النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َلَّ / باب ((وَمِن سُورة ﴿الْوَاقِعَة﴾))
قَدْ شِبْتَ، قَالَ: ((شَيَّبَتْنِي: هُودٌ، وَالوَاقِعَةُ، وَالمُرْسَلَاتُ، و﴿عَمَّ يَتَسَلَّلُونَ﴾ [النبأ: ١]
و﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ﴾ [التكوير: ١]).
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسنٌ غريبٌ، لَا نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ، إلّا
مِن هَذَا الوَجْهِ.
وَرَوى عَلِيُّ بْنُ صَالِحِ هَذَا الحَدِيثَ، عَن أبي إسْحَاقَ، عَن أبي جُحَيْفَةَ: نَحْوَ
هَذَا .
ورُوِي عَن أبي إسْحَاقَ عَن أبي مَيْسَرَةَ شَيْءٌ مِن هَذَا مُرسلًا .
وَرَوَى أَبُو بَكرِ بْنُ عَياشٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَن عِكرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ نَحوَ
حَديثٍ شَيبانَ، عَن أَبِي إِسْحَاقَ، وَلَم يَذكُر فِيهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ حَدَّثَنَا بِذلِكَ
هَاشِمُ بْنُ الوليدِ الهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا أبو بَكرِ بْنُ عَيَّاشٍ.
قوله: (قد شِبْتُ) من الشَّيب، وهو بياض الشعر؛ قال القاري: أي: ظهر عليك آثار
الضعف قبل أوان الكِبَرِ، وليس المراد منه ◌ُهُورَ كثرة الشَّعر الأبيض عليه، لما روى
الترمذي(١) عن أنَسٍ قَال: مَا عَدَدت فِي رَأسِ رَسُولِ اللهِوَّهِ. وَلِحْيَتَه إِلَّا أَرْبَعَ عَشْرَةَ شَعْرَة
بَيْضَاء (شيَّتني) من التشييب، وذلك لما في هذه السور من أهوال يوم القيامة، و((المَثُلَات)):
النوازل بالأمم الماضية أخذ مني مأخذه، حتى شبت قبل أوانه؛ قال الطيبي، (هود) أي:
سورة هود، (والْمرسلَاتُ) بالرفع، ويجوز كسرها على الحكاية.
قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه الطبراني(٢) والحاكم.
قوله: (وروى علي بن صالح) بن صالح بن حي الهمداني، (عن أبي إسحاق) هو:
السبيعي، (عن أبي جُحَيْفَةَ نحو هذا)، أخرجه الترمذي(٣) حديث أبي جُحَيْفَةَ هذا في
((الشمائل))، وفي الباب: أحاديث أخرى ذكرها السيوطي في ((الجامع الصغير)).
(١) الترمذي، كتاب المناقب، حديث (٣٦٢٣).
(٢) الطبراني في ((الأوسط)) (٨٢٦٩)، وقال الهيثمي (٣٧/٧): ورجاله رجال الصحيح.
(٣) الترمذي في ((الشمائل)) (٤٢).

١٨٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّةِ / باب ((وَمِن سُورةِ الحَدیدِ))
٥٧- باب ((وَمِن سُورةِ الحَديدِ)) [ت ٥٧، م١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
[٣٢٩٨] (٣٢٩٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قالُوا: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ
مُحمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحمنِ، عَن قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ، عَن أبي هُرَيْرَةَ،
قَالَ: بَيْنَمَا نَبِيُّ اللهِِّ جَالِسٌ وَأَصْحَابُهُ، إِذْ أَتَى عَلَيْهِم سَحَابٌ؛ فَقَالَ نَبِيُّ الله وَلِيلٍ:
((هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا؟)) فقالُوا: الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: ((هَذَا العَنَانُ، هَذِهِ رَوَايَا
الأرْضِ، يَسُوقُهُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى إلى قَوْم لا يَشْكُرُونَهُ، وَلا يَدْعُونَهُ))، ثم قَالَ: ((هَلْ
تَدْرُونَ مَا فَوْقَكُمْ؟)) قالُوا: الله وَرَسُولُه أغَّلَمُ، قَالَ: ((فإنَّهَا الرَّقِيعُ، سَقْفٌ مَحفُوظٌ،
وَمَوْجٌ مَكْفُوفٌ))، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَها؟)) قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ،
٥٧ - بَاب وَمِنْ سُورَةِ الحَدِيدِ
مَكِّيَّةٌ أَوْ مَدَنِيَّةٌ وَهِيَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ آيَةً (١).
[٣٢٩٨] قوله: (حدثنا يونس بن محمد) بن مسلم المؤدِّب، (حدثنا شيبان بن
عبد الرحمن) النحوي، (حدثنا الحسن) هو: البصري.
قوله: (وأصحابه) أي: معه جلوس، (إذا أتى) أي: مر، (هذا العَنَان) كـ((سحاب)) مبنى
ومعنى، من ((عَنَّ)) أي: ظهر، (هذه) أي: السحابة، فالتعبير بالتأنيث: للوحدة، وبالتذكير:
للجنس باب التفنن؛ قاله القاري.
قلت: الظاهر أن التعبير بالتأنيث التأنيث الخبر.
(روايا الأرض) جمع راوية؛ قال في ((النهاية)): الروايا من الإبل: الحَوَامِلُ للماء،
واحدتها: راوية، فشبهها بها، (يسوقه الله) أي: السحاب، (إلى قوم لا يشكرونه) أي:
بل يكفرونه، (ولا يدعونه) أي: لا يعبدونه، بل يعبدون غيره، وذلك لأن الله تعالى يرزق كل
بر وفاجر، (فإنها الرقيع) هو: اسم لسماء الدنيا وقيل: لكل سماء، والجمع: أرقِعة. (وموج
مكفوف) أي: ممنوع من الاسترسال، حفظها الله أن يقع على الأرض، وهي معلّقة بلا عمد
(١) قال القرطبي: هي مدنية في قول الجميع، وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس
قال: نزلت سورة الحديد بالمدينة. ذكر ذلك الشوكاني في ((تفسيره)) (١٦٤/٥).

١٨٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِّهِ / باب ((وَمِن سُورةِ الحَدیدِ))
قَالَ: ((بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا مَسِيْرَةُ خَمْسمائَةِ سَنَةٍ))، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؟))
قالُوا: الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: ((فإنَّ فَوْقَ ذَلِكَ سَمَاءَيْنِ، مَا بَيْنَهُمَا مَسِيْرةُ خَمْسمائَةِ
سَنَةٍ))، حَتَى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ، ((مَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ كما بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ))، ثُمَّ
قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؟)) قالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((فإنَّ فَوْقَ ذَلِكَ
العَرْشَ، وبَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ بُعْدُ مثلٍ مَا بَيْنَ السَّمَاءَيْنِ))، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا
الَّذِي تَحْتَكُمْ؟)) قالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((فإنَّهَا الأرْضُ))، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ
تَدْرُونَ مَا الَّذِي بَعد ذَلِكَ؟)) قالُوا: الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: «فإنَّ تَحْتَهَا الأرْض
الأُخْرَى، بَيْنَهُمَا مَسيرَةُ خَمْسمائَةِ سَنَةٍ)) حَتَّى عَدَّ سَبْعَ أَرَضَيْنَ، ((بَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ
مَسِيرَةُ خَمْسمائَةٍ سَنَةٍ))، ثُمَّ قَالَ: ((وَالّذِي نَفْسُ مُحمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّكُمْ دَلَّيْتُمْ رجلًا
بِحَبْلٍ إِلى الأرْضِ السُّفْلَى، لَهَبَطَ عَلَى الله)) ثُمَّ قَرأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالَخُ وَالَّهِرُ وَالْبَالِيٌ
وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]. [ضعيف حم: ٨٦١٠].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غريبٌ مِن هَذَا الوَجْهِ.
كالموج المكفوف، (قال: بينكم وبينها مسيرة خمسمائة سنة) أي: مسيرتها ومسافتها، (هل
تدرون ما فوق ذلك) أي: المحسوس أو المذكور مِنْ سماء الدنيا، (ما بين كل سماءين كما
بين السماء والأرض) أي: كما بينهما من خمسمائة عام، (فإن فوق ذلك) خبر مقدَّم لـ ((إِنَّ).
(العرشَ) بالنصب؛ على أنه اسم مؤخّر لـ ((إِنَّ)، (وبينه وبين السماء) أي: بين العرش
وبين السماء السابعة، (بعد مثل ما بين السماءين) - أي: من السموات السبع (قال: فإنها
الأرض) أي: العليا (بين كل أرضين) بالتثنية، أي: بين كل أرضين منها، (لو أنكم دليتم)
بتشديد اللام المفتوحة؛ من: أدليت الدلو ودلَّيتها، إذا أرسلتها البئر، أي: لو أرسلتم،
(لهبط) بفتح الموحدة، أي: لنزل (على الله) أي: على علمه وملكه؛ كما صرح به الترمذي
في كلامه الآتي، (﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ [الحديد: ٣]) أي: قبل كل شيءٍ بِلا بداية، (﴿وَآلَآَخِرُ﴾) أي:
بعد كلِّ شيءٍ بلا نهاية، (﴿وَاُلَّهِرُ﴾) أي: بالأدلّة عليه (﴿وَالْبَاِنُ﴾) أي: عن إدراك الحواس
(﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]) أي: بالغٌّ في كمال العلم به، محيطً علمه بجوانبه.
قوله: (هذا حديث غريب)، وأخرجه أحمد وابن أبي حاتم والبزار(١)، قال الحافظ ابن
(١) أحمد، حديث (٨٦١٠)، والبزار (١٣١٠)، وابن عدي في ((الكامل)) (٧/ ٢٠٠).

١٨٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَِّ / باب ((وَمِن سُورةِ الحَديدِ))
قَالَ: ويُرْوَى عَن أيُّوبَ، ويُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَعَلِيٍّ بْنِ زَيْدٍ، قالُوا: لَمْ يَسْمَعِ
الحَسَنُ مِن أبي هُرَيْرَةَ.
وَفَسَّرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ هَذَا الحَدِيثَ، فقَالُوا: إِنَّمَا هَبَطَ عَلَى عِلْمِ الله وقُدْرَتِهِ
وَسُلْطَانِهِ، وعِلْمُ الله وَقُدْرَتُهُ وَسُلْطَانُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ،
كثير في ((تفسيره)): ورواه ابن جرير، عن بشر، عن يزيد، عن سعيد، عن قتادة، ﴿هُوَ الْأَوَّلُ
وَالْآَخِرُ وَالَهِرُ وَالْبَاِنُ﴾ [الحديد: ٣] ذكر لنا أن نبيَّ الله وَّهُ. بَيْنَما هو جالِس بين أصحابه؛ إذ مَرَّ
عليهم سحاب، فقال: ((هَلْ تَدْرُنَ مَا هَذا ... )) وذكر الحديث مثل سياق الترمذي سواءً إلا أنه
مرسلٌ من هذا الوجه؛ ولعل هذا هو المحفوظ. انتهى.
قوله: (ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن يزيد ... إلخ) قد صرح كثير من أئمة
الحديث بأن الحَسَن لم يسمع من أبي هريرة؛ كما في ((كتاب المراسيل)) لابن أبي حاتم.
(فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه)؛ قال الطيبي: أما علمه تعالى، فهو في
قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، وأما قدرته فمن قوله: ﴿هُوَ اُلْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ﴾ [الحديد: ٣]
أي: هو الأول: الذي يبدىء كل شيء، ويخرجهم من العدم إلى الوجود، والآخر: الذي
يُفني كلَّ شيء؛ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ
وَيَبْقَى وَجْهُ رَّكَ ذُو الْجَلِ وَآلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧] وأما
٢٦
سلطانه - فمن قوله: ﴿وَاَلَّهِرُ وَالْبَالِزٌ﴾ (١) [الحديد: ٣]، قال الأزهري: يقال: ظَهَرتُ على
فلان: إذا غلبته، والمعنى: هو الغالبُ الذي يَغْلِبُ ولا يُغلب، ويتصرف في المكونات على
سبيل الغلبة والاستيلاء، أو: ليس فوقه أحد يمنعه، والباطن: هو: الذي لا ملجأ ولا منجا
دونه؛ كذا في ((المرقاة)).
(وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان) أي: يستوي فيه العلويات والسفليات وما
بینهما ،
(١) قال الإمام الشوكاني - رحمه الله تعالى - في تفسيره ((فتح القدير)) (١٦٦/٥) وقد فسَّر هذه الأسماء الأربعة
رسول الله ◌َّ وكما سيأتي، فيتعين المصير إلى ذلك، فقد أخرج ابن أبي شيبة ومسلم والترمذي والبيهقي عن
أبي هريرة الله قال: جاءت فاطمة إلى رسول الله وَّ ه تسأله خادمًا، فقال: ((قولي: اللهم ربَّ السموات السبع
ورب العرش العظيم، وربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، أعوذ بك
من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر
فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر)).

١٨٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِ / باب ((وَمِن سُورَة ﴿المجادلة﴾))
وَهُوَ عَلَى العَرْشِ كَمَا وَصَفَ في كِتَابِهِ.
٥٨- باب ((وَمِن سُورَة ﴿المجادلة))) [ت ٥٨، ١٣]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمِ الرَّحِيمِ
[٣٢٩٩] (٣٢٩٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَسَنُ بْنُ عَلِي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ
هَارُونَ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَن مُحمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَن سُلَيْمَانَ بْنِ
يَسَارٍ، عَن سَلَمَةَ بْنِ صَخْرِ الأنْصَارِيِّ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَدْ أُوتِيتُ مِن جِمَاعِ النِّسَاءِ
مَا لَمْ يُؤْتَ غَيْرِي، فَلَمَّا دَخَلَ رَمَضَانُ تَظَاهَرْتُ مِنَ امْرَأْتِي حَتَّى يَنْسَلِخَ رَمَضَانُ،
(وهو على العرش كما وصف في كتابه) قال الطيبيُّ: الكافُ في ((كما)) منصوبٌ على
المصدر، أي: هو مستو على العرش استواءً مثلَ ما وصف نفسه به في كتابه، وهو مستأثر بعلمه
باستوائه عليه، وفي قول الترمذي إشعارٌ إلى أنه لا بد لقوله: ((لَهَبَطَ عَلَى الله)) من هذا التأويل
المذكور، ولقوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ من تفويض علمه إليه تعالى والإمساكِ عن تأويله.
٥٨ - بَاب وَمِنْ سُورَةِ المُجَادَلَةِ
مَدَنِيَّةٌ(١) وَهِيَ اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ آيَّةً.
[٣٢٩٩] قوله: (حدثنا محمد بن إسحاق) هو: صاحب ((المغازي))، (عن محمد بن
عمرو بن عطاء) القرشي العامري المدني، ثقة، من الثالثة، (عن سلمة بن صخر الأنصاري)
الخزرجي البياضي، ويقال له: سلمان، صحابي، ظَاهَرَ مِنِ امرأته.
قوله: (تظاهرت من امرأتي)، وفي رواية أبي داود وابن ماجه: ((ظَاهَرْتُ مِنْهَا)) وفي رواية
الترمذي في باب كفارة الظهار: ((جَعَلَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ كَظَهْرٍ أُمِّهِ))، (حتى ينسلخ رمضان) أي:
حتى يمضي، وفيه دليلٌ على أن الظهار المؤقت ظهارٌ كالمُظْلَقِ منه؛ وهو إذا ظاهر من امرأته
إلى مدة، ثم أصابها قبل انقضاء تلك المدة، واختلفوا فيه إِذا بَرَّ، ولم يحنث: فقال مالك
وابن أبي لَيْلَى: إذا قال لامرأته: أَنْتِ عليَّ كظهر أمي إلى الليل - لزمته الكفارة، وإن لم
يَقْرَبْهَا، وقال أكثر أهل العلم: لا شيء عليه؛ إذا لم يقربها، وللشافعي في الظهار المؤقّت
(١) قال القرطبي: هي مدنية في قول الجميع، إلا رواية عن عطاء أن العشر الأول منها مدني وباقيها مكيٌّ. ذكره
الشوكاني في فتح القدير (١٨١/٥).

١٨٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِهِ / باب ((وَمِن سُورَة ﴿المجادلة)))
فَرَقاً مِن أَنْ أُصِيبَ مِنْهَا فِي لَيْلَتِي، فَأَتَتَابَعَ فِي ذَلِكَ إلى أنْ يُدْرِكَنِي النَّهَارُ، وَأَنَا لا
أقْدِرُ أنْ أَنْزِعَ، فَبَيْنَمَا هِيَ تَخْدُمُنِي ذَاتَ لَيْلَةٍ، إذْ تَكَشَّفَ لِي مِنْهَا شَيْءٌ، فَوَثَبْتُ
عَلَيْهَا، فَلَمَّا أصْبَحْتُ، غَدَوْتُ عَلَى قَوْمِي فَأَخْبَرْتُهُمْ خَبَرِي، فَقُلْتُ: انْطَلِقُوا مَعِي إلى
رَسُولِ اللهِوَّةِ فَأُخْبِرِهُ بِأَمْرِي، فقَالُوا: لا وَالله لا نَفْعَلُ، نَتَخَوَّفُ أنْ يَنْزِلَ فِينَا قُرْآنٌ،
أَوْ يَقُولَ فِينَا رَسُولُ الله ◌ِّهِ مَقَالَةً يَبْقَى عَلَيْنَا عَارُهَا، ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ فَاصْنَعْ مَا بَدَا
لَكَ، قَالَ: فخَرَجْتَ، فَأَتَيْتُ رسولَ اللهِوَلَ فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقَالَ: ((أَنْتَ بِذَاكَ؟))
قُلْتُ: أَنَا بِذَاكَ، قَالَ: ((أَنْتَ بِذَاكَ؟)) قُلْتُ: أَنَا بِذَاكَ، قَالَ: ((أَنْتَ بِذَاكَ؟)) قُلْتُ: أَنَا
بِذَاكَ وَهَاءَنَذَا فأمْضٍ فِيَّ حُكْمَ الله؛ فإِنِّي صَابِرٌ لِذَلِكَ، قَالَ: ((أعْتِقْ رَقَبَةً))، قَالَ:
فِضَرَبْتُ صَفْحَةَ عُنُقِي بِيَدِيَّ، فَقُلْتُ: لا والَّذِي بَعَثَك بالحَقِّ لا أمْلِكُ غَيْرَها، قَالَ:
((صُمْ شَهْرَيْنٍ))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! وَهَلْ أصَابَنِي مَا أَصَابَنِي إلَّا في الصِّيَامِ، قَالَ:
(فأَطْعِمْ سِتِينَ مِسْكِيناً))، قُلْتُ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَقَدْ بِتْنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ وحشى مَا لَنَا
عَشَاءٌ، قَالَ: ((اذْهَبْ إلَى صاحِبٍ صَدَقَةٍ بَنِي زُرَيْقٍ، فَقُلْ لَهُ: فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ،
قولان؛ أحدهما: أنه ليس بظهار، قاله الخطابي في ((المعالم)) (فَرَقًا) بفتحتين، أي: خوفًا،
(فأتتابع في ذلك) بصيغة المضارع المتكلم، أي: أتوالى؛ ومن التتابع وهو: التوالي، (إذ
تكشف) أي: انكشف، (فوثبت عليها) من الوثوب، وهو: النهوض والقيام والظفر، وفي
رواية أبي داود: ((فَلَمْ أَلْبَتْ أَنْ نَزَوْتُ عَلَيها)) (غدوت على قومي) أي: خرجت إليهم وأتيتهم
بالغداة، (فأخبره بأمري) أي: بما جرى بي، (لا نفعل) أي: لا ننطلق معك، (نتخوف) أي:
نخاف، (ما بدا لك) أي: ما ظهر لك، (فقال: أنت بذاك؟) أي: أنت الملمُّ بذلك، أو:
أنت المرتكب له؟ كذا في ((المعالم)) (ها) كلمة تنبيه، (أنا ذا) أي: أنا هذا موجود، (فَأَمض
فيَّ) بتشديد الياء، أي: أجرٍ عليَّ (فضربت صفحة عنقي)، قال في ((القاموس)): الصَّفْح:
الجانب، ومنك: جنبك، ومن الوجه والسيف: عرضه، (لقد بتنا ليلتنا هذه وحْشَى)؛ قال في
((القاموس)) بات وَحْشَى أي: جائعًا، وهم أوحاش، وقال الجزري في ((النهاية)): يقال رجل
وَحْشٌ بالسكون من قوم أوحاش، إذا كان جائعًا لا طعام له، وقد أوحش، إذا جاع، قال:
وفي رواية الترمذي: ((لقد بتنا ليلتنا هذه وَحْشَى))، كأنه أراد جماعة وَحْشَى. انتهى.
(ما لنا عشاء) بفتح العين، أي: طعام العَشِيِّ، (إلى صاحب صدقة بني زريق) بتقديم

١٨٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وََّ / باب ((وَمِن سُورَة ﴿المجادلة﴾))
فَأَطْعِمْ عَنْكَ مِنْهَا وَسْقاً سِتِّينَ مِسْكِيناً، ثُمَّ اسْتَعِنْ بِسَائِرِهِ عَلَيْكَ، وعَلَى عِيَالِكَ))،
قَالَ: فَرَجَعْتُ إلى قَوْمِي، فَقُلْتُ: وَجَدْتُ عِنْدَكُمُ الصِّيقَ وَسُوءَ الرَّأيِ، وَوَجَدْتُ عِنْدَ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ السَّعَةَ وَالْبَرَكَةَ، أمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ، فادْفَعُوهَا إليَّ، فَدَفَعُوهَا إليَّ.
[د: ٢٢١٣، جه: ٢٠٦٢، حم: ٢٣١٨٨، مي: ٢٢٧٣] .
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌّ.
قَالَ مُحمَّدٌ: سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، لَمْ يَسْمَعْ عِنْدِي مِن سَلَمَة بْنِ صَخْرٍ، قَالَ:
ويُقَالُ: سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ، وسُلَيْمَانُ بْنُ صخْرٍ .
الزاي على الراء مصغَّرًا، (فأطعم عنك منها وسقًا) أي: من تمر؛ كما في رواية أبي داود،
(ثم استعن بسائره) أي: بباقيه، وفي رواية أبي داود: ((وَكُلْ أَنْتَ وَعِيَالَكَ بَقِيَّتَها))، وقيل:
أخذ بقوله {َّهُ. ((فَأَطْعِمْ عَنْكَ مِنْهَا وَسْقًا سِتِينَ مِسْكِينًا)) الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، فقالوا:
الواجبُ لِكُلِّ مسكين صاع من تمر، أو ذُرَةٍ أو شعير أو زبيب أو نصف صاع من بُرٍّ، وقال
الشافعي: إن الواجب لكل مسكين مُدٌّ، وتمسك بالروايات التي فيها ذكر ((العَرَقِ))، وتقديره،
بخمسة عشر صاعًا .
قلت: ما تمسك به الشافعيُّ ومن وافقه أصحُ سندًا؛ لأن رواية الترمذي في باب كفارة
الظهار التي وقع فيها: ((أَعْطِهِ ذَلِكَ الْعَرَقُ، وَهُوَ مُكْتَلٌ يَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا أَوْ سِنَّةَ عَشَرَ
صَاعًا)) - أصح من هذه الرواية التي فيها: ((فأطعم عنك منها وسقًا ستين مسكينًا))، وظاهر
الحديث: أن الكفارة لا تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ عِن جميع أنواعها؛ لأن النبي ◌َّهِ. أعانه بما يكفِّر به
بعد أن أخبره أنه لا يجد رقبةً، ولا يتمكَّن من إطعام، ولا يطيقُ الصوم، وإليه ذهب الشافعيُّ
وأحمد في رواية عنه.
وذهب قوم إلى السقوط.
وذهب آخرون إلى التفصيل، فقالوا: تسقط كفارة صوم رمضان لا غيرها من الكفارات؛
كذا في ((النيل))(١) .
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم (١).
(١) نيل الأوطار (٢٩٣/٢٩٢/٦).
(٢) أحمد، حديث (٢٣١٨٨)، وأبو داود، كتاب الطلاق، حديث (٢٢١٣)، وابن ماجه، كتاب الطلاق، حديث
(٢٠٦٢)، والحاكم، حديث (٢٨١٥)، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.

١٨٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّةِ / باب ((وَمِن سُورَة ﴿المجادلة)))
وفي البابِ: عَن خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، وَهِي امْرأةُ أوْسِ بْنِ الصّامِتِ.
[ت ٥٨، م٢]
[٣٣٠٠] (٣٣٠٠) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله
الأشْجَعِيُّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَن عُثمانَ بْنِ المُغِيرَةِ الثَّقَفِيِّ، عَن سَالِمِ بْنِ أبي الجَعْدِ،
عَن عَلِيِّ بْنِ عَلْقَمَةَ الأنْمَارِيِّ، عَن عَلِيِّ بْنِ أبي طَالِبٍ، قَالَ: لمّا نَزَلَتْ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوْ إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَّةً﴾ [المجادلة: ١٢] قَالَ لِي النبيُّ وَلَهُ
هذا حديث منقطع، وفي سنده: محمد بن إسحاق، ورواه عن محمد بن عمرو بالعنعنة.
قوله: (وفي الباب عن خولة بنت ثعلبة)، أخرج حديثها أبو داود (١).
[٣٣٠٠] قوله: (عن علي بن علقمة الأنماري) بفتح الهمزة وسكون النون الكوفي،
مقبول، من الثالثة، كذا في ((التقريب)): وقال في ((تهذيب التهذيب)): روى عن علي، وابن
مسعود، وعنه، سالم بن أبي الجعد، قال ابن المديني: لم يرو عنه غيره، وقال البخاري: في
حديثه نظر، وذكره ابن حبان في ((الثقات)): له عند الترمذي حديث واحد في قوله تعالى:
﴿إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ قال الحافظ: وقال ابن عدي: ما أرى بحديثه بأسّا، وليس له عن عليٍّ
غيره إلا اليسير، وذكره العُقيلي وابن الجارود في ((الضعفاء))، تبعًا للبخاري على العادة.
قوله: (﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَكُمْ صَدَقَّةٌ ﴾) أي: إذا أردتم
مناجاة رسول الله بَّة، فقدموا أمام ذلك صدقة، وفائدة ذلك إعظامُ مناجاة رسول الله بَّه
فإن الإنسان إذا وجد الشيء بمشقَّة استعظمه، وإن وجده بسهولة استحقره وَنُفِعَ كثيرٌ من
الفقراء بتلك الصدقة المقدَّمة قبل المناجاة، قال ابن عباس: إن الناس سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ وَله
وأكثروا حتى شَقَّ عليه، فأراد الله تعالى أن يخفف على نبيِّه وَّهُ ويُثبِّطهم عن ذلك، فأمرهم
أن يقدِّموا صدقة على مناجاة رسول الله وََّ، وقيل: نزلَتْ في الأغنياء، وذلك: أنهم كانوا
يأتون رسول الله بَّ فيكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على المَجَالس؛ حتى كره رسول الله
◌َّ* طُولَ جلوسهم ومناجاتهم، فلما أمروا بالصدقة، كَفُّوا عن مناجاته، فأما الفقراء وأهل
الْعُسْرة - فلم يجدوا شيئًا، وأما الأغنياء وأهل الميسرة - فضنوا، واشتد ذلك على أصحاب
رسول الله وَّ، فنزلَتِ الرخصة، وبعده: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ يعني: تقديم الصدقة على
(١) أبو داود، كتاب الطلاق، حديث (٢٢١٤).

١٨٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّة / باب (وَمِن سُورَة ﴿المجادلة﴾))
((مَا تَرَى؟ دِينَاراً؟)) قُلْتُ: لا يُطِيقُونَهُ، قَالَ: ((فَنِصْفُ دِينارٍ؟)) قُلْتُ: لا يُطِيقُونَهُ،
قَالَ: ((فَكَمْ؟)) قُلْتُ: شَعِيرة، قَالَ: ((إِنَّكَ لَزَهِيدٌ))، قَالَ: فَنَزَلتْ: ﴿وَأَشْفَقْتُ أَنْ تُقَدِّمُواْ
بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَتٍ﴾ [المجادلة: ١٣] الآية. قَالَ: فَبِي خَفَّفَ الله عَن هَذِهِ الأُمَّةِ.
[ضعيف الإسناد، سفيان بن وكيع، ضعيف].
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، إنَّمَا نَعْرِفُهُ مِن هَذَا الوَجْهِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ شَعِيرَة: يَعْنِي وَزْنَ شَعِيرَةٍ مِن ذَهَبٍ، وأبو الجَعْدِ اسمُهُ: رَافِعٌ.
المناجاة؛ لما فيه من طاعة الله وطاعة رسوله، ﴿وَأَلْهَرٌ﴾ أي: لذنوبكم، ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ﴾
يعني: الفقراء الذين لا يجدون ما يتصدقون به، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ أي: لمناجاتكم. ﴿رَحِيمُ﴾
أي: بكم، فلا عليكم في المناجاة من غير صدقة، (ما ترى) أي: في مقدار الصدقة التي
تقدم بين يدي النجوى، (دينار) أي: هل يقدَّم قبل النجوى دينار، (قلت: شعيرة) أي: تقدم
قبل النجوى شعيرةٌ، والمراد بها - هنا - وزن شعيرة من ذَهَبٍ، كما فسرها الترمذي به، (إنك)
أي: ياعليُّ (الزهيد) أي: قليل المال، قَدَّرْتَ على قَدْرِ حالك، (قال) أي: عليَّ (فنزلت
﴿وَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَكُمْ صَدَقَتْ﴾﴾ أي: أخفتم تقديم الصدقات، لما فيه من الإنفاق
الذي تكرهونه، وقيل: أي: أخفتم الفقر والعيلة، لأن تقدموا ذلك، والإشفاق: الخوف من
المكروه، والاستفهام للتقرير، (الآية) بالنصب، أي: أتِمَّ الآية، وبقيتها مع تفسيرها - هكذا
﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ﴾ أي: ما أمرتم به من تقديم الصدقة، ﴿وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: تجاوز عنكم
وَنَسَخَ الصدقة، ﴿فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةُ﴾ أي: المفروضة، ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ أي: الواجبة، ﴿وَأَطِيعُواْ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما أمر ونهى، ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: أنه محيط بأعمالكم
ونياتكم، (قال) أي: علي (فبي) أي: بسببي ولأجلي.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) في سنده سفيان بن وكيع، وهو صدوق، إلا أنه ابتلي
بوَرَّاقه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه، وفيه أيضًا: عليُّ بن
علقمة الأنماري، وهو متكلَّمٌ فيه.
وقال البخاري: فيه نظر، والحديث أخرجه أيضًا أبو يعلى وابن جرير (١) وابن المنذر،
وأخرج ابن جرير (٢) بسنده عن مجاهد في قوله: ﴿فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَةٌ﴾ قال: نهوا
(١) أبو يعلى: (٤٠٠)، وابن جرير في ((التفسير)): (٢١/٢٨).
(٢) ابن جرير في تفسيره المسمى بـ((جامع البيان)) (٢٠/٢٨).

١٩٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َّ / باب ((وَمِن سُورَة ﴿المجادلة)))
[ت ٥٨، م٣]
[٣٣٠١] (٣٣٠١) حَدَّثَنَا عبدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَن شَيْبَانَ، عَن قَتَادَةَ،
حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أنَّ يَهُودِيَّاً أتَى عَلَى النَّبِيِّ بَّهِ وأصْحَابِهِ، فَقَالَ: السَّامُ
عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ القَوْمُ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ وََّ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ هذا؟)) قالُوا: الله
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، سَلَّمَ يَا نَبِيَّ الله، قَالَ: ((لا، وَلَكِنَّهُ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، رُدُّوهُ عَلَيَّ))،
فَرَدُّوهُ، قَالَ: ((قُلْتَ: السَّامُ عَلَيْكُمْ؟)) قَالَ: نَعَم، قَالَ نَبِيُّ الله وَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ: ((إِذَا
سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتَابِ، فَقُولُوا: عَلَيْكَ، قَالَ: عَلَيكَ مَا قُلْتَ))، قَالَ:
﴿وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨]. [خ بنحوه: ٦٢٥٨، م: ٢١٦٣ دون الآية
د بنحوه: ٥٢٠٧، جه بنحوه: ٣٦٨٧، حم: ١١٥٣٧].
عن مناجاة النبي ◌َّ حتى يتصدقوا، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب - رَظُبه - قدم دينارًا،
فتصدق به، ثم أنزلت الرخصة في ذلك، وأخرج - أيضًا - عن ليث عن مجاهد، قال: قال
عليٌّ - رَّهِ -: إن في كتاب الله - عزَّ وجلَّ - لآية ما عَمِلَ بها أحد قبلي ولا يَعْمَلُ بها أحد
بعدي :
﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ تَجْوَنَكُمْ صَدَقَّةٌ﴾، قال: فرضت، ثم
نُسِخَتْ، وهاتان الروايتان منقطعتان، لأن مجاهدًا لم يسمع من عليّ.
[٣٣٠١] قوله: (حدثنا يونس) بن محمد بن مسلم المؤذِّب، (عن شيبان) بن عبد الرحمن
النحوي.
قوله: (وأصحابه) بالجرِّ، (السام عليكم) أي: لم يقل: السلام عليكم، بل قال: السام
عليكم، والسام: الموت، (فرد عليه) أي: على اليهودي (القوم) أي: الصحابة ظانِّين أن
اليهودي قال: السلام عليكم، (ما قال هذا) أي: هذا اليهودي (سَلّم) أي: قال: السلام
عليكم؛ (ولكنه قال: كذا وكذا) أي: قال: السام عليكم، (رُدُّوهُ عليَّ) أي: ارجعوا اليهودي
إليَّ، (قُلْتَ: السام عليكم؟) بحذف حرف الاستفهام، (فقولوا) أي: في الرد عليه، (قال)
أي: قرأ (﴿وَإِذَا جَاءُوَ﴾﴾ أي: اليهود (﴿حَوَكَ﴾) أيها النبي (﴿بِمَا لَمْ يُحْيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾) وهو:
قولهم: السام عليكم؛ قال القرطبي: المراد بها اليهودُ كانوا يأتون النبي ◌َّر، فيقولون: السام
عليك، يزيدون بذلك: السلام ظاهرًا، وهم يعنون المَوْتَ باطنًا، فيقول النبي ◌َّر: ((عليكم))،

١٩١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِ﴿ / باب ((ومن سُورَةٍ ﴿اَلْخَشْرِّ﴾))
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
٥٩- باب ((ومن سُورَةٍ ﴿اَلْخَشْرِ﴾)) [ت ٥٩، ١٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ
[٣٣٠٢] (٣٣٠٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَن نَافِع، عَن ابنِ عُمَرَ بِّهَا قَالَ:
حَرَّقَ رَسُولُ الله ◌َّهِ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَطَّعَ وَهِيَ البُوَيْرَةُ؛ فَأَنْزَلَ الله: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن
لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبَإِذْنِ اَللَّهِ وَلِيُخْزِىَ الْفَسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥]. [خ: ٤٨٨٤،
م: ١٧٤٦، د: ٢٦١٥، جه: ٢٨٤٤، حم: ٤٥١٨].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ.
وفي رواية: ((وعليكم)) قال ابن عمر في الآية: يريدون بذلك شَتْمَهُ، فنزلت هذه الآية.
انتھی .
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد والبخاري.
٥٩ - بَاب وَمِنْ سُورَةِ الحشْرِ
مَدَنِيَّةٌ(١) وَهِيَ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ آيَةً .
[٣٣٠٢] قوله: (حَرق) من التحريق، (نخل بني النضير) أي: أمر بقطع نخيلهم
وتَحْرِيقها، وهم طائفة من اليهود، وقصَّتهم مشهورةٌ مذكورةٌ في ((كتب السير))، وإنما فعل
ذلك رسول الله وق لقه حين حاصرهم إهانة لهم وإرهابًا وإرعابًا لقلوبهم، (وهي) أي: نخيلهم،
(البويرة) بضم الموحدة وفتح الواو مصغرًا: موضع نخل بني النضير (﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِِّنَةٍ﴾)
أي: أيَّ شيء قطعتم من نخلة (﴿أَوَ تَرَكْتُمُوهَا﴾) الضمير لـ ((ما)) وتأنيثه؛ لأنه مفسَّر بـ((اللينة)).
(﴿قَآَبِمَةٌ عَلَى أُصُولِهَا﴾) أي: لم تقطعوها (﴿فَإِذْنِ اٌلَِّ﴾) أي: بأمره وحكمه، يعني:
خَيَّركم في ذلك، ( وَلِيُخْرِىَ﴾) أي: بالإذن في القطع (﴿اَلْفَسِقِينَ﴾) يعني: اليهود.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان.
(١) قال القرطبي: هي مدنية في قول الجميع، وأخرج البخاري (٤٠٢٩) ومسلم (٣٠٣١) وغيرهما عن سعيد بن
جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر، قال: قل: سورة بني النضير. يعني: أنها نزلت في بني النضير.

١٩٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَفِ / باب ((ومن سُورَةٍ ﴿اَلْحَشْرِّ﴾))
[ت ٥٩، م٢]
[٣٣٠٣] (٣٣٠٣) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ محَمدِ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسلم،
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أبي عَمْرَةَ، عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ
ء
عَبَّاسٍ في قَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُهَا قَآئِمَةً عَلَىَّ أُصُولِهَا﴾
[الحشر: ٥]، قَالَ: اللِّينَةُ النَّخْلَةُ، وَلِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ، قَالَ: اسْتَنْزَلُوهُمْ مِن حُصُونِهِمْ،
قَالَ: وَأُمِرُوا بِقَطْع النَّخْلِ، فَحَكَّ في صُدُورِهِمْ، فَقَالَ المُسْلِمُونَ: قَدْ قَطَعْنَا بَعْضاً
وَتَركَنَا بَعضاً، فَلَنَسْأَلَنَّ رَسُولَ اللهِوَيِّ هِلْ لَنَا فيما قَطَعنَا مِن أَجْرٍ؟ وهَلْ عَلَيْنَا فِيمَا
تَرَكْنَا مِن وِزْرٍ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّيِنَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىَّ أُصُولِهَا﴾.
[الحشر: ٥] الآيَةَ.
[٣٣٠٣] (حدثنا عفان) بن مسلم بن عبد الله الصَّفَّار البصري، (حدثنا حبيب بن
أبي عمرة) القَصَّاب.
قوله: (قال: اللينة النخلة) أي: قال ابن عباس: إن المراد من ((اللينة)) النخلة، قال
الإمام البخاري: ما قَطَعْتُمْ من لينة: أي: نخلة، ما لم تكن عجوة أو بَرْنيَّةً، قال الحافظ:
قال أبو عُبَيْدَة في تفسير هذه الآية: أي مِنْ نخلة، وهي من الألوان ما لم تكُنْ عجوة أو
برنية، إلا أن الواو ذهَبَتْ بكسر اللام، وروى سعيد بن منصور من طريق عكرمة قال: اللينة:
ما دون العجوة، وقال سفيان: هي شديدة الصفرة تنشق عن النَّوى، (قال) أي: ابن عباس
(استنزلوهم) أي: أنزلوا اليهود، (فحكَّ في صدورهم ... إلخ) يقال: حَكَّ الشيء في نفسي،
إذا لم تكن منشَرحَ الصدر به، وكان في قلبك منه شيء من الشك والريب، وأوهمك أنه ذنب
وخطيئة، وروى الحافظ أبو يعلى(١) في ((مسنده)) قال: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا حفص،
عن ابن جُرَيْج، عن سليمان بن موسى، عن جابر، وعن أبي الزبير، عن جابر، قَالَ: ((رأَخَّص
لهم في قطع النخل، ثم شدَّد عليهم، فأتوا النبي ◌َِّ فقالوا: يَا رَسُولَ الله، عَلَيْنَا إِمٌ فِيمَا
قَطَعْنَا أَو عَلَيْنَا وِزْرٌ فيما تَرَكْنَا؟ فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِيِنَةٍ أَوْ تَكْتُمُوهَا قَآيِمَةٌ عَّ
أُصُولِهَا فَإِذْنِ اَللَّهِ﴾)) كذا في تفسير ابن كثير.
(من وزْر) بكسر الواو وسكون الزاي، أي: إثم.
(١) أبو يعلى الموصلي (٢١٨٩).

١٩٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب ((ومن سُورَةٍ ﴿اَلْخَشْرِّ﴾)»
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَريبٌ.
وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثِ، عَنِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَن حَبِيبٍ بْنِ أبِي عَمْرَةَ،
عَن سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مُرْسَلًا، ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
حَدَّثَنِي بِذَلِكَ، عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، حَدَّثَنَا هَارُونَ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَن حَفْصِ بْنِ
غِيَاثٍ، عَن حَبِيبٍ بْنِ أبِي عَمْرَةَ، عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ النَّبِّ وَِّ مُرْسَلًا .
قَالَ أَبُو عِيسَى: سَمِعَ مِنِّي مُحمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ هذَا الحَدِيث.
[ت ٥٩، م٣]
[٣٣٠٤] (٣٣٠٤) حَدَّثَنَا أبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَن فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَن
أبي حَازِمِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ؛ أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ، بَاتَ عنده ضَيْفٌ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ
إلَّا قُوتُهُ وَقُوتُ صِبْيَانِهِ، فَقَالَ لامْرأتِهِ: نَوِّمِي الصِّبْيَةَ، وَأَظْفِئِي السِّرَاجَ، وَقَرِّبِي
لِلضَّيْفِ ما عِنْدَكِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ:
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه النسائي(١) وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(حدثنا هارون بن معاوية) بن عبيد الله بن يسار الأشعري، صدوق، من كبار العاشرة.
قوله: (قال أبو عيسى: سمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث)، وقد سمع هو منه
أيضًا حديث أبي سعيد: ((يَا عَلِيُّ، لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يُجْنِبَ فِي هَذَا المَسْجِدِ غَيرِي
وَغَيرِكَ))(٢)، كما صرح به الترمذي بعد إخراجه في ((مناقب علي)).
[٣٣٠٤] قوله: (عن أبي حازم) اسمه: سلمان الأشجعي الكوفي.
قوله: (أن رجلًا من الأنصار) يقال له: أبو طلحة؛ كما في رواية مسلم، (إلا قوته وقود
صبيانه) أي: طعامه وطعام صبيانه، والقوت - بالضم - ما يقوم به بَدَنُ الإنسان من الطعام.
(نَوِّمي الصِّبيةَ) بكسر الصاد وسكون الموحدة: جمع صَبِيٍّ، (ما عندك) أي: من الطعام
(١) النسائي في ((الكبرى)) (٨٦١٠)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)): (١٤٣/٣)، والطبراني في «الأوسط))
(٥٨٧). قال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه واستغربه وسمعه مني.
قلت: له شواهد كثيرة يصح بها .
(٢) الترمذي، كتاب المناقب، حديث (٣٧٢٧).

١٩٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّهِ / باب ((ومن سُورةٍ ﴿الممتحنة))
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. [خ مطولاً: ٣٧٩٨، م مطولاً:
چ
٢٠٥٤] .
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
٦٠ - باب ((ومن سُورةٍ ﴿الممتحنة))) [ت ٦٠، ١٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
[٣٣٠٥] (٣٣٠٥) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَن
الحَسَنِ بْنِ مُحمَّدٍ - هُوَ ابنُ الحَنَفِيَّةِ - عَن عُبَيْدِ الله بْنِ أبي رَافِعِ، قَالَ: سَمِعْتُ
عَلِيَّ بْنَ أبي طَالِبٍ يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِوَّةِ أَنَا وَالزُّبَيْرَ والمِقْدَادِ بْنَ الأسْوَدِ،
(﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ﴾) أي: في كل شيء من أسباب المعاش، والإيثار: تقديمُ الغير على
النفس فى حظوط الدنيا، رغبةً في حظوظ الآخرة، وذلك ينشأ عن قوة اليقين وَوَكِيدِ المحبَّة
والصّبرٍ على المشقة، يقال: آثرته بكذا، أي: خصصته به [و] فِضَّلْته، والمعنى: ويقدِّم الأنصارُ
المهاجِرِينَ علَى أنفسهم في حظوظ الدنيا (﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾) أي: حاجة وفقر.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان.
٦٠ - بَاب وَمِنْ سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ
مَدَنِيَّةِ وَهِيَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ آيَةً(١)
[٣٣٠٥] قوله: (حدثنا سفيان) هو ابن عيينة (عن الحسن بن محمد، هو: ابن الحنفية)
قال في ((التقريب))؛ الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب الهاشميُّ أبو محمد المدني،
وأبوه: ابن الحنفية، ثقة، فقيه، من الثالثة.
قوله: (بعثنا رسول الله ﴿﴿ أنا والزبير) أكَّد الضمير المنصوب في ((بعثنا)) بلفظ ((أنا))؛ كما
في قوله تعالى: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف: ٣٩]، ولا منافاة بين هذا وبين رواية
(١) قال القرطبي: مدنيّةٌ في قول الجميع، وهي ثلاث عشرة آية. الممتحنة (بكسر الحاء) أي المختبرة، أضيف
الفعل إليها مجازًا، كما سُمِّيت سورة ((براءة)) المبعثرة والفاضحة؛ لما كشفت عن عيوب المنافقين. ومن قال
في هذه السورة: الممتحنة (بفتح الحاء) فإنه أضافها إلى المرأة التي نزلت فيها، وهي أمّ كُلْتُوم بنت عُقْبة بن
أبي مُعَيْط. [تفسير القرطبي: ٥٠/١٨].

١٩٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ََّ / باب ((ومن سُورةٍ ﴿الممتحنة)))
فَقَالَ: ((انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخِ؛ فإنَّ فيهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ، فَخُذُوهُ مِنْهَا
فَائتُونِي بِهِ))، فَخَرَجْنَا تَتَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَةَ، فَإِذَا نَحْنُ بالَّعِينَةِ، فَقُلْنَا:
أخْرِجِي الكِتَابَ، فَقَالَت: مَا مَعِي مِن كِتَابٍ، فَقُلْنَا: لَنُخْرِ جِنَّ الكِتَابَ أوْ لَتُلْقِيَنَّ
الثَِّابَ، قَالَ: فأخْرَجَتْهُ مِن عِقَاصِهَا، قَالَ: فَأَتَيْنَا بِهِ رسولَ الله ◌ََّ فَإِذَا هُوَ: مِن
حَاطِبٍ بْنِ أبي بَلْتَعَةَ، إلى ناسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أمْرِ النبيِّ وَِّ،
أبي عبد الرحمن السلميِّ عن عليٍّ: ((بَعَثَنِي وَأَبَا مَرْتَدِ الغَنَوِيَّ، وَالزُّبَيْرَ ابْنَ العَوَامِ))، لاحتمال
أن يكون البعث وقع لهم جميعًا، (حتى تأتوا روضة خَاخٍ) بمنقوطتين من فوق: موضع باثني
عشر ميلا من المدينة، (فإن بها ظعينة) بالظاء المعجمة، أي: امرأة، وأصل الظعينة: الهودج
فيه امرأة، ثم قيل للمرأة وحدها، والهودج وحده، (معها كتاب) وفي رواية للبخاري:
((تجدون بِهَا امْرَأَةً أَعْطَاهَا حَاطِبٌ كِتَابًا))، (فأتوني به) أي: بالكتاب الذي معها (تتعادى) أي:
تتسابق وتتسارع؛ من العَدْوٍ، (حتى أتينا الروضة) أي: روضَةَ خَاخِ، (لَتُخْرِجِنَّ) بكسر الجيم؛
بصيغة المخاطبة؛ من الإخراج، (أو لتلقين) بإثبات التحتية مكسورة أو مفتوحة، وكذا
وقع عند البخاري في تفسير سورة الممتحنة، فإن قلتَ: القواعد العربية تقتضي أن تحذف
تلك الياء ويقال: ((لتلقن)) قلتُ: القياسُ ذلك، وإذا صحَّت الرواية بالياء. فتأويل الكسرة:
أنها لمشاكلة ((لتخرجن)) والفتح: بالحَمْل على المؤنث الغائب على طريق الالتفات من
الخطاب إلى الغيبة، والمعنى: لترمين الثياب وتتجردن عنها؛ ليتبيَّن لنا الأمر، (فأخرجته من
عِقَاصها) بكسر العين المهملة: جمع عقصَة، أي: من ذوائبها المضفورة، وفي رواية
للبخاري في الجهاد: (فَأَخْرَجَتْ مِنْ حُجْزَتِهَا)) بضم المهملة وسكون الجيم بعدها زاي: مَعْقِدُ
الإزار والسراويل، قال الحافظ: والجمع بين هاتين الروايتين: بأنها أخرجته من حُجْزَتها،
فأخفته في عِقاصها، ثم اضطرت إلى إخراجه أو بالعكس، أو: بأن تكون عقيصَتُها طويلة
بحيث تصلُ إلى حُجْزتها فَرَبَطَتْهُ في عقيصتها وغَرَزَتْه [بحجزتها]، وهذا الاحتمال أرجح.
انتھی.
(فأتينا به) أي: بالكتاب، (من حاطب بن أبي بَلْتَعَة) بموحدة مفتوحة ولام ساكنة فمثناة
فوقية وعين مهملة مفتوحتين، وتوفي حاطب سنة ثلاثين، (يخبرهم ببعض أمر النبي (وَل18) وفي
مرسَلٍ عروة (١): ((يُخبرُهُمْ بِالَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مِنَ الأَمرِ فِي السَّيرِ إِلَيهِم وَجَعَلَ
(١) انظر تفسير ابن جرير (٦٠/٢٨)، و((دلائل النبوة)) للبيهقي (١٦/٥).

١٩٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ / باب ((ومن سُورةٍ ﴿الممتحنة)))
فَقَالَ: ((ما هَذَا يَا حاطِبُ؟)) قَالَ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ الله، إنِّي كُنْتُ امْرَءاً
مُلْصَقاً في قُرَيْشٍ، وَلَمْ أكُنْ مِن أنْفُسِهَا، وكَانَ مَن مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ
يَحْمُونَ بِهَا أهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِمَكّةَ، فَأَحْبَيْتُ إِذْ فاتَنِي ذَلِكَ مِن نَسَبِ فِيهِمْ، أنْ أَنَّخِذَ
فِيهِمْ يَداً يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْراً ولا ارْتِدَاداً عَن دِينِي، ولا رِضاً
بالكُفْرِ بَعدَ الإِسلام، فَقَالَ النبيُّ بَّهَ: ((صَدَقَ))، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ بَلُبُهُ: دَعْنِي
يَا رَسُولَ الله، أضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ، فَقَالَ النبيُّ وَّهَ: ((إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْراً، فَمَا
يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَلَعَ عَلَى أهْلٍ بَدْرٍ، فَقَالَ:
لَهَا جُعْلًا عَلَى أَنْ تُبَلِّغَهُ قُرَيْشًا)) (لا تعجل علي) أي: في الحكم بالكُفْر ونحوه، (إني كنت
امرأ ملصقًا في قريش) بفتح الصاد، أي: حليفًا لهم، (ولم أكن من أَنفُسِها)، وعند أحمد:
((وكُنْتُ غَرِيبًا))، قال السُّهَيْلِيُّ، كان حاطب حليفًا لعبد الله بن حميد بن زُهَيْر بن أسد بن
عبد العُزَّى (يَحْمُونَ بِهَا)): مِنَ الحِمَاية، أي: يحفظون بتلك القرابات، (أن أتخذ فيهم)
مفعول لقوله: ((أَحْبَبْتُ)) (يدًا) أي: نعمةً ومنَّةً عليهم، (يحمون بها قرابتي)، وفي رواية ابن
إسحاق: ((وَكَانَ لِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَلَدٌ وَأَهْلٌ فَصَانَعَتُهُمْ عَلَيْهِ)) (صدق) بتخفيف الدال، أي: قال
الصدق، (فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله، أضرب عنق هذا المنافق) إنما قال
ذلك عمر مع تصديق رَسُولِ اللهِ بَّه لحاطب فيما اعتذَرَ به؛ لما كان عند عمر من القوة في
الدين وبغض من ينسب إلى النفاق، وظَنَّ أن مَنْ خالف ما أمره به رسول الله وَّة . - استحقَ
القتل؛ لكنه لم يجزم بذلك؛ فلذلك استأذن في قتله، وأطلق عليه منافقًا لكونه أبطن خلاف
ما أظهر، وعُذرُ حاطبٍ ما ذكره، فإنه صنع ذلك متأولًا أن لا ضَرَرَ فيه، (إنه قد شهد بدرًا)؛
فكأنه قيل: وهل يسقط عنه شهودُهُ بدرًا هذا الذنْبَ العظيم؟! فأجاب بقوله: (فما
يدريك ... ) إلى آخره، (لعل الله اطلع على أهل بدر) قال العلماء: إن الترجِّ في كلام الله
ورسوله للؤُقُوع، وعند أحمد وأبي داود وابن أبي شيبة (١)، من حديث أبي هريرة بالجزم،
ولفظه: ((إِنَّ الله اطّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ))، وعند أحمد (٢)
بإسناد على شرط مسلم، من حديث جابر مرفوعًا: (لَنْ يَدْخُلَ النَّارَ أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا))، (فقال)
(١) أحمد، حديث (٧٨٨٠)، وأبو داود، كتاب السنة، حديث (٤٦٥٤)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٥٥/١٢
- سلفية).
(٢) أحمد، حديث (١٤٨٣٨).

١٩٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ بَّهَ/ باب ((ومن سُورةٍ ﴿الممتحنة)))
اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ))، قَالَ: وَفِيهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿يَأَتِهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَتَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] السُّورَةَ، قَالَ عَمْرٌو: وَقَدْ
رأيْتُ ابنَ أبي رَافِعٍ، وكَانَ كاتِباً لِعَلِيِّ بْنِ أبي طَالِبٍ. [خ: ٣٠٠٧، م: ٢٤٩٤، د: ٥٦٥٠،
حم: ٦٠١].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
تعالى؛ مخاطبًا لهم خطابَ تشريف وإكرام: (﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]) في المستقبل؛
(فقد غفرت لكم) عبّر عن الآتي بالواقع، مبالغةً في تحققه، وعند الطبراني، من طريق معمر،
عن الزهري، عن عروة: ((غَافِرٌ لَكُمْ))، وفي مغازي ابن عائذ، من مُرسَلٍ عروة: ((اعْمَلُوا مَا
شِئْتُمْ فَسَأغْفِرُ لَكُمْ))، قال القرطبي: وهذا الخطاب قد تضمن أن هؤلاء حصَلتْ لهم حالة
غُفِرَتْ بها ذنوبُهم السابقةُ وتأهلوا أن تغفر لهم الذنوبُ اللاحقة إن وقعت منهم، وما أحسن
قولَ بَعْضِهِم: [من الكامل].
جَاءَتْ مَحَاسِنُهُ بِأَلْفِ شَفِيعٍ
وَإِذَا الحَبِيبُ أتَى بِذَنبِ وَاحِدٍ
وليس المراد أنهم نجزت لهم في ذلك الوقْتِ مغفرة الذنوب اللاحقة، بل لهم صلاحيةٌ
أن يغفر لهم ما عَسَاهُ أن يقع، ولا يلزم من وجود الصلاحية لشيء وجودُ ذلك الشيء،
واتفقوا على أن البِشَارَةَ المذكورة فيما يتعلَّق بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا عن إقامة
الحدود وغيرها، (وفيه أنزلت) أي: في حاطب بن أبي بلتعة (﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ عَدُوِى
وَعَدُؤَّكُمْ﴾) أي: الكفار (﴿أَوْلِيَآءَ﴾) أي: أصدقاء وأنصارًا (﴿تُلْقُونَ﴾) أي: توصلون (﴿إِلَيْهِم
بِالْمَوَدَّةِ﴾) أي: بأسباب المحبة، وقيل: معناه تلقون إليهم أخبار النبي ◌َّرُ. وسرَّه بالمودة التي
بينكم وبينهم، وبعده: ﴿وَقَدّ كَفَرُوا﴾ أي: وحالهم أنهم كفروا بما جاءكم من الحق، يعني:
القرآن ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ أي: من مكة ﴿أَن تُؤْمِنُوا﴾ أي: لأَنْ آمنتم؛ كأنه قال: يفعلون
ذلك؛ لإيمانكم، ﴿بَلَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُمْ خَرَحْتُمْ﴾ شرطٌ جوابُهُ متقدِّم، والمعنى: إن كنتم خرجتم
﴿جِهَدًا فِى سَبِيلِ وَأَبْتِغَاءَ مَرْضَائِ﴾؛ فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، ﴿قُِّرُونَ إِلَيْهِم ◌ِلْمَوَذَّةِ﴾
أي: بالنصيحة، ﴿وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآَ أَخْفَيْتُ﴾ أي: من المودّة للكفار، ﴿وَمَآ أَعْلَنَتُمْ﴾. أي: أظهرتم
بألسنتكم منها، ﴿وَمَن يَفْعَلَهُ مِنْكُمْ﴾ أي: الإسرار وإلقاء المودَّة إليهم، ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ
السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١] أي: أخطأ طريقَ الهدى، (السُّورَةَ) بالنصب، أي: أَتِمَّ السورة.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه.

١٩٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَّر باب ((ومن سُورةٍ ﴿الممتحنة)))
وَفِيه عَن عَمرٍو، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله.
وَرَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ، عَن سُفيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، هَذَا الحَدِيثَ نَحْوَ هَذَا، وَذَكَرُوا هَذَا
الحَرْفَ، وقالُوا: لَتُخْرِ جِنَّ الكِتابَ أوْ لَتُلْقِيَنَّ النِّيَابَ.
وقَدْ رُوِيَ أيْضاً عَن أبي عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَحيَى السُّلَمي عَن عَلِيٍّ بن أبي طالبٍ
نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ.
وَروى بَعْضُهُمْ فِيهِ، فقال: لَتُخْرِ جنَّ الكِتَابَ أَوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ.
[ت ٦٠، م٢]
[٣٣٠٦] (٣٣٠٦) حَدَّثَنَا عِبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَزَّاقِ، عَن مَعْمَرٍ، عَن
الزُّهْرِيِّ، عَن عُرْوَةَ، عَنِ عَائِشَةَ، قَالَت: ما كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ يَمْتَحِنُ إلَّا بالآيةِ
الّتِي قَالَ الله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَثُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] الآيَة.
قوله: (وفيه: عن عمر(١)، وجابر بن عبد الله(٢)) لينظر من أخرج حديثَهُمَا .
قوله: (فقالوا: لتخرجن الكتاب، أو لتلقين الثياب) هذا بيانٌ لما قبله.
(وهذا حديث قد روي أيضًا عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب ...
إلخ) رواه الشيخان.
[٣٣٠٦] قوله: (ما كان رسول الله وَّ و. يمتحن) أي: يختبر (إلا بالآية التي ... إلخ)
أي: بما في هذه الآية، وفي رواية البخاري في التفسير: ((كَانَ يَمْتَحِنُ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِ مِن
المُؤْمِنَاتِ بِهَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِ الله: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ﴾ إلخ. (﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ
يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢]) أي: قاصدات لمبايعتك على الإسلام (الآية) تمامها ﴿عَلَى أَن لَّا
يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢]؛ أي: شيئًا من الأشياء كائنًا ما كان ﴿وَلَا يَسْرِفْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا
يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] هو: ما كانت تفعله الجاهلية من وأد البنات؛ أي: دفنهن أحياء؛
(١) الطبراني في ((الأوسط)) (٢٦٤٧)، والحاكم، حديث (٦٩٦٦) وقال: على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. قال
الهيثمي (٣٠٣/٩): رواه أبو يعلى في ((الكبير)) والبزار والطبراني في ((الأوسط)) باختصار ورجالهم رجال
الصحيح.
(٢) أحمد، حديث (١٤٣٦٠)، وأبو يعلى (٢٢٦٥)، قال الهيثمي (٣٠٣/٩): ورجال أحمد رجال الصحيح.

١٩٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهِ / باب ((ومن سُورةٍ (الممتحنة﴾))
قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي ابنُ طَاؤُوسٍ عَن أَبِيهِ، قَالَ: مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ وَفِ يَدَ
امْرَأةٍ، إلَّا امْرأةً يَمْلِكُهَا. [خ: ٤٨٩١، م: ١٨٦٦، د بنحوه: ٢٩٤١، جه: ٢٨٧٥، حم: ٢٤٣٠٨].
الخوف العار والفقر ﴿وَلَا يَأْتِيَنَ بِبُهْتَنِ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] أي: لا يلحقن
بأزواجهن ولدًا ليس منهم.
قال الفراء: كانَتَ المرأة تلتقط المولود؛ فتقول لزوجها: هذا ولدي منك؛ فذلك البهتان
المفترى بين أيديهن وأرجلهن؛ وذلك أن الولد إذا وضعته الأم ـ سقط بين يديها ورجليها،
وليس المراد ههنا: أنها تنسب ولدها من الزنا إلى زوجها؛ لأن ذلك قد دخل تحت النهي
عن الزنا ﴿وَلَا يَعْضِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] أي: في كل أمر هو طاعة لله وإحسان إلى
الناس، وكل ما أمر به الشرع ونهى عنه، والمعروف: ما عرف حسنه من قبل الشرع،
﴿فَايِعْهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] أي: إذا بايعنك على هذه الشروط - فبايعهن ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لَنَّ اللَّهَ﴾؛
أي: عما مضى ﴿أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢] أي: بليغ المغفرة؛ بتمحيق ما سلف
وكثير الرحمة لعباده - (قال معمر) أي: بالإسناد السابق (ما مست يد رسول الله،وَال18) أي:
عند المبايعة. وفي رواية البخاري في ((التفسير)): قَالتْ عَائِشَةُ فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنَ
المُؤمِنَاتِ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ: ((قَدْ بَايَعْتُكِ كَلَامًا)»؛ وَلَا وَالله مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امرأَةٍ قَطْ فِي
المُبَايَعَةِ، مَا يُبَايِعُهِنَّ إلا بِقَوْلِهِ: ((قَدْ بَايَعْتُكَ عَلَى ذَلِكَ)). قال الحافظ: وكأن عائشة أشارت
بذلك إلى الرد على ما جاء عن أم عطية؛ فعند ابن خزيمة، وابن حبان، والبزار، والطبري،
وابن مردويه، من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن، عن جدته أم عطية في قصة المبايعة؛
قال: فمد يده من خارج البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال: ((اللَّهُمَّ اشهدْ))؛
وكذا حديث أم عطية الذي فيه: ((قَبَضَتْ مِنَّ امْرَأَةٌ، يَدَهَا فإِنَّه يَشْعُرُ بأنَّهنَّ كُنَّ يُبَابِعْنَهُ
بأَيْدِيهِنَّ)). ويمكن الجواب عن الأول؛ بأن مدّ الأيدي من وراء الحجاب إشارة إلى وقوع
المبايعة، وإن لم تقع مصافحته، وعن الثاني: بأن المراد بقبض اليد: التأخر عن القبول، أو
كانت المبايعة تقع بحائل؛ فقد روى أبو داود في ((المراسيل) عن الشعبي؛ أن النبي اَليات . .
حين بايع النساء أتى ببرد قطري؛ فوضعه في يده، وقال: ((لَا أَصَافِحُ النِّسَاءَ))، وعند
عبد الرزاق، من طريق إبراهيم النخعي مرسلًا نحوه، وعند سعيد بن منصور، من طريق
قيس بن أبي حازم كذلك: وأخرج ابن إسحاق في ((المغازي)) من رواية يونس بن بكير عنه،
عن أبان بن صالح أنه وي طير. كان يغمس يده في إناء، وتغمس المرأة يدها فيه، ويحتمل
التعدد .

٢٠٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب ((ومن سُورةٍ ﴿الممتحنة﴾)
قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
[ت ٦٠، م٣]
[٣٣٠٧] (٣٣٠٧) حَدَّثَنَا عِبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيم، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الله
الشّيْبَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ شَهْرَ بْنَ حَوْشَبٍ، قَالَ: حدثَتْنَا أُمُّ سَلَمَةَ الأنْصَارِيَّةُ، قَالَت:
قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسْوَةِ: مَا هَذَا المَعْرُوفُ الَّذِي لا يَنْبَغِي لَنَا أنْ نَعْصِيكَ فِيهِ؟ قَالَ:
((لا تَنُحْنَ))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إنَّ بَنِي فُلَانٍ قَدْ أسْعَدُونِي عَلَى عَمِّي، وَلا بُدَّ لِي
مِن قَضَائِهِنَّ، فَأَبَى عَلَيَّ،
وقد أخرج الطبراني أنه بايعهن بواسطة عمر. وروى النسائي والطبري(١) من طريق
محمد بن المنكدر؛ أن أميمة بنت رقيقة، بقافين مصغرًا - أخبرته أنها دخلت في نسوة تبايع؛
فقلن: يا رسول الله أبسط يدك نصافحك؛ فقال: ((إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ وَلَكِنْ سَآَخُذُ عَلَيْكُنَّ))
فأخذ علينا حتى بلغ ﴿وَلَا يَعْضِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢]؛ فقال: فيما أطقتن، واستطعتن؛
فقلن: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا. وفي رواية الطبري: ((مَا قَوْلِي لِمَائةِ امرأةٍ إِلَّا كَقَولِي
الامرْأَةٍ وَاحِدَةٍ)). وقد جاء في أخبار أخرى أنهن كنَّ يأخذن بيده عند المبايعة من فوق ثوب،
أخرجه يحيى بن سلام في ((تفسيره)) عن الشعبي.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري.
[٣٣٠٧] قوله: (حدثنا يزيد بن عبد الله الشيباني) أبو عبد الله الكوفي، ثقة، من كبار السابعة.
قوله: (ما هذا المعروف) أي: الذي وقع في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْضِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾
[الممتحنة: ١٢]، (الذي لا ينبغي لنا) أي: لا يجوز لنا (أن نعصيك فيه) أي: في هذا المعروف
(قال) أي: رسول الله وَلـ (لا تنحن) من النوح؛ وهو: البكاء على الميت، وتعديد
محاسنه، وقيل: النوح: بكاء مع الصوت، ومنه: ناح الحمام نوحًا (قد أسعدوني على عمي)
من الإسعاد؛ وهو: إسعاد النساء في المناحاة؛ تقوم المرأة؛ فتقوم معها أخرى من جاراتها؛
فتساعدها على النياحة.
قال الخطابي: الإسعاد: خاص في هذا المعنى، وأما المساعدة فعامة في كل معونة (ولا
بد لي من قضائهن) أي: من أن أجزيهم (فأبى) أي: رسول الله وسلير؛ أي: لم يأذن لي في
(١) النسائي في ((الكبرى)) حديث (٧٨٠٤)، وابن جرير في ((التفسير)) (٧٩/٢٨).