النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ كتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ كَيْفَ يُكْتَبُ إلَى أهْلِ الشرْك ٢٤ - باب مَا جَاءَ كَيْفَ يُكْتَبُ إلَى أَهْلِ الشرْك [ت٢٤، ٢٤٢] [٢٧١٧] (٢٧١٧) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بن نصر، أنبأنا عَبْدُ الله بن المبارك، أنبأنا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيّ، أخبرني عُبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّهُ أخبره أنَّ أبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أخبره: أنَّ هِرَقلَ أرْسَلَ إلَيْهِ فِي نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ، وكَانُوا تُجَّارًا بالشَّامِ: فَأَتوهُ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ، قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِكِتَابٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقُرِئَ فَإِذَا فِيهِ: ((بِسْم الله الرَّحمَنِ الرَّحِيم، مِن مُحَمَّدٍ عَبْدِ الله وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقَلَ عَظِيمِ الرُّومِ السَّلَامُ عَلَى مَن اتَّبَعَ الهُدَى، أمَّا بَعْدُ)). [خ مطولًا: ٧، م مطولًا: ١٧٧٣، د: ٥١٣٦]. ٢٤ - باب ما جاء كيف يكتب إلى أهل الشرك [٢٧١٧] قوله: (أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، ثقة، فقيه، ثبت، من الثالثة، (أن أبا سفيان بن حرب) اسمه: صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، الأموي، صحابي شهير، أسلم عام الفتح. قوله: (أن هِرَقل)، بكسر الهاء وفتح الراء وإسكان القاف، هذا هو المشهور، ويقال: مِرْقِلُ بكسر الهاء وإسكان الراء وكسر القاف. حكاه الجوهري في ((صحاحه))، وهو اسم علم له، ولقبه: قيصر، وكذا كل من ملك الروم يقال له: قيصر، (أرسل إليه) أي: إلى أبي سفيان، (في نفر من قريش) وفي رواية للبخاري(١): ((في رَكْبٍ من قريش))، قال الحافظ: جمع راكب، كصحب وصاحب، وهم أولو الإبل العشرة فما فوقها، والمعنى: أرسل إلى أبي سفيان، حال كونه في جملة الركب، وذاك لأنه كان كبيرهم، فلهذا خصه، وكان عدد الركب ثلاثين رجلا. رواه الحاكم في ((الإكليل)). انتهى، (وكانوا تجارًا) - بضم التاء وتشديد الجيم، أو كسرها والتخفيف -: جمع تاجر، (فذكر الحديث) ورواه الشيخان بطوله، (ثم دعا) أي: من وكل ذلك إليه، ولهذا عدي إلى الكتاب بالباء. والله أعلم. (بكتاب رَسُول الله ﴿ فقرئ) وفي رواية البخاري: ((ثم دعا بكتابٍ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿ الذي بعث به مع دحية الكلبي إلى عظيم بُصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل، فقرأه)) (فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد) وتمامه: («فإني أدعوكَ بِدعَايَةِ الإِسْلَام: أسلم تسلم، يُؤْتِكَ الله أَجْرَكَ (١) البخاري، كتاب بدء الوحي، حديث (٧). ٥٤٢ كتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله وَّ﴿ / باب مَا جَاءَ كَيْفَ يُكْتَبُ إلَى أهْلِ الشرْك مَرَّتَيْنٍ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ، فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ اليريسيِّين، ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾)) [آل عمران: ٦٤]. كذا في رواية الشيخين. قال النووي: في هذا الكتاب جمل من القواعد، وأنواع من الفوائد، منها: استحباب تصدير الكتاب بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم))، وإن كان المبعوث إليه كافرًا. ومنها: أن قوله ◌َّ في الحديث الآخر: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ، لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللهِ، فَهُو أَجْذَمُ)). والمراد بـ ((الحمد لله)): ذكر الله تعالى. وقد جاء في رواية: ((بذكر الله تعالى))، وهذا الكتاب كان ذا بال، من المهمات العظام، وبدأ فيه بالبسملة دون الحمد. ومنها: أن السنة في المكاتبة والرسائل بين الناس، أن يبدأ الكاتب بنفسه، فيقول: من زيد إلى عمرو، وهذه مسألة مختلفٌ فيها، قال الإِمام أبو جعفر - في كتابه ((صناعة الكتاب)): قال أكثرُ العلماء: يُسْتَحَبُّ أن يبدأ بنفسه، كما ذكرنا. ثم روى فيه أحاديث كثيرة، وأثارًا، قال: وهذا هو الصحيح عند أكثر العلماء؛ لأنه إجماع الصحابة، قال: وسواء في هذا تصدير الكتاب والعنوان، قال: ورخص جماعة في أن يبدأ بالمكتوب إليه، فيقول في التصدير والعنوان: ((إلى فلان من فلان))، ثم روى بإسناده: ((أن زيد بن ثابت كَتَبَ إلى معاوية، فبدأ باسم معاوية))، وعن محمد ابن الحنفية، وبكر بن عبد الله، وأيوب السختياني أنه لا بأس بذلك. قال: وأما العنوان، فالصواب أن يكتب عليه إلى فلان، ولا يكتب لفلان؛ لأنه إليه، لا له، إلَّا على مجاز، قال: هذا هو الصواب الذي عليه أكثر العلماء من الصحابة والتابعين. ومنها: التوقي في المكاتبة، واستعمال الورع فيها، فلا يفرط ولا يفرط، ولهذا قال النبي وَية: ((إلى هرقل عظيم الروم))، فلم يقل: ملك الروم؛ لأنه لا ملك له ولا لغيره، إلَّا بحكم دين الإسلام، ولا سلطان لأحد إلا من ولاه رسولُ اللهِ وَّه، أو ولاه من أذن له رَسُولُ اللهَ وَله بشرطه، وإنما ينفذ من تصرفات الكفار ما ينفذه للضرورة، ولم يقل: إلى هرقل، فقط، بل أتى بنوع من الملاطفة، فقال: ((عظيم الروم))، أي: الذي يعظمونه ويقدمونه، وقد أمر الله تعالى بإلانة القولِ لمن يُدْعى إلى الإسلام، فقال تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَّةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ، قَوْلًا لَّيْنَا لَعَلَّهُ، يَنَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، وغير ذلك. ٥٤٣ كتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله ﴿ ﴿/ باب مَا جَاءَ في خَتْمِ الكِتاب قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديث حسن صحيحٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ اسْمُهُ: صَخْرُ بْنُ حَرْبٍ. ٢٥ - باب مَا جَاءَ في خَتَّمِ الكِتاب [ت٢٥، ٢٥٢] [٢٧١٨] (٢٧١٨) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنِي أبي، عَن قَتَادَةَ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: لمّا أَرَادَ نَبِيُّ اللهَ نَّهِ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى العَجَم، قِيلَ لَّهُ: إنَّ العَجَمَ لا يَقْبَلُونَ إلَّا كِتَابًا عَلَيْهِ خَاتَمٌ، فَاصْطَنَعَ خَاتَمًا، قَالَ: ومنها: استحباب البلاغة والإيجاز، وتحري الألفاظ الجزلة في المكاتبة؛ فإن قوله اله: ((أسلم تسلم)) في نهاية من الاختصار، وغاية من الإيجاز والبلاغة، وجمع المعاني، مع ما فيه من بديع التجنيس، وشموله لسلامته من خزي الدنيا بالحرب، والسبي، والقتل، وأخذ الديار، والأموال، ومن عذاب الآخرة. ومنها: استحباب: ((أما بعد)) في الخطب والمكاتبات، وقد ترجم البخاري لهذه بابًا في «کتاب الجمعة))، ذكر فيه أحاديث كثيرة. انتهى كلام النووي. وفيه: أن السنة إذا كتب كتابًا إلى الكافر أن يكتب: ((السلام على من اتبع الهدى)» أو ((السلام على من تمسك بالحق))، أو نحو ذلك، قال ابن بطال: في الحديث حجة لمن أجاز مكاتبة أهل الكتاب بالسلام عند الحاجة. قال الحافظ: في جواز السلام على الإطلاق نظر، والذي يدل عليه الحديث السلام المقيد، مثل ما في الخبر: ((السلام على من اتبع الهدى))، أو: السلام على من تمسك بالحق، أو نحو ذلك. انتهى. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري مختصرًا ومطولًا، وأخرجه مسلم مطولًا . ٢٥ - باب ما جاء في ختم الكتاب [٢٧١٨] قوله: (إلى العجم) وفي رواية للبخاري: ((إلى رهط، أو: أناس من الأعاجم))، وفي رواية لمسلم: ((إلى كسرى وقيصر والنجاشي))، (إلا كتابًا عليه خاتم) فيه حذف مضاف، أي: عليه نقش خاتم، (فاصطنع خاتمًا) أي: أمر أن يصنع له، وفي رواية للبخاري (١): (فاتخذ النبي ◌َّل﴿خاتمًا من فِضَّةٍ، نَقْشُهُ: محمدٌ رسولُ الله))، قال الحافظ: جزم أبو الفتح (١) البخاري، كتاب العلم، حديث (٦٥). ٥٤٤ كتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله وَي / باب كَيْفَ السلام؟ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى بَيَاضِهِ في كَفَّهِ. [خ: ٦٥، م: ٢٠٩٢، ن: ٥٢١٦، حم: ١٢٣٠٩]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديث حسن صحيح. ٢٦ - باب كَيْفَ السلام؟ [ت٢٦، م٢٦] [٢٧١٩] (٢٧١٩) حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بن المبارك، أْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ المُغيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ البُنَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابنُ أبي لَيْلَى عَن المِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: أقْبَلْتُ أنَا وَصَاحِبَانِ لِي، قَدْ ذَهَبَتْ أسْمَاعُنَا وَأَبْصَارُنَا مِنَ الجَهْدِ، فَجَعَلْنَا نَعْرِضُ أنفسنا عَلَى أصْحَابِ النبيِّ وَّهِ، فَلَيْسَ أحَدٌ يَقْبَلُنَا، فَأَتَيْنَا النّبِيَّ وَّهِ، فَأَتَى بِنَا أَهْلَهُ، فَإِذَا ثَلَاثَةُ أعْتُرٍ، فَقَالَ النبيُّ ◌َّ: اليعمري أنَّ اتخاذ الخاتم كان في السنة السابعة، وجزم غيره بأنه كان في السادسة، ويجمع بأنه كان في أواخر السادسة، وأوائل السابعة؛ لأنه إنما اتخذه عند إرادته مكاتبة الملوك، وكان إرساله إلى الملوك في مدة الهدنة، وكان في ذي القعدة سنة ست، ورجع إلى المدينة في ذي الحجة، ووجه الرسل في المحرم من السابعة، وكان اتخاذه الخاتم قبل إرساله الرسل إلى الملوك. انتهى. (فكأني أنظر إلى بياضه في كفه) وفي رواية للبخاري(١): ((فكأني بوبيص - أو: بصيص- الخاتم في أصبع النبي ◌ِّر، أو في كفه))، وفي أخرى له: ((فإني لأَرى بريقَهُ فِي خِنْصَرِهِ)) . قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان. ٢٦ - باب كيف السلام [٢٧١٩] قوله: (أخبرنا سليمان بن المغيرة) القيسي، مولاهم البَصْرِيّ، أبو سعيد، ثقة. قال يحيى بن مَعِين: من السابعة، أخرج له البخاري مقرونًا وتعليقًا، (أخبرنا ابن أبي ليلى) هو عبد الرحمن بن أبي ليلى. قوله: (قد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد)، بفتح الجيم - وهو: المشقة والجوع، (فليس أحد يقبلنا)، هذا محمولٌ على أن الذين عرضوا أنفسهم عليهم كانوا مقلين، ليس عندهم شيء يواسون، (فإذا ثلاثة أعتز) كذا في النسخ الموجودة بالتاء، وكذلك في ((صحيح (١) البخاري، كتاب اللباس، حديث (٥٨٧٢). ٥٤٥ كتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ التَّسْلِيمِ عَلَى مَن يُثُول ((احْتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ بيننا))، فَكُنَّا نَحْتَلِيُهُ، فَيَشْرَبُ كُلُّ إِنْسَانٍ نَصِيْبَهُ، وَنَرْفَعُ لِرَسُولِ الله وَّ نَصِيْبَهُ، فَيَجِئُ رَسُولُ اللهِ بَّهِ مِنَ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لا يُوقِظُ النَّائم، وَيُسْمِعُ اليَفْظَانَ، ثُمَّ يَأْتِي المَسْجِدَ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَأْتِي شَرَابَهُ فَيَشْرَبُهُ. [م مطولًا: ٢٠٥٥، حم: ٢٣٣٠٠]. قَالَ أبُو عِيْسَی: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ٢٧- باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ التَّسْلِيمِ عَلَى مَن يَبُول [ت٢٧، ٢٧٠] [٢٧٢٠] (٢٧٢٠) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَنَصْرُ بْنُ عَلِي قالا: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبيري عَن سُفْيَانَ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثمانَ، عَن نَافِع عَن ابنِ عُمَر: أنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَى النبيِّ ◌َّهِ وَهُوَ يَبُولُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النبي ◌َّهِ يعني السَّلَامَ. [م: ٣٧٠، ن: ٣٧، د: ١٦، جه: ٣٥٣]. حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَن سُفْيَانَ، عَن الضَّحَّاكِ بن عثمان، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، مسلم))، والظاهر أن يكون: ثلاث أعنز، بغير التاء، قال في ((القاموس)): العنز: الأنثى من المعز، والجمع: أعنز وعنوز وعناز، (احتلبوا هذا اللبن) زاد مسلم: ((بيننا)) (فيشرب كل إنسان) أي: منا، كما في رواية مسلم، (ونرفع)، بالنون، وفي بعض النسخ بالياء، وفي (صحيح مسلم) بالنون، (فيسلم تسليمًا لا يوقظ النائم، ويسمع اليقظان) قال النووي: فيه آداب السلام على الأيقاظ في موضع فيه نيام، أو من في معناهم، وأنه يكون سلامًا متوسطًا بين الرفع والمخافتة، بحيث يسمع الأيقاظ، ولا يهوش على غيرهم. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم مطولًا في ((باب إكرام الضيف وفضل إيثاره)». ٢٧- باب ما جاء في كراهية التسليم على من يبول [٢٧٢٠] قوله: (أن رجلاً سلم على النبي ◌َ (8) وهو يبول ... إلخ) قد تقدم هذا الحديث بسنده ومتنه في ((باب كراهة رد السلام غير متوضئ))، وتقدم هناك شرحه. ٥٤٦ كتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله وَ ﴿﴿ / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ أنْ يَقُول: عَلَيكَ السَّلَامُ مُبْتدِئًا وفي الباب عَن عَلْقَمَةَ بْنِ الفَغْوَاءِ وَجَابِرٍ وَالْبَرَاءِ وَالمُهَاجرِ بْنِ قُنْفُذٍ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ٢٨- باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ أنْ يَقُول: عَلَيكَ السَّلَامُ مُبْتدِئًا [ت٢٨، ٢٨٢] [٢٧٢١] (٢٧٢١) حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله، أخْبَرَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ عَن أبي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ عَن رَجُلٍ مِن قَوْمِهِ، قَالَ: طَلَبْتُ النبيَّ وََّ فَلَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ فَجَلَسْتُ، فَإِذَا نَفَرٌ هُوَ فِيهِمْ - وَلا أعْرِفِهُ - وَهُوَ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ مَعَهُ بَعْضُهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله! فَلَمَّا رأيتُ ذَلِكَ، قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ الله، عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ الله، عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: ((إنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ المَيِّتِ، إن عليك السَّلام تحية الميت ثلاثًا)»، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: ((إِذَا لَقِيَ قوله: (وفي الباب عن علقمة بن الفغواء(١) ... إلخ) وقد تقدم تخريج أحاديث هؤلاء الصحابة # في الباب المذكور. اعلم: أنه قد وقع في النسخة الأحمدية في الباب المذكور: علقمة بن الشفواء بالشين والفاء، وهو غلط، والصحيح: علقمة بن الفغواء، بفاء مفتوحة وغين معجمة ساكنة، كما وقع في هذا الباب، وكذلك وقع بالفاء والغين المعجمة في ((مجمع الزوائد)) في ((باب قراءة الجنب))، وكذلك وقع في رواية الدارقطني والطحاوي، من طريق عبد الله بن محمد بن حزم عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء عن أبيه، وقال ابن حبان: علقمة بن الفغواء، بفاء مفتوحة ومعجمة ساكنة، له صحبة، وكذا ضبطه صاحب ((مجمع البِحَار)) في ((المغني)) بفاء مفتوحة، وسكون غين معجمة. ٢٨ - باب ما جاء في كراهية أن يقول: عليك السلام، مبتدئًا [٢٧٢١] قوله: (عن أبي تميمة)، بفتح أوله، اسمه: طريف بن مجالد، (الهجيمي) - بالجيم مصغرًا - البصري، ثقة، من الثالثة. قوله: (ولا أعرفه) أي: النبي ◌َّرِ (قال: إن ((عليك السلام)) تحية الميت) قال الخطابي: (١) الطبراني في ((الكبير)) (٦/١٨) (٣) وقال الهيثمي (٢٧٦/١): وفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف. كتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي كَفَ أنْ يَقُول: عَلَيكَ السَّلَامُ مُبْتدِنًا ٥٤٧ الرَّجُلُ أخَاهُ المُسْلِمَ فَلْيَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحِمَةُ الله وبركاتُه))، ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ النبيُّ نَِّ قَالَ: ((وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ الله، وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ الله، وعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ الله)). قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ أبُو غِفَارٍ عَن أبي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ عَن أبي جُرَيٍّ جَابِرِ بْنِ سَلِيْمِ الهُجَيْمِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ النبيَّ ◌َّهِ فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وَأَبُو تَمِيمَةَ اسْمُهُ: طَرِيفُ بْنُ مُجَالدٍ. هذا يوهم أن السنة في تحية الميت أن يقال له: عليك السلام، كما يفعله كثير من العامة، وقد ثبت عن النبي ◌َِّ أنه دخل المقبرة، فقال: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَهْلَ دَارِ قَوْمٍ مُؤْمِنِيْنَ))، فقدم الدعاء على اسم المدعو له، كهو في تحية الأحياء، وإنما كان ذلك القول منه إشارة إلى ما جرت به العادة منهم في تحية الأموات؛ إذ كانوا يقدمون اسم الميت على الدعاء، وهو مذكور في أشعارهم، كقول الشاعر: [من الطويل]. وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَخَّمَا عَلَيْكَ سَلَامُ اللهِ قَيْس بْن عَاصِمٍ وكقول الشماخ: [من الطويل]. يَدُ الله فِي ذَاكَ الأَدِيمِ المُمَزَّقِ عَلَيْكَ السلَامُ من أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ والسنة لا تختلف في تحية الأحياء والأموات، بدليل حديث أبي هريرة الذي ذكرناه، والله أعلمْ. انتهى. وقال الحافظ ابن القيم في كتابه ((زاد المعاد)): وكان هديه في ابتداء السلام أن يقول : : ((السلام عليكم ورحمة الله))، وكان يكره أن يقول المبتدئ: ((عليك السلام))، قال أبو جري الهجيمي: ((أتيتُ النبيَّ ◌َ ﴿ فقلت: عليك السلام، يا رَسُول الله، فقال: لا تقل: عليك السلام؛ لأن عليك السلام تحية الموتى)) حديث صحيح. وقد أشكل هذا الحديث على طائفة، وظنوه معارضًا لما ثبت عنه ﴿ في السلام على الأموات بلفظ: ((السلام عليكم)) بتقديم السلام، فظنوا أن قوله: ((فإن عليك السلام تحية الموتى)) إخبارٌ عن المشروع، وغلطوا في ذلك غلطًا أوجب لهم ظن التعارض، وإنما معنى قوله: ((فإن عليك السلام تحية الموتى)) إخبار عن الواقع لا المشروع، أي: أن الشعراء وغيرهم يحيون الموتى بهذه اللفظة، كقول قائلهم: [من الطويل]. وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَخَّمَا عَلَيْكَ سَلَامُ اللهِ قَيْسُ بْنَ عَاصمٍ وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا فَمَا كَانَ قَیْسٌ مُلْكُهُ مُلْكَ وَاحِدٍ ٥٤٨ كتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةٍ أنْ يَقُول: عَلَيكَ السَّلَامُ مُبْتدِئًا [٢٧٢٢] (٢٧٢٢) حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الخلال، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَن أبي غِفَارِ المُثَنَّى بْنِ سَعِيدِ الطَّائِيٌّ عَن أبي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ عَن جَابِرِ بْنِ سُلَيْم، قَالَ: أَتَيْتُ النبيَّ وَّهِ فَقُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ فَقَالَ: ((لا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُل: السَّلَامُ عَلَيْكم)). وَذَكَرَ قِصَّةً طَوِيلَةً. وهَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [٢٧٢٣] (٢٧٢٣) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ أنس بْنِ مالكِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَ كَانَ إِذَا سَلَّمَ سلَّمَ ثَلَاثًا، فكره النبيُّ وَّ ر أن يحيا بتحية الأموات، ومن كراهته لذلك لم يرد على المسلِّم، وكان يرد على المسلم: ((وعليك السلام)) بالواو، وبتقديم ((عليك)) على لفظ ((السلام)). انتهى. قلت: في قوله: ((ومن كراهته لذلك لم يرد على المسلم)) نظر؛ فإنه قد وقع في رواية الترمذي هذه: ((ثم رَدَّ عليَّ النبي ◌َِّ قال: وعليك ورحمة الله)). [٢٧٢٢] قوله: (عن أبي غفار المثنى بن سعيد الطائي) قال في ((التقريب)): المثنى بن سعد، أو سعيد الطائي، أبو غفار - بكسر المعجمة، وتخفيف الفاء، آخره راء، وقيل: بفتح المهملة والتشديد، آخره نون - بصري، ليس به بأس، من السادسة، (عن جابر بن سليم) كنيته: أبو جري، بضم الجيم وفتح الراء، مصغرًا. قال الحافظ في ((التقريب)): أبو جري - بالتصغير - الهجيمي، بالتصغير أيضًا، اسمه: جابر بن سليم، وقيل: سليم بن جابر، صحابي معروف. انتهى، وقال في (تهذيب التهذيب)): قال البخاري: جابر بن سليم أصح، وكذا ذكره البغوي، والترمذي، وابن حبان، وغيرهم. انتهى. قوله: (وذكر قصة طويلة). كذا رواه الترمذي مختصرًا، ورواه أبو داود مطولًا بالقصة الطويلة في ((باب إسبال الإزار)). قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم(١) وصححه. [٢٧٢٣] قوله: (أن رسول الله ◌َ ﴿ كان إذا سلم سلم ثلاثًا) قال الحافظ ابن القيم في (١) الحاكم في ((المستدرك))، حديث (٧٣٨٢) وصحَّحه ووافقه الذهبي. ٥٤٩ کتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله (3/* / باب وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا . قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. ٢٩ - باب [ت٢٩، م٢٩] [٢٧٢٤] (٢٧٢٤) حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْرٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَن إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ أبي طَلْحَةَ عَن أبي مُرَّةَ مولى عقيل بْنِ أبي طالبٍ عَن أبي وَاقِدِ اللَّيْئِيِّ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ لهِ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ في المَسْجِدِ، وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أقْبَلَ ثَلَاثة نَفَرٍ، (زاد المعاد)): كان من هديه وَلي أن يسلم ثلاثًا، كما في ((صحيح البخاري))(١)، عن أنس قال: ((كان رَسُولُ اللهِوَله إذا تَكَلَّمَ بكلمةٍ أعادها ثلاثًا، حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم، سلم ثلاثًا، حتى يفهم))، ولعل هذا كان هَذْيَهُ في السَّلَامِ على الجَمْعِ الكثير الذين لا يبلغهم سلام واحد، أو هديه في إسماع السلام الثاني والثالث، إن ظن أنَّ الأول لم يحصل به الإسماع، كما سلم لما انتهى إلى منزل سعد بن عبادة ثلاثًا، فلما لم يجبه أحد رَجَعَ، وَإِلَّا فلو كان هديه الدائم التسليم ثلاثًا، لكان أصحابه يسلمون عليه كذلك، وكان يسلم على كل من لقيه ثلاثًا، وإذا دخل بيته ثلاثًا، ومن تأمل هديه علم أن الأمر ليس كذلك، وأن تكرار السلام منه كان أَمْرًا عارضًا في بعض الأحيان. انتهى. (وإذا تكلم بكلمة) أي: جملة مفيدة، (أعادها ثلاثًا) زاد البخاري في رواية: ((حتى تُفْهَمَ عَنْهُ)). قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح) وأخرجه أحمد، والبخاري. ٢٩ - باب [٢٧٢٤] قوله: (حدثنا الأنصاري) هو إسحاق بن موسى الأنصاري، (عن أبي مرة) اسمه: يزيد مولى عقيل بن أبي طالب، ويقال: مولى أخته أم هانئ، مدني، مشهور بكنيته، ثقة، من الثالثة. قوله: (إذ أقبل ثلاثة نفر) النفر - بالتحريك -: للرجال من ثلاثة إلى عشرة، والمعنى: ثلاثة هم نفر، والنفر اسم جمع، ولهذا وقع مميزًا للجمع، كقوله تعالى: ﴿نِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ (١) البخاري، كتاب العلم، حديث (٩٥). ٥٥٠ كتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله ﴿﴿ / باب فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ الله ◌ِهِ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، فَلَمَّا وَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ،وَلَهٍ سَلَّمَا، فَأَمَّا أحَدُهُمَا فَرأى فُرْجَةً في الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأمَّا الآخَرُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ الله ◌ِ قَالَ: ((ألا أُخْبِرُكُمْ عَن النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أمَّا أحَدُهم فَأَوَى إلى الله فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحِيَا اللهُ مِنْهُ، [النمل: ٤٨]، (فأقبل اثنان) بعد قوله: ((أقبل ثلاثةُ)) هما إقبالان، كأنهم أقبلوا أولًا من الطريق، فدخلوا المسجد مارين، كما في حديث أنس: ((فإذا ثلاثةُ نفرٍ يَمُرّونَ، فَلَمَّا رَأَوْا مَجْلِسَ النبيِّ وَ﴿ أَقْبَلَ إليه اثنان منهم، واستمر الثالثُ ذاهبًا)). كذا في ((الفتح))، (فلما وقفا على رَسُول الله وس(*) أي: على مجلس رسول الله وٍَّ، أو ((على)) بمعنى: عند، (فرأى فرجة) - بضم الفاء، وفتحها، لغتان - وهي: الخلل بين الشيئين، ويقال لها أيضًا: فرج، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَا مِن فُرُوُج﴾ [ق: ٦]، جمع: فرج، وأما الفرجة بمعنى: الراحة من الغم، فذكر الأزهري فيها فتح الفاء وضمها وكسرها، وقد فرج له في الحلقة والصف ونحوهما، بتخفيف الراء، يفرج بضمها، (في الحلقة) - بإسكان اللام على المشهور -: كل شيء مستدير، خالي الوسط، والجمع: حلق، بفتحتين، وحكي فتح اللام في الواحد، وهو نادر، (أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله) قال النووي: لفظة: ((أوى)) بالقصر، و((آواه)) بالمد. هكذا الرواية، وهذه هي اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن، أنه إذا كان لازمًا كان مقصورًا، وإن كان متعديًا كان ممدودًا، قال الله تعالى: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيِنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣]، وقال تعالى: ﴿إِذْ أَوَى اُلْفِتْبَةُ إِلَى اُلْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٠]، وقال في التعدي: ﴿وَءَاوَيْنَهُمَّا إِلَى رَبْوَقِ﴾ [المؤمنون: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَشَاوَى﴾ [الضحى: ٦] قال القاضي: وحكى بعض أهل اللغة فيهما جميعًا لغتين: القصر، والمد، فيقال: أويت إلى الرجل، بالقصر والمد، و: آويته، بالمد والقصر، والمشهور الفرق، كما سبق. قال العلماء: معنى: ((أوى إلى الله))، أي: لجأ إليه. قال القاضي: وعندي أن معناه هنا: دخل مجلس ذكر الله تعالى، أو: دخل مجلس رسول الله وَلي، ومجمع أوليائه وانضم إليه، ومعنى: ((آواه الله))، أي: قبله وقربه، وقيل: معناه: رحمه، أو: آواه إلى جنته، أي: كتبها له، (وأما الآخر فاستحيى فاستحيى الله منه) قال النووي: أي: ترك المزاحمة والتخطي حياءً من الله تعالى ومن النبي ◌َّ ﴿ والحاضرين، أو استحياء منهم أن يعرض ذاهبًا، كما فعل الثالث، فاستحیی الله منه، أي: رحمه ولم يعذبه، بل غفر ذنوبه، وقيل: جازاه بالثواب، قالوا: ولم يُلْحقه بدرجة صاحبه الأول في الفضيلة، الذي آواه، وبسط له اللطف وقربه. ٥٥١ کتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله ﴾# / باب وَأمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللهُ عَنهُ)). [خ: ٦٦، م: ٢١٧٦، حم: ٢١٤٠٠، طا: ١٧٩١]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَأَبُو وَاقِدِ اللَّيْثِيُّ اسْمُهُ: الحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ، وَأَبُو مُرَّةَ مَوْلَى أَمِّ هَانِئ بِنْتِ أبِي طَالِبٍ، وَاسْمُهُ: يَزِيدُ وَيُقَالُ: مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أبي طالبٍ. قال: وهذا دليلُ اللغة الفصيحة، أنه يجوز في الجماعة أن يقال في غير الأخير منهم: الآخر، فيُقال: حضرني ثلاثةٌ: أما أحدهم فقرشي، وأما الآخر فأنصاري، وأما الآخر فتيمي. وقد زعم بعضهم أنه لا يستعمل الآخر إلا في الأخير خاصَّة، وهذا الحديث صريح في الرد عليه. انتهى. (وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه)، أي: لم يرحمه، وقيل: سخط عليه، وهذا محمول على أنه ذهب معرضًا، لا لعذر وضرورة. قاله النووي، وقال الحافظ: أي: سخط عليه، وهو محمول على مَنْ ذَهَبَ معرضًا، لا لعذر، هذا إن كان مسلمًا، ويحتمل أن يكون منافقًا، واطلع النبي ◌َّله على أمره، كما يحتمل أن يكون قوله رَّه: ((فأعرض الله عنه)» إخبارًا، أو دعاءً، ووقع في حديث أنس: ((فاسْتَغْنَى، فَاسْتَغْنَى الله عنه))، وهذا يرشح كونه خبرًا، وإطلاق الإعراض وغيره في حق الله تعالى على سبيل المقابلة والمشاكلة، فيحمل كلُّ لفظ منها على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى. وفائدة إطلاق ذلك بيان الشيء بطريق واضح. انتھی . وفي الحديث استحباب جلوس العالم لأصحابه وغيرهم في موضع بارز، ظاهر للناس، والمسجد أفضل، فيذاكرهم العلم والخير. وفيه جواز حِلَق العلم، والذكر في المسجد، واستحباب دخولها ومجالسة أهلها، وكراهة الانصراف عنها من غير عذر، واستحباب القرب من كبير الحلقة؛ ليسمع كلامه سماعًا بينًا، ويتأدب بأدبه، وأن قاصد الحلقة إن رأى فرجةً دَخَلَ فيها، وإِلَّا جلس وراءهم، وفيه الثناء على من فعل جميلًا؛ فإنه وَ لل أثنى على الاثنين في هذا الحديث، وأن الإنسان إذا فعل قبيحًا ومذمومًا وباح به، جاز أن يُنسب إليه. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري في ((العلم))، وفي ((الصلاة))، وأخرجه مسلم في ((كتاب السلام)) وأخرجه النسائي في ((العلم)). ٥٥٢ كتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله (18 / باب مَا جَاءَ في الجَالِس على الطّرِيق ٢١] (٢٧٢٥) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أْبَرَنَا شَرِيكٌ عَن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَّيْنَا النبيَّ وَّهِ جَلَسَ أحَدُنَا حَيْثُ يَنْتَهِي. [د: ٤٨٢٥]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، وَقَدْ رَوَاهُ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةً عَن سِمَاكِ أيضًا. ٣٠- باب مَا جَاءَ في الجَالِس على الطَّرِيق [ت٣٠، ٣٠٢] [٢٧٢٦] (٢٧٢٦) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَن أبي إِسْحَاقَ عَنِ البَرَاءِ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِوَّهِ مَرَّ بِنَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُمْ جُلُوسٌ في الطَّرِيقِ، فَقَالَ: ((إنْ كُنْتُمْ لا بُدَّ فَاعِلِينَ فَرُدُّوا السَّلَامَ، وَأَعِينُوا المَظْلُومَ، وَاهْدُوا السَّبِيلَ)). [صحيح المتن، وفي إسناده أبو إسحاق ثقة مدلس اختلط بآخره حم: ١٨٠١٤، مي: ٢٦٥٥]. [٢٧٢٥] قوله: (كنا إذا أتينا النبيّ ◌َ(18) أي: مجلسه الشريف، (جلس أحدنا حيث ينتهي) أي: هو إليه من المجلس، أو حيث ينتهي المجلس إليه، والحاصل: أنه لا يتقدم على أحد من حُضَّاره؛ تأدبًا وتركًا للتكلف، ومخالفة لحظ النفس من طلب العلو، كما هو شأن أرباب الجاه. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود، والنسائي. ٣٠- باب ما جاء في الجالس على الطريق [٢٧٢٦] قوله: (ولم يسمعه عنه) أي: لم يسمع أبو إسحاق هذا الحديث من البراء، (إن كنتم لا بد فاعلين) أي: الجلوس في الطريق، (فردوا السلام) أي: على المسلمين، (واهدوا السبيل) أي: للضال والأعمى وغيرهما، وقد ذكر في هذا الحديث ثلاثة حقوق من حقوق الطريق، وقد جاءت في الأحاديث حقوق أخرى غير هذه الثلاثة، قال الحافظ - بعد ذكر هذه الأحاديث ما لفظه -: ومجموع ما في هذه الأحاديث أربعة عشر أدبًا، وقد نظمتها في ثلاثة أبيات، وهي: [من البسيط]. رِيقٍ من قَوْلِ خَيْرِ الْخَلْقِ إِنْسَانًا جَمَعْتُ آدَابَ مَنْ رَامَ الجُلُوسَ عَلَى الطَّ ـتْ عَاطِسًا وَسَلَامًا رُدَّ إِحْسَانَا أَفْشِ السَّلَامَ وَأَحْسِنْ فِ الكَلَامِ وَشمِّ ٥٥٣ كتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ في المُصَافَحَة وفي البابِ عَن أبي هُرَيْرَةَ وَأَبِي شُرَيْح الخُزَاعِيِّ. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. ٣١- باب مَا جَاءَ في الْمُصَافَحَة [٣١٥، ٣١٢] [٢٧٢٧] (٢٧٢٧) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع، وإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبدُ الله بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ نُمَيْرٍ عَن الأَجْلَحِ عَن أبي إسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((مَا مِن مُسْلِمَیْنِ يَلْتَقِيَانِ لَهْفَانَ وَاهْدٍ سَبِيلاً وَاهْدٍ حَیْرَانًا فِي الحَمْلِ عَاوِنْ وَمَظْلُومًا أَعِنْ وَأَغِتْ وَغُضَّ طَرْفًا وَأَكْثِرْ ذِكْرَ مَوْلَانَا بِالعُرْفِ مُرْ وَانْهَ عَنْ نُكْرٍ وَكُفَّ أَذىّ قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة وأبي شريح الخزاعي) أما حديث أبي هريرة، فأخرجه أبو داود، وابن حبان. وأما حديث أبي شريح الخزاعي، فأخرجه أحمد(١)، وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الحافظ في ((الفتح)). قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد، والحديث منقطع، فتحسينه لشواهده. ٣١- باب ما جاء في المصافحة قال في (تاج العروس شرح القاموس)): الرجل يصافح الرجل، إذا وضع صفح كفه في صفح كفه، وصفحا كفيهما وجهاهما، ومنه حديث المصافحة عند اللقاء، وهي مفاعلة، من إلصاق صفح الكف بالكف، وإقبال الوجه على الوجه. كذا في ((اللسان))، و((الأساس)»، و((التهذيب))، فلا يلتفت إلى من زعم أن المصافحة غير عربي. انتهى. وقال الجزري في ((النهاية)): ومنه حديث المصافحة عند اللقاء، وهي مفاعلة من إلصاق صفح الكف بالكف، وإقبال الوجه على الوجه. وقال الحافظ في ((الفتح)): هي مفاعلة من الصفحة، والمراد بها الإفضاء بصفحة اليد إلى صفحة اليد. وكذا قال القاري في ((المرقاة))، والطحاوي، وغيرهما من العلماء الحنفية. [٢٧٢٧] قوله: (ما من مسلمين) ((من)) مزيدة لمزيد الاستغراق، (يلتقيان) أي: يتلاقيان (١) أحمد، حديث (٢٦٦٢٢). ٥٥٤ كتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ في المُصَافَحَة فَيَتَصَافَحَانِ إلَّا غُفِرَ لهما قَبْلَ أنْ يَتَفرقَا)). [جه: ٣٧٠٣]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِن حَدِيثِ أبي إسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ، وقد رُوِي هَذَا الحَدِيثِ عَنِ البَرَاءِ مِن غَيْرِ وَجْهٍ، وَالأَجْلح هو ابن عبد الله بْنِ حُجَيَّةَ بْنِ عدِيّ الکِنْدِي. (فيتصافحان) زاد ابن السني: ((ويتكاشران(١) بودٍّ ونصيحة)) (إلا غفر لهما)، بصيغة المجهول، (قبل أن يتفرقا) بالأبدان، أو بالفراغ عن المصافحة، وهو أظهر في إرادة المبالغة. وفي رواية لأبي داود (٢): ((إِذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ، فَتَصَافَحَا، وَحَمِدَا الله، وَاسْتَغْفَرَاهُ، غُفِرَ لَهُمَا))، وفيه سنية المصافحة عند اللقى، وأنه يستحب عند المصافحة حمد الله تعالى، والاستغفار، وهو قوله: ((يغفر الله لنا ولكم))، وأخرج ابن السني(٣) عن أنس قال: ((ما أَخَذَ رَسُولُ اللهِ وَّه بیدِ رجلٍ ففارقه حتى قَالَ: اللَّهُمَّ آتِنَا في الدنيا حسنَةً، وفي الآخرةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ))، وفيه عن أنس عن النبيِ رَ ﴿ قال: ((مَا مِن عَبْدَيْنِ مُتَحَابَّيْنِ في الله، يَسْتَقْبِلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَيُصافِحِهِ، فَيُصَلِّيَانِ عَلَى النَّبِيِّ وَّهِ إِلَّا لَمْ يتفرقا حتى تُغْفَر ذُنُوبُهُمَا، ما تَقَدَّم مِنْهَا وَمَا تأخّرَ))(٤). وفي ((الترغيب)) للمنذري، عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه عن النبي ◌َّل قال: ((إنَّ المُؤْمِنَ إِذَا لَقِي المُؤْمِنَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَصَافَحَهُ، تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا؛ كَمَا يَتَنَاثَرُ وَرَقُ الشَّجَر)). رواه الطبراني(٥) في ((الأوسط))، ورواته لا أعلم فيهم مجروحًا، وعن سلمان الفارسي ◌َُّ أن النبي ◌َّ﴿ قال: ((إنَّ المسلمَ إذَا لقي أخاه، فَأَخَذَ بيدِهِ، تَحَاتَتْ عَنهما ذنوبُهما، كما يتَحاتُّ الورقُ عن الشجرةِ اليابسةِ في ريحِ يومِ عاصفٍ، وإلا غفر لهما، ولو كانت ذنوبهما مثلَ زبدِ البحرِ)). رواه الطبراني(٦) بإسناد حسن. انتهى. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه. والضياء؛ كذا في ((الجامع الصغير)). (١) قال في ((النهاية)) (٣٢٠/٤) الكَشْرُ: ظهور الأسنان للضحك. وكَاشَرهُ: إذا ضحك في وجهه وباسطه . (٢) أبو داود، كتاب الأدب، حديث (٥٢١١). (٣) ابن السني في ((عمل اليوم والليلة))، حديث (٢٠٤). (٤) ابن السني في ((عمل اليوم والليلة))، حديث (١٩٤) وأخرجه أبو يعلى في («مسنده)) (٢٩٦٠). (٥) الطبراني في ((الأوسط))، حديث (٢٤٥) وقال الهيثمي (٣٧/٨): ويعقوب بن محمد بن الطحلاء روى عنه غير واحد، ولم يضعفه أحد، وبقية رجاله ثقات. (٦) الطبراني في ((الكبير)) (٦١٥٠)، وقال الهيثمي (٨/ ٣٧): ورجاله رجال الصحيح غير سالم بن غيلان، وهو ثقة. ٥٥٥ كتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله وَ له / باب مَا جَاءَ في المُصَّافَحَّة فائدة: في بيان أن السنة في المصافحة أن تكون باليد الواحدة: اعلم: أن السنة أن تكون المصافحة باليد الواحدة، أعني: اليمنى من الجانبين، سواء كانت عند اللقاء، أو عند البيعة، وقد صرح به العلماء الحنفية والشافعية والحنبلية، قال الفقيه الشيخُ محمد أمين - المعروف بابن عابدين - رحمه الله - في ((رد المحتار على الدر المختار)) -: قوله: ((فإن لم يقدر))، أي: على تقبيله إلا بالإيذاء، أو مطلقًا، يضع يديه عليه، ثم يقبلهما، أو يضع إحداهما، والأولى أن تكون اليمنى؛ لأنها المستعملة فيما فيه شرف، ولما نقل عن ((البحر العميق))، من أن الحجر يمين الله، يصافح بها عباده، والمصافحة باليمنى. انتهى. وقال الشيخ ضياء الدين الحنفي النقشبندي - في كتابه «لوامع العقول، شرح رموز الحديث)) في شرح حديث: ((إذا التقى المُسلمانِ، فَتَصَافَحًا، وَحَمِدًا الله ... )) الحديث، ما لفظه -: والظاهر من آداب الشريعة تعين اليمنى من الجانبين؛ لحصول السنة، كذلك فلا تحصل باليسرى في اليسرى، ولا في اليمنى. انتهى، وقال الإمام النووي: يستحب أن تكون المصافحة باليمنى، وهو أفضل. انتهى. ذكره الشيخ عبد الله بن سلمان اليمني، الزبيدي في رسالته في المصافحة. وقال الشيخ عبد الرؤوف المناوي الشافعي - في كتابه («الروض النضير شرح الجامع الصغير» -: ولا تحصل السنة إلَّا بوضع اليمنى في اليمنى، حيث لا عذر. انتهى. وقال الشيخ علي بن أحمد العزيزي، - في كتابه ((السراج المنير شرح الجامع الصغير)) -: إذا لقیت الحاج-، أي: عند قدومه من حجه ۔ فسلم عليه وصافحه، أي: ضع يدك اليمنى في يده اليمنى. انتهى. وقال الشيخ العلقمي - رحمه الله - - في كتابه ((الكوكب المنير شرح الجامع الصغير)) في شرح حديث: ((إذا التقى المُسلمان فتصافحا ... إلخ)) -: قال ابن رسلان: ولا تحصل هذه السنة إلَّا بأن يقع بشرة أحد الكفين على الآخر. انتهى. وقال الشيخ العالم الرباني السيد عبد القادر الجيلاني - في كتابه ((غنية الطالبين)) -: ((فصلٌ فيما يستحب فعله بيمينه، وما يستحب فعله بشماله)). يستحب له تناول الأشياء بيمينه، والأكل، والشرب، والمصافحة، والبداءة بها في الوضوء، والانتعال، ولبس الثياب ... إلخ». والدليل على ما قلنا من أن السنة في المصافحة أن تكون باليمنى من الجانبين، سواء ٥٥٦ كتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ في المُصَافَحَة كانت عند اللقاء أو عند البيعة: ما رواه الإمام أحمد (١) في ((مسنده)): حدثنا عبد الله: حدثني أبي: حدثنا علي بن عياش، قال: حدثنا حسان بن نوح، حمصي، قال: ((رأيتُ عبد الله بن بسر يقول: ترون كفي هذه؟ فأشهد أني وضعتها على كف محمد (وَلٍ ... )) الحديث، إسناده صحيح، ورواه الحافظ ابن عبد البر(٢) في كتابه ((التمهيد)) قال: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا يعقوب بن كعب: قال: حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن حسان بن نوح، عن عبد الله بن بسر، قال: ((ترون يدي هذه؟ صافحتُ بها رسولَ اللهِ وَّ هِ .. )) الحديث، رجاله كلهم ثقات، وإسناده متصل، أما الحافظ ابن عبد البر، فهو ثقة، حجة، كما في ((تذكرة الحفاظ))، وأما عبد الوارث بن سفيان، فهو من شيوخه الكبار، قد أكثر الرواية عنه في معرض الاحتجاج في ((التمهيد)) و((الاستيعاب)) وغيرهما، وأما ابن وضاح، فاسمه: محمد، قال في ((تذكرة الحفاظ)): هو الحافظ الكبير: أبو عبد الله القرطبي، قال ابن الفرضي: كان عالمًا بالحديث، بصيرًا بطرقه، متكلمًا بعلله، وكان أحمد بن الحباب لا يقدم عليه أحدًا ممن أدركه. انتهى. وقد صحح ابن القطان إسنادًا لحديث بئر بضاعة، وقع فيه محمد بن وضاح هذا؛ حيث قال: وله إسناد صحيح، من رواية سهل بن سعد، قال قاسم بن أصبغ: حدثنا محمد بن وضاح: حدثنا أبو علي عبد الصمد بن أبي سكينة: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد، قال: ((قالوا: يا رسولَ الله، إِنَّكَ تَتَوَضَّأُ من بِثْرِ بُضَاعَةَ ... )) إلخ. ذكر الحافظ الزيلعي كلامَ ابن القطان هذا في ((تخريج الهداية»، وأقره، وأما يعقوب بن كعب، ومبشر بن إسماعيل، وحسان بن نوح، فهم أيضًا ثقات، فالحديث صحيح، ورواه الحافظ الدولابي في كتابه (الأسماء والکنی)، قال: حدثنا أبو هاشم زیاد بن أيوب، قال: حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن أبي معاوية حسان بن نوح، قال: سمعتُ عبد الله بن بسر يقول: ((تَرَوْنَ هذه اليد؟ فَإِنِي وضعتُها على يدِ رسولِ اللهِ وَّةٍ ... )) الحديث، رجاله ثقات إلَّا الحافظ الدولابي، فقال الدارقطني: تكلموا فيه، وما يتبين من أمره إلا خير، وقال أبو سعيد بن يونس: كان أبو بشر - يعني: الدولابي - من أهل الصنعة، وكان يضعف. كذا في ((تذكرة الحفاظ))، ويؤيد حديث عبد الله بن بسر هذا حديث أبي أمامة: «تَمَامُ الَّحِيَّةِ الأَخْذُ (١) أحمد، حديث (١٧٢٣٧). (٢) ابن عبد البر ((التمهيد)) (٢٤٧/١٢). ٥٥٧ كتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في المُصَافَحَة باليدِ، والمُصَافَحَةُ باليُمْنَى))، رواه الحاكم في ((الكنى)). كذا في ((كنز العمال))، ويؤيده أيضًا حديث أنس بن مالك قال: ((صَافَحْتُ بِكَفِّي هَذِهِ كفَّ رسولِ اللهِ وَّه، فما مسَّت خَزَّا، ولا حَرِيرًا أَلْيَنَ من كَفِّهِ نَّرِ)). ذكره الشيخ محمد عابد السندي في ((حصر الشارد))، والقاضي الشوكاني في ((إتحاف الأكابر))، وهذان الحديثان إنما ذكرناهما للتأييد والاستشهاد؛ لأن في أسانيدهما ضعفًا وكلامًا. والدليل الثاني على ما قلنا من أن السنة في المصافحة أن تكون باليمنى، سواء كانت عند اللقاء أو عند البيعة: ما رواه مسلم (١) في ((صحيحه)) عن عمرو بن العاص، ((قال: أتيتُ النبيَّ وَ﴿ فقلتُ: أَبْسُطْ يَمِينَكَ، فلأبابِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، فقبضتُ يدي، فقال: ما لك يا عمرو، قلتُ: أردتُ أن أشْتَرِطَ، قال: تَشْتَرِطُ ماذا؟ قلتُ: أَنْ يُغْفَرَ لي، قال: أما علمتَ يا عمرو أنَّ الإسلامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ... )) الحديث، ورواه أبو عوانة في (صحيحه))، وفيه: ((فقلتُ: يا رسول الله، ابْسُطْ يَدَكَ لأبايِعَكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ))، قال القاري في ((المرقاة)) - في شرح هذا الحديث: ((ابسط يمينك))، أي: افتحها ومدها؛ لأضع يميني عليها، كما هو العادة في البيعة. انتهى. وهذا الحديث نَصُّ صريح في أن السنة في المصافحة عند البيعة باليد اليمنى من الجانبين، وقد صحت في هذا أحاديث كثيرة، ذكرناها في رسالتنا المسماة بـ ((المقالة الحُسْنَى في سنية المصافحة باليد اليمنى))، فمنها: ما رواه أحمد (٢) في ((مسنده)) بإسناد صحيح، عن أبي غادية يقول: ((بايعتُ رسولَ اللهِ وَّهِ، قال أبو سعيد: فقلتُ له: بيمينِكَ؟ قال: نعم ... )) الحديث، ومنها: ما رواه أحمد في ((مسنده)) بإسناد صحيح، عن أنس بن مالك يقول: ((بايعت رسول الله ( 18 بيدي هذه - يعني: اليمنى-، على السمع والطاعة فيما استطعت))، ومنها: ما رواه أحمد (٣) في ((مسنده)) بإسناد صحيح، عن زياد بن علاقة قال: ((سمعتُ جريرًا يقولُ: حين مات المغيرة ... )) الحديث، وفيه: ((أما بعد، فإني أتيتُ رسولَ الله وَ ﴿ أبايعه بيدي هذه على الإسلام، فاشترط عليَّ النصح)). (١) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (١٢١) وأبو عوانة في ((صحيحه)) (٢٠٠). (٢) أحمد، حديث (٢٠١٤٣). (٣) أحمد، حديث (١٨٧١١). ٥٥٨ كتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله وَلجر / باب مَا جَاءَ في المُصَافَحَة فإن قلتَ: أحاديث عمرو بن العاص، وأبي غادية، وأنس بن مالك، وجرير رضي الله تعالى عنهم إنما تدل على سنية المصافحة باليد اليمنى عند البيعة، لا عند اللقاء. قلت: هذه الأحاديث كما تدل على سنية المصافحة باليد اليمنى عند البيعة، كذلك تدل على سنيتها باليد اليمنى عند اللقاء أيضًا؛ لأن المصافحة عند اللقاء، والمصافحة عند البيعة متحدتان في الحقيقة، ولم يثبت تخالف حقيقتهما بدليل أصلًا. والدليل الثالث: أن المصافحةَ هي إلصاق صفح الكف بصفح الكف، فالمصافحة المسنونة إما أن تكون باليد الواحدة من الجانبين، أو باليدين، وعلى كلا التقديرين المطلوب ثابت، أما على التقدير الأول: فظاهر، وأما على التقدير الثاني: فإن كانت بإلصاق صفح كف اليمنى بصفح كف اليمنى، وبإلصاق صفح كف اليسرى بصفح كف اليسرى، على صورة المقراض، فعلى هذا تكون مصافحتان، ونحن مأمورون بمصافحة واحدة، لا بمصافحتین، وإن كانت بإلصاق صفح كف اليمنى بصفح كف اليمنى، وإلصاق صفح كف اليسرى بظهر كف اليمنى من الجانبين، فالمصافحة هي إلصاق صفح كف اليمنى بصفح كف اليمنى، ولا عبرة لإلصاق صفح كف اليسرى بظهر كف اليمنى؛ لأنه خارج عن حقيقة المصافحة. فإن قيل: قد عرف المصافحة بعض أهل اللغة بأخذ اليد، قال في ((القاموس)): المصافحة: الأخذ باليد، كالتصافح. انتهى، والأخذ باليد عام شامل لأخذ الید والیدین، بإلصاق صفح الكف بصفح الكف، أو بظهرها . قلت: هذا تعريف بالأعم؛ لأنه يصدق على أخذ العضد، وعلى أخذ المرفق، وعلى أخذ الساعد؛ لأن اليد في اللغة الكف، ومن أطراف الأصابع إلى الكتف، وهو ليس بمصافحة بالاتفاق، والتعريف الصحيح الجامع المانع: هو ما فسر به أكثر أهل اللغة، وعليه يدل لفظ المصافحة والتصافح، فبين المصافحة والأخذ باليد عموم وخصوص مطلق. وأما قول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: ((عَلَّمَنِي النبيُّ ◌َّه وكفي بين كفيه التشهدَ، كما يعلمني السورة من القرآن)) (١)، أخرجه الشيخان، فليس من المصافحة في شيءٍ، بل هو من باب الأخذ باليد عند التعليم؛ لمزيد الاعتناء والاهتمام به. قال الفاضل اللكنوي في بعض فتاواه: وانجه در صحيح بخاري أن عبد الله بن مسعود مروى است: ((عَلَّمني رسولُ الله ◌ََِّ، وكَفِّي (١) مسلم، كتاب الصلاة، حديث (٤٠٢). ٥٥٩ كتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله ﴿ه / باب مَا جَاءَ في المُصَافَحَة [٢٧٢٨] (٢٧٢٨) حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله، أخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ عُبَيْدِ الله عَن أنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله! بينَ كَفَّيهِ التَّشَهُّدَ، كما يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِن القُرآنِ: ((التَّحياتُ للهِ والصلواتُ والطيباتُ ... )) الحديث، ليس ظاهر أن است كه مصافحة متوارثة كه بوقت تلاقي مسنون است نبوده بدكه طريقه تعلیمیه بوده که اکابر بوقت اهتمام تعلیم جيزي ازهردودست يايكدست اصاغر كرفته تعلیم ميسازند. وحاصله: أن ما روي في ((صحيح البخاري)) عن عبد الله بن مسعود: ((علمني رسول الله وَ﴿ وكفِّي بين كفيه ... )) إلخ، فالظاهر: أنه لم يكن من المصافحة المسنونة عند التلاقي، بل هو من باب أخذ اليد عند الاهتمام بالتعليم، كما يصنعه الأكابر عند تعليم الأصاغر، فيأخذون باليد الواحدة، أو باليدين يد الأصاغر. وقد صرح الفقهاء الحنفية - أيضًا - بأن كون كف ابن مسعود بين كفيه #18 كان لمزيد الاعتناء والاهتمام بتعليمه التشهد. وقد ثبت عن رسول الله ولي الأخذ باليد عند التعليم بأحاديث كثيرة، منها: ما رواه أحمد (١) في («مسنده))، عن أبي قتادة وأبي الدهماء، قالا: ((كَانَا يُكْثِرَانِ السفرَ نَحْوَ هذا البيتِ، قالا: أَتَيَّا على رجل من أهلِ الباديةِ، فقال البدويُّ: أَخَذَ رسولُ الله بيدي، فَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مما علمه الله تبارك وتعالى .. )) الحديث، ومنها: ما رواه الترمذي(٢)، عن شكل بن حميد، قال: ((أتيتُ النبيَّ وَلِ﴿ فقلتُ: يا رسولَ الله، عَلِّمْنِي تَعَوُّذًا أتعوذُ به، قال: فأخذ بكفِّي، وقال: قل: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذُ بك من شرِّ سَمْعِي ... )) الحديث، ومنها: ما رواه أحمد والترمذي(٣)، عن أبي هريرة". قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((من يأخذ عَنِّي هؤلاء الكلمات، فيعمل بهنَّ، أو يُعلِّمُ من يَعملُ بهن؟)) قلتُ: أنا يا رسولَ الله، فأخذ بيدي، فعد خمسًا، فقال: ((اتَّقِ المحارمَ تَكُنْ أَعْبَدَ الناسِ ... )) الحديث. [٢٧٢٨] قوله: (أخبرنا عبد الله) هو ابن المبارك، (أخبرنا حنظلة بن عبيد الله) قال. الذهبي في ((الميزان)): حنظلة السدوسي البصري، يقال: ابن عبد الله، ويقال: ابن عبيد الله، وقيل: ابن أبي صفية، قال يحيى: تركته عمدًا، كان قد اختلط. وضعفه أحمد، وقال: منكر (١) أحمد، حديث (٢٠٢١٥). (٢) الترمذي، كتاب الدعوات، حديث (٣٤٩٢). (٣) أحمد، حديث (٨٠٣٤) والترمذي، كتاب الزهد، حديث (٢٣٠٥). ٥٦٠ كتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ في المُصَافَحَة الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أخَاهُ أوْ صَدِيقَهُ أيَنْحَنِي لَهُ؟ قَالَ: ((لَا))، قَالَ: أفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ قَالَ: ((لَا))، قَالَ: أفَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ، قَالَ: (نَعَم)). [ جه بنحوه: ٣٧٠٢]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ. [٢٧٢٩] (٢٧٢٩) حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ، أخْبَرَنَا عَبْدُ الله، أخْبَرَنَا هَمَّامٌ، عَن قَتَادَةَ، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكِ: هَلْ كَانَت المُصَافَحَةُ في أصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ؟ قَالَ: نَعَم. [خ: ٦٢٦٣]. الحديث، يحدث بأعاجيب. وقال ابن معين: ليس بشيءٍ، تغير في آخر عمره، وقال النسائي: ليس بقوي، وقال مرة: ضعيف، قال: له في الكتابين - يعني: الترمذي، وابن ماجه - حديث واحد، وهو: ((أَيَنْحَنِي بَعْضُنَا لِيَعْضٍ؟ قال: لَا))، حسنه الترمذي. انتهى. قوله: (الرجل منا) أي: من المسلمين، (يلقى أخاه) أي: في الدين، (أو صديقه) أي: حبيبه، وهو أخص مما قبله، (أينحني له؟) من الانحناء: وهو إمالة الرأس والظهر، (قال: لا)؛ فإنه في معنى الركوع، وهو كالسجود من عبادة الله سبحانه، (قال: أفيلتزمه) أي: يعتنقه، ويضمه إلى نفسه، (ويقبله؟) من التقبيل، (قال: لا) استدل بهذا الحديث من كره المعانقة والتقبيل، وسيأتي الكلام في هاتين المسألتين في الباب الذي يليه، (قال: فيأخذ بيده ويصافحه؟) عطف تفسير، أو الثاني أخص وأتم. قاله القاري. قلت: بل الثاني المتعين؛ فإن بين الأخذ باليد والمصافحة عُمُومًا وخُصُوصًا مُظْلَقًا. قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه ابن ماجه في ((الأدب))، ومداره على حنظلة السدوسي، وقد عرفت حاله. [٢٧٢٩] قوله: (قلت لأنس بن مالك: هل كانت المصافحة في أصحاب رسول الله ؟ قال: نعم) فيه مشروعية المصافحة، قال ابن بطال: المصافحة حسنة عند عامة العلماء، وقد استحبها مالك بعد كراهته، وقال النووي: المُصَافَحَةُ سنة مُجْمَعٌ عليها عند التلاقي. قاله الحافظ. وقال: ويستثنى من عموم الأَمْرِ بالمصافحة المرأة الأجنبية، والأمرد الحسن. انتھی . تنبيه: قال النووي في ((الأذكار)): اعلم: أن هذه المصافحة مستحبة عند كل لقاء، وأما ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر، فلا أصل له في الشرع على كل هذا الوجه، ولكن لا بأس به، فإن أصل المصافحة سنة، وكونهم حافظوا عليها في بعض