النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوََّ / باب ((وَمِنْ سُوْرَةٍ ﴿حم السجدة﴾)» سُفْيَانُ، عَن مَنْصُورٍ، وَالأعْمَش، عَن ذَرِّ عَن يُسَبْعِ الحَضْرِمِيِّ، عَن النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَقُولُ: ((الدُّعاءُ: هُوَ العِبَادَةُ))، ثُمَّ قَرأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. [جه: ٣٨٢٨]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. ٤٢- باب ((وَمِنَّ سُؤْرَة ﴿حم السجدة))) [ت ٤٢، ١٢] بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحَةِ [٣٢٤٨] (٣٢٤٨) حَدَّثَنَا ابنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَن مَنْصُورٍ، عَن مُجَاهِدٍ، عَن أَبِي مَعْمَرٍ، عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: اخْتَصَمَ عِنْدَ البَيْتِ ثَلَاثَةُ نَفَرِ: قُرَشِيَّانِ وثَقَفِيٌّ، أَوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٍّ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِم، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، فَقَالَ أحَدُهُمْ : قوله: (الدعاء هو العبادة) تقدَّم هذا الحديث في تفسير سورة البقرة، وتقدَّم هناك شيء من شرحه، ويأتي في أوائل أبواب الدعوات، مع بقية الكلام عليه. ٤٢ - بَاب وَمِنْ سُورَةٍ حم السَّجْدَةِ وَتُسَمَّى سُورَةَ فُصِّلَتْ، وَهِيَ مَكِّيَّةٍ، وَهِيَ ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ آيَةً [٣٢٤٨] قوله: (عن أبي معمر) اسمه عبد الله بن سَخبَرَةَ الأزدي، (اختصم عند البيت) أي: الكعبة (قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي) الشَّكُّ من أبي معمر؛ كما يظهر من كلام الحافظ، وقد أخرجه عبد الرزاق من طريق وهب بن ربيعة، عن ابن مسعود، بلفظ: ((ثَقَفِيُّ وَخَتَنَاهُ قُرَشِيَّانِ))، ولم يشك. وأخرج مسلم(١) من طريق وهب هذه، ولم يَسُقْ لفظَها، (قليلٌ) بالتنوين: خبر مقدَّم لقوله: (فِقْهُ قلوبهم) بإضافة فقه إلى قلوبهم، وقيل: بإضافة ((قليل)) إلى ((فقه))، و((قلوبهم)): بالرفع؛ على أنه المبتدأ، أي: قلوبهم قليلة الفقه، وكذلك قوله: (كَثِير شحم بطونهم)، وفيه إشارة إلى أن الفطنة، قلّما تكون مع البطنة، قال الشافعي: ما رَأَيْتُ سَمِينًا عاقلًا إلَّا محمَّدَ بْنَ (١) مسلم، كتاب صفات المنافقين، حديث (٢٧٧٥). ١٢٢ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب ((وَمِنْ سُؤْرَةٍ ﴿حم السجدة﴾)) أَتَرَوْنَ أن الله يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ فَقَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إذا جَهَرْنَا وَلا يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنَا، وقَالَ الآخرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا؛ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أْفَيْنَا؛ فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَقِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَاَ أَبْضَرَكُمْ وَلَا جُلُودَكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢]. [خ: ٤٨١٦، م: ٢٧٧٥، حم: ٣٦٠٣] . قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت ٤٢، م٢] [٣٢٤٩] (٣٢٤٩) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةٍ، عَن الأَعْمَشِ، عَن عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله: كُنْتُ مُسْتَتِراً بِأسْتَارِ الكَعْبَةِ، فَجَاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، كَثِيرٌ شحوم بُطُونِهِمْ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِم، قُرَشِيٍّ وَخَتَنَاهُ نَقَّفِيَّانِ، أو الحَسَنِ، (أَتْرَوْنَ) بضم الفوقية، أي: أتظنون، (إن كان يسمع إذا جهرنا، فإنه يسمع إذا أخفينا) وجه الملازمة فيما قال: أن نسبة جميع المسموعات إلى الله على السواء، وأبطل القياسَ الفَاسِدَ في تشبِيهه بالخَلْقِ في سماع الجهر دون السر، وأثبت القياسَ الصحيحَ حَيْثُ شبَّه السِّرَّ بالجهر؛ لعلّة أن الكل إليه سواء، وإنما جعل قائله من جملة قليل الفهم؛ لأنه لم يقطع به وشك فيه (﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَ أَبْصَرَّكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢])، وبعده: (﴿وَلَا جُلُودُكُمْ﴾) أي: أنكم تستترون بِالحيطان والحُجُب عند ارتكابِ الفواحشِ، وما كان استتاركم ذلك؛ خيفةَ أن يشهد عليكم جوارحُكُم؛ لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتها عليكم، بل كنتم جاحِدِينَ بالبعث والجزاء أصلًا، ولكنكم ظننتم أن الله لا يَعْلَمُ كثيرًا مما كنتم تعملون، أي: ولكنكم إنما استترتم؛ لظنّكم أن الله لا يعلم كثيرًا مما كنتم تعملون، وهو الخفيات من أعمالكم، (﴿وَذَلِكُمْ ظَتُكُمُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَبَّكُمْ أَرْدَكُمْ﴾ [فصلت: ٢٣]) أي: وذلك الظن هو الذي أهلككم، و((ذلكم)) مبتدأ و((ظنكم)) خبر، و((الذي ظننتم بربكم)) صفته، و((أرداكم)) خبر ثان، أو: ((ظنكم)) بدل من ((ذلكم)) و((أرداكم)) الخبر، (﴿فَأَصْبَحْتُم مِّنَ اْخَسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]) أي: في مواقف القيامة. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان. [٣٢٤٩] قوله: (عن عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعي، (قال عبد الله) بن مسعود. قوله: (قرشي وختناه) تثنية (خَتَنٍ)) محرَّكةً، وهو: الصِّهْر، أو كُلُّ ما كان من قبل المرأة؛ كالأب والأخ. ١٢٣ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَّـ / باب ((وَمِنْ سُوْرَة ﴿حم السجدة﴾)) تَقَفِيٌّ وَخَتَنَاهُ قُرَشِيَّانٍ، فَتَكَلّمُوا بِكَلَامِ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَقَالَ أحَدُهُمِ: أَتَرُوْنَ أنَّ الله يَسْمَعُ كلامَنَا هَذَا؟ فَقَالَ الآخَرُ: إنّا إذَا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا سَمِعَهُ، وَإِذَا لَمْ نَرْفَعْ أصْوَاتَنَا لَمْ يَسْمَعْهُ، فَقَالَ الآخَرُ: إِنْ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئاً سَمِعَهُ كُلَّهُ، فَقَالَ عَبْدُ الله: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ للنبيِّ وََّ فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَقِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَ أَبْصَرَّكُمْ وَلَا جُلُودَكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] إلَى قَوْلِه: ﴿فَأَصْبَحْتُم مِّنَ اْخَسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]. [خ: ٤٨١٧، م: ٢٧٧٥، حم: ٣٨٦٥]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. حَدَّثَنَا مَحمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا سُفْيَان، عَنِ الأَعمَشِ، عَن عمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَن وَهْبٍ بْنِ رَبِيعَةَ، عَن عَبْدِ الله: نحْوَهُ. [ت ٤٢، م٣] [٣٢٥٠] (٣٢٥٠) حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الفَلَاسُ، حَدَّثَنَا أبو قُتَيْبَةَ مُسْلِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سهيل بْنُ أبي حَزْمِ القُطْعِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ البُنَانِيُّ، عَن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّةَ قَرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَامُواْ﴾ [فصلت: ٣٠] قَالَ: قوله: (هذا حديث حسن)، وأخرجه أحمد. قوله: (عن وهب بن ربيعة) الكوفي؛ قال في ((التهذيب)) في ترجمته: روي عن ابن مسعود حديث: ((إِنِّي لَمُسْتَتِرٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ))، وعنه: عُمَارة بن عُمَيْر، ذكره ابن حِبَّان في ((الثقات)) وقال في ((التقريب)): مقبول، من الثالثة. انتهى. (عن عبد الله نحوه) أخرجه - أيضًا - أحمد ومسلم. [٣٢٥٠] قوله: (﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ﴾ [فصلت: ٣٠]) وحده لا شريك له (﴿ثُمَّ اُسْتَقَمُوا﴾ [فصلت: ٣٠]) أي داموا أو ثبتوا على التوحيد، ولم يلتفتوا إلى إله غير الله، قال جماعة من الصحابة والتابعين: معنى الاستقامة: إخلاصُ العمل لله تعالى، وقال قتادة وابن زيد: ثم استقاموا على طاعة الله، وقال الحسن: استقاموا على أمر الله؛ فعملوا بطاعته، واجتنبوا معاصيه، وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله؛ حتى ماتوا، وقيل غير ذلك. ١٢٤ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهَ/ باب ((وَمِن سُورَةٍ ﴿حم عسق﴾)) ((قَدْ قَالَ النّاسُ، ثُمَّ كَفَرَ أكْثَرُهُمْ، فَمَنْ مَاتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ مِمَّنِ اسْتَقَامَ)). [ضعيف الإسناد، سهیل، ضعيف]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن هَذا الوَجْهِ. سَمِعْتُ أبَا زُرْعَةَ يَقُولُ: رَوَى عَقَّانُ، عَن عَمْرِو بْنِ عَليٍّ حَدِيثاً، وَيُروَى فِي هذِهِ الآيةِ، عَنِ النَّبِيِّ بَ﴿ وَأَبِي بَكْر، وَعُمَرَ ضُِّهَا مَعْنَى اسْتَقَامُوا . ٤٣- باب ((وَمِن سُورَةٍ ﴿حم عسق﴾)) [ت ٤٣، ١٣] بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ [٣٢٥١] (٣٢٥١) حَدَّثَنَا بُندَارٌ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ طَاؤُساً، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسِ عَنِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿قُل لَّ أَسَْلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًّا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِىِ الْقُرْبِىُ﴾ [الشورى: ٢٣]؛ فَقَالَ سَعيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى آلِ قلت: قول ابن عباس ومن تَبِعَهُ هو الظاهر الموافقُ لحديث أنس الذي نَحْنُ في شرحه، (قد قال الناس) وفي رواية أبي يَعْلَى: ((قَدْ قَالَهَا أُنَاسٌ)) (ثم كفر أكثرهم) يعني: فليس هؤلاءِ الكفرةُ ممن استقاموا . (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه النسائي في التفسير وأبو يعلى والبزار وابن جریر (١). قوله: (سمعت أبا زرعة يقول: روى عفان، عن عمرو بن علي حديثًا) عَفَّانُ هذا - هو: عفان بن مسلم، وهو من شيوخ عمرو بن علي الفَلَّاس، وروى هو عنه حديثًا واحدًا، كما أن البخاري من شيوخ الترمذي، وروى عنه حديثيْنِ؛ كما عرفت في المقدمة. ٤٣ - باب ومن سورة الشورى ﴿حم عسق﴾ وَفِي بَعْضِ النَّسَخِ: سُورَة حم عسق وَهِيَ مَكِيَّةٌ، وَهِيَ ثَلاث وَخَمْسُونَ آيَةً [٣٢٥١] قوله: (عن عبد الملك بن ميسرة) الهلالي أبي زيد العامري الكوفي الزرَّاد، ثقة، من الرابعة (﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [الشورى: ٢٣]) أي: على تبليغ الرسالة (﴿أَجْرًّا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبِىُ﴾ (١) النسائي في ((الكبرى)) حديث (١١٤٧٠)، وأبو يعلى (٣٤٩٥)، وابن جرير في ((التفسير)) (١١٤/٢٤)، وابن عَدي في ((الكامل)) (٤٥٠/٣). ١٢٥ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((وَمِن سُورَةٍ ﴿حم عسق﴾)) مُحمَّدٍ نَّ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: أعلمت، إنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن قُرَيْشٍ، إلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ، فَقَالَ: إِلَّا أنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ مِنَ القَرَابَةِ. [خ: ٣٤٩٧، حم: ٢٠٢٥]. [الشورى: ٢٣]) أي: مظروفة فيها بحيث تكون القربَى موضعًا للمودة وظرفًا لها لا يخرج شيء من محبَّتكم عنها، والاستثناء متصل، أي: إلا أن تَوَدُّوني لقرابتي بينكم، أو تَوَدُّوا أهلَ قرابتي، ويجوز أن يكون منقطعًا، قال الزجاج: ((إلَّ المَوَدَّةَ)) استثناء لَيْسَ من الأول، أي: إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني، والخطاب لقريش، وهذا قول عكرمة ومجاهد وأبي مالك والشعبي، فيكون المعنى على الانقطاع لا أسألكم أجرًا قَطْ، ولكِنْ أسألكم المودَّةَ في القربى التي بيني وبينكم، ارْقُبُونِي فيها ولا تعجلوا إِلَيَّ ودَعُوني والناس؛ وبه قال قتادة ومقاتل والسدي والضحاك وابن زيد وغيرهم؛ وهو الثابت عن ابن عباس، (فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد) قال الحافظ : هذا الذي جزم به سعيد بن جُبَيْر قد جاء عنه من روايته عن ابن عباس مرفوعًا، فأخرج الطبري وابن أبي حاتم، من طريق قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن سعيد بن جُبَيْر عن ابن عباس قال: لَمَّا نَزَلَتْ (١)، قَالُوا: ((يَا رَسُولَ الله، مَنْ قَرَابَتُكَ الذِّينَ وَجَبَتْ عَلَيْنَا مَوَدَّتُهُم .... )) الحديث، وإسناده ضعيف، وهو ساقط؛ لمخالفته هذا الحديث الصحيح، يعني: حديث ابن عباس هذا الذي نحن في شرحه، (فقال ابن عباس: أعلمت) بهمزة الاستفهام للإنكار، وفي رواية البخاري: فقال ابنُ عَبَّاسٍ: عَجِلْتَ، قال الحافظ: أي أسرعْتَ في التفسير، (إن رسول الله وَّ﴿ لم يكن بَطْنٌ من قريش) البطنُ: ما دون القبيلة وفوق الفَخِذِ، (له) أي: للنبي نَّه (قال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، فحمل الآية علَى أن توادُّوا النبي ◌َلهمن أجل القرابة التي بينه وبينكم، فهو خاص بقريش؛ ويؤيده أن السورة مكية، وأما حديث ابن عباس - أيضًا - عند ابن أبي حاتم (٢) قال: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قُل لََّ أَسْتَلُكُمُ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلََّّ الْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبَ﴾ [الشورى: ٢٣] قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَنْ هَؤْلَاءِ الَّذِينَ أَمَرَ الله بِمَوَدَّتِهِمْ؟ قَالَ: ((فَاطِمَةُ وَوَلَدُهَا - عَلَيْهِمِ السَّلَامُ - فقال ابن كثير: إسناده ضعيف، فيه متهم، لا يعرف إلا عن شيخ شيعيٍّ مخترقٍ، وهو حسين الأشقر، ولا يقبل خبره في هذا المحل، والآية مكية، ولم يكن إذا ذاك لفاطمةَ أولادٌ بالكلية؛ فإنها لم تزوَّج بعليٍّ إلا بعد بَدْرٍ من السنة الثانية من الهجرة، وتفسير الآية بما فسر به حَبْرُ الأمة (١) ابن أبي حاتم (٣٢٧٧/١٠)، وابن جرير في ((التفسير)) (٢٣/٢٥). (٢) ابن أبي حاتم (٣٢٧٧/١) (١٨٤٧٧) كما تقدم. ١٢٦ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ / باب ((وَمِن سُورَةٍ ﴿حم عسق﴾)) قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وقَدْ رُوِيَ مِن غَيْرِ وَجْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. [ت ٤٣، م٢] [٣٢٥٢] (٣٢٥٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِم، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ وَازِعٍ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِن بَنِي مُرَّةَ، قَالَ: قَدِمْتُ الكُوفَةَ، وتَرْجُمَانُ القرآن ابن عباس - أحقُّ وأولَى، ولا ننكر الوصاة بأهل البيت واحترامِهِمْ وإكرامِهِمْ؛ إذ هم من الذرية الطاهرة التي هي أشرفُ بَيْتٍ وُجِدَ عَلَى وجه الأرض فخْرًا وحسبًا ونسبًا، ولا سيَّما إذا كانوا متبعين للسنة الصحيحة؛ [الواضحة الجلية](١) كما كان عليه سلفهم؛ كالعباس وبنيه وعَلِيٍّ وآل بيته وذريته - رُّ(٢)، ونفعنا بمحبتهم - قاله القَسْطَلانِيُّ، وقال الحسين بن الفضل، ورواه ابن جرير عن الضحاك: إن هذه الآية منسوخة، والقول بنسخ هذه الآية غير مرضيٍّ؛ لأن مودة النبي ◌َّ وكف الأذى عنه ومودة أقاربه من فرائض الدين، وهو قول السلف؛ فلا يجوز المصير إلى نسخ هذه الآية، وروى أحمد في (مسنده)) عن ابن عباس - رضيًّا - أن النبي وَلَّه قال: ((قُلْ لَا أَسْألُكُمْ على ما آتيتكم من البينات والهدى أجرًا إلّا أن توادُّوا الله تَعَالَى، وَأَنْ تقربوا إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ))، وهكذا روى قتادة عن الحسن البصري مثله. قال الحافظ ابن كثير: وهذا كأنه تفسير بقول ثانٍ؛ كأنه يقول «إلَّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)) أي ((إلا أن تعملوا بالطاعة التي تقرِّبكم عند الله زلفى. انتهى. والحاصل: أن معنى الآية: قل يا محمد، لهؤلاء المشركين من كفار قريش: لا أسألكم على هذا البلاغ والنُّصْح لكم مَالًا تعطونيه، وإنما أُطلب منكم أن تَكُفّوا شركم عني وتذروني أبلغ رسالات ربي، إنَ لم تنصروني، فلا تؤذوني لما بيني وبينكم من القرابة، وهذا هو الصحيح في معنى هذه الآية؛ ويدل على ذلك حديثُ ابن عباس هذا الذي نَحْنُ في شرحه، وأما الأقوالُ الباقية فمرجوحة. قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد والبخاري. [٣٢٥٢] قوله: (حدثنا عمرو بن عاصم) بن عُبَيْد الله بن الوازع الكلابي القيسي، (حدثنا عبيد الله بن وازع) الكلابيُّ البصريُّ، مجهول، من السابعة. (١) [الواضحة الجلية] ليست في المطبوع، وهي في تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى. (٢) رضي الله عنهم أجمعين، هنا انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى (١١٣/٤). ١٢٧ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَِّ / باب ((وَمِن سُورَةٍ ﴿حم عسق﴾)) فَأَخْبِرْتُ عَنِ بِلالِ بْنِ أبي بُرْدَةَ، فَقُلْتُ: إِنَّ فِيهِ لَمُعْتَبَراً، فَأَتَيْتُه وَهُوَ مَحْبُوسٌ في دَارِهِ الّتِي قَدْ كَانَ بَنَى، قَالَ: وإِذَا كُلُّ شَيءٍ مِنْهِ قَدْ تَغَيَّرَ مِنَ العَذَابِ وَالضَّرْبِ، وإِذَا هُوَ في قُشَاشٍ، فَقُلْتُ: الحَمْدُ لله يَا بِلالُ، لَقَدْ رَأيْتُكَ وَأَنْتَ تَمُرُّ بِنَا تُمْسِكُ بِأَنْفِكَ مِن غَيْرِ غُبَارٍ، وَأَنْتَ في حَالِكَ هَذا اليَوْمَ، فَقَالَ: مِمَّنْ أنْتَ؟ فَقُلْتُ: مِن بَنِي مُرَّةَ بْنِ عبَّادٍ، فَقَالَ: ألا أُحَدِّثُكَ حَدِيثاً عَسَى الله أنْ يَنْفَعَكَ بِهِ؟ قُلْتُ: هَاتِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي أَبُو بُرْدَةَ، عَن أبِيهِ أبي مُوسَى، أنَّ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((لا يُصِيبُ عَبْداً نَكْبَةٌ فَمَا فَوْقَهَا أَوْ دُونَهَا، إلَّا بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو الله عَنْهُ أكْثَرُ))، قَالَ: وَقَرأ: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَبْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. [ضعيف الإسناد، فيه مجهولان، الشيخ، وعبيد الله] . قوله: (فَأُخْبِرْتُ) بصيغة المجهول، (عن بلال بن أبي بردة) بن أبي موسى الأشعري قَاضي البصرة كان ظَلُومًا، وذكره أبو العرب الصِّقِلِّيُّ في ((كتاب الضعفاء))، وذكره ابن حِبَّان في ((الثقات))؛ كذا في ((الخلاصة)) و((تهذيب التهذيب))، (فقلت: إن فيه) أي: في بلال بن أبي بردة (لمعتبرًا) أي: عبرةً، وذلك لأنه كان قاضيًا، والآن هو محبوسٌ، (قال) أي: شيخُ بني مرة المذكورُ، (وإذا) للمفاجأة (منه) أي: من بلال بن أبي بردة (في قُشَاش) قال في ((القاموس)): القَشِيشُ كَأَمِيرٍ: اللّقاطة، كَالقُشَاش بالضم، وقال فيه: ((اللّقاطة)) بالضم ما كان ساقطًا مما لا قيمة له، (تمسك بأنفك) أي: تكبرًا، (هات) بكسر التاء، أي: أعط وحدِّثني بذلك الحديث، (حدثني أبي أبو بردة) أبو بردة مرفوعٌ على أنه بدلٌ من ((أبي))، (أبي موسى) بالجر بدل من أبيه، (نكبة) أي: محنةٌ وأذى، والتنوين للتقليل لا للجنس؛ ليصح ترتب ما بعدها عليها بالفاء، وهو: (فما فوقها) أي: في العظم (أو دونها) أي: في المقدار، (إلا بذنب) أي: يصدر من العبد، (وما يعفو الله) ((ما)) موصولة، أي: الذي يغفره ويمحوه (أكثر) أي: مما يجازيه (قال) أي: أبو موسى، (وقرأ) أي: النبي ◌َِّ (﴿وَمَا أَصَبَكُمْ﴾ [الشورى: ٢٣٠) خطابٌ للمؤمنين (﴿مِّن تُصِيبَةٍ﴾ [الشورى: ٣٠]) أي: بلية وشدة (﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾) أي: كسبتم من الذنوب، وعبَّرَ بـ ((الأيدي))؛ لأن أكثر الأفعال تزاولُ بها، (﴿وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]) أي: من الذنوب؛ فلا يجازي عليه، وهو تعالى أكرمُ من أن يُثَنِّيَ الجزاء في الآخرة، وأما غير المذنبين - فما يصيبهم في الدنيا لرفع درجاتهم في الآخرة. ١٢٨ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِنَّ / باب ((وَمِن سُورة (الزخرف﴾)» قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ. ٤٤- باب ((وَمِن سُورة ﴿الزخرف﴾)) [ت ٤٤، ١٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ [٣٢٥٣] (٣٢٥٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بِشْرِ العَبْدِي، ويَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَن حَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَن أبي غَالِبٍ، عَن أبي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله وَّ: ((مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدِى كَانُوا عَلَيْهِ، إلَّا أُوتُوا الجَدَلَ)) ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللهِ وَّه هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً قوله: (هذا حديث غريب)، في سنده مجهولان؛ كما عرفْتَ. ٤٤ - باب وَمِنْ سُوْرَةِ الزُّخْرُفِ مَكِيَّةٌ وَهِيَ تِسْعٌ وَثَمَانُونَ آيَةً [٣٢٥٣] قوله: (كانوا عليه) أي: على الهدى، (إلا أوتوا الجدل) أي: أعطوه، وهو حال و((قد)) مقدَّرة، والمستثنى منه أعمُّ عام الأحوال، وصاحبها الضميرُ المستتر في خبر ((كان))، والمعنى ما كان ضلالتهم ووقوعهم في الكفر إلا بسبب الجدال، وهو الخصومة بالباطل مع نبيهم وطلبُ المعجزة منه عنادًا أو جحودًا، وقيل: مقابلة الحجة بالحجة، وقيل: المراد - هنا - العناد، والمراءُ في القرآن: ضَرْبُ بعضه ببعض؛ لترويج مذاهبهم وآراء مشايخهم من غير أن يكون لهم نصرة على ما هو الحق، وذلك محرَّم إلا بالمناظرة لغرض صحيح؛ كإظهار الحق، فإنه فرض كفاية، (ثم تلا رسول الله وَّة) أي: استشهادًا على ما قرَّره (﴿مَا ضَرَبُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٨]) أي: هذا المثل (﴿لَكَ﴾ [الزخرف: ٥٨]) يا محمد، وهو، قولهم: ((أآلهتنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ))، أرادوا بـ ((الآلهة)) هنا: الملائكة، يعني: الملائكة خَيْرٌ أم عيسَى، يريدون: أن الملائكة خيرٌ من عيسى، فإذا عبدت النصارى عيسى - فنحن نعبد الملائكة، أي: ما قالوا ذلك القولَ (﴿إِلَّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: ٥٨]) أي: إلا لمخاصمتك وإذائك بالباطل، لا لطلب الحق؛ كذا قال بعض العلماء. قال القاري: والأصحُّ - في معنى الآية -: أن ابن الزِّبَعْرَى جادَلَ رَسُولَ الله ◌َّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] آلهتنا، أي: الأصنام خيرٌ عندك أم عيسَى؛ فإن كان في النار - فلتكن آلهتنا معه، وأما الجواب عن هذه الشبهة: فأولًا: أن ((ما)) لغير ذوي العقول؛ فالإشكال نَشَأَ عن الجهل بالقواعد العربية. ١٢٩ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِيََّ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الدخان))) بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]. [جه: ٤٨]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ؛ إنَّمَا نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثٍ حَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، وحَجَّاجْ ثِقَةٌ مُقَارِبُ الحَدِيثِ، وأَبُو غَالِبِ اسْمُهُ: حَزَوَّرُ. ٤٥- باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الدخان﴾)) [ت ٤٥، ١٢] بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ [٣٢٥٤] (٣٢٥٤) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الجُدِّيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن الأعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ، سَمِعَا أبَا الضُّحَى يُحَدِّثُ، عَن وثانيًا: أن عيسى والملائكة خُصُّوا عن هذا بقوله تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا اُلْحُسْفَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]. انتهى. قلت: ابن الزِّبَعْرَى: بكسر الزاي المعجمة، وفتح الباء الموحدة، وسكون العين، وبالراء المهملة والألف المقصورة، قال الشهاب: ابن الزِّبَعْرَى هو عبد الله الصحابيُّ المشهور، وهذه القصة على تقدير صِحَّتِها كانتْ قبل إسلامه؛ كذا في ((فتح البيان)). (﴿بَلَّ هُمْ﴾ [الزخرف: ٥٨]) أي: الكفار (﴿قَوْمُ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]) أي: كثيرو الخصومة . قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم وابن جرير (١). (إنما نعرفه من حديث حجاج بن دينار) قال الحافظ ابن كَثِيرٍ - بعد نقل كلام الترمذي هذا - ما لفظه: كذا قال الترمذي، وقد روي من وجه آخر، عن أبي أمامة - ظُبه - بزيادة فذكره. قوله: (وأبو غالب اسمه حَزَوَّرُ) بفتح أوله والزاي وتشديد الواو وآخره راء. ٤٥ - بَاب وَمِنْ سُؤْرَةِ الدُّخانِ مَكِّيَّةٌ وَقِيلَ إِلَّا ﴿إِنَّا كَشِفُواْ الْعَذَابِ﴾ الآيةَ، وَهِيَ سِتُّ أَوْ سَبْعٌ أو تسعٍ وَخَمْسُونَ آيَةً [٣٢٥٤] قوله: (حدثنا عبد الملك بن إبراهيم الجُدِّيُّ) بضم الجيم وتشديد الدال المكي، مولَى بني عبد الدار، صدوق، من التاسعة، (أبا الضحى) هو: مسلم بن صُبَيْح، (١) ابن جرير في ((التفسير)) (٨٨/٢٥)، والحاكم، حديث (٣٦٧٤) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. ١٣٠ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ﴿ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الدخان))) مَسْرُوقٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ الله، فَقَالَ: إنَّ قَاصّاً يَقُصُّ يَقُولُ: إنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الأَرْضِ الدُّخَانُ، فَيَأْخُذُ بِمَسَامِعِ الكُفَّارِ، ويَأْخُذُ المُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، قَالَ: فَغَضِبَ، وكَانَ مُتّكِئاً، فَجَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: إِذَا سُئِلَ أحَدُكُمْ عَمَّا يَعْلَمُ فَلْيَقُلْ بِهِ - قَالَ مَنْصُورٌ: فَلْيُجز بِهِ، وَإِذَا سُئِلَ عَمَّا لا يَعْلَم فَلْيَقُلِ: الله أعْلَمُ؛ فإنَّ مِن عِلْمِ الرَّجُلِ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لا يَعْلَمُ أنْ يَقُولَ: الله أعْلَمُ؛ فَإِنَّ الله تعالى قَالَ لِنَبِّهِ: ﴿قُلْ مَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] إنَّ رَسُولَ اللهِلَّهِ لمّا رأى قُرَيْشاً (إلى عبد الله) هو: ابن مسعود، (إن قاصًّا يقصُّ) وفي رواية للبخاري: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يُحَدّثُ فِي كِنْدَة))، (فيأخذ بمسامع الكفار) جمع ((مَسْمَعِ)) آلة السَّمْعِ، أو: جمع ((سَمْع)) بغير قياس، والمَسْمَعُ، بالفتح: خرقها، وفي رواية للبخاريّ: ((فَيَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ المُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ))، وفي رواية مسلم ((فَيَأْخُذُ بِأَنْفَاسِ الكُفَّارِ))، (فغضب) أي: عبد الله بن مسعود؛ (فليقل به) أي: بما يعلم، (فإن من علم الرجل ... إلخ) قوله: (من علم الرجل) خبر مقدَّم لـ ((إنّ) واسمُها ((أن يقول)). والله أعلم. وقوله: (إِذا سئل عما لا يعلم) ظرف لقوله: ((علم الرجل))، وفي رواية البخاري في ((تفسير سورة الروم)): ((فَإِنَّ مِنَ العِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ لَا أَعْلَمُ))، قال الحافظ يعني: أن تمييز المعلوم من المجهول نوع من العلم، وهذا مناسب لما اشتهر من أنَّ ((لا أدري)) نصفُ العلم، ولأن القول فيما لا يعلم قسم من التكلف(١). (فإن الله قال لنبيه: ﴿قُلّ مَآ أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَّا أَنْ مِنَ الُْكَلِّفِينَ﴾﴾ [ص: ٨٦] في قول ابن مسعود هذا وفيما قبله - تعريضٌ بالرجل القاصِّ الذي كان يقول: ((يجيء يوم القيامة كذا)) فأنكر ابن مسعود ذلك، وقال: ((لا تتكلفوا فيما لا تعلمون))، وبين قصة الدخان، وقال: ((إنه کھیئة ... )) إلخ، وذلك قد كان ووقع. قال العيني: فيه خلاف؛ فإنه روي عن ابن عباس وابن عمر وزيد بن علي والحسن: أنه دخان يجيءُ قبل قيام الساعة. انتهى. وقال الحافظ: وهذا الذي أنكره ابن مسعود قد جاء عن عليٍّ، فأخرج عن عبد الرزاق وابن أبي حاتم من طريق الحارث عن عليٍّ قال: آية الدخان لم تَمْضٍ بَعْدُ يأخذ المؤمن كهيئة (١) عبد الرزاق في ((التفسير)) (٢٠٦/٣)، وابن أبي حاتم (٣٢٨٨/١٠) (١٨٥٣٢) والحارث فيه كلام. ١٣١ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الدخان))) اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ، قَالَ: ((اللَّهمَّ، أعِنِّي عَلَيْهِم بِسَبْعِ كَسَبْعِ يُوسُفَ))؛ فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ، فأحصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى أكَلُوا الجُلُودَ وَالمَيْتَةَ - وَقَالَ أحَدُهُمَا: العِظَامَ - قَالَ: وَجَعَلَ يَخْرُجُ مِنَ الأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ، قَالَ: فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ، قَالَ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ الزكام، وينفخ الكافر حتى ينفذ؛ ويؤيد كون آية الدخان لم تمض: ما أخرجه مسلم من حديث أبي شُرَيْحَةَ رفعه: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَرَوْا عَشْرَ آيَاتٍ: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا والدُّخَانَ وَالدَّابَةَ .... )) الحديث، وروى الطبري(١) من حديث رِبْعِيٍّ عن حذيفة مرفوعًا في خروج الآيات والدخان: قال حذيفةُ: ((يا رسولَ الله، وَمَا الدُّخَانُ)) فتلا هذه الآية، قال ((أَمَّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبُهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَيَخْرُجُ مِنْ مَنْخِرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ)) وإسناده ضعيف أيضًا، وذكر الحافظ رواياتٍ أخرَى ضعيفةً، ثم قال: لكن تضافر هذه الأحاديث يَدُلُّ على أن لذلك أصلا. انتھی. قال العيني في ((العمدة)): وقال ابن دِحْيَةَ: الذي يقتضيه النظرُ الصحيح حَمْلُ أمر الدخان على قَضيَّتَيْنِ، إحداهما: وقعَتْ وكانت، والأخرى: ستقع، أي: بقرب القيامة، (استعصوا عليه) أي: أظهروا العصيان، ولم يتركوا الشرك (بسبع) أي: بسبع سنين فيها جَدْبٌ وَقَحْطٌ (فأخذتهم سَنَّة) بفتح السِّيْن، وهي: الجَدْب والقَحْط، (فأحصت كل شيء) أي: استأصلته، وفي بعض النسخ: ((فَحَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ)) أي: أذهبته، والحَصُّ؟ إذهاب الشَّعْر عن الرأس بحلق أو مرض؛ كذا في ((النهاية)) (وقال أحدهما) الضميرُ راجعٌ إلى ((الأعمش)) و((منصور)) (العظام) روى مسلم هذا الحديث من طريق الأعمش، وفيه: ((حَتَّى أَكَلُوا العِظَامَ))، ورواه من طريق منصور وفيه حتى («أكلوا الْجُلُودَ وَالميْتَةَ))، (وجعل يخرج من الأرض كهيئة الدخان)، وكذلك في رواية البخاري، وفي رواية أخرى له: ((فَكَانَ يَقُومُ أَحَدُهُمْ، فَكَانَ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ مِثْلَ الدُّخَانِ مِنَ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ))، قال الحافظ: ولا تدافع بينهما لأنه يحمل على أنه كان مبدؤه من الأرض، ومنتهاه ما بين السماء والأرض، ولا معارضة - أيضًا - بين قوله: ((يخرج من الأرض))، وبين قوله: ((كهيئة الدخان))؛ لاحتمال وجود الأمرين بأن يخرج من الأرض بخارٌ كهيئة الدخان من شدة حرارة الأرض وَوَهجِهَا من عدم الغيث، وكانوا يرون بينهم وبين السماء مِثْلَ الدخان من فَرْطِ حرارة الجوع، أو: الذي يخرُجُ مِنَ الأرض بحسب تخيُّلهم ذلك من غشاوة أبصارهم من فرط الجوع، أو: لفظُ ((من الجوع)) صفةُ الدخان أي (١) ابن جرير في ((التفسير)) (١١٣/٢٥). ١٣٢ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الدخان﴾)) هَلَكُوا، فَادْعُ الله لَهُمْ، قَالَ: فَهَذَا لِقَوْلِهِ: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ١٠ يَخْشَى النَّاسَّ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠-١١]، قَالَ مَنْصُورٌ: هَذا لِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا أَكْثِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] فَهَلْ يُكْشَفُ عَذَابُ الْآخِرَةِ؟ قد مَضَى البَطْشَةُ، واللِّزَامُ: الدُّخَانُ، وقَالَ أحَدُهُمَا: القَمَرُ، وَقالَ الآخَرُ: الرُّومُ. [خ: ٤٧٧٤، م: ٢٧٩٨، حم: ٤٠٩٣]. يرون مثل الدخان الكائِنِ من الجوع (﴿يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾) الآية بتمامها مع تفسيرها - هكذا: ﴿فَرْتَقِبْ﴾ أي: انتظر يا محمد عذابَهُمْ، فحذف مفعول ((فارتقب))؛ لدلالة ما بعده عليه، وهو قوله: (عذاب أليم)، وقيل: ((يوم تأتي السماء)) مفعولُ فارتقب يقال: رقبته فارتقبته؛ نحو نظرته فانتظرته، ﴿يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: ظاهر (﴿يَغْشَى النَّاسٌَّ﴾) أي: يحيطهم (﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾) يقول الله ذلك، وقيل: يقوله الناس، ربَّنا اكْشِفْ عنا العذاب، قال الله تعالى؛ حكاية عن المشركين، لما أصابهم قَحْطٌ وَجَهْدٌ، قالوا : (﴿رَبَّنَا أَكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾) وهو: القَحْطُ الذي أكلوا فيه الميتاتِ والجلود، ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ أي: مصدقون بنبيك، ﴿أَنَّ لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ أي: كيف يتذكرون ويتعظون بهذه الحالة، ﴿وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ معناه: وقد جاءهم ما هو أعظمُ وأدخلُ في وجوب الطاعة، وهو: ما ظهر عَلَى يَدِ رسول الله وَّهَ من الآيات البيِّنات والمعجزات الظاهرات، ﴿ثُمَّ تَوَلَوْ عَنْهُ﴾ أي: أعرضوا، ﴿وَقَالُواْ مُعَلٌَّ﴾ أي: يعلمه القرآن بَشَرٌ مجنون ﴿إِنَّا كَاشِقُواْ الْعَذَابِ﴾ أي: الجوع عنكم ﴿قَلِيلًا﴾ أي: زمنًا قليلًا، فكشف عنهم، ﴿إِنَّكُمُ عَيِدُونَ﴾ أي: إلى كفركم، فعادوا إليه، ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىِ﴾ هو: يَوْم بَدْرٍ، والبطش: الأخذ بقوة ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ أي: منهم (فهل يكشف عذاب الآخرة؟) وفي رواية مسلم ((أيكشف)) بالهمزة، قال النووي: هذا استفهام إنكار على مَنْ يقول: إن الدخان يكون يوم القيامة؛ كما صرح به في الرواية الثانية، يعني: التي فيها: ((قَالَ: يَأْتِي النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دُخَانٌ، فَيَأْخُذُ بِأَنْفَاسِهِمْ حَتَّى يَأْخُذُهُمْ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ» فقال ابن مسعود؛ هَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ، لأَنَّ الله تعالى قَالَ: ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلًاْ إِنَّكُمْ عَّيِدُونَ﴾، ومعلوم أن كَشْفَ العذاب، ثم عَوْدَهُمْ: لا يكون في الآخرة، وإنما هو في الدنيا، انتهى، (قال) أي: ابن مسعود، (مضى البطشة واللزام والدخان، وقال أحدهما: القمر، وقال الآخر: الروم) وفي بعض النسخ: ((وَقَالَ أَحَدُهُمَا)) وهو الظاهر، وفي رواية البخاري: ((قَالَ عَبْدُ الله: خَمْسَةٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخَانُ، وَالْقَمَرُ، وَالرُّومُ، وَالْبَْشَةُ، وَاللِّزَامُ)) ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ ١٣٣ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلَّر باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الدخان))) قَالَ أبُو عِيْسَى: واللّزَامُ يعني: يَوْمَ بَدْرٍ . قَالَ: وهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. [ت ٤٥، م٢] [٣٢٥٥] (٣٢٥٥) حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَن مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَن يَزِيدَ بْنِ أَبَانٍ، عَن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: ((مَا مِن مُؤْمِنٍ إلَّا وَلَهُ بَابَانِ: بَابٌ يَصْعَدُ مِنْهُ عَمَلُهُ، وبَابٌ يَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ، فَإِذَا مَاتَ لِزَامًا﴾ هَلَاكًا، قالَ العيني: قوله ((خمس)) أي: ((خمس علامات قد مَضْيْن، أي: وقعن)). الأولى: الدخان؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾. الثانية: القمر؛ قال الله تعالى: ﴿أَقْتَّتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ اُلْقَمَرُ﴾. الثالثة: الروم؛ قال الله تعالى: ﴿الَّمَجْ عُلِبَتِ الرُّومُ﴾. الرابعة: البطشة؛ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَّةَ الْكُبْرَى﴾ وهو القتل الذي وقع يوم بدر. الخامسة: اللزام، ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]، قيل: هو القَحْطُ وقيل: هو التصاق القَتَّلَى بعضهم ببعض في بدر، وقيل: هو الأسر فيه، وقد أسر سبعون قرشيًا فيه (قال أبو عيسى: واللزام يعني: يوم بدر) اختلف فيه، فذكر ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) أنه القتل الذي أصابهم ببدر، روي ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب ومحمد بن كعب ومجاهد وقتادة والضحاك. وقال القرطبي: فعَلَى هذا تكون البطشةُ واللزامُ واحدًا، وعن الحسن: اللزام يوم القيامة، وعنه: أنه الموت، وقيل: يكون ذنبكم عذَابًا لازمًا لكم؛ كذا في ((العمدة)). قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد والشيخان والنسائي (١). [٣٢٥٥] قوله: (وله) أي: مختص به (بابان) أي: من السماء، (يصعد) بفتح الياء ويضم، أي: يطلع ويرفع، (عمله) أي: الصالح إلى مستقر الأعمال، وهو: محل كتابتها في السماء بعد كتابتها في الأرض، وفي إطلاقه ((العَمَل)) إشعار بأن عمله كله صالحٌ، (ينزل) بصيغة الفاعل أو المفعول (رزقه) أي: الحسي، أو المعنوي، إلى مستقر الأرزاق من (١) النسائي في ((الكبرى)) حديث (١١٢٠٢). ١٣٤ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الأحقاف))) بَكَيَا عَلَيْهِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوْ مُنظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩])). [ضعيف]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ؛ لا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعاً إلَّا مِن هذَا الوَجْهِ، ومُوسَى بْن عُبَيْدَةَ، ويَزِيدُ بْنُ أَبَانَ الرَّقَاشِيُّ، يُضَعَّفَانِ فِي الحَدِيثِ. ٤٦- باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الأحقاف))) [ت ٤٦، ١٣] الأرض، (بكيا) أي: البابان (عليه) أي: على فراقه؛ لأنه انقطع خيره منها بخلاف الكافر؛ فإنهما يتأذيان بشره، فلا يبكيان عليه؛ قاله ابن الملك، وهو ظاهر موافق لمذهب أهل السنة عَلَى ما نقله البغوي: أن للأشياء كلها عِلْمًا بالله، ولها تسبيحٌ، ولها خشيةٌ وغيرها، وقيل: أي بَكَى عليه أهلهما، وقال الطيبي: انكشاف هذا تمثيلٌ وتخييل مبالغةً في فِقْدَانِ من دَرَجَ وانقطع خيره، وكذلك ما روي عن ابن عباس مِنْ بكاء مصلَّى المؤمن وآثارُهُ في الأرض، ومصاعِدُ عمله وَمَهابِطُ رزقه في السماء تمثيلٌ ونَفي ذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ تهكّم بهم وبحالِهِمُ المنافيةِ لحالِ مَنْ يَعْظُمُ فقده، فيقال فيه: بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ والْأَرْضُ. انتهى. وهو مخالف لظاهر الآية والحديث، ولا وجه للعدول؛ لمجرَّد مخالفته ظاهر العقول؛ كذا في ((المرقاة)). (فذلك) أي: مفهوم الحديث أو مصداقه (قوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ﴾ إلخ) أي: لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء، فتبكي على فقدهم، ولا لهم في الأرض بقاعٌ عبدوا الله تعالَى فيها فَقَدتهم؛ فلهذا استحقوا ألا يُنْظَرُوا ولا يُؤَخَّروا؛ لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم. قوله: (هذا حديث غريب)، وأخرجه أبو يعلى وابن أبي حاتم(١). ٤٦ - باب وَمِنْ سُورَةِ الأَحْقَافِ مَكِّيَّةٌ إلَّا ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ُ الآيَةُ، وإِلَّ: ﴿فَاصْبِرِ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، وإلا ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِسَنَ بِوَلِدَيْهِ﴾ الثَّلَاثَ آيَاتٍ، وَهِيَ أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ آيَةً . (١) أبو يعلى (٤١٣٣)، وابن أبي حاتم (٣٢٨٩/١٠) (١٨٥٥٠)، قال الهيثمي (١٠٥/٧): فيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف. قلت: تابعه صفوان بن سليم؛ أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٦٤٥٩). ١٣٥ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الأحقاف))) بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمِ [٣٢٥٦] (٣٢٥٦) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ الكِنْدِيُّ، حَدَّثَنَا أبُو مُحَيَّاةَ، عَن عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَن ابنِ أخِي عَبْدِ الله بْنِ سَلَام، قَالَ لمّا أُرِيدَ عُثمانُ، جَاءَ عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ، فَقَالَ لَهُ عُثمانُ: مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالُ: جِئْتُ في نَصْرِتِكَ، قَالَ: فاخْرُجْ إلى النّاسِ فَاطْرُدْهُمْ عَنِّ؛ فإنّكَ خَارِجٌ خَيْرٌ لِي مِنْكَ دَاخِلٌ، قَالَ: فَخَرَجَ عَبْدُ الله بن سَلام إلَى النَّاسِ، فَقَالَ: أيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ كَانَ اسْمِي فِي الجَاهِلِيةِ فُلَانٌ، فَسَمَّانِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَبْدَ الله، ونَزَلَ فيَّ آيَاتٌ مِن كِتَابِ الله نَزَلَتْ فِيَّ ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِيَ إِسْرَّهِيلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَامَنَ وَأَسْتَكْبَرٌّّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠] [٣٢٥٦] قوله: (حدثنا أبو مُحَيَّة) اسمه: يحيى بن يعلى التيمي، (عن ابن أخي عبد الله بن سلام) مجهول من الثالثة. قوله: (لما أريد عثمان) أي أريد قتله، (جاء عبد الله بن سلام) بتخفيف اللام الصحابيُّ المشهور، (أخرج إلى الناس) أي: الذين حاصروه، (فاطردهم) من الطرد، وهو: الإبعاد، أي: أبعدهم، (فإنك خارج خير لي منك داخل) أي: كونك خارجًا لطردهم خير لي من كونك داخلًا عندي، (إنه كان اسمي في الجاهلية فلان) الظاهر: أن يكون ((فلانًا)» بالنصب منونًا، لأنه خبر (كان))، وَفُلانٌ وَفُلَانَةُ يكنى بهما عن العَلَم الذي مسمَّاه ممن يعقل، فلا تدخل ((ألْ)) عليهما، وفُلانَةُ: ممنوعة من الصرفِ؛ فيقال: جاء فلان، ولكن جاءت فُلانةُ، ويكنى بهما - أيضًا - عن العَلَم لغير العاقل، فدخل عليهما ((أَلْ)) تقول: رَكِبْتُ الفُلَانَ، وحَلَبْتُ الْفُلانَةَ، وأما الرفع: فعلى أن في ((كان)) ضمير الشأن، ((واسمي)) مبتدأ، و((فلان)) خبره، والجملة خبر ((كان))، وكان اسم ((عبد الله)) في الجاهلية ((الحُصَيْن))؛ فسمَّاه النبيُّ ◌ِ﴾. ((عبد الله))، أخرجه ابن ماجه. (فيَّ) بتشديد الياء (﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِيّ إِسْرَّوِيلَ﴾) أي: العالِمِينَ بما أنزل الله في التوراة، وقبله: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُ بِهِ، وَشَهِدَ﴾ إلخ (﴿عَلَى مِثْلِهِ، فَمَنَ﴾) أي: عَلَى مثل القرآن من المعاني الموجودة في التوراة المطابقة له: من إثبات التوحيد والبعث والنشور وغير ذلك، وهذه المثلية هي: باعتبار تطابق المعاني، وإن اختلفت الألفاظ، قال الجرجاني: ((مِثْل)) صِلَة، والمعنَى: وشهد شاهد عليه؛ أنه من عند الله، وكذا قال الواحدي، ﴿فَامَنَ﴾ الشاهدُ بالقرآن لما تبيّن له أنه من كلام الله، ومن جنس ما ينزله علَى رسله، وهذا ١٣٦ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الأحقاف))) وَنَزَلَتْ فِيَّ: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَبِ﴾ [الرعد: ٤٣] إن الله سَيْفاً مَغْموداً عَنْكُمْ، وإنَّ المَلَائِكَةَ قَدْ جَاوَرَتْكُمْ فِي بَلَدِكُمْ هَذَا الَّذِي نَزَلَ فِيهِ نَبِيُّكُمْ، فالله الله في هَذَا الرَّجُلِ أنْ تَقْتُلُوهُ، فَوَالله إنْ قَتَلْتُمُوهُ، لَتَطْرُدُنَّ الشاهدُ مِنْ بني إسرائيل - هو عبد الله بن سَلامٍ، كما قال الحسن ومجاهد وقتادة وغيرهم، وفي هذا نظر؛ فإن السورة مكية بالإجماع، وعبد الله بن سَلام: كان إسلامه بعد الهجرة؛ فيكون المراد بالشاهد رجلاً من أهل الكتاب قد آمن بالقرآن في مُكَّةً وصدَّقه، واختار هذا ابن جرير، والراجحُ: أنه عبد الله بن سَلام، وأن هذه الآية مدنية لا مكية؛ وعن ابن عباس: قال: هو عبد الله بن سَلام، وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين، وفيه دليل على أن هذه الآية مدنيةٌ، فيخصَّص بها عموم قولهم: إن سورَةَ الأحقاف كلَّها مكية وإياه ذكر الكراشي وكونه إخبارًا قبل الوقوع خلاف الظاهر؛ لذا قيل: لم يذهب أحد إلى أن الآية مكية إذا فسر الشاهد بابنٍ سَلام، وفيه بحث؛ لأن قوله: ((وشهد شاهد)) معطوف على الشرط الذي يصير به الماضِي مستقبلاً فلا ضرر في شهادة الشاهد بعد نزولها، وادعاء أنه لم يَقُلْ به أحدٌ من السلف مع ذكره في شروح ((الكَشَّاف)) لا وجه له - إلا أن يراد السَّلَفُ المفسرُون؛ قاله الشهاب؛ كذا في ((فتح البیان)). قلت: حديث عبد الله بن سلام هذا صريح في أن هذه الآية نَزَلَتْ فيه، وحديث عوف بن مالك عند ابن حبَّان، وحديث ابن عباس عند ابن مردويه أيضًا: يدلّان على أن هذه الآية نَزَلَتْ في عبد الله بن سَلَامٍ، كَمَا في ((فتح الباري))، وهو القول الراجحُ. ﴿وَأَسْتَكْبَرٌَّ﴾ أي: آمن الشاهد واستكبرتم أنتم عن الإيمان، وجواب الشرط بما يدلُّ عليه: ألستم ظالمين دلَّ عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾(١)، فحَرَمَهُمُ الله سبحانه الهداية بظلمهم لأنفسهم بالكفر بعد قيام الحجة الظاهرة على وجوب الإيمان، ومَنْ فقد هداية الله له - ضلَّ (﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ﴾﴾ أي: على صدقي (﴿وَمَنْ عِندَهُ, عِلْمُ اُلْكِتَبِ﴾ [الرعد: ٤٣]) قيل: هو عبد الله بن سَلَامٍ، وقيل: هم مؤمنوا أهل الكتاب؛ وهذه الآية في آخر سورة الرعد. (مغمودًا) أي: مستورًا في غِلَافِهِ، (فالله الله) بالنصب فيهما، أي: اتقوا الله، (في هذا الرجل) أي: عثمان - رَضُّه - (أن تقتلوه) بدل اشتمال من ((هذا الرجل)) (لتطردن) أي: (١) كذا قال النسفي (١٤١/٤) ونقله الشوكاني (١٦/٥) ثم قال: وقيل: تقديره: فمن أضل منكم. ١٣٧ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الأحقاف))) جِيرَانَكُمُ المَلَائِكَةَ، وَلْتَسُلُّنَّ سَيْفَ اللهِ المَغْمودَ عَنْكُمْ، فَلا يُغْمَدُ إلَى يَوْمِ القيامَةِ، قَالَ: فَقَالُوا: اقْتُلُوا اليَهُودِيَّ، واقْتُلُوا عُثمانَ. [ضعيف، ابن أخي عبد الله بن سلام، مجهول]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقِد رَوَاهُ شُعَيبُ بْنُ صَفْوَانَ عَن عَبد المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَن ابنِ مُحمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ سَلَام، عَن جَدِّه عَبدِ الله بْنِ سلامٍ. [ت ٤٦، م٢] [٣٢٥٧] (٣٢٥٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ أبُو عَمْرٍو البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿يَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِله إِذَا رَأى مَخِيلَةً، أقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ، سُرِّيَ عَنْهُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهُ، لتبعدن، (جيرانكم) بالنصب على المفعولية، (الملائكة) بالنصب على البدلية، (ولتسلن) أي: لتنتزعن (فلا يغمد) بصيغة المجهول؛ قال في ((مختار الصحاح)): غَمَدَ السيفَ؛ من باب ضَرَبَ ونَصَرَ: جعله في غمده، فهو مغمود وأغمده أيضًا فهو مُغَمَّدٌ، وهما لغتان فصيحتان، (اقتلوا اليهودي) أي: عبد الله بن سَلَام. قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه ابن مردويه وابن جرير (١) مختصرًا. قوله: (عن ابن محمد بن عبد الله بن سلام) وفي الرواية الآتية في مناقب عبد الله بن سلام: ((وَعَمَرَ بن مُحَمَّد بْنِ عَبْدِ الله بْنِ سَلَامٍ))، ولم أَقِفْ على ترجمة عمر بن محمد هذا. [٣٢٥٧] وقوله: (حدَّثنا عبد الرحمن بن الأسود) هو: ابن المأمون. قوله: (إذا رأى مَخِيلَة) بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة وسكون التحتية، وهي: السحابة التي يُخَالُ فيها المطرُ، (أقبل وأدبر) زاد البخاري: ((وَدَخَلَ وَخَرَجَ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ)) أَيْ خَوْفًا أَنْ تُصِيْبَ أمته عقوبةُ ذَنْبِ العامة كما أصاب الذين قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ تُطِرُنَا﴾ الآية، (فإذا مطرت) أي: المَخِيلة، (سُرِّيَ عنه) بضم المهملة وتشديد الراء بلفظ المجهول، أي: كشف عنه ما خالطه من الوَجَلِ، (فقلت له) أي: لِمَ تُقْبِلُ وتدبر ويتغيَّرُ وجهك عند رؤية - (١) ابن جرير في ((التفسير)) (١٠/٢٦)، وانظر ((الدر المنثور)) (٤٣٨/٧). ١٣٨ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الأحقاف))) فَقَالَ: ((وَمَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ مُخْطِّرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤])). [خ: ٣٢٠٦، م: ٨٩٩، د: ٥٠٩٨، جه: ٣٨٩١، حم: ٢٣٨٤٨]. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌّ. [ت ٤٦، م٣] [٣٢٥٨] (٣٢٥٨) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهيمَ، عَن دَاودَ، عَن الشَّعْبِيِّ، عَن عَلْقَمَةَ، قَالَ: قُلْتُ لابنِ مَسْعُودٍ رَُّه: هَلْ صَحِبَ النبيُّ وَّل لَيْلَةَ الجِنِّ مِنْكُمْ أحَدٌ؟ قَالَ: مَا صَحِبَهُ مِنّ أحَدٌ، ولَكِنْ المخيلة (فقال: وما أدري لعله) أي: المذكور من المخيلة (﴿فَلَنَّا رَأَوْهُ﴾﴾ أي: ما هو العذاب (﴿عَارِضً﴾) أي: سَحَابًا عَرَضَ في أفق السماء (﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضُ تُطِرُنَا﴾) أي: ممطر إيانا، بعده: ﴿بَلَّ هُوَ﴾ أي: قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا أُسْتَعْجَلْتُم بِهٌ﴾ من العذاب ﴿رِيچ﴾ بدل من ((ما))، ﴿فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم. قال ابن العربي: فإن قيل: كيف يخشى النبي ◌ّل أن يعذّب القوم، وهو فيهم، مع قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] والجواب: أن الآية نزلَتْ بعد هذه الآية، يتعيّن الحمل على ذلك؛ لأن الآية دلَّت على كرامة له وَّله ورفعة، فلا يتخيل انحطاط درجته أصلًا. قال الحافظ: يعكر عليه أن آية الأنفال كانَتْ في المشركين من أهل بدر، وفي حديث عائشة: إِشعار بأنه كان يواظب على ذلك: ((مِنْ صَنِيعِهِ: كَانَ إِذَا رَأَى فَعَلَ كَذَا))، والأولى - في الجواب - أن يقال: إن في آية الأنفال احتمالَ التخصيص بالمذكورين له بوقْتٍ دون وقت، أو مقامُ الخوف يقتضي غلبة عَدَمَ الأمن من مَكْر الله، وأَوْلَى من الجميع - أن يقال: خشي على من لَيْسَ هو فيهم أن يقع به العذابُ، أو المؤمن - فشفقته عليه لإيمانه، وأما الكافر - فلرجاء إسلامه، وهو بُعِث رحمةً للعالمين. قوله: (هذا حديث حسن)، وأخرجه البخاري والنسائي. [٣٢٥٨] قوله: (أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم) هو: ابن عُلَيَّة، (عن داود) هو: ابن أبي هند. قوله: (قال: ما صحبه منا أحد)، قال النووي: هذا صريحٌ في إبطال الحديث المرويِّ ١٣٩ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَفِ / باب ((وَمِن سُورةٍ ﴿الأحقاف))) قد افْتَقَدْنَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ بمكّةَ، فَقُلْنَا: اغْتِيلَ أو اسْتُطِيرَ، ما فُعِلَ بِهِ؟ فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، حَتَّى إِذَا أصْبَحْنَا، أوْ كَانَ في وَجْهِ الصُّبْحِ، إذَا نَحْنُ بِهِ يَجِيُ مِن قِبَلِ ◌ِراءَ، قَالَ: فَذَكَرُوا لَهُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ، فَقَالَ: ((أتَانِي دَاعِي الجِنِّ، فَأَتَيْتُهُمْ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِم))، قَالَ: فَانْطَلَقَ، فَأَرَانا أثَرَهُمْ وأثَرَ نِيرَانِهِمْ، قَالَ الشّعْبيُّ: وسَأَلُوهُ الزَّادَ وكانُوا مِن جِنِّ الجَزِيرَةِ، فَقَالَ: ((كُلُّ عَظُمْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ يَقَعُ في أَيْدِيكُمْ أوْفَرَ مَا كَانَ لَحْماً، وَكُلُّ بَعْرَةٍ أوْ رَوْثَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابٌّكُمْ))، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (فَلا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا، فإنّهُمَا زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنَ الجِنِّ)). [م: ٤٥٠، حم: ٤١٣٨]. في ((سنن أبي داود)) وغيره المذكور فيه الوضوء بالنَّبِيذ وحضور ابن مسعود معه وَّ ليلَةَ الجِنِّ؛ فإن هذا الحديثَ صحيحٌ، وحديث النبيذ ضعيفٌ باتفاق المحدّثين، ومداره علی زید مولی عمرو بن حُرَيْٹ، وهو مجهول. انتهى. (افتقدناه) فقده يفقده من باب ضَرَبَ، أي: عدمه، وافتقده مثلهُ، (وهو بمكة) جملة حالية، (اغتيل) بصيغة المجهول، أي: قتل: سرًّا من الاغتيال، وهو: القتل في خفية، (استطير) بصيغة المجهول - أيضًا - من الاستطارة، أي: طارت به الجن، (إذا نحن به) أي: برسول الله وَيرٍ، و((إذا)) للمفاجأة، (مِنْ قِبَل) بكسر القاف وفتح الموحدة، (حِرَاء) قال في ((القاموس)) ((حِرَاءٌ)) كـ ((كتاب)) وكـ ((عَلَى)) عن عياض، ويؤنث، ويمنعُ(١): جبل بمكة، فيه غار، تحنَّث فيه النبي ◌ِّر، (قال الشعبي: وسألوه الزاد ... إلخ)، قال الدارقطني: انتهى حديثُ ابن مسعود، عند قوله: ((فَأَرَانًا آثارَهُمْ وآثَارَ نِيرَانِهِمْ))، وما بعده: من قول الشعبي؛ كذا رواه أصحاب داود الراوي(٢) عن الشعبيّ وابن علية وابن زُرَيْع وابن أبي زائدة وابن إدريس وغيرهم، هكذا قاله الدارقطني وغيره. ومعنى قوله: إنه من كلام الشعبي، أنه ليس مرويًا عن ابن مسعود بهذا الحديث، وإلا - فالشعبي لا يقول هذا الكلام إلا بتوقيفٍ عن النبي ◌ِّرٍ؛ قاله النووي. (كل عظم لم يذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحمًا) وفي رواية مسلم: (لَكُمْ كُلُّ عَظْمِ ذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُم أوفر ما كان لَحْمًا)) وفي هاتين الروايتين (١) ويمنع: أي من الصرف، إذ أنّث، كما ذكر الرازي في مختار الصحاح (مر). (٢) كذا في المطبوع، وإذا كانت نعتًا لأصحاب، فينبغي أن تكون بالجمع (الراوون). ١٤٠ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّهِ / باب ((وَمِنْ سُورَةٍ ﴿مُحَمَّدٍ﴾)) قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. ٤٧- باب ((وَمِنْ سُورَةٍ ﴿مُحَمَّدٍ﴾(ِ﴾)) [ت ٤٧، ١٢] بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ [٣٢٥٩] (٣٢٥٩) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَن أبِي سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ رَّ ◌َبِهِ ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِّ﴾ [محمد: ١٩]؛ فَقَالَ النبيُّ نَّهِ: ((إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً)). تَخَالفٌ ظاهر، ويمكن أن يجمع بينهما بأن المراد بقوله: ((ذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ)) أي: عند الذبح، وبقوله: ((لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ)) يعني عند الأكل، وإلا فما في الصحيح هو أصحُ. قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد ومسلم. ٤٧ - باب وَمِنْ سُورةٍ مُحَمَّدٍ وَلِ﴾ وَتُسَمَّى سُورةَ القِتَالِ مَدَنِيَّةٌ وَهِيَ ثَمَانٍ أوْ تَسْعٌ وَثَلاثُونَ آيَةً. [٣٢٥٩] قوله: (﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْيِكَ﴾) أي: استغفر الله مما ربَّما يصدر منك من ترك الأولى، وقيل: لتَستَنَّ به أمته وليقتدوا به في ذلك، وقيل غير ذلك؛ كما ستقف، (﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِّ﴾) فيه: إكرام من الله عز وجلّ لهذه الأمة حيثُ أمر نبيه وَ ليَ أن يستغفر لذنوبهم، وهو الشفيع المجاب فيهم، (إني لأستغفر الله) وفي رواية البخاري: ((وَالله إنّي لَأَسْتَغْفرُ الله وَأَتُوبُ إِلَيْهِ». قال الحافظ: فيه القسم على الشيء تأكيدًا له، وإن لم يكن عند السامع فيه شك، وظاهره: أنه يطلب المغفرة ويعزم على التوبة، ويحتمل أن يكون المرادُ: يقول هذا اللفظ بعينه، ويرجِّح الثاني: ما أخرجه النسائي بسند جيد، من طريق مجاهد، عن ابن عمر: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َِّ يَقُولُ: ((أَسْتَغْفِرُ الله الَّذِي لَا إِلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومَ وَأَتُوْبُ إِلَيْهِ». في المجلس قبل أن يقوم مائةَ مَرَّةٍ، وله من رواية محمد بن سوقة، عن نافع، عن ابن عمر بلفظ: ((إِنَّا كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللهِوَِّ فِي المَجْلِسِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وتُبْ عَلَيَّ، إِنّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الغَفُورُ مائَةَ مَرَّةٍ»(١) (في اليوم سبعين مرة) وفي رواية البخاري: ((أكْثَرَ مِنْ سَبْعِيْنَ (١) النسائي في ((الكبرى)) حديث (١٠٢٩٢).