٦) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. (٢) قال الشوكاني (٤٣٢/٥): هي مكية بلا خلاف. (٣) قرأ الجمهور: ((والوتر)) بفتح الواو، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بكسرها، وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه، وهما لغتان، والفتح لغة قريش وأهل الحجاز، والكسر لغة تميم. كما في ((فتح القدير)) للشوكاني (٤٣٣/٥). ٢٥٨ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب ((ومن سُورَةٍ ﴿اَلْفَجْرِ﴾)) قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثٍ قَتَادَةَ. وَقَدْ رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ قَيْسِ الحداني، عَن قَتَادَةَ أَيْضاً. الحديث في إسناده رجل مجهول؛ وهو الراوي له عن عمران بن حصين. وقيل: المراد، شفع كل الأشياء ووترها، كالكفر والإيمان، والهدى والضلال، والسعادة والشقاوة، والليل والنهار، والسماء والأرض، والبر والبحر، والشمس والقمر، والجن والإنس. وقيل: شفع الليالي ووترها. وقيل: الشفع، يوم عرفة، ويوم النحر، والوتر: ليلة يوم النحر. وقيل: الشفع: الخلق، والوتر: الله الواحد الصمد. وقيل: الشفع: عشر ذي الحجة، والوتر: أيام منى الثلاثة. وقيل: المراد بالشفع، والوتر: العدد كله، لأن العدَّ لا يخلو عنهما. وقيل: الشفع، الحيوان، لأنه ذكر وأنثى، والوتر: الجماد. وفيه أقوال أخرى ذكرها صاحب ((فتح البيان)) وقال: لا يخفاك ما في غالب هذه الأقوال من السقوط البين، والضعف الظاهر، والاتكال في التعيين على مجرد الرأي الزائف، والذي ينبغي التَّعْويل عليه، ويَتَعَيَّن المصير إليه ما يدل عليه معنى الشفع والوتر في كلام العرب، وهما معروفان واضِحَانِ، فالشَّفع عند العرب: الزوج، والوتر: الفرد؛ فالمراد بالآية: إما نفس العدد، أو: ما يصدق عليه من المعدودات؛ بأنه شفع، أو وتر، وإذا قام دليل على تعيين شيء من المعدودات في تفسير هذه الآية - فإن كان الدليل يدل على أن المراد نفسه، دون غيره، فذاك، وإن كان الدليل يدل على أنه مما تناولته هذه الآية - لم يكن ذلك مانعًا من تناولها لغيره. انتهى. قوله: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث قتادة) وأخرجه أحمد، وابن جرير(١)، وفي سنده رجل مجهول (وقد رواه خالد بن قيس الحداني عن قتادة أيضًا) رواه ابن جرير من هذا الطريق؛ قال: أخبرنا نصر بن علي، حدثني أبي، حدثني خالد بن قيس، عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن عمران بن حصين، عن النبي ◌َّلهم فأسقط ذكر الرجل المبهم، وخالد بن قيس هذا: هو خالد بن قيس بن رباح الأزدي، الحداني، البصري، صدوق، يُغرب، من السابعة، وقال الحافظ ابن كثير: وعندي أن وقفه على عمران بن حصين أشبه - والله أعلم - انتهى. وأخرج عبد الرزاق (٢)، وعبد بن حميد هذا الحديث موقوفًا على عمران؛ فهذا یقوي ما قاله ابن كثير. (١) ابن جرير في ((التفسير)) (١٧٢/٣٠). (٢) عبد الرزاق في ((التفسير)) (٣/ ٣٧٠). ٢٥٩ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَّهِ / باب ((ومن سورةٍ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُّحَهَا﴾)) ٧٩ - باب ((ومن سورةٍ ﴿وَاَلشَّمْسِ وَضُحَنَهَا﴾)) [ت ٧٩، ١٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [٣٣٤٣] (٣٣٤٣) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الهَمدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بن سليمان عَنِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَن أبِيهِ عَن عَبْدِ الله بْنِ زَمْعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ نَّهِ يَوْماً يَذْكُرُ النّاقَةَ والَّذِي عَقَرِهَا فَقَالَ: ٧٩ - باب وَمِنْ سُؤْرَةٍ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَهَا﴾ مَكِّيَّةٌ (١) وَهِيَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً. [٣٣٤٣] قوله: (عن عبد الله بن زمعة) بن الأسود بن المطلب بن أسد القرشي، الأسدي، صحابي مشهور، استشهد يوم الدار مع عثمان. قوله: (يذكر الناقة) أي: المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَهَا﴾ [الشمس: ١٣] وهي: ناقة صالح - عليه السلام - (والذي عقرها) أي: ويذكر الذي عقر الناقة؛ أي: ضرب قوائمها بالسيف، فقطعها؛ وهو: قدار بن سالف؛ وهو: أحيمر ثمود الذي قال الله - تعالى - فيه: ﴿فَدَوْأَ صَاِجَغٌ فَعَى فَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] وذكر ابن إسحاق في ((المبتدأ)) وغير واحد أن سبب عقرهم الناقة؛ أنهم كانوا اقترحوها على صالح - عليه السلام - فأجابهم إلى ذلك بعد أن تَعَّتوا في وصفها؛ فأخرج الله له ناقة من صخرة بالصفة المطلوبة؛ فآمن بعض، وكفر بعض، واتفقوا على أن يتركوا الناقة ترعى حيث شاءت، وترد الماء يومًا بعد يوم، وكانت إذا وردت - تشرب ماء البئر كله، وكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم للغد، ثم ضاق بهم الأمر في ذلك؛ فانتدب تسعة رهط منهم قدار المذكور؛ فباشر عقرها؛ فلما بلغ ذلك صالحًا - عليه السلام - أعلمهم بأن العذاب سيقع بهم بعد ثلاثة أيام؛ فوقع كذلك؛ كما أخبر الله - سبحانه وتعالى - في كتابه، وأخرج أحمد، وابن أبي حاتم (٢) من حديث جابر رفعه: ((أَنَّ النّاقةَ كَانَتْ تَرِدُ يَوْمَهَا فَتَشْرَبُ جَمِيْعَ الماءِ وَيَحْتَلِبُوْنَ مِنْهَا مثل الَّذي كَانَتْ تَشْرَبُ))، وفِي سَنَدِهِ إِسْماعيل بن عياش، وفي روايته، عن غير الشامیین - ضعف، (١) قال الشوكاني (٤٤٧/٥): وهي مكية بلا خلاف، وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت والشمس وضحاها بمكة. (٢) أحمد، حديث (١٣٧٤٦)، وابن أبي حاتم (٩/ ٢٨٠٤) (١٥٨٦٩). ٢٦٠ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَِّ / باب ((ومن سورةٍ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا﴾)) ﴿إِذِ اُنْبَعَثَ أَشْقَنهَا﴾ [الشمس: ١٢] ((انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَارِمٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلَ أبي زَمْعَةَ))، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ النِّسَاءِ فَقَالَ: ((إلامَ يَعْمَدُ أحَدُكُمْ فَيَجْلِدُ امْرأتَهُ جَلْدَ العَبْدِ، ولَعَلَّهُ أنْ يُضَاجِعَهَا مِن آخِرٍ يَوْمِهِ))، قَالَ: ثُمَّ وَعَظَهُمْ في ضَحِكِهِمْ مِن الضَّرْطَةِ فَقَالَ: ((إلامَ يَضْحَكُ أحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ؟!)). [خ: ٣٣٧٧، م: ٢٨٥٥، جه: ١٩٨٣، حم: ١٥٧٨٨، مي: ٢٢٢٠]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وهذا منها؛ كذا في ((الفتح)) (﴿إِذِ اُنْبَعَثَ﴾﴾ أي: قام، وأسْرَعَ (﴿أَشْقَنْهَا﴾) أي: أشقى ثمود؛ وهو: قدار بن سالف (انبعث لها) أي: لعقر الناقة؛ برضائهم (رجل عارم) بالعين، والراء المهملتين؛ أي: صعب على من يرومه، كثير الشهامة والشر (عزيز) أي: شديد، قوي. وقيل: قليل المثل" (منيع) أي: قوي ذو منعة؛ أي: رهط يمنعونه من الضيم (في رهطه) أي: قومه (مثل أبي زمعة) أي: في عزته ومنعته في قومه؛ وهو: الأسود المذكور جد عبد الله بن زمعة، وكان الأسود أحد المستهزئين، ومات على كفره ((بمكة)) وقتل ابنه زمعة يوم بدر كافرًا أيضًا. وفي رواية للبخاري: ((مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ عَمِّ الزُّبيرِ بْنِ العَوَّامِ)). قال الحافظ: هو عم الزبير مجازًا؛ لأنه الأسود بن المطلب بن أسد، والعوام بن خويلد بن أسد؛ فنزل ابن العم منزلة الأخ، فأطلق عليه عمًا بهذا الاعتبار؛ كذا جزم الدمياطي باسم أبي زمعة هنا وهو المعتمد (ثم سمعته) أي: النبي ◌ّ (يذكر النساء) أي: ما يتعلق بهن؛ استطرادًا؛ فذكر ما يقع من أزواجهن (إلام يعمد) بكسر الميم؛ أي: يقصد (فيجلد امرأته) أي: فيضربها. يقال: جلدته بالسيف والسوط ونحوهما: إذا ضربته (جلد العبد) بالنصب؛ أي: مثل جلد العبد، وفي رواية للبخاري ((بِمَ يَضْرِبُ أَحَدُكُم امْرَأَتَهُ ضَرْبَ الفَحْلِ)) (ولعله) أي: الذي يجلدها في أول اليوم (أن يضاجعها) أي: يجامعها، ويطؤها (من آخر يومه) أي: في آخره، فكلمة ((من)) هنا بمعنى: ((في)) (إلام يضحك أحدكم مما يفعل) يعني: الضرطة، وكانوا في الجاهلية إذا وقع ذلك من أحد منهم في مجلس - يضحكون، فنهاهم عن ذلك. وفي رواية للبخاري: ((لِمَ يَضْحَكِ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ؟». قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان، والنسائي(١). (١) النسائي في ((الكبرى)) حديث (١١٦٧٥).