النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهُ
قَالَ: وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآيَةِ.
ج
[جه: ١٩٠].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِن هَذَا الوَجهِ.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ عَقِيلٍ، عَن جَابِرٍ، شَيْئًا مِن هَذَا، ولَا نَعْرِفُهُ إِلَّا
مِن حَدِيثٍ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ المَدِينِيِّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِن
كِبَارِ أهْلِ الحَديثِ؛ هَكَذَا عَن مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ
[ت ٤، م ١٩]
[٣٠١١] (٣٠١١) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأعْمَشِ، عَن
عَبْدِ الله بْنِ مُرَّةَ، عَن مَسْرُوقٍ عَن عبد الله بنِ مَسْعُودٍ؛ أنَّهُ سُئِلَ عَن قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ
الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَّا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَفُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] فَقَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ
سَأَلْنَا عَن ذَلِكَ، فَأُخْبِرْنَا
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه ابن مردويه هكذا (عن موسى بن إبراهيم) أي:
مطولًا (وقد روى عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر شيئًا من هذا) أي: مختصرًا. ورواية
عبد الله بن محمد بن عقيل هذه؛ وصلها أحمد في ((مسنده)(١).
[٣٠١١] قوله: (عن عبد الله بن مرة) هو: الهمداني.
قوله: (فقال) أي: ابن مسعود (أما) بالتخفيف، للتنبيه (إنا قد سألنا) أي: رسول الله إليه
(عن ذلك) أي: عن معنى هذه الآية (فأخبرنا) وفي رواية مسلم: ((فَقَالَ)).
قال النووي: هذا الحديث مرفوع؛ لقوله ((إنا قد سألنا عن ذلك)) فقال: يعني: النبي
وَالله. وقال القاضي: المسؤول، والمجيب هو الرسول - صلوات الله عليه وسلامه - وفي
((فقال)»: ضمير له، ويدل عليه قرينة الحال، فإن ظاهر حال الصحابي أن يكون سؤاله،
واستكشافه من الرسول و 18 لا سيما في تأويل آيةٍ هي من المتشابهات، وما هو من أحوال
المعاد؛ فإنه غيب صرف، لا يمكن معرفته إلا بالوحي، ولكونه بهذه المثابة من التعين أضمر
من غير أن يسبق ذكره.
(١) أحمد، حديث (١٤٤٦٧).

٣٦٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّه
(أنَّ أرْوَاحَهُمْ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَعُ في الجَنَّةِ حَيْثُ شَاءتْ، وَتَأوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ
بالعَرْشِ؛ فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رِبُّكَ اطِّلَاعَةً، فَقَالَ: هَلْ تَسْتَزِيدُونَ شَيْئًا فَأَزِيدُكُمْ؟ قَالُوا:
رَبِّنَا، وَمَا نَسْتَزِيدُ، وَنَحْنُ في الجَنَّةِ نَسْرَحُ حَيْثُ شِئْنَا؟ ثُمَّ اطَلَعَ إِلَيْهِمِ الثَّانِيةَ، فَقَالَ:
هَلْ تَسْتَزِيدُونَ شَيْئًا فَأَزِيدَكُمْ؟ فَلَمَّا رَأَوْا أنَّهُمْ لا يُتْرَكُونَ [لم يُتْرَكُوا]، قالوا: تُعِيْدُ
أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أَخْرَى)). [م: ١٨٨٧،
جه: ٢٨٠١، مي: ٢٤١٠].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(أن أرواحهم في طير خضر) وفي رواية مسلم(١): ((فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ)) أي: يخلق
لأرواحهم؛ بعد ما فارقت أبدانهم هياكل على تلك الهيئة تتعلق بها، وتكون خلفًا عن
أبدانهم، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩] فيتوسلون بها إلى نيل
فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن
ما يشتهون من اللذائذ الحسية، وإليه يرشد قوله تعالى: ﴿يُرْزَقُونَ (9)
فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]، والطير: جمع طائر؛ ويطلق على الواحد. وخضر - بضم؛
فسكون - جمع: أخضر (تسرح) أي: ترعى (وتأوي) أي: ترجع (إلى قناديل معلقةٍ بالعرش)
فهي بمنزلة أوكار الطير (فاطلع) بتشديد الطاء؛ أي: نظر (إطلاعة) إنما قال: ((إطلاعة)) ليدل
على أنه ليس من جنس إطلاعنا على الأشياء.
قال القاضي: وعداه بـ(إلى))، وحقه أن يعدى بـ ((على))؛ لتضمنه معنى الانتهاء (فقال)
أي: الرب - تعالى - (وما نستزيد) أي: أيُّ شيء نستزيد؟ (ونحن في الجنة نسرح حيث شئنا)
يعني: وفيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين (فلما رأوا أنهم لا يتركون) أي: من أن يسألوا
(قالوا: تعيد) من الإعادة؛ أي: ترد (فنقتل) بصيغة المجهول (في سبيلك مرة أخرى) زاد
مسلم(٢): فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تركُوا، أي: من سؤال: هل تستزيدون؟
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
(١) مسلم، كتاب الإمارة، حديث (١٨٨٧).
(٢) مسلم، كتاب الإمارة، حديث (١٨٨٧).

٣٦٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِوَه
[ت ٤، م ٢٠]
... . حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَن
أبي عُبَيْدَةَ، عَن ابنٍ مَسْعُودٍ: مِثْلَهُ، وَزَادَ فِيهِ: وَتُقْرِئُ نَبِّنَا السَّلَامَ وَتُخْبِرُهُ عَنا أَنَّا قَدْ
رَضِيْنَا وَرُضِيَ عَنَّا. [في إسناده عطاء بن السائب، صدوق اختلط].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ.
[ت ٤، م ٢١]
[٣٠١٢] (٣٠١٢) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن جَامِعِ - وَهُوَ ابنُ
أبي رَاشِدٍ - وَعِبْدُ المَلِكِ بْنُ أعْيَنَ، عَن أبي وَائِلٍ، عَن عَبْدِ الله بْنِ مسعودٍ، يَبْلُغُ بِهِ
النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((مَا مِن رَجُلٍ لا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ، إلَّا جَعَلَ الله يَوْمَ القِيَامَةِ فِي عُنُقِهِ
شُجَاعًا، ثُمَّ قَرأ عَلَيْنَا مِصْدَاقَهُ مِن كِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَّاً
ءَاتَلُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾)) الآيَةَ،
قوله: (عن أبي عبيدة) هو: ابن عبد الله بن مسعود، مشهور بكنيته (وزاد) أي: أبو عبيدة
في روايته (وتقرئ) أي: يا رب (نبينا) بالنصب؛ أي: عليه ◌َّفر (السلام) مفعول ثان لـ ((تقرئ))
(وتخبره) أي: النبي ◌ّ (أن قد رضينا) أي: بالله تعالى (ورضي عنا) بصيغة المجهول؛ أي:
رضي الله - تعالى - عنا.
قوله: (هذا حديث حسن) قد صرح الترمذي بعدم سماع أبي عبيدة من أبيه عبد الله بن
مسعود في باب ((الاستنجاء)) بالحجرين؛ فتحسينه لهذا الحديث، لمجيئه من السند المتقدم.
[٣٠١٢] قوله: (عن جامع، وهو ابن أبي راشد) الكاهلي، الصيرفي، الكوفي، ثقة،
فاضل، من الخامسة (وعبد الملك بن أعين) الكوفي، مولى بني شيبان، صدوق، شيعي، له
في ((الصحيحين)): حديث واحد متابعة، من السادسة (عن أبي وائل) هو شقيق بن سلمة.
قوله: (إلا جعل الله يوم القيامة في عنقه شجاعًا) بالضم، والكسر: الحية الذكر. وقيل:
الحية مطلقًا (مصداقه) أي: ما يصدقه، ويوافقه (من كتاب الله) الظاهر: أنه حال من
((مصداقه)): أو من بيان له، وما بعده بدل بعض من الكل. (﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا
ءَاتَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]) الآية بتمامها مع تفسيرها؛ هكذا ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء
والياء. ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَلُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ.): أي: بركاته. ﴿هو﴾: أي: بخلهم. ﴿خَيْراً

٣٦٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
وَقَالَ مَرَّةً: ((قَرأْ رَسُولُ اللهِ وَّةِ مِصْدَاقَهُ: (سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ اُلْقِيَّمَةِ﴾
[آل عمران: ١٨٠] وَمَنِ اقْتَطَعَ مَالَ أخِيهِ المسْلِم بِيَمِينٍ، لَفِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، ثُمَّ
قَرأْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مِصْدَاقَهُ مِن كِتَابِ الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٧]
الآيَةَ)). [ن: ٢٤٤٠، جه: ١٧٨٤].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وَمَعْنَى قَوْله: شُجَاعًا أقْرَعَ: يَعْنِي حَيَّةً.
[ت ٤، م ٢٢]
[٣٠١٣] (٣٠١٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَسَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ،
عَن مُحمَّدٍ بْنِ عَمرٍو، عَن أبي سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((إِنَّ
مَوْضِعَ سَوْطٍ في الجَنَّةِ، لخَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَمَنْ زُحْرِجَ عَنِ
الثَارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَةَ فَقَدْ فَازُ
ج.
[آل عمران: ١٨٠]: مفعول ثان، والضمير للفصل. والأول بخلهم مقدرًا قبل الموصول
على الفوقانية، وقبل الضمير على التحتانية. ﴿بَلّ هُوَ شَرٌ لَهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَحِلُواْ بِهِ.﴾: أي:
بزكاته من المال. ﴿يَومِ اٌلْقِيَامَةِ﴾: بأن يجعل حية في عنقه تنهشه. ﴿وَلِلَّهِ مِيرَثُ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ﴾: يرثهما بعد فناء أهلهما. ﴿وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠]: فيجازيكم به
(وقال مرة) أي: قال عبد الله بن مسعود مرة (ومن اقتطع مال أخيه) أي: أخذه بغير حق
(بیمین) أي: کاذب.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والنسائي، وابن ماجه (ومعنى قوله:
شجاعًا أقرع يعني: حية) لم يقع في رواية الترمذي المذكورة: ((أقرع))، نعم: وقع في حديث
أبي هريرة عند البخاري وغيره، ومعناه: الذي لا شعر على رأسه؛ لكثرة سمه، وطول عمره.
[٣٠١٣] قوله: (وسعيد بن عامر) هو: الضبعي (عن محمد بن عمرو) هو: ابن علقمة
(عن أبي سلمة) هو: ابن عبد الرحمن.
قوله: (إن موضع سوط في الجنة) أريد به: قدر قليل منها، أو مقدار موضعه فيها (خير
من الدنيا، وما فيها) لأن الجنة مع نعيمها باقية، والدنيا وما فيها فانية. (﴿فَمَنْ زُحْرِحَ﴾
[آل عمران: ١٨٥]) أي: بعد (﴿عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَّ﴾ [آل عمران: ١٨٥]) نال غاية

٣٦٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّى
وَمَا الْحَيَؤُةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥])). [مي: ٢٨٢٠].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[ت ٤، م ٢٣]
[٣٠١٤] (٣٠١٤) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحمَّدِ الزَّعْفَرَانيُّ، حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ بْنُ
مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْج: أخْبَرَنِي ابنُ أبي مُلَيْكَةَ؛ أنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
عَوْفٍ، أَخْبَرَهُ أنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَم، قَالَ: اذْهَبْ يَا رَافِعُ لبوّابِهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْ
لَهُ: لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِمَا أُوْتِيَ، وَأَحَبَّ أنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا، لَنُعَذَّبَنَّ
مطلوبه. (﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٨٥]) العيش فيها (﴿إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:
١٨٥]) الباطل؛ يتمتع به قليلًا، ثم يفنى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن أبي حاتم(١).
قال ابن كثير: هذا الحديث ثابت في ((الصحيحين)): بدون هذه الزيادة؛ أي: زيادة:
((اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ... إلخ)): وقد رواه بدون هذه الزيادة أبو حاتم وابن حبان في (صحيحه))
والحاكم في ((مستدركه)): من حديث محمد بن عمرو هذا(٢).
[٣٠١٤] قوله: (حدثنا حجاج بن محمد) هو: المصيصي الأعور (أن حميد بن
عبد الرحمن بن عوف) الزهري، المدني، ثقة، من الثانية. وقيل: إن روايته عن عمر: مرسلة
(أن مروان بن الحكم قال: اذهب يا رافع لبوابه) وفي رواية البخاري(٣): أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ
لِيَوَّابِهِ: اذْهَبْ يَا رَافِعُ. قال الحافظ: وكان مروان يومئذ أميرًا على المدينة من قبل معاوية،
ثم ولي الخلافة. قال: ورافع هذا: لم أر له ذكر في كتاب ((الرواة)) إلا بما جاء في هذا
الحديث. والذي يظهر من سياق الحديث أنه توجه إلى ابن عباس، فبلغه الرسالة، ورجع إلى
مروان بالجواب؛ فلولا أنه معتمد عند مروان ما قنع برسالته (وأحب أن يحمد) بضم التحتية
على صيغة المجهول (معذبًا) خبر كان (لنعذبن) بصيغة المجهول؛ وهو جواب قوله: ((لئن))،
أي: لأن كلنا يفرح بما أوتي، ويحب أن يحمد بما لم يفعل
(١) ابن أبي حاتم في «تفسيره)) (٨٣٣/٣).
(٢) فيه نظر؛ فقد أخرجه ابن حبان (٧٤١٧)، والحاكم (٣١٧٠)؛ كلاهما من حديث محمد بن عمرو بهذه الزيادة.
(٣) البخاري، كتاب التفسير، حديث (٤٥٦٨).

٣٦٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِحول
أجْمَعونَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاس: مَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ الآيَةِ؛ إنَّمَا أَنْزِلَتْ هَذِهِ فِي أَهْلِ الكِتَابِ،
ثُمَّ تَلا ابنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾
[آل عمران: ١٨٧] وَتَلا: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَ يُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾
[آل عمران: ١٨٨] قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ وَلَهِّ عَنْ شَيْء فَكَتَمُوهُ، وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ،
فَخَرَجُوا وَقَدْ أَرَوْهُ أنْ قَدْ أَخْبَرُوهُ بِمَا قد سَأَلَهُمْ عَنْهُ، فَاسْتُحْمِدُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ، وفَرِحُوا
(أجمعون) بالواو على أنه تأكيد للضمير الذي في (لنعذبن) ووقع في رواية ((أَجْمَعِينَ)): بالياء
على أنه منصوب على الحال؛ أي: لنعذبن مجتمعين (فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية!)
إنكار من ابن عباسٍ عن السؤال بهذه المسألة على الوجه المذكور (ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ
أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾) أي: العهد عليهم في التوراة. (﴿لَتُبِّنُنَّهُ﴾) أي: الكتاب.
(﴿لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ، فَنَبَذُوهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]) أي: طرحوا الميثاق. ﴿وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران:
١٨٧]: فلم يعملوا به. ﴿وَاشْتَرَوَأْ بِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٧]: أخذوا بدله. ﴿ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ [آل عمران:
١٨٧]: من الدنيا؛ من سفلتهم برياستهم في العلم؛ فكتموه؛ خوف فوته عليهم. ﴿فَأْسَ مَا
يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]: شراءهم هذا. وفي تلاوة ابن عباس هذه الآية: إشارة إلى أن الذين
أخبر الله عنهم في الآية المسؤول عنها هم: المذكورون في الآية التي قبلها، وأن الله ذمهم
بكتمان العلم الذي أمرهم أن لا يكتموه، وتوعدهم بالعذاب على ذلك. (﴿بِمَا أَنَوَا﴾ [آل عمران:
١٨٨]) بفتح الهمزة، والفوقية، أي: بما جاؤوا؛ يعني: بالذي فعلوه (﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ
يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]) أي: ويحبون أن يحمدهم الناس؛ على شيء لم يفعلوه.
(سألهم النبي ◌ِّ﴿ عن شيء، فكتموه، وأخبروه بغيره) قال الحافظ: الشيء الذي سأل
النبي ◌َّ عنه اليهود: لم أره مفسرًا، وقد قيل: إنه سألهم عن صفته عندهم بأمر واضح؛
فأخبروا عنه بأمر مجمل. وروى عبد الرزاق من طريق سعيد بن جبير في قوله: ﴿لَتُبِيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ
وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] قال محمد. وفي قوله: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوَا﴾ [آل عمران: ١٨٨] قال:
بكتمانهم محمدًا. وفي قوله: ﴿أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمَّ يَفْعَلُواْ﴾ [آل عمران: ١٨٨]. قال: قولهم: نحن
علی دین إبراهيم.
(وقد أروه) بفتح الهمزة، والراء: من الإراءة. والضمير المنصوب للنبي وَل (واستحمدوا)
بفتح الفوقية مبنيًّا للفاعل؛ أي: طلبوا أن يحمدهم. قال في ((الأساس)): استحمد الله إلى
خلقه: بإحسانه إليهم، وإنعامه عليهم؛ قاله القسطلاني.

٣٦٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَّهِ / باب ((وَمِنْ سُورةِ النِّسَاء))
بِمَا أُوتُوا مِن كِثْمانِهِمْ، وَمَا سَأَلَّهُمْ عَنْهُ. [خ: ٤٥٦٨، م: ٢٧٧٨، حم: ٢٧٠٧].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
وقال العيني: واستحمدوا على صيغة المجهول من: استحمد فلان عند فلان؛ أي: صار
محمودًا عنده. والسين فيه للصيرورة. انتهى (بما أوتوا من كتمانهم) بصيغة المجهول: من
الإيتاء. أي: أعطوا، وفي رواية أحمد (١): ((بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ مَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ)): وفي
رواية البخاري (٢): ((بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ)).
قال الحافظ: قوله: ((بما أتوا))؛ كذا للأكثر بالقصر، بمعنى: جاؤوا، أي: بالذي فعلوه.
وللحموي بما أوتوا بضم الهمزة بعدها واو؛ أي: أعطوا؛ أي: من العلم الذي كتموه؛ كما
قال تعالى: ﴿فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣] والأول: أولى؛ لموافقته التلاوة
المشهورة. انتهى (وما سألهم عنه) عطف على ما أوتوا والضمير المرفوع في سأل يرجع إلى
النبي وَّر، والضمير المجرور في قوله ((عنه)): إلى ((ما)).
تنبيه: قد ورد في سبب نزول هذه الآية حديثان صحيحان.
أحدهما: حديث ابن عباس هذا.
والثاني: ما رواه البخاري في ((صحيحه)) (٣): عن أبي سعيد الخدري: ((أَنَّ رِجَالًا مِنَ
المُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ◌ِّهِ كَانَ إِذَا خَرَجَ رَسُولُ الله ◌َّهِ إِلَى الْغَزْوِ وتَخَلَّقُوا عَنْهُ وَفَرِحُوا
بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ بَّةِ، فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ اعْتَذَرُوا إليه وَحَلَفُوا وَأَحَبُّوا أَنْ
يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٨] الآية.
قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن تكون الآية نزلت في الفريقين معًا، وبهذا أجاب
القرطبي وغيره.
قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان، والنسائي (٤).
(١) أحمد، حديث (٢٧١٢).
(٢) البخاري، كتاب التفسير، حديث (٤٥٦٨).
(٣) البخاري، كتاب تفسير القرآن، حديث (٤٥٦٧).
(٤) النسائي ((الكبرى))، حديث (١١٠٨٦).

٣٦٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَزِ ل باب ((وَمِنْ سُورةِ النِّسَاء))
٥- باب ((وَمِنَّ سُورةِ النِّسَاء)) [ت ١٢،٥]
[٣٠١٥] (٣٠١٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةً،
عَن مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، يَقُولُ: مَرِضْتُ فَأَتَانِي
رَسولُ اللهِ وَِّ يَعُودُنِي، وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَلَمَّا أفَقْتُ، قُلْتُ: كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟
فَسَكَتَ عِنِّي حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُ اَللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَبَيْنِّ﴾ [النساءِ
١١]. [خ: ١٩٤، م: ١٦١٦، د: ٢٨٨٦، جه: ٢٧٢٨، حم: ١٣٧٧٤، مي: ٧٣٣].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ؛ وَقَدْ روى غَيْرُ وَاحِدٍ، عَن مُحمَّدٍ بْنِ
المُنْكَدِرِ .
٥ - باب وَمِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ
هي: مدنية. ومئة وخمس، أو ست، أو سبع وسبعون آية.
[٣٠١٥] قوله: (يقول مرضت؛ فأتاني رسول الله (38 يعودني) تقدم هذا الحديث في
((الفرائض))، وتقدم هناك شرحه (حتى نزلت: ﴿يُوصِيكُ اللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمْ﴾ إلخ)؛ كذا وقع في
رواية الترمذي هذه؛ أعني: من طريق يحيى بن آدم، عن طريق ابن عيينة، عن محمد بن
المنكدر؛ وكذا وقع في رواية البخاري، عن طريق هشام، عن ابن جريج، عن ابن المنكدر.
قال الحافظ في الفتح: قوله: فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ﴾. هكذا وقع في رواية
ابن جريج. وقيل: إنه وهم في ذلك، وأن الصواب: أن الآية التي نزلت في قصة جابر هذه:
الآية الأخيرة من النساء؛ وهي: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]؛ لأن
جابرًا يومئذ لم يكن له ولد، ولا والد. والكلالة: من لا ولد له، ولا والد، وقد أخرجه
مسلم، عن عمرو الناقد؛ والنسائي، عن محمد بن منصور؛ كلاهما، عن ابن عيينة، عن ابن
المنكدر؛ فقال في هذا الحديث: حتى نزلت عليه آية الميراث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى
اَلْكَلَلَةِ﴾ ولمسلم أيضًا، من طريق شعبة، عن ابن المنكدر. قال في آخر هذا الحديث:
فنزلت آية الميراث؛ فقلت لمحمد بن المنكدر: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَلَةِ﴾ قال:
هكذا أنزلت. وقد أطال الحافظ الكلام هاهنا في ((الفتح)): فعليك أن تراجعه.
وقد ذكر الحافظ ابن كثير: في تفسير هذه الآية حديث جابر المذكور، في ((صحيح
البخاري)): من طريق هشام، عن ابن جريج، عن ابن المنكدر، ثم ذكر حديث جابر، من

٣٦٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهـ
[ت ٥، م ٢]
حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ الصَّبَّاحِ البَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن ابنِ المُنْكَدِرِ، عَن
جَابِرِ بنِ عَبدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِ الفَضْلِ بْنِ الصَّبَّاحِ كَلَامٌ أكْثَرُ مِن
هَذَا .
[ت ٥، م ٣]
[٣٠١٦] (٣٠١٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أخْبَرَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ
يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَن أبي الخَلِيلِ، عَن أبي عَلْقَمَةَ الهَاشِمِيِّ، عَن أبي سَعِيدٍ
الخُدْرِيِّ، قَالَ: لمّا كَانَ يَوْمُ أوْطَاسٍ، أصَبْنَا نِسَاءً لَهُنَّ أَزْوَاجٌ فِي المُشْرِكِينَ،
فَكَرِهَهُنَّ رِجَالٌ مِنّا؛
طريق عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عنه قال: ((جَاءَتِ امْرَأَةُ
سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ إِلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، قُتِلَ
أَبُوهُمَا مَعَكَ فِيَ يَوْم أُحُدٍ شَهِيدًا ... )): الحديث. أخرجه الترمذي، وغيره. ثم قال: والظاهر
أن حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية الأخيرة من هذه السورة؛ فإنه إنما كان له إذ ذاك
أخوات، ولم يكن له بنات، وإنما كان يورث كلالة؛ ولكن ذكرنا الحديث هاهنا؛ تبعًا
للبخاري؛ فإنه ذكره هاهنا، والحديث الثاني: عن جابر أشبه بنزول هذه الآية. انتهى.
قوله: (وفي حديث الفضل بن صباح كلام أكثر من هذا) أي: حديث الفضل بن صباح
أطول من حديث يحيى بن آدم المذكور، وحديث الفضل بن صباح هذا؛ تقدم في باب:
((ميراث الأخوات)).
[٣٠١٦] قوله: (حدثنا قتادة) بن دعامة (عن أبي علقمة الهاشمي) الفارسي، المصري،
مولى بني هاشم، ويقال: حليف الأنصار. ثقة، وكان قاضي إفريقية، من كبار الثالثة.
قوله: (لما كان يوم أوطاس) اسم موضع، أو بقعة في الطائف؛ يصرف، ولا يصرف
(لهن أزواج في المشركين) صفة لنساء (فكرههن) أي: كره وطئهن من أجل أنهن مزوجات،
والمزوجة لا تحل لغير زوجها (منهم) أي: من أصحاب النبي وَّةٍ، وفي بعض النسخ ((مِنَّا))،
وهو الظاهر. وروى مسلم(١) هذا الحديث بلفظ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى
(١) مسلم، كتاب الرضاع، حديث (١٤٥٦).

٣٧٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَلْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمَّ﴾
[النساء: ٢٤]. [م: ١٤٥٦،
ن: ٣٣٣٣، د: ٢١٥٥، حم: ١١٣٨٨].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ.
أَوْطَاسِ، فَلَقَوْا عَدُوًّا، فَقَاتَلُوهُمْ، فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ، وَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا، فَكَأَنَّ نَاسًا مِنْ
أَصْحَابِ النَّبِيِّ وََّ تَحَرَّجُوا مِنْ غَشَيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ (فأنزل الله تعالى
﴿وَالْمُحْصَنَتُ﴾) بفتح الصاد باتفاق القراء؛ وهو معطوف على ((أمهاتكم)): أي: وحرمت عليكم
المحصنات، أي: ذوات الأزواج، لأنهن أحصن فروجهن بالتزويج. (﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ
أَيْمَنُكُمْ﴾)، أي: أيمانكم، أي: إلا ما أخذتم من نساء الكفار، بالسبي، وزوجها في دار
الحرب، لوقوع الفرقة بتباين الدارين؛ فتحل للغانم؛ بملك اليمين، بعد الاستبراء.
قال النووي: اعلم أن مذهب الشافعي، ومن قال بقوله من العلماء أن: المسبية من عبدة
الأوثان، وغيرهم من الكفار الذين لا كتاب لهم لا يحل وطؤها بملك اليمين، حتى تسلم،
فما دامت على دينها؛ فهي محرمة، وهؤلاء المسبيات كن من مشركي العرب عبدة الأوثان،
فيتأول هذا الحديث، وشبهه على أنهن أسلمن، وهذا التأويل لا بد منه. انتهى.
وقال الشوكاني في ((النيل)): في باب ((استبراء الأمة إذا ملكت)): ما لفظه: ظاهر أحاديث
الباب أنه: لا يشترط في جواز وطء المسبية الإسلام؛ ولو كان شَرَطَ البينةَ وَ﴿ ولما يبينه،
ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ وذلك وقتها، ولا سيما وفي المسلمين في يوم
حنين وغيره من هو حديث عهد بالإسلام، يخفى عليهم مثل هذا الحكم، وتجويز حصول
الإسلام من جميع السبايا، وهن في غاية الكثرة بعيد جدًّا، فإن إسلام مثل عدد المسبيات في
((أوطاس)) دفعة واحدة من غير إكراه لا يقول بأنه يصح تجويزه عاقل. ومن أعظم المؤيدات
لبقاء المسبيات على دينهن ما ثبت من رده ويل# لهن بعد أن جاء إليه جماعة من هوازن،
وسألوه أن يرد إليهم ما أخذ عليهم منهم من الغنيمة، فرد إليهم السبي فقط، وقد ذهب إلى
جواز وطء المسبيات الكافرات بعد الاستبراء المشروع جماعة منهم: طاوس، وهو الظاهر؛
لما سلف. انتهى.
(هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

٣٧١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَه
[ت ٥، م ٤]
[٣٠١٧] (٣٠١٧) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أخْبَرَنَا عُثمانُ البَتِّيّ،
عَن أبي الخَلِيلِ، عَن أبي سَعِيدٍ الخدريّ، قَالَ: أصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أوْطَاسٍ لَهُنَّ أَزْوَاجٌ
فِي قَوْمِهِنَّ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسول الله وَِّ فَنَزَلَتْ: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ
أَيِّمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. [ر: ٣٠١٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌّ؛ وَهَكَذَا رَوَى الثَّوْرِيُّ، عَن عُثْمانَ البَِّّي، عَن
أبي الخَلِيلِ، عَن أبي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ، عَن النبيِّ وَّهِ نَحْوَهُ، وَلَيْسَ فِي هَذا الحَدِيثِ:
عَن أبي عَلْقَمَةَ، وَلَا أعْلَمُ أنَّ أحَدًا ذَكَرَ أبَا عَلْقَمَةَ فِي هذا الحَدِيثِ إلَّا مَا ذَكَرَ
هَمَّامٌ، عَن قَتَادَةَ وَأَبُو الخَلِيلِ، اسْمُهُ: صَالِحُ بْنُ أَبي مَرْيَم.
[ت ٥، م ٥]
[٣٠١٨] (٣٠١٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ
الحَارِثِ، عَن شُعْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ أبي بَكْرِ بْنِ أنسٍ، عَن أنسٍ بنِ مَالكِ، عَنِ
[٣٠١٧] قوله: (أخبرنا عثمان) بن مسلم (البتي) بفتح الموحدة، وكسر الفوقية المشددة:
أبو عمرو، البصري، صدوق، عابوا عليه الإفتاء بالرأي، من الخامسة.
قوله: (أصبنا سبايا) جمع السبية: وهي المرأة المنهوبة فعيلة بمعنى مفعولة.
قوله: (ولا أعلم أن أحدًا ذكر أبا علقمة في هذا الحديث إلا ما ذكر همام، عن قتادة)
كذا قال الترمذي، وقد تابع همامًا في ذكر أبي علقمة سعيد بن أبي عروبة، عند مسلم،
وأبي داود، والنسائي(١)، وشعبة أيضًا عند مسلم(٢). وقد صرح بهذا الحافظ ابن كثير في
(تفسيره)) (وأبو الخليل اسمه: صالح بن أبي مريم) الضبعي، مولاهم، البصري، وثّقه ابن
معين، والنسائي، وأغرب ابن عبد البر؛ فقال: لا يحتج به، من السادسة.
[٣٠١٨]
(١) مسلم، كتاب الرضاع، حديث (١٤٥٦).
(٢) مسلم، كتاب الرضاع، حديث (١٤٥٦)، وأبو داود، كتاب النكاح، حديث (٢١٥٥)، والنسائي في ((الكبرى))
(٥٤٩٢).

٣٧٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَهِ
النَّبِيِّ وَّرَ قَالَ: فِي الكَبَائِرِ: ((الشِّرْكُ باللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَوْلُ
الزُّورِ)). [خ: ٢٦٥٣، م: ٨٨، ن: ٤٠٢١، حم: ١١٩٢٧].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ، وَرَوَاهُ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَن
شُعْبَةَ، وَقالَ: عَن عَبْدِ الله بْنِ أبي بَكْرٍ: وَلَا يَصِحُّ.
[٣٠١٩] (٣٠١٩) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ - بَصْرِيٌّ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا
الجُرَيْرِيُّ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي بَكْرَةَ، عَن أبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: ((ألا
أُحَدِّثُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟)) قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ الله، قَالَ: ((الإِشْرَاكُ بالله، وَعُقُوقُ
الوَالِدَيْنِ)) قَالَ: وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكَثًا، قَالَ: ((وَشَهَادَةُ الزُّوْرِ)) أَوْ قَالَ: ((قَوْلُ الزُّورِ)) قَالَ:
فَمَا زَالَ رَسولُ اللهِ وَلَهِ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. [خ: ٢٦٥٤، م: ٨٧، حم: ١٩٨٧٢].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ.
قوله: (وعقوق الوالدين) أي: قطع صلتهما. مأخوذ من: العق؛ وهو: الشق، والقطع.
والمراد: عقوق أحدهما. قيل: هو إيذاء لا يتحمل مثله من الولد عادة. وقيل: عقوقهما:
مخالفة أمرهما فيما لم يكن معصية. وفي معناهما: الأجداد، والجدات (وقتل النفس) أي:
بغير حق (وقول الزور) وفي رواية الشيخين: ((وشَهَادَةُ الزُّورِ)) (١): والمراد من الزور:
الكذب. وسمي زورًا؛ لميلانه عن جهة الحق.
قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح) وأخرجه الشيخان.
قوله (وقال: عن عبد الله بن أبي بكر) أي: بالتكبير (ولا يصح) بل الصحيح: عبيد الله بن
أبي بكر بالتصغير.
قال في ((تهذيب التهذيب)): عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس بن مالك أبو معاذ
الأنصاري، روى عن جده. وقيل: عن أبيه، عن جده، وعنه شعبة وغيره. قال أحمد، وابن
معين، وأبو داود، والنسائي: ثقة.
[٣٠١٩] قوله: (ألا أحدثكم بأكبر الكبائر .. . إلخ) تقدم هذا الحديث بإسناده ومتنه
في باب ((عقوق الوالدين)) من أبواب ((البر والصلة))، وفي ((الشهادات)).
(١) البخاري، كتاب الشهادات، حديث (٢٦٥٣)، ومسلم، كتاب الإيمان، حديث (٨٨).

٣٧٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّهُ
[ت ٥، م ٦]
[٣٠٢٠] (٣٠٢٠) حَدَّثَنَا عبد بنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحمَّدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ
سَعْدٍ، عَنِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَن مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذ التَّيْمِيِّ، عَن
أبي أُمَامَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَن عَبْدِ الله بْنِ أُنَيْسِ الجُهَنِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((إنَّ
مِن أكْبَرِ الكَبَائِرِ: الشِّرْكُ بالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَاليمِينُ الغَمُوسُ، وَمَا حَلَفَ
حَالِفٌ بالله یَمِینَ صَبْرٍ ،
[٣٠٢٠] قوله: (عن محمد بن زيد بن مهاجر بن قنفذ) بضم القاف والفاء، بينهما نون
ساكنة، المدني، ثقة، من الخامسة (عن أبي أمامة الأنصاري) البكري، حليف بني حارثة،
اسمه: إياس، وقيل: عبد الله بن ثعلبة، وقيل: ثعلبة بن عبد الله بن سهل؛ صحابي، له
أحاديث (عن عبد الله بن أنيس) بالتصغير، الأنصاري، المدني، كنيته: أبو يحيى، حليف
الأنصار، صحابي.
قوله: (إن من أكبر الكبائر: الشرك بالله) أي: الإشراك به، فنفي الصانع أولى، أو
المراد به مطلق الكفر، إلا أنه عبر عنه به؛ لأنه الغالب في الكفرة، و((من)»: زائدة على
مذهب من يجوزه في الإثبات، كالأخفش. أو دخول ((من)): باعتبار مجموع المعطوف
والمعطوف عليه؛ وإلا فالشرك هو أكبر الكبائر، لا من جملته (واليمين الغموس)؛ قال في
((النهاية)): هو اليمين الكاذبة، الفاجرة، كالتي يقتطع بها الحالف مال غيره. سميت غموسًا؛
لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار. وفعول؛ للمبالغة (وما حلف حالف بالله يمين
صبر) في النهاية: الحلف هو اليمين، فخالف بين اللفظين؛ تأكيدًا.
قال النووي: يمين صبر بالإضافة، أي: ألزم بها، وحبس عليها، وكانت لازمة لصاحبها
من جهة الحكم. وقيل لها: مصبورة؛ وإن كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور؛ لأنه إنما
صبر من أجلها؛ أي: حبس، فوصفت بالصبر، وأضيفت إليه؛ مجازًا. انتهى. وتوضيحه ما
قاله ابن الملك: الصبر: الحبس، والمراد بيمين الصبر: أن يحبس السلطان الرجل حتى
يحلف بها؛ وهي لازمة لصاحبها من جهة الحكم. وقيل: يمين الصبر هي: التي يكون فيها
متعمدًا للكذب، قاصدًا لإذهاب مال المسلم؛ كأنه يصبر النفس على تلك اليمين، أي:
يحبسها عليها؛ كذا في ((المرقاة)).
وقال في ((المجمع)): يمين صبر بالإضافة؛ أي: ألزم بها، وحبس لها شرعًا، ولو حلف
بغیر إحلاف لم یکن صبرًا .

٣٧٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّه
فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَنَاحِ بَعُوْضَةٍ، إلَّا جُعِلَتْ نُكْتَة فِي قَلْبِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)).
[حم: ١٥٦١٣].
قَالَ أبُو عِيْسَى: وَأَبُو أُمَامَةَ الأنْصَارِيُّ، هُوَ: ابنُ ثَعْلَبَةَ، وَلَا نَعْرِفُ اسْمَهُ، وَقَدْ
رَوَى عَن النبيِّ وَّرِ أَحَادِيثَ، وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
[ت ٥، م ٧]
[٣٠٢١] (٣٠٢١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَن فِرَاسٍ، عَن الشَّعْبِيِّ، عَن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((الكَبَائِرُ:
الإِشْرَاكُ بالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ)) أَوْ قَالَ: ((اليَمِينُ الغَمُوسُ)) شَكَّ شُعْبَةُ. [خ: ٦٦٧٥،
ن: ٤٠٢٢، حم: ٦٨٤٥، مي: ٢٣٦٠].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(فأدخل) أي: الحالف (فيها) أي: في تلك اليمين (مثل جناح بعوضة) بفتح الجيم؛
أي: ريشها. والمراد: أقل قليل، والمعنى: شيئًا يسيرًا من الكذب، والخيانة، ومما يخالف
ظاهره باطنه؛ لأن اليمين على نية المستحلف (إلا جعلت) أي: تلك اليمين (نكتة) أي:
سوداء، أي: أثرًا قليلًا، كالنقطة تشبه الوسخ في نحر المرأة والسيف (إلى يوم القيامة).
قال الطيبيّ: معنى الانتهاء: أن أثر تلك النكتة التي هي من الرين؛ يبقى أثرها إلى يوم
القيامة، ثم بعد ذلك يترتب عليها وبالها والعقاب عليها؛ فكيف إذا كان كذبًا محضًا؟!
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد، والحاكم، وابن أبي حاتم(١).
[٣٠٢١] قوله: (عن فراس) بكسر الفاء، وبالراء؛ هو: ابن يحيى الهمداني.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والبخاري، والنسائي.
تنبيه: اعلم أن هذه الأحاديث الأربعة؛ أعني: أحاديث أنس، وأبي بكرة، وعبد الله بن
أنيس، وعبد الله بن عمرو: ذكرها الترمذي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا
تُنْهَوّنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]، وقد أطال الحافظ
(١) الحاكم (٧٩١٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٩٣١/٣ - عصرية)؛ وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه
الذهبي.

٣٧٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَهـ
[ت ٥، م ٨]
[٣٠٢٢] (٣٠٢٢) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عَن
مُجَاهِدٍ، عَنِ أُمِّ سَلَمَةَ؛ أنَّهَا قَالَت: يَغْزُو الرِّجَالُ، وَلا يَغْزُو النِّسَاءُ، وَإِنَّمَا لَنَاَ نِصْفُ
ابن كثير الكلام في تفسير هذا القول؛ فذكر أحاديث كثيرة تتعلق به، ثم ذكر أقوال الصحابة
والتابعين في ذلك، ثم قال: وقد اختلف علماء الأصول والفروع في حد الكبيرة؛ فمن قائل:
هي ما عليه حد في الشرع. ومنهم من قال: هي ما عليه وعيد مخصوص من الكتاب والسنة.
وقيل: غير ذلك.
قال أبو القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي في كتابه ((الشرح الكبير)): الشهير في
(كتاب الشهادات)) منه: ثم اختلف الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - فمن بعدهم في
الكبائر، وفي الفرق بينها وبين الصغائر. ولبعض الأصحاب في تفسير الكبيرة وجوه.
أحدها : أنها المعصية الموجبة للحد.
والثاني: أنها المعصية التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص كتاب، أو سنة؛ وهذا
أكثر ما يوجد لهم. وإلى الأول أميل؛ لكن الثاني أوفق؛ لما ذكروه عند تفسير الكبائر.
والثالث: قال إمام الحرمين في ((الإرشاد)): وغيره: كل جريمة تنبئ بقلة اكتراث مرتكبها
بالدين، ورقة الديانة، فهي مبطلة للعدالة.
والرابع: ذكر القاضي أبو سعيد الهروي أن الكبيرة: كل فعل نص الكتاب على تحريمه،
وكل معصية توجب في جنسها حدًا من قتل، أو غيره، وترك كل فريضة مأمور بها على
الفور، والكذب والشهادة والرواية واليمين، هذا ما ذكروه على سبيل الضبط، ثم ذكر في
تفصيل الكبائر أقوال بعض أهل العلم.
قال الحافظ ابن كثير: وقد صنف الناس في الكبائر مصنفات؛ منها: ما جمعه شيخنا :
أبو عبد الله الذهبي الذي بلغ نحوًا من سبعين كبيرة. وإذا قيل: إن الكبيرة: ما توعد عليها الشارع
بالنار بخصوصها، كما قال ابن عباس وغيره، وما يتبع ذلك؛ اجتمع منه شيء كثير، وإذا قيل:
کل ما نهى الله عنه، فكثير جدًّا. انتهى. وقد تقدم شيء في حد الكبيرة في باب عقوق الوالدين.
[٣٠٢٢] قوله: (يغزو الرجال، ولا تغزو النساء) وفي رواية أحمد في ((مسنده))(١):
(١) أحمد، حديث (٢٦٧٧٩).

٣٧٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِّـ
المِيرَاثِ؛ فَأَنْزَلَ الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَكَمَنَّوْأْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضِ﴾.
[النساء: ٣٢]، قَالَ مُجَاهِدٌ: فَأُنْزِلَ فِيهَا: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]
وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أوَّلَ ظَعِيْنَةٍ قَدِمَتِ المَدِينَةَ مُهَاجِرَةً. [حم: ٢٦١٩٦].
يَا رَسُولَ الله! يَغْزُو الرِّجَالُ وَلَا تَغْزُو النِّسَاءُ، (فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَا تَنَمَنَّوْ مَا فَضَّلَ
اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍِ﴾ [النساء: ٣٢]) من جهة الدنيا، أو الدين، لئلا يؤدي إلى التحاسد
والتباغض.
قال الحافظ ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية قال: ولا يتمنى
الرجل؛ فيقول: ليت لو أن لي مال فلان، وأهله؛ فنهى الله عن ذلك؛ ولكن يسأل الله من
فضله .
وقال الحسن، ومحمد بن سيرين، وعطاء، والضحاك نحو هذا، وهو الظاهر من الآية،
ولا يرد على هذا ما ثبت في ((الصحيح)) (١) ((لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ الله مَالًا فَسَلَّطَهُ
عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، فَيَقُولُ رَجُلٌ: لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَ مَا لِفُلَانٍ لَعَمِلْتُ مِثْلَهُ فَهُمَا فِي الْأَجْرِ
سَوَاءٌ)): فإن هذا شيء غير ما نهت عنه الآية، وذلك أن الحديث حض على تمني مثل نعمة
هذا، والآية نهت عن تمني عين نعمة هذا. يقول: ﴿وَلَا تَثَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى
بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] أي: في الأمور الدنيوية؛ وكذا الدينية.
قوله: (قال مجاهد) هذا موصولٌ بالسند المتقدم (فأنزل فيها) أي: في أم سلمة. (﴿إِنَّ
الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ﴾) تمام الآية: ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَالْقَنِنِينَ وَالْقَنِشَتِ وَالصَّدِقِينَ
وَالصَّدِقَتِ وَالصَّبِرِينَ وَالصَّبِرَتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ وَالْمُنَصَدِّقِينَ وَالْمُنَصَدِّقَتِ وَالصَّنَِّمِينَ
وَالصَِّمَتِ وَالْخَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْخَفِظَاتِ وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرً وَلَّكِرَتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً
وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]: ورواية مجاهد هذه مختصرة. وفي رواية النسائي(٢)، من طريق
محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أم سلمة أنها قالت للنبي وَّهِ: يَا نَبِيَّ الله! مَا لِي أَسْمَعُ
الرِّجَالَ يُذْكَرُونَ فِي الْقُرْآنِ وَالنِّسَاءَ لَا يُذْكَرُونَ، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ
وَالْمُؤْمِنِينَ وَاَلْمُؤْمِنَتِ﴾ .
(أول ظعينة) قيل للمرأة: ظعينة؛ لأنها تظعن مع الزوج حيث ما ظعن، أو تحمل على
(١) البخاري، كتاب العلم، حديث (٧٣)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، حديث (٨٦٦).
(٢) النسائي في ((الكبرى)) (١١٤٠٤).

٣٧٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ مُرْسَل، وَرَوَاهُ بَعْضُهمْ عَن ابن أبي نَجِيحٍ، عَن
مُجَاهِدٍ، مُرْسِلٌ؛ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: كَذَا وَكَذَا.
[ت ٥، م ٩]
[٣٠٢٣] (٣٠٢٣) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن عَمْرِو بْنِ دِینَارٍ، عَن
رَجُلٍ مِن وَلَدِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَن أُمِّ سلمةَ، قَالَت: يَا رَسُولَ الله، لا أسْمَعُ الله ذَكُرَ
النِّسَاءَ فِي الهِجْرَةِ؛ فَأَنْزَلَ الله تبارك وتَعَالَى: ﴿أَنِى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنْكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ
أُنثَىْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
الراحلة إذا ظعنت. وقيل: هي المرأة في الهودج، ثم قيل: للمرأة وحدها، والهودج وحده
من: طَعَّنَ ظَعْنَا بالحركة والسكون، إذا سار.
قوله: (هذا حديث مرسل) أي: منقطع، وأخرجه أحمد.
[٣٠٢٣] قوله: (عن رجل من ولد أم سلمة) اسم هذا الرجل: سلمة.
قال في ((تهذيب التهذيب)): سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد
المخزومي، روى عن جدة أبيه: أم سلمة، عن جده: عمر بن أبي سلمة وله صحبة، روى عنه
عطاء بن أبي رباح؛ فنسبه إلى جد أبيه؛ فقال: عن سلمة بن أبي سلمة، وعنه عمرو بن دينار؛
فنسبه إلى جده؛ فقال: عن سلمة بن عمر بن أبي سلمة. وقد روى له الترمذي في التفسير
حديثًا، ولم يسمه، أخرجه عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن رجل من
ولد أم سلمة، عن أم سلمة أنها قالت: ((لَا أَسْمَعُ الله ذَكَرَ النِّسَاءَ فِي الْهِجْرَةِ بِشَيْءٍ ... )):
الحديث. وسماه الحاكم في ((المستدرك)» في هذا الحديث، من طريق يعقوب بن حميد بن
كاسب، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن سلمة بن عمر بن أبي سلمة، عن أم سلمة،
وتابعه قتيبة، عن سفيان بن عيينة، وقال في ((التقريب)) في ترجمته: مقبول، من الثالثة.
قوله: (﴿أَنِ لَآَ أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنَكُمْ﴾) يعني: لا أحبط عملكم أيها المؤمنون؛ بل أثيبكم
عليه (﴿مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىْ)) يعني: لا أضيع عمل عامل منكم؛ ذكرًا كان أو أنثى. (﴿بَعْضُكُمْ مِنْ
بَعْضِّ﴾) يعني: في الدين، والنصرة، والموالاة. وقيل: كلكم من آدم وحواء، وقيل: ((من)):
بمعنى: الكاف، أي: بعضكم كبعض في الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية؛ فهو
كما يقال: فلان مني، يعني: على خلقي وسيرتي. وقيل: إن الرجال، والنساء في الطاعة على

٣٧٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
[ت ٥، م ١٠]
[٣٠٢٤] (٣٠٢٤) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أبُو الأحْوَصِ، عَن الأعْمَشِ، عَن
إبْرَاهِيمَ، عَنِ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله: أمَرَنِي رَسُولُ الله ◌َِّ أَنْ أقْرَأْ عَلَيْهِ، وَهُوَ
عَلَى المِنْبرِ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ مِن سُورَةِ النِّسَاءِ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا ◌ِثْنَا مِن كُلِّ
أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]
شكل واحد؛ كذا في ((تفسير الخازن)). والحديث أخرجه أيضًا سعيد بن منصور، وابن جرير،
والحاكم(١) في ((مستدركه))، ثم قال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه. وقد روى ابن
أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم سلمة قالت: ((آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآية: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ
أَنِى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنَكُمْ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥] إلى آخرها؛ رواه
ابن مردويه(٢).
[٣٠٢٤] قوله: (حدثنا أبو الأحوص) اسمه: سلام بن سليم الحنفي (قال عبد الله) هو:
ابن مسعود رُّبه (وهو على المنبر) جملة حالية. (﴿فَكَيْفَ﴾) أي: حال الكفار. (﴿إِذَا جِئْنَا
مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ﴾) يشهد عليها بعملها، وهو نبيها. (﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾) يا محمد. (﴿عَلَى
هَؤُلَاءِ﴾) أي: أمتك. (﴿شَهِيدًا﴾) حال؛ أي: شاهدًا على من آمن بالإيمان، وعلى من كفر
بالكفر، وعلى من نافق بالنفاق. ووقع في رواية محمد بن فضالة الظفري ((أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَهُوَ
(وَلِ﴿ كَانَ فِي بَنِي ظُفُرٍ)): أخرجه ابن أبي حاتم، والطبراني(٣)، وغيرهما، من طريق يونس بن
محمد بن فضالة، عن أبيه أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ أَتَاهُمْ فِي بَنِي ◌ُفُرَ وَمَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَنَاسٍ مِنْ
أَصْحَابِهِ، فَأَمَرَ قَارِئًا فَقَرَأَ، فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَة: ﴿فَكَيْفَ إِذَا ◌ِثْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا
بِكَ عَلَى هَؤُلَاءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] فَبَكَى حَتَّى ضَرَبَ لَحْيَاهُ وَوَجْنَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَبِّ! هَذَا عَلَى
مَنْ أَنَا بَيْنَ ظَهْرَيْهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ أَرَهُ؟. وأخرج ابن المبارك في ((الزهد))(٤): من طريق سعيد
بن المسيب. قال: ليس من يوم إلا يعرض على النبي ◌ّي أمته غدوة وعشية؛ فيعرفهم
(١) ابن جرير في ((التفسير)) (٢١٥/٤)، والحاكم (٣١٧٤) وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) انظر ((الدر المنثور)) (٢/ ٤١٢).
(٣) قال الهيثمي (٤/٧) (٢): ابن أبي حاتم في ((التفسير)) (٩٥٦/٣)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٤٣/١٩) (٥٤٦)
ورجاله ثقات.
(٤) ((الزهد)) لابن المبارك (١٦٦).

٣٧٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَوي
غَمَزَني رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِيَدِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، وَعَينَاهُ تَدْمَعَانِ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَكَذَا رَوَى أَبُو الأخْوَصِ، عَن الأعْمَشِ، عَن إِبْرَاهِيمَ، عَن
عَلْقَمَة، عَن عَبْدِ الله؛ وَإِنَّمَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ، عَن عُبَيْدَةَ، عَن عَبْدِ الله.
[ت ٥، م ١١]
[٣٠٢٥] (٣٠٢٥) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيلَانَ، حَدَّثَنَا مُعاوِيَةٌ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ الثوريُّ، عَنِ الأعْمَشِ، عَن إبْرَاهِيمَ، عَن عُبَيْدَةَ، عن عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ لي
رَسولُ اللهِ وَّهِ: ((اقْرَأْ عَلَيَّ)) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ:
((إِنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيْرِي))، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى إذا بَلَغْتُ: ﴿وَجِئْنَا بِكَ
بسيماهم، وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم، ففي هذا المرسل ما يرفع الإشكال الذي تضمنه
حديث ابن فضالة؛ كذا في ((الفتح)).
(غمزني) الغمز: العصر، والكبس باليد، أي: أشار باليد لأن يمتنع عن القراءة. وفي
رواية الشيخين قال: ((حَسْبُكَ الآن)) (وعيناه تدمعان) وفي رواية الشيخين(١): ((تَذْرفَانِ))، أي:
تسیلان دمعًا .
قال ابن بطال: إنما بكى ◌َّه عند تلاوته هذه الآية؛ لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة،
وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق، وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف؛ وهو أمر
يحق له طول البكاء. انتهى.
قال الحافظ: والذي يظهر أنه بكى؛ رحمة لأمته؛ لأنه علم أنه لا بد أن يشهد عليهم
بعملهم؛ وعملهم قد لا يكون مستقيمًا؛ فقد يفضي إلى تعذيبهم.
قال الغزالي: يستحب البكاء مع القراءة وعندها. وطريق تحصيله: أن يحضر قلبه الحزن
والخوف؛ بتأمل ما فيه من التهديد، والوعيد الشديد، والوثائق، والعهود، ثم ينظر تقصيره
في ذلك؛ فإن لم يحضره حزن؛ فليبك على فقد ذلك، وأنه من أعظم المصائب.
[٣٠٢٥] قوله: (عن عبيدة) بفتح أوله؛ هو ابن عمرو، السلماني، المرادي.
قوله: (أقرأ عليك) أي: أأقرأ عليك؟ (إني أحب أن أسمعه من غيري) قال ابن بطال:
(١) البخاري، كتاب فضائل القرآن، حديث (٥٠٥٠)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، حديث (٨٠٠) بنحوه.

٣٨٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، قَالَ: فَرَأيْتُ عَيْنَي النَّبِيِّ وَّهِ تَهْمِلَانِ. [خ: ٤٥٨٢،
م: ٨٠٠، د: ٣٦٦٨، حم: ٤١٠٧].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا أصَح مِن حَدِيثٍ أبي الأخْوَصِ.
[ت ٥، م ١٢]
حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، عَن سُفْيَانَ عَنِ الأَعْمَشِ: نَحْوَ
حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ .
[٣٠٢٦] (٣٠٢٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ، عَن
أبي جَعْفَرِ الرَّازِيِّ، عَن عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَن أبي عَبْدِ الرَّحْمنِ السُّلَميِّ، عَن
عَلِيٍّ بْنِ أبِي طَالِبٍ، قَالَ: صَنَعَ لَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَامًا، فَدَعَانَا وَسَقَّانَا مِنَ
الخَمْرِ، فَأَخَذَتِ الخَمْرُ مِنَّا، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَقَدَّمُونِي، فَقَرَأْتُ: ((قُلْ يَا أيُّهَا
الكَافِرُونَ لا أعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ))، قَالَ: فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى
يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره؛ ليكون عرض القرآن سنة. ويحتمل أن يكون:
لكي يتدبره، ويتفهمه؛ وذلك أن المستمع أقوى على التدبر، ونفسه أخلى، وأنشط لذلك من
القارئ؛ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته هو ◌َ لقر على أبي بن كعب؛ فإنه
أراد أن يعلمه كيفية أداء القراءة ومخارج الحروف [و] نحو ذلك (تهملان) أي: تدمعان،
وتفيضان. قال في ((القاموس)): هَمَلَتْ عينه تَهْمِلُ وتَهْمَلُ هَمْلًا وَهَملانًا وَهُمُولًا: فاضت.
قوله: (هذا أصح من حديث أبي الأحوص) أي: حديث سفيان، عن الأعمش، عن
إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله: أصح من حديث أبي الأحوص، عن الأعمش، عن
إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله؛ لأن عبد الواحد، وحفص بن غياث، وغيرهما قد تابعوا
سفيان في روايته، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله عند الشيخين
وغيرهما. وحديث عبد الله بن مسعود هذا أخرجه أيضًا الشيخان، وأبو داود، والنسائي.
[٣٠٢٦] قوله: (وسقانا من الخمر) أي: قبل أن تحرم؛ كما في رواية أبي داود (فأخذت
الخمر منا) أي: أخذت عقولنا (﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ﴾) أي: لا تصلوا (﴿وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾)