النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّهِ / باب ((وَمِنْ سُورَةِ يُونُس)»
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَهُوَ حديثُ الزُّهْرِيِّ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثِهِ.
١١ - باب ((وَمِنَّ سُورَةٍ يُونُس)) [ت ١١، ٢ ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَةِ
[٣١٠٥] (٣١٠٥) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَن ثَابِتِ البُنَانِيٌّ، عَن عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ أبِي لَيْلَى، عَن صُهَيْبٍ، عَنِ
النَّبِيِّ بَّهِ فِي قَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قَالَ: ((إِذَا
دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، نَادَى مُنَادٍ: إنَّ لَكُمْ عِنْدَ الله مَوْعِدًا يُرِيدُ أنْ يُنْجِزَكُمُوهُ،
قالوا: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا،
تنبيه: قال ابن التين، وغيره: الفرق بين جمع أبي بكر، وبين جمع عثمان: أن جمع
أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته؛ لأنه لم يكن مجموعًا في
موضع واحد، فجمعه في صحائف مرتبًا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي ◌َِّ، وجمع
عثمان كان؛ لما كثر الاختلاف في وجوه القرآن؛ حين قرؤوه بلغاتهم على اتساع اللغات؛
فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض؛ فخشي من تفاقم الأمر في ذلك؛ فنسخ تلك الصحف
في مصحف واحد مرتبًا لسوره، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش، محتجًا بأنه نزل
بلغتهم، وإن كان قد وسع في قراءته؛ رفعًا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر؛ فرأى أن الحاجة
إلى ذلك انتهت، فاقتصر على لغة واحدة، أو كان لغة قريش أرجح اللغات؛ فاقتصر عليها .
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري.
١١ - باب وَمِنْ سُورَةٍ يُونُسَ
نزلت بـ ((مكة)): إلا ﴿فَإِن كُنتَ فِ شَكٍ﴾ [يونس: ٩٤] الآيتين، أو الثلاث، أو ﴿وَمِنْهُم مَّن
يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠] الآية، وهي: مئة وتسع، أو عشر آيات.
[٣١٠٥] قوله: (عن صهيب) بالتصغير: هو: ابن سنان الرومي.
قوله: ([في](١) قوله تعالى): أي: في تفسيره. (﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾) أي: بالإيمان.
(﴿ الْمُسْنِّ﴾) أي: الجنة. (﴿وَزِيَادَةٌ﴾) هي: النظر إليه تعالى (إن لكم عند الله موعدًا) أي:
(١) في نسخة: ((وفي)).

٥٢٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
وتُنَجِّينا مِنَ النَّارِ، وَتُدْخِلَنَا الجَنَّةَ؟)) قَالَ: ((فَيُكْشَفُ الحِجَابُ))، قَالَ: ((فَوَ الله، ما
أعْطَاهُمُ اللهُ شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ)). [م: ١٨١، جه: ١٨٧، حم: ١٨٤٥٦].
قَالَ أبُو عِيْسَى: حديثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، هَكَذَا روی غیرُ وَاحِدٍ، عَن حَمَّادِ بْنِ
سَلَمَةَ، مرفوعًا، وَرَوَى سُلَيْمانُ بْنُ المُغِيرَةِ هذا الحديثَ، عَن ثَابِتٍ، عَن
عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ أبِي لَيْلَى، قَوْلُهُ: ولم يَذْكُرْ فِيهِ: عَن صُهَيْبٍ، عَنِ النَّبيِّ وََّ.
[ت ١١، م ٢]
[٣١٠٦] (٣١٠٦) حَدَّثَنَا ابن أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن ابنِ المُنْكَدِرِ، عَن
عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَن رَجُلٍ مِن أهْلِ مِصْرَ، قَالَ: سَأَلْتُ أبَا الَّرْدَاءِ عَن هَذِهِ الآيَةِ:
﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤]، قَالَ: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أحَد مُنْذُ سَأَلْتُ
رسولَ الله ◌َّهِ عَنْهَا، فَقَالَ: ((ما سَأَلَنِي عَنْهَا أحَدٌ غَيْرُكَ مُنْذُ أُنْزِلَتْ،
بقي شيء زائد مما وعده الله لكم من النعم، والحسنى (وينجينا من النار) كذا في النسخ
الحاضرة بالتحتانية، وقد تقدم هذا الحديث في باب: ((رؤية الرب تبارك وتعالى)): من
أبواب: ((صفة الجنة)): ووقع هناك ((نجينا)): بحذف التحتانية؛ وهو الظاهر. وأما على تقدير
ثبوت التحتانية؛ فقيل: عطف على ما دل عليه الجملة الاستفهامية المتقدمة، وفيه ما فيه.
[٣١٠٦] قوله: (﴿لَهُمْ﴾) أي: لأولياء الله المذكورين في الآية التي قبلها. ﴿اٌلْبُشْرَى فِى
اُلْحَيَوِ الدُّنْيَا﴾: تمام الآية: ﴿وَفِي الْآَخِرَةِّ لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ الَّهِّ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَوَّزُ الْعَظِيمُ﴾
[يونس: ٦٤]: واختلفوا في هذه البشرى؛ فقيل: هي: الرؤيا الصالحة؛ ويدل على ذلك حديث
أبي الدرداء هذا، وحديث عبادة بن الصامت الذي أشار إليه الترمذي. وقيل: المراد البشرى
في الحياة الدنيا هي: الثناء الحسن، وفي الآخرة: الجنة، ويدل على ذلك ما روي عن أبي ذر
قال: ((قِيلَ لِرَسُولِ الله ◌َّهِ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ:
تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى المُؤْمِن))؛ أخرجه مسلم (١) .
وقال الزهري، وقتادة في تفسير ((البشرى)): هي: نزول الملائكة بالبشارة من الله عند
الموت، ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى: ﴿تَتَغَزَُّ عَلَيْهِمُ الْمَلَتَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُوا
وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ تُوُعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].
(١) مسلم، كتاب البر والصلة، حديث (٢٦٤٢).

٥٢٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
فَهِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا المُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ)). [طا: ١٧٨٣].
حَدَّثَنَا ابن أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَن أبي صالحٍ
السَّمَّانِ، عَن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَن رَجُلٍ مِن أهْلِ مصْرَ، عَن أبي الدَّرْدَاءِ، فَذَكَرَ :
نحوَهُ.
[ت ١١، م ٣]
حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَن عاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَن
أبي صَالِحٍ، عَن أبي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ: نحْوَهُ، وَلَيْسَ فِيهِ: عَن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ .
قَالَ: وَفِي البابِ: عَن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ.
[ت ١١، م ٤]
[٣١٠٧] (٣١٠٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَن عَلِيٍّ بْنِ زَيْدٍ، عَن يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أنَّ النَّبِيَّ
وقال عطاء، عن ابن عباس: البشرى في الدنيا: عند الموت تأتيهم الملائكة بالبشارة،
وفي الآخرة: بعد خروج نفس المؤمن يعرج بها إلى الله - تعالى - ويبشر برضوان الله تعالى.
وقال الحسن: هي ما بشر الله بها المؤمنين في كتابه من جنته، وكريم ثوابه. ويدل عليه
قوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اَللَّهَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٤] (هي الرؤيا الصالحة)
أي: الحسنة، أو الصادقة، وهي: ما فيه بشارة، أو تنبيه عن غفلة، وأمثال ذلك (يراها
المسلم) أي: لنفسه (أو ترى) بصيغة المجهول؛ أي: يراها مسلم آخر (له) أي: لأجله. وقد
تقدم هذا الحديث في أوائل أبواب ((الرؤيا))، وتقدم تخريجه هناك.
قوله: (وفي الباب عن عبادة بن الصامت) أخرجه الترمذي(١) في أوائل أبواب ((الرؤيا)).
[٣١٠٧] قوله: (عن علي بن زيد) هو: ابن جدعان (عن يوسف بن مهران) البصري،
وليس هو: يوسف بن ماهك. ذاك ثقة، وهذا: لم يروا عنه إلا ابن جدعان، هو لين
الحديث، من الرابعة.
(١) برقم (٢٢٧٥).

٥٢٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلَّهِ
وَلِّ قَالَ: ((لمّا أَغْرَقَ الله فِرْعَوْنَ، قَالَ: آمَنْتُ أنَّهُ لا إلهَ إلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو
إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا محمَّدُ: لَوْ رَأيْتَنِي وَأنَا آخُذُ مِن حَالِ البَحْرِ فَأْدُسُّهُ في فِيهِ
مَخَافَةَ أنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ. [حم: ٢١٤٥].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ.
[ت ١١، م ٥]
[٣١٠٨] (٣١٠٨) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، حَدَّثَنَا خالِدُ بْنُ
الحَارِثِ، أخْبَرَنَا شُعْبَةُ، أخبرني عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَن سَعِيدِ بْنِ
◌ُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ذَكَرَ أحَدُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ نَِّ أنَّهُ ذَكَرَ: ((أنَّ جِبْرِيلَ وَّ جَعَلَ
يَدُسُّ فِي فِيٍّ فِرْعَوْنَ الطَّنَ؛ خَشْيَةَ أنْ يقول: لا إلهَ إلَّ الله، فَيَرْحَمَهُ اللهُ، أَوْ خَشْيَةَ
أنْ يَرْحَمَهُ اللهُ).
قوله: (لما أغرق الله فرعون قال) أي: فرعون (آمنت أنه) أي: بأنه، وفي قراءة بالكسر
استئنافًا (لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل)
قال ابن عباس: لم يقبل الله إيمانه عند نزول العذاب به. وقد كان في مهل.
قال العلماء: إيمانه غير مقبول؛ وذلك أن الإيمان والتوبة عند معاينة الملائكة، والعذاب
غير مقبولين (وأنا آخذ من حال البحر) أي: طينه الأسود (وأدسه في فيه) أي: أدخله في فمه
(مخافة أن تدركه الرحمة) أي: خشية أن يقول: لا إله إلا الله، فتناله رحمة الله.
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد في مسنده، وابن جرير، وابن أبي حاتم(١) في
(تفسيرهما)؛ كلهم من حديث حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن
ابن عباس.
[٣١٠٨] قوله: (ذكر أحدهما عن النبي ◌َّ) يعني: رواه أحدهما مرفوعًا، ولم يرفعه
الآخر. وضميرهما راجع إلى عدي بن ثابت، وعطاء بن السائب (في فِيٍّ فرعون) أي: في
فمه، أو خشية أن يرحمه، ((أو)): للشك من الراوي.
(١) ابن جرير في التفسير (١٦٣/١١ - فكر)، وابن أبي حاتم أيضًا (١٩٨٢/٦ - عصرية).

٥٢٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَه
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، غريبٌ مِن هذَا الوَجهِ.
قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح) وأخرجه أبو داود الطيالسي، وابن جرير(١)؛
كلاهما من طريق شعبة، عن عدي بن ثابت، وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس.
تنبيه: اعلم أن الخازن ذكر في تفسيره: هاهنا فصلين؛ لدفع الإشكال الذي يرد على
حديث ابن عباس المذكور؛ فلنا أن نذكرهما. قال: فصل في الكلام على هذا الحديث؛ لأنه
في الظاهر مشكل؛ فيحتاج إلى بيان، وإيضاح؛ فنقول: قد ورد هذا الحديث على طريقين
مختلفين، عن ابن عباس؛ ففي الطريق الأول: عن ابن زيد بن جدعان؛ وهو وإن كان قد
ضعفه يحيى بن معين، وغيره؛ فإنه كان شيخًا نبيلًا صدوقًا، ولكنه كان سيئ الحفظ ويغلط،
وقد احتمل الناس حديثه؛ وإنما يخشى من حديثه إذا لم يتابع عليه، أو خالفه فيه الثقات،
وكلاهما منتف في هذا الحديث؛ لأن في الطريق الآخر شعبة، عن عدي بن ثابت، عن
سعيد بن جبير. وهذا الحديث على شرط البخاري، ورواه أيضًا شعبة، عن عطاء بن
السائب، عن سعيد بن جبير، وعطاء بن السائب: ثقة، قد أخرج له مسلم؛ فهو على شرط
مسلم. وإن كان عطاء قد تكلم فيه من قبل اختلاطه؛ فإنما يخاف ما انفرد به، أو خولف
فيه، وكلاهما منتف، فقد علم بهذا أن لهذا الحديث أصلًا، وأن رواته ثقات، ليس فيهم
متهم، وإن كان فيهم من هو سيئ الحفظ؛ فقد تابعه عليه غيره.
فإن قلت: ففي الحديث الثاني شكٍّ في رفعه؛ لأنه قال فيه: ذكر أحدهما عن النبي ◌َّ .
قلت: ليس بشكٌّ في رفعه؛ إنما هو: جزم بأن أحد الرجلين رفعه، وشك شعبة في
تعيينه. هل عطاء بن السائب، أو عدي بن ثابت؟ وكلاهما: ثقة. فإذا رفعه أحدهما، وشك
في تعيينه؛ لم يكن هذا علة في الحديث.
فصل: ووجه إشكاله ما اعترض به الإمام فخر الدين الرازي في ((تفسيره))؛ فقال: هل
يصح أن جبريل أخذ يملأ فمه بالطين؛ لئلا يتوب غضبًا عليه؟
والجواب: الأقرب أنه لا يصح؛ لأن في تلك الحالة إما أن يقال: التكليف هل كان
ثابتًا أم: لا؟ فإن كان ثابتًا؛ لا يجوز لجبريل أن يمنعه من التوبة؛ بل يجب عليه أن يعينه على
التوبة، وعلى كل طاعة، وإن كان التكليف زائلًا عن فرعون في ذلك الوقت؛ فحينئذ لا يبقى
لهذا الذي نسب إلى جبريل فائدة.
(١) الطيالسي في مسنده (٢٦١/١)، وابن جرير في تفسيره (١١/ ١٦٣ - فكر).

٥٢٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَفيهِ
وأيضًا لو منعه من التوبة؛ لكان قد رضي ببقائه على الكفر. والرضا بالكفر: كفر. وأيضًا
فكيف يليق بجلال الله أن يأمر جبريل بأن يمنعه من الإيمان؟! ولو قيل: إن جبريل فعل ذلك
من عند نفسه، لا بأمر الله؛ فهذا يبطله قول جبريل ﴿وَمَا تَشَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤]، فهذا
وجه الإشكال الذي أورده الإمام على هذا الحديث في كلام أكثر من هذا.
والجواب عن هذا الاعتراض: أن الحديث قد ثبت عن النبي ◌َّر، فلا اعتراض عليه
لأحد. وأما قول الإمام: إن التكليف هل كان ثابتًا في تلك الحالة أم لا؟ فإن كان ثابتًا لم
يجز لجبريل أن يمنعه من التوبة؛ فإن هذا القول لا يستقيم على أصل المثبتين للقدر، القائلين
بخلق الأفعال لله، وأن الله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء. وهذا قول أهل السنة المثبتين
للقدر، فإنهم يقولون: إن الله يحول بين الكافر والإيمان، ويدل على ذلك قوله تعالى:
﴿ وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ اُلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وقوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلَّفٌ
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]: وقال تعالى: ﴿وَتُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ
بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]: فأخبر الله - تعالى - أنه قلب أفئدتهم، مثل تركهم الإيمان أول
مرة؛ وهكذا فعل بفرعون منعه من الإيمان؛ جزاء على تركه الإيمان، أولًا فدس الطين في فم
فرعون من جنس الطبع، والختم على القلب، ومنع الإيمان، وصون الكافر عنه، وذلك جزاء
على كفره السابق. وهذا قول طائفة من المثبتين للقدر القائلين بخلق الأفعال الله، ومن
المنكرين لخلق الأفعال من اعترف أيضًا أن الله - سبحانه وتعالى - يفعل هذا عقوبةً للعبد
على كفره السابق؛ فيحسن منه أن يضله، ويطبع على قلبه، ويمنعه من الإيمان.
فأما قصة جبريل - عليه السلام -: فإنها من هذا الباب؛ فإن غاية ما يقال فيه: إن الله -
سبحانه وتعالى - منع فرعون من الإيمان، وحال بينه وبينه عقوبة له على كفره السابق، ورده
للإيمان، لما جاءه، وأما فعل جبريل من دس الطين؛ فإنما فعل ذلك بأمر الله، لا من تلقاء
نفسه .
فأما قول الإمام: لم يجز لجبريل أن يمنعه من التوبة؛ بل يجب عليه أن يعينه عليها،
وعلى كل طاعة. هذا إذا كان تكليف جبريل كتكليفنا. يجب عليه ما يجب علينا، وأما: إذا
كان جبريل إنما يفعل ما أمره الله به، والله - سبحانه وتعالى - هو الذي منع فرعون من
الإيمان، وجبريل منفذ لأمر الله؛ فكيف لا يجوز له منع من منعه الله من التوبة؟! وكيف يجب
عليه إعانة من لم يعنه الله؟! بل قد حكم عليه، وأخبر عنه أنه لا يؤمن حتى يرى العذاب
الألیم، حین لا ینفعه الإيمان.

٥٢٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّ / باب ((وَمِنْ سُورَةِ هُود)»
١٢ - باب ((وَمِنْ سُورَةِ هُود)) [ت ١٢، ٢ ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيةِ
[٣١٠٩] (٣١٠٩) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، عَن يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَن وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ، عَن عَمِّهِ أبي رَزِينٍ، قَالَ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ الله، أيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ قَالَ: ((كَانَ فِي عَمَاءِ ما تَحْتَهُ هَواءٌ
وما فَوْقَهُ هَواءٌ، وَخَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى المَاءِ)). [جه: ١٨٢، حم: ١٥٧٥٥].
وقد يقال: إن جبريل - عليه السلام - إما: أن يتصرف بأمر الله، فلا يفعل إلا ما أمره الله
به، وإما: يفعل ما يشاء من تلقاء نفسه، لا بأمر الله، وعلى هذين التقديرين، فلا يجب عليه
إعانة فرعون على التوبة، ولا يحرم عليه منعه منها؛ لأنه إنما يجب عليه فعل ما أمر به،
ويحرم عليه فعل ما نهي عنه، والله - سبحانه وتعالى - لم يخبر أنه أمره بإعانة فرعون، ولا
حرم عليه منعه من التوبة، وليست الملائكة مكلفين كتكليفنا. انتهى.
وقد أطال الخازنُ الكلامَ في دفع الإشكالِ الذي أورده الرازي؛ فعليك أن تطالع بقية كلامه.
١٢ - باب وَمِنْ سُورَةٍ ﴿هُورٍ﴾
هي: مكية إلا ﴿أَقِ الصَّلَوَةَ﴾ [هود: ١١٤] الآية، أو إلا ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ﴾ [هود: ١٢] الآية،
و﴿أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [هود: ١٧] الآية. وهي: مئة وثنتان، أو ثلاث وعشرون آية.
[٣١٠٩] قوله: (عن وكيع بن حدس) بالحاء، والدال المهملتين المضمومتين. وقد يقال
بالعين بدل الحاء.
قوله: (قبل أن يخلق خلقه) وفي رواية لأحمد(١): ((قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ))
(كان في عماء ... إلخ) قال الخازن في تفسيره: قال أبو بكر البيهقي في كتاب ((الأسماء
والصفات))(٢) له: قوله وَله: ((كَانَ الله، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ»: يعني: لا الماء، ولا العرش،
ولا غيرهما .
وقوله: (وخلق عَرْشَهُ عَلَى المَاءِ) يعني: خلق الماء، وخلق العرش على الماء، ثم كتب
في الذكر كل شيء.
(١) أحمد، حديث (٦٥٧٩).
(٢) البيهقي في ((الأسماء والصفات)) (٧٦٩).

٥٢٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِّ / باب ((وَمِنْ سُورَةٍ هُود)»
وقوله: (فِي عَمَاء) وجدته في كتاب ((عماء)): مقيدًا بالمد؛ فإن كان في الأصل ممدودًا؛
فمعناه: سحاب رقيق. ويريد بقوله: ((في عماء))، أي: فوق سحاب مدبرًا له، وعاليًا عليه؛
كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَمِنْتُم مَّن فِ السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] يعني: من فوق السماء، وقوله
تعالى: ﴿وَلَأُصَلِيَتَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] يعني: على جذوعها.
وقوله: (ما فوقه هواء) أي: ما فوق السحاب هواء؛ وكذلك قوله: (ما تحته هواء) أي:
ما تحت السحاب هواء. وقد قيل: إن ذلك العمى مقصور. والعمى: إذا كان مقصورًا؛
فمعناه: لا شيء ثابت؛ لأنه مما عمى عن الخلق؛ لكونه غير شيء. فكأنه قال في جوابه:
كان قبل أن يخلق خلقه، ولم يكن شيء غيره، ثم قال: ما فوقه هواء، وما تحته هواء؛ أي:
ليس فوق العمى الذي هو لا شيء موجود هواء، ولا تحته هواء؛ لأن ذلك إذا كان غير
شيء؛ فلیس یثبت له هواء بوجه.
وقال الهروي صاحب ((الغريبين)): قال بعض أهل العلم: معناه: أين كان عرش ربنا؟
فحذف المضاف؛ اختصارًا؛ كقوله: ﴿وَسْئَلِ اٌلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ويدل على ذلك قوله
سبحانه وتعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ، عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود: ٧]. هذا آخر كلام البيهقي.
وقال ابن الأثير: العماء في اللغة: السحاب الرقيق. وقيل: الكثيف. وقيل: هو
الضباب. ولا بد في الحديث من حذف مضاف تقديره: أين كان عرش ربنا؟ فحذف، ويدل
على هذا المحذوف قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود: ٧]، وحكي عن بعضهم
في العمى المقصور. أنه: هو كل أمر، لا يدركه الفطن.
وقال الأزهري: قال أبو عبيد: إنما تأولنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول
عنهم، وإلا : فلا ندري كيف كان ذلك العماء؟
قال الأزهري: فنحن نؤمن به، ولا نکیف صفته. انتهى كلام الخازن.
وقال السيوطي في ((مصباح الزجاجة)): قال القاضي ناصر الدين ابن المنير: وجه
الإشكال في الحديث: الظرفية، والفوقية، والتحتية، قال: والجواب أن ((في)) بمعنى:
((على))، و((على)) بمعنى: الاستيلاء؛ أي: كان مستوليًا على هذا السحاب الذي خلق منه
المخلوقات كلها، والضمير في فوقه يعود إلى السحاب؛ وكذلك تحته؛ أي: كان مستوليًا
على هذا السحاب الذي فوقه الهواء، وتحته الهواء. وروي بلفظ القصر في العمى.
والمعنى: عدم ما سواه؛ كأنه قال: كان، ولم يكن معه شيء؛ بل كل شيء كان عدمًا عمى،

٥٢٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِوَه
قَالَ أحمدُ بْنُ منيعٍ: قَالَ يَزِيدُ بْنُ هارون: العَمَاءُ: أَيْ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَكَذَا روى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: وَكِيعُ بْنُ حدسٍ، ويقولُ شُعْبَةُ،
وأبو عَوانَةَ، وَهُشَيْمٌ، ووَكِيعُ بْنُ عدسٍ: وهُوَ أصحُ، وأبو رَزِينٍ اسمُهُ: لَقِيطُ بْنُ
عامرٍ، قَالَ: وهذا حديثٌ حسنٌّ.
لا موجودًا، ولا مدركًا. والهواء: الفراغ أيضًا العدم، كأنه قال: كان، ولا شيء معه، ولا
فوق، ولا تحت. انتھی.
قلت: إن صحت الرواية ((عمى)): بالقصر؛ فلا إشكال في هذا الحديث؛ وهو حينئذٍ في
معنى حديث: ((كَانَ الله وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ»؛ رواه البخاري(١)،
وغيره، عن عمران بن حصين. وإن صحت الرواية ((عماء)) بالمد؛ فلا حاجة إلى تأويل؛ بل
يقال: نحن نؤمن به، ولا نكيفه بصفة؛ أي: نجري اللفظ على ما جاء عليه، من غير تأويل؛
كما قال الأزهري: ((وخلق عرشه على الماء)»، وفي رواية أحمد (٢): ((ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى
المَاءِ)).
قال الحافظ: قد روى أحمد، والترمذي، وصحَّحه(٣) من حديث أبي رزين العقيلي
مرفوعًا: ((إِنَّ المَاءَ خُلِقَ قَبْلَ الْعَرْشِ)). وروى السدي في ((تفسيره)) (٤) بأسانيد متعددة: ((إِنَّ الله
لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا مِمَّا خَلَقَ قَبْلَ المَاءِ». وأما ما رواه أحمد، والترمذي، وصحَّحه من حديث
عبادة بن الصامت مرفوعًا: ((أَوَّلُ مَا خَلَقَ الله الْقَلَمَ، ثُمَّ قَالَ: اكْتَبْ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى
يَوْمِ الْقِيَامَةِ)): فيجمع بينه، وبين ما قبله بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش، أو
بالنسبة إلى ما صدر منه من الكتابة؛ أي: أنه قيل له: اكتب أول ما خلق. انتهى.
قوله: (قال أحمد) أي: ابن منيع (قال يزيد) أي: ابن هارون في تفسير ((العماء)) المذكور
في الحديث (العماء أي: ليس معه شيء) كذا فسر يزيد العماء بأنه: ليس معه شيء. وقد
عرفت أن العماء بالمد هو: السحاب الرقيق. والعمى بالقصر؛ بمعنى: ليس معه شيء.
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد، وابن ماجه.
(١) البخاري، كتاب بدء الخلق، حديث (٣١٩١).
(٢) أحمد، حديث (١٦٢٣٣).
(٣) لم أجده عندهما .
(٤) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (١٠٦/١) وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في ((الأسماء
والصفات)».

٥٣٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهـ
[ت ١٢، م ٢]
[٣١١٠] (٣١١٠) حَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةَ، عَن بُرَيْدِ بْنِ عبدِ الله،
عَن أبي بُرْدَةَ، عَن أبي مُوسَى، أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَ لِّ قَالَ: ((إنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى
يُمْلِي))، وَرُبَّمَا قَالَ: ((يُمْهِلُ الظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ))، ثُمَّ قَرأ: ﴿وَكَذَلِكَ
أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اٌلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢] الآية. [خ: ٤٦٨٦، م: ٢٥٨٣، جه: ٤٠١٨].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ؛ وقد رواه أبو أُسَامَةَ عَنِ بُرَيْدٍ
نَحْوَهُ، وقال: يمْلِي.
حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ سَعِيدِ الجَوْهَرِيُّ، عَن أبي أُسَامَةَ، عَنِ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ
أبي بُردة، عَن جَدِّهِ أبي بُرْدَةَ، عَن أبي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ نحْوَهُ، وقال: يُمْلِي،
ولم يَشُكَ فیهِ.
[٣١١٠] قوله: (إن الله تبارك وتعالى يملي) من الإملاء. قال في ((القاموس)): أملاه الله:
أمهله (حتى إذا أخذه لم يفلته) بضم أوله من: الإفلات؛ أي: لم يخلصه. أي: إذا أهلكه لم
يرفع عنه الهلاك. وهذا على تفسير الظلم بالشرك على إطلاقه، وإن فسر بما هو أعم؛ فيحمل
كل على ما يليق به. (﴿وَكَذَلِكَ﴾) أي: مثل ذلك الأخذ. (﴿أَخْذُ رَيِّكَ﴾) قرئ على أنه فعل،
وعلى أنه مصدر. (﴿إِذَا أَخَذَ اُلْقُرَى﴾) أريد: أهلها؛ والمعنى: وكما أهلكنا أولئك القرون
الظالمة؛ كذلك نفعل بأشباههم. (﴿وَهِى ظَالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢]) بالذنوب؛ أي: فلا يغني
عنهم من أخذه شيء.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن
ما جه .
قوله: (وقال: يملي) أي: بلا شك.
قوله: (قال: يملي. ولم يشك فيه) قال الحافظ: قد رواه مسلم، وابن ماجه، والنسائي
من طرق، عن أبي معاوية ((يُمْلِي، وَلَمْ يَشُكَّ)).

٥٣١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّى
[ت ١٢، م ٣]
[٣١١١] (٣١١١) حَدَّثَنَا مُحمدُ بنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا أبو عامِرِ العَقَدِيُّ، هو
عَبد المَلكِ بن عَمرو، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سُفْيَانَ، عَن عَبْدِ الله بْنِ دِينَار، عَن ابنِ
عُمَرَ، عَنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، قَالَ: لمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: ﴿فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾
[هود: ١٠٥]؛ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَلّهِ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله، فَعَلَى مَا نَعْمَلُ؟ عَلَى شَيْءٍ قَدْ
فُرِغَ مِنْهُ، أوْ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يُفْرَغْ مِنْهُ؟ قَالَ: ((بَلْ عَلَى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ، وَجَرَتْ بِهِ
الأقْلَامُ يَا عُمَرُ، وَلَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ)). [د بنحوه: ٤٧٠٣، حم: ٣١٣، طا: ١٦٦١].
هذا حديثٌ حسنٌ غريب من هذا الوَجْهِ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا من حديثٍ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ
عَمْرِو.
[٣١١١] قوله: (﴿فَمِنْهُمْ﴾) أي: فمن أهل الموقف. وإن لم يذكروا. قال الزمخشري:
لأن ذلك معلوم. (﴿شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥]) الشقي: من سبقت له الشقاوة في الأزل.
والسعيد: من سبقت له السعادة في الأزل (على شيء قد فرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه)
بالبناء للمفعول للفعلين؛ أي: أنعمل على شيء قد فرغ الله - تعالى - عن قضائه وقدره،
وجرى به القلم، أو نعمل على شيء لم يفرغ الله - تعالى - عن قضائه، وقدره (ولکن کل
ميسر لما خلق له) أي: موفق، ومهيأ لما خلق له؛ أي: لأمر قدر ذلك الأمر له من الخير
والشر، والتنوين: عوض عن المضاف إليه.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو يعلى في ((مسنده))، وابن جرير، وابن
المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه(١). وأخرجه الترمذي(٢) نحوه في باب:
((الشقاء والسعادة)).
(١) أبو يعلى (٥٤٦٣)، وابن جرير (١١٧/١٢)، وابن أبي حاتم (٢٠٨٤/٦)، والبزار (١٢١)، والروياني
(١٤٢٦).
(٢) الترمذي، كتاب القدر، حديث (٢١٣٥).

٥٣٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِوَّهِ
[ت ١٢، م ٤]
[٣١١٢] (٣١١٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أبو الأحْوَصِ، عَن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَن
إِبراهِيمَ، عَن عَلْقَمَةَ، وَالأسْوَدِ عَن عَبْدِ الله، قَالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ◌َِّ فَقَالَ: إِنِّي
عالَجْتُ امْرأةً في أقْصَى المَدِينَةِ، وَإِنِّي أصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أنْ أمَسَّهَا، وَأنَا هَذَا،
فَاقْضٍ فِيَّ ما شِئْتَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَكَ الله لَوْ سَتَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ
رَسُولُ اللهِ وَلِّ شَيْئًا، فانْطَلَقَ الرَّجُلُ، فَأَتْبَعَهُ رَسُولُ اللهِ وَهِ رَجُلًا، فَدَعَاهُ، فَتَلا عَلَيْهِ:
﴿وَأَقِ الضَلَوَةَ طَرَفِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ اُلسََّاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى
لِلَّكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]، إلى آخِرِ الآيةِ،
[٣١١٢] قوله: (إني عالجت امرأة) أي: داعبتها، وناولت منها ما يكون بين الرجل
والمرأة، غير أني ما جامعتها (في أقصى المدينة) أي: أسفلها، وأبعدها عن المسجد (ما
دون أن أمسها) ((ما)): موصولة؛ أي: أصبت منها ما يجاوز المس؛ أي: المجامعة (وأنا
هذا) أي: أنا موجود، وحاضر بين يديك، ومنقاد لحكمك (فاقض في) أي: فاحكم في
حقي (ما شئت) أي: أردته مما يجب عليّ كنايةٌ عن غاية التسليم، والانقياد إلى حكم الله
ورسوله (لو سترت على نفسك) أي: لكان حسنًا (فلم يرد عليه) أي: على الرجل، أو على
عمر (شيئًا) من الكلام؛ انتظارًا لقضاء الله فيه رجاء أن يخفف من عقوبته (فانطلق الرجل)
أي: فذهب ظنًّا منه؛ لسكوته - عليه الصلاة والسلام - أن الله سينزل فيه شيئًا، وأنه لا بد
أن يبلغه؛ فإن كان عفوًا شكر؛ وإلا عاد؛ ليستوفي منه (فأتبعه رسول الله وَلاغير) أي: أرسل
عقبه (رجلًا) ليدعوه (فتلا عليه) أي: فقرأ رَسُولُ اللهِ بَّهِ على الرجل. (﴿وَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ
النَّهَارِ﴾) الغداة، والعشي؛ أي: الصبح، والظهر، والعصر. (﴿وَزُلَفًا﴾) جمع زلفة؛ أي:
طائفة. (﴿مِّنَ الَّيَّلِ﴾) أي: المغرب، والعشاء. (﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ﴾) كالصلوات الخمس.
(﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾) أي: الذنوب الصغائر. (﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ﴾﴾ [هود: ١١٤] عظة
للمتعظين؛ كذا في ((الجلالين)). وقال الرازي في ((تفسيره)): كثرت المذاهب في تفسير ((طرفي
النهار)): هي: الفجر، والعصر؛ وذلك لأن أحد طرفي النهار هو: طلوع الشمس، والطرف
الثاني منه: غروبها. فالطرف الأول هو: صلاة الفجر. والطرف الثاني: لا يجوز أن يكون
صلاة المغرب؛ لأنها داخلة تحت قوله تعالى: ﴿وَزُلَفًا مِّنَ اَلَيْلِ﴾ [هود: ١١٤]، فوجب حمل
الطرف الثاني على صلاة العصر. انتهى.

٥٣٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَه
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: هَذَا لَهُ خاصَّةً؟ قَالَ: ((لا، بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً)). (غ بنحوه: ٦
م: ٢٧٦٣، د: ٤٤٦٨، جه بنحوه: ١٣٩٨، حم: ٣٦٤٥].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وهكذا رَوَى إِسْرَائِيلُ، عَن سِمَاكٍ،
عَن إِبراهِيمَ، عَن عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ، عَن عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ وَّ نَحْوَه.
وقال مجاهد: ((طرفي النهار)): يعني: صلاة الصبح، والظهر، والعصر ((وزلفًا من
الليل)): يعني: صلاة المغرب، والعشاء.
وقال مقاتل: صلاة الصبح، والظهر: طرف. وصلاة العصر، والمغرب: طرف ((وزلفًا
من الليل)): يعني: صلاة العشاء.
وقال الحسن: ((طرفي النهار)): الصبح، والعصر ((وزلفًا من الليل)): المغرب، والعشاء.
وقال ابن عباس: ((طرفي النهار)): الغداة، والعشي؛ يعني؛ صلاة الصبح، والمغرب؛ كذا
في ((الخازن)).
وقال في ((المدارك)): ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ طَرَفَ التَّهَارِ﴾: غدوة وعشية. ﴿وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِ﴾
[هود: ١١٤]: وساعات من الليل. جمع: زلفة؛ وهي: ساعاته القريبة من آخر النهار. من
أزلفه: إذا قربه. وصلاة الغدوة: الفجر. وصلاة العشية: الظهر، والعصر؛ لأن ما بعد
الزوال: عشي. وصلاة الزلف: المغرب، والعشاء. انتهى.
وقال في ((القاموس)): الزلفة؛ بالضم: الطائفة من الليل. والزلف: ساعات الليل،
الآخذة من النهار، وساعات النهار، الآخذة من الليل. انتهى.
قلت: والأقرب عندي - والله تعالى أعلم - ما اختاره في ((تفسير الجلالين)):
و ((المدارك)»، وهو: قول مجاهد.
(فقال رجل من القوم) قيل: هو عمر بن الخطاب. وقيل: هو معاذ بن جبل (هذا له)
أي: هذا الحكم للسائل (خاصة) أي: يخصه خصوصًا، أم للناس عامة (قال: بل للناس
كافة) هكذا تستعمل (كافة) حالًا؛ أي: كلهم، ولا يضاف؛ فيقال: كافة الناس. ولا
الكافة؛ بالألف، واللام، وهو: معدود في تصحيف العوام، ومن أشبههم؛ قاله النووي.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) قال الحافظ: أخرجه مسلم، وأصحاب السنن.

٥٣٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِّي
وَرَوَى شعبة عَن سِمَاكِ بن حَربٍ، عَن إِبراهِيمَ، عَن عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَن
عَبْدِ الله، عَن النَّبِيِّ بَّهِ مِثْلَهُ، وَرِوَايَةُ هَؤُلَاءِ، أصَحُّ مِن رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ.
وَرَوَى شُعبةُ، عَن سِمَاكِ بْنِ حَربٍ، عَن إبراهِيمَ، عَن الأسود عَن عَبدِ الله، عَن
النَّبِيِّ وََّ: نَحْوَه.
حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَن سُفْيَانَ، عَن
الأعمَشِ، وَسِمَاٌ، عَن إِبراهِيمَ، عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَن عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ
مَّه : نحْوَهُ، بِمَعْنَاهُ.
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَن سُفْيَانَ، عَن سِمَاكٍ، عَن
إِبراهِيمَ، عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ نحْوَهُ
بِمَعْنَاهُ، ولم يَذْكُرْ فيهِ: الأعمَشِ، وقد رَوَى سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ هذا الحديثَ، عَن
أبي عُثمانَ النَّهْدِيِّ، عَن ابنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَهِ.
[ت ١٢، م ٥]
[٣١١٣] (٣١١٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بن علي الجُعفِيُّ، عَن
زَائِدَةَ، عَن عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلَى، عَن مُعَاذٍ، قَالَ:
أتى النَّبِيَّ وَّهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أرأيْتَ رَجُلًا لَقِيَ امْرأةً وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا
مَعْرِفَةٌ، فَلَيْسَ يَأْتِي الرَّجُلُ شَيْئًا إِلَى امْرأَتِهِ إلَّا قَدْ أتى هُوَ إِلَيْهَا، إلَّا أنَّهُ لَمْ يُجَامِعْهَا،
قوله: (ورواية هؤلاء أصح من رواية الثوري) أي: رواية أبي الأحوص، وإسرائيل،
وشعبة: أصح من رواية سفيان الثوري.
[٣١١٣] قوله: (عن زائدة) هو: ابن قدامة.
قوله: (أرأيت رجلًا) أي: أخبرني عن رجل (فليس يأتي الرجل شيئاً (١) إلى امرأته؛ إلا
قد أتى هو إليها) يعني: أنه استمتع بها؛ بالقبلة، والمعانقة، وغيرهما من جميع أنواع
الاستمتاع؛ إلا الجماع.
(١) زيادة من نسخة.

٥٣٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَه
قَالَ: فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفَّا مِّنَ الَّتْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ
ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] فَأَمَرَهُ أنْ يَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ، قَالَ مُعَاذٌ: فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ الله، أهِيَ خَاصَّةً لَهُ، أمْ لِلْمُؤْمِنِينَ عامَّةً؟ قَالَ: ((بَلْ لِلْمُؤْمِنِينَ عامَّةً)). [ضعيف
الإسناد حم: ٢١٦٠٧].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ لَيْسَ إسنادُهُ بِمُتَّصِلٍ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي لَيْلَى لَمْ
يَسْمَعْ مِن مُعَاذٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلِ مَاتَ في خِلَافَةِ عُمَرَ، وَقُتِلَ عُمَرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
أبي لَيْلَى غُلامٌ صَغِيرٌ ابنُ سِتِّ سِنِينَ؛ وقد رَوَى عَن عُمَرَ ورآه.
وَرَوَى شُعْبَةُ هذا الحديثَ، عَن عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
أَبِي لَيْلَى، عَنِ النَّبِيِّ وَلِ مُرْسَلٌ.
قوله: (هذا حديث ليس إسناده بمتصل ... إلخ) وأخرجه أحمد ((وقد روى عن عمر، ورآه)).
قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)): قال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: يصح لابن أبي ليلى
سماع من عمر؟ قال: لا. قال أبو حاتم: روي عن عبد الرحمن أنه: رأى عمر، وبعض أهل
العلم يدخل بينه وبين عمر البراء بن عازب، وبعضهم كعب بن عجرة.
وقال الآجري، عن أبي داود: رأى عمر، ولا أدري يصح أم لا .
وقال أبو خيثمة في («مسنده))(١): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا سفيان الثوري، عن
زبيد، وهو: الإيامي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: ((سَمِعْتَ عُمَرَ يَقُولُ: صَلَاةُ الْأَضْحَى
رَكْعَتَيْنٍ، وَالْفِطْرِ رَكْعَتَيْنٍ ... )) الحديث. قال أبو خيثمة: تفرد به يزيد بن هارون؛ هكذا،
ولم يقل أحد: ((سمعت عمر)) غيره. ورواه يحيى بن سعيد، وغير واحد، عن سفيان، عن
زبيد، عن عبد الرحمن، عن الثقة، عن عمر، ورواه شريك، عن زبيد، عن عبد الرحمن،
عن عمر. ولم يقل: سمعت.
وقال ابن أبي خيثمة في ((تاريخه)): وقد روي سماعه من عمر من طرق، وليست
بصحيحة .
وقال الخليلي في ((الإرشاد)): الحفاظ: لا يثبتون سماعه من عمر. وقال ابن المديني:
كان شعبة ينكر أن يكون سمع من عمر.
(١) انظر ((تهذيب التهذيب)) (٢٣٥/٦).

٥٣٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَه
[ت ١٢، م ٦]
[٣١١٤] (٣١١٤) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن سُلَيْمانَ
التَّيْمِيِّ، عَن أبي عُثمانَ، عَن ابنِ مَسْعُودٍ؛ أنَّ رَجُلًا أصَابَ مِنَ امْرأةٍ قُبْلَةَ حَرَامٍ، فَأَتى
النَّبِيَّ وَلَ فَسَأَلَهُ عَن كَفَّارَتِهَا؛ فَنَزَّلَتْ: ﴿وَأَقِ الضَلَوَةَ طَرَفَى النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ أَلَيْلِّ إِنَّ
الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية [هود: ١١٤] فَقَالَ الرَّجُلُ: ألِي هَذِهِ يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ:
(لَكَ وَلِمَنْ عَمِلَ بها مِن أَمَّتِي)). [خ: ٥٢٦، م: ٢٧٦٣، د: ٤٤٦٨، جه: ١٣٩٨، حم: ٣٦٤٥].
قال ابن المديني: لم يسمع من معاذ بن جبل؛ وكذا قال الترمذي في ((العلل)) وابن
خزيمة. وقال يعقوب بن شيبة: قال ابن معين: لم يسمع من عمر، ولا من عثمان، وسمع
من علي. انتهى.
[٣١١٤] قوله: (فقال الرجل: ألي هذه؟) أي: الآية؛ يعني: خاصة بي؛ بأن صلاتي
مذهبة لمعصيتي؟ فظاهر هذا: أن صاحب القصة هو السائل عن ذلك. ولأحمد،
والطبراني(١)، من حديث ابن عباس ((قَالَ: يَا رَسُولَ الله! أَلِيَ خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ فَضَرَبَ
عُمَرُ صَدْرَهُ وَقَالَ: لَا، وَلَا نِعْمَةُ عَيْنٍ بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً، فَقَالَ النَّبِيُّ وََّ: صَدَقَ عُمَرُ)). وفي
حديث أبي اليسر: ((فَقَالَ إِنْسَانٌ يَا رَسُولَ الله! لَهُ خَاصَّةً؟)). وفي رواية إبراهيم النخعي، عند
مسلم (٢): ((فَقَالَ مُعَاذٌ: يَا رَسُولَ الله: أَلَهُ وَحْدَهُ أَمْ لِلنَّاسِ كَافَّةً؟)). وللدار قطني(٣) مثله من
حديث معاذ نفسه. ويحمل على تعدد السائلين عن ذلك (فقال: لك، ولمن عمل بها) أي:
بهذه الآية بأن فعل حسنة بعد سيئة. وفي رواية للبخاري (٤): ((قَالَ: لِجَمِيع أُمَّتِي كُلِّهِمْ)).
وتمسك بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] المرجئة، وقالوا:
إن الحسنات تكفر كل سيئة، كبيرة كانت، أو صغيرة.
وحمل الجمهور هذا المطلق على القيد في الحديث الصحيح(٥): ((إِنَّ الصَّلَاةَ إِلَى الصَّلَاةِ
كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا مَا اجْتَنِبَتِ الْكَبَائِرُ)). فقال طائفة: إن اجتنبت الكبائر، كانت الحسنات
كفارة؛ لما عدا الكبائر من الذنوب، وإن لم تجتنب الكبائر؛ لم تحط الحسنات شيئًا .
(١) أحمد، حديث (٢٢٠٧)، والطبراني في ((الكبير)) (١٢٩٣١).
(٢) مسلم، كتاب التوبة، حديث (٢٧٦٣).
(٣) الدارقطني (١٣٤/١) (٤).
(٤) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، حديث (٥٢٦). (٥) مسلم، كتاب الطهارة، حديث (٢٣١) بنحوه.

٥٣٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِوَهِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[ت ١٢، م ٧]
[٣١١٥] (٣١١٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ،
أُخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبيع، عَن عُثمانَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ مَوْهِبٍ، عَن مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَن
أبي اليُسْرِ، قَالَ: أَتَتْنِي امْرَأَةٌ تَبْتَاعُ تَمْرًا، فَقُلْتُ: إنَّ في البَيْتِ تَمْرًا أطيبَ مِنْهُ،
فَدَخَلَتْ مَعِي فِي البَيْتِ، فَأَهْوَيْتُ إِلَيْهَا، فَقَبَّلْتُهَا، فَأَتَيْثُ أَبَا بَكْرٍ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ،
قَالَ: اسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ وَتُبْ، وَلا تُخْبِرْ أحَدًا، فَلَمْ أصْبِرْ فَأَتَيْتُ عُمَرَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ
لَهُ، فَقَالَ: اسْتُرْ عَلَى نَفسِكَ وَتُبْ، ولا تُخْبِرْ أحْدًا، فَلَمْ أصْبِرْ، فَأَتَيْتُ رَسُوْل الله
وَّهِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ((أَخَلَقْتَ غَازِيًا في سَبِيلِ الله في أهْلِهِ بِمِثْلِ هَذَا))، حَتَّى
تَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أسْلَمَ إلَّا تِلْكَ السَّاعَةَ، حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ مِن أهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: وَأَظْرَقَ
رَسُولُ الله ◌ٍَّ طَوِيلًا حَتَّى أَوحَى الله إِلَيْهِ: ﴿وَأَقِ اٌلْضَلَوَةَ طَرَفَيِ النَّارِ وَزُلَغَا مِنَ الَّيَّلِّ﴾
إلى قوله: ﴿ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]، قَالَ أبو اليُسرِ: فَأَتَيْتُهُ، فَقَرأْهَا عَلَيَّ
رَسُولُ اللهِ وَلَه، فَقَالَ أصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ الله، ألِهَذَا خَاصَّةً أمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ قَالَ:
وقال آخرون: إن لم تجتنب الكبائر؛ لم تحط الحسنات شيئًا منها، وتحط الصغائر.
وقيل: المراد: إن الحسنات تكون سببًا في ترك السيئات؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَ الصَّلَوَةَ تَنْهَى
عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] لا أنها تكفر شيئًا حقيقة، وهذا قول بعض المعتزلة.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
[٣١١٥] قوله: (تبتاع تمرًا) أي: تشتري (فأهويت إليها) أي: ملت إليها (أخلفت غازيًا
في سبيل الله في أهله بمثل هذا) قال الجزري في ((النهاية)): يقال: خَلَفْتُ الرجل في أهله:
إذا أقمت بعده فيهم، وقمت عنه بما يفعله، والهمزة فيه للاستفهام. انتهى.
وفي رواية: (أَنَّهُ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ وَزَوْجُهَا قَدْ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِهِ فِي بَعْثٍ ... إِلَخْ)) (حتى
تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة) لأن الإسلام يهدم ما قبله (وأطرق رَسُولُ اللهِ).
قال في ((النهاية)): الإطراق: أن يقبل ببصره إلى صدره، ويسكت ساكنًا طويلًا؛ أي: إطراقًا
طويلًا، أو زمانًا طويلًا.

٥٣٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َِّّ / باب ((وَمِنْ سُورةٍ يُوسُف»
(بَلْ لِلنَّاسِ عامَّةً)). وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
وَقَيْسُ بْنُ الرَّبِيع، ضَعَّفَهُ وَكِيعٌ وغيرُهُ، وأبو اليَسْرِ هوَ : كَعبُ بْنُ عَمرو.
قَالَ: وَرَوَى شَرِيكُ، عَن عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الله، هذا الحديثَ مِثْلَ رِوَايَةٍ قَيْسٍ بْنِ
الرَّبِيعِ.
قَالَ: وفي البابِ: عَن أبي أُمَامَةَ، وَوَائِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
١٣- باب ((وَمِنْ سُورةٍ يُوسُف)) [ت ١٣، ٢ ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَةِ
[٣١١٦] (٣١١٦) حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الخُزَاعِيُّ المَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا
الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَن مُحمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَن أبي سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ الكَرِيمَ ابْنَ الكَرِيمِ ابن الكَرِيمِ ابن الكَرِيمِ: يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه النسائي، والبزار(١)، كما في ((الفتح)).
قوله: (وفي الباب عن أبي أمامة، وواثلة بن الأسقع، وأنس بن مالك) أما حديث
أبي أمامة فأخرجه أحمد، ومسلم (٢)، وغيرهما. وأما حديث [واثلة](٣) بن الأسقع فلينظر من
أخرجه(٤). وأما حديث أنس بن مالك فأخرجه الشيخان(٥).
قوله: (وأبو اليسر) بفتح التحتية، والسين المهملة ([اسمه: ](٦) كعب بن عمرو) بن عباد
السلمي بالفتح، الأنصاري، صحابي، بدري جلیل.
١٣ - باب وَمِنَّ سُورَةٍ ﴿يُوسُفُ﴾
هي: مكية. مئة وإحدى عشرة آية .
[٣١١٦] قوله: (يوسف) مرفوع؛ لأنه خبر ((إن)): واسمها (الكريم) وهو ضد: اللئيم.
وكل نفس كريم هو متناول للصالح الجيد دينًا ودنيا .
(١) النسائي في ((الكبرى)) (٧٣٢٧)، والبزار (٢٣٠٠).
(٢) أحمد (٢١٧٨٣)، ومسلم، كتاب التوبة، حديث (٢٧٦٥).
(٣) في نسخة: ((وائلة))؛ والصواب ما أثبتناه.
(٤) أحمد (١٥٥٨٤).
(٥) البخاري، كتاب الحدود، حديث (٦٨٢٣)، ومسلم، كتاب التوبة، حديث (٢٧٦٤).
(٦) في نسخة: ((هو)) بدل ((اسمه)).

٥٣٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َّهِ / باب ((وَمِنْ سُورةِ يُوسُف))
إِسْحَاقَ بْنِ إِبراهِيمَ))، قَالَ: ((وَلَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ، ثُمَّ جاءْنِي
الرَّسُولُ أجَبْتُ، ثُمَّ قَرأ ﴿فَلَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَيِّكَ فَسْئَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّتِىِ
ج
قَطَّعْنَ أَبْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠])) قَالَ: ((وَرَحْمَةُ الله عَلَى لُوطِ، إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إلَى رُكْنٍ
شَدِيدٍ، إذ قَالَ: ﴿لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]
قال النووي: وأصل الكرم: كثرة الخير، وقد جمع يوسف - عليه الصلاة السلام -
مكارم الأخلاق، مع شرف النبوة. وكونه ابنًا لثلاثة أنبياء متناسلين، ومع شرف رياسة الدنيا
ملكها بالعدل والإحسان، وكون قوله ويقول: ((الكريم بن الكريم ... )) إلى آخره موزونًا مقفى
لا ينافي ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩] إذ لم يكن هذا بالقصد؛ بل وقع بالاتفاق. والمراد:
صنعة الشعر.
(ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم جاءني الرسول أجبت) أي: لأسرعت الإجابة
في الخروج من السجن، ولما قدمت طلب البراءة؛ فوصف بشدة الصبر؛ حيث لم يبادر
بالخروج؛ وإنما قاله ◌َّ﴿ تواضعًا. والتواضع لا يحط مرتبة الكبير؛ بل يزيده رفعة وجلالًا،
وقيل: هو من جنس قوله: ((لَا تَفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ)).
وقد قيل: إنه قاله قبل أن يعلم أنه أفضل من الجميع. (﴿فَلَمَّا جَآءَهُ﴾) أي: يوسف.
(﴿الرَّسُولُ﴾) وطلبه للخروج. (﴿قَالَ﴾) أي: يوسف قاصدًا إظهار براءته. (﴿أَرْجِعْ إِلَى رَيِّكَ﴾)
أي: إلى سِيدك؛ وهو: الملك. (﴿فَسْئَلْهُ﴾) أن يسأل. (﴿مَا بَالُ﴾) حال. (﴿النِّسْوَةِ الَّتِى
قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠]) لم يصرح بذكر امرأة العزيز؛ أدبًا، واحترامًا لها (ورحمة الله على
لوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد) أي: إلى الله سبحانه وتعالى، يشير ويطفو إلى قوله تعالى:
﴿لَوَ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]، ويقال: إن قوم لوط لم يكن فيهم أحد
يجتمع معه في نسبه؛ لأنهم من سدوم؛ وهي: من الشام. وأصل إبراهيم، ولوط من العراق؛
فلما هاجر إبراهيم إلى الشام، هاجر معه لوط؛ فبعث الله لوظًا إلى أهل سدوم؛ فقال: لو أن
لي منعة، وأقارب، وعشيرة؛ لكنت أستنصر بهم عليكم؛ ليدفعوا عن ضيفاني. ولهذا جاء في
بعض طرق هذا الحديث؛ كما أخرجه أحمد. قال لوط: ﴿لَوَّ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَ زُگِْ
شَدِيدٍ﴾؛ قال: فإنه كان يأوي إلى ركن شديد؛ ولكنه عنى عشيرته؛ فما بعث الله نبيًّا إلا في
ذروة من قومه. زاد ابن مردويه: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى قَوْلِ شُعَيْبٍ: ﴿وَلَوْلَا رَهْلُكَ لَرَجَمَْكٌ﴾ [هود: ٩١].
وقيل: معنى قوله: ((لقد كان يأوي إلى ركن شديد)). أي: إلى عشيرته؛ لكنه لم يأو إليهم،
وآوى إلى الله. انتهى. والأول: أظهر.

٥٤٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((وَمِنْ سُورةِ الرَّعْد))
فما بَعَثَ الله مِن بَعْدِهِ نَبِيًّا إلَّا فِي ذِرْوَةٍ مِن قَوْمِهِ)). [صحيح بلفظ: ((ثروة)، حم: ٨١٩١].
[ت ١٣، م ٢]
حَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ وَعَبْدُ الرَّحِيم، عَن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، نَحْوَ حَدِيثٍ
الفَضْلِ بْنِ مُوسَى، إلّا أنَّهُ قَالَ: ((ما بَعَثَ اللهُ بَعْدَهُ نَبِيًّا، إلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِن قَوْمِهِ)).
قَالَ مُحمَّدُ بْنُ عَمْرِو: الثَّرْوَةُ: الكَثْرَةُ وَالمَنعَةُ. [انظر الذي قبله].
قَالَ أبُو عِيْسَى: وهذا أصَحُّ مِن رِوَايَةِ الفَضْلِ بْنِ مُوسَى، وهذا حديثٌ حسنٌ.
١٤ - باب ((وَمِنَّ سُورةِ الرَّعْد)) [ت ١٤، ١٢]
وقال الجزري في ((النهاية)): في الحديث أنه قال: ((رحم الله لوطًا؛ إنه كان يأوي إلى
ركن شديد))؛ أي: إلى الله - تعالى - الذي هو أشد الأركان، وأقواها. وإنما ترحم عليه؛
لسهوه حين ضاق صدره من قومه حتى قال: ((أو آوي إلى ركن شديد)»، أراد: عز العشيرة
الذين يستند إليهم؛ كما يستند إلى الركن من الحائط.
(فما بعث الله من بعده) أي: بعد لوط عليه السلام (إلا في ذروة من قومه) بضم الذال،
وكسرها؛ أي: أعلا نسب قومه.
قوله: (حدثنا عبدة) بن سليمان الكلابي (وعبد الرحيم) بن سليمان الأشل.
قوله: (في ثروة من قومه) بفتح المثلثة، وسكون الراء: في عدد كثير من قومه.
قال في ((النهاية)): الثروة: العدد الكثير. وإنما خص لوطًا؛ لقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ
ءَوِىّ إِلَى رَكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠].
قوله: (الثروة: الكثرة، والمنعة) يقال: فلان في عز، ومنعة؛ بفتحتين؛ وقد تسكن
النون. وقيل: المنعة: جمع: مانع. مثل: كافر وكفرة؛ أي: هو في عز، ومن يمنعه من
عشيرته (وهذا حديث حسن) وأصله في ((الصحيحين)).
الرّ
١٤ - باب وَمِنَّ سُورَةٍ
مكية إلا ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الرعد: ٣١] الآية: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلًا﴾
[الرعد: ٤٣] الآية، أو مدنية إلا ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا﴾ [الرعد: ٣١] الآيتين ثلاث، أو أربع، أو خمس،
أو ست وأربعون آية .