النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِوَهـ
[ت ٣، م ١٠]
[٢٩٦٣] (٢٩٦٣) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَن سُفْيَانَ، عَن عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ ،
عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانُوا رُكُوعًا في صَلَاةِ الفَجْرِ .
وفي الباب عَن عَمْرِو بْنِ عَوْفِ المُزنِيِّ، وَابنِ عُمَرَ، وَعُمَارَةَ بْنِ أَوْسٍ، وَأَنَس بْنِ
مالِكٍ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: حديثُ ابن عُمَرَ حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[ت ٣، م ١١]
[٢٩٦٤] (٢٩٦٤) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، وَأَبُو عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَن إِسْرَائِيلَ
عَن سِمَاكٍ، عَن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لمَّا وُجِّهَ النبيُّ نَّهِ إِلَى الكَعْبَةِ،
قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ بِإِخْوَانِنَا الَّذِينِ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلَّونَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ؛
فأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] الآيَةَ. [د: ٤٦٨٠،
حم: ٢٦٨٦، مي: ١٢٣٥].
[٢٩٦٣] قوله: (قال: كانوا ركوعًا في صلاة الفجر) تقدم هذا الحديث مع شرحه أيضًا
في الباب المذكور.
قوله: (وفي الباب عن عمرو بن عوف المزني(١) ... إلخ). تقدم تخريج أحاديث
هؤلاء الصحابة - ﴿ه - في الباب المذكور.
[٢٩٦٤] قوله: (لما وجه) بصيغة المجهول من التوجيه، أي: أمر بالتوجه إلى الكعبة.
(كيف بإخواننا الذين ماتوا) أي: كيف حالُهم هل صَلَاتُهُمْ ضائعة أم مقبولة. (وهم يصلون
إلى بيت المقدس) جملة حالية. (﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]) أي: صلاتكم
إلى بيت المقدس، بل يثيبكم عليه، أطلق الإيمان على الصلاة؛ لأنها أعظم آثار الإيمان،
وأشرف نتائجه، وإنما خُوطبوا تغليبًا للأحياء.
(١) البخاري، كتاب الجزية، حديث (٣١٥٨)، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، حديث (٢٩٦١).

٣٠٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَفيه
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[ت ٣، م ١٢]
[٢٩٦٥] (٢٩٦٥) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ
يُحَدِّثُ، عَن عُرْوَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا أَرَى عَلَى أحَدٍ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا
وَالمَرْوَةِ شَيْئًا، وَمَا أُبَالِي أنْ لا أَطُوفَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَت: بِئْسَ ما قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي،
طَافَ رَسُولُ اللهِ وَّ وَطَاف المُسْلِمُونَ، وَإِنَّمَا كَانَ مَن أهَلَّ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي
بالمُشَلَّلِ
قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه أبو داود، وابن حبان، والحاكم، وابن
جرير.
[٢٩٦٥] قوله: (ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا والمروة شيئًا) أي: من الْجُنَاحِ.
(وما أبالي ألا أطوف بينهما) يعني: أن السَّعي بين الصَّفا والمروةِ ليس بواجب عندي؛ إذ
مفهوم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]
عدم وجوب السعي؛ لأنه دل على رفع الجناح، وهو الإثم عن فاعله، وذلك يدل على
إباحته، ولو كان واجبًا لما قيل فيه مثل ذلك. (طاف رَسُولُ اللهِ وَّ، وطاف المسلمون) أي:
بالصَّفَا والمروةِ، وفي روايةٍ للبخاري(١): ((وقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِِّ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ
لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا)). (وإنما كان من أهل) أي: حَجَّ من الأنصار قبل أن يُسْلِمُوا.
(لمناة) بفتح الميم وتخفيف النون وبعد الألف تاء مثناة من فوق، وهو اسم صنم كان في
الجاهلية، وقال ابن الكلبي: كانت صخرة نصبها عمرو بن لحي بجهة البحر، فكانوا
يَعْبُدُونها، وقيل: هي صخرة لهذيل بقديد، وسميت مناة؛ لأن النسائك كانت تمنى بها، أي:
تراق. وقال الحازمي: هي على سبعة أميال من المدينة، وإليها نسبوا زيد مناة. (الطاغية)
صفة ((لمناة): إسلامية، وهي على زنة فاعلة من الطغيان، ولو روي (المناة الطاغية)):
بالإضافة، ويكون ((الطاغية)): صفة للفرقة، وهم الكفار؛ لجاز. (التي بالمشلل) بضم الميم
وفتح الشين المعجمة وتشديد اللام الأولى المفتوحة. اسم موضعٍ قريبٍ من قديد من جهة
البحر، ويقال: هو الجبل الذي يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر، وقال البكري: هي ثنيةٌ
(١) البخاري، كتاب الحج، حديث (١٦٤٣).

٣٠٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهـ
لا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ الله: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] وَلَوْ كَانَت كما تَقُولُ، لَكَانَتْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ الََّ
يَطَّوَّفَ بهما، قَالَ الزُّهْرِيُّ:
مشرفةٌ على ((قديد)). وفي روايةٍ لمسلم: ((بالمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ))، وفي روايةٍ للبخاري(١) في
تفسير ((سورة البقرة)): ((كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، فَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْد)»: أي: مقابله. وقديد بقافٍ
مصغر: قريةٌ جامعةٌ بين مكة والمدينة كثيرة المياه؛ قاله أبو عبيدِ البكري.
وكان لمن لا يهلُّ لمناة صَنمانِ بالصفا: إساف بكسر الهمزة وتخفيف السين المهملة،
وبالمروة نائلة، وقيل: إنهما كانا رجلا وامرأةً فزنيا داخل الكعبة، فمسخهما الله حَجَرَيْنِ؛
فنصبا عند الكعبة. وقيل: على الصفا والمروة، ليعتبر الناس بهما ويتعظوا، ثم حولهما
قصي بن كلابٍ، فجعل أحدهما ملاصقًا للكعبة، والآخر بزمزم، ونحر عندهما، وأمر
بعبادتهما، فلما فتح النبي ◌ّلفي مكة كسرهما.
(لا يطوفون بين الصفا والمروة) كراهية لذينك الصَّنمين، ولحبهم صنمهم الذي
بالمشلّل، وكان ذلك سنة في آبائهم: من أحرم لمناة لم يَطْفْ بين الصَّفَا والمروة. (﴿فَلَاَ
جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]) أي: فلا إثم عليه. (﴿أَن يَّوَّفَ﴾ [البقرة: ١٥٨]) بتشديد الطاء
أصله: ((يَتَطَوَّف)): فأبدلت التاء طاءً؛ لقرب مخرجهما، وأدغمت في الطاء. (﴿يهِمَّا)) أي:
بأن يسعى بينهما سَبْعًا. (ولو كانت) أي: هذه الآية. (كما تقول) أي: كما تأولها عليه من
الإباحة. (لكانت فلا جناح عليه ألا يطوف بهما) بزيادة ((لا)): بعد ((أن)): فإنها كانت حينئذٍ
تدلُّ على رفع الإثم عن تاركه، وذلك حقيقة المباح، فلم يكن في الآية نَصّ على الوجوب
ولا عدمه.
قال النووي: قال العلماء: هذا من دقيق علمها، وفهمها الثاقب، وكبير معرفتها بدقائق
الألفاظ؛ لأن الآية الكريمة إنما دَلَّ لفظُها على رفع الجناح عَمَّنْ يَطوفُ بهما، وليس فيه
دلالةٌ على عَدَم وُجُوبِ السَّعي، ولا على وجوبه، فأخبرته عائشة أن الآية ليست فيها دلالةٌ
للوجوب، ولاً لعدمه، وبينت السبب في نزولها، والحكمة في نظمها، وأنها نزلت في
الأنصار حين تَحَرَّجُوا من السَّعي بين الصَّفَا والمروة في الإسلام، وأنها لو كانت كما يقول
عروة؛ لكانت: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما، وقد يكون الفعل واجبًا، ويعتقد إنسان أنه
(١) البخاري، كتاب التفسير، حديث (٤٤٩٥).

٣٠٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَهـ
فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لأبي بَكْرِ بْنِ عَبْد الرَّحْمنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامِ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ:
إِنَّ هَذَا لَعِلمٌ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِن أهلِ العِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّمَا كَانَ مَن لا يَطُوفُ
بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ مِنَ العَرَبِ، يَقُولُونَ: إنَّ طَوَافَنَا بَيْنَ هَذَيْنِ الحَجَرَيْنِ مِن أَمْرٍ
الجَاهِليَّة، وَقَال آخَرُونَ مِنَ الأَنْصَارِ: إِنَّمَا أُمِرْنَا بِالطَّوَافِ بالبَيْتِ، وَلَمْ نُؤْمَرْ بِهِ بين
الصَّفَا وَالمَرْوَةِ؛ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] قَالَ
أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْد الرَّحْمنِ: فَأُرَاهَا قد نَزَلَتْ في هَؤُلَاء وَهَؤُلَاء. [خ: ١٦٤٣، م: ١٢٧٧،
ن: ٢٩٦٧، د بنحوه: ١٩٠١ جه: ٢٩٨٦، حم: ٢٤٥٨٨، طا: ٨٣٨].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
يمنع إيقاعه على صِفَةٍ مخصوصة، وذلك كمن عليه صلاة الظهر، وظنّ أنه لا يجوز فعلها عند
غروب الشمس، فسأل عن ذلك، فيقال في جوابه: لا جناح عليك إن صَلَّيْتَهَا في هذا
الوقت؛ فيكون جوابًا صحيحًا، ولا يقتضي نَفْيَ وُجُوبٍ صلاة الظهر. انتهى.
(فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) بن المغيرة المخزومي
المدني، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكرٍ اسمه، وكنيته أبو عبد الرحمن،
وقيل: اسمه كنيته، ثقةٌ فقيهٌ عابد، من الثالثة. (فأعجبه ذلك) أي: كلام عائشة. (إن هذا
العلم) بفتح اللام التي هي للتأكيد، وبالتنوين على أنه الخبر، أي: إن هذا لعلمٌ عظيم. (إنما
كان من لا يطوف) أي: في الإسلام. (وقال آخرون من الأنصار) الذين كانوا يَتَحَرَّجُونَ أن
يطوفوا في الجاهلية بالصفا والمروة.
(وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: فأراها) بضم الهمزة، أي: أظنها. (قد نزلت في هؤلاء
وهؤلاء). وفي رواية البخاري في ((كتاب الحج)). قال أبو بكر: فاسمع هذه الآية نزلت في
الفريقين كليهما، في الذين كانوا يَتَحَرَّجُونَ أن يطوفوا في الجاهلية بالصفا والمروة، والذين
يَطُوفُون ثم تَحَرَّجُوا أن يطوفوا بهما في الإسلام؛ من أَجْلِ أن الله أَمَرَ بالطّوَافِ بالبيت، ولم
يذكر الصفا، حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطّواف بالبيت.
قال الحافظ: وحاصُله أن سبب نزول الآية على هذا الأسلوب؛ كان للردِّ على الفريقين
الذين تَحَرَّجُوا أن يطوفوا بينهما؛ لكونه عندهم من أفعال الجاهلية، والذين امتنعوا من
الطواف بينهما؛ لكونهما لم يذكرا. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.

٣٠٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ
[ت ٣، م ١٣]
[٢٩٦٦] (٢٩٦٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أبي حَكِيم، عَن سُفْيَانَ،
عَن عَاصِمِ الأخْوَلِ، قَالَ: سَأَلْتُ أنَسَ بْنَ مَالِكِ عَنِ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَقَالَ: كَانَا مِن
شَعَائِرِ الجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ الإسْلَامُ أمْسَكْنَا عَنْهُمَا؛ فَأَنْزَلَ الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾
[البقرة: ١٥٨] قَالَ: هُمَا تَطَوُّعُ: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].
[خ: ١٦٤٨، م: ١٢٧٨].
[٢٩٦٦] قوله: (حدثنا يزيد بن أبي حكيم) العدني، أبو عبد الله، صدوق، من التاسعة.
قوله: (سألت أنس بن مالكٍ عن الصفا والمروة). وفي رواية البخاري(١): قلت لأنس بن
مالك: ((أَكُنْتَمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ)). (كانا من شعائر الجاهلية)
أي: من العلامات التي كانوا يَتَعَبَّدُونَ بها. (أمسكنا عنهما) أي: عن السعي بينهما. (قال)
أي: أنس (هما تطوع) أي: السعي بينهما ليس بواجبٍ، وهذا هو قول أنس.
واختلف أهل العلم في هذه المسألة. قال العيني: قال شيخنا زين الدين في ((شرحه
للترمذي)): اختلفوا في السَّعي بين الصفا والمروة للحاجِّ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه ركنٌ لا يصحُّ الحج إلا به، وهو قول ابن عمر، وعائشة، وجابرٍ؛ وبه قال
الشافعي، ومالكٌ في المشهور عنه، وأحمد في أصح الروایتین عنه، وإسحاق، وأبو ثور؛
لقوله {وَله: ((اسْعَواْ؛ فإن الله كَتَب عَلَيْكُمُ السَّعْيَ)). رواه أحمد، والدّار قطني، والبيهقي من
رواية صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبي تجراة بإسناد حسن. وقال عبد العظيم: إنه حديث
حسن. قال العيني: قال ابن حزم في ((المحلى)): إن حبيبة بنت أبي تجراة. مجهولة، وقال
شيخنا: هو مردود؛ لأنها صحابية، وكذلك صفية بنت شيبة صحابية.
والقول الثاني: أنه واجبٌ يُجْبَرُ بِدَمٍ؛ وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، ومالكٌ في ((العتبية))،
كما حكاه ابن العربي.
والقول الثالث: أنه ليس بركنٍ ولا واجب، بل هو سنةٌ ومستحبُّ، وهو قول ابن عباس،
وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، وأحمد في رواية: ((وَمَنْ طَافَ فَقَدْ حَلَّ))(٢). انتهى.
(١) البخاري، كتاب الحج، حديث (١٦٤٨).
(٢) أحمد، حديث (٢٥١٣).

٣٠٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[ت ٣، م ١٤]
[٢٩٦٧] (٢٩٦٧) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن جَعْفَرِ بْنِ مُحمَّدٍ، عَن
أبِيهِ، عَن جَابِرِ بْنِ عَبْد الله، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ بَّهَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةً طَافَ بِالْبَيْتِ
سَبْعًا، فَقَرأ: ﴿وَّخِذُواْ مِنْ مَقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلٌّ﴾ [البقرة: ١٢٥]؛ فَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ، ثُمَّ
أتى الحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ قَالَ: (نَبْدَأُ بِمَا بَدَأ الله بِهِ)) وَقَرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَبِرٍ
اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. [م مطولًا: ١٢١٨، ن: ٢٩٣٩، د مطولًا: ١٩٠٥، حم: ١٤٠٣١، طا: ٨١٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[ت ٣، م ١٥]
[٢٩٦٨] (٢٩٦٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، عَن
إِسْرَائيلَ بْنِ يُونُسَ، عَن أبي إسْحَاقَ عَنِ البَرَاءِ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ النبيِّ وَ إِذَا
كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإِقْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أنْ يُفْطِرَ - لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتْهُ وَلا يَوْمَهُ حَتَّى
يُمْسِي،
قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه الشيخان، والنسائي.
[٢٩٦٧] قوله: (عن جعفر بن محمد) المعروف بـ ((الصادق)). (عن أبيه) هو: محمد بن
علي بن الحسين أبو جعفر الباقر. (عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رَسُولَ اللهِ وَّ حين قدم
مكة ... إلخ) تقدم هذا الحديث مع شرحه في ((باب ما جاء أنه يبدأ بالصفا قبل المروة)).
[٢٩٦٨] قوله: (حدثنا عبيد الله بن موسى) العبسي الكوفي. (عن أبي إسحاق) هو
السبيعي .
قوله: (كان أصحاب النبي ◌َّ﴾﴾ أي: في أول افتراض الصيام. (فنام قبل أن يفطر ...
إلخ) قال الحافظ: في رواية زهير: كان إذا نَامَ قبل أن يَتَعَشَى لم يحلَّ له أن يأكل شيئًا ولا
يشرب ليله ويومه حتى تغرب [الشمس]، ولأبي الشيخ من طريق زكريا بن أبي زائدة عن
أبي إسحاق: كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون ويشربون، ويأتون النساء ما لم يَنَامُوا، فإذا
ناموا لم يفعلوا شيئًا من ذلك إلى مثلها. فاتفقت الروايات في حديث البراء على أن المنع من

٣٠٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَه
وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أتَى امْرأْتَهُ، فَقَالَ:
هَلْ عِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَت: لا، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ،
ذلك كان مقيدًا بالنوم، وهذا هو المشهور في حديث غيره، وقيد المنع من ذلك في حديث
ابن عباسٍ بِصَلاةِ العَتمَةِ، أخرجه أبو داود(١) بلفظ: ((كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَهَ إِذَا
صَلّوْا الْعَتَمَةَ - حُرِّمَ عَلَيْهِمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ، وَالنِّسَاءُ، وَصَامُوا إِلَى الْقَابِلَةِ)): وهذا أخص من
حديث البراء من وجه آخر. ويحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء؛ لكون ما بعدها مظنة النوم
غالبًا، والتقييد في الحقيقة إنما هو بالنوم كما في سائر الأحاديث. انتهى.
قلت: ومراد الحافظ بقوله: ((وهذا أخص من حديث البراء من وجهٍ آخر)): يعني: أن
بینھما عمومًا وخصوصًا من وجه.
(وإن قيس بن صرمة) بكسر الصاد المهملة وسكون الراء، قال في ((الإصابة)): ووقع عند
أبي داود من هذا الوجه: صرمة بن قيسٍ، وفي رواية النسائي: أبو قيس بن عمرو، فإن حمل
هذا الاختلاف على تَعَدُّدِ أسماء من وقع له ذلك، وإلا فيمكن الجمع بردِّ جميع الروايات إلى
واحد، فإنه قيل فيه: صرمة بن قيسٍ وصرمة بن مالك، وصرمة بن أنس، وصرمة بن
أبي أنس، وقيل: فيه قيس بن صرمة، وأبو قيس بن صرمة، وأبو قيس بن عمرو، فيمكن أن
يقال: إن كان اسمه: صرمة بن قيس، فمن قال: قيس بن صرمة؛ قلبه. وإنما اسمه: صرمة،
وكنيته أبو قيس، أو العكس، وأما أبوه فاسمه: قيس، أو صرمة، على ما تقرر من القلب،
وكنيته: أبو أنس، ومن قال فيه: أنس حَذَفَ أداة الكنية. ومن قال فيه: ابن مالك نَسَبَهُ إلى
جدِّ له، والعلم عند الله تعالى؛ قاله القسطلاني.
(هل عندك) بكسر الكاف. (طعام؟ فقالت: لا، ولكن أنطلق فأطلبُ لك)، ظاهره أنه لم
يجئ معه بشيء، لكن في مرسل السدي: ((أنه أتَاهَا بتمرٍ، فقال: اسْتَبْدِلي به طحينًا، واجعليه
سخينًا؛ فإن التمر أَحْرَقَ جوفي))، وفيه: ((لعلِّي آكله سخنًا، وأنها استبدلته له وصنعته))(٢).
(وكان يومه) بالنصب. (يعمل) أي: في أرضه، وصرح بها أبو داود، في روايته، وفي مرسل
السدي(٣): ((كَانَ يَعْمَلُ فِي حِيطَانِ المَدِينَةِ بِالْأَجْرَةِ»؛ فعلى هذا فقوله: ((في أرضه)»: إضافة
اختصاص.
(١) أبو داود، كتاب الصوم، حديث (٢٣١٣).
(٢) انظر ((فتح الباري)) (١٣١/٤)، و((عمدة القاري)) (٢٩١/١٠).
(٣) أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) (٢/ ١٦٧ - فكر).

٣٠٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ وَجَاءتْهُ امْرَأْتُهُ، فَلَمَّا رَأتْهُ، قَالَت: خَيْبَةً لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ، غُشِيَ
عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ للنبيِّ وَّهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أُعِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى
نِسَآَبِكُمْ﴾ فَفَرِحُوا بِهِا فَرَحًا شَدِيدًا: ﴿وَكُواْ وَاشْرَبُواْ حَقَّ يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ
اَلْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. [خ: ١٩١٥، م: ١٠٩١، ن: ٢١٦٧، د: ٢٣١٤، حم: ١٨١٣٧،
مي: ١٦٩٣].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(فغلبته عينه) أي: نام، . (قالت: خيبة لك) بالنصب، وهو مفعول مطلق محذوف
العامل، وقيل: إذا كان بغير لام يجب نصبه، وإلا جاز، والخيبةُ: الحرمان، يقال: خَابَ
يَخِيبُ إذا لم يَثَلْ مَا طَلَبَ. (فذكر ذلك للنبي (وَّ) زاد في رواية زكريا عند أبي الشيخ: ((وَأَتَّى
عُمَرُ امْرَأَتَهُ وَقَدْ نَامَتْ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ وََّ)). (فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ
الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ففرحوا بها فرحًا شديدًا. ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ
اُلْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]) كذا في هذه الرواية. وشرح الكرماني على
ظاهرها، فقال: لما صار الرفثُ وهو الجماعُ هنا حلالا بعد أن كان حَرَامًا - كان الأكلُ
والشُّربُ بطريق الأَوْلَى؛ فلذلك فرحوا بنزولها، وفهموا منها الرخصة، هذا وجه مطابقة؛
ذلك لقصة أبي قيسٍ.
قال: ثم لما كان حِلَّهُما بطريق المفهوم نزل بعد ذلك: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ﴾ [البقرة: ١٨٧]؟
ليعلم بالمنطوق تسهيل الأمر عليهم صريحًا، ثم قال: أو المراد من الآية هي بتمامها.
قال الحافظ: وهذا هو المعتمد؛ وبه جزم السهيلي، وقال: إن الآية بتمامها نزلت في
الأمرين معًا، وقدم ما يتعلَّق بعمر لفضله. قال الحافظ: قد وقع في رواية أبي داود: فنزلت:
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فهذا يبين أن
محل قوله: ((ففرحوا بها)): بعد قوله: ((الخيط الأسود)) ... وقع ذلك صريحًا في رواية
زكريا بن أبي زائدة، ولفظه: فنزلت: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ اٌلْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛
ففرح المسلمون بذلك.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه أحمد، والبخاري، وأبو داود،
والنسائي(١).
(١)
(١) النسائي في ((الكبرى))، حديث (٢٤٧٨).

٣٠٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِوَه
[ت ٣، م ١٦]
[٢٩٦٩] (٢٩٦٩) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَن ذَرٍّ، عَن
يُسَيعِ الكِنْدِيِّ، عَن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِيّ
أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قَالَ: ((الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ، وَقَرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِيّ
ج
أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠])). [جه: ٣٨٢٨].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، رَواهُ مَنصورٌ.
[ت ٣، م ١٧]
٢٩] (٢٩٧٠) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَن
الشَّعِيِّ، أخْبَرَنَا عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ:
[٢٩٦٩] قوله: (عن ذر) بفتح الذال المعجمة وشدة راء، هو: ابن عبد الله المرهبي،
بضم الميم وسكون الراء، ثقة عابد، رمي بالإرجاء، من السادسة. (عن يسيع الكندي) قال
في ((التقريب)): يسيع بن معدان الحضرمي الكوفي، ويقال له: أسيع، ثقة، من الثالثة.
انتهى. قلت: يسيع هذا بضم التحتانية وفتح السين المهملة مصغرًا، ويقال له: أسيع بضم
الهمزة بدل التحتانية.
قوله: (هو العبادة) أي: هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تُسَمَّى عبادةً؛ لدلالته على
الإقبال على الله، والإعراض عما سواه، بحيث لا يرجو ولا يخاف إلا إياه. (وقرأ) أي:
[غافر: ٦٠]). هذه
AV
النبي ◌َّهِ: (﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونَ أَسْتَجِبّ لَكُمْ﴾ - إلى قوله: ﴿دَاخِرِينَ
الآية في ((سورة المؤمن))، لكن لما ورد تفسيرها عنه بَّه، وكانت مثل قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ
دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى﴾ [البقرة: ١٨٦] الذي في ((سورة البقرة))، أوردها هاهنا بهذه
المناسبة. وقد أخرج الترمذيُّ هذا الحديث في أوائل الدعوات أيضًا، ويأتي هناك بقية الكلام
عليه، وأخرجه أيضًا في تفسير ((سورة المؤمن)).
[٢٩٧٠] قوله: (حدثنا هشيم) هو: ابن بشير بن القاسم بن دينار. (أخبرنا حصين) هو:
ابن عبد الرحمن السلمي.

٣١٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ
لمّا نَزَلَتْ: ﴿حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قَالَ
لِيَ النبيُّ وَ له: ((إنَّمَا ذَاكَ بَيَاضُ النَّهَارِ مِن سَوَادِ اللَّيْلِ)). [خ: ١٩١٦، م: ١٠٩٠، ن: ٢١٦٨،
د: ٢٣٤٩، حم: ١٨٨٨٠، مي: ١٦٩٤].
قوله: (لما نزلت: ﴿حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧])
زاد مسلم(١) في روايته: قال له عدي: يا رسول الله! إني أجعل تحت وسادتي عقالين،
عقالًا أبيض، وعقالًا أسود؛ أعرف الليل من النهار، فقال رسول الله وَّل: ((إِنَّ وسَادَكَ
العَرِيضُ)). (قال لي النبي وَّ إلخ) قال الحافظ: ظاهره أن عديًّا كان حاضرًا لما نزلت هذه
الآية، وهو يقتضي تقدم إسلامه، وليس كذلك؛ لأن نزول فرض الصوم كان متقدمًا في أوائل
الهجرة، وإسلام عديٍّ كان في التاسعة أو العاشرة؛ كما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل
المغازي، فإما أن يقال: إن الآية التي في حديث الباب تَأَخَّرَ نزولُها عن نزول فَرْضِ الصَّوم،
وهو بعيد جدًّا؛ وإما أن يؤول قول عديِّ هذا على أن المراد بقوله: لما نزلت، أي: لما
تُليت عَلَيَّ عند إسلامي، أو لما بلغني نزول الآية، أو في السياق حَذْفٌ تقديره: لما نزلت
الآية، ثم قَدِمتُ فأسلمت، وتعلَّمت الشرائع، قال لي: (إنما ذلك) أي: الخيط الأبيض من
الخيط الأسود. (بياض النهار من سواد الليل) وفي رواية مسلم(٢): ((إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ
وَبِيَاضُ النَّهَارِ)).
فإن قلت: الظاهر أن قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ كان نزل حين سَمِعَ عَدِيُّ بن حاتم هذه الآية،
وهو بيانٌ لقوله: الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فكيف خفي عليه معناه؟!
قلت: كأنَّ عديًّا لم يكن في لغة قومه استعارة الخيط للصبح، وحمل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾
على السببية، فظن أن الغاية تنتهي إلى أن يظهر تمييز أحد الخيطين من الآخر بضياء الفجر،
أو نسي قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] حتى ذَكَّرَهُ بها النبي ◌َّر، وهذه الاستعارة معروفةٌ عند
بعض العرب. قال الشاعر:
وَلَاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا
وَلَمَّا تَبِدَّتْ لَنَا سُدْفَةٌ
فإن قلت: حديث عَدِيٍّ هذا يقتضي أن قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ نزل مُتَّصِلًا بقوله: ﴿مِنَ اْخَيْطِ
الْأَسْوَدِ﴾. وروى الشيخان عن سهل بن سعد قال: أنزلت: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيِّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ
(١) مسلم، كتاب الصيام، حديث (١٠٩٠).
(٢) المصدر السابق.

٣١١
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِه
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[ت ٣، م ١٨]
حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا مُجَالِدٌ، عَن الشَّعْبِي، عَن عَدِيِّ بْنِ
حَاتِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ مِثْلَّ ذَلِكَ.
[٢٩٧١] (٢٩٧١) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن مُجَالِدٍ، عَن
الشَّعْبِيِّ، عَن عَدِيِّ بْنِ حَاتِم، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ عَنِ الصَّوْمِ، فَقَالَ: ﴿حَّ
يَتَبَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ اْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قَالَ: فَأَخَذْتُ عِقَالَيْنِ أحَدُهُمَا
أبْيَضُ وَالآخَرُ أسْوَدُ، فَجَعَلْتُ أنْظُرُ إِلَيْهِمَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَلِهِ شَيْئًا لَمْ يَحْفَظُهُ
سُفْيَانُ،
الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ولم ينزل: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. فكان رجالٌ إذا أرادوا
الصوم ربط أحدهم في رِجْلَيْهِ الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له
رؤيتهما، فأنزل الله بعد: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا إنما يعني الليل والنهار. فحديث سهل بن
سعدٍ هذا ظاهر في أن قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ نزل بعد ذلك؛ لرفع ما وقع لهم من الإشكال، فما
وجه الجمع ما بين هَذَيْنِ الحدیثین.
قلت: الجمع بينهما أن حَدِيثَ عديٍّ متأخِّر عن حديث سهل، فكأن عديًّا لم يبلغه ما جرى
في حديث سهل، وإنما سمع الآية مجردةً، ففهمها على ما وقع له، فبين له النبي ◌َّو أن المراد
بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ أن ينفصل أحد الخيطين عن الآخر، وأن قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ متعلِّقٌ بقوله:
﴿يَتَبَّنَ﴾، ويحتمل أن تكون القصَّتان في حالةٍ واحدة، وأن بعض الرواة في قصة عَدِيٍّ تلا
الآية تامة؛ كما ثبت في القرآن، وإن كان حال النزول إنما نزلت مفرقة؛ كما ثبت في حديث
سهل. قال الحافظ: وهذا الثاني ضعيف؛ لأن قصة عَدِيِّ متأخّرةٌ لتأخّر إسلامه.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وأبو داود.
[٢٩٧١] قوله: (عن مجالد) بن سعيد بن عمير الهمداني الكوفي، ليس بالقوي، وقد
تغير في آخر عمره، من صغار السادسة.
قوله: (فأخذت عقالين) بكسر العين المهملة، أي: حَبْلَيْنٍ، وفي رواية: ((خَطَيْنِ مِنْ
شَعرٍ)). (شيئًا لم يحفظه سفيان) وحفظه غيره، وهو قوله وَّه: ((إِنَّ وسَادَكَ لَعَرِيضُ)). كما في

٣١٢
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ هـ
فَقَالَ: ((إِنَّمَا هُوَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ)».
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[ت ٣، م ١٩]
[٢٩٧٢] (٢٩٧٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مُخَلِّدٍ، عَن حَيْوَةَ بْنِ
شُرَيْحٍ، عَن يَزِيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ، عَن أسْلَمَ أبي عِمْرَان التُّجِيبِيِّ، قَالَ: كُنَّا بِمَدِينَةِ
الرُّومِ، فَأَخْرَجُوا إلَيْنَا صَفَّا عَظِيمًا مِنَ الرُّومِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ مِثْلُهُمْ أوْ
أكْثَرُ، وَعَلَى أهْلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَعَلىَ الجَمَاعَةِ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، فَحَمَلَ رَجُلٌ
مِنَ المسْلمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيْهِم، فَصَاحَ النَّاسُ، وَقَالُوا: سُبْحَانَ الله
يُلْقِي بِيَدَيْهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَامَ أَبُو أيُّوبَ الأنصَارِي، فَقَالَ: يَا أيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ
لَتَأَوّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ هَذَا التَّوِيلَ، وَإِنَّمَا أنزِلَتْ هَذِهِ الآيَة فِينَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، لمّا
أَعَزَّ اللهُ الإسْلَامَ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللهِ وَله: إنَّ
أَمْوَالَنا قَدْ ضَاعَتْ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ أعَزَّ الإسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، فَلَوْ أقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا،
فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا؛ فَأَنْزَلَ الله عَلَى نَبِّهِ وَهِ يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا:
رواية مسلم المتقدمة. (فقال) أي: النبي وَلّ: (إنما هو الليل والنهار) يعني: أن المراد
بالخيط الأسود: الليل، وبالخيط الأبيض النهار، والمعنى: حتى يَظْهَرَ الفجر.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) في سنده مجالد، وهو ضعيف، فتصحيح الترمذي له؛
لأنه قد جاء بأسانيد صحيحةٍ من غير طريق مجالدٍ.
[٢٩٧٢] قوله: (عن أسلم) بن يزيد. (أبي عمران التجيبي) المصري، ثقة، من الثالثة.
قوله: (كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفًّا عظيمًا من الروم) وفي رواية أبي داود(١):
((قَالَ: غَزَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ نُرِيدُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَعَلَى الجَمَاعَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ،
وَالرُّومُ مُلْصِقُوا ظُهُورِهِمْ بِحَائِطِ المَدِينَةِ)). (وعلى الجماعة) أي: أميرهم. (معشر الأنصار)
بالنصب على الاختصاص.
(١) أبو داود، كتاب الجهاد، حديث (٢٥١٢).

٣١٣
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ الله وَفي
﴿وَأَنِفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى الَُّكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]؛ فَكَانَتِ التَّهْلُكَةُ الإِقَامَةَ
عَلَى الأَمْوَالِ وَإِصْلَاحِهَا، وَتَرْكَنَا الغَزْوَ، فَمَا زَالَ أَبُو أيُّوبَ شَاخِصًا في سَبِيلِ الله
حَتَّى دُفِنَ بِأَرْضِ الرُّوم. [د: ٢٥١٢].
(فما زال أبو أيوب شاخصًا) قال الجزري في ((النهاية)): شُخُوصُ المسافر: خروجه عن
منزله، ومنه حديث عثمان - رَُّبه - ((إِنَّمَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ مَنْ كَانَ شَاخِصًا، أَوْ بِحَضْرَةٍ عَدُوّهِ»:
أَي: مُسَافِرًا، ومنه حديث أبي أيوب: ((فَلَمْ يَزَلْ شَاخصًا في سَبِيلِ الله تعالى)). انتهى.
والحديث يدلُّ على أن المراد بإلقاء الأيدي إلى التهلكة: هو الإقامة في الأهل والمال،
وترك الجهاد، وقيل: هو البخل، وترك الإنفاق في الجهاد. روى البخاري في ((صحيحه))(١):
عن حذيفة: (﴿وَأَنِفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيَدِيَكُمْ إِلَى النَُّكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]) قال: نزلت في
النفقة. قال الحافظ في ((الفتح)): قوله: ((في النفقة)): أي: في ترك النفقة في سبيل الله - عز
وجلّ - وهذا الذي قاله حذيفة جاء مفسرًا في حديث أبي أيوب، فذكره بتمامه، ثم قال:
وَصَحَّ عن ابن عباس وجماعة من التابعين نحو ذلك في تَأْوِيلِ الآية. وروى ابن أبي حاتم من
طريق زيد بن أسلم: أنها كانت نزلت في ناس كانوا يغزون بغير نفقة. فيلزم على قوله
اختلاف المأمورين، فالذين قيل لهم: أنفقوا وَأَحْسِنُوا: أصحاب الأموال، والذين قيل لهم:
ولا تلقوا الغزاة بغير نفقة، ولا يَخْفَى ما فيه، ومن طريق الضَّحاك بن أبي جبيرة: كان
الأنصار يَتَصَدَّقُونَ، فأصابتهم سنةٌ، فأمسكوا، فنزلت.
وروى ابن جرير، وابن المنذر(٢) - بإسناد صحيح - عن مدرك بن عوفٍ قال: إني لعند
عمر، فقلت: إن لي جارًا رمى بنفسه في الحرب فقتل، فقال ناس: أَلْقَى بِيَدِهِ إلى التَّهْلُكَةِ.
فقال عمر: كذَّبُوا، لكنه اشترى الآخرة بالدنيا. وجاء عن البراء بن عازب في الآية تأويلٌ
آخر، أخرجه ابن جريرٍ وابن المنذر (٣)، وغيرهما عنه - بإسناد صحيح - عن أبي إسحاق قال:
قلت للبراء: أرأيت قَوْلَ الله عز وجل: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَبْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] هو الرجل يحمل على
الكتيبة فيها أَلْفٌ؟ قال: لا، ولكنه الرجل يذنب فيلقي بيده، فيقول: لا تَوْبَةَ لي، وعن
النعمان بن بشير نحوه، والأول أظهر؛ لتصدير الآية بذكر النفقة، فهو المعتمد في نزولها،
وأما قصرها عليه ففيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ.
(١) البخاري، كتاب التفسير، حديث (٤٥١٦).
(٢) الطبري في ((تفسيره)) (٣٣٢/٢)، وانظر ((الدر المنثور)) (١/ ٥٧٧).
(٣) الطبري في تفسيره)) (٢٠٦/٢)، وعزاه في ((الدر المنثور)) (٢/ ٦٠٢) لأحمد وابن أبي حاتم.

٣١٤
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّـ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
[ت ٣، م ٢٠]
[٢٩٧٣] (٢٩٧٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ، عَن
مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَفِيَّ أُنزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،
وَلَإِيَّايَ عَنَى بِهَا: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِضَّا أَوْ بِهٍِ أَذَّى مِن رَّأْسِهِ، فَفِذْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ
شٍُ﴾ [البقرة: ١٩٦] قَالَ: كُنَّا مَعَ النبيِّ بَّهِ بِالحُدَيْبِيةِ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ، وَقَدْ حَصَرَنَا
المُشْرِكُونَ، وَكَانَ لِيَ وَفْرَةٌ، فَجَعَلَتِ الهَوَامُ تَسَاقَطُ عَلَى وَجْهِي، فَمَرَّ بِيَ النبيُّ ◌َّه
أما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو؛ فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط
شجاعته، وظنه أنه يُرْهِبُ العدوَّ بذلك، أو يجرأ المسلمين عليهم، أو نحو ذلك من المقاصد
الصحيحة فهو حَسَنٌّ، ومتى كان مجرد تهورٍ فممنوع، ولا سيما إن ترتَّب على ذلك وَهَنٌّ في
المسلمین .
قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح) وأخرجه أبو داود، والنسائي، وابن جرير، وأبو
يعلى في ((مسنده)): وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم (١)، وقال: على شرط الشيخين، ولم
يخرجاه.
[٢٩٧٣] قوله: (أخبرنا هشيم) بن بشير بن القاسم. (أخبرنا مغيرة) بن مقسم بكسر الميم
الضبي، مولاهم أبو هشام الكوفي الأعمى، ثقة متقن، إلا أنه كان يُدَلِّس، ولا سيما عن
إبراهيم، من السادسة. (قال كعب بن عجرة .. . إلخ) قد سبق حديث كعب بن عجرة هذا
في باب المحرم يحلق رأسه في إحرامه ما عليه، من أبواب الحج.
قوله: (لفي) بشدة الياء، أي: في شأني. (ولإياي عنى بها) اللام للتأكيد، و((إياي)):
مفعولٌ مقدمٌ لـ((عنى)). (وكانت لي وفرة) هي شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن.
(فجعلت الهوام) بتشديد الميم، جمع هامة؛ وهي ما يدبُّ من الأخفاش، والمراد بها ما
يلازم جسد الإنسان غالبًا إذا طال عهده بالتنظيف، وقد عين في كثيرٍ من الروايات إنها
القمل. (تساقط) بحذف إحدى التاءين.
(١) النسائي في ((الكبرى))، حديث (١١٠٢٨، ١١٠٢٩)، وابن جرير في ((تفسيره)) (٢٠٤/٢)، وابن حبان
(٤٧١١)، والحاكم (٢٤٣٤).

٣١٥
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
فَقَالَ: ((كأنَّ هَوَامَّ رَأْسِكَ تُؤْذِيكَ)) قَالَ: قُلْتُ: نَعَم، قَالَ: ((فَاحْلِقْ)). وَنَزَلَتْ هَذِهِ
الآيَةُ، قَالَ مُجَاهِدٌ: الصِّيَامُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَالطَّعَامُ لسِنَّةُ مَسَاكِينَ، وَالنُّسُكُ شَاةٌ
[خ: ١٨١٤، م: ١٢٠١، ن بنحوه: ٢٨٥١، د: ١٨٥٦، جه: ٣٠٧٩، حم: ١٧٦٣٥، طا: ٩٥٤].
فصاعدًا .
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَن أبي بِشْر، عَن مُجَاهِدٍ، عَن
عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أبِي لَيْلَى، عَن كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ: بِنَحْوِ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَن أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، عَن الشَّعْبِيِّ، عَن
عَبْد الله بْنِ مَعْقِلٍ أيضًا، عَن كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ بِنَحْوِ ذَلِكَ.
قوله: (عن أبي بشر) اسمه جعفر بن إياس.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
قوله: (عن عبد الله بن معقل) بفتح الميم، وسكون العين المهملة بعدها قافٌ مكسورةٌ،
ابن مقرن المزني الكوفي، ثقة، من كبار الثالثة. (أيضًا) أي: كما روى عبد الرحمن بن
أبي ليلى، عن كعب بن عجرة. قال الحافظ في ((الفتح)): ونقل ابن عبد البر عن أحمد بن
صالحٍ المصري قال: حديث كعب بن عجرة في الفدية سنة معمولٌ بها، لم يروها من
الصحابة غيره، ولا رواها عنه إلا ابن أبي ليلى وابن معقل، قال: وهي سنةٌ أخذها أهل
المدينة عن أهل الكوفة. قال الزهري: سألت عنها علماءنا كلِّهم حتى سعيد بن المسيب،
فلم یبینوا کم عدد المساکین.
قال الحافظ: فيما أطلقه ابن صالح نظر؛ فقد جاءت هذه السنة من رواية جماعة من
الصحابة غير كعب. ورواه عن كعب بن عجرة غير عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن
معقل .
وقد أورد البخاري حديث كعبٍ هذا في أربعة أبواب متوالية، وأورده أيضًا في
((المغازي)): و((الطب)): و((كفارات الأيمان)): من طرق أخرى؛ مدار الجميع على ابن
أبي ليلى، وابن معقل، فيقيد إطلاق أحمد بن صالح بالصِّحَّة؛ فإن بقية الطرق لا تخلو عن
مقالٍ إلا طريق أبي وائل عند النسائي. انتهى ملخصًا.

٣١٦
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهَِه
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَقد رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ
الأَصْبهَانِيِّ، عَن عَبْدِ الله بْنِ مَعْقِلٍ - أيضًا - نَحوَ هذَا.
[ت ٣، م ٢١]
[٢٩٧٤] (٢٩٧٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أخْبَرَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَن
أيُّوبَ، عَن مُجَاهِدٍ، عَن عَبْد الرَّحْمنِ بْنِ أبِي لَيْلَى، عَن كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: أَتَى
عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ بَّةٍ وَأْنَا أُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ، وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى جَبْهَتي - أو قَالَ:
حَاجِبِي - فَقَالَ: ((أتؤذيكَ هَواتُّ رأسِكَ؟)) قَالَ: قُلْتُ: نَعَم، قَالَ: ((فَاحْلِقْ رَأْسَكَ،
وَانْسُكْ نَسِيكَةً، أوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أيَّام، أو أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ)) قَالَ أيُّوبُ: لا أدْرِي
بِأَيَّتِهِنَّ بَدَأ .
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسن صحيحٌ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري، ومسلم. (وقد رَوَاهُ عبد الرحمن بن
الأصبهاني) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن الأصبهاني.
[٢٩٧٤] قوله: (أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم) المعروف بابن عُلية.
قوله: (يتناثر) من النثر، أي: يتساقط (وانسك نسيكة) أي: اذبح ذبيحة، وفي روايةٍ
للبخاري: (انْسُكْ بِشَاةٍ))(١).
قال النووي في ((شرح مسلم)): روايات الباب كلّها متفقة في المعنى، ومقصودها أن من
احتاج إلى حَلْقِ الرأس؛ لضررٍ من قملٍ، أو مرض، أو نحوهما؛ فله حَلْقُهُ في الإحرام،
وعليه الفدية، قال الله تعالى: ﴿فَن كَانَ مِنكُم ◌َرِضًا أَوْ بِوَ أَذَى مِن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَاءٍ أَوْ صَدَقَّةٍ
أَوْ نٍُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ◌َِّ أَنَّ الصِّيَامَ ثَلَاثَةُ أَيَّامِ، وَالصَّدَقَةُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ لِتَّةِ مَسَاكِينَ،
لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ، وَالنُّسُكُ شَاةٌ، وهي شاةٌ تجزّئ في الأضحية، ثم إن الآية الكريمة
والأحاديث متفقةٌ على أَنْه مخير بين هذه الأنواع الثلاثة. وهكذا الحكم عند العلماء أنه مخير
بين الثلاثة. وأما قوله في رواية (٢): ((هَلْ عِنْدَكَ نُسُكٌ)). قال: (مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَصُومَ
(١) البخاري، كتاب المحصر وجزاء الصيد، حديث (١٨١٤).
(٢) مسلم، كتاب الحج، حديث (١٢٠١).

٣١٧
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ
[ت ٣، م ٢٢]
[٢٩٧٥] (٢٩٧٥) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن سُفْيَانَ
الثَّوْرِيِّ، عَنِ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ، عَن عَبْد الرَّحْمنِ بْنِ يَعْمُرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّى:
((الحَجُّ عَرَفَاتٌ، الحَجّ عَرَفَاتٌ، الحَجّ عَرَفَاتٌ، أيَّامُ مِنِى ثَلاثٌ:
ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ)): فليس المراد به أن الصوم لا يجزئ إلا لعادم الهدي، بل هو محمولٌ على أنه
سأل عن النسك، فإن وجده أخبره بأنه مُخَيَّرٌ بينه وبين الصيام والإطعام، وإن عدمه فهو مخير
بين الصيام والإطعام، واتفق العلماء على القول بظاهر هذا الحديث، إلا ما حُكي عن
أبي حنيفة والثوري، أن نصف الصاع لكل مسكينٍ إنما هو في الحِنْطَةِ، فأما التمر والشعير
وغيرهما فيجب صاع لكل مسكينٍ، وهذا خلاف نَصِّهِ بِّهِ في هذا الحديث: ((ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ
تَمْرٍ)): وعن أحمد بن حنبلٍ روايةٌ أنه لكل مسكينٍ مُدٌّ من حنطةٍ، أو نصف صاعٍ من غيره،
وعن الحسن البصري، وبعض السلف؛ أنه يجب أطعام عشرة مساكين، أو صوم عشرة أيامٍ،
وهذا ضعيفٌ منابذ للسنة مردود. انتهى.
[٢٩٧٥] قوله: (عن بكير بن عطاء) بضم الباء الموحدة وفتح الكاف مصغرًا، الليثي
الكوفي، ثقة، من الرابعة، . (عن عبد الرحمن بن يعمر) بفتح التحتانية وسكون المهملة
وفتح الميم: الدِّيلي بكسر الدال وسكون التحتانية، صحابي، نزل الكوفة، ويقال: مات
بخراسان.
قوله: (الحج عرفات) أي: ملاك الحج، ومعظم أركانه وقوف عرفات؛ لأنه يفوت
بفواته. قال في ((القاموس)): يوم عرفة التاسع من ذي الحجة، وعرفات موقف الحَاجِّ، وذلك
على اثني عشر ميلًا من مكة، وغلط الجوهريُّ فقال: موضع بمنى؛ سميت لأن آدم وحواء
تَعَارَفا بها، أو لقول جبريل لإبراهيم - عليهما السلام - لما عَلَّمَهُ المناسك، أعرفت، قال:
عرفت اسمٌ في لفظ الجمع، فلا تجمع معرفة، وإن كانت جمعًا؛ لأن الأماكن لا تزول،
فصارت كالشيء الواحد معروفةً؛ لأن التاء بمنزلة الياء والواو في مسلمين ومسلمون والنسبة
عَرَفِيٌّ (أيام منّى ثلاث) أراد بها أيام التشريق، وهي الأيام المعدودات، وأيام رمي الجمار،
وهي الثلاثة التي بعد يوم النَّحرِ، وليس يوم النحر منها؛ لإجماع الناس على أنه لا يجوز
النفر يوم ثاني النحر، ولو كان يوم النحر من الثلاث؛ لجاز أن ينفر من شاء في ثانيه؛ قاله
الشوكاني.

٣١٨
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِلَه
﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وَمَنْ أَدْرَكَ
عَرَفَةَ قَبْلَ أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ)). [ن بنحوه: ٣٠٤٤، د بنحوه: ١٩٤٩، جه بنحوه:
٣٠١٥، حم: ١٨٢٩٦، مي: ١٨٨٧].
قَالَ ابنُ أبي عُمَرَ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أَجْوَدُ حَدِيثٍ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَرَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنِ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ،
وَلا نَعْرِفُه إِلَّ مِن حَدِيثِ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ.
(﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]) أي: استعجل بالنفر، أي: الخروج من منى. (﴿فِى يَوْمَيْنِ﴾)
أي: اليومين الأخيرين من أيام التشريق، فنفر في اليوم الثاني منها بعد رمي جِمَارِهِ. (﴿فَلَا
إِثْمَ عَلَيْهٍ﴾) بالتعجيل. (﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾) أي: عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى
اليوم الثالث، حتى بات ليلة الثالث ورمى يوم الثالث جماره، وقيل المعنى: ومن تَأَخَّرَ عن
الثالث إلى الرابع، ولم ينفر مع العامة؛ قاله الشوكاني. ﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهٍ﴾: وهو أفضل، لكون
العمل فيه أكمل لعمله وچيلات .
وقد ذكر أهل التفسير أن أهل الجاهلية كانوا فئتين: إحداهما: ترى المتعجّل آئمًا،
وأخرى ترى المتأخّر آئمًا، فورد التنزيل بنفي الحرج عنهما، ودل فعله - عليه الصلاة
والسلام - على بيان الأفضل منهما .
(ومن أدرك عرفة) أي: أدرك الوقوف بعرفة (قبل أن يطلع الفجر) أي: من ليلة جمع.
وفي رواية أبي داود(١): ((مَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ؛ فَتَمَّ حَجُّهُ)) (فقد أدرك
الحج) فيه رَدٌّ على من زَعَمَ أن الوقوف يفوت بغروب الشمس يوم عرفة، ومن زعم أن وقته
يمتدُّ إلى ما بعد الفجر إلى طُلُوعِ الشَّمس.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه،
(٢)
والدارمي (٢).
(١) أبو داود، كتاب المناسك، حديث (١٩٤٩).
(٢) أحمد (١٨٢٩٦)، وأبو داود (١٩٤٩)، والنسائي (٣٠٤٤)، وابن ماجه (٣٠١٥)، والدارمي (١٨٨٧).

٣١٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
[ت ٣، م ٢٣]
[٢٩٧٦] (٢٩٧٦) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن ابنِ جُرَيْجٍ، عَن ابنِ
أبي مُلَيْكَةَ، عَن عَائِشَةَ، قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ: ((أبْغَضُ الرِّجَالِ إلى الله الألَدُّ
الخَصِمُ)). [خ: ٢٤٥٧، م: ٢٦٦٨، ن: ٥٤٣٨، حم: ٢٣٧٥٦].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ.
[ت ٣، م ٢٤]
[٢٩٧٧] (٢٩٧٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا
[٢٩٧٦] قوله: (أبغض الرجال إلى الله) قال الكرماني: الأبغضُ هو الكافر؛ فمعنى
الحديث: أبغض الرجال الكفار: الكافر المعاند، أو أبغض الرجال المخاصمين. قال
الحافظ ابن حجر: والثاني هو المعتمد، وهو أعمُّ من أن يكون كافرًا أو مسلمًا، فإن كان
كافرًا فأفعل التفضيل في حَقِّهِ على حقيقتها في العموم، وإن كان مسلمًا فسبب البغض أن كثرة
المخاصمة تفضي غالبًا إلى ما يذم صاحبه، أوٍ يخص في حَقَّ المسلمين بمن خاصم في
باطلٍ، ويشهد للأول حديث: ((كَفَى بِكَ إِثْمًا أَلَّا تَزَال مُخَاصِمًا)). أخرجه الطبراني (١) عن
أبي أمامة بسند ضعيف.
وورد في ((الترغيب)) في ترك ((المخاصمة)): فعند أبي داود(٢) من طريق سليمان بن
حبيب، عن أبي أمامة رفعه: ((أَنَا زَعِيمٌ بِبيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ، وَإِنْ كَانَ
مُحِقًّا)). وله شاهد عند الطبراني من حديث معاذ بن جبلٍ، والربض، بفتح الراء والموحدة
بعدها ضاد معجمةٌ: الأسفل. انتهى.
(الألد) أفعل تفضيلٍ من اللدد، وهو شدة الخصومة. (الخصم) بفتح الخاء المعجمة
وكسر الصاد، أي: الشديد اللدد، والكثير الخصومة.
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه الشيخان.
[٢٩٧٧] قوله: (حدثني سليمان بن حرب) الأزدي الواشحي بمعجمة ثم مهملة البصري،
القاضي بمكة ثقة، إمام حافظ، من التاسعة.
(١) الطبراني في ((الكبير)) (١١٠٣٢) من حديث ابن عباس، ولم أجده من حديث أبي أمامة.
(٢) أبو داود، كتاب الأدب، حديث (٤٨٠٠).

٣٢٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَن ثَابِتٍ، عَن أَنَسٍ، قَالَ: كَانَت اليَهُودُ إذَا حَاضَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُم،
لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُشَارِبُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبُيُوتِ؛ فَسُئِلَ النبيُّ ◌َّهُ عَن ذَلِكَ؛
فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَّى﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ الله
وَ ﴿ أَنْ يُؤَاكِلُوهُنَّ وَيُشَارِبُوهُنَّ، وَأنْ يَكُونُوا مَعَهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، وَأنْ يَفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ
مَا خَلا النِّكَاحِ؛ فَقَالَت اليَهُودُ: مَا يُرِيدُ أنْ يَدَعَ شَيْئًا مِن أَمْرِنَا
قوله: (كانت اليهود) جمع يهودي، كروم ورومي، والظاهر أن اليهود قبيلة سميت باسم
جدها يهودا أخي يوسف الصّديق، واليهودي منسوب إليهم بمعنى واحد منهم. وقال
النووي: يهود غير مصروف؛ لأن المراد قبيلةٌ، فامتنع صرفه للتأنيث والعلمية. (لم يؤاكلوها)
بالهمز ويبدل واوًا. (ولم يجامعوها) أي: لم يساكنوها ولم يخالطوها، (فأنزل الله تبارك
وتعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِّ قُلْ هُوَ أَذَى﴾). وتتمة الآية: ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِىِ الْمَحِيضِّ وَلَا
نَقْرَبُوهُنَّ حَّى يَطْهُرْنٌّ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوُهُرَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. قال القاري في المرقاة:
قال في ((الأزهار)): المحيض الأول في الآية هو الدم بالاتفاق؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ
أَذْنَى﴾. وفي الثاني ثلاثة أقوال: أحدها: الدم كالأول. والثاني: زمان الحيض. والثالث:
مكانه، وهو الفرج، وهو قول جمهور المفسرين، وأزواج النبي ◌َّ، ثم الأذى ما يتأذَّى به
الإنسان. قيل: سمي بذلك؛ لأن له لونًا كريهًا، ورائحة منتنة، ونجاسة مؤذية مانعة عن
العبادة. قال الخطّابي، والبغوي: التنكير هنا للقلة، أي: أذّى يسير لا يتعدّى ولا يتجاوز إلى
غير مَحَلِّهِ وحرمه، فتجتنب وتخرج من البيت كفعل اليهود والمجوس؛ نقله السيد، يعني
الحيض أذى يتأذّى معه الزوج من مجامعتها فقط دون المؤاكلة والمجالسة والافتراش، أي:
فابعدوا عنهنَّ بالمحيض، أي: في مكان الحيض وهو الفرج، أو حوله مما بين السُّرة والرُّكبة
احتياطًا. انتهى ما في ((المرقاة)).
(وأن يفعلوا كل شيء) من الملامسة والمضاجعة. (ما خلا النكاح) أي: الجماع، وهو
حقيقةٌ في الوطء. وقيل: في العقد، فيكون إطلاقًا لاسم السَّبب على المسبب، وهذا تفسير
للآية، وبيانٌ لقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾؛ فإن الاعتزال شاملٌ للمجانبة عن المؤاكلة والمضاجعة،
والحديث بظاهره يدل على جَوَازِ الانتفاع بما تحت الإزار، وهو قول أحمد، وأبي يوسف،
ومحمد بن الحسن، والشافعي في قوله القديم، وبعض المالكية. (ما يريد) أي: النبي وَله .
(أن يدع) أي: يترك. (من أمرنا) أي: من أمور ديننا. (شيئًا) من الأشياء في حالٍ من