النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كِتابُ القِراءَاتِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ / باب ((ومن سُورةِ اللَّيلِ))
٧- باب ((ومن سُورةِ اللَّيلِ)) [ت ٧، ٢ ٥]
[٢٩٣٩] (٢٩٣٩) حَدَّثَنَا هنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَن إِبْرَاهِيمَ،
عَنِ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَدِمْنَا الشَّامَ، فَأَتَانَا أَبُو الدَّردَاءِ، فَقَالَ: أفِيكُمْ أحَدٌ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءة
عَبْد الله؟ قَالَ: فَأَشَارُوا إليَّ، فَقُلْتُ: نَعَم أنا، قَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَ عَبْدَ الله يَقْرَأُ هَذِهِ
الآيَةَ: ﴿وَأَّلِ إِذَا يَغْثَى﴾ [الليل: ١] قَالَ: قُلْتُ: سَمِعْتُهُ يَقْرَؤُهَا: ((وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى
وَالذَّكَرِ وَالأُنْثِى)) فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: وَأَنَا وَاللهِ هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقْرَؤُهَا،
وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونَنِي أَنْ أقْرَأْهَا: ﴿وَمَا خَلَقَ﴾، فَلا أَتَابِعُهُمْ. [خ بنحوه: ٣٧٤٢، م بنحوه: ٨٢٤،
حم: ٢٦٩٨٧].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٧ - باب وَمِنْ سُورَةِ اللَّيْلِ
[٢٩٣٩] قوله: (قدمنا الشام، فأتانا أبو الدرداء). وفي رواية البخاري من طريق حفص
عن الأعمش قدم أصحاب عبد الله على أبي الدرداء. (أفيكم أحد يقرأ على قراءة عبد الله)
أي: ابن مسعود رَُّه. (قال: فأشاروا إلي، فقلت: نعم) أي: أنا أقرأ على قراءة عبد الله.
وفي رواية للبخاري: فقال: أَيُّكُمْ يَقْرَأُ على قراءة عبد الله؟ قال: كلُّنا، قال: فأيكم أحفظ،
فأشاروا إلى علقمة. (كَيْفَ سَمِعْتَ عَبْد الله يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَة. ﴿وَّلِ إِذَا يَفْثَى﴾ [الليل: ١]؟ قال:
قلت: سمعته يقرأها ﴿والليل إذا يغشى والذكر والأنثى﴾). وفي رواية البخاري من طريق
سفيان، عن الأعمش، فَقَرَأَتُ: ﴿والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى). قال:
أأنت سمعت من فِيَّ صَاحِبِكَ؟ قلت: نعم، قال الحافظ: هذا صريحٌ في أن ابن مسعود كان
يقرؤها كذلك. وفي رواية إسرائيل عن مغيرة في المناقب: ﴿والليل إذا يغشى والذكر
والأنثى﴾ بحذف: ﴿وَالتَّهَارِ إِذَا تَلََّ﴾ [الليل: ٢]؛ كذا في رواية أبي ذر، وأثبتها الباقون.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه الشيخان، وهكذا قراءة عبد الله بن مسعود:
(﴿والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى)). قال الحافظ: هذه القراءة لم تنقل
إلا عمن ذكر هنا، ومن عداهم قرؤوا. ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَآلْأُنثَ﴾ [الليل: ٣]. وعليها استقرَّ الأمر
مع قوة إسناد ذلك إلى أبي الدرداء، ومن ذكر معه، ولعل هذا مما نسخت تلاوته، ولم يبلغ
النسخ أبا الدرداء ومن ذكر معه .. والعجب من نقل الحفاظ من الكوفيين هذه القراءة عن

٢٦٢
كِتابُ القِراءَاتِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((ومن سُورةِ الذَّارِيَاتِ))
وَهَكَذَا قِرَاءَةُ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ: ((وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَالذَّكَر
وَالأُنْثَى)).
٨- باب ((ومن سُورةِ الدَّارِيَاتِ)) [ت ٨، م ٦]
[٢٩٤٠] (٢٩٤٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ موسى، عَن
إِسْرَائِيلَ، عَن أبي إسْحَاقَ، عَن عَبْد الرَّحْمنِ بْن يَزِيدَ، عَن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ،
قَالَ: أقْرَأْنِي رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((إنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِين)). [د: ٣٩٩٣].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٩- باب ((ومن سُورةِ الحَجّ)) [ت ٩، ٢ ٧]
[٢٩٤١] (٢٩٤١) حَدَّثَنَا أبُو زُرْعَةَ، والفَضْلُ بْنُ أبي طَالِبٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ،
قَالُوا :
علقمة وابن مسعود، وإليهما تنتهي القراءة بالكوفة، ثم لم يقرأ بها أَحَدٌ منهم، وكذا أهل
الشام حملوا القراءة عن أبي الدرداء، ولم يقرأ أحد منهم بهذا؛ فهذا مما يُقَوِّي أن التلاوة
بها نُسِخَتْ.
٨ - باب وَمِنْ سُورَةِ الذَّارِيَاتِ
[٢٩٤٠] قوله: (حدثنا عبيد الله) هو: ابن موسى. (عن إسرائيل) هو: ابن يونس. (عن
أبي إسحاق) هو: السبيعي. (عن عبد الرحمن بن يزيد) هو: ابن قيس النخعي.
قوله: ((إني أنا الرزاق ذو القوة المتين﴾) هذه قراءة ابن مسعود، والقراءة المتواترة:
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨].
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود، والنسائي(١).
٩ - باب وَمِنْ سُورَةِ الْحَجِّ
[٢٩٤١] قوله: (حدثنا أبو زرعة) اسمه: عبيد الله بن عبد الكريم الرازي. (والفضل بن
أبي طالب) قال في ((التقريب)): الفضل بن جعفر بن عبد الله البغدادي أبو سهل بن أبي طالب،
(١) النسائي في ((الكبرى))، حديث (٧٧٠٧).

٢٦٣
كِتَابُ القِراءَاتِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب ((ومن سُورةِ الحَجِّ)»
حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، عَنِ الحَكَم بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، عَن قَتَادَةَ، عَن عِمْرَانَ بْن
حُصَيْنٍ؛ أنَّ النَِّّ وَلِهِ قَرأ ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَىْ وَمَا هُم بِسُكَرَى﴾ [الحج: ٢].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ، وَلَا نَعْرِفُ لِقَتَادَةَ سَمَاعًا مِن أَحَدٍ مِن
أصْحَابِ النبيِّ وَّهِ إلَّا مِن أنَسٍ، وأبو الظُّفَيْلِ، وهو عِنْدِي حديث مُخْتَصَرٌ؛ إنَّما
يُرْوَى عَن قَتَادَة، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النبيِّ وَّهِ فِي
السَّفَرِ، فَقَرأ ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَّكُمْ﴾ [الحج: ١]، الحَدِيثَ بطولِهِ؛ وَحَدِيثُ الحَكَم بْنِ
عَبْدِ المَلِكِ عِنْدِي مِخْتَصَرٌ مِن هَذَا الحَدِيثِ.
١٠ - باب [ت ١٠، م ٨]
[٢٩٤٢] (٢٩٤٢) حَدَّثَنَا مَحمود بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ،
عَن مَنْصُورٍ، سَمِعْتُ أبَا وَائِلٍ عَن عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((بِتْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ،
أوْ لأَحَدِكُمْ أنْ يَقُولَ:
أخو يحيى بن أبي طالب، واسطي الأصل، ثقة، من الحادية عشرة. (حدثنا الحسن بن بشر)
بن سلم بفتح المهملة وسكون اللام الهمداني البجلي، أبو علي الكوفي، صدوق يخطئ، من
العاشرة. (عن الحكم بن عبد الملك) القرشي البصري، نزيل الكوفة، ضعيف، من السابعة.
قوله: (﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكََرَى﴾ [الحج: ٢]) بضم المهملة وفتح الكاف، وهي القراءة
المتواترة، وقرأ حمزة، والكسائي: ((سَكْرَى)): كَعَطْشَى.
قوله: (هذا حديث حسن) في سنده الحكم بن عبد الملك، وهو ضعيف، وفيه انقطاعٌ
كما أشار إليه الترمذيُّ بقوله: (ولا نعرف لقتادة سماعًا ... إلخ).
قوله: (الحديث بطوله) بالنصب. أي: قرأ الحديث بطوله وأتمه، وهذا الحديث الطويل
أخرجه الترمذي في تفسير ((سورة الحج)): وأخرجه أيضًا أحمد في («مسنده)).
١٠ - باب
[٢٩٤٢] قوله: (حدثنا أبو داود) هو: الطيالسي. (عن منصور) هو: ابن المعتمر.
(سمعت أبا وائل) اسمه: شقيق بن سلمة. (عن عبد الله) أي: ابن مسعود ◌ُه.
قوله: (بئس ما لأحدهم) ((ما)): نكرة موصوفة، وقوله: ((أن يقول)): مخصوص بالذم؛

٢٦٤
كِتابُ القِراءَاتِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َلھو / باب
نَسِيتُ آيَةً كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ، فَاسْتَذْكِرُوا القُرْآنَ، فَوَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُوَ
أشَدُّ تَفَصِّيًا مِن صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَم مِن عُقُلِهِ)). [خ: ٥٠٣٢، م: ٧٩٠، ن: ٩٤٢،
حم: ٣٦١٣، مي: ٢٧٤٥] .
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
كقوله تعالى: ﴿بِثْسَمَا أَشْتََّوَأْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ﴾ [البقرة: ٩٠]، أي: بئس
شيئًا كائنًا للرجل.
قوله: (نسيت) بفتح النون وكسر السين المخففة (آية كيت وكيت) أي: آية كذا وكذا،
وهو بفتح التاء على المشهور، وحكى الجوهري فتحها وكسرها عن أبي عبيدة (بل هو نُسِّي)
بضم النون وكسر السين المشددة. وقال النووي: فيه كراهة قول: ((نسيت آية كذا)): وهي
كراهة تنزيه، وأنه لا يكره قوله: ((أنسيتها))؛ وإنما نهى عن نسيتها؛ لأنه يتضمن التَّسَاهُل
فيها، والتغافل عنها، وقال الله تعالى: ﴿أَنَتَكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا﴾ [طه: ١٢٦]. وقال القاضي عياض:
أولى ما يُتَأَوَّلُ عليه الحديث: أن معناه ذُّ الحالِ لا ذم القول، أي: بئست الحالة حالة من
حفظ القرآن، فغفل عنه حتى نسيه. انتهى.
(فاستذكروا القرآن) أي: وَاظِبُوا على تلاوته، واطلبوا من أنفسكم المذاكرة به،
واستحضروه في القلب (لهو أشد تفصيًا) بفتح الفوقانية والفاء وكسر الصاد المهملة الثقيلة
بعدها تحتانية خفيفة، أي: تَفَلُّتًا وتَخَلُّصًا، وهو منصوبٌ على التمييز (من صدور الرجال)
متعلِّق، بـ ((تفصيًا))، وتخصيص الرجال بالذكر؛ لأن حفظ القرآن من شأنهم (من النَّعَمِ)
بفتحتين. قال النووي: النَّعَمْ أصلها الإبل والبقر والغنم، والمراد هنا الإبل خاصة؛ لأنها
التي تُعْقَلُ. انتهى. وهو متعلق بـ ((أشد)): أي: أشد من تفصي النعم المعقلة (من عقله) بضم
العين والقاف، جمع عِقَالٍ؛ كَكُتُبٍ جمع ((كتاب)): وهو الحبل الذي يُشَدُّ به ذرَاعُ البعير.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه الشيخان، والنسائي.

٢٦٥
كِتابُ القِراءَاتِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَه / باب مَا جَاءَ أُنْزِلَ القُرْآن عَلَى سَبْعَةٍ أحْرُف
١١- باب مَا جَاءَ أَنْزِلَ القُرْآنِ عَلَى سَبْعَةٍ أحْرُف [ت ١١، م ٩]
[٢٩٤٣] (٢٩٤٣) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الخَلَّالُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمِرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَن المِسْورِ بْنِ
مَخْرمَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْد القَارِئ، أخْبَرَاهُ: أنَّهُمَا سَمِعًا عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ،
يَقُولُ: مَرَرْتُ بِهِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ الله
يَّةِ، فَاسْتَمَعْتُ قِرَاءَتَهُ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرةٍ، لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللهِ،
فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَنَظَرْتُهُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَمَّا سلَّمَ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَقُلْتُ: مَن
أقْرأكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَؤُهَا، فَقَالَ: أَقْرَأْنِيهَا رَسُولُ اللهِ، قال:
١١ - باب مَا جَاءَ أَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةٍ أَخْرُفٍ
[٢٩٤٣] قوله: (عن المسور بن مخرمة) بن نوفل، له ولأبيه صحبة. (وعبد الرحمن بن
عبد) بالتنوين بغير إضافة. (القاري) بتشديد الياء التحتانية، نسبة إلى القارة، بطن من
خزيمة بن مدركة. (مررت بهشام بن حكيم بن حزام) بن خويلد بن أسد القرشي الأسدي،
صحابي ابن صحابي، وكان إسلامهما يوم الفتح. (فكدت أساوره) بالسين المهملة، أي:
آخذ برأسه؛ قاله الجرجاني، وقال غيره: أُوَاثِيُهُ، وهو أشبه.
قال النابغة: [من الطويل].
مِنَ الرَّقْشِ فِي أَنْيَابِهَا السُّمُّ نَاقِعُ
فَبِتُّ كَأَنِّي سَاوَرَتْنِي ضَئِيلَةٌ
أي: واثبتني، وفي بانت سعاد: [من البسيط].
إذا يُسَاوِرُ قَرْنًا لَا يَحِقُّ لَهُ
أَنْ يَتْرُكَ الْقَرْنَ إِلَّ وَهُوَ مَجْدُولُ
كذا في ((الفتح)). (فنظرت حتى سلم) وفي رواية البخاري: ((فَتَصَبَّرْت حَتَّى سَلَّمَ))، وَفِي
رِوَايَةِ مَالِكِ: (ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ)): أي: من الصلاة. (لببته بردائه) من التَّلبيب، قال
الحافظ: أي: جمعت عليه ثيابه عند لبته؛ لئلا يتفلت مني، وكان عمر شديدًا بالأمر
بالمعروف، وفعل ذلك عن اجتهاد منه؛ لظنه أن هشامًا خالف الصواب؛ ولهذا لم ينكر عليه
النبي ◌َّ﴿، بل قال له: أَرْسِلْهُ. انتهى. وقال في ((القاموس)): لََّهُ تَلْبِبًا: جمع ثيابه عند نَحْرِهِ
في الخُصُومَة، ثم جَرَّهُ. انتهى. وقال في ((النهاية)): يقال لبيت الرجل ولبيته: إذا جعلت في
◌ُنُقِهِ ثَوْبًا أو غيره، وجررته به.

٢٦٦
كِتابُ القِراءَاتِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَه / باب مَا جَاءَ أُنْزِلَ القُرْآن عَلَى سَبْعَةٍ أحْرُف
قلْتُ لَهُ: كَذَبْتَ وَاللهِ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ لَهُوَ أَقْرَأْنِي هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي تَقْرَؤْهَا،
فَانْطَلَقْتُ أَقُودُه إِلَى النَّبِيِّ وَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةً
الفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِتْنيهَا، وَأَنْتَ أقْرَأْتَنِي سُورَةَ الفُرْقَانِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّه:
((أرْسِلْهُ يَا عُمَرُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ)) فَقَرأ عليه القِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ، فَقَالَ النبيُّ نَّهِ: ((هَكَذَا
أَنْزِلَتْ)). ثُمَّ قَالَ النبيُّ وَِّ: ((اقرَأْ يَا عُمَرُ)). فَقَرَأْتُ بالقِرَاءة الَّتِي أَقْرَ أْنِي النبيُّ وَّه
فَقَالَ النبيُّ وَِّ: ((هَكَذَا أُنْزِلَتْ))، ثُمَّ قَالَ النبيُّ ◌َِّ: ((إنَّ هذا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ
أَحْرُفٍ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسرَ مِنْهُ)). [خ: ٢٤١٩، م: ٨١٨، ن: ٩٣٦، د: ١٤٧٥، حم: ١٥٩، طا: ٤٧٢].
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وَقَدْ روى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بهذا الإسْنَادِ: نَحْوَهُ، إِلَّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ
فيهِ: المِسْورَ بْنَ مَخْرَمَةً.
[٢٩٤٤] (٢٩٤٤) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ
عَنْ عَاصِمٍ، عَن زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنِ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: لَقِيَ رَسُولُ اللهِوَ جِبْرِيلَ،
فَقَالَ: ((يَاَ جِبْرِيلُ، إنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ:
(قلت له: كذبت) فيه إطلاق ذلك على غَلَبَةُ الظَّنِّ، أو المراد بقوله: ((كذبت))، أي:
أخطأت؛ لأن أهل الحجاز يُطْلِقُونَ الْكَذِبَ في موضع الخطأ؛ قاله الحافظ. (إن هذا القرآن
أنزل على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) أورده النبي ◌َّله تطمينًا لعمر؛ لئلا ينكر تصويب الشيئين المختلفين
(فاقرءوا ما تيسر منه) أي: من المُنَزَّلِ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه الشيخان، وأبو داود، والنسائي.
[٢٩٤٤] قوله: (حدثنا الحسن بن موسى) الأشيب، أبو علي البغدادي، قاضي الموصل
وغيرها، ثقة. قال ابن عمار الحافظ: كان في الموصل بَيْعَةٌ للنصارى، فجمعوا له مئة ألف
على أن يحكم بأن تبنى فَرَدَّها وحكم بألا تبنى، مات بالري سنة تسع ومئتين. (أخبرنا شيبان)
بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحوي. (عن عاصم) بن بهدلة، وهو ابن أبي النجود.
قوله: (إني بعثت إلى أمة أميين) قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمَّيِّعْنَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾
[الجمعة: ٢]. والأمي من لا يَكْتُبُ وَلَا يَقْرَأُ كِتَابًا. وقال ◌َ: ((إِنّا أُمَّةٌ أُمِّيةٌ، لا نَكْتُبُ، وَلَا
نَحْسِبُ)). أراد أنهم على أصل ولادة أمهم، لم يتعلموا الكتابة والحساب، فهم على جبلتهم

٢٦٧
كِتابُ القِراءَاتِ عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ ر باب مَا جَاءَ أُنْزِلَ القُرْآن عَلَى سَبْعَةٍ أحْرُف
مِنْهُمُ العَجُوزُ، وَالشَّيْخُ الكَبِيرُ، وَالغَلَامُ، وَالجَارِيَّةُ، وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا قَطُ))
قَالَ: يَا مُحمَّدُ، إنَّ القُرآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. [حم: ٢٠٦٩٩].
وفي البابٍ: عَن عُمَرَ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، وأبي هريرة، وَأُمّ أيُّوبَ - وَهِيَ امْرأةٌ
أبي أيُّوبَ الأنصاري وَسَمُرَةَ، وَابنِ عبَّاسٍ، وَأَبِي جُهَيْم بْنِ الحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ،
وعمرو بْنِ العاص، وأبي بكرَةَ.
الأولى (منهم العجوز والشيخ الكبير) وهما عاجزان عن التعلم للكبر (والغلام والجارية)
وهما غير متمكِّنين من القراءة للصغر (والرجل الذي لم يقرأ كتابًا قط) المعنى: أني بعثت إلى
أمة أميين، منهم هؤلاء المذكورون، فلو أقرأتهم على قراءة واحدة لا يَقْدِرُونَ عليها .
(قال: يا محمد، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف) أي: على سبعة أوجه يجوز أن يقرأ
بكل وجه منها، وليس المراد أن كل كلمة أو جملة منه تقرأ على سبعة أوجه، بل المراد أن
غاية ما انتهى إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة إلى سبعة، فإن قيل: فإنا نَجِدُ بَعْضَ
الكلمات يقرأ على أكثر من سبعة أوجه، فالجواب أن غالب ذلك إما لا يثبت الزيادة، وإما
أن يكون من قبيل الاختلاف في كيفية الأداء، كما في المدِّ، والإمالة، ونحوهما. وقيل:
ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد، بل المراد التسهيل والتيسير، ولفظ السبعة يطلق على إرادة
الكثرة في الآحاد؛ كما يطلق السبعين في العشرات، والسبع مئة في المئين، ولا يراد العدد
المعين، وإلى هذا جَنَحَ عِياض ومَنْ تَبِعَهُ. وذكر القرطبي عن ابن حبان: أنه بلغ الاختلاف
في معنى الأحرف السبعة إلى خمسة وثلاثين قولًا. وقال المنذري: أكثرها غير مختار؛ كذا
في ((فتح الباري)).
قلت: وقد أطال الحافظ ابن جرير في أول تفسيره الكلام في بيان معنى قوله وَلَه: ((أَنْزِلَ
القُرآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ))، وكذا الحافظ ابن حجر في ((الفتح))، فعليك أن تطالعهما .
قوله: (وفي الباب عن عمر، وحذيفة بن اليمان ... إلخ). أما حديث عمر: فأخرجه
الترمذي بعد هذا (١). وأما حديث حذيفة بن اليمان: فأخرجه البخاري(٢). وأما حديث
أبي هريرة: فأخرجه أحمد في ((مسنده))(٣): عنه عن النبي ◌َِّ قال: ((أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ
(١) الصواب: ((قبل هذا))؛ انظر سنن الترمذي، حديث (٢٩٤٣).
(٢) البخاري، كتاب فضائل القرآن، حديث (٤٩٨٨).
(٣) أحمد، حديث (٨١٩٠).

٢٦٨
كِتابُ القِراءَاتِ عَنْ رَسُولِ الله ێ / باب
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقدْ رُوِي مِن غَيْرِ وَجْهٍ، عَن أَبِيِّ بْنِ
گعْبٍ.
١٢ - باب [ت ١٢، م ١٠]
[٢٩٤٥] (٢٩٤٥) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ،
عَن أبي صَالِحٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَن نَفَّسَ عَن أخِيهِ كُرْبَةً
مَن كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِن كُرَبٍ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ
فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ،
أَحْرُفٍ عَلِيمًا حَكِيمًا غَفُورًا رَحِيمًا)). وأما حديث أم أيوب(١)، وحديث سمرة: فأخرجهما
أحمد في («مسنده))(٢). وأما حديث ابن عباس: فأخرجه البخاري، ومسلم (٣). وأما حديث
أبي جهيم، فأخرجه أحمد(٤)، وأبو عبيد، والطبري.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
١٢ - باب
[٢٩٤٥] قوله: (من نفس) من التنفيس (عن أخيه كربةً من كرب الدنيا) أي: أَزَالَهَا
وفَرَّجَهَا. قال الطيبيّ: كأنه فتح مداخل الأنفاس، فهو مأخوذ من قولهم: أنت في نفسٍٍ،
أي: سَعَةٍ، كأن من كان في كربةٍ سدَّ عنه مداخل الأنفاس، فإذا فرج عنه فُتِحَتْ، والمراد من
أخيه: أخوه في الإيمان، وفي رواية مسلم: ((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ، نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ
كُرَبٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). لما كان الخلق كلهم عيال الله، وتنفيس الكرب إحسان، فجزاه الله جزاءً
وفاقًا؛ لقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَنُ﴾ [الرحمن: ٦٠].
(ومن ستر مسلماً): أي: في قبيح يفعله فلا يفضحه، أو كساه ثوبًا (ستره الله) أي: عيوبه
أو عورته. قال النووي في شرح قوله {َّر: ((وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). رواه
مسلم(٥) في حديث ابن عمر، وأما الستر المندوب إليه هنا فالمراد به الستر على ذوي
(١) أحمد، حديث (٢٦٨٩٧).
(٢) أحمد، حديث (١٩٦٦٦).
(٣) البخاري، كتاب فضائل القرآن، حديث (٤٩٩١)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، حديث (٨١٩).
(٥) مسلم، كتاب البر والصلة، حديث (٢٥٨٠).
(٤) أحمد، حديث (١٧٠٩١).

٢٦٩
كِتابُ القِراءَاتِ عَنْ رَسُولِ الله ێو / باب
وَمَنْ يَسَّرِ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، واللهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ، مَا كَانَ
العَبْدُ في عَوْنِ أخِيه، وَمَنْ سَلَكَ طَريقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ،
وَمَا قَعَدَ قَوْمٌ فِي مَسْجِدٍ يَتْلُونَ كِتَابَ الله، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ،
الهيئات ونحوهم، ممن ليس هو معروفًا بالأذى والفساد، فأما المعروف بذلك فيستحب ألا
يستر عليه، بل يرفع قضيته إلى وَلِيِّ الأمر إن لم يخف من ذلك مَفْسَدَةً؛ لأن الستر على هذا
يُطْمِعُهُ في الإيذاء والفساد، وانتهاك الحرمات، وجسارة غيره على مثل فعله، هذا كله في
ستر معصية وقعت وانقضت، أما معصية رآه عليها، وهو بعد مُتَلَبِّسٌ بها؛ فتجب المبادرة
بإنكارها عليه، ومنعه منها على من قدر على ذلك، ولا يحل تأخيرها، فإن عجز لزم رفعُها
إلى وَلِيٍّ الأمر، إذا لم تترتب على ذلك مفسدة. انتهى.
(ومن يسَّر على مُعسر) أي: سَهَّل على فقير، وهو يشمل المؤمن والكافر، أي: من كان
له دين على فقير فَسَهَّلَ عليه بإمهال، أو بترك بعضه، أو کله (يسر الله علیه) بدل تیسیرہ علی
عبده مجازاة بجنسه (والله في عون العبد) الواو للاستئناف، وهو تذييلٌ للكلام السَّابِقِ (ما كان
العبد) أي: ما دام كان (في عون أخيه) أي: في قَضَاءِ حَاجَتِهِ (ومن سلك) أي: دخل أو
مشى (طريقًا) أي: قريبًا أو بعيدًا، قيل: التنوين للتعميم؛ إذ النكرة في الإثبات قد تفيد
العموم (يلتمس فيه) حال أو صفة (علمًا) نكرة ليشمل كُلَّ نوع من أنواع علوم الدين، قليلة أو
كثيرة (سهل الله له) زاد في رواية مسلم: ((به)). أي: بذلك السُّلوك أو الالتماس (طريقًا إلى
الجنة) أي: طريقًا مُوَصِّلًا إلى الجنة، مع قَطْعِ العَقَبَاتِ الشَّاقة دونها يوم القيامة.
(وما قعد قوم في مسجد) وفي رواية مسلم(١): ((فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الله)) (يتلون) حال من
((قوم)) (كتاب الله) أي: القرآن (ويتدارسونه بينهم) التَّدارس قراءة بعضهم على بعضٍ تصحيحًا
لألفاظه، أو كشفًا لمعانيه، قاله ابن الملك. وقال الجزري في ((النهاية)): تدارسوا القرآن،
أي: اقرؤوه وتعهدوہ؛ لئلا تنسوه، یقال: درس يدرس درسًا ودراسة، وأصل الدراسة
الرياضة، والتعهد للشَّيْءِ. انتهى. وقال القاري في ((المرقاة)): ويمكن أن يكون المراد
بالتدارس المدارسة المعروفة؛ بأن يقرأ بعضهم عشرًا مثلًا، وبعضهم عشرًا آخر، وهكذا،
فيكون أخص من التلاوة، أو مقابلًا لها، والأظهر أنه شَامِلٌ لجميع ما يناط بالقرآن من
التعليم والتعلّم. انتهى (إلا نزلت عليهم السكينة) يجوز في مثل هذا التركيب كسر الهاء وضم
(١) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، حديث (٢٦٩٩).

٢٧٠
كِتابُ القِراءَاتِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِێو / باب
وَغَشِيتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ)).
[م: ٢٦٩٩، د مختصرًا: ١٤٥٥، جه: ٢٢٥، حم: ٧٣٧٩، مي مختصرًا: ٣٤٤].
الميم وهو الأكثر، وضمهما وكسرهما. قيل: المراد بـ ((السكينة)): هَاهُنَا الرحمة، وهو الذي
اختاره القاضي عياض، وهو ضعيف؛ لعطف ((الرحمة)): عليه، وقيل: الطمأنينة والوقار،
وهو أحسن؛ قاله النووي (وحفتهم الملائكة) أي: أَحَاطُوا بهم، وزاد في رواية مسلم:
((وَذَكَرَهُمُ الله فِيْمَنْ عِنْدَهُ)).
(ومن أبطأ به عمله) من الإبطاء، وفي رواية مسلم: ((مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلٌ)): من التبطئة،
وهما ضِدُّ التعجّل، والبطء نقيضُ السُّرعة، والباء للتعدية، والمعنى: من أَخَّرَهُ عملٌ عن بلوغ
درجة السعادة (لم يسرع به نسبه) من الإسراع، أي: لم يقدمه نسبه، يعني: لم يجبر نقيصته؛
لكونه نسيبًا في قومه، إذ لا يَحْصُلُ التقرب إلى الله تعالى بالنسب، بل بالأعمال الصالحة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقْنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وشاهد ذلك أن أكثر علماء السلف
والخلف لا أنساب لهم يتفاخر بها، بل كثير من علماء السلف مَوَالٍ، ومع ذلك هم سادات
الأمة، وينابيع الرحمة، وذوو الأنساب العلية الذين ليسوا كذلك في مواطن جهلهم نَسْيًا
مَنْسِيًا، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ الله يَرْفَعُ بِهَذَا الدِّينِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ
آخَرِينَ)) (١)؛ كذا قال القاري في ((المرقاة)). وقد صدق القاري.
قال ابن الصلاح في ((مقدمته)): روينا عن الزهري قال: قدمت على عبد الملك بن
مروان، فقال: من أين قدمت يا زهري؟ قلت: من مكة. قال: فمن خلفت بها يسودُ أهلها؟
قلت: عطاء بن أبي رباح، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي؟ قال:
وبم سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية. قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا. قال:
فمن يسودُ أهل اليمن؟ قال: قلت: طاوس بن كيسان، قال: فمن العرب، أم من الموالي؟
قال: قلت من الموالي، قال: وبم سادهم؟ قلت: بما سادهم به عطاء، قال: إنه لينبغي.
قال: فمن يسودُ أهل مصر؟ قال: قلت: يزيد بن أبي حبيب، قال: فمن العرب، أم من
الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: فمن يسودُ أهل الشام؟ قال: قلت مكحول، قال:
فمن العرب، أم من الموالي؟ قال: قلت من الموالي عَبْدُ نُوبِيٍّ أعتقته امرأةٌ مِنْ هُذَيْلٍ؟ قال:
(١) أبو يعلى في («مسنده)) (٢١٠)، وأخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين. حديث (٨١٧) بلفظ ((الكتاب)) بدل
((الدین)).

٢٧١
كِتابُ القِراءَاتِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َ و / باب
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَن أبي صَالِحٍ، عَن
أبي هُرَيْرَةَ، عَن النبيِّ نَّهِ مِثْلَ هَذَا الحَدِيثِ. وَرَوَى أَسْبَاطُ بْنُ مُحمَّدٍ، عَن
الأعمَشِ، قَالَ: حُدِّثْثُ عَن أبي صَالِحٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَن النبيِّ وَِّ، فَذَكَرَ بَعْضَ
هَذَا الحَدِيثِ.
١٣ - باب [ت ١٣، م ١١]
[٢٩٤٦] (٢٩٤٦) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ أسْبَاطِ بْنِ مُحمَّدِ القُرَشِيُّ، قال: حَدَّثَنِي أبي،
عَن مُطَرِّفٍ، عَن أبي إسْحَاقَ، عَن أبي بُرْدَةَ، عَن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ الله، في كَم أقْرَأُ القُرْآنَ؟ قَالَ: ((اخْتِمْهُ فِي شَهْر) قُلْتُ:
فمن يسودُ أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران، قال: فمن العرب، أم من الموالي؟ قال:
قلت من الموالي. قال: فمن يسودُ أهل خُرَاسَانَ؟ قال: قلت: الضحاك بن مزاحم، قال:
فمن العرب، أم الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: فمن يسودُ أهل البصرة؟ قال:
قلت: الحسن بن أبي الحسن، قال: فمن العرب، أم من الموالي؟ قال: قلت من الموالي.
قال: فمن يسودُ أهل الكوفة؟ قال: قلت: إبراهيم النخعي، قال: فمن العرب أم الموالي؟
قال: قلت: من العرب. قال: ويلك يا زهري، فَرَّجْتَ عَنِّي، والله ليسودن الموالي على
العرب، حتى يخطب لها على المنابر، والعرب تحتها. قال: قلت: يا أمير المؤمنين! إذًا هو
أمر الله ودينه. من حفظه ساده، ومن ضَيَّعَهُ سَقَطَ. انتهى.
قوله: (هكذا روى غير واحد عن الأعمش عن أبي صالح .. . إلخ) أي: متصلًا.
(وروى أسباط بن محمد، عن الأعمش، قال: حدثت) بصيغة المجهول من التحديث. (عن
أبي صالح ... إلخ) ففي رواية أسباطِ هذه انقطاعٌ بين الأعمش وأبي صالح؛ فإن الأعمش
لم يذكر في حديثه عن أبي صالح، وحديثه عن أبي هريرة المذكور أخرجه الترمذي مختصرًا
في أبواب الحُدُودِ، وفي أبواب البِرِّ وَالصِّلَّةِ، وفي أبواب العِلْمِ.
١٣ - باب
[٢٩٤٦] قوله: (عن مطرف) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد الراء المكسورة، هو: ابن
طريف الكوفي. (عن أبي إسحاق) هو: عمرو بن عبد الله السبيعي.

٢٧٢
كِتابُ القِراءَاتِ عَنْ رَسُولِ الله ێ / باب
إِنِّي أُطِيقُ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ، قَالَ: ((اخْتِمْهُ فِي عِشْرِينَ)) قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أفْضَلَ مِن
ذَلِكَ، قَالَ: ((اخْتِمْهُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ)) قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ قَالَ: ((اخْتِمْهُ
في عَشْرٍ)) قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ، قَالَ: ((اخْتِمْهُ فِي خَمْسٍ)) قُلْتُ: إِنِّي
أُطِيقُ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ، قَالَ: فَمَا رَخَّص لي. [أبو إسحاق، مدلس وهو في خ: ١٩٧٨، م بنحوه:
١١٥٩ دون الخمس: د بنحوه: ١٣٩٠، جه: ١٣٤٦، حم: ٦٤٤١].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجه، يُسْتَغْرَبُ مِن
حَدِيثٍ أبي بُرْدَةَ، عَن عَبدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَقد رُوِي هَذَا الحَدِيثُ مِن غَيْرٍ وَجْهٍ، عَن
عَبْدِ الله بْنِ عُمَر، ورُوِيَ عَن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، عَن النبيِّ وَِّ قَالَ: ((لَمْ يَفْقَهْ مَن قَرأ
القُرْآنَ فِي أقَلَّ مِن ثَلَاثٍ))
قوله: (إني أطيقُ أَفْضَلَ من ذلك)، أي: أَكْثَرَ من ذلك المذكور. (فما رخص لي)، أي:
في أقل من الخمس. وفي ((مسند الدارمي)) من طريق أبي فروة عن عبد الله بن عمرو قال:
قلت: يا رسول الله! في كَمْ أَخْتِمُ القُرْآنَ؟ قال ((اخْتِمْهُ فِي شَهْرٍ)). قلت: إِنِّي أُطِيقُ، قال:
((اخْتِمْهُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ)) ... الحديث. وفي آخره قال: ((اخْتِمْهُ فِي خَمْسٍ))(١). قلت: إني
أطيق، قال: ((لا)). وفي روايةٍ للبخاري(٢) قال: ((اقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ))، قُلْت: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً،
حَتَّى قَالَ: ((فَاقْرَأُهُ فِي سَبْعٍ، وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ)). قال الحافظ: أي: لا تغير الحال المذكورة
إلى حالة أخرى، فأطلق الزيادة، والمراد النقص، والزيادة هنا بطريق التدلِّي، أي: لا تقرأه
في أقل من سَبْعٍ. انتهى. وسيأتي وجهُ الْجَمْعِ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب). وأخرجه الشيخان من وجوه أخرى بألفاظ.
(وروي عن عبد الله بن عمرو عن النبي وس ﴿ قال: لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث)
وَصَلَهُ الترمذي(٣) في آخر هذا الباب.
قال الحافظ في ((الفتح)): وشاهده عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح من وجه آخر عن
(١) (صحيح مسلم)) كتاب البر والصلة والآداب، حديث (٢٥٦٧)، و((مسند أحمد)) (٥٠٧/٢)، والدارمي
(٣٤٨٦).
(٢) البخاري، كتاب فضائل القرآن، حديث (٥٠٥٤).
(٣) الترمذي، كتاب القراءات، حديث (٢٩٤٩).

٢٧٣
كِتابُ القِراءَاتِ عَنْ رَسُولِ الله (ێ / باب
وَرُوِيَ عَنِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، أنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ لَهُ: ((اقْرَأْ القُرْآنَ في أَرْبَعِينَ)) قَالَ
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٍ: وَلَا نُحبُّ لِلرَّجُلِ أنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن أرْبَعِينَ، وَلَمْ يَقْرَأ
القُرْآنَ لِهَذَا الحَدِيثِ.
وَقَالَ بَعْضُ أهلِ العلمِ: لَا يُقْرَأُ القُرْآن في أقَلَّ مِن ثَلاثٍ؛ لِلْحَدِيثِ الذِي رُوِيَ
عَن النبيِّ وَِّ، وَرَأَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، وَرُوِيَ عَن عُثمانَ بْنِ عَفَّانَ؛ أنَّهُ كَانَ
يَقْرَأُ القُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ يُوتِرُ بِهَا، وَرُوِيَ عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ قَرأ القُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ في
ابن مسعود: ((اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ فِي سَبْعٍ، وَلَا تَقْرَؤوهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ)): ولأبي عبيد من طريق
الطيب بن سليمان، عن عمرة، عن عائشة، أن النبي وَّ﴿ كَانَ لَا يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ
ثَلاثٍ؛ وهذا اختيار أحمد، وأبي عبيد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم، وثبت عن كثير من
السلف؛ أنهم قرؤوا القرآن في دون ذلك. قال النووي: والاختيار أن ذلك يختلف
بالأشخاص، فمن كان من أهل الفهم وتدقيق الفكر؛ استحب له أن يقتصر على القدر الذي
لا يختلُّ بالمقصود من التدبر، وإخراج المعاني، وكذا مَنْ كان له شغلٌ بالعلم أو غيره من
مهمات الدين، ومصالح المسلمين العامة، يستحب له أن يقتصر منه على القدر الذي لا يخلُّ
بما هو فيه، ومن لم يكن كذلك؛ فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خُرُوجٍ إلى الملل،
ولا يقرؤه هَذْرَمَةً. انتهى ما في ((الفتح)).
(وروي عن عبد الله بن عمرو، أن النبي ◌َ ﴿ قال له: اقْرَأْ القُرْآنَ) أي: كله (في أربعين)
أي: يومًا أو ليلة، ووصله الترمذي فيما بعد. و(قال إسحاق بن إبراهيم) هو إسحاق بن
راهويه. (ولم يقرأ القرآن) أي: كله. (وقال بعض أهل العلم: لا يقرأ القرآن في أقل من
ثلاث) تقدم أسماؤهم. (ورخص فيه بعض أهل العلم) أي: رَأَخَّصَ بعضُهم في أن يقرأ القرآن
في أقل من ثلاث. قال محمد بن نصر في ((قيام الليل)): وكان سعيد بن المسيب يختم القرآن
في ليلتين، وكان ثابت البناني يقرأ القرآن في يوم وليلة، ويصومُ الدَّهْرَ. وكان أبو حرة يختم
القرآن كل يوم وليلة، وكان عطاء بن السائب يَخْتِمُ القُرْآن في كُلِّ ليلتين.
(وروي عن عثمان بن عفان، أنه كان يقرأ القرآن في رَكْعَةٍ یوتر بها). رواه محمد بن
نصر في ((قيام الليل)) (١)، وروى الطحاوي(٢) بإسناده عن ابن سيرين قال: كان تميم الداري
(١) ((قيام الليل))، حديث (١٧٢).
(٢) الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) حديث (١٨٩٦)، (١٨٩٨)، (١٨٩٩).

٢٧٤
كِتابُ القِراءَاتِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َليو / باب
الكَعْبَةِ، وَالتَّرْتِيلُ في القِرَاءةِ، أحَبُّ إلى أهْلِ العِلْمِ.
[٢٩٤٧] (٢٩٤٧) حَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ أبي النَّضْرِ البَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ
الحَسَنِ - هو ابن شقيق - عَن عَبْدِ الله بْنِ المُبَارَكِ، عَن مَعْمَرٍ، عَن سِمَاكِ بْنِ الفَضْلِ،
عَن وَهْبٍ بْنِ مُنَبِّهِ، عَن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، أنَّ النَّبِيَّ وَسِ قَالَ لهُ: ((اقْرَأْ القُرْآنَ في
أرْبَعینَ)).
يُخْبِيِ اللَّيْلَ كُلَّهُ بالقرآن كُلِّهِ فِي رَكْعَةٍ، عن عبد الله بن الزبير، أنه قرأ القُرآنَ في رَكْعَةٍ، وعن
سعيد بن جبير، أنه قرأ القرآن في ركعةٍ في البيت. وقال محمد بن نصر في ((قيام الليل)):
وخرج صالح بن كيسان إلى الحج، فربما ختم القرآن مرتين في ليلة بين شعبتي رحله، وكان
منصور بن زاذان خفيف القراءة، وكان يقرأ القرآن كُلَّهُ فِي صَلاةِ الضُّحَى، وكان يختم القرآن
بين الأولى والعصر، ويختم في يوم مرتين، وكان يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ، وكان إذا جاء شَهْرُ
رَمَضَانَ ختم القرآن بين المغرب والعشاء ختمتين، ثم يقرأ إلى الطواسين قبل أن تُقَامَ الصَّلاة،
وكانوا إذ ذاك يُؤَخِّرُونَ العشاء لشهر رمضان إلى أن يذهب ربع الليل. انتهى ما في ((قيام
الليل)» بقدر الحاجة.
ولو تتبعت تراجم أئمة الحديث؛ لوجدت كثيرًا منهم أنهم كانوا يقرؤون القرآن في أَقَل
مِنْ ثَلاث، فالظّاهِر أن هؤلاء الأعلام لم يحملوا النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث
على التَّحْرِيم، والمختار عندي ما ذهب إليه الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهما.
والله تعالى أعلم.
(والترتيل في القراءة أحبُّ إلى أهل العلم) لأنه ◌َّ كان يقرأ القرآن بالترتيل، وكانت
قراءته مفسرة حرفًا حرفًا، فاتباعه وَّليل أحب وأولى.
[٢٩٤٧] قوله: (حدثنا علي بن الحسن) هو: ابن شقيق المروزي. (عن سماك بن
الفضل) الخولاني اليماني، ثقة، من السادسة.
قوله: (قال له: اقرأ القرآن في أربعين)؛ كذا رواه الترمذي مختصرًا، ورواه أبو داود(١)
بلفظ: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ وَّهِ: فِي كَمْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: ((فِي أَرْبِعِينَ يَوْمًا)): ثُمَّ قَالَ: ((فِي شَهْرٍ))،
ثُمَّ قَالَ: ((فِي عِشْرِينَ)): ثُمَّ قَالَ: ((فِي خَمْسَ عَشْرَةَ»: ثُمَّ قَالَ: ((فِي عَشْرٍ)): ثُمَّ قَالَ: ((فِي
سَبْعٍ)): لم ينزل عن سبع.
(١) أبو داود، كتاب الصلاة، حديث (١٣٩٥).

٢٧٥
كِتابُ القِراءَاتِ عَنْ رَسُولِ الله ێو / باب
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وَرَوَى بَعْضُهُم، عَن مَعْمَرٍ، عَن سِمَاكِ بْنِ الفَضْلِ، عَن وَهْبٍ بْنِ مُنَبِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ
وَّهِ أَمَرَ عَبْدَ الله بْنَ عَمْرٍو أنْ يَقْرأ القُرْآنَ فِي أَرْبَعِينَ.
[٢٩٤٨] (٢٩٤٨) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الجهضميِّ، حَدَّثَنَا الهَيْثم بْنُ الرَّبيع،
حَدَّثَنَا صَالِحُ المُرِّيُّ، عَن قَتَادَةَ، عَن زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ
رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى الله؟ قَالَ: ((الحَالُّ المُرْتَحِلُ)) قَالَ: وَمَا
الحَالُّ المُرْتَحِلُ؟ قَالَ: ((الَّذِي يَضْرِبُ مِن أوَّلِ القُرْآنِ إلى آخِرِهِ، كُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلَ)).
[ضعيف الإسناد مي: ٣٤٧٦].
قال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر هذا الحديث، وعَزوِهِ لأبي داود، والترمذي، والنسائي
ما لفظه: وهذا إن كان محفوظًا احتمل في الجمع بينه وبين رواية أبي فروة - يعني: التي
رواها الدارمي - وقد تقدمت تعددُ القصةٍ، فلا مانع أن يَتَعَدَّدَ قول النبي ◌َّ لعبد الله بن
عمرو ذلك تأكيدًا، ويؤيده الاختلاف الواقع في السياق، وكأن النهي عن الزيادة ليس على
التحريم؛ كما أن الأمر في جميع ذلك ليس للوجوب، وعرف ذلك من قَرَائن الحال التي
أَرْشَدَ إليها السِّيَاقُ، وهو النظر إلى عجزه عن سوى ذلك في الحال، أو في المَآلِ. انتهى.
[٢٩٤٨] قوله: (حدثنا الهيثم بن الربيع) العقيلي أبو المثنى البصري أو الواسطي،
ضعيف، من السابعة.
قوله: (الحال المرتحل) قال الجزري في ((النهاية)): هو الذي يَخْتِمُ القرآن بتلاوته، ثم
يفتتح التلاوة من أوله، شبهه بالمسافر يبلغ المنزل فُيُحلَّ فيه، ثم يفتتح سيره، أي: يبتدئه،
وكذلك قراء مكة إذا ختموا القرآن ابتدؤوا، وقرؤوا الفاتحة وخمس آيات من أول البقرة إلى:
﴿وَأُوْلَكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]، ثم يقطعون القراءة، ويسمون فاعل ذلك: الحَالَّ المُرْتَحِلَ،
أي: ختم القرآن، وابتدأ بأوله، ولم يفصل بينهما بزمان، وقيل: أراد بـ ((الحال المرتحل)):
الغازي الذي لا يقفل من غَزْوٍ إلا عقبه بآخر. انتهى.
وقال ابن القيم في ((الإعلام)): ص٢٨٩ ج٢ بعد ذكر هذا الحديث ما لفظه: فهم من هذا
بعضهم أنه إذا فرغ من ختم القرآن؛ قرأ فاتحة الكتاب، وثلاث آيات من ((سورة البقرة))؛ لأنه
حلَّ بالفراغ، وارتحل بالشروع، وهذا لم يفعله أحدٌ من الصَّحَابَةِ ولا التابعين، ولا استحبه

٢٧٦
کِتابُ القِراءَاتِ عَنْ رَسُولِ الله ێو / باب
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لَا نَعْرِفُهُ من حديث ابنِ عَبَّاسٍ، إلّا
مِن هَذَا الوَجْهِ، وإسنادُهُ لَيسَ بالقَوِيِّ.
حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا صَالِحُ المُرِّيُّ، عَن
قَتَادَةَ، عَنِ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنِ النَّبِيِّ وََّ: نَحْوَهُ [بمعناه]، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ.
أَحَدٌ من الأئمة، والمراد بالحديث الذي كُلَّمَا حَلَّ من غَزَاةِ ارْتَحَلَ في أُخْرَى، أو كُلَّمَا حَلَّ
من عَمَلٍ ارتحل إلى غيره تكملًا له كما كمل الأول، وأما هذا الذي يفعله بعض القُرَّاءِ.
فليس مراد الحديث قطعًا. وبالله التوفيق. وقد جاء تفسير الحديث متصلاً به أن: ((يَضْرِب مِنْ
أَوَّلِ الْقُرْآنِ إِلَى آخِرِهِ، كُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلَ)): وهذا له معنيان: أحدهما: أنه كلما حَلَّ من سورة
أو جزء ارتحل في غيره، والثاني أنه كُلَّمَا حلَّ من ختمة ارْتَحَلَ في أُخْرَى. انتهى.
قلت: قد وقع في بعض نُسَخ الترمذيٌّ(١) التفسير الذي أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ القيم متصلًا بهذا
الحديث بلفظ، قال: وَمَا الْحَالُّ المُرْتَحِلُ؟ قَالَ: ((الَّذِي يَضْرِبُ مِنْ أَوَّلِ الْقُرْآنِ إِلَى آخِرِهِ،
كُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلَ)): وحديث ابن عباس هذا رَوَاهُ محمد بن نصر (٢) في ((قيام الليل)): بلفظ:
قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِّ بَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ أَوْ قَالَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ
إِلَى الله؟ قَالَ: «الحَالُّ المُرْتَحِلُ»: قَالَ: يَا رَسُولَ الله! وَمَا الحَالُّ المُرْتَحِلُ؟ قَالَ: ((فَتْحُ
الْقُرْآنِ وَخَتْمُهُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، وَمِنْ آخِرِهِ إِلَى أَوَّلِهِ، كُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلَ)).
قال بعض العلماء: المقصود من الحديث السير دائمًا لا يفتر؛ كما يشعر به كلمة من أوله
إلى آخره، ومن آخره إلى أوله، فقارئ خَمْسٍ آياتٍ ونحوها عند الختم لم يحصل تلك
الفضيلة، وليس المراد الارتحال لفور الحُلُولِ، فالمسافر السائر لا بَدَّ أن ينزل، فيقيم ليلة أو
بعض ليلةٍ، أو بعض يوم أو يُعَرِّسُ. انتهى.
قلت: الأمر عندي كما قال. والله تعالى أعلم.
قوله: (هذا حديث غريب ... إلخ). وأخرجه محمد بن نصر في ((قيام الليل)): كما
عرفت، وفي سندهما صالح المري، وهو ضَعِيفٌ.
قوله: (حدثنا مسلم بن إبراهيم) هو الأزدي.
(١) الترمذي، كتاب القراءات، حديث (٢٩٤٨).
(٢) محمد بن نصر المروزي في ((قيام الليل))، حديث (٥٣).

٢٧٧
كِتابُ القِراءَاتِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َلاو / باب
قَالَ أبُو عِيْسَى: وَهذَا عِنْدِي أصَحُّ مِن حَدِيثِ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ الهَيْثَمِ بْنِ
الرَّبيعِ.
٠
[٢٩٤٩] (٢٩٤٩) حَدَّثَنَا مَحمُودُ بْنُ غَيلَانَ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَن قَتَادَةَ، عَن يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الشِّخيرِ، عَن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، أنَّ النَّبِيَّ
وَّ قَالَ: (لَمْ يَفْقَهْ مَن قَرأ القُرْآنَ فِي أقَلَّ مِن ثَلَاثٍ)). [د: ١٣٩٠].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ جعفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بهذا الإسْنَادِ:
نَحْوَهُ.
تَمّ کِتابُ القِراءات
وَيتلُوهُ كِتابُ تَفسِيرِ القُرآنِ
(وهذا عندي أصح) أي: حديث مسلم بن إبراهيم، عن صالح المري مرسلًا؛ أصح من
حديث الهيثم بن الربيع، عن صالح المري متصلًا؛ لأن مسلم بن إبراهيم ثقة مأمون،
والهيثم بن الربيع ضعيف، ولكن لم يتفرد الهيثم بروايته متصلًا، بل تَابَعَهُ على ذلك إبراهيم بن
الفضل بن أبي سويد في رواية ابن نصر المذكورة.
[٢٩٤٩] قوله: (لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث) أي: لم يفهم ظاهر معانيه.
وأما فهم دقائقه فلا يفي به الأعمار، والمراد نفي الفهم لا نفي الثواب؛ كذا في ((المجمع)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود، والنسائي، والدارمي، وابن ماجه.

٢٧٩
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / باب مَا جَاءَ فِي الَّذِي يُفَسِّرُ القُرْآنَ بِرَأيِهِ
صل الله
وسلم
(٤٨) كِتابُ تَفسير القُرآنِ مَن رَسُولِ اللّه
١- باب مَا جَاءَ في الَّذِي يُفَسِّرُ القُرْآنَ بِرَأيِهِ [ت ١، م-]
[٢٩٥٠] (٢٩٥٠) حَدَّثَنَا مَحمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّري، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَن عَبْدِ الأعْلَى، عَن سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﴿َا، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَالَ: ((مَن قَالَ فِي القُرْآنِ بِغَيْرٍ عِلْم، فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). [ضعيف،
عبد الأعلى، الأكثر على ضعفه حم: ٢٠٧٠].
٤٨ - كِتَابُ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ تمن رَسُولِ الله :
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
صَلَى اللّه
وسيلة
التفسير: تفعيلٍ من الفسر، وهو البيان، تقول: فَسَرْتُ الشيء بالتخفيف: أفسره فسرًا،
وفَسَّرْتُهُ بالتشديد، أُفسِّرُه تفسيرًا إذا بَيَّنْتُهُ، وأصلُ الفسر نظر الطبيب إلى الماء ليعرف العلة،
واختلفوا في التفسير والتأويل. قال أبو عبيدة وطائفة: هما بمعنى، وفرَّق بينهما آخرون،
فقال أبو عبيد الهروي: التأويل رد أحد المحتملين إلى ما يُطابِقُ الظَّاهِر، والتفسير كشف
المراد عن اللفظ المشكل. وحكى صاحب ((النهاية)): أن التأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه
الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل، لولاه ما ترك ظاهر اللفظ، وقيل: التأويل إبداءُ احتمالٍ
اللفظ معتضدٌ بدليلٍ خارج عنه، ومثَّل بعضهم بقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيةٍ﴾ [آل عمران: ٩].
قال: من قال: لا شك فيه، فهو التفسير، ومن قال: لأنه حقٌّ في نفسه لا يقبل الشك، فهو
التأويل؛ كذا في ((الفتح)).
١ - باب مَا جَاءَ فيِ الَّذِي يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِ
[٢٩٥٠] قوله: (حدثنا سفيان) هو الثوري. (عن عبد الأعلى) هو ابن عامر.
قوله: (من قال في القرآن بغير علم) أي: بغير دليل يقيني، أو ظني نقلي، أو عقلي
مطابق للشرعي؛ قاله القاري. وقال المناوي: أي: قولًا يعلم أن الحق غيره، وقال في
مشكله بما لا يعرف (فليتبوأ مقعده من النار) أي: ليهيئ مكانه من النار، قيل: الأمر للتهديد
والوعيد، وقيل: الأمر بمعنى الخبر. قال ابن حجر: وأحقُّ الناس بما فيه من الوعيد؛ قومٌ

٢٨٠
كِتابُ تَفسير القُرآنِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / باب مَا جَاءَ في الَّذِي يُفَسِّرُ القُرْآنَ بِرَأْبِهِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢٩٥١] (٢٩٥١) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ عَمْرِو الكَلْبِيُّ، حَدَّثَنَا
أَبُو عَوَانَةَ، عَن عَبْدِ الأعْلَى، عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَُّ
قَالَ: ((اتّقُوا الحَديثَ عَنِّي إلَّا مَا عَلِمْتُمْ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ
النَّارِ، وَمَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِرَأيِهِ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). [ضعيف، عبد الأعلى الأكثر،
على ضعفه، وسفيان لين الحديث حم: ٢٠٧٠].
من أهل البدع سلبوا لفظ القرآن ما دل عليه، وأريد به، أو حملوه على ما لم يدل عليه، ولم
يرد به في كلا الأمرين مما قصدوا نفيه، أو إثباته من المعنى، فهم مُخْطِئُونَ في الدليل
والمدلول، مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم، والجُبَّائي، وعبد الجبار، والرماني،
والزمخشري، وأمثالهم. ومن هؤلاء من يَدُسُّ البدع والتفاسير الباطلة في كلامهم الجذل،
فيروج على أكثر أهل السنة؛ كصاحب ((الكشاف))، ويقرب من هؤلاء ((تفسير ابن عطية)) بل
كان الإمام ابن العرفة المالكي يبالغ في الحط عليه، ويقول: إنه أقبح من صاحب الكشاف؛
لأن كل أحد يعلم اعتزال ذلك فيجتنبه، بخلاف هذا؛ فإنه يُوهِمُ النَّاس أنه من أهل السُّنة.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه أحمد، والنسائي، وابن جريرٍ (١).
[٢٩٥١] قوله: (اتقوا الحديث) أي: احذروا روايته (عني) والمعنى: لا تحدثوا عني
(إلا ما علمتم) أي: أنه من حديثي. قال القاري: والظاهر أن العلم هنا يشتمل الظنّ، فإنهم
إذا جوزوا الشَّهادة به، مع أنها أضيقُ من الرواية اتفاقًا؛ فلأن تجوز به الرواية أولى، ويؤيده
أنه يجوز في الرواية الاعتماد على الخطّ، بخلاف الشَّهادة عند الجمهور (ومن قال) أي: من
تكلم (في القرآن) أي: في معناه أو قراءته (برأيه) أي: من تِلْقَاءِ نفسه من غير تتبع أقوال
الأئمة من أهل اللغة والعربية المطابقة للقواعد الشرعية، بل بحسب ما يقتضيه عقله، وهو
مما يتوقف على النقل بأنه لا مجال للعقل فيه؛ كأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وما
يتعلق بالقصص والأحكام، أو بحسب ما يقتضيه ظاهرُ النقل، وهو مما يتوقَّفُ على العقل،
كالمتشابهات التي أخذ المجسِّمة بظواهرها، وأعرضوا عن استحالة ذلك في العقول، أو
بحسب ما يقتضيه بعض العلوم الإلهية مع عدم معرفته ببقيتها، وبالعلوم الشرعية فيما يحتاج
(١) الطبري في تفسيره)) (٥٨/١).