النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ كِتابُ الأمثَالِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / بابِ مَا جَاءَ في مَثَلِ الله لِعِبَادِهِ وَفِي الْبَابِ: عَن ابنِ مَسْعُودٍ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ مِن غَيرِ وَجهٍ، عَن النبيِّ بَّهِ بِإِسْنَادٍ أصَحَّ مِن هَذَا. [٢٨٦١] (٢٨٦١) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بنُ أبي عَدِيٍّ، عَن جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَن أبي تَميمَةَ الهُجَيْمِيِّ، عَن أبي عُثمانَ، عَن ابنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ العِشَاءَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ حَتَّى خَرَجَ بِهِ إِلَى بَطْحَاءِ مَكَّةَ، فَأَجْلَسَهُ، ثُمَّ خَطَّ عَلَيْهِ خَطَّا، ثُمَّ قَالَ: ((لا تَبْرَحَنَّ خَطَّكَ، فَإِنَّهُ سَيَنْتَهِي إِلَيْكَ رِجَالٌ، فَلا تُكَلِّمْهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ لا يُكَلِّمُونَكَ)) قَالَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللهِ وَيه حَيْثُ أرَادَ، فَبَيْنَا أنَا جَالِسٌ في خَطِّ إِذْ أتَانِي رِجَالٌ كأَنَّهُمُ الزُُّ، أَشْعَارُهُمْ وَأَجْسَامُهُمْ لا أَرَى عَوْرَةً ولا أرَى قِشْرًا، وَيَنْتَهُونَ إِلَيَّ، لا يُجَاوِزُونَ الخَّ، قوله: (وفي الباب عن ابن مسعود) أخرجه الترمذي بعد هذا. (وقد روي هذا الحديث مِن غَيرِ وَجهٍ عن النبي ◌َلي بإسناد أصح من هذا) رواه البخاري في ((صحيحه)): عن جابر من غير طريق الترمذي. [٢٨٦١] قوله: (حدثنا محمد بن أبي عدي) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عدي. (عن جعفر بن ميمون) التميمي، كنيته: أبو علي، ويقال: أبو العوام بياع الأنماط، صدوق، يخطئ، من السادسة. قوله: (خرج به إلى بطحاء مكة) أي: مسيل واديها، قال في ((القاموس)): الْبِطِحُ كَكَتِفٍ، وَالْبِطِيحَةُ وَالْبَطْحَاءُ وَالْأَبْطَحُ: مَسِيلٌ وَاسِعٌ فِيهِ دِقَاقُ الْحَصَى. (ثم خط عليه) أي: خَطّ حوله. (خطًا) أي: خطًا مستديرًا محيطًا به (لا تبرحن خطك) أي: لا تفارقن الخط الذي خُطّ لك (فإنه سينتهي إليك ) أي: سيصل إليك. (كأنهم الزط) قال في ((القاموس)): الزُّطُ بالضم: جبل من الهند معرب جت بالفتح، والقياس يقتضي فتح معربه أيضًا والواحدة زُطِيٍّ. انتهى. وقال في ((النهاية)): الزُُّ هم جِئْسُ من السودان والهنود. (أشعارهم وأجسامهم) يجوز النصب على نزع الخافض، أي: كأنهم الزظُ في أشعارهم وأجسامهم، ويجوز الرفع على الابتداء والخبر محذوف، أي: أشعارهم وأجسامهم مثل الزط. (لا أرى عورةً ولا أرى قشرًا) بكسر القاف وسكون المعجمة: غشاء الشيء خلقةً أو عرضًا، وكل ملبوس. قال في ((المجمع)): أي: لا أرى منهم عورةً منكشفةً، ولا أرى ١٦٢ كِتابُ الأمثَالِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / باب مَا جَاءَ في مَثَلِ الله ◌ِبَادِهِ ثُمَّ يَصْدُرُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلَ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِن آخِرِ اللَّيلِ، لَكِنْ رَسُولُ اللهِوَلَ قَدْ جَاءِنِي وَأْنَا جَالِسٌ، فَقَالَ: ((لَقَدْ أَرَانِي مُنْذُ اللَّيْلَةَ))، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ في خَطِّ فَتَوَسَّدَ فَخِذِي، فَرَقَدَ، وَكَانَ رَسُولُ الله ◌َّهِ إِذَا رَقَدَ نَفَخَ، فَبَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ، ورَسُولُ اللهِ وَه مُتَوَسِّدٌ فَخِذِي إِذَا أنا بِرِجَالٍ عَلَيْهِم ثِيَابٌ بِيضٌ، الله أعْلَمُ مَا بِهِمْ مِنَ الجَمَالِ، فَانْتَهَوْا إِلَيَّ، فَجَلَسَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ رَأسِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قالُوا بَيْنَهُمْ: مَا رَأيْنَا عَبْدًا فَظُ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا النبيُّ: إنَّ عَيْنَيْهِ تَنَامَانِ، وَقَلْبُهُ يَقْطَانُ، اضْرِبُوا لَه مَثَلًا مَثَلُ سَيِّدٍ بَنَى قَصْرًا، ثُمَّ جَعَلَ مأُدُبَةً فَدَعَا النَّاسَ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرائِهِ، فَمَنْ أَجَابَهُ أكَلَ مِن طَعَامِهِ وَشَرِبَ مِن شَرَابِهِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْهُ عَاقَبَهُ أو قَالَ: عَذَّبَهُ ثُمَّ ارْتَفَعُوا، وَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِوَلِهِ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: ((سَمِعْتِ مَا قَالَ هَؤُلاءِ، وَهَلْ تَدْرِي مَن هؤلاءِ؟)) قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((هُمُ المَلَائِكَةُ، فَتَدْرِي مَا المَثَلُ الَّذِي ضَرَبُوه؟)) قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: ((المَثَلُ الَّذِي ضَرَبُوه، الرَّحْمِنُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَنَى الجَنَّةَ وَدَعَا إِلَيْهَا عِبَادَهُ، فَمَنْ أَجَابَهُ، دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِهُ عَاقَبَهُ أو عَذَّبَهُ)). [مي: ١٢]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، غريبٌ مِن هذا الوَجْهِ، وأبو تَميمَةَ هو: الهُجَيمِي، واسْمُهُ: طَرِيفُ بْنُ مُجَالِدٍ، وأبو عُثْمَان النَّهْدِيُّ اسْمُهُ: عَبْدُ الرَّحْمنِ عليهم، ثيابًا. (ثم يصدرون) أي: يرجعون. (لكن رسول الله وَلفر قد جاءني) أي: حتى إذا كان من آخر الليل ما جاءوا، ولكن رسول الله ◌َّالهر قد جاءني: (فقال: لقد أراني منذ الليلة) أي: لم أَنَمْ. (فتوسد فخذي) أي: جعل فَخِذِي وسادةً. (إذا أنا برجال) إذا للمفاجأة. (إن عينيه تنامان، وقلبه يقظان). غير منصرف، وقيل: منصرف لمجيء فعلانةٍ منه، قال زين العرب: يقظان منصرف، لمجيء فعلانة، لكنه قد صَحَّ في كثير من نسخ ((المصابيح)): على أنه غير منصرف، يعني فلا يفوته شيء مما تقول: (مثل سيد) أي: مثله مثل سيد. قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه أحمد(١)، وابن خزيمة وصحَّحه. (وأبو عثمان النهدي: اسمه عبد الرحمن (١) أحمد، حديث (٤٣٤٠). ١٦٣ كِتَابُ الأمثَالِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ / بابِ مَا جَاءَ في مَثَلِ النبيِّ وَّهِ وَالأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ ابْنُ مُلِّ، وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ قد رَوَى هذَا الحدِيثَ عَنْهُ مُعتَمِرٌ، وَهوَ: سُليمَانُ بنُ طَرْخَانَ، ولم يَكُن تَيميًّا، وَإِنَّمَا كَانَ يَنْزِلُ بَنِي تَيم، فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ، قَالَ عَلِيٍّ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: ما رأيْتُ أخْوَفَ لله تعالى: مِن سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ. ٢ - باب مَا جَاءَ في مَثَلِ النبيِّ ◌َ﴿ والأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ [ت ٢، ٢ ٧٧] [٢٨٦٢] (٢٨٦٢) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أخْبَرَنَا مُحمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا سُلَيمُ بْنُ حَيَّنَ، بَصْرِيٌّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، عَن جابرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ النبيُّ وَّهِ: ((إنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ قَبْلي، كَرَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَكْمَلَهَا وَأَحْسَنَهَا، ابن مل) بلام ثقيلة والميم مثلثة. (وسليمان التيمي هو ابن طرخان ... إلخ) ليس لسليمان التيمي ذكر في هذا الباب أصلًا، فإيراد الترمذي ترجمته هاهنا لا يظهر له وجه؛ فتأمل. ٢ - باب مَا جَاءَ في مَثَلِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ وَالْأَنْبِيَاءِ .- صَلَّى الله عَلَيْهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِيْنَ وَسَلَّمْ - قَبْلَهُ [٢٨٦٢] قوله: (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو: الإمام البخاري رحمه الله. (حدثنا محمد بن سنان) الباهلي أبو بكر البصري العوفي، بفتح المهملة والواو بعدها فاء، ثقة ثبت، من كبار العاشرة. (حدثنا سليم) بفتح أوله (بن حيان) بحاء مهملة وتحتانية ثقيلة الهذلي البصري، ثقة، من السابعة. (حدثنا سعيد بن ميناء) بكسر الميم ومد النون، مولى البختري بن أبي ذباب الحجازي، مكي أو مدني، يكنى أبا الوليد، ثقة، من الثالثة. قوله: (إنما مثلي ومثل الأنبياء قبلي كرجل بنى دارًا) قيل: المشبه به واحد، والمشبه جماعة، فكيف صَحَّ التشبيه؟ وجوابه: أنه جعل الأنبياء كرجل واحد؛ لأنه لا يتم ما أراد من التشبيه إلا باعتبار الكل، وكذلك الدار لا تتمُّ إلا باجتماع البنيان، ويحتمل أن يكون، من التشبيه التمثيلي، وهو أن يؤخذ وصف من أَوْصَافِ المشبه، ويشبه بمثله من أحوال المشبه به، فكأنه شبه الأنبياء، وما بعثوا به من إرشاد الناس ببيت أُسست قواعده ورفع بنيانه، وبقي منه موضع به يتم صَلَاحُ ذلك البيت. وزعم ابن العربي أن اللبنة المشار إليها كانت في رأس الدار المذكورة، وأنها لولا وضعها لانقضت تلك الدار، قال: وبهذا يتم المرادُ من التشبيه المذكور. انتهى. ١٦٤ كِتابُ الأمثَالِ عَنْ رَسُولِ اللهِوََّ / بابِ مَا جَاءَ في مَثَلِ النبيِّ لَّهِ وَالأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ إِلَّ مَوْضِع لَبِنَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا، وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا، ويَقُولُونَ: لَوْلا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ)). [خ: ٣٥٣٤، م: ٢٢٨٧، حم: ١٤٤٧١]. وفي البابِ: عَن أُبيِّ بْنِ كَعبٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، غريبٌ مِن هذَا الوَجْهِ. وهذا إن كان منقولًا فهو حسن، وإلا فليس بلازم. نعم ظاهر السياق أن تكون اللبنة في مكانٍ يظهر عدم الكمال في الدار بِفَقْدِهَا، وقد وقع في رواية همام عند مسلم (١): ((إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا)): فيظهر أن المراد أنها مكملة محسنة، وإلا لاستلزم أن يكون الأمر بدونها كان ناقصًا وليس كذلك، فإن شريعة كل نبي بالنسبة إليه كاملةٌ، فالمراد هنا: النظر إلى الأكمل بالنسبة إلى الشريعة المحمدية، مع ما مضى من الشرائع الكاملة. (لولا موضع اللبنة) بفتح اللام وكسر الموحدة بعدها نون ويكسر اللام وسكون الموحدة أيضًا، هي: القطعة من الطين، تعجن وتجبل وتعد للبناء، ويقال لها ما لم تحرق: لبنة، فإذا أحرقت فهي آجرة، وقوله: ((موضع اللبنة)): بالرفع على أنه مبتدأ وخبره محذوفٌ، أي: لولا موضع اللبنة يوهم النقص؛ لكان بناء الدار كَامِلًا، ويحتمل أن يكون ((لولا)): تحضيضیةً، وفعلها محذوف تقديره: لولا أكمل وضع اللبنة. ووقع في رواية همام عند أحمد(٢): ((أَلَا وَضَعْتَ هَاهُنَا لَِنَّةً فَيَتِمَّ بُنْيَانُكَ)). وفي الحديث ضَرْبُ الأمثال للتقريب للأفهام، وفضل النبي وَّر على سائر النبيين، وأن الله ختم به المرسلين، وأكمل به شَرَائِعَ الدِّين. قوله: (وفي الباب عن أبي بن كعب وَأبي هُريرةَ) أما حديث أبي هريرة: فأخرجه الشيخان، والنسائي(٣). وأما حديث أبي بن كعب: فأخرجه الترمذي (٤) في أوائل ((المناقب)). قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب). وأخرجه الشيخان. (١) مسلم، كتاب الفضائل، حديث (٢٢٨٦). (٢) أحمد، حديث (٢٧٣٣٢). (٣) البخاري، كتاب المناقب، حديث (٣٥٣٥)، ومسلم، كتاب الفضائل، حديث (٢٢٨٦)، والنسائي في ((الکبری))، حديث (١١٤٢٢). (٤) الترمذي، كتاب المناقب، حديث (٣٦١٣). ١٦٥ كِتابُ الأمثَالِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَر باب مَا جَاءَ في مَثَلِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَّة ٣- باب مَا جَاءَ في مَثَلِ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَة [ت ٣، ٢ ٧٨] [٢٨٦٣] (٢٨٦٣) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أبي كَثِيرٍ، عَن زَيدِ بْنِ سَلَّامٍ، أنَّ أَبَا سَلَّامٍ حَدَّثَهُ؛ أنَّ الحَارِثَ الأشْعَرِيَّ، حَدَّثَهُ أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قَالَ: ((إنَّ اللهَ أمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيًّا بِخَمْسٍ كَلِمَاتٍ أنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيأمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أنْ يَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنَّهُ كَادَ أنْ يُبْطِئَ بِهَا، فَقَالَ عِيسَى: إنَّ اللهَ أمَرَكَ بِخَمْسٍ كَلِمَاتٍ لِتَعْمَلَ بِهَا، وَتَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أنْ يَعْمَلُوا بِهَا، فَإِمَّا أنْ تَأْمُرَهُمْ، وَإِمَّا أنْ آمُرَهُمْ؛ فَقَالَ يَحْيَى: أْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي بِهَا أنْ يُخْسَفَ بِي أوْ أُعَذَّبَ، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، ٣ - باب مَا جَاءَ في مَثَلِ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ [٢٨٦٣] قوله: (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو الإمام البخاري. (حدثنا موسى بن إسماعيل) هو المنقري. (حدثنا أبان بن يزيد) هو: العطار البصري. (حدثنا يحيى بن أبي كثير) هو: الطائي. (عن زيد بن سلام) بن أبي سلام، ممطور الحبشي بالمهملة والموحدة والمعجمة، ثقة من السادسة؛ كذا في ((التقريب)): وقال صاحب ((مجمع البحار)): في ((المغني)): ((الحبشي))، بمهملة وموحدة مفتوحتين ومعجمة، منسوب إلى الحبش، أي: الجبل الأسود، وإلى حبش حي من اليمن، منهم: أبو سلام ممطور الأعرج، ومعاوية بن سلام. قال الأصيلي: الحُبْشي بضم الحاء وسكون موحدة. انتهى. (أن أبا سلام) بتشديد اللام، واسمه: ممطور هو جد زيد بن سلام، (أن الحارث الأشعري) قال في ((التقريب)): الحارث بن الحارث الأشعري الشامي صحابي، يكنى: أبا مالك تفرد بالرواية عنه أبو سلام، وفي الصحابة أبو مالك الأشعري اثنان غير هذا. قوله: (إن الله أمر يحيى بن زكريا) أي: أَوْحَى إليه؛ كما في رواية ابن خزيمة (وإنه كاد أن يبطئ بها) من الإبطاء، وهو ضِدُّ الإسراع، وفي رواية ابن خزيمة (١): ((فَكَأَنَّهُ أَبْطَأَ بِهِنَّ)). (فقال يحيى: أخشى أن سبقتني بها ... إلخ) وفي رواية ابن خزيمة (٢): ((فَقَالَ يَا أَخِي لَا تَفْعَلْ فَإِنِّي أَخَافُ إِنْ سَبِقْتَنِي بِهِنَّ ... إلخ)). (فجمع الناس) أي: بني إسرائيل؛ كما في (١) ابن خزيمة، حديث (١٨٩٥). (٢) ابن خزيمة، حديث (١٨٩٥). ١٦٦ كِتابُ الأمثَالِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ / باب مَا جَاءَ في مَثَلِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَّة فَامْتَلأ المَسْجِدُ، وَتَعَدَّوا عَلَى الشُّرَفِ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ أمَرَنِي بِخَمْسٍ كَلِمَاتٍ أنْ أعْمَلَ بِهِنَّ، وآمُرَكُمْ أنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ: أوَّلُهُنَّ أنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَإِنَّ مَثَلَ مَن أَشْرَكَ بِاللهِ كَمَثَلٍ رَجُلِ اشْتَرَى عَبْدًا مِن خَالِصٍ مَالِهِ بِذَهَبٍ، أوْ وَرِقٍ، فَقَالَ: هَذِهِ دَارِي، وَهَذَا عَمَلِي، فَاعْمَلْ وَأَدِّ إِلَيَّ، فَكَانَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ، فَأَيُّكُمْ يَرْضَى أنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ؟ وَإِنَّ اللهَ أمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ، فَلا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ الله يَنْصِبُ وَجْهَه لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، وَآَمُرُكُمْ بِالصِّيَامِ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ، كَمَثلِ رَجُلٍ فِي عصَابَةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا مِسْكٌ، فَكُلُّهُمْ يَعْجَبُ أوْ يُعْجِبُهُ رِيحُهَا، وَإِنَّ رِيحَ الصَّائِمِ أْيَبُ عِنْدَ الله مِن رِيحِ المِسْكِ، وَآمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ، كَمَثلِ رَجُلٍ أسَرَهُ العَدُوُّ، فَأَوْثَقُوا يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَقَالَ: أَنَا أقْدِيه مِنْكُمْ بالقَلِيلِ وَالكَثِيرِ، فَفَدى نَفْسَهُ مِنْهُمْ، وآمُرُكُمْ أنْ تَذْكُرُوا اللهَ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ في أثَرِهِ سِرَاعًا، حَتَّى إِذَا أتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ رواية ابن خزيمة. (فامتلأ) وفي بعض النسخ: ((فَامْتَلَأَ المَسْجِدُ)). (وتعدوا على الشرف) بضم الشين المعجمة وفتح الراء: جمع شُرْفَة. قال في ((القاموس)): شُرْفَةُ الْقَصْرِ بالضم معروف والجمعُ شُرَفٌ. وقال في ((الصراح)): شرفة بالضم كنكرة. (فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك). زاد في رواية ابن خزيمة: ((فإن الله خَلَقَكُمْ وَرَزَقَّكُمْ فَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)). (فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده) وفي رواية ابن خزيمة: فإن الله يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ إِلَى وَجْهِ عَبْدِهِ. (في عصابة) بكسر العين، أي: جماعة. (معه صرة) بضم الصاد وشدة الراء المهملتين. قال في ((القاموس)): هي شرح الدراهم ونحوها. (فكلهم يعجب أو يعجبه ريحها) ((أو)): للشك من الراوي، وفي رواية ابن خزيمة: (كُلُّهُمْ يُحِبُّ أَنْ يَجِدَ رِيحَهَا)). (أنا أفديه) من الفداء، وهو فِكَاكُ الأسير، أي: أفك عنقي. (بالقليل والكثير) أي: بجميع مالي. (خرج العدو في أثره) قال في ((القاموس)): خرج في أثره وإثره، أي: بعده. (سراعًا) بكسر السين: حال من ((العدو)): أي: مسرعين. (حتى إذا أتى على حصن حصين) الحِصْنُ بالكسر: كُلُّ مكان محمي منيع، لا يوصل إلى جوفه، والحصين من الأماكن المنيع، يقال: درع حصين: أي محكمة، وحصن حصين للمبالغة. (فأحرز نفسه ١٦٧ كِتابُ الأمثَالِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ / بابِ مَا جَاءَ في مَثَلِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَّة مِنْهُمْ، كَذَلِكَ العَبْدُ لا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ الله)) قَالَ النبيُّ وَّهِ: ((وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسِ اللهُ أمَرَنِي بِهِنَّ: السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالجِهَادِ وَالهِجْرَةِ وَالجَمَاعَةِ، فَإِنَّهُ مَن فَارَقَ الجَمَاعَةَ قِيْدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رَبْقَةَ الإسْلَامِ مِن عُنُقِهِ، إلّا أنْ يَرْجِعَ، وَمَنِ اذَّعَى دَعْوَى الجَاهِلِيةِ، منهم) أي: حفظها منهم: (السمع والطاعة) أي: للأمير في غير المعصية (والجهاد) أي: في سبيل الله لإعلاء كلمته (والهجرة) أي: الانتقال من مكة إلى المدينة قبل فتح مكة، ومن دار الكفر إلى دار الإسلام، ومن دار البدعة إلى دار السنة، ومن المعصية إلى التوبة، لقوله وآلي ته: ((المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى الله عَنْهُ))(١) (والجماعة) قال الطيبيّ: المراد بـ((الجماعة)): الصحابة ومن بعدهم من التابعين، وتابعي التابعين من السلف الصالحين، أي: أمركم بالتمسُّك بهديهم وسيرتهم، والانخراط في زمرتهم (فإنه) قال الطيبيّ: اسم ((إن)) ضمير الشأن، والجملة بعده تفسيره، وهو كَالتَّعْليلِ للأمر بالتمسُّك بعرى الجماعة (قيد شبر) بكسر القاف وسكون التحتية، أي: قدره، وأصله القود من القود، وهو المماثلةُ والقِصَاصُ، والمعنى: مَنْ فَارَقَ ما عليه الجماعة بترك السنة، واتباع البدعة، ونزع اليد عن الطاعة ولو كان بشيء يسير يقدر فى الشاهد بقدر شبر. (فقد خلع) أي: نزع (ربقة الإسلام) بكسر الراء وسكون الموحدة، وهي في الأصل: عروة في حَبْلٍ يُجْعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها، فاستعارها للإِسلام، يعني ما شدَّ المسلم به نفسه من عرى الإسلام، أي: حدوده وأحكامه وأوامره ونواهيه. وقال بعضهم: المعنى: فقد نبذ عهد الله، وأخفر ذمته التي لزمت أعناق العباد لزوم الربقة - بالكسر - وهي واحدةُ الربق، وهو حبل فيه عدة عرى يشد به البهم، أي: أولاد الضأن، والواحدة من تلك العرى ربقة (ومن ادعى دعوى الجاهلية) قال الطيبيّ: عطف على الجملة التي وقعت مفسرة لضمير الشأن، للإيذان بأن التمسك بالجماعة، وعدم الخروج عن زُمْرَتِهِمْ من شأن المؤمنين، والخروج من زمرتهم من هجيري الجاهلية، كما قال ◌َله: (مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ؛ لَقِيَ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ؛ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً))(٢). فعلى هذا ينبغي أن يفسر: ((دعوى الجاهلية)): بسننها على الإطلاق؛ لأنها تدعو إليها وهو أحد وجهي (١) البخاري، كتاب الإيمان، حديث (١٠)، وأبو داود، (٢٤٨١)، والنسائي (٤٩٩٦). (٢) مسلم، كتاب الإمارة، حديث (١٨٥١). ١٦٨ كِتَابُ الأمثَالِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ / باب مَا جَاءَ في مَثَلِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَة فَإِنَّهُ مِن جُثَا جَهَنَّمَ))، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ، فَادْعُوا بِدَعْوَى الله الَّذِي سَمَّاكُم المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ عِبَادَ الله)). [حم: ١٦٧١٨]. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، قَالَ مُحمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: الحَارثُ، الأَشْعَرِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ، وَلَهُ غَيْرُ هَذَا الحَديثِ. [٢٨٦٤] (٢٨٦٤) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، عَن يَحْيَى بْنِ أبي كَثِيرٍ، عَن زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ، عَن أبي سَلَّامٍ عَن الحَارِثِ الأَشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ: نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، وَأَبُو سَلَّام الحبشي اسْمُهُ: مَمْطُورٌ، وقد رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ عَن يَحْيَى بْنِ أبي كَثِيرٍ . ما قال القاضي، والوجه الآخر: الدعوى تطلق على الدعاء وهو النداء، والمعنى: من نادى في الإسلام بنداء الجاهلية، وهو أن الرجل منهم إذا غلب عليه خَصْمَهُ نادى بأعلى صوته قَوْمَهُ: يَا آلَ فُلَانٍ! فَيبتدرون إلى نصره، ظالمًا كان أو مظلومًا، جَهْلًا منهم وعصبية. وحاصل هذا الوجه يرجع أيضًا إلى الوجه السابق (فإنه) أي: الداعي المذكور (من جثا جهنم) بضم الجيم: مقصور، أي: من جماعاتها جمع جثوة بالحركات الثلاث، وهي الحجارة المجموعة، وروي ((من جُثيّ)) بتشديد الياء وضم الجيم جمع جاث، من جثى على ركبتيه، يَجْثُو وَيجثي، وكسر الجيم جائز لما بعدها من الكسرة، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] (وإن صلى وصام) أي: ولو صلَّى وصَامَ. قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب). وأخرجه ابن خزيمة، وابن حبان في ((صحيحيهما))، والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري، ومسلم، وأخرجه النسائي(١) ببعضه . (١) ابن خزيمة، حديث (١٨٩٥)، وابن حبان (٦٢٣٣)، والنسائي في ((الكبرى))، حديث (٨٨٦٦). ١٦٩ كِتابُ الأَمْثَالِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَه / باب مَا جَاءَ في مَثَلِ المُؤْمِنِ القَارِئِ لِلْقُرْآنِ وَغَيْرِ القَارِئ ٤- باب مَا جَاءَ في مَثَلِ الْمُؤْمِنِ القَارِئْ لِلْقُرْآنِ وَغَيْرِ القَارِئ [ت ٤، ٧٩٢] [٢٨٦٥] (٢٨٦٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَن قَتَادَةَ، عَن أَنَسٍ، عَن أبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ، كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ المُؤمِنِ الَّذِي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ، كَمَثَلِ التَّمَرَةِ لا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ، ٤ - باب مَا جَاءَ في مَثَلِ الْمُؤْمِنِ الْقَارِئِ لِلْقُرْآنِ وَغَيْرِ الْقَارِئ [٢٨٦٥] قوله: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن). عبَّر بالمضارع، لإفادة تكريره لها، ومداومته عليها، حتى صارت دأبه وعادته، كفلانٍ يَقْرِي الضَّيْفَ، ويحمي الحريم كـ((يعطي)): وفي رواية: ((يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ)) (كمثل الأترجة) بضم الهمزة وسكون الفوقانية وضم الراء وسكون النون وبتخفيف الجیم، وفيه لغات. قال في ((القاموس)): الأترج والأترجة والترنجة والترنج معروف؛ وهي أحسن الثمار الشَّجرية وأنفسها عند العرب. انتهى. ووجه التشبيه بالأترنجة؛ لأنها أفضل ما يوجد من الثمار في سائر البلدان، وأجدى لأسباب كثيرة جامعة للصفات المطلوبة منها، والخواص الموجودة فيها، فمن ذلك كبر جُرمها، وحسن منظرها، وطيب مطعمها، ولين ملمسها تأخذ الأبصار صبغة ولونًا، فاقع لونها تَسُرُّ الناظرين، تتوق إليها النفس قبل التناول، تفيد آكلها بعد الالتذاذ بذوقها، طيب نكهة ودباغ معدة، وهضم واشتراك الحواس الأربع: البصر، والذوق، والشم، واللمس في الاحتظاء بها . (ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن) أي: ((وَيَعْمَلَ بِهِ)): كما في رواية شعبة عن قتادة عند البخاري. قال الطيبيّ: التمثيل في الحقيقة وصف لموصوف اشتمل على معنى معقول صرف لا يبرزه عن مكنونه إلا تصويره بالمحسوس المُشَاهِدِ. ثم إن كلام الله تعالى له تأثير في باطن العبد وظاهره، وإن العباد متفاوتون في ذلك، فمنهم من له النصيب الأوفر من ذلك التأثير، وهو المؤمن القارئ، ومنهم من لا نصيب له البتة، وهو المنافق الحقيقيُّ، ومنهم من تَأَثَّرَ ظاهره دون باطنه، وهو المرائي، أو بالعكس، وهو المؤمن الذي لا يقرأه، وإبراز هذه المعاني وتصويرها إلى المحسوسات ما هو مذكور ١٧٠ كِتابُ الأمثَالِ عَنْ رَسُولِ اللهِّهِ / بابِ مَا جَاءَ في مَثَلِ المُؤْمِنِ القَارِئِ لِلْقُرْآنِ وَغَيْرِ القَّارِئ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ. رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٍّ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ، كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ رِيْحُهَا مُرٍّ وَطَعْمُهَا مُرٌّ)). [خ: ٥٠٢٠، م: ٧٩٧]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَن قَتَادَةَ أيْضًا . [٢٨٦٦] (٢٨٦٦) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الخَلَّالُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن سَعِيدٍ بْنِ المُسَيِّبِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((مَثَلُ المُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ لا تَزَالُ الرِّيَاحُ تُفِيتُهُ، وَلا يَزَالُ المُؤْمِنُ يُصِيبُهُ بَلَاءٌ، وَمَثَلُ المنَافِقِ في الحديث، ولم يوجد ما يوافقها ويلائمها أقرب ولا أحسن ولا أجمع من ذلك؛ لأن المشبهات والمشبه بها واردة على تقسيم الحاصل؛ لأن الناس إما مؤمن، أو غير مؤمن، والثاني: إما منافق صرف، أو ملحق به، والأول إما مواظب على القراءة، أو غير مواظب عليها، وعلى هذا فقس الأثمار المشبه بها، ووجه الشبه في المذكورات منتزع من أمرين محسوسین: طعمٌ، وريح، وليس بمفرق، كما في قول امرئ القيس: [من الطويل]. لَدَى وَكْرِهَا الْعُنَّابُ وَالْحَشَفُ الْبالِي كَأَنَّ قُلُوبِ الظَّيْرِ رَظْبًا وَيَابِسًا (كمثل الريحانة) هي كُلُّ نبت طيب الريح من أنواع المشموم (كمثل الحنظلة) الحنظل: نبات يمتدُّ على الأرض كالبطيخ، وثمره يشبه ثمر البطيخ، لكنه أصغر منه جدًّا، ويُضرب المثل بمرارته (ريحها مر، وطعمها مر) وفي رواية البخاري(١): ((كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٍّ وَلَا ڕِیحَ لَهَا)). قال العيني: قيل: الذي عند البخاري أحسن؛ لأن الريح لا طعم له، إذ المرارة عرض والريح عرض، والعرض لا يقوم بالعرض، ووجه هذا بأن ريحها لما كان كريهًا استعير للكراهة لفظ المرارة، لما بينهما من الكراهة المشتركة. انتهى. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة. [٢٨٦٦] قوله: (لا تزال الرياح تفيئه) بضم الفوقية وفتح الفاء وتشديد التحتية، أي: تحرِّكه وتميله يمينًا وشمالًا. (ولا يزال المؤمن يصيبه بلاء): قال الطيبيّ: التشبيه إما مفرق، فيقدر للمشبه معان بإزاء ما للمشبه به، وفيه إشارة إلى أن المؤمن ينبغي أن يرى نفسه عارية (١) البخاري، كتاب فضائل القرآن، حديث (٥٠٢٠). ١٧١ كِتَابُ الأمثَالِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ ر باب مَا جَاءَ في مَثَلِ المُؤْمِنِ القَارِئِ لِلْقُرْآنِ وَغَيْرِ القَارِئ كمَثلُ شَجَرَةِ الأَرْزِ، لا تَهْتَزُّ حَتَّى تُسْتَحْصَدَ)). [خ: ٥٦٤٤، م: ٢٨٠٩، حم: ٧١٥٢]. هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [٢٨٦٧] (٢٨٦٧) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأنصاريُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَن عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((إنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطِ وَرَقُهَا، وَهِيَ مَثَلُ المُؤْمِن، معزولة عن استيفاء اللَّذَّاتِ والشَّهَوَاتِ، معروضة للحوادث والمصيبات، مخلوقة للآخرة؛ لأنها دار خُلُودٍ. (كمثل شجرة الأرز) قال في ((القاموس)): الأرز ويضم شجر الصنوبر. وقال في ((النهاية)): الأرزة بسكون الراء وفتحها: شجرة الأرزن، وهو خَشَبٌ معروف، وقيل: هو الصنوبر. (لا تهتز) أي: لا تتحرك (حتى تستحصد) على بناء المفعول. وقال ابن الملك: بصيغة الفاعل، أي: يدخل وقت حَصَادِها فتقطع. انتهى، فكذلك المنافق يقلُّ بلاؤه في الدنيا؛ لئلا يخفَّ عذابه في العُقْبَى. قال الطيبيّ: شبه قلع شجرة الصنوبر والأززن في سهولته بحصاد الزرع؛ فَدَلَّ على سُوءٍ خَاتِمَةِ الکَافِرِ . قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان. [٢٨٦٧] قوله: (حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، حدثنا معن) هو ابن عيسى القزاز. (حدثنا مالك) إمام دار الهجرة. قوله: (إن من الشجر شجرة) زاد في رواية مجاهد عند البخاري(١) في ((باب الفهم في العلم)): قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة، فقال: كنا عند النبي ◌ّ﴿ فأتي بجمارٍ فقال: ((إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ)»: وله (٢) عنه في البيوع: ((كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َّهِ وَهُوَ يَأْكُلُ جمارًا)) (لا يسقط ورقها، وهي مثل المؤمن) بكسر الميم وسكون المثلثة، أو بفتح الميم والمثلثة، وهما بمعنى، قال الجوهري: مِثْلُهُ وَمَثَلُهُ كَلِمَةُ تَسْوِيَةٍ كَمَا يُقَالُ: شِبْهُهُ وَشَبهُهُ بِمَعْنَى، قَالَ: وَالمَثَلُ بِالنَّحْرِيكِ أَيْضًا: مَا يُضْرَبُ مِنَ الْأَمْثَالِ. انتهى. ووجه الشبه بين النخلة والمؤمن من جهة عدم سقوط الورق؛ ما رواه الحارث بن (١) البخاري، كتاب العلم، حديث (٧٢). (٢) البخاري، كتاب البيوع، حديث (٢٢٠٩). ١٧٢ كِتَابُ الأمثَالِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ / باب مَا جَاءَ في مَثَلِ المُؤْمِنِ القَارِئِ لِلْقُرْآنِ وَغَيْرِ القَارِئ حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟)) قَالَ عَبْدُ الله: فَوَقَعِ النَّاسُ في شَجَرِ البَوَادِي، وَوَقَعَ في نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَقَالَ النبيُّ نَّهِ: ((هِيَ النَّخْلَةُ)) فَاسْتَحْيَيْتُ يعني أنْ أَقُولَ، قَالَ عَبْدُ الله، فَحَدَّثْتُ عُمَرَ بِالَّذِي وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا، أَحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا. [خ: ٦١، م: ٢٨١١، حم: ٤٥٨٥، مي: ٢٨٢]. أسامة (١) في هذا الحديث من وجه آخر عن ابن عمر، ولفظه: قال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَاهـ ذَاتَ يَوْمِ فَقَالَ: ((إِنَّ مَثَلَ المُؤْمِنِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ لَا تَسْقُطُ لَهَا أَنْمُلَةٌ، أَتَدْرُونَ مَا هِيَ))؟ قَالُوا : لَا. قَالَّ: ((هِيَ النَّخْلَةُ لَا تَسْقُطُ لَهَا أنْمُلَةٌ، وَلَا تَسْقُطُ لِمُؤْمِنٍ دَعْوَةٌ)): ووقع عند البخاري(٢) في الأطعمة من طريق الأعمش قال: حدثني مجاهد، عن ابن عمر قال: بينا نحن عند النبي وَ﴿ إذا أُتي بجمار، فقال: ((إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ المُسْلِم)»: وهذا أعمُّ من الذي قبله، وبركة النخل موجودة في جميع أجزائها مستمر في جميع أحوالها، فمن حين تطلع إلى أن تيبس تؤكل أنواعًا، ثم بعد ذلك ينتفع بجميع أجزائها، حتى النوى في علف الدواب، والليف في الحبال، وغير ذلك مما لا يخفى، وكذلك بركة المؤمن عامَّةٌ في جميع الأحوال، ونفعه مستمر له ولغيره حتی بعد موته. (حدثوني) أي: أخبروني. (فوقع الناس) أي: ذهبت أفكارهم في أشجار البادية، فجعل كلٌّ منهم يفسرها بنوع من الأنواع، وذهلوا عن النخلة، يقال: وَقَعَ الطَّائِرُ عَلَى الشَّجَرَةِ، إذا نزل عليها. (ووقع فيّ نفسي) بَيَّنَ أبو عوانة في ((صحيحه)): من طريق مجاهد عن ابن عمر وجه ذلك قال: فظننت أنها النخلة من أجل الجمار الذي أتي به، وفيه إشارة إلى أن الملغز له ينبغي أن يتفطّن لقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال، وأن الملغز ينبغي له ألا يبالغ في التعمية، بحيث لا يجعل للملغز بابًا يدخل منه، بل كُلَّمَا قربه كان أوقع في نفس سامعه. (فاستحييت) وفي رواية البخاري في باب الفهم في العلم: ((فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ فَإذا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْم)). (أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا) زاد ابن حبان في ((صحيحه)): أحسبه قال: (حُمُرُ النِّعَم)). وفي هذا الحديث امتحان العالم أذهان الطلبة بما لا يخفى، مع بيانه لهم إن لم يفهموه، وأما ما رواه أبو داود من حديث معاوية عن النبي وَّ ر أنه نهى عن الأغلوطات. قال الأوزاعي أحد رواته: هي صِعَابُ المسائل، فإن ذلك محمولٌ على ما لا نفع فيه، أو ما خرج على سبيل تَعَنُّتِ المسؤول أو تعجيزه. (١) الحارث بن أبي أسامة (١٠٦٧ - زوائد الهيثمي). (٢) البخاري، كتاب الأطعمة، حديث (٥٤٤٤). ١٧٣ كِتابُ الأمثَالِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَزِ / باب مَثَلُ الصَّلَواتِ الخَّمْسِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي البابِ: عَن أبي هُرَيْرَةَ رَُّه. ٥- باب مَثَلُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ [ته، م ٨٠] [٢٨٦٨] (٢٨٦٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَن ابنِ الهَادِ، عَن مُحمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ، عَن أبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْد الرَّحْمنِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ: ((أرأيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ منه كُلَّ يَوْم خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِن دَرَنِهِ شَيْءٌ؟)) قالوا: لا يَبْقَى مِن دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: ((فُذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه الشيخان. قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة)(١): قال الحافظ في ((الفتح)) : - بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه: أشار بذلك إلى حديث مختصر لأبي هريرة، أورده عبد بن حميد في ((تفسيره)): لفظه: ((مَثَلُ المُؤْمِنِ مَثَلُ النَّخْلَةِ)). ٥ - باب مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْس [٢٨٦٨] قوله: (حدثنا الليث) هو ابن سعد. (عن ابن الهاد) اسمه: يزيد بن عبد الله. (عن محمد بن إبراهيم) هو: ابن الحارث. قوله: (أرأيتم) أي: أَخْبِرُونِي، هو استفهام تقرير متعلِّق بالاستخبار، أي: أخبروني هل يبقى؟ (لو أن نهرًا) قال الطيبيّ: لفظ ((لو)): يقتضي أن يدخل على الفعل، وأن يجاب، لكنه وضع الاستفهام موضعه تأكيدًا وتقريرًا، والتقدير: لو ثبت نهر صفته كذا لما بقي، والنَّهْرُ بفتح الهاء وسكونها: ما بين جنبي الوادي، سمي بذلك لِسَعَتِهِ، وكذلك سمي النهار لسعة ضَوْئِهِ؛ قاله الحافظ (هل يبقى) بفتح التحتانية (من درنه) بفتح الدال والراء، أي: وَسَخِهِ، يعني: هل يبقى على جَسَدِهِ شيء من درنه. (قال) أي: رسول الله وَالفقر. (فذلك) أي: النهر المذكور؛ قاله ابن الملك. قال القاري: والأظهر أن الإشارة إلى ما ذكر من الغُسْلِ في النهر خمس مرات. قال الطيبيّ: الفاء جزاء شرط، أي: إذا أقررتم بذلك وَصَحَّ عندكم؛ فذلك (مثل الصلوات الخمس) عكس في التشبيه؛ (١) ذكره الهيثمي (٢/ ٢٩٣) وقال: رواه البزار، وفيه: محمد بن إسحاق وهو مدلس. ١٧٤ كِتابُ الأمثَالِ عَنْ رَسُولِ الله ◌ِ / باب مَثَلُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الخَطَايَا)). [خ: ٥٢٨، م: ٦٦٧، ن: ٤٦١، حم: ٨٧٠٥، مي: ١١٨٣]. وفي البابِ عَن جَابٍِ . قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. حَدَّثَنَا قُتِيِّبَةُ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ القُرَشِيُّ، عَن ابنِ الهَادِ: نحْوَهُ. حيث أن الأصل تشبيه المعقول بالمحسوس مبالغة؛ كقوله تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَوَأْ﴾ [البقرة: ٢٧٥] (يمحو الله بهن) أي: بالصلوات (الخطايا) أي: الصغائر. قال ابن العربي: وجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه، ويطهره الماء الكثير، فكذلك الصلوات تُطَّهِرُ العبد من أقذار الذنوب، حتى لا تبقي له ذَنْبًا إلا أسقطته. انتهى. قال الحافظ: وظاهره أن المراد بـ((الخطايا)): في الحديث ما هو أعمُّ من الصغيرة والكبيرة، لكن روى مسلمٌ قبله حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((الصَّلَوَات الخمس كَفَّارَةٌ لِمَا بِيْنَهَا مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبائِرُ)). فعلى هذا المقيد يحمل المطلق في غيره. فائدة: قال ابن بزيزة(١) في ((شرح الأحكام)): يتوجه على حديث العلاء إشكال يَصْعُبُ التخلّص منه. وذلك أن الصغائر بنصِّ القرآن مكفرةٌ باجتناب الكبائر، وإذا كان كذلك، فما الذي تكفر الصلوات الخمس. انتهى. قال الحافظ: وقد أجاب عنه شيخنا الإمام البلقيني؛ بأن السؤال غير وارد؛ لأن مراد الله أن تجتنبوا، أي: في جميع العُمُرِ، ومعناه الموافاة على هذه الحالة من وقت الإيمان، أو التكليف إلى الموت، والذي في الحديث أن الصلوات الخمس تُكَفِّرُ ما بينها، أي: في يومها إذا اجتنبت الكبائر في ذلك اليوم؛ فعلى هذا، لا تعارض بین الآية والحدیث. انتهى. وعلی تقدیر ورود السؤال فالتخلّص منه - بحمد الله - سهل؛ وذلك أنه لا يتم اجتنابُ الكبائر إلا بفعل الصلوات الخمس، فمن لم يفعلها لم يعد مجتنبا للكبائر؛ لأن تركها من الكبائر، فوقف التكفير على فعلها. انتهى. قوله: (وفي الباب عن جابر). أخرجه مسلم(٢). قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه الشيخان، والنسائي. (١) ابن بزيزة، هو عبد العزيز بن إبراهيم بن بزيزة، مالكي المذهب، توفي بحدود سنة (٧٠٠هـ)، من مصنفاته (شرح الأحكام)) لعبد الحق الإشبيلي. انظر هدية العارفين (٥٨١/٥). (٢) مسلم، كتاب المساجد، حدیث (٦٦٨). ١٧٥ كِتابُ الأمثَالِ عَنْ رَسُولِ الله ◌َلاو / باب ٦- باب [ت ٦، م ٨١] ٢٨] (٢٨٦٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ يَحْبَى الأَبَثُّ، عَن ثَابِتِ البُنَانِيٌّ، عَن أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((مَثَلُ أُمَّتِي، مَثَلُ المَطَرِ، لا يُدْرَى أوَّلُهُ خَيْرٌ أمْ آخِرُهُ؟)). [حم: ١١٩١٨]. ٦ - باب [٢٨٦٩] قوله: (حدثنا حماد بن يحيى الأبح) بفتح الهمزة والموحدة بعدها مهملةٌ، أبو بكرٍ السلمي البصري، صدوقٌ يخطئ، من الثامنة. قوله: (مثل أمتي مثل المطر) أي: في حكم إيهام أفراد الجنس (لا يُدْرَى) بصيغة المجهول (أوله) أي: أوائل المطر، أو المطر الأول (خير) أي: أنفع (أم آخره) أي: أواخره، أو المطر الآخر. قال التوربشتي: لا يحمل هذا الحديث على التردد في فضل الأول على الآخر؛ فإن القرن الأول هم المفضلون على سائر القرون من غير شبهة، ثم الذين يلونهم، وفي الرابع اشتباه من قبل الراوي، وإنما المرادُ بهم نفعهم في بَثِّ الشريعة، والذَّبِّ عن الحقيقة. قال القاضي: نفى تعلق العلم بتفاوت طبقات الأمة في الخيرية، وأراد به نفي التفاوت؛ كما قال تعالى: ﴿قُلّ أَتُنَبُِّونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِّ﴾ [يونس: ١٨]، أي: بما ليس فيهن، كأنه قال: لو كان لعلم؛ لأنه أمر لا يخفى، ولكن لا يعلم؛ لاختصاص كل طبقة منهم بخاصية وفضيلة توجب خيريتها، كما أن كُلَّ نوبةٍ من نوب المطر لها فائدة في النشو والنماء، لا يمكنك إنكارها والحكم بعدم نفعها، فإن الأولين آمنوا بما شاهدوا من المعجزات وتلقوا دعوة الرسول و ◌َ﴿ بالإجابة والإيمان، والآخرين آمنوا بالغيب؛ لما تواتر عندهم من الآيات، واتبعوا من قبلهم بالإحسان، وكما أن المتقدمين اجتهدوا في التأسيس والتمهيد، فالمتأخرون بَذَلُوا وُسْعَهُمْ في التلخيص والتجريد، وصَرفوا عمرهم في التقرير والتأكيد، فكل ذنبهم مغفور، وسعيهم مشكور، وأجرهم موفور. انتهى. قال الطيبيّ: وتمثيل الأمة بالمطر؛ إنما يكون بالهدى والعلم؛ كما أن تمثيله مص طفى الغيث بالهدى والعلم، فتختص هذه الأمة المشبهة بالمطر بالعلماء الكاملين منهم، المكملين لغيرهم، فيستدعي هذا التفسير أن يراد بالخير النفع، فلا يلزم من هذا المساواة في الأفضلية، ولو ذهب إلى الخيرية، فالمراد وصف الأمة قاطبة، سابقها ولاحقها، وأولها وآخرها ١٧٦ كِتابُ الأمثَالِ عَنْ رَسُولِ الله ێ / باب قَالَ: وفي البابِ: عَن عَمَّارٍ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَابنٍ عُمَرَ، وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِن هذا الوَجْهِ . قَالَ: وَرُوِيَ عَن عَبْد الرَّحْمنِ بْنِ مَهْدِيٍّ؛ أنَّهُ كَانَ يُثَبِّتُ حَمَّادَ بْنَ يَحْيى الأَبَعَّ، وَكَانَ يَقُولُ: هُوَ مِن شُيُوخِنَا . بالخير، وأنها ملتحمةٌ بعضها مع بعض، مرصوصة كالبنيان، مفرغة كالحلقة التي لا يُدْرَى أَيْنَ طَرَفَاهَا. وفي أسلوب هذا الكلام قول الأنمارية: هُمْ كَالحَلْقَةِ المفرغةِ لَا يُدْرَى أَيْنَ طَرَفَاهَا؟ تريد المكملة، ويلمح إلى هذا المعنى قول الشاعر [من الكامل]: إِنَّ الخيَارَ مِنَ الْقَبائِلِ وَاحِدٌ وَبِنُو حَنِيفَةَ كُلُّهُمْ أَخْيَارُ فالحاصل أن الأمة مرتبط بعضها مع بعض في الخيرية، بحيث أَبهم أمرها فيها، وارتفع التمييز بينها، وإن كان بعضُها أفضلَ من بعض في نفس الأمر، وهو قريب من سوق المعلوم مساق غيره، وفي معناه أنشد مروان بن أبي حفصة: [من الطويل] فَمَا نَحْنُ نَدْرِي أَيُّ یَوْمَيْهِ أَفْضَلُ وَمَا مِنْهُمَا إِلَّا أَغَرُّ مُحَجَّلُ أَيَوْم بدَاءُ الْعُمْرِ (١) أَمْ يَوْمُ بَأْسِهِ تَشَابِهَ يَوْمَاهُ عَلَيْنَا فَأَشْكَلَا ومن المعلوم علمًا جليًّا أن يوم بداءة العمر أفضل من يوم يأسه، لكن البدء لما لم يكن يكمل، ويستتب إلا باليأس، أشكل عليه الأمر، فقال ما قال، وكذا أمر المطر والأمة. انتهى. قوله: (وفي الباب عن عمار، وعبد الله بن عمرو، وابن عمر). أما حديث عمار - وهو ابن ياسر -: فأخرجه أحمد(٢). وأما حديث عبد الله بن عمرو: فأخرجه الطبراني(٣). وأما حديث ابن عمر: فلينظر من أخرجه (٤). قوله: (هذا حديث حسن غريب). قال الحافظ في ((الفتح)) : - بعد ذكر هذا الحديث -: وهو حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصِّحَّةٍ، وأغرب النووي فعزاه في ((فتاواه)): إلى ((مسند أبي يعلى)): من حديث أنس بإسناد ضعيف، مع أنه عند الترمذي بإسناد أقوى منه من حديث أنس، وصححه ابن حبان من حدیث عمار. (١) في ديوان مروان بن أبي حفصة: نداه الغمر. (٢) أحمد، حديث (١٨٤٠٢)، وابن حبان (٢٣٠٧). (٣) ذكره الهيثمي (٧١/١٠) وقال: رواه الطبراني، وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وهو ضعيف. (٤) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٣١/٢)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٣٤٩)، وقال الهيثمي (٧١/١٠): وفيه عبيس بن ميمون وهو متروك. قلت: الصواب عيسى بن ميمون. ١٧٧ كِتابُ الأَمْثَالِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهَ / باب مَا جَاءَ في مَثَلِ ابنِ آدَمَ وَأَجَلِهِ وَأَمَلِه ٧- باب مَا جَاءَ في مَثَلِ ابنِ آدَمَ وَأَجَلِهِ وَأَمَلِه [ت ٧، ٢ ٨٢] [٢٨٧٠] (٢٨٧٠) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ المُهَاجِرِ، أخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ بُرَيْدَةَ، عَن أبِيهِ، قَالَ: قَالَ النبيُّ وَّهِ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا مثل هَذِهِ وَهَذِهِ وَرَمَى بحَصَاتَيْنٍ؟)) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((هَذَاكَ الأَمَلُ، وَهَذَاكَ الأَجَلُ)). [فيه ضعف، بشير، صدوق لين الحديث، رمي بالإرجاء، وقيل: يخطئ كثيرًا]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌّ، غريبٌ مِن هذا الوَجْهِ. [٢٨٧١] (٢٨٧١) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((إِنَّمَا أجَلُكُمْ ٧ - باب مَا جَاءَ في مَثَلِ ابْنِ آدَمَ وَأَجَلِهِ وَأَمَلِهِ [٢٨٧٠] قوله: (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو: الإمام البخاري. (حدثنا خلاد بن يحيى) ابن صفوان السلمي أبو محمد الكوفي، نزيل مكة، صدوق رمي بالإرجاء، وهو من كبار شيوخ البخاري، من التاسعة. (حدثنا بشير بن المهاجر) الكوفي الغنوي - بالمعجمة والنون - صدوقٌ لين الحديث، رمي بالإرجاء، من الخامسة. قوله: (ما مثل هذه وهذه) أي: هذه الحصاة وهذه الحصاة. (ورمى بحصاتين) أي: إحداهما قريبة والأخرى بعيدة، والجملة حالية (هذاك) أصله: ذا فزيدت الهاء في أوله، والكاف في آخره، أي: هذا الحصاءُ المرميُّ بعيدًا (الأمل) أي: مرجوه ومأموله الذي يظن أنه يدركه قبل حُلُولٍ أجله (وهذاك) أي الحصاء: المرمي قريبًا. (الأجل) أي: موته فيشتغل الإنسان بما يأمله، ويريد أن يحصله، فيلحقه الموت قبل أن يصله. قوله: (هذا حديث حسن غريب). ذكره المنذري في ((الترغيب)): وذكر تحسين الترمذي وأقره. [٢٨٧١] قوله: (إنما أجلكم). قال الطيبيّ: الأجل المدة المضروبة للشيء، قال تعالى: ﴿وَلِنَبْلُغُوْ أَجَلًا مُسَنَّى﴾ [غافر: ٦٧]، ويقال للمدة المضروبة لحياة الإنسان: أجل، فيقال: دَنَا أَجَلُهُ، وهو عبارة عن دُنُوِّ الموت، وأصله استيفاء الأجل، أي: مدة الحياة، والمعنى: ما أجلكم في أجل من مضى من الأمم السابقة في الطول والقصر، إلا مقدار ما بين صلاة العصر إلى صلاة المغرب من الزمان. ١٧٨ كِتابُ الأمثَالِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ / باب مَا جَاءَ في مَثَلِ ابنِ آدَمَ وَأَجَلِهِ وَأَمَلِه فِيمَا خَلا مِنَ الأُمَم، كَمَا بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إِلَى مَغَارِبِ الشَّمْسِ، وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَرَجُلِ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطِ قِيرَاطِ؟ فَعَمِلَتِ اليَهُودُ عَلَى قِيرَاطِ قِيْرَاطٍ ثم قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفٍ النَّهَارِ إِلَى صَلاةِ العَصْرِ عَلَى قِيرَاطِ قِيرَاطِ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى عَلَى قِرَاطِ قِيرَاطِ، ثُمَّ أنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلاةِ العَصْرِ إِلَى مَغَارِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَغَضِبَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَقَالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً، (فيما خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغارب الشمس) وفي روايةٍ للبخاري(١): «إِنَّمَا بِقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ، كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ». قال الحافظ: ظاهره أن بقاء هذه الأمة وقع في زمان الأمم السالفة، وليس ذلك المراد قطعًا، وإنما معناه أن نسبة مدة هذه الأمة إلى مُدَّةٍ مَنْ تَقدَّم من الأمم؛ مثل ما بين صلاة العصر وغروب الشمس إلى بقية النهار، فكأنه قال: إنما بقاؤكم بالنسبة إلى ما سلف ... إلى آخره، وحاصلُه أن ((في)): بمعنى ((إلى))، وحذف المضاف، وهو لفظ: نسبة (وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى) أي: مع الرب سبحانه وتعالى (كرجلٍ استعمل عمالًا) بضم فتشديد: جمع عامل، أي: طلب منهم العمل (فقال) أي: على طريق الاستفهام (من يعمل لي إلى نصف النهار) وهو من طُلُوع الشَّمْسِ إلى زَوَالِهَا، فالمراد بالنهار العرفي؛ لأنه عرف عمل العمال (على قيراط قيراط) أي: نصف دانقٍ على ما في الصحاح: وقيل: القيراطُ: جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشرة في أكثر البلاد، والياء فيه بدل من الراء؛ كما أنها بدل من النون في الدينار، ويدلُّ عليه جمعهما على دنانير، وقراريط، وكرر قيراط؛ للدلالة على أن الأجرَ لِكُلِّ واحدٍ منهم قيراط، لا أن مجموع الطائفة قيراط. (ثم قال) أي: الرجل المُسْتَعْمِلُ للعمال (فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاءً) أي: قال أهل الكتاب: ربنا أَعْطَيْتَ أمة محمد ثوابًا كثيرًا مع قلَّة أعمالهم، وأعطيتنا ثوابًا قليلًا مع كثرة أعمالنا، ولعلهم يقولون ذلك يوم القيامة، وقد حكى عنهم النبي وَلو بصيغة الماضي؛ لتحقق ذلك، أو صدر عنهم مثل ذلك؛ لما اطلعوا على فضائل هذه الأمة في كتبهم، أو على أَلْسِنَةِ رُسِلِهِمْ. (١) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، حديث (٥٥٧). ١٧٩ كِتَابُ الأمثَالِ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّه / باب مَا جَاءَ في مَثَلِ ابنِ آدَمَ وَأَجَلِهِ وَأَمَلِه قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَإِنَّهُ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ))، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [خ: ٥٠٢١]. [٢٨٧٢] (٢٨٧٢) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الخَلَّاَلُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّمَا النَّاسُ كَإِلٍ مِائَةٍ، لا يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةً)). [خ: ٦٤٩٨، م: ٢٥٤٧، جه: ٣٩٩٠، حم: ٥٠٠٩]. وعلى كل تقدير؛ ففي الحديث دليل على أن الثواب للأعمال ليس على قَدْرِ التَّعَبِ، ولا على جهة الاستحقاق؛ لأن العبد لا يستحق على مولاه لخدمته أجرة، بل المولى يعطيه من فَضْلِهِ، وله أن يتفضَّل على من يشاء من العبيد على وجه المزيد؛ فإنه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. قال الطيبيّ: لعل هذا تخييل وتصوير، لا أن ثمة مقاولةً ومكالمةً حقيقية، اللهم إلا أن يحمل ذلك على حُصُولِهَا عند أخراج الذر، فيكون حقيقةً. انتهى؛ كذا في ((المرقاة)). (فقال: هل ظلمتكم) أي: هل نقصتكم (شيئًا) مفعول به، أو مطلق (قالوا) أي: أهل الكتاب (فإنه) أي: الشأن (فضلي) أي: عطائي الزائد (أوتيه من أشاء). أو التقدير: فإن العطاء الكثير المدلول عليه بالسياق فَضْلِي. وقد استدل الحنفيةُ بهذا الحديث لقول أبي حنيفة - رحمه الله -: إن أول العصر بصيرورة ظِلٌّ كُلِّ شيء مثليه. وقد تقدَّم في باب تأخير صلاة العصر جوابهم من وجوه مُفَصَّلًا. قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه البخاري. [٢٨٧٢] قوله: (إنما الناس) أي: في اختلاف حالاتهم، وتغير صفاتهم (كابلٍ مئة) وفي رواية البخاري: ((كالإبل المِئَةٍ)). قال الخطابي: العرب تقول للمئة من الإبل: إبل، يقولون: لفلان إبل، أي: مئة بعير، ولفلان إبلان، أي: مئتان. انتهى. قال الحافظ: فعلى هذا، فالرواية التي بغير ألف ولام يكون قوله: ((مئة)): تفسيرًا لقوله: ((إيل))؛ لأن قوله: ((كإبل)): أي: كمئة بعير. ولما كان مجرد لفظ إبل ليس مشهور الاستعمال في المائة؛ ذكر المئة توضيحًا ورفعًا للالتباس، وأما على رواية البخاري فاللام للجنس (لا يجد الرجل فيها) أي: في مئة من الإبل (راحلة) أي: ناقة شابة قوية مرتاضة تَصْلُحُ للرُّكُوبِ. فكذلك لا تجد في مئة من الناس من يَصْلُحُ للصُّحبة، وحمل المودة، وركوب المحبة، فيعاون صاحبه، ويلين له جانبه؛ قاله القاري. ١٨٠ كِتَابُ الأمثَالِ عَنْ رَسُولِ اللهِوََّ / بابِ مَا جَاءَ في مَثَلِ ابنِ آدَمَ وَأَجَلِهِ وَأَمَلِه قَالَ أبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [٢٨٧٣] (٢٨٧٣) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْد الرَّحْمنِ المَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بهذا الإسْنَادِ: نَحْوَهُ، وَقَالَ: ((لا تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً، أو قَالَ: لا تَجِد فِيْهَا إلَّا رَاحِلَةٌ)). [٢٨٧٤] (٢٨٧٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيْدٍ، حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ بْنُ عَبْد الرَّحْمنِ، عَن أبي الزِّنَادِ، عَن الأَعْرَج، عَن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُوْلَ الله ◌ِنَّهِ قَالَ: ((إنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أَمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلِ اسْتَوقَدَ نَارًا، فَجَعَلَتِ الدَّوابِ وَالفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَأنا آخُذُ پِحُجَزِكُمْ وقال النووي في ((شرح مسلم)): قالوا: الراحلة هي البعير الكامل الأوصاف، الحسن المنظر، القوي على الأحمال والأسفار، سميت راحلة؛ لأنها ترحل، أي: يُجعل عليها الرَّحْلُ فهي فاعلة بمعنى مفعولة كعيشة راضية، أي: مَرْضِيَّةٍ ونظائره، والمعنى: المرضي الأحوال من الناس الكامل الأوصاف؛ قليل فيهم جدًّا كقلة الراحلة في الإبل. انتهى. وقال الجزري في ((النهاية)): الراحلة من الإبل: البعيرُ القويُّ على الأسفار والأحمال، والذكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيها للمبالغة، وهي التي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النَّجَابَةِ وتمامِ الخَلْق، وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعة الإبل عرفت. قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه الشيخان. [٢٨٧٣] قوله: (عن سالم عن ابن عمر ... إلخ) هذا بيان لقوله بهذا الإسناد نحوه. [٢٨٧٤] قوله: (حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن) الحزامي المدني. قوله: (إنما مثلي) أي: صفتي العجيبة الشأن معكم أيها الأمة، أو مع الناس (كمثل رجلٍ استوقد) أي: أوقد، وزيدت السين للتأكيد (نارًا) أي: عظيمةً (فجعلت) أي: شرعت (الدَّوَاب) جمع دَابَّةٍ، والمراد من الدواب التي تَقَعُ في النَّار إذا أضاءت (والفراش) هو بفتح الفاء: دويبة طير تَتَسَاقَظُ في النار، يقال بالفارسي: يروانه (وأنا آخذ) قال النووي: يروى على وجهين: أحدهما: اسم فاعل بكسر الخاء وتنوين الذال، والثاني: فعل مضارع بضم الخاء. والأول أشهر. وهما صحيحان (بحجزكم) بضم الحاء وفتح الجيم بعدها زايٌ جمع الحجزة، وهي معقد الإزار. ومن السراويل موضع التكة. قال الأبهري: ويجوز ضَمُّ الجيم في الجمع.