النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ / باب ((وَمِنْ سُورَةٍ ﴿مُحَمَّدٍ﴾)) قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. [خ: ٦٣٠٧، حم: ٧٧٣٤]. وَيُرْوَى عَن أبي هُرَيْرَةَ أيضاً عَنِ النَّبِيِّ وََّ أنه قَالَ: ((إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله في اليَوْمِ مائَةَ مَرَّةٍ))، وقد رُويَ مِن غَيْرِ وجْهٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ: ((إِنِّي لأَسْتَغْفِرِ اللهَ في اليَومِ مِنَّة مَرَّةٍ)). ورَوَاهُ مُحمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَن أَبِي سَلَمَةَ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ. مَرَّةً))، قال الحافظ: تحت هذه الرواية ما لفظه، وقع في حديث أنس ((إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة)) فيحتمل أن يريد المبالغة، ويحتمل أن يريد العدد بعينه، وقوله: ((أَكْثَرَ)) مبهم؛ فيحتمل أن يفسّرَ بحديث ابن عمر المذكور، وأنه يبلغ المائة. قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه البخاري، (ويروى عن أبي هريرة أيضًا عن النبي ◌َّلهم أنه قال: إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ... إلخ)، رواه النسائي؛ كما صرح به الحافظ في ((الفتح)). تنبيه: قد استشكل وقوعُ الاستغفار من النبيِّ ◌َّر، وهو معصوم، والاستغفار يستدعي وقوعَ معصية، وأجيبَ بعدة أجوبة. منها: أن المراد باستغفاره وَّل﴿ استغفارُهُ من الغَيْنِ الذي وقع في حديث الأغر المزني عند مُسْلِمٍ: ((إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلبِي وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله فِي الْيَوْمِ مائَةَ مَرَّة)) قال عياض: المراد من الغينَ: فتراتٌ عن الذكر، الذي شأنه أن يداوم عليه، فإذا فتر عنه لأمرٍ ما، عَدَّ ذلك ذنبًا، فاستغفر عنه. ومنها: قول ابن الجوزي: هَفَوَاتُ الطباع البشرية لا يسلم منها أحد، والأنبياء - وإن عصموا من الكبائر - فلم يعصموا من الصغائر؛ كذا قال، وهو مفرَّع على خلاف المختار، والراجح: عصمتهم من الصغائر أيضًا. ومنها: قول ابن بطَّال: الأنبياء أَشَدُّ الناس اجتهادًا في العبادة؛ لما أعطاهم الله تعالى من المعرفة؛ فهم دائبون في شكره معترفون له بالتقصير. انتهى، ومحصِّل جوابه: أن الاستغفار من التقصير في أداء الحق الذي يجب(١) لله تعالى، ويحتمل أن يكون لاشتغاله بالأمور المباحة من أكل أو شرب أو جماع أو نوم أو راحة لمخاطبة الناس والنظر إلى مصالحهم ومحاربة عدوهم تارة ومداراته أخرَى، وتأليف المؤلِّفة، وغير ذلك مما يحجبه عن (١) في نسخة مطبوعة: يجل. ١٤٢ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِّ / باب ((وَمِنْ سُورَةٍ ﴿مُحَمٍَّ﴾)) [ت ٤٧، م٢] [٣٢٦٠] (٣٢٦٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزَّاقِ، أَخْبَرَنَا شَيْخٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحمن، عَن أبيهِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ثَلا رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَوْماً هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]؛ قَالوا: وَمَنْ يُسْتَبْدَلُ بِنَا؟ قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِوَلِّ عَلَى مَنْكِبٍ سَلْمَانَ، ثُمَّ قَالَ: ((هَذَا وقَوْمُهُ، هَذَا وَقَوْمُهُ)). قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، في إِسْنَادِهِ مَقَالٌ. وقد رَوَى عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ أَيْضاً هَذَا الحَدِيثَ، عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحمنِ. الاشتغال بذكر الله والتضرُّع إليه ومشاهدته ومراقبته؛ فيرى ذلك ذنبًا بالنسبة إلى المقام العليِّ، وهو الحضور في حظيرة القدس. ومنها: أن الاستغفار تشريع لأمته أو مِنْ ذنوب الأمة؛ فهو كالشفاعة لهم. وقال الغَزَالِيُّ في ((الإحياء)): كان ◌َّهِ دائم الترقِّي، فإذا ارتقى إلى حال رأى ما قبلها دونها، فاستغفر من الحالة السابقة، وهذا مفرَّع على أن العدد المذكور في استغفاره كان مفرَّقًا بحسب تعدد الأحوال، وظاهر ألفاظ الحديث يخالف ذلك؛ كذا في ((الفتح)). [٣٢٦٠] قوله: (عن العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الحرقي (﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا﴾) أي: إن تعرضوا وتدبروا عن طاعته، (﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾) أي: يجعلهم بدلكم (﴿ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ﴾) أي: في التولي عن طاعته؛ بل مطيعين له عزَّ وجلَّ، (قالوا) أي: قال بعض الصحابة، (على منكب سلمان) أي: الفارسي، وفي الرواية الآتية: ((فَضَرَبَ رَسُوْلُ اللهِ وَل فَخِذَ سَلمانُ))، ولا منافاة بينهما؛ لأن الظاهر أن النبي ◌َّطيور ضرب على فخذه ومنكبه، (هذا وقومه) هم: الفرس. قوله: (هذا حديث غريب) وفي سنده شيخ من أهل المدينة، وهو مجهول(١). (١) ذكر الشوكاني في تفسيره فتح القدير (٤٣/٥): أن في إسناده (مسلم بن خالد الزنجي) وقد تفرد به، وفيه مقال معروف، كما نص على ذلك ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره (٤/ ١٨٢): أنه تفرد به (مسلم بن خالد الزنجي) ورواه عنه غير واحد، وقد تكلم فيه بعض الأئمة. ١٤٣ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهـ / باب ((وَمِنْ سُورَةٍ ﴿مُحَمَّدٍ﴾)) [ت ٤٧، م٣] [٣٢٦١] (٣٢٦١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أنبأنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرِ بْنِ نَجِيحِ، عَن العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحمنِ، عَن أبِيهِ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أنَّهُ قَالَ: قَالَ نَاسٌ مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ: يَا رَسُولَ الله، مَن هَؤْلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَ الله إنْ تَوَلَّيْنَا اسْتُبْدِلُوا بِنَا، ثُمَّ لم يَكُونُوا أمْثَالَنَا؟ قَالَ: وَكَانَ سَلْمَانُ بِجَنْبٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَخِذَ سَلْمَانَ، وَقَالَ: ((هَذَا وأصْحَابُهُ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ كَانَ الإِيمَانُ مَنُوطاً، بالثُّرَيًّا، لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِن فَارِسَ)). [خ بنحوه: ٤٨٩٧، م بنحوه: ٢٥٤٦، حم: ٧٨٩٠]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: وعَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرِ بْنِ نَجِيحِ، هُوَ وَالدُ عَلِيّ بْنِ المَدِينيِّ. وقد رَوَى عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، عَن عَبْدِ الله بْنِ جَعْفَرِ الكَثِيرَ، وَحَدَّثَنَا عَلِيٌّ بِهذَا الحَدِيثِ، عَن إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَن عبد الله بْنِ جَعفرٍ، وَحَدَّثَنَا بِشرُ بْنُ مُعاذٍ، حَدَّثَنَا عَبد الله بْنُ جَعفرٍ، عَن العَلاءِ: نَحوَهُ، إلَّا أَنَّه قَالَ: مُعلقٌ بِالثُّرَيًّا. [٣٢٦١] قوله: (استبدلوا بنا) بصيغة المجهول، أي: يُجْعَلُوا بدلنا، (لو كان الإيمان منوطًا) أي: معلَّقًا (بالثريا) بضم المثلثة وفتح الراء وتشديد التحتية - هو: النجم؛ قال في ((القاموس)): امرأة ثَرْوَى متمولة، والثُّريًّا تصغيرها، والنجم لكثرة كواكبه مع ضيق المحلِ (لتناوله) أي: أخذ الإيمان (رجال من فارس) قال في ((القاموس)): فَارِس والفُرْس أو بِلَادُهُم. اعلم: أن هذا الحديث صريحٌ في أن قوله ◌ِّي ((لو كان الإيمان ... )) إلخ صدر منه عند نزول هذه الآية، وحديث أبي هريرة الآتي في ((تفسير سورة الجمعة)) صريحٌ في أن هذا القول صدر منه عند نزول قوله تعالى: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ﴾ [الجمعة: ٣] قال الحافظ في ((الفتح)): يحتمل أن يكون ذلك صدر عند نزول كُلِّ من الآيتين ويأتي الكلام مفضَّلًا بما يتعلَّق بقوله : ((لو كان الإيمان ... )) إلخ في ((تفسير سورة الجمعة)) إن شاء الله تعالى. (وقد روى علي بن حجر، عن عبد الله بن جعفر - الكثير) أي: من الأحاديث، يعني: وقد روى علي بن حجر أحاديثَ كثيرةً عن عبد الله بن جعفر بغير واسطة. (وحدثنا علي بهذا الحديث، عن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن جعفر) أي: بواسطة إسماعيل بن جعفر. ١٤٤ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((وَمِن سُورَةٍ ﴿اَلْفَتْحِ﴾)) ٤٨- باب ((وَمِن سُورَةٍ ﴿اَلْفَتْحِ﴾)) [ت ٤٨، ١٣] بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ [٣٢٦٢] (٣٢٦٢) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَثمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَن أبيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ، يَقُولُ: كُنَّا مَعَ رَسُوْل الله وَّهِ فِي بَعضِ أسْفَارِهِ، فَكَلَّمْتُ رَسُولَ اللهِ وَهُ مضرعيه فَسَكَتَ، ثُمَّ كَلَّمْتُهُ فَسَكَتَ، ثُمَّ كَلَّمْتُهُ فَسَكَتَ، فحرَّكْتُ راحِلَتِي، فَتَنَخَّيْتُ، وَقُلْتُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ، نَزَرْتَ رَسُولَ اللهِ وَيِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ لا يُكَلِّمُكَ، مَا أْلَقَكَ أَنْ يَنْزِلَ فِيكَ قُرآنٌ! قَالَ: فَمَا نَشِبْتُ أن سَمِعْتُ صَارخاً يَصْرُخُ ٤٨ - بَاب وَمِنْ سُوْرَةِ الفَتْحِ مَدَنِيَّةٌ وَهِيَ تِسْعٌ وعِشْرُوْنَ آيَةً [٣٢٦٢] قوله: (في بعض أسفاره) هو: سفر عمرة الحديبية؛ كما في رواية الطبراني، وفي رواية البخاري: ((عن زيد بن أسلم، عن أبيه؛ أَنَّ رَسُولَ الله وَلَ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعضٍ أَسْفَارِهِ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - رَبِهِ - يَسِيْرُ مَعَهُ لَيْلًا))؛ قال القرطبي: وهذا السفر كان ليلًا منصرفه ◌َ لي من الحديبية، لا أعلم بين أهل العلم في ذلك خلافًا، (فسكت)، وفي رواية البخاري: ((فلم يجبه)) قال الحافظ: يستفاد منه أنه ليس لكل كلام جوابٌ، بل السكوتُ قد يكون جوابًا لبعض الكلام، وتكرير عمر السؤال: إما لكونه خشي أن النبي وٍَّ لم يسمعه، أو لأن الأمر الذي كان يسأل عنه كان مُهِمَّا عنده، ولعل النبي ◌َّ أجابه بعد ذلك، وإنما ترك إجابته أولًا؛ لشغله بما كان فيه من نزول الوحي، (وقلت) أي: لنفسي: (ثكلتك أمك) بفتح المثلثة وكسر الكاف من الثَّكْل، وهو فِقْدَانُ المرأةِ ولدَهَا؛ دعا عمر على نفسه بسبب ما وقع منه من الإلحاح، ويحتمل أن يكون لم يرد الدعاء عَلَى نفسه حقيقةً، وإنما هي من الألفاظ التي تقال عند الغضب من غير قصد معناها، (نزرت رسول الله (ص 3) بفتح النون وبالزاي بعدها راء بالتخفيف والتثقيل، والتخفيف أشهر، أي: ألححت عليه، (ما أخلقك) صيغة التعجّب من خَلُقَ ككرم: صار خليقًا، أي: جديرًا، (فما نشبت) بكسر الشين المعجمة بعدها موحدة ساكنة، أي: ما لبثت، قال في ((النهاية)): لم ينشب أن فعل كذا، أي: لم يلبث، وحقيقته: لم يتعلق بشيء غيره، ولا اشتغل(١) بسواه، (صارخًا) أي: مصوتًا، (١) في المطبوع: ولا استغل بسواه، والتصحيح من النهاية. ١٤٥ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((وَمِن سُورَةٍ ﴿اَلْفَتْح﴾)) بِي، قَالَ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ فَقَالَ: ((يَا ابْنَ الخَطَّابِ، لَقَدْ أنْزلَ عَليَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ مَا أُحِبُّ أنَّ لِي مِنْهَا ما طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ: ﴿إِنَا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: ١])). [خ: ٤١٧٧، حم: ٢٠٩، طا: ٤٧٦]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ، رَوَاهُ بَعضُهُم عَن مَالِكِ، مُرسَلًا. [ت ٤٨، م٢] [٣٢٦٣] (٣٢٦٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَن مَعْمَرٍ، عَن قَتَادَةَ، عَن أنَسِ رَبُهَ قَالَ: نَزِلَتْ على النبيِّ بَه ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، مَرْجِعَهُ مِنَ الحُدَيْبِيةِ، فَقَالَ النبيُّ نَّهِ: ((لَقَدْ نَزَلَتْ عَليَّ آيَةٌ، أحَبُّ إليَّ مِمَّا عَلَى الأَرْضِ)»، ثُمَّ قَرأْهَا النبيُّ ◌َِّ عَلَيْهِم، (ما أحب أن لي منها ما طلعت عليه الشمس) أي: لما فيها من البشارة بالمغفرة والفتح (﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]) الخطاب للنبيِّ بَّهِ وحده، واختلف في تعيين هذا ((الفتح)): فقال الأكثر - على ما في البخاري -: هو صلح الحديبية، والصلح قد يسمَّى فتحًا، قال الفراء: والفتح قد يكون صلحًا، وقال قوم: إنه فتح مكة، وقال آخرون: إنه فتح خيبر؛ والأول أرجح؛ ويؤيده حدیث أسلم العدوي هذا . قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب)، وأخرجه أحمد والبخاري والنسائي(١). [٣٢٦٣] قوله: (﴿لِيَغْفِرَ لَكَ الَهُ﴾ [الفتح: ٢]) أي: بجهادك (﴿مَا تَّقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأْخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]) أي: منه، لترغيب أمتك في الجهاد، وهو مؤول؛ لعصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بالدليل العقلي القاطع من الذنوب، واللَّام للعلَّة الغائية، فمدخولها مسبَّب لا سبب؛ قاله الجلال المَحَلِّيّ. واختلف في معنى قوله: ((ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر)) - فقيل: ما تقدَّم من ذنبك: قبل الرسالة، وما تأخر: بعدها؛ قاله مجاهد وسفيان الثوري وابن جرير والواحدي غيرهم، وفيه أقوال أخرى ضعيفة، والظاهر الراجح - هذا الذي ذكرناه، ويكون المراد بـ ((الذنب بعد (١) النسائي في ((الكبرى)) حديث (١١٤٩٩). ١٤٦ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ/ باب ((وَمِن سُورَةٍ ﴿اٌلْفَتْحِ﴾)) فَقَالُوا: هَنِيئاً مَرِيئاً يَا نَبِيَّ الله، قَدْ بَيْنَ الله لَكَ مَاذَا يُفْعَلُ بِكَ، فَمَاذَا يُفْعَلُ بِنَا، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَّخِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [الفتح: ٥]، حَتَّى بَلَغَ، ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٥] قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، وَفِيهِ: عَن مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ. [خ: ٤١٧٢، لكن جعل قوله: ((فقالوا هنيئاً) من رواية عكرمة مرسلًا، م: ١٧٨٦، عن أنس دون هذه الزيادة فهي شاذة حم: ١١٨١٧]. [ت ٤٨، م٣] ٣٢] (٣٢٦٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَن ثَابِتٍ، عَن أَنَسٍ؛ أنَّ ثَمَانِينَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَأَصْحَابِهِ مِن جَبَلِ التَّنْعِيمِ عِنْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَهُمْ يُرِيدُونَ أنْ يَقْتُلُوهُ، الرسالة)) ترك ما هو الأولى، وسمي في حقِّه ((ذنبًا))؛ لجلالة قَدْرِه؛ وإن لم يكن ذنبًا في حق غيره، (مرجعه) أي: وقت رجوعه، ظرف لقوله: ((أنزلت))، (فقالوا: هنيئًا مرئيًا يا نبي الله) قال القَسْطَلَانِيُّ: أي: قال أصحابه بَّ: هنيئًا، أي: لا إثم فيه، مريئًا، أي: لا داء فيه، ونُصِبًا على المفعول أو الحالِ أو صفةٍ لمصدر محذوف، أي: صادفت أو عش عيشًا هنيئًا مريئًا ((يا رسول الله، غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر)) (﴿لِدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [الفتح: ٥]) إلخ. اللام متعلِّق بمحذوف، أي: أمر بالجهاد ليدخل ... إلخ. قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد والشيخان(١). قوله: (وفيه عن مجمع بن جارية) يعني: وفي الباب عن مُجَمِّع ـ بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الميم المكسورة - ابن جارية - بالجيم - ابن عامر الأنصاري الأوسي المدني، صحابي، أحد القُرَّاء، الذين قرؤوا القرآن، وأخرج حديثه أحمد وأبو داود(٢) في الجهاد. [٣٢٦٤] قوله: (أن ثمانين هبطوا) أي: نزلوا، وفي رواية أحمد: ((لما كان يوم الحديبية، هبط على رسول ◌َّ﴿ وأصحابِهِ ثمانون رجلاً من أهل مكة بالسلاح))، (أن يقتلوه) (١) والبخاري، كتاب المغازي، حديث (٤١٧٢). (٢) أحمد، حديث (١٥٠٤٤)، وأبو داود، كتاب الجهاد، حديث (٢٧٣٦). ١٤٧ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَلِ / باب ((وَمِن سُورَةٍ ﴿اَلْفَتْحِ﴾)) فَأُخِذُوا أَخْذَاً، فَأَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَأَنْزَلَ الله ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيِّدِيَّكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] الآيَةَ. [م: ١٨٠٨، د: ٢٦٨٨، حم: ١١٨٤٥]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. [ت ٤٨، م٤] [٣٢٦٥] (٣٢٦٥) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ قَرْعَةَ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ تُوَيْرٍ، عَن أَبِيهِ، عَن الُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَن أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّهِ: ﴿وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦] قَالَ: ((لا إله إلّا الله)). [حم: ٢٠٧٤٧]. قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعاً إِلَّا مِن حَدِيثِ الحَسَنِ بْنِ قَزْعَةً، قَالَ: وَسَأَلْتُ أبَا زُرْعَةَ، عَنِ هَذَا الحَدِيثِ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ مَرْفُوعاً إلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ. أي: رسول الله وَله، (فأخذوا) بصيغة المجهول، أي: الثمانون، (فأعتقهم) وفي رواية أحمد: ((فعفا عنهم)). قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي(١) في التفسير. [٣٢٦٥] قوله: (عن أبيه) هو: سعيد بن علاقة أبو فاختة. قوله: (﴿وَأَلْزَّمَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٦]) أي: المؤمنين (﴿كَلِمَةَ النَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦]) أي: من الشرك، وهي: لا إله إلا الله، وأضيف إلى ((التقوى))، لأنها سببها؛ وبه قال الجمهور، وزاد بعضهم: ((محمد رسول الله))، وزاد بعضهم: ((وحده لا شريك له))، وقال الزهري: هي بسم الله الرحمن الرحيم؛ وذلك أن الكفار لم يقروا بها وامتنعوا من كتابتها في ((كتاب الصُّلْح)) الذي كان بينهم وبين رسول الله وَّه؛ كما ثبت ذلك في كتب الحديث والسير؛ فخص الله بهذه الكلمة المؤمنين، وألزمهم بها، والأول أولَى؛ لأن كلمة التوحيد هي التي يتقي بها الشرك بالله، ويدلُّ عليه حديثُ أُبيّ بن كعب هذا، (قال) أي: النبي ◌ِّر في تفسير كلمة التقوى: (لا إله إلا الله) أي: هي لا إله إلا الله. قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه أحمد وابن جرير والدارقطني في ((الأفراد)) وابن مردويه والبيهقي في ((الأسماء والصفات))(٢). (١) النسائي في ((الكبرى)) حديث (٨٦٦٧). (٢) ابن جرير في ((التفسير)) (١٠٣/٢٦)، والبيهقي في ((الأسماء والصفاتِ)) (٢٠٠). ١٤٨ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِّهِ / باب ((وَمِن سُورَةِ الحُجُرَاتِ)) ٤٩- باب ((وَمِن سُورَةِ الحُجُرَاتِ)) [ت ٤٩، ١٣] بِسْمِ اللهِ الرَّمَنِ الرَّحِيمَةِ [٣٢٦٦] (٣٢٦٦) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُؤَمِّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَر بْنِ جُمَيلِ الجُمَحِيُّ، حَدَّثَنِي ابنُ أبِي مُلَيْكَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أنَّ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، قَدِمَ عَلَى النبيِّ وَّهِ قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرِ: يَا رَسُولَ الله، اسْتَعْمِلْهُ عَلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: لا تَستَعمِلُهُ يَا رَسُولَ الله، فَتَكَلّمَا عِنْدَ النبيِّ وَله حَتَّى ارْتَفَعَتْ أصْوَاتُهُمَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: ما أَرَدْتَ إلَّا خِلَافِي، قَالَ: مَا أَرَدْتُ خِلافكَ، قَالَ: فَنَزَلتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىِ﴾ [الحجرات: ٢]، قَالَ: وَكَان عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا تَكَلّمَ عِنْدَ النبيِّ وَل ٤٩ - بَاب وَمنْ سُورَةِ الحُجُرَاتِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ آيَةً وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ [٣٢٦٦] قوله: (فقال أبو بكر: يا رسول الله، استعمله) أي: الأقرع، (فقال عمر: لا تستعمله)، وفي رواية البخاري، من طريق ابن جُرَيْج، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عَن ابن الزُّبَيْر: ((فقال أبو بكر: أمِّر القعقاع بن معبد، وقال عمر: بل أمِّر الأقرع بن حابس))، ورواية البخاري أثبتُ من رواية الترمذي هذه؛ لأن في سندها مؤمَّل بن إسماعيل، وهو: صدوق، سيء الحفظ، (ما أردت إلا خلافي) أي: ليس مقصودك إلا مخالفة قولي، (وكان عمر بن الخطاب بعد ذلك، إذا تكلّم عند النبي وَّ ر، لم يسمع كلامه حتى يستفهمه)، وفي رواية للبخاري: ((فكان عمر بعد ذلك إذا حدث النبي ◌َّر، بحديث حدثه كأخي السرار؛ لم يسمعه حتى يستفهمه))، (قال: وما ذكر ابن الزبير جده، يعني: أبا بكر) يعني: أن ابن الزبير ذكر عن عمر أنه كان بعد ذلك إذا تكلّم عند النبي ◌َّر لم يسمع كلامه ... إلخ، ولم يذكر هذا عن جده أبي بكر الصديق - رضيًّا - وفي رواية البخاري في التفسير: ((ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني: أبا بكر)) قال القسطلاني: يريد جده لأمه أسماء، وإطلاق الأب على الجد مشهورٌ. انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح)): وقد أخرج ابن المنذر، من طريق محمد بن عمرو بن علقمة؛ أن أبا بَكْرِ الصِّدِّيقَ قَالَ مِثْلَ ذلك للنبيِّ وََّ، وهذا مرسل، وقد أخرجه الحاكم موصولًا من حديث أبي هريرة نحوه، وأخرجه ابن مردويه من طريق طارق بن شهاب، عن أبي بكر؛ قال: لما نزلَتْ: (﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ﴾) الآية، قال أبو بكر: قُلْتُ: يا رسول الله، آليت ألّا أكلمك إلا كأخي السرار. انتهى. ١٤٩ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَِّ / باب ((وَمِن سُورَةِ الحُجُرَاتِ)) لَمْ يُسْمِعْ كلَامَهُ، حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ، قَالَ: وَمَا ذَكَرَ ابنُ الزُّبَيْرِ جَدَّهُ - يَعْنِي: أبَا بَكْرٍ .. [خ: ٤٣٦٧، ن: ٥٤٠١، حم: ١٥٧٠٠]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَريبٌ. وقَد رَوَى بَعْضُهُمْ عَن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، مُرْسلٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: عَن عَبدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ . [ت ٤٩، م٢] [٣٢٦٧] (٣٢٦٧) حَدَّثَنَا أبُو عَمّارِ الحُسيْنُ بْنُ حرَيْثٍ، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَن الحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَن أبي إسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، في قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُزَتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يا رَسُولَ الله، إنَّ حَمْدِيَ زَيْنٌ، وإنَّ ذَمِّيَ شَيْنٌ، فَقَالَ النبيُّ ◌َلِّ: ((ذَاكَ الله عَزَّ وَجَلَّ). قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأصله في البخاري. [٣٢٦٧] قوله: (فقال: يا رسول الله، إن حمدي زين، وإن ذمي شين)، مقصودُ الرجل من هذا القول: مدح نفسه وإظهارُ عظمته، يعني: إن مدخْتُ رجلًا فهو محمود ومزيَّن، وإن ذممت رجلًا فهو مذموم ومعيَّب، (ذاك الله عزَّ وجلَّ) أي: الذي حمده زين، وذمه شين - هو: الله سبحانه وتعالى، وروى الطبري(١)، من طريق معمر، عن قتادة مِثْلَهُ مرسلًا، وزاد: ((فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُرَتِ))) الآية، ومن طريق الحسن نحوه، وروى من طريق موسى بن عقبة، عن أبي سلمة، قال: ((حدثني الأقرع بن حابس التميميُّ أنه أتى النبيَّ وَّهِ فقال: يَا مُحَمَّدُ، اخْرُجْ إِلَيْنَا، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُزَّتِ﴾ الحديث، ورواه أحمد(٢) من هذا الطريق بلفظ: أنه نادَى رسُولَ اللهِوَّهِ فقال: يا محمَّد، يا محمَّد وفي رواية: يا رسُولَ الله، فلم يجبه فقال: يا رسولَ الله، إن حمدي لزين، وإن ذمي لشین. (١) ابن جرير في ((التفسير)) (١٢٢/٢٦). (٢) أحمد، حديث (٢٦٦٢). ١٥٠ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / باب ((وَمِن سُورَةِ الحُجُرَاتِ)) قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَريبٌ. [ت ٤٩، م٣] [٣٢٦٨] (٣٢٦٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ إِسْحَاقَ الجَوْهَرِيُّ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ، صَاحِب الهروي، عَن شعْبَةَ، عَن دَاودَ بْنِ أبي هِنْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الشّعْبيَّ يُحَدِّثُ، عَن أبي جُبَيْرَةَ بْنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ مِنّا يَكُونُ لَهُ الاسمَانِ والثّلَاثَةُ، فيُدْعَى بِبَعْضِهَا، فَعَسَى أنْ يَكْرَهَ، قَالَ: فَنَزَلت هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَلَا تَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ﴾ [الحجرات: ١١]. [جه: ٣٧٤١]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، وأبُو جبيرَةَ هُو: أخُو ثابِتِ بْنِ الضَّحَّاك بْنِ خَليفَةَ - أَنْصَارِيٌّ - وَأَبُو زَيدٍ سَعِيدُ بْنُ الرَّبيع، صَاحِبُ الهَرَويِّ - بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ ۔۔ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، عَن دَاودَ بْنِ أبِي مِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَن أبي جبيرَةَ بْنِ الضَّحَّاكِ: نحْوَهُ. قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه ابن جرير(١). [٣٢٦٨] قوله: (حدثنا أبو زيد صاحب الهروي) اسمه: سعيد بن الربيع العامري الحرشي الهروي البصري، كان يبيع الثياب الهَرَوِيَّةَ، ثقة، من صغار التاسعة. قوله: ﴿وَلَا تَنَبَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ﴾ [الحجرات: ١١] أي: لا يَدْعُ بعضكم بعضًا بَلَقَبٍ يكرهه، والتنابز: التفاعل من ((النَّبْزِ)) بالتسكين، وهو المصدر، و((النَّبَزُ)) بالتحريك: اللقب مطلقًا، أي: حسنًا كان أو قبيحًا، خص في العرف بالقبيح، والجمع: أَنْبَاز، والألقاب: جمع لقب، وهو: اسمٌ غير الذي سمي به الإنسان، والمراد لَقَبُ السوء، والتنابز بالألقاب: أن يلقب بعضهم بعضًا والتداعي بها . قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه. قوله: و(أبي جَبِيرَةَ) بفتح الجيم وكسر الموحدة وسكون التحتية وبعدها راء مهملة وتاء (١) ابن جرير في ((التفسير)) (١٢١/٢٦). ١٥١ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ / باب ((وَمِن سُورَةِ الحُجُرَاتِ)) [ت ٤٩، م٤] [٣٢٦٩] (٣٢٦٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُثمانُ بْنُ عُمَرَ، عَن المُسْتَمِرِ بْنِ الرَّيَّانِ، عَن أبِي نَضْرَةَ، قَالَ: قَرأ أبُو سَعِيدِ الخُدْرِيُّ: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ فِكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنْهُمْ﴾ [الحجرات: ٧]، قَالَ: هَذَا نَبِيُّكُمْ وَّهِ يُوحَى إِلَيْهِ، وخِيَارُ أئِمَّتْكُمْ لَوْ أطَاعَهُمْ في كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعِنِتُوا، فَكَيْفَ بِكُمُ الْيَوْمَ؟. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَريبٌ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ: سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ القَطَّانَ عَنِ المُسْتَمِرِ بْنِ الرَّيَّانِ، فَقَالَ: ثِقَةٌ. [ت ٤٩، م٥] [٣٢٧٠] (٣٢٧٠) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ دِينَارٍ، عَن ابنِ عُمَرَ؛ أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّهِ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكّةَ، فَقَالَ: ((يَا أيُّهَا النَّاسُ، إنَّ الله قَد أذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ تأنيث: لا يعرف له اسم، واختلف العلماء في صحبته؛ فقال بعضهم: له صحبة، وقال بعضهم: ليست له صحبة. [٣٢٦٩] قوله: (عن المستَمِرِّ بن الرَّيَّان) بالتحتانية المشدَّدة، الإياديُّ الزهراني، كنيته: أبو عبد الله البصري، ثقة، عابد، من السادسة قوله: (﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ فِكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾) أي: اعلموا أن بين أظهركم رسولَ الله؛ فعظّموه ووقّروه وتأدَّبوا معه وانقادوا لأمره؛ فإنه أعلم بمصالحكم وأشفقُ عليكم منكم، ورأيه فيكم أتُّ من رأيكم لأنفسكم، ثم بيَّن أن رأيهم سخيفٌ بالنسبة إلى مراعاة مصالحهم، فقال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِ كَثِيرٍ مِّنَ آلْأَمِ لَعَنْتُمْ﴾ أي: لو أطاعكم في جميع ما تختارونه، لأَدَّى ذلك إلى عَنَتِكُمْ وحَرَجِكُمْ، والعنت - هو: التعب والجَهْد والإثم والهلاك، (قال) أي: أبو سعيد، (وخيار أئمتكم) أي: الصحابة - ﴿ - (لو أطاعهم) أي: لو أطاع النبيُّ وَّير إياهم، (لعنتوا) أي: خيار أئمتكم مع كونهم خيار الأئمة، (فكيف بكم اليوم) الخطابُ فيه وفيما قبله - للتابعين، أي: كيف يكون حالكم لو يقتدي بكم، ويأخذ بآرائكم، ويترك كتاب الله وسنة رسوله. . [٣٢٧٠] قوله: (إن الله قد أذهب عنكم) أي: أزال ورفع عنكم (عبية الجاهلية) بضم ١٥٢ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَ / باب ((وَمِن سُورَةِ الحُجُرَاتِ)) وتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا؛ فالنَّاسُ رَجُلَانِ، رجل بَرُّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى الله، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى الله، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَخَلَقَ الله آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، قَالَ الله: ﴿بَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا ج ◌َلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْتَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمُ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لا نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الله بْنِ دِینَارٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، إلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ. وَعبدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ يُضَغَّفُ، ضَعَّفَه يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، وعبدُ الله بْنُ جَعفَرٍ: هُوَ وَالِدُ عَلِيِّ بْنِ المدِينيِّ. العين المهملة وكسرها وكسر الموحدة وفتح التحتية المشددتين، أي: نخوتها وكبرها وفخرها، (وتعاظمها) أي: تفاخرها، (فالناس رجلان) أي: نوعان: (رجل بر تقي) أي: فلا ينبغي له أن يتكبر على أحد؛ لأن مدار الإيمان على الخاتمة - والله سبحانه وتعالى أعلم - بمن اتقى، (وفاجر) أي: كافر أو عاص (شقي) أي: غير سعيد، (هين) بفتح الهاء وكسر التحتية المشددة، أي: ذليل، (على الله) أي: عنده، والذليل لا يناسبه التكبر، (والناس) أي: كلهم (بنو آدم) أي: أولاده، (وخلق الله آدم من تراب) أي: فلا يليق بمن أصله الترابُ: النخوةُ والتجبر، أو: إذا كان الأصل واحدًا - فالكل إخوة؛ فلا وجه للتكبر؛ لأن بقية الأمور عارضة لا أصل لها حقيقة. (﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾) أي: آدم وحواء (﴿وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا﴾) جمع ((شَعْب)) بفتح الشين، وهو: أعلى طبقات النسب (﴿وَقَبَابِلَ﴾) هي: دون الشعوب، وبعدها: العمائر، ثم البطون، ثم الأفخاذ، ثم الفصائل آخرها؛ مثاله: خزيمة: شعب، كنانة: قبيلة، قريش: عِمَارة - بكسر العين - قصي: بطن، هاشم: فخذ، العباس: فصيلة (﴿لِتَعَارَفُواْ﴾) حذف منه إحدى التاءين، أي: ليعرف بعضكم بعضًا، لا لتفاخروا بعلو النسب، وإنما الفخر بالتقوى (﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾) أي: إنما تتفاضلون عند الله بالتقوى ... لا بالأحساب (﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾) بكم (﴿خَبِيرٌ﴾) ببواطنكم. قوله: (هذا حديث غريب)، وأخرجه ابن أبي حاتم(١). (١) ابن أبي حاتم (٣٣٠٦/١٠) (١٨٦٢٢). ١٥٣ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّ / باب ((وَمِن سُورَةِ الحُجُرَاتِ)) قَالَ: وَفي الْبَابِ: عَن أبي هُرَيْرَةَ، وَعَبدِ الله بنِ عَبَّاسٍ. [ت ٤٩، م٦] [٣٢٧١] (٣٢٧١) حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ سهلِ الأعْرَجُ البغْدَادِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَن سَلَّام بْنِ أبِي مُطِيعٍ، عَن قَتَادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَن سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((الحَسَبُ: المَالُ، وَالكَرَمُ: التَّقْوَى)). [جه: ٩ قوله: (وفي الباب: عن أبي هريرة، وعبد الله بن عباس)، أما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي(١) في آخر الكتاب، وأما حديث ابن عباس، فأخرجه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) والبيهقي في ((شعب الإيمان))(٢). [٣٢٧١] قوله: (حدثنا يونس بن محمد) البغدادي المؤذِّب، (عن سلَّام) بفتح السين وتشديد اللام، (بن أبي مطيع) الخزاعي مولاهم، البصري، ثقة، صاحب سنة، في روايته عن قتادة ضعف من السابعة (عن الحسن) هو: البصري. قوله: (الحسب) بفتحتين: (المال) أي: مال الدنيا الحاصل به الجاه غالبًا، (والكرم) أي: الكرم المعتبر في العقبى، المترتب عليه الإكرام بالدرجات العلى: (التقوى)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾؛ قال الطيبي رحمه الله: الحسب: ما يعده من مآثره ومآثر آبائه، والكرم: الجمع بين أنواع الخير والشرف والفضائل، وهذا بحسب اللغة، فردهما وَلّ إلى ما هو المتعارف بين الناس وعند الله، أي: ليس ذكر الحسب عند الناس للفقير حيث لا يوقّر ولا يُحْتَفَلُ به بل كُلُّ الحسب عندهم من رزق الثروة ووقر في العيون؛ ومنه: حديث عُمَرَ - رَبُهُ: ((مِنْ حَسَبِ الرجلِ: إنقاء ثَوْبَيْهِ)) أي: أنه يوقّر لذلك من حيث إنه دليلُ الثروة وذو الفضل والشرف عند الناس، ولا يعد كريمًا عند الله، وإنما الكريم عنده من ارتدى برداء التقوى؛ وأنشد: [من البسيط] وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُوحٍ وَابْنِهِ رَحِمُ كَانَتْ مَوَدَّةُ سَلمانٍ لَهُ نَسَبًا انتھی. وقيل: الحسب: ما يعدُّه الرجل من مفاخر آبائه، والكرم: ضد اللؤم، فقيل: معناه: (١) الترمذي، كتاب المناقب، حديث (٣٩٥٥). (٢) الطيالسي (٢٦٨٢)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥١٢٩). ١٥٤ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلفوز / باب ((ومن سورة ق)) قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غرِيبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن هذَا الوَجِهِ مِن حَدِيثِ سَلَّامِ بْنِ أبِي مُطِيعٍ. ٥٠- باب ((ومن سورة ق)) [ت ٥٠، م١] بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ [٣٢٧٢] (٣٢٧٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَن قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أنَّ نَبِيَّ اللهِوَّهِ قَالَ: ((لا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ: هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ العِزَّةِ قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ، قَطْ، وَعِزَّتِكَ، الشيء الذي يكون به الرجلُ عظيمَ القَدْر عند الناس - هو: المال، والشيء الذي يكون به عظيم القدر عند الله: التقوى، والافتخار بالآباء - ليس بشيء منهما . قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب)، وأخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم(١). ٥٠- بَاب وَمِنْ سُورَةِ ق مَكِّيَّةٌ، إلَّا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ﴾ الآيَةَ فَمَدِنِيَّةٌ وَهِيَ خَمْسٌ وأَرْبَعُونَ آيَّةً. [٣٢٧٢] قوله: (حدثنا شيبان) بن عبد الرحمن النحوي. قوله: (لا تَزال جهنم تقول هل من مزيد) أي: من زيادة، وفي رواية الشيخين: ((لا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)) أي: يطرح فيها من الكفار والفجار، (حتى يضع فيها ربُّ العِزَّة) أي: صاحبُ الغلبة والقوة والقدرة - (قدمه)، وفي حديث أبي هريرة عند الترمذي في ((باب خلود أهل النار)): (حَتَّى إِذَا أُوعِبُوا فِيهَا وَضَعَ الرَّحْمِنُ قَدَمَهُ فِيهَا)، وقد تقدَّم الكلام هناك مبسوطًا على وضعه تعالى قدمه في النار، (فتقول قط قط) بفتح القاف وسكون الطاء، قال الحافظ: أي: حَسْبِي حَسْبِي، وثبت بهذا التفسير عند عبد الرزاق من حديث أبي هريرة، و((قَطْ)) بالتخفيف ساكنًا، ويجوز الكسر بغير إشباع، ووقع في بعض النسخ - يعني: بعض نسخ البخاري - عن أبي ذر: ((قَطِي قَطِي)) بالإشباع، و((قَطْني)) بزيادة نون مشبعة، ووقع في حديث أبي سعيد ورواية سليمان التيمي بالدال بدل الطاء، وهي لغة - أيضًا - وكلها بمعنى: يكفي وقيل: قَطْ: صوتُ جهنم، والأول هو الصواب عند الجمهور. انتهى. (١) الحاكم، حديث (٢٦٩٠) وصححه على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. ١٥٥ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّه / باب ((وَمِن سُورةِ الذَّارِيَاتِ)) وَيُزْوِى بَعْضُها إلى بَعْضٍ)). [خ: ٤٨٤٨، م: ٢٨٤٨، حم: ١١٩٧٢]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ، غَرِيبٌ مِن هَذَا الوَجْهِ. وَفِیهِ: عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ ◌ََّ. ٥١- باب ((وَمِن سُورةِ الدَّارِيَاتِ)) (ت ٥١، ١٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّغَنِ الرَّحَمَةِ [٣٢٧٣] (٣٢٧٣) حَدَّثَنَا ابنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن سَلام، عَن عَاصِمِ بْنِ أبِي النّجُودِ، عَن أبي وَائِلٍ، عَن رَجُلٍ مِن رَبِيعَةَ، قَالَ: قَدِمْتُ المِّدِينَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ فَذكرْتُ عِنْدَهُ وَافِدَ عَادٍ، فَقُلْتُ: أعُوذُ بِالله، أنْ أكُونَ مِثْلَ وَافِدٍ عَادٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((وَمَا وَافِدُ عَادٍ؟)) قَالَ: فَقُلْتُ: عَلَى الخَبِيرِ بِهَا سَقَطْتَ، إِنَّ عَاداً لمّا أُقْحطَتْ بَعَثَتْ قَيْلًا (ويُزوى) بصيغة المجهول، أي: يجمع. قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب)، وأخرجه أحمد والشيخان، (وفيه: عن أبي هريرة، عن النبي (9) يعني: وفي الباب: عن أبي هريرة، أخرج حديثه الترمذي(١) في الباب المذكور. ٥١ - بَاب وَمِنْ سُورَةِ الدَّارِيَاتِ مَكِّيَّةٌ وَهِيَ سِتُّونَ آيَةً . [٣٢٧٣] قوله: (حدثنا سفيان) هو: ابن عيينة (عن سَلَّام) بفتح السين وتشديد اللام ابن سليمان المزني، كنيته: أبو المنذر القاري النحوي البصري، نزيل الكوفة، صدوق، يَهِم، قرأ على عاصم من السابعة، (عن أبي وائل) اسمه: شقيق بن سلمة الأسدي، (عن رجل من ربيعة) هو: الحارث بن يزيد البكري؛ كما في الرواية الآتية، (فَذُكِرْتُ) بضم الذال المعجمة وكسر الكاف؛ بالبناء للمفعول، (وافد عاد) مفعول ثان لـ((ذُكِرْتُ)) أي: ذكروا عند رسول الله وَّ﴿ وافدَ عادٍ بحضرتي و((عَادٌ)) هم: قوم هودٍ، (على الخبير بها سقطت) أي: على العارف بقصَّة وافدٍ عادٍ وَقَعْتَ، وهو مثل سائر العرب، (لما أقحطت) بصيغة المجهول، يقال: أقحط القوم، إذا انقطع عنهم المطر، (بعثت) أي: أرسلَتْ عاد - (قَيْلًا) بفتح القاف وسكون التحتية (١) الترمذي، كتاب صفة الجنة، حديث (٢٥٥٧). ١٥٦ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ/ باب ((وَمِن سُورةِ الذَّارِيَاتِ)) فَنَزَلَ عَلَى بَكْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَسَقَاهُ الخَمَرَ، وَغَنَّتْهُ الجَرَادَتانِ، ثُمَّ خَرَجَ يُرِيدُ جِبَالَ مَهْرَةَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ، إنِّي لَمْ آتِك لِمَرِيضٍ، فَأُدَاوِيَهُ وَلا لأَسِيرٍ فَأُفَادِيَهُ، فَاسْقٍ عَبْدَكَ مَا كُنْتَ مُسْقِيَهُ، واسْقِ مَعَهُ بَكْرَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، يَشْكُرُ لَهُ الخَمْرَ التي سَقَاهُ فَرُفِعَ لَهُ سَحَابَاتٌ، فَقِيلَ لَهُ: اخْتَرْ إحْدَاهُنَّ، فاْتَارَ السَّوْدَاءَ مِنْهُنَّ، فَقِيلَ لَهُ: خُذْهَا رَمَاداً رهْدداً، لا تَذَرُ مِن عَادٍ أحَداً))، وَذُكِرَ أنّهُ لَمْ يُرْسَلْ عَلَيْهِم مِنَ الرِّيحِ إِلَّا قَدْرُ هَذِهِ الحَلَقَةِ - يَعْنِي حَلَقَةَ الخَاتَم -، ثُمَّ قَرأ: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْرِيْعَ الْعَقِيَمَ جَ مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤١، ٤٢] الآية. قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الحَدِيثَ، عَن سَلام أبي المُنْذِرِ، عَن عَاصِم بْنِ أبي النّجُودِ، عَن أبِي وَائِلٍ، عَن الحَارِثِ بْنِ حَسَّانَ، وَيُقَالُ له: الحارِثُ بْنُ یَزِيدَ. وباللام؛ قال في ((القاموس)): ((قَيْل)): وافد عَادٍ، وفي رواية أحمد: ((فَبَعَثُوا وَافِدًا لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: قَيْلٌ)) (فنزل على بكر بن معاوية) اسم رجل كان في ذلك الزمان، (وغنَّته الجرادتان) قال الجَزَرِيُّ في ((النهاية)): هما مغنِّيتان كانتا بمكة في الزمن الأول، مشهورتان بحسن الصوت والغناء، وفي رواية أحمد: ((فَمَرَّ بمعاوية بْنِ بَكْرٍ، فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر، وتغنيه جاريتان، يقال لهما: الجرادتان، فلما مضَى الشَّهْرُ، خرج إلى جبال مَهْرَة)»، (ثم خرج) أي: قَيْلٌ، (يريد جبال مهرة) قال في ((القاموس)) مَهْرَةُ بْنُ حَيْدَانَ حَيٍّ، (فَاسْقِ عبدك) يريد : نفسه مع قومه (سحابات) أي: قطعات من السحاب، (خذها رمادًا رمْددًا)؛ قال في ((النهاية)): الرِّمْدِدُ، بالكسر: المتناهي في الاحتراق والدقة؛ كما يقال؛ ليل أَلْيَلُ، ويوم أَيْوَمُ؛ إذا أرادوا المبالغة، (لا تَذَرُ من عاد أحدًا) أي: لا تدعه حَيًّا بل تهلكه، وفي رواية أحمد: فَمَرَّتْ بِهِ سَحَابَاتٌ سُودٌ، فَنُودِيَ مِنْهَا اخْتَرْ فَأَوْمَأَ إِلَى سَحَابَةٍ مِنْهَا سَوْدَاءَ فَنُودِيَ مِنْهَا: خُذْهَا رَمَادًا رِمْدِدًا، لَا تُبْقِي مِنْ عَادٍ أَحَدًا، (وذكر) أي: النبي بَّه (ثم قرأ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الذاريات: ٤١]) الآية مع تفسيرها - هكذا: (وفي عاد) أي: في إهلاكهم آية (﴿إِذْ أَرْسَْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]) هي: التي لا خير فيها؛ لأنها: لا تحمل المطر، ولا تلقح الشجر، وهي الدَّبُورُ (﴿مَا نَذَرُ مِن شَىءٍ﴾ [الذاريات: ٤٢]) أي: نفس أو مال، ﴿أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَلَِّيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢] أي: كالبالي المتفتت. ١٥٧ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ ل باب ((وَمِن سُورةِ الذَّارِيَاتِ)) [ت ٥١، م٢] ٣٠] (٣٢٧٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، حَدَّثَنَا سَلامُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّحْوِيُّ أَبُو المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ أبِي النُّجُودِ، عَن أبِي وَائِلٍ، عَن الحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ البَكْرِيِّ، قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَدَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ غَاصٌ بِالنّاسِ، وَإِذَا رَايَاتٌ سُودٌ تَخْفِقُ، وَإِذَا بِلَالٌ مُتَقَلِّد السَّيْف بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ وَّه قُلْتُ: مَا شَأْنُ النّاسِ؟ قالوا: يُرِيدُ أنْ يَبْعَثَ عَمْرَو بْنَ العَاصِ وَجْهاً؛ فَذَكَرَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ، نَحْواً مِن حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، بِمَعْنَاهُ، قَالَ: ويُقَالُ لَّهُ: الحَارِثُ بْنُ حَسَّانَ أيضاً. [٣٢٧٤] قوله: (فإذا هو غاصٌّ بالناس) أي: ممتلئ بهم، قال في ((مختار الصحاح)): المنزل غاصٌّ بالقوم، أي: ممتلئ بهم، (وإذا رايات) جمع راية، وهي العَلَمُ (سود) جمع: سوداء، (تخفق) بفتح الفوقية وكسر الفاء وضمها، قال في ((القاموس)): خفقت الراية وتخفِق خَفْقًا وَخَفَقَانًا محرَّكة: اضطربت وتحرَّكت، (وجهًا) أي: جانبًا . قوله: (فذكر الحديث بطوله نحوًا من حديث سفيان بن عيينة)، أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه(١). (ويقال له: الحارث بن حسان)؛ قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): الحارث بن حسان بن كَلَدَةَ البَكْرِيُّ الذَّهْلِيُّ الرَّبَعِيُّ، ويقال: العامري، ويقال: حُرَيْث، وفد على النبي وَ* وسكن الكوفة، روى عن النبي بَّر، وعنه: أبو وائل وغيره، قال: وقع في رواية الترمذي عن رَجُلٍ من ربيعة، ثم علّقه من وجه آخر، فسمَّاه: الحارث بن حسان، ثم ساقه من طريق أخرى، فقال: الحارث بن يزيد البكري، ثم قال، ويقال له الحارث بن حسان، وصحّح ابن عبد البر أن اسمه: حُرَيْثٌ، وقال البغوي: كان يسكن البادية. (١) أحمد، حديث (١٥٥٢٣)، والنسائي في ((الكبرى)) حديث (٨٦٠٧)، وابن ماجه، كتاب الجهاد، حديث (٢٨١٦). ١٥٨ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِّهِ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الظُّورِ))) ٥٢- باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الطَّور))) [ت ٥٢، ١٢] بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ [٣٢٧٥] (٣٢٧٥) حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيُّ، حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَن رِشْدِينَ ابْنِ كُرَيْبٍ، عَن أبيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((إِذْبَارُ النُّجُومِ: الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الفَجْرِ، وإِذْبَارُ السُّجُودِ: الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ)). [ضعيف، رشدين، ضعيف]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعاً إِلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ، مِن حَدِيثِ محمَّدِ بْنِ فُضَيْل، عَن رِشْدین بْنِ كُرَيْبٍ. وسَأَلْتُ مُحمَّدَ بْنَ إِسْمَاعيلَ عَن مُحمَّدٍ، ورِشْدِينَ ابْني كُرَيْبٍ، أيُّهُمَا أَوْثَقُ؟ قَالَ: مَا أقْرَبَهُمَا، ومُحمَّدٌ عِنْدِي أَرْجَحُ. ٥٢ - بَاب وَمِنْ سُورَةِ الطّورِ مَكِّيَّةٌ، وَهِيَ تِسْعٌ وَأَرْبَعُونَ آيَةً [٣٢٧٥] قوله: (عن أبيه) هو: كريب بن أبي مسلم، مولى ابن عباس. قوله: (إدبار النجوم) بكسر الهمزة ونصب الراء: على الحكاية من قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرُ وَمِنَ الَتْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٨، ٤٨ ◌ِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُفِنَا وَسَيِّعْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ نَقُومُ ٤٩]، ويجوز الرفع وعلى الوجهين هو: مبتدأ، خبره (الركعتان)، وفي بعض النسخ: ((الركعتين)) بالنصب؛ على أنه بيان لقوله: ((إدبارَ النجوم)) على الوجه الأول، (قبل الفجر) أي: فرضه، والإدبار والدُّبُور: الذّهاب، يعني: عقيب ذهاب النجوم، وهو سُنَّة الصبح، (وإدبار السجود) بفتح الهمزة وكسرها قراءتان متواترتان في قوله تعالى: ﴿ ... وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَرَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٣٩ - ٤٠]؛ قال الطَّيبي: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ صلاة إدبار السجود، ((وإدبار)) نصبه بـ(سبح)) في التنزيل أوقعه مضافًا في الحديث على الحكاية انتهى. والمراد بـ((السجود)): فريضة المغرب. قوله: (هذا حديث غريب)، وأخرجه الحاكم وصحَّحه ابن مردويه وابن أبي حاتم(١)، (ما أَقِرَبَهُمَا) صيغة تعجّب، (ومحمد عندي أرجح)، ووافقه أبو حاتم، فقال: يكتب حديثه، وهو (١) ابن أبي حاتم (٣٣١٠/١٠) (١٨٦٤٦)، والحاكم، حديث (١١٩٨) وقال: صحيح الإسناد. ١٥٩ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ﴿ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿وَالنَّجْرِ﴾)) قَالَ: وسَأَلْتُ عَبْدَ الله بْنَ عبْدِ الرَّحْمنِ عَن هَذَا؟ فقالَ: مَا أَقْرَبَهُمَا عِندِي، ورشْدِينُ بْنُ كُرَيْبٍ أرْجَحْهُمَا عِنْدِي، قَالَ: وَالقَوْلُ عِندِي: مَا قَالَ أَبُو مُحمَّدٍ، وَرِشْدِينُ أرْجَحُ مِن مُحمَّدٍ وَأقْدَمُه، وَقَدْ أدْرَكَ رِشْدِينُ ابنَ عَبَّاسٍ وَرَآهُ. ٥٣- باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿وَالنَّجْرِ﴾)) [ت ٥٣، ١٢] بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحَةِ [٣٢٧٦] (٣٢٧٦) حَدَّثَنَا ابنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن مَالِكِ بْنِ مِغْولٍ، عَن طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَن مُرَّةَ، عَن عَبدِ الله بنِ مَسعُودٍ قَالَ: لمّا بلَغَ رَسُولُ اللهِ وَيهوى سِدْرَةَ المُنْتَهَى، قَالَ: انْتَهِى إِلَيْهَا ما يَعْرُجُ مِنَ الأرْضِ، وَمَا يَنْزِلُ مِن فَوْقٍ، قَالَ: فَأَعْطَاهُ الله عِنْدَهَا ثَلَاثاً لَمْ يُعْطِهِنَّ نَبِيًّا كَانَ قَبْلَهُ، فُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ خَمْساً، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وَغُفِرَ لأمَّتِهِ المُقْحِمَاتُ، مَا لَمْ يُشْرِكُوا بالله شَيْئاً، قَالَ أحب إليَّ من أخيه رِشْدِينَ، (وسألت عبد الله بن عبد الرحمن) هو الدارِمِيُّ، (قال) أي: أبو عيسى الترمذي: (ما قال أبو محمد) هو كنية عبد الله بن عبد الرحمن الدارِمِيِّ، (وأقدمه) أي: أكبره. ٥٣ - بَاب وَمِنْ سُورَةِ النَّجْمِ مَكِّيَّةٌ وَهِيَ ثِنْتَانِ وَسِتُّونَ آيَةً [٣٢٧٦] قوله: (عن مرة) هو: ابن شَراحيل الهَمْداني. قوله: (لما بلغ رسول الله ◌َ*) أي: ليلة الإسراء، (سدرة المنتهى)؛ قال الجزري في ((النهاية)): السِّدْرُ: شجر النَّبَقِ، وسدرة المنتهى: شجرة في أقصى الجنة، إليها ينتهي علم الأولين والآخرين، ولا يتعدّاها، (قال: انتهى إليها ما يعرج من الأرض) أي: ما يصعد من الأعمال والأرواح، وهذا قول ابن مسعود، وضمير: ((قال)) رَاجع إليه، وفي رواية مسلم: (إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يَعْرُجُ من الأَرْضُ فَيَقْبَضُ منها)) (وما ينزل من فوق) أي: من الوحي والأحكام، وفي رواية مسلم: ((وَإِلَيْهِمَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطْ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا، فَيُقْبَضُ مِنْهَا)) (فأعطاه الله عندها) أي: عند سدرة المنتهى (خمسًا) أي: خمس صلوات، (وأعطي خواتيم سورة البقرة) أي: من قوله تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخر السورة، قيل: معنى قوله: ((أعطي خواتيم سورة البقرة)) أي: أعطي إجابة دعواتها، (وغفر لأمته المقحمات)، وفي رواية مسلم: ((وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِالله مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا المُقْحِمَاتِ)) قال النووي: هو بضم الميم ١٦٠ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوََّ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿وَالنَّجْرِ﴾)) ابنُ مَسْعُودٍ: ﴿إِذْ يَغْشَى السّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦] قَالَ: السِّدْرَةُ في السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قَالَ سُفْيَانُ: فَرَاشٌ مِن ذَهَبٍ، وَأَشَارَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ فَأَرْعَدَهَا وَقَالَ غَيْرُ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ: إِلَيْهَا يَنْتَهِي عِلْمُ الخَلْقِ لا عِلْمَ لَهُمْ بِمَا فَوْقَ ذَلِكَ. [م: ١٧٣، ن: ٤٥٠، حم: ٣٦٥٦] . قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. [٣٢٧٧] (٣٢٧٧) أْبَرَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ العَوَّامِ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ عَن قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وإسكان القاف وكسر الحاء، ومعناه: الذنوب العظام الكبائر التي تهلك أصحابها وتوردهم النار وتقحمهم إياها [والتقحم] الوقوع في المهالك، ومعنى الكلام: مَنْ مات من هذه الأمة غَيْرَ مُشْرِكٍ بالله - غفر له المقحمات، [والله أعلم بالمراد] بغفرانها: أنه لا يخلد في النار بخلاف المشركين، وليس المراد أنه لا يعذَّب أصلًا؛ فقد تقررت نصوصُ الشرع وإجماعُ أهل السنة على إثبات [عذاب] بعض العصاة من الموحِّدين، ويحتمل أن يكون المراد بهذا خصوصًا من الأمة: أن يغفر لبعض الأمة المقحمات، وهذا يظهر على مذهب مَنْ يقول: إن لفظة ((مَنْ)) لا تقتضي العموم مطلقًا، وعلَى مذهب من يقول: لا تقتضيه في الأخبار، وإن اقتضته في الأمر والنهي، ويمكن تصحيحه على المَذْهَبِ المختار، وهو: كونها للعموم مطلقًا؛ لأنه قد قام دليلٌ علَى إرادة الخصوص، وهو: ما ذكرناه من النصوص والإجماع. انتھی . (قال: السدرة في السماء السادسة)، قال النووي في ((شرح مسلم)): كذا هو في جميع الأصول ((السادسة))، وقد تقدَّم في الروايات الأخر من حديث أنس: أَنَّهَا فَوْقَ السَّمَاء السَّابِعَةِ))، قال القاضي كونها في السابعة هو الأصحُ، وقول الأكثرين، وهو الذي يقتضيه المعنى، وتسميتها بالمنتهى؛ قال النووي: ويمكن أن يجمع بينهما، فيكون أصلها في السادسة، ومعظمها في السابعة؛ فقد علم أنها في نهاية من العظم، (قال سفيان) أي: في بيان ما يغشى (فَرَاش) بفتح الفاء: الطير الذي يلقي نفسه في ضوء السراج، واحدتها فراشة، (فأرعدها) أي: حرَّكها، لعلَّه حكى تحرُّك الفراش واضطرابها . قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه مسلم. [٣٢٧٧] قوله: (حدثنا الشيباني) هو: أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان.