النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِ﴿ / بَاب ومِنْ سُورَةِ المُؤمِنونَ [ت ٢٤، م٣] [٣١٧٤] (٣١٧٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَن سَعيدٍ، عَن فَتَادَةَ، عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَبِهِ: أنَّ الرُّبَيّعَ بِنْتَ النَّضْرِ أَتَتِ النبيَّ وَّهِ وَكَانَ ابْنُهَا الحَارِثِ بْنُ سُرَاقَةً أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ - أصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِوَِّ فَقَالَت: أخْبِرْنِي عَن حَارِثَةَ، لَئِنْ كَانَ أصَابَ خَيْراً، احْتَسَبْتُ وَصَبَرْتُ، وَإِنْ لَمْ يُصِبِ الخَيْرَ، اجْتَهَدْتُ في الدُّعَاءِ، فَقَالَ النبيِ وَِّ: ((يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إنّها جنَّان في سنده؛ يونس بن سُلَيْم الصنعاني، قال في ((الميزان)) في ترجمته: حدّث عنه عبد الرزاق، وتكلَّم فيه، ولم يعتمد في الرواية ومشاه غيره، وقال العُقَيْلي: لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به. انتهى. وقال في ((تهذيب التهذيب)): قال النسائي: هذا حديث منكر لا نعلمُ أحدًا رواه غير يونس، ويونس لا نعرفه، وذكره ابن حِبَّان في ((الثقات)). [٣١٧٤] قوله: (عن سعيد) بن أبي عَرُوبة (أن الربيع بنت النضر) الأنصارية الخزرجية، عمَّة أنس بن مالك، صحابية (كان ابنها الحارث بن سراقة أصيب) أي: قتل؛ (أصابه سهم غرب) أي: لا يعرف راميه، أو لا يعرف مِنْ أين أتى، أو جاء عَلَى غير قصد من راميه؛ قاله الحافظ. وقال الطيبي: أي لا يعرف راميه، وهو بفتح الراء وسكونها، وبالإضافة والوصف، وقيل: بالسكون إذا أتاه من حيثُ لا يدري، وبالفتح إذا رماه، فأصاب غيره. انتهى. (لئن كان أصاب خيرًا احتسبت وصبرت)، وفي رواية البخاري: ((فَإِنْ كَانَ فِي الجَنَّةِ صَبَرْتُ))، (وإن لم يصب الخير اجتهدت في الدعاء)، وفي رواية البخاري: ((وإنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ اجتهدت عَلَيهِ فِي البُكاءِ»، قال الخطابي: أقرها النبيُّ ◌َ﴿ عَلَى هذا، أي: فيؤخذ منه الجواز، قال الحافظ: كان ذلك قبل تحريم النوح؛ فلا دلالة فيه؛ فإن تحريمه كان عقب غزوة أحد، وهذه القصة كانت عقب غزوة بدر، ووقع في رواية سعيد بن أبي عروبة: اجْتَهَدتُّ فِي الدُّعَاءِ))، بدل قوله: ((في البكاء))، وهو خطأ، ووقع ذلك في بعض النسخ دون بعض، ووقع في رواية حميد الآتية في صفة الجنة من الرِّقاق، وعند النسائي: ((فَإِنْ كَانَ فِي الجَنَّةِ لَمْ أَبْكِ عَلَيْهِ))(١) وهو دال على صحة الرواية بلفظ ((البكاء))، وقال في رواية حميد هذه: (وَإِلَّا فَسَتَرَى مَا أَصْنَعُ ... )) ونحوه في رواية حماد، عن ثابت، عند أحمد (إنَّهَا جِنَانٌ فِي (١) النسائي في ((الكبرى)) حديث (٨٢٣١). ٢٢ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / بَابَ ومِنْ سُورَةِ المُؤمِنونَ جَنَّةٍ، وإنَّ ابْنَكِ أصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى، والفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الجَنَّةِ، وَأَوْسَطُهَا، وَأَفْضَلُهَا)). [خ: ٢٨٠٩، حم: ١١٨٤٣]. قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَريبٌ. [ت ٢٤، م٤] [٣١٧٥] (٣١٧٥) حَدَّثَنَا ابنُ أبِي عُمَر، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَن عبدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَعِيدٍ بْنِ وَهْبِ الهَمِدَانِيٌّ، أنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النبيِّ ◌َِّ قَالَت: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِوَّةِ عَنِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَحِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قَالَت عَائِشَةُ: هُم الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ ويَسْرِقُونَ، قَالَ: ((لا، يا بنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلكِنّهُم: الَّذِينَ يَصُومُونَ، وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أن لا يُقْبِلَ مِنْهُم، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ في الخَيْراتِ)). [جه: ٤١٩٨]. جَنَّةٍ)، وفي رواية أبان عند أحمد: ((إِنَّها جِنَانٌ كَثِيرةٌ فِي جَنَّةٍ»، وفي رواية حميد: ((إِنّها جِنَانٌ كَثِيرةٌ))، والضمير في قوله: ((إِنّها جِنَانٌ)) يفسِّره ما بعده، وهو كقولهم: هي العربُ تَقُولُ مَا شَاءَتْ، والقصْدُ بذلك: التفخيم والتعظيم، وقال الطيبي: ويجوز أن يكون الضمير للشأن، و((جنان)) مبتدأ، والتنكير فيه للتعظيم، والمراد بـ ((الجنان)): الدرجاتُ فيها؛ لما ورد: ((أنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنٍ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ، وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلاهَا)(١)، (والفردوس ربوة الجنة) أي: أرفعها، والربوة؛ بالضم والفتح: ما ارتفع من الأرض، (وأوسطها وأفضلها) المراد بـ((الأوسط)) - هنا - الأعدلُ والأفضلُ، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطًّا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فعطف الأفضل عليه للتأكيد. قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب)، وأخرجه البخاري والنسائي(٢) وابن خُزَيْمَة. [٣١٧٥] قوله: (عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب) هو: عبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني الخيراني، ثقة، من الرابعة، ولم يدرك عائشة. قوله: (﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]) أي يعطون (﴿مَآ ءَاتَواْ﴾) أي: ما أعطوا من الصدقة والأعمال الصالحة. (﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾) أي: خائفة ألا تقبل منهم، وبعده: ﴿أَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ (١) أحمد، حديث (٢٢١٨٧)، والترمذي، كتاب ((صفة الجنة))، حديث (٢٥٣٠). (٢) النسائي في ((الكبرى)) حديث (٨٢٣١). ٢٣ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَلِ / بَاب ومِنْ سُورَةِ المُؤمِنونَ قَالَ: وقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَن عَبْد الرَّحمنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَن أبِي حَازمٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَن النبيِّ وَّ نَحْوِ هَذَا. [ت ٢٤، م٥] [٣١٧٦] (٣١٧٦) حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ، عَن سَعِيدٍ بْنِ يَزِيدَ أبِي شُجَاعةَ، عَن أبِي السَّمْحِ، عَن أبِي الهَيثَم، عَن أبي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ﴿ قَالَ: ﴿وَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] قَالَ: ((تَشْوِيهِ النَّارُ، فَتَقَلّصُ شَفَتُهُ العَالِية، حَتَّى تَبْلُغَ وَسَطَ رَأْسِهِ، وَتَسْتَرْخِيَ شَفَتُهُ السُّفْلَى، حَتَّى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ)). [ضعيف، أبو السمح في حديثه عن أبي الهيثم ضعف حم: ١١٤٢٦]. رَجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أي: لأنهم يوقنون أنهم إلى الله صائرون، ﴿أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيَّرَتِ﴾ [المؤمنون: ٦١]؛ كذا في هذه الرواية، وفي القرآن: ﴿أُوْلَتِكَ يُسَرِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] أي: يبادرون إلى الأعمال الصالحة، ﴿وَهُمْ لَا سَبِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] أي: في علم الله، وقيل: أي: لأجل الخيرات سابقون إلى الجنات، أو لأجلها سبقوا الناس، وقال ابن عباس: سبقَتْ لهم من الله السعادةٌ(١). وحديث عائشة هذا أخرجه أيضًا أحمد وابن أبي حاتم (٢). قوله: (وقد روي هذا الحديث، عن عبد الرحمن بن سعيد) هو: عبد الرحمن بن وهبٍ المذكورُ في الإسناد السابق، (عن أبي حازم) اسمه: سلمان الأشجعي. [٣١٧٦] قوله: (أخبرنا عبد الله) هو: ابن المبارك، (عن أبي السمح) اسمه: درَّاج بن سمعان السهمي، (عن أبي الهيثم) اسمه: سليمان بن عمرو العتواري. قوله: (﴿وَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]) أي: عابسون، وقد بدت أسنانهم وتقلَّصت شفاههم؛ كالرأس المشويِّ على النار، قال في ((القاموس)): كَلَحَ: كـ ((مَنَحَ)» کُلُوحًا وُلاحًا بضمهما: تَكَشَّرَ في عبوس، أوله، ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] أي: تحرقها، (تشويه) - بفتح أوله من باب ((رمى يرمي)) أي: تحرق الكافر، (فَتَقَلِّصُ) بحذف إحدى التائين، أي: تنقبض، (حتى تبلغ) أي: تصل شفته، (وتسترخي) أي: تسترسل (شفته السفلى) تأنيث الأسفل؛ كالعليا تأنيث الأعلى، (حتى تضرب سرته) أي: تقرب شفته سرته. (١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٣٤/١٨). (٢) ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير (٢٤٩/٣) - من حديث مالك بن مغول به. ٢٤ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / باب ((ومِن سُورَةِ النُّورِ)) قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غريبٌ. ٢٥ - باب ((ومِن سُورَةِ النُّورِ)) [ت ٢٥، ١٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ [٣١٧٧] (٣١٧٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَن عُبِيْدِ الله بْنِ الأَخْنَسِ أخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَن أبيهِ، عَن جَدِّهِ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: مَرْتَدُ بْنُ أبِي مَرْئَدٍ، وكَانَ رَجُلًا يَحْمِلُ الأَسْرَى مِن مَكَّةَ، حَتَّى يَأْتِي بِهِمُ المَدِينَةَ، قَالَ: وكَانَت امْرَأةٌ بَغِيٌّ بِمَكَّةَ، يُقَالُ لَهَا: عَنَاقُ، وكَانَتْ صَدِيقَةً لَهُ، وَإِنَّهُ كَانَ وَعَدَ رَجُلًا مِن أسَارَى مَكَّةَ يَحْمِلُهُ قَالَ: فَجِئْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إلى ظِلِّ حَائِطِ مِن حَوَائِطِ مَكَّةَ فيِ لَيْلَةٍ مُقْمِرةٍ، قَالَ: فَجَاءتْ عَنَاقُ، فَأَبْصَرَتْ سَوَادَ ظِلِّي بِجَنْبِ الحَائِطِ، فَلَمَّا انْتَهَتْ إليَّ عَرَفَت فَقَالَت: مَرْثَد؟ فَقُلْتُ: مَرْثَدٌ، فَقَالَت: مَرْحَباً وَأهْلًا، هَلُمَّ فَبِتْ عِنْدَنَا اللَّيْلَةَ، قال: قُلْتُ: يَا عَنَاقُ، قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد، والحاكم وصححه(١). ٢٥ - بَاب وَمِنْ سُورَة النُّورِ مَدَنِيَّةٌ وَهِيَ ثِنْتَانٍ أَوْ أَرْبَعٌ وسبعُونَ آيَةً [٣١٧٧] قوله: (عن عبيد الله بن الأخنس) النخعي، كنيته: أبو مالك الخَزَّاز، صدوق، قال ابن حبان: كان يخطئ، من السابعة. قوله: (كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد)، بفتح الميم وسكون الراء المهملة وفتح الثاء المثلثة وبعدها دال مهملة: الغنوي، بفتح الغين المعجمة وبعدها نون مفتوحة، صحابي بدري، استشهد في عهد النبي 18 سنة ثلاث أو أربع، (وكان) - أي: مرثد ـ (يحمل الأسرى) جمع الأسير، (بغي) أي: فاجرة، وجمعها: البغايا، (وكانت صديقة له) أي: حبيبة المرتدٍ، (يحمله) أي: أن يحمله، (في ليلة مقمرة) أي: مضيئة، (سواد ظلي) أي: شخصه، (فلما انتهت إليَّ) أي: بلغت إليَّ ـ (عرفت) أي: عرفتني، (فقالت: مرثد؟) أي: أنت مرثد؟، (فقلت: مرثد) أي: نعم، أنا مرثد، (هلم) أي: تعال، (فبت) أمر من: بَاتَ يَبِيتُ (١) أحمد، حديث (١١٤٢٦)، والحاكم، حديث (٢٩٧١) وصحَّحه. قلت: هو من رواية دراج عن أبي الهيثم. ٢٥ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ﴿ / باب ((ومِن سُورَةِ النُّورِ)) حَرَّمَ اللهُ الزِّنَا، قَالَت: يَا أَهْلَ الخِيَامِ، هَذَا الرَّجُلُ يَحْمِلُ أُسرَاءُكُمْ قَالَ: فَتَبِعَنِيَ ثمَانِيَةٌ، وسَلَكْتُ الخَنْدَمَةَ، فانتهَيْتُ إلى كَهفٍ، أو غَارٍ، فَدَخَلْتُ، فَجَاؤُوا حَتَّى قَامُوا عَلَى رَأْسِي، فَبَالُوا، فَظَلَّ بَوْلُهُمْ عَلَى رَأْسِي، وَأعماهُم الله عَنِّي، قَالَ: ثُمَّ رَجَعُوا، وَرَجَعْتُ إلى صَاحبي، فَحَمَلْتُهُ، وكَانَ رَجُلًا ثَقِيلًا، حَتَّى انْتَهِيْتُ إلى الإِذْخِرِ، فَفَكَكْتُ عَنْهُ أكبلَهُ، فَجَعَلْتُ أحْمِلُه، ويُعْيينِي، حَتَّى قَدِمتُ المَدِينَةَ، فَأَتَّيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أنْكِحُ عَنَاقاً مَرَّتَينٍ؟ فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللهِوَّهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئاً، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿الَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةُ وَالَِّيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((يَا مَرْثَدُ! ﴿الَِّ لَا يَنْكِحُ إِلَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةُ وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلََّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]. فَلا تَنْكِحْهَا [ن: ٣٢٢٨، د: ٢٠٥١]. بَيْتُوتَةً، (حرم الله الزنا) أي: فلا يجوز لي أن أبيتَ عندك؟ (يا أهل الخيام) بكسر الخاء المعجمة: جمع الخَيْمَة، (هذا الرجل يحمل أُسَرَاءَكُم) بضم الهمزة وفتح السين: جمع أسير، والمعنى: تنبهوا يا أهل الخيام، وخذوا هذا الرجل، الذي يذهب بأساراكم، (سلكت الخندمة) بفتح الخاء المعجمة وسكون النون: جبل معروف عند مكة، (إلى كهف أو غار) الكهف: كالبيت المنقور في الجبل، جمعه: كُهُوف، أو كالغار في الجبل، إلا أنه واسع، فإذا صُغِّرَ فَغَارٌ، (فظل بولهم على رأسي) أي: صار ووقع عليه، (وأعماهم الله) من التعمية، أي: صيرهم عميانًا، (إلى صاحبي) أي: الذي كنت وعدت أن أحمله، (حتى انتهيت إلى الإذخر) وفي رواية النسائي: ((فَلَمَّا انْتَهَيْتُ بِهِ إِلى الأَراكِ)»، والظاهر: أن المراد بـ ((الإذخر)) و((الأراك)) هنا مكان خارج مكة ينبت فيه الأراك والإذخر، ويحتمل أن يكون المراد بالإذخر: ((أذاخر بالفتح)) وهو: موضع قرب مكة؛ كما في ((القاموس))، (ففككت) أي: أطلقت (أَكبلهُ) جمع قلة للكَبْل، وهو: قيد ضخم، (ويعييني) من الإعياء، أي: يكلّني، (أنكح عَنَاقًا) بحذف همزة الاستفهام، (فأمسك رسول الله ﴿)، وفي رواية أبي داود: ((فَسَكَتَ عَنِّي))، (فلا تنكحها) فيه دليلٌ على أنه لا يحل للرجل أن يتزوج بالزواني، ويدلُّ على ذلك الآيةُ المذكورة في الحديث؛ لأن في آخرها: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] فإنه صريح في التحريم، قال ابن القيم: وأما نكاح الزانية - فقد صرح الله بتحريمه في ((سورة النور))، وأخبر أن مَنْ نكحها - فهو زان أو مشرك؛ فهو: إما أن يلتزم حكمه تعالى، ويعتقد وجوبَهُ عليه أو لا؟ فإن لم يعتقده ــ فهو مشرك، وإن التزمه واعتقد وجوبه وخالفه ـ فهو: زان، ثم صرَّح بتحريمه، فقال: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]، وأما جعل الإشارة في قوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ﴾ [النور: ٣] إلى ٢٦ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ / باب ((ومِن سُورَةِ النُّورِ)) الزنا فضعيف جدًّا؛ إذ يصير معنى الآية: الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركةٍ، والزانية لا يَزْنِي بها إلا زانٍ أو مشرٌ، وهذا مما ينبغي أن يصان عنه القرآنُ، ولا يعارض ذلك حديث ابن عباس قال: ((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسولِ الله ◌َّهِ فَقَالَ: إِنَّ امْرأَتي لا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ، قالَ: غَرِّبْها، قال: أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسِي، قالَ: فَاسْتَمْتِعْ بِهَا))(١)؛ فإنه في الاستمرار على نكاح الزوجة الزانية، والآية في ابتداء النكاح، فيجوزُ للرجل أن يستمرَّ على نكاح مَن زَنَتْ، وهي تحته، ويحرم عليه أن يتزوّج بالزانية. انتهى. وقال المنذري: وللعلماء في الآية خمسة أقوال: أحدها - أنها منسوخة؛ قاله سعيد بن المسيِّب؛ قال الشافعي في الآية: القولُ فيها كما قال سعيد بن المسيِّب - إن شاء الله - أنها منسوخة، وقال غيره: الناسخ لها ﴿ وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَ مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فدخلت الزانية في أيامى المسلمين؛ وعلى هذا: أكثر العلماء يقولون من زنَى بامرأة فله أن يتزوجها، ولغيره أن يتزوجها . والثاني: أن النكاح - هاهنا - الوطء، والمراد: أن الزاني لا يطاوعه على فعله، ويشاركه في مراده - إلا زانية أو مشركة. والثالث: أن الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودةً أو مشركةً؛ وكذا الزانية. والرابع: أن هذا كان في نسوة كان الرجلُ يتزوّجُ إحداهن على أن تنفق عليه مما كسبته من الزنا؛ واحتج بأن الآية نزلتْ في ذلك. والخامس: أنه عام في تحريم نكاح الزانية على العفيف، والعفيف على الزانية. انتهى. قلت: هذا القول الخامسُ - هو الظاهر الراجح؛ وبه قال الإمام أحمد وغيره؛ قال الحافظ ابن كثير: قال الإمام أحمد - رحمه الله - لا يصحُّ العقد من الرجل العفيفِ على المرأة البغيّ، ما دامت كذلك؛ حتى تستتاب، فإن تابت ۔ صح العقد علیھا ؛ وإلا - فلا، وكذلك لا يصحُّ تزويجُ المرأة الحرة العفيفة بالرَّجُلِ الفاجرِ المُسافِحِ، حتى يتوب توبة صحيحة؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]. انتهى. وقد بسط صاحب ((فتح البيان)) في هذه المسألة، وقال في آخر البحث: وقد اختلف في جواز تزوُّج الرجل بامرأة قد زَنَی هو بها، فقال الشافعي وأبو حنيفة، بجواز ذلك، وروى عن ابن عباس وعمر وابن (١) النسائي، كتاب الطلاق، حديث (٣٤٦٤)، وأبو داود، كتاب النكاح، حديث (٢٠٤٩). ٢٧ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ََّ / باب ((ومِن سُورَةِ النُّورِ)) قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُه إلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ. [ت ٢٥، م٢] [٣١٧٨] (٣١٧٨) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَن عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبي سُلَيْمَانَ، عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سُئِلْتُ عَن المُتَلَاعِنَيْنِ فِي إِمَارَةِ مُصْعَبٍ بْنِ الزُّبَيْرِ، أيفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ فَمَا دَرَيْتُ مَا أقُولُ، فَقُمْتُ مِن مَكاني إلى مَنْزِلِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيهِ، فَقيلَ لِي: إِنَّهُ قَائِلٌ، فَسَمِعَ كَلَامِيَ، فَقَالَ لِي ابن جُبَيْرٍ: ادْخُلْ، مَا جَاءَ بِكَ إلَّا حَاجَةٌ؟ قَالَ: فَدَخَلْتُ، فَإِذَا هُوَ مُفْترِشٌ بَرْدَعَةَ رَحْلٍ لَّهُ، فَقُلْتُ: يَا أبا عَبْدِ الرَّحْمنِ، المُتَلاعِنَانِ، أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُما؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ الله، نَعَم، إنَّ أوَّلَ مَن سَأَلَ عَن ذَلِكَ، فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، أَتَى النبيَّ وََّفَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أرأيْتَ لَوْ أنَّ أحَدَنَا رأى امْرأْتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إنْ تَكلَّمَ، تكلّمَ بأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ، سَكَتَ عَلَى أمْرٍ عَظِيمٍ، قَالَ: فَسَكِتَ النبيُّ وَّهِ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أتى النبيَّ ◌ََّ فَقَالَ: إنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ، قَد ابْتُلِيتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ الله، هذهِ الآيَاتِ في سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] حَتَّى خَتَمَ الآيَاتِ، قَالَ: فَدَعَا الرَّجُلَ فَتَلَاهُنَّ عَليهِ، وَوَعَظَهُ، وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ أنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا، أهْوَنُ مِن عَذَابِ الآخِرَةِ، فَقَالَ: لا، والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ، مَا كَذَبْتُ مسعود وجابر: أنه لا يجوز؛ قال ابن مسعود: إذا زنى الرجلُ بالمرأة، ثم نكحها بعد ذلك - فهما زانیان أبدًا(١)؛ وبه قال مالك. انتهى. قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه أبو داود، والنسائي، والحاكم وصحَّحه، والبيهقي(٢)، وغيرهم. [٣١٧٨] قوله: (سئلت عن المتلاعنين في إمارة مصعب بن الزبير؛ أيفرق بينهما .... إلخ)؛ تقدم هذا الحديث بإسناده ومتنه في (باب اللِّعان))، وتقدَّم هناك شرحه. (١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٢٥/١) (٨٩٦). (٢) الحاكم، حديث (٢٧٠١) وصححه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٣٦٣٩). ٢٨ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهَ / باب ((ومِن سُورَةِ النُّورِ)) عَلَيْهَا، ثُمَّ ثَنَّى بالمَرْأةِ، وَوَعَظْهَا، وَذَكّرَهَا، وأخْبَرَها أنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا، أهْوَنُ مِن عَذَابِ الآخِرَةِ، فَقَالَت: لا، والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ مَا صَدَقَ، فَبَدأَ بالرَّجُلِ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بالله إنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، والخَامِسَةُ: أنَّ لَعْنَةَ الله عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ، ثُمَّ ثَنَّى بالمرأةِ، فَشَهِدَتْ أرْبَعِ شَهَادَاتٍ بالله إنّهُ لَمِنَ الكَاذِبِينَ، والخَامِسَةُ: أنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. [خ: ٤٧٤٧، م: ١٤٩٣، ن: ٣٤٧٣، د: ٢٢٥٦، جه: ٢٠٦٧، حم: ٤٤٦٣، طا: ١٢٠٢، مي: ٢٢٣١]. وفي البابِ عَنْ سُهَيلِ بْنِ سَعِيدٍ. قَالَ: وهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. [ت ٢٥، م٣] [٣١٧٩] (٣١٧٩) حَدَّثَنَا بِنْدَارٌ، حَدَّثَنَا مُحمَّد بنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ، قَذَفَ امْرَأتَهُ عِنْدَ النبيِّ وَّـ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءٍ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((البَيِّنَةَ، وَإِلَّ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ))، قَالَ: فَقَالَ هِلَالٌ: يَا رَسُولَ الله، إذَا رأى أحَدُنَا رَجُلًا عَلَى امْرَأْتِهِ، أيَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((البَيِّنَةَ وَإِلَّ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ))، قَالَ: فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعثَكَ بالحَقِّ، إنِّي لَصَادِقٌ، وَلْيُنْزِلَنَّ فِي أمْرِي مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ؛ فَنَزَلَ: ﴿وَلَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآُ إِلَّ أَنفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] فَقَرأْ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [النور: ٩] قَالَ: فَانْصَرَفَ النبيُّ الَّله [٣١٧٩] قوله: (حدثنا محمد بن أبي عدي) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عدي. قوله: (أن هلال بن أمية) بضم الهمزة وفتح الميم وشدة الياء. (قذف امرأته) أي: نسبها إلى الزنا، (البينة) بالنصب، أي: أقِم البينة، (وإلا) أي: وإن لم تقم البينةَ - (حد في ظهرك) أي: يثبت حَدٌّ في ظهرك، (أيلتمسَ البينة؟) الهمزة: للاستبعاد، (إني) أي: هلال، وفي بعض النسخ: إنه، وهو الظاهر، وكذلك في رواية البخاري (لصادق) أي: في القذف، (ولينزِلَنَّ) بسكون اللام وضم التحتية وكسر الزاي المخففة وفي آخره نون مشددة للتأكيد: من الإنزال، وهو: أمرٌ بمعنى الدعاء، والضمير يرجع إلى قوله: ((الذي)) ويحتمل أن يكون بفتح التحتية من ((النُّزُول))، وفاعله: ((ما يبرئ))، وفي رواية البخاري: ((فَلْيُنْزِلَنَّ الله)) (ما يبرِّئ) ٢٩ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَاجِ / باب ((ومِن سُورَةِ النُّورِ)) فَأَرْسَلَ إليْهِمَا، فَجَاءا، فَقَامَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، فَشَهِدَ، والنبيُّ نَلِهِ يَقُولُ: ((إنَّ الله يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟)) ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَت عِنْدَ الخَامِسَةِ: ﴿أَنَّ غَضَبَ اَللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصََّدِقِينَ﴾ [النور: ٩] قَالُوا لَهَا: إنّهَا مُوجِبَةٌ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَسَتْ حَتَى ظَنَّنَا أنْ سَتَرْجِعِ فَقَالَت: لا أفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ اليَوْمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((أَبْصِرُوهَا، فإنْ جَاءتْ بِهِ أكْحَلَ العَيْنَينِ، سَابِغَ الأَلْيَيْنِ، خَّدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، بتشديد الراء المكسورة: من التبرئة، أي: ما يدفع ويمنع، (فأرسل) أي: النبي ◌َّ (إليهما) أي: إلى هلال بن أمية وزوجته، (فشهد) أي: لاعَنَ والنبيُّ وَّهِ يقول: ((إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَن أحدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ)) ظاهره، أن ذلك كان قبل صدور اللعان بينهما، (فشهدت) أي: لاعنت، (﴿أَنَّ غَضَبَ اَللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [النور: ٩]) جعل الغضب في جانبها؛ لأن النساء يستعملن اللعان كثيرًا كما ورد به الحديثُ، فربما يجترئْنَ على الإقدام؛ لكثرة جري اللعن على ألسنتهن، وسقوط وقوعه عن قلوبهن؛ فذكر الغضب في جانبهن؛ ليكون رادعًا لهن، (إنها) أي: الخامسة (موجبة) أي: للعذاب الأليم، إن كانت كاذبة، (فَتَلَكَّأت) بتشديد الكاف، أي: توقفت؛ يقال: تلكّأ في الأمر، إذا تبطأ عنه، وتوقف فيه، (ونكست) أي: خفضت رأسها، وطأطأت إلى الأرض، وفي رواية البخاري: ((نَكَصَتْ)) بالصاد المهملة، أي: رجعت وتأخرت، والمعنى: أنها سكتت بعد الكلمة الرابعة (أن) مخففة من الثقيلة، أي: أنها (سترجع) أي: عن مقالها في تكذيب الزوج ودعوى البراءة عَمَّا رمَاها به، (سائر اليوم) أي: في جميع الأيام وأبد الدهر، أو فيما بقي من الأيام بالإعراض عن اللعان والرجوع إلى تصديق الزوج، وأريد بـ ((اليوم)). الجنسُ؛ ولذلك أجراه مجرى العامٌّ، والسائرُ كما يطلق للباقي - يطلق للجميع، ((أَبْصِرُوهَا)) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وكسر المهملة: من الإبصار، أي: انظروا وتأمَّلوا فيما تأتي به من ولدها، (به) أي: بالولد، (أكحل العينين) أي: الذي يعلو جفونَ عينيه سوادٌ مثلُ الكحل من غير اكتحال، و(سَابغ الأليتين) تثنية ((الألية)) بفتح الهمزة وسكون اللام، وهي: العجيزة أو ما ركب العجز من شَحْمٍ أو لحم، أي: تامهما وعظيمهما (١) من سبوغ النعمة والثوب، (خدلَّج الساقين) بمعجمة ومهملة ولام مشددة (١) في المطبوع (وعظيمها) والسياق يقتضي التثنية. ٣٠ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َّهَ / باب ((ومِن سُورَةِ النُّورِ)» وَالَ: «لَوْلا مَا مَضَى مِن فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ السَّحْمَاءِ))، فَجَاءتْ بِه كَذَلِكَ، فَقَالَ النبيُّ كِتابِ الله عَزَّ وَجَلَّ، لَكَانَ لَنَا وَلَهَا شَأْنٌ)). [خ: ٤٧٤٧، جه: ٢٠٦٧]. مفتوحات وبالجيم، أي: عظيمهما (١)، (فهو) أي: الولد، (فجاءت به كذلك)؛ قال الطيبي - رحمه الله - في إتيان الولد على الوصف الذي ذكره - صلوات الله عليه - هنا، وفي قصة عويمر بأحد الوصفين المذكورَيْن، مع جواز أن يكون على خلاف ذلك -: معجزةٌ وإخبار بالغيب، و(لولا ما مضى من كتاب الله) مِن بيانٍ لـ ((مَا»، أي: لولا ما سبق من حكمه بدرْءِ الحد عن المرأة بلعانها - (لكان لنا ولها شأن) أي: في إقامة الحد عليها إذ المعنى: لولا أن الْقرآن حكم بعدم الحَدِّ على المتلاعنين وعدم التعزير - لفعلت بها ما يكون عبرةً للناظرين وتذكرةً للسامعين . تنبيه: اعلم: أن حديث ابن عباس هذا يدلُّ على أن آية اللعان نزلت في قصة (٢) هلال بن أمية، وحديث سهل بن سعد الذي أشار إليه الترمذي - يدلُّ على أنها نزلت في قصة عويمر العجلاني، ولفظه: فَجَاءَ عُويْمِر، فَقَال: يَا رسولَ الله، رَجُلٌ وَجَدَ مَعَ امرأتهِ رَجُلًا أَيَفْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ رسولُ اللهِ وََّ: ((قَدْ أَنْزَلَ الله فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ))(٣) فأمرهما رسول الله مرثية بالملاعنة، قال الحافظ: قد اختلف الأئمة في هذا الموضع؛ فمنهم: مَنْ رجَّح أنها نزلت في شأن عويمر، ومنهم: من رجح أنها نزلت في شأن هلال، ومنهم: من جمع بينهما بأن أوّل مَنْ وقع له ذلك هلالٌ، وصادف مجيء عويمر - أيضًا - فنزلت في شأنهما معًا في وقت واحد، وقد جنح النووي إلى هذا، وسبقه الخطيب، فقال: لعلهما اتفق كونهما جاء في وقْتٍ واحدٍ، ولا مانع أن تتعدّد (٤) القصص، ويتّحد النزول، ويحتمل أن النزول سبق بسببٍ هلالٍ، فلما جاء عويمر ولم يكن عَلِمَ بما وقع لهلال - أعلمه النبي ◌َّ بالحكم؛ ولهذا قال في قصة هلال: ((فنزلَ جِبْريلُ))، وفي قصة عويمر: ((قَدْ أَنْزَلَ الله فِيْكَ))، فيؤوَّل قوله: ((قَدْ أَنْزَلَ الله فيكَ)) أي: وفيمن كان مثلك؛ وبهذا أجاب ابن الصَّبَّاغ في ((الشامل)) وجنح القرطبي إلى تجويز نزول الآية مرَّتين، قال: وهذه الاحتمالات - وإن بعدت - أولى من تغليط الرواة الحفاظ. انتهى كلام الحافظ ملخصًا . (١) كذا الحال هنا كسابقتها . (٢) في نسخة مطبوعة (في صلاة). (٣) البخاري، كتاب تفسير القرآن، حديث (٤٧٤٥)، ومسلم، كتاب اللعان، حديث (١٤٩٢). (٤) في نسخة مطبوعة (تتعدّى). ٣١ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِ / باب ((ومِن سُورَةِ النُّورِ)) قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌّ: غَرِيبٌ مِن هذَا الوَجِهِ، مِنْ حَديثِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانِ، وهَكَذَا رَوَى عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، هَذَا الحَدِيثَ، عَن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن النبيِّ نَّهِ وَرَوَاهُ أيُّوبُ، عَن عِكْرِمَةَ، مرسَلًا، ولَمْ يَذْكُرْ فِهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. [ت ٢٥، م٤] [٣١٨٠] (٣١٨٠) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَان، حَدَّثَنَا أبُو أُسَامَة، عَنِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أُخْبَرني أبِيٍ، عَن عَائِشَةَ، قَالَت: لمّا ذُكِرَ مِن شَأْنِي الَّذِي ذُكِرَ، وَمَا عَلَّمْتُ بِهِ، قَامَ رَسُولُ اللهِوَّةِ فِيَّ خَطِيباً، فَتَشَهَّدَ، فَحَمِدَ الله، وأثْنَى عَلَيهِ بِما هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((أمّا بَعْدُ: أشِيروا عَلَيَّ في أَنَاسِ أَبَنُوا أهْلي، والله! مَا عَلمْتُ عَلَى أهْلي مِن سُوءٍ قَظٌ، وَأَبَنُوا بِمَنْ، والله مَا عَلِمْتُ عَلَيهِ مِن سُوءٍ قَظُ، وَلا دَخَلَ بَيْتِي قَظُ، إلَّا وَأْنَا حَاضِرٌ، ولا غِبْتُ فِي سَفر إلَّا غَابَ مَعي))، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَبِهِ فَقَالَ: اثْذَنْ لِي يَا رَسُولَ الله! وَّلـ قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه البخاري، وأبو داود، وابن ماجه (١)، (وهكذا رَوَى عباد بن منصور هذا الحديث ... إلخ)، أخرجه أحمد وأبو داود(٢). [٣١٨٠] قوله: (لما ذكر) بصيغة المجهول، (من شأني) بيان مقدم لقوله (الذي ذكر)، وهو نائب الفاعل، (وما علمت به) ((ما)) نافية، والواو للحال، (فِيَّ) بتشديد الياء، أي: في شأني، (أشيروا علي) من الإشارة، (أَبنوا أهلي) من باب نَصَرَ وضَرَبَ؛ من الأبَن بفتحتين، وهو: التهمة، أي: اتهموا أهلي، وروا بالقبيح، (وأبنوا بمن؟ والله، ما علمت عليه من سوء قط) هو: صفوان بن المعّل السلمي، (فقام سعد بن معاذ، فقال: ائذن لي يا رسول الله) استشكل ذكر سعد بن معاذ هنا - بأن حديث الإفك - كان سنة ست في ((غزوة المُرَيْسِيع: وسعد مات من الرمية التي رميها بالخندق سنة أربع، وأجيب بأنه اختلف في المريسيع ففي (١) البخاري، كتاب تفسير القرآن، حديث (٤٧٤٧)، وأبو داود، كتاب الطلاق، حديث (٢٢٥٤)، وابن ماجه، كتاب الطلاق، حديث (٢٠٦٧). (٢) أحمد، حديث (٢١٣٢)، وأبو داود، كتاب الطلاق، حديث (٢٢٥٦). قلت: أما حديث سهل بن سعد الذي أشار إليه الترمذي، فأخرجه البخاري، كتاب الطلاق، حديث (٥٢٥٩)، ومسلم، كتاب اللعان، حدیث (١٤٩٢). ٣٢ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّهِ / باب ((ومِن سُورَةِ النُّورِ)) أنْ نضرِبَ أعْنَاقَهُمْ، وقَامَ رَجُلٌ مِن بَنِي الخَزرَجِ، وكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ مِن رَهْطِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقَالَ: كَذَبْتَ، أمَا وَالله أنْ لوْ كَانُوا مِنَ الأَوْسِ، مَا أحبَبْتَ أنْ تُضْرَبَ أعْنَاقُهُمْ، حَتَّى كَادَ أنْ يَكُونَ بَيْنَ الأَوْسِ والخَزرَجِ شَرٍّ في المَسْجِدِ، ومَا عَلِمْتُ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ ذَلِكَ اليَوْمِ، خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي، وَمَعِي أُمُّ مِسْطَحِ فَعَثَرَتْ، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَّهَا: أيْ أُمِّ تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟! فَسَكَتَتْ، ثُمَّ عَثَرَتِ الثَّانِيَةَ، فَقَالَت: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: أيْ أمِّ تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟ فَسكَتَتْ، ثُمَّ عَثَرَت الثَّالِثَةَ، فَقَالَت: تَعِسَ مِسْطَحٌ فَانْتَهَرْتُهَا، فَقُلْتُ لَهَا : ((البخاري)) عن موسى بن عقبة: أنها سنة أربع، وكذلك الخندق، وقد جزم ابن إسحاق بأن المُرَيْسِيعَ كانت في شعبان والخندق في شوال، وإن كانتا في سنة، فلا يمتنع أن يشهدها ابن معاذ، لكن الصحيح في النقل عن موسى بن عقبة: أن المريسيع سنة خمس، فالذي في البخاري حملوه على أنه سبق قلم، والراجح ـ أيضًا - أن الخندق أيضًا سنة خمس فيصحُ الجواب، (أن نضرب أعناقهم)، وفي رواية ((البخاري)) من طريق الزهري: ((إنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْتِ عُنُقَهُ، وإِنْ كَانَ مِنْ إخوَانِنَا مِنَ الْخزْرِج أمرتنا ففعلنا أمرَك)»، قال الحافظ في شرح الجملة الأولى: إنما قال ذلك سعد، لأنه كان سيد الأوس، فجزم بأن حكمه فيهم نافذ، (وقام رجل من بني الخزرج)، وفي رواية البخاري: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبادةَ، وهو سيِّدُ الخَزْرَجِ، (وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل) اسم أُمِّ حسان: الفُرَيْعَةُ بنت خالد بن خُنَيْس، وكانت بنت عم سَعْد بن عبادة من فخذه، (أما) بالتخفيف: للتنبيه، (أن لو كانوا) كلمة ((أنْ)) زائدة، (حتى كاد أن يكون بين الأوس، والخزرج شَرٌّ في المسجد)، وفي رواية البخاري: فَتَشَاورَ الْحَيَّانِ: الأَوْسُ وَالخَزْرِجُ، حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَرَسولُ اللهِ وَله قَائِمٌ عَلَى المنبرِ (وما علمت به) أي: بما جرى في المسجد، (ومعي أم مسطح) بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء وبعدها حاء مهملات، واسمها: سَلمى، وهي بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف، واسم أبي رهم: أُنَيْسٌ، (فعثرت) بالفاء والعين والراء المفتوحات؛ من العثرة، وهي: الزلة، يقال: عَثَرَ في ثوبه يَعْتُرُ بالضم عِثَارًا بالكسر، وفي رواية البخاري: فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحِ فِي مِرْطِهَا (تعس مسطح) بفتح المثناة وكسر العين المهملة وبفتحها - أيضًا - بعدها سين مهملة، أي: كُبَّ لوجهه، أو هلك، أو لزمه الشرُّ، أو بَعُدَ؛ ٣٣ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ / باب ((ومِن سُورَةِ النُّورِ)) أيْ أمِّ تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟ فَقَالَت: والله مَا أسُبُّهُ إلَّا فِيكِ، فَقُلْتُ: فِي أَيّ شَأْنٍ؟ قَالَت: فَبَقَرتْ إِلَيَّ الحَدِيثَ، وقُلْتُ: وقَدْ كَانَ هَذَا؟ قَالَت: نَعَم، والله، لقَدْ رَجعْتُ إلى بَيْتِي، وَكَأَنَّ الَّذِي خَرَجْتُ لَهُ لَمْ أخرُجْ، لا أجِدُ مِنهُ قَليلًا وَلا كَثِيراً، وَوُعِكْتُ، فَقُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ وَّهَ: أُرسِلْني إلى بَيْتِ أبِي، فَأَرْسَلَ مَعِي الغُلَامَ، فَدَخَلْت الدَّارَ، فَوَجَدْتُ أُمَّ رُومَانَ فِي السُّفْلَى، وَأَبُو بَكْرٍ فَوْقَ البَيْتِ يَقْرَأُ، فَقَالَتْ أُمِّي: مَا جَاءَ بِكِ يَا بُنَّةُ؟ قَالَت: فَأَخْبَرْتُها، وَذَكَرْتُ لَهَا الحَدِيثَ، فَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مَا بَلَغَ مِنّي، قَالَت: يَا بُنَّةَ، خَفِّفِي عَلَيْكِ الشَّأنَ، فَإِنَّهُ والله لَقَلَّمَا كَانَت امْرأةٌ حَسْنَاءُ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إلَّا حَسَدْنَهَا، وقِيلَ فِيهَا، فَإِذَا هِيَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مَا بَلَغَ مِنِّي، قَالَت: قُلْتُ: وقَدْ عَلِمَ بِهِ أَبِي؟ قَالَت: نَعَم، قُلْتُ: وَرَسُولُ اللهِ وََّ؟ قَالَت: نَعَم، واسْتَعْبَرْتُ وَبَكَيْتُ، فَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتي، وَهُو فَوْقَ البَيْتِ يَقْرَأُ، فَنَزَلَ، فَقَالَ أقول (أي أم تسبين ابنك) بحذف همزة الاستفهام، وفي رواية البخاري: ((أَتَسُبِّين رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا)) (فقالت: والله ما أسبه إلا فيك) أي: إلا لأجلك، (فقالت) أي: أم مسطح، (فبقرت) بفتح الموحدة والقاف والراء، أي: فتحَتْ وكشفت، وفي رواية البخاري: ((أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قالَ؟ قُلْتُ: وَمَا قَالَ؟ قَالَتْ: كَذَا وَكَذَا، فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ))، (قلت: وقد كا، هذا؟) بحذف همزة الاستفهام، و((كان)) تامة؛ (كأن الذي خرجت له لم أخرج) أي: كأن الحاجة التي خرجْتُ لها لم أخرج لها، (لا أجد منه قليلًا ولا كثيرًا) علّة لما قبلها؛ قال العيني: معناه أني دُهشْتُ بحيث ما عَرِفتُ لأي أمر خرجْتُ من البيت، (وَوُعِكْتُ) بصيغة المجهول من ((الوَعْكِ)) أي: صرت محمومةً، (فقلت لرسول الله ﴿) أي: لما دخل عليَّ، (فأرسل معي الغلام)، قال الحافظ: لم أقف على اسم هذا الغلام، (فوجدت أم روہ ان) تعني: أمها، قال الكرماني: واسمها زينب، (في السُّفْلى) من البيت، وهو بكسر السين ويضمها، (فإذا هو) أي: الحديث - (لم يبلغ منها ما بلغ مني) أي: لم يؤثر فيها مثل ما أثَّرَ فِيَّ، (خَفِّفي عليك الشأن)، وفي رواية البخاري: هَوِّنِي عَلَيْكِ، وفي رواية له ((خَفِّضي)) بالضاد المعجمة، (لها ضرائر) جمع ضَرَّة، وقيل للزوجات: ((ضرائر)) لأن كل واحدة يحصل لها الضَّرَرُ من الأخرى بالْغَيْرة، (وقيل فيها) أي: ما يشينها، (فإذا هي) أي: أم رومان - (لم يبلغ منها) أي: لم يؤثر الحديث فيها (ما بلغ مني) أي: مثل ما أثر فيَّ، (واستعبرت) أي: ٣٤ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ﴿ / باب ((ومِن سُورَةِ النُّورِ)) الأُمّي: مَا شَأْنُهَا؟ وَقَالَت: بَلَغَهَا الَّذِي ذُكِرَ مِن شَأْنِهَا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ يَا بُنَّهُ إلَّا رَجَعْتِ إلى بَيْتِكِ فَرَجَعْتُ، وَلَقَدْ جَاءَ رَسُولُ اللهِوَلِ بَيْتِي، فَسَأَلَ عَنِّي خَادِمَتِي، فَقَالَت: لا وَالله، مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْباً، إلَّا أنَّها كَانَت تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ، فَتَأْكلَ خَمِيرَتَهَا أَوْ عَجِينَتَهَا، وانْتَهَرَهَا بعضُ أصحابِهِ، فَقَالَ: أَصْدِقِي رَسُولَ اللهِوَّهِ حَتَّى أسقَطُوا لَهَا بِهِ، فَقَالَت: سُبْحَانَ الله! والله مَا عَلِمْتُ جرى دمعي، قال في ((القاموس)): الْعَبْرَة: الدمعة، واستعبر: جَرَتْ عبرتُهُ وَحَزِنَ (الذي ذُكِرَ) بالبناء للمفعول، (أقسمت عليك يا بنية إلا رجعت إلى بيتك) هذا مِثْلُ قولهم: نَشَدْتكَ بِاللهِ إلّا فعَلْتَ أي: ما أطلب منك إلا رجوعك إلى بيت رسول الله ع ◌َ ليه، (وسأل عني خادمتي) المراد بها بَرِيرَةُ، وفي رواية البخاري: فَدَعَا رَسول الله ◌َّهِ بَرِيرَةَ فَقَالَ: ((أيْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شيءٍ يُرِيبُكِ؟)) قال القَسْطَلانِي: واستشكل - هنا - قوله ((بَرِيْرَة)) بأن قصة الإفك قبل شراء بَرِيْرَةَ وعتقها؛ لأنه كان بعد فتح مكة، وهو قبله؛ لأن ((حديث الإفك)) كان في سنة ست أو أربع، وعتق بريرة كان بعد فتح مكة في السنة التاسعة أو العاشرة، وأجاب الشيخ تقي الدين السبكيُّ بأجوبة؛ أحسنها: احتمال أنها كانت تخدم عائشة قبل شرائها، وهذا أولى من دعوى الإدراج وتغليظ الحفاظ. انتهى كلامه مختصرًا. (إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرتها أو عجينتها) شك من الراوي، وفي رواية البخاري: إنْ رَأَيْت عَلَيْها أَمْرًا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينٍ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ))، وفي رواية مقسم عند أبي عوانة والطبراني: ((مَا رَأَيْتُ مُذْ كُنْتُ عِنْدَهَا إلَّا أَنِّي عَجَنْتُ عَجِينًا لِي، فَقُلْتُ: احْفَظِي هَذِهِ الْعَجِينَةَ حَتَّى أَقْتَبِسُ نارًا لأخْبِزَهَا، فَفَعَلَتْ؛ فَجَاءَتِ الشَّاةُ فَأَكَلَتْهَا))، (وانتهرها بعض أصحابه) أي: زجرها، وفي رواية أبي أويس عند أبي عوانة والطبراني(١): أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ لِعَلِيٍّ: ((شأُنُكَ بِالْجَارِيَةِ»، فسألها عليٍّ، وَتَوعدها، فلم تخبرهُ إلا بخَيْرٍ، ثم ضربها، وسألها فقال: والله، مَا عَلِمْتُ عَلَى عَائِشَةَ سُوءًا، (حتّى أسقطوا لها به) أي: سَبُّوها، وقالوا لها من سقط الكلام، وهو: رديئه بسبب حديث الإفك؛ كذا في ((النهاية)). (فقالت) أي: الخادمة (سبحان الله) قالتها استعظامًا أو تعجبًا، (والله! ما علمت (١) الطبراني في ((الكبير)) (١١١/٢٣) (١٥١) مطولًا. قال الهيثمي (٢٣٢/٩): رجاله رجال الصحيح، إلا أن بعض هذا يخالف ما في الصحيح. ٣٥ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَّهِ / باب ((ومِن سُورَةِ النُّورِ)) عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِيْرِ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ، فَبَلَغَ الأَمرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ الله! والله مَا كَشَفتُ كَنَفَ أُنْثَى قَظُ، قَالَت عَائِشَةُ: فَقُتِلَ شَهِيداً في سَبِيلِ الله، قَالَت: وأصْبَحَ أبَوَايَ عِنْدِي، فَلَمْ يَزَالا عِنْدِي حَتَّى دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَقَدْ صَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ، وقَدِ اكتَنَفني أبَوَايَ عَن يَمينِي، وَعن شِمالِي، فَتَشَهَّدَ النبيُّ بَّهِ فِحَمِدَ اللهِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أهْلُه، ثُمَّ قَالَ: ((أمَّا بَعْدُ، يَا عَائِشَةُ، إِنْ كُنْتِ قَارِقْتٍ سُوءاً أو ظَلَمْتِ، فَتُوبِي إلى الله؛ فإنَّ الله يَقْبَلُ الثَّوْبَةَ عَن عبَادِهِ))، قَالَت: وَقَدْ جَاءتِ امْرأةٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَهِيَ جَالِسَةٌ بِالبَابِ، فَقُلْتُ: ألا تَسْتَحي مِن هَذِهِ المرأةِ أنْ تَذْكُرَ شَيْئاً، فَوَعَظَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَالتَفتُّ إلى أَبِي، فَقُلْتُ: أجِبْهُ، قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ؟ فَالْتَفَتُّ إلَى أُمِّي، فَقُلْتُ: أجيبيهِ، قَالَت: أقُولُ مَاذَا؟ قَالَت فَلَمَّا لَمْ يُجِيْبَا، تَشَهَّدْتُ فَحَمِدْتُ الله وَأَثْنَيتُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أهْلُهُ، ثُمَّ عليها إلا ما يعلم الصائغُ على تِبْرِ الذهب الأحمر) أي: كما لا يعلم الصائغ من الذهب الأحمر إلا الخُلُوص مِنَ العَيْبِ، فكذلك أنا لا أعلم منها إلا الخُلُوصَ من العَيْبِ والتّبْرُ - بكسر الفوقية وسكون الموحدة ـ: ما كان من الذهب غير مضروب، فإذا ضرب دنانير - فهو : عَيْن، ولا يقال ((تبر)) إلا للذهب، وبعضهم يقوله للفضة أيضًا، (فبلغ الأمر) أي: أمر الإفك (ذلك الرجل)، وهو: صفوان (الذي قيل له) أي: عنه من الإفك ما قيل، فاللام - هنا - بمعنى ((عَنْ))؛ كما هي في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرً مَّا سَبَقُونَاً إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] أي: عَن الذين آمنوا، أو بمعنى ((في)) أي: قيل فيه، فهي كقوله: ﴿يَلَيْتَنِ قَدَّمْتُ لِيَاتِ﴾ [الفجر: ٢٤] أي: في حياتي، (والله، ما كشفت كنف أنثى قط) الْكَنَفُ - بفتح الكاف والنون - وهو الجانب، وأراد به الثياب يعني: ما جامعتها في حرام، وكان حَصُورًا، (فقتل) أي: صفوان (شهيدًا في سبيل الله) في غزوة أرمينية سنة تسع عشرة في خلافة عمر؛ کما قاله ابن إسحاق. (اكتنفني أبواي) قال في ((القاموس)): اكتنفوا فلانًا، أحاطوا به؛ (إن كنت قارفت سوءًا) من المقارفة، أي: كسبته، (أو ظلمت) نفسك، (فقلت) أي: لرسول الله وَّ ر: (من هذه المرأة؟) أي: الأنصارية (أن تذكر شيئًا) أي: على حسب فهمها لا يليق بجلال حرمتك، (فقلت: أجبه) أي: أجب رسول الله وَّل عني، (قالت: أقول ماذا؟) قال ابن مالك: فيه ٣٦ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَّهِ / باب ((ومِن سُورَةِ الُّورِ)) قُلْتُ: أمَا وَالله، ليِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي لَمْ أَفْعَلْ، وَالله يَشْهَدُ إِنِّي لَصَادِقَةٌ مَا ذَاكَ بِنَافِعِي عِنْدَكُمْ لِي، لَقَدْ تَكَلَّمْتُم وَأُشْرِبِتْ قُلُوبُكُمْ، وَلَئِنْ قُلْتُ: إِنِّي قَدْ فَعَلْتُ، وَالله يَعْلَمُ أَنِّي لمْ أَفْعَلْ، لَتَقُولُنَّ: إِنَّهَا قَدْ بَاءَتْ بِها عَلَى نَفْسِهَا، وَإِنِّي وَاللهِ مَا أجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا، قَالَت: وَالتَمسْتُ اسْمَ يَعْقُوبَ، فَلَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ إلَّا أبَا يُوسُفَ حينَ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] قَالَت: وَأَنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِوَّهُ مِن سَاعَتِهِ، فَسَكَتْنَا، فَرُفِعَ عَنْهُ، وَإِنّي لأَتَبَيَّنُ السُّرورَ في وَجْهِهِ، وَهُوَ يَمْسَحُ جَبِينَهُ، وَيَقولُ: أبشري يَا عَائِشَةُ، فقَدْ أَنْزَلَ الله بَرَاءتكِ))، قَالَت: وَكِنْتُ أَشَدَّ مَا كُنْتُ غَضَباً، فَقَالَ لِيَ أبَوَايَ: قُومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: لا وَالله، لا أَقُومُ إليْهِ وَلا أحْمَدُهُ وَلا أحْمَدُكُما، وَلكِنْ أحْمَدُ الله الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءتي، لَقَدْ سَمِعْتُمُوهُ، فَمَا أَنْكَرْتُمُوهُ، وَلا غَيَّرْتُمُوهُ، وكانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: أمَّا زَيْنَبُ بنتُ جَحْشٍ فَعَصَمَهَا الله بِدِينِهَا، فَلَمْ تَقَلْ شاهدٌ على أن ((ما)) الاستفهامية إذا ركبت مع ذا - لا يجبُ تصديرها، فيعمل فيها ما قبلها رفعًا ونصبًا، (إني لم أفعل) أي: ما قيل في شأني، (والله يشهد إني لصادقة) في ما أقول من براءتي، (ما ذاك بنافعي) بالإضافة إلى ياء المتكلم، وفي بعض النسخ ((بنافع)) بغير الإضافة، وهو الظاهر، (لقد تكلمتم). وفي رواية البخاري: ((لَقَدْ تَكَلَّمْتُمْ بِهِ)) أي: بالإفك، (وَأُشْرِبَتْ) على صيغة المجهول، وفي رواية البخاري: ((وَأُشْرِبْتُهُ))، قال القسطلاني: الضمير المنصوب يرجع إلى ((الإفك)) (قلوبُكم) مرفوع بـ ((أشربت))، (قد باءت) أي: أقرَّت واعترفت بها، أي: بقصة الإفك، وفي بعض النسخ: ((به))، أي: بأمر الإفك، (والتمست) من الالتماس، أي: طلبت (اسم يعقوب) - عليه السلام - حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] أي: هو أجمَلُ، وهو: الذي لا شَكوَى فيه إلى الخَلْقِ ﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] أي: على احتمال ما تصفونه، (وإني لأتبين السرور) أي: أعرفه، (وهو يمسح جبينه) أي: من العرق، (أبشري) بقطع الهمزة، (فقد أنزل الله براءتك)، وفي رواية فليح عند البخاري في الشهادات: ((يا عَائِشَةَ، احْمِدِي الله؛ فَقَدْ بَرَّأَكِ الله))، (فكنت أشدَّ) بالنصب؛ خبر ((كان))، (ما كنت غضبًا) أي: فكنت حين أخبر بَّهِ ببراءتي أقوى ما كنت غضبًا من غضبي قبل ذلك، (أما زينب بنت جحش) أم المؤمنين. (فعصمها الله) أي: حفظها ومنعها (بدينها) أي: المحافظة على دينها، ومجانبة ما تخشى سوء عاقبته، (فلم تقل) أي: فيَّ، ٣٧ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ ر باب ((ومِن سُورَةِ النُّورِ)) إلَّا خَيْراً، وَأمَّا أُخْتُها حَمْنَةُ، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ، وكانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ: مِسْطَحٌ، وحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، والمُنَافِقُ عَبْدُ الله بْنُ أُبيِّ ابن سلولٍ، وَهُوَ الذي كَانَ يستوشيه وَيَجْمَعُهُ، وهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ هو وحَمْنَةُ، قَالَت: فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أنْ لا يَنْفَعَ مِسْطَحاً بِنَافِعَةٍ أَبَداً؛ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعالَى هَذِهِ الآيةَ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنَكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢] إلى آخِرِ الآية، يَعْنِي أبَا بَكْرٍ: ﴿أَن يُؤْتُواْ أُوْلِى الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللهِ﴾ [النور: ٢٢] يَعْنِي مِسْطَحاً إلى قَوْلِهِ: ﴿أَلَا تُحِبُونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ [النور: ٢٢] قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى، وَالله يَا رَبَّنَا، إنَّا لِنُحِبُّ أنْ تَغْفِرَ لَنَا، وعَادَ لَهُ بِمَا كَانَ يَصْنَعُ. [خ: ٤٧٥٠، م: ٢٧٧٠، حم: ٢٥٠٩٥]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، غَرِيبٌ مِن حَديث هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. (فهلكت فيمن هلك) أي: حُدَّتْ فيمن حُدَّ، أو: أَثِمَتْ مع من أثم؛ لخوضها في حديث الإفك؛ لتخفض منزلة عائشة، وترفع منزلة أختها زينب، (وكان الذي يتكلم فيه) أي: الإفك، و(كان يستوشيه) أي: يستخرج الحديث بالبحث عنه، ثم يفتشه ويشيعه، ولا يَدَعُهُ يخمد، (وهو الذي تولى كبره) أي: تحمَّل معظمه؛ فبدأ بالخوض فيه بنافعة أبدًا أي: بعد الذي قال عن عائشة، (﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ [النور: ٢٢]) أي: لا يحلف من ((الأَلِيَّةِ))، وهي القسم (﴿أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ﴾﴾ أي: في الدين، وهو: أبو بكر (﴿وَالسَّعَةِ﴾) يعني: من المال (﴿أَنْ يَأْتُوا﴾) أَلَّا يؤتوا (﴿أُوْلِ اٌلْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾) صفاتٌ لموصوفٍ واحدٍ، وهو: مِسْطَحٌ؛ لأنه كان مسكينًا مهاجرًا بدريًا، (﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ﴾) أي: عن خوض مسطح في أمر عائشة، ﴿أَلَا تُحِبُونَ﴾ خطابٌ لأبي بكر (﴿أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾) عَلى عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم (﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾) فتخلَّقوا بأخلاقه تعالى، (قال أبو بكر) أي: لما قرأ عليه النبيُّ وَّلقول هذه الآية، (وعاد) أي: أبو بكر (له) أي: لمسطح، (بما كان يصنع) أي: إلى مسطح من الإنفاق عليه. قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب)، وأخرجه أحمد والبخاري معلَّقًا، وأخرجه مسلم مختصرًا. ٣٨ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وََّ / باب ((ومِن سُورَةِ النُّورِ)) وَقَدْ رَوَاهِ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، ومَعْمَرٌ، وغَيْرُ وَاحدٍ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسعيدِ بْنِ المَسَيِّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصِ اللَّيِْيّ، وعُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله، عَن عَائِشَةَ، هَذَا الحَدِيثَ أْوَلَ مِن حديثٍ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَأَتَّمَّ. [ت ٢٥، م٥] [٣١٨١] (٣١٨١) حَدَّثَنَا مُحمَّد بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَن عبْد الله بْنِ أبي بَكْرٍ، عَن عُمرَةَ، عَن عَائِشَةَ، قَالَت: لمّا نَزَلَ عُذْرِي، قَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ عَلَى المِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذَلِك وَتَلا القُرآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ، أمَرَ بَرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ، فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ. [جه: ٢٥٦٧]. (وقد روى يونس بن يزيد ومَعْمَرٌ وغير واحد، عن الزهري، عن عروة بن الزبير ... إلخ) أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي (١). [٣١٨١] قوله: (عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري. قوله: (لما نزل عذري) أي: الآيات الدالَّة علَى براءتها، شَبَّهَتْهَا بالعُذر الذي يبرِّئ المعذور من الجُرْم، (قام رسول الله وَ ﴿) أي: خطيبًا، (فذكر ذلك) أي: عذري، (وتلا القرآن) تعني: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِآلْإِفْكِ﴾ إلى آخر الآيات، (فلما نزل) أي: رسولُ الله وَّه من المنبر - (أمر برجلَيْنِ) أي: بِحَدِّهِمَا أو بإحضارهما، وهما: حسَّان بن ثابتٍ ومِسْطَحُ بْنُ أَثَاثَةَ، (وامرأةٍ) بالجر: عطف على رَجُلَيْنٍ، وَهِيَ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، (فَضُربوا) مبني للمفعول (حَدَّهُمْ) أي: حدَّ القاذفين هو مفعولٌ مطلق، أي: فَحُدّوا حَدَّهُمْ. اعلم: أنه لم يُذْكرْ عبد الله بن أُبَيِّ فيمن أُقِيمَ عليه الحدُّ في هذا الحديث، وكذا لم يذكر في حديث أبي هريرة عند البزَّار، وبَنَى على ذلك صاحبُ الهُدَى، فأبدى الحكمة في ترك الحد على عبد الله بن أبي، وَفَاتَهُ أنه ذكر - أيضًا - فيمن أقيم عليه الحد، ووقع ذلك في رواية أبي أوَيْسٍ وعن حسن بن زيد عن عبد الله بن أبي بكر، أخرجه الحاكم في ((الإكليل))، وفيه رد على الماوردي حيثُ صحَّحَ أنه لم يحدَّهم مستندًا إلَى أن الحدَّ لا يثبت إلا٢٠ أو إقرار، ثم قال: إنه حدَّهم، وما ضعفه - هو: الصحيح المعتمد؛ قاله الحافظ في ((الفتح" (١) النسائي في ((الكبرى)) حديث (٨٩٣١). ٣٩ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / باب ((ومِن سُورَةِ الفُرْقَانِ)» قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حديثٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ. ٢٦ - باب ((ومِن سُورَةِ الفُرْقَانِ)) [ت ٢٦، م١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ [٣١٨٢] (٣١٨٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن وَاصِلٍ، عَن أبي وَائِلٍ، عَن عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَن عَبْدِ الله، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟ قَالَ: ((أنْ تَجْعَلَ لله ◌ِدًّا، وَهُو خَلَقَكَ))، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ؛ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ))، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((أنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ)). [خ: ٤٤٧٧، م: ٨٦، ن: ٤٠٢٥، د: ٢٣١٠، حم: ٣٦٠١]. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي(١) وابن ماجه. ٢٦ - باب وَمِنْ سُورَةِ الْفُرْقَانِ مَكِّيَّةٌ إِلا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ إلى ﴿رَحِيمًا﴾، فَمَدَنِيٌّ، وَهِيَ: سَبْعٌ وَسَبْعُونَ آيَةً . [٣١٨٢] قوله: (حدثنا سفيان) هو: الثوري، (عن واصل) بن حيَّان الأحدب الأسدي الكوفي، بَيَّاع السابري، ثقة ثَبتُ من السادسة، (عن أبي وائل) هو: شقيق ابن سلمة، (عز عمرو بن شرحبيل) هو: الْهَمْدَانِي، (عن عبد الله) هو: ابن مسعود. قوله: (أي الذنب أعظم) وفي رواية البخاري في تفسير سورة الفرقان: ((أيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ الله أكبر؟)) (نِدًّا) بكسر النون وتشديد الدال، أي: مثلًا ونظيرًا، (وهو خلقك) الجملة حال من ((الله)) أو من فاعل ((أن تجعل))، وفيه إشارة إلى ما استحق به تعالى أن تتخذه ربًا وتعبده، فإنه خلقك، أو: إلَى ما به امتيازه تعالى عن غيره في كونه إلهًا أو: إلَى ضعف الندِّ أي: أن تجعل له ندًّا أوقد خلقك غيره، وهو لا يقدر على خلق شيء؟!، (أن تقتل ولدك: خشية أن يطعم معك) أي: من جهة إيثار نفسه عليه عند عدم ما يكفي، أو: من جهة البخل مع الوجدان، (أن تزني بحليلة جارك) أي: بزوجته من: حَلَّ يَحِلُّ، بالكسر؛ إذ كل منهما حلال للآخر، أو: من حَلَّ يَحُلُّ، بالضم؛ لأنه تَحُلُّ معه ويَحُلُّ معها . (١) النسائي في ((الكبرى)) حديث (٧٣٥١). ٤٠ كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِ / باب ((ومِن سُورَةِ الفُرْقَانِ)» قَالَ أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. حَدَّثَنَا مُحمَّد بْنُ بِنْدَارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن مَنْصُورٍ، والأَعْمَشِ، عَن أبي وَائلٍ، عَن عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَن عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ وَالله بمثلِهِ. قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. [ت ٢٦، م٢] [٣١٨٣] (٣١٨٣) حَدَّثَنَا عَبدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبيع أبُو زَيْدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن وَاصِلِ الأَحْدَبِ، عَن أبي وَائِلٍ، عَن عَبْدِ الله، قَالَ: سأَلْتُ رَسُولَ الله وَ﴿ أَيُّ الذَّتْبِ أعْظَمُ؟ قَالَ: ((أنْ تَجْعَلَ لله ◌ِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، وَأنْ تَقْتُل وَلَدَكَ مِن أجْلِ أنْ يَأْكُلَ مَعَكَ أوْ مِن طَعَامِكَ، وَأنْ تَزْنِيَ بِحليلة جَارِكَ))، قَالَ: وَتَلا هَذِهِ الآيةَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ، مُهَانَا﴾ ٦٨ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلَّ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًاً [الفرقان: ٦٨-٦٩]. [انظر ما قبله]. قوله: (حدثنا عبد الرحمن) هو: ابن مهدي، قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان. [٣١٨٣] قوله: (قال) أي: ابن مسعود، (وتلا) أي: قرأ رسولُ اللهِ وَلّ: ﴿﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]) أي: لا يقتلون النفس التي هي معصومةٌ في الأصل إلا مُحِقِّينَ في قتلها (﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾) أي: واحدًا من الثلاثة - ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ قيل: معناه جزاءَ إثمِهِ، وهو: قول الخليل وسيبويه وأبي عمرو الشيباني وغيرهم، وقيل: معناه: عقوبة؛ قاله يونس وأبو عبيد، وقيل: معناه جزاء؛ قاله ابن عباس والسدي، وقال أكثر المفسرين أو كثيرون منهم: هو وادٍ في جهنَّم - عافانا الله الكريم وأحبابنا منها -. قاله النووي. (﴿يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ [الفرقان: ٦٩]) أي: يكرر عليه ويغلظ (﴿وَيَخْلُّدٌ فِيهِ، مُهَانَا﴾) حال، أي: حقيرًا ذليلًا، وفي رواية البخاري: ونزلت هذه الآية تصديقًا لقول رسول الله وَّته، قال