النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
كتاب صفة جهنم عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ أنَّ لِلنَّارِ نفَسَيْنِ
فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ)). [فيه ضعف، لأجل شريك القاضي، صدوق يخطئ كثيرًا: جه: ٤٣٢٠].
حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ، أخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارك عَن شَرِيكٍ عَن عَاصِمٍ عَن أَبِي صَالِحٍ
أوْ رَجُلٍ آخَرَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، نَحْوَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا مَوْقُوفٌ أُصَحُّ، وَلَا أَعْلَمُ أحَدًا رَفَعَهُ
غَيْرِ يَحْيَى بْنِ أبِي بُكَيْرٍ عَن شَرِيكِ.
٩- باب مَا جَاءَ أنَّ لِلنَّارِ نفَسَيْنِ، وَمَا ذُكرَ
مَن يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مِن أهْلِ التَّوْحِيد [ت٩، ٩٢]
[٢٥٩٢] (٢٥٩٢) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الوَلِيدِ الكِنْدِيُّ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا
المُفَضَّلُ بْنُ صَالِحٍ، عَن الأَعْمَشِ، عَن أبِي صَالِحٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا وَقَالَتْ: أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا
الراء للمبالغة في الاحمرار، (فهي) الآن، (سوداء مظلمة) وفي رواية ابن ماجه: ((فهي سوداءُ
كالليلِ المظلمِ))، والقصدُ: الإعلامُ بفظاعتها، والتحذير من فعل ما يؤدِّي إلى الوقوع فيها.
قوله: (عن أبي صالح أو رجل آخر) ((أو)): للشك، (وحديث أبي هريرة في هذا موقوف
أصح)، كذا وقع في نسخ الترمذي: (موقوف)) بالرفع، والظاهر: أن يكون ((موقوفًا))
بالنصب، قال المنذري في ((الترغيب)) - بعد ذكر هذا الحديث -: رواه الترمذي، وابن ماجه،
والبيهقي، يعني: في كتاب ((البعث والنشور)، قال: ورواه مالك، والبيهقي في ((الشعب))
مختصرًا مرفوعًا، قال: ((أَتَرَوْنَهَا حَمْرَاءَ كَنَارِكُمْ هَذِهِ؟! لَهِيَ أَشَدُّ سَوَادًا مِن القَار))، والقار:
الزفت، زاد رزين: ((وَلَوْ أَن أَهْلَ النَّارِ أَصَابُوا نَارَكُمْ هَذِهِ لَنَامُوا فِيهَا))، أو قال: ((لَقَالُوا
فیھا)). انتھی.
٩- باب ما جاء أن للنار نفسين، وما ذكر من يخرج من النار ... إلخ
[٢٥٩٢] قوله: (أخبرنا المفضل بن صالح) الأسدي، النخاس، الكوفي، ضعيف، من
الثامنة.
قوله: (اشتكت النار إلى ربها وقالت: أكل بعضي بعضًا) قال الحافظ في ((الفتح)): قد
اختلف في هذه الشكوى، هل هي بلسان القال، أو بلسان الحال؟ واختار كُلَّا طائفةٌ، وقال

٣٦٢
كتاب صفة جهنم عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاءَ أنَّ لِلنَّارِ نفَسَيْنِ
فَجَعَلَ لَهَا نَفَسَيْنِ: نَفَسًا في الشِّتَاءِ، وَنَفَسًا في الصَّيْفِ، فَأَمَّا نَفَسُهَا في الشِّتَاءِ:
فَزَمْهَرِيرٌ، وَأمَّا نَفَسُهَا في الصَّيْفِ: فَسَمُومٌ)). [خ: ٣٢٦٠، م: ٦١٧، جه: ٤٣١٩، حم: ٧٢٠٥،
طا: ٢٨، مي: ٢٨٤٥].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ صحيحٌ، قَد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَةَ عَن النبيِّ وَّهِ مِن
غَيْرِ وَجْهٍ، وَالمُفَضَّلُ بْنُ صَالِحٍ لَيْسَ عِنْدَ أهْلِ الحَديثِ بِذَلِكَ الحَافِظِ.
[٢٥٩٣] (٢٥٩٣) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أبُو دَاودَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ
وَهِشَامٌ، عَن قَتَادَةَ عَن أَنَسٍ، أَنَّ رَسُوْلَ الله ◌َِّ قَالَ: قال هشام: ((يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ))
ابن عبد البر: لكلا القولين وجهٌ ونظائر، والأول أرجحُ، وقال عياضٌ: إنه الأظهر، وقال
القرطبي: لا إحالة في حمل اللفظ على حقيقته، قال: وإذا أخبر الصادق بأمر جائز، لم
يُحْتَجْ إلى تأويله، فحمله على حقيقته أولى، وقال النووي نحو ذلك، ثم قال: حملُهُ على
حقيقته هو الصواب، وقال نحو ذلك التوربشتي.
ورجح البيضاوي حملَهُ على المجاز، فقال: شكواها مجازٌ عن غليانها، وأكلها بعضها
بعضًا مجازٌ عن ازدحام أجزائِها، وتَنَفُّسُها مجازٌ عن خروج ما يبرز منها.
وقال الزين بن المنير: المختارُ حملُهُ على الحقيقة؛ لصلاحية القدرة لذلك، ولأن
استعارة الكلام للحال ـ وإن عهدت وسمعت - لكن الشكوى وتفسيرها، والتعليل له،
والإذن، والقبول، والتنفس، وقصره على اثنين فقط، بعيد من المجاز، خارجٌ عَمَّا ألف من
استعماله. انتهى ما في ((الفتح)).
(فجعل لها نفسين) بفتح الفاء، والنفس معروفٌ، وهو ما يخرج من الجوف، ويدخل فيه
من الهواء، (فأما نفسها في الشتاء فزمهرير) قال الحافظ: المراد بالزمهرير: شدةُ البرد،
واستشكل وجوده في النار، ولا إشكال؛ لأن المراد بالنار محلها، وفيها طبقة زمهريرية، وفي
الحديث رَدٌّ على من زعم من المعتزلة وغيرهم أن النار لا تخلق إلّا يوم القيامة. انتهى. (أما
نفسها في الصيف فسموم) بفتح السين: الريح الحارة، تكون غالبًا بالنهار.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
[٢٥٩٣] قوله: (قال هشام) أي: في حديثه، (يخرج) قال الحافظ: بفتح أوله وضم
الراء، ويروى بالعكس، ويؤيده قولُه في الرواية الأخرى: ((أخرجوا))،

٣٦٣
كتاب صفة جهنم عن رسول الله وَاجِ / باب مَا جَاءَ أنَّ لِلنَّارِ نفَسَيْنِ
وَقَالَ شعبة: ((أخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَن قَالَ: لا إلَهَ إلَّا اللّهَ وَكَانَ في قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا
يَزِنُ شَعِيرَةً، أخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَن قَالَ: لا إلَهَ إِلَّ اللهَ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ
بُرَّةً، أخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَن قَالَ: لا إلَهَ إِلَّ اللهَ وَكَانَ في قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً».
وَقَالَ شعبة: مَا يَزِنُ ذَرَةً مُخَفَّفَةً. [خ: ٤٤، م مطولًا: ١٩٣، جه مطولًا: ٤٣١٢، حم: ١١٧٤٣ ].
(وقال شعبة) أي: في حديثه، (أخرجوا)، بصيغة الأمر من الإخراج، (من قال: لا إله إلا الله)
قال الحافظ: فيه دليلٌ على اشتراط النطق بالتوحيد، أو المراد بالقول هنا القولُ النفسي،
فالمعنى: مَنْ أَقَرَّ بالتوحيدِ وَصَدَّقَ، فالإقرار لا بدَّ منه، فلهذا أعاده في كلِّ مرة، والتفاوت
يحصل في التصديق، فإن قيل: فكيف لم يذكر الرسالة؟ فالجوابُ: أن المراد المجموع،
وصار الجزء الأول علمًا عليه؛ كما تقول: قرأتُ ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١]، أي:
السورة کلها. انتهى.
(وكان في قلبه من الخير) أي: من الإيمان؛ كما في رواية، (ما يزن) أي: يعدل (برة)
بضم الموحدة، وتشديد الراء المفتوحة: وهي القمحة، قال الحافظ: ومقتضاه: أن وزن البرة
دون وزن الشعيرة؛ لأنه قدم الشعيرة وتلاها بالبرة، ثم الذرة، وكذلك هو في بعض البلاد،
فإن قيل: إن السياق - يعني: سياقَ البخاري - بالواو، وهي لا ترتب، فالجواب: أن رواية
مسلم من هذا الوجه بلفظ ((ثم))، وهي للترتيب. انتهى.
(وكان في قلبه ما يزن ذرة) بفتح المعجمة، وتشديد الراء المفتوحة، قال الحافظ في:
((الفتح)): قيل: هي أقل الأشياء الموزونة، وقيل: هي الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس،
مثل رؤوس الإبر، وقيل: هي النملة الصغيرة، ويروى عن ابن عباس أنه قال: إذا وضعتَ
كفَّكَ في الترابِ، فنفضتها، فالساقطُ هو الذر، ويقال: إن أربع ذرات وزن خردلة،
وللمصنف(١) في أواخر ((التوحيد)) من طريق حميد عن أنس مرفوعًا: ((أَدْخِلِ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ
فِي قَلِهِ خَرْدَلَةٌ، ثُمَّ [أَقُولُ: أَدْخِلِ الجنةَ] مَنْ كان فِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَيْءٍ»، وهذا معنى الذرة.
انتھی.
(وقال شعبة) أي: في حديثه، (ما يزن ذرة مخففة) أي: بضم الذال المعجمة، وفتح
الراء المخففة، قال الحافظ: صحفها - يعني: الذرة - شعبة، فيما رواه مسلمٌ، من طريق
يزيد بن زريع عنه، فقال: ((ذرة)) بالضم وتخفيف الراء، وكأن الحامل له على ذلك كونها من
(١) البخاري، كتاب التوحيد، حديث (٧٥٠٩).

٣٦٤
كتاب صفة جهنم عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ أنَّ لِلنَّارِ نفَسَيْنِ
وفي البابِ عَن جَابِرٍ وأبِي سَعِيدٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢٥٩٤] (٢٥٩٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَن مُبَارَكِ بْنِ فَضالَةً
عَن عُبَيْدِ الله بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ عَن أَنَسٍ،َ عَنِ النَّبِّ وَلِ قَالَ: ((يَقُولُ الله: أخْرِجُوا
مِنَ النَّارِ مَن ذَكَرَنِي يَوْمًا أوْ خَافَنِي فِي مَقَام)). [فيه ضعف، مبارك بن فضالة، يدلِّس كثيرًا ويُسوِّي].
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
الحبوب، فناسبت الشعيرة والبرة، قال مسلم في روايته: قال يزيدُ: صحف فيها أبو بسطام،
يعني شعبة. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن جابر وعمران بن حصين) أما حديث جابر، فأخرجه الترمذي في
هذا الباب.
وأما حديث عمران بن حصين، فأخرجه البخاريُّ، وأبو داود، وابن ماجه عنه مرفوعًا :
(يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَتِهِ فَيَدْخُلُون الْجَنَّةَ وَيُسَمَّوْنَ الجهنميين)) هذا لفظ البخاري.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
[٢٥٩٤] قوله: (عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس) بن مالك أبي معاذ، الأنصاري، ثقة،
من الرابعة.
قوله: (أخرجوا من النار من ذكرني) أي: بشرط كونه مؤمنًا مخلصًا، (يومًا) أي: وقتًا
وزمانًا، (وخافني في مقام) أي: مكان في ارتكاب معصية من المعاصي، كما قال تعالى:
﴿وَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَىِ ﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠-٤١]، قال
الطيبي رحمه الله: أراد الذكر بالإخلاص، وهو توحيد الله عن إخلاص القلب وصدق النية،
وإلا فجميع الكفار يذكرونه باللسان دون القلب، يدل عليه قوله وصلفيه: ((من قال: لا إله إلا الله
خالصًا من قلبه دخل الجنة))، والمراد بالخوف كف الجوارح عن المعاصي وتقيدها
بالطاعات، وإلا فهو حديث نفس وحركة لا يستحق أن يسمى خوفًا، وذلك عند مشاهدة
سبب هائل، وإذا غاب ذلك السبب عن الحس، رجع القلب إلى الفضلة. قال الفضيل: إذا
قيل لك: هل تخاف الله؟ فاسكت، فإنك إذا قلت: لا، كفرتَ، وإذا قلت: نعم، كذبت،
أشار به إلى الخوف الذي هو كف الجوارح عن المعاصي.
قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح) وأخرجه البيهقي في كتاب ((البعث والنشور)).

٣٦٥
كتاب صفة جهنم عن رسول الله ◌َ و / باب منه
١٠- باب منه [ت١٠، م١٠]
[٢٥٩٥] (٢٥٩٥) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَن الأَعْمَشِ عَن إِبْرَاهِيمَ عَن
عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ عَن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إنِّي لأَعْرِفُ آخِرَ
أهْلِ النَّارِ خُرُوجًا: رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهَا زَحْفًا فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ أَخَذَ النَّاسُ المَنَازِلَ،
قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: انْطَلِقْ إلى الجنة فَادْخُلِ الجَنَّةَ، قَالَ: فَيَذْهَبُ لِيَدْخُلَ فَيَجِدِ النَّاسَ قَدْ
أَخَذُوا المَنَازِلَ، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ أَخَذَ النَّاسُ المَنَازِلَ، قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ:
أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي كُنْتَ فِيه؟ فَيَقُولُ: نَعَم،
١٠ - باب منه
[٢٥٩٥] قوله: (عن إبراهيم) هو النخعي، (عن عبيدة) - بفتح أوله - ابن عمرو،
(السلماني) - بسكون اللام، ويُقال: بفتحها - المرادي، أبي عمرو، الكوفي، تابعي کبیر،
مخضرم، ثقة، ثبت، كان شريح إِذَا أَشْكَلَ عليه شيءٌ سَأَلَهُ.
قوله: (إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا) زاد البخاري، وكذا مسلم (١): ((وآخرَ أَهْلٍ
الجَنَّةِ دُخُولًا)). قال القاري: الظاهرُ أنهما متلازمان، فالجمع بينهما للتوضيح، ولا يبعد أن
يكون احترازًا مِمَّا عسى أن يُتوهم من حبس أحد في الموقف من أهل الجنة حينئذٍ، (رجل .
يخرج منها) أي: من النار، (زحفًا) وفي رواية للشيخين: ((حَبْوًا))، قال النووي: قال أهل
اللغة: الحبو: المشي على اليدين والرجلين، وربما قالوا: على اليدين والركبتين، وربما
قالوا: على يديه ومقعدته، وأما الزحف، فقال ابن دريد وغيره: هو المشي على الإستِ، مع
إشرافه بصدره، فحصل من هذا أن الحبو والزحف متماثلان أو متقاربان، ولو ثبت اختلافهما
حُمل على أنه في حال يَزْحَفُ، وفي حال يحبو. انتهى.
(قال: فيذهب ليدخل فيجد الناس قد أخذوا المنازل، فيرجع فيقول: يا رب، قد أخذ
الناس المنازل) يعني: وليس لي مكان فيها، وفي رواية للشيخين(٢) قال: ((فيأتيها فَيُخَيَّلُ إليه
أَنَّها مَلَأَى، فَيَرْجِعُ فيقولُ: يا رب، وجدتُها ملأى))، (فيقال له: أتذكر الزمان الذي كنت فيه؟)
(١) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (١٨٦).
(٢) البخاري، كتاب الرقاق، حديث (٦٥٧١) ومسلم، كتاب الإيمان، حديث (١٨٦).

٣٦٦
كتاب صفة جهنم عن رسول الله ◌َلا ير / باب منه
فَيُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ، قَالَ: فَيَتَمَنَّى، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ ما تَمَنَّيْتَ وَعَشْرَةَ أضْعَافِ الدُّنْيَا،
قَالَ: فَيَقُولُ أَتَسْخَرُ بِي وَأَنْتَ المَلِكُ)). قَالَ: فَلَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِّ ضَحِكَ حَتَّى
بَدَتْ نَوَاجِذَهُ. [خ: ٦٥٧١، م: ١٨٦، جه: ٤٣٣٩، حم: ٣٥٨٤].
أي: الدنيا. كذا قال الحافظ، (فيقال له: تمن) أمر مخاطب من التمني، وفي بعض النسخ:
((تمنه)) بزيادة هاء السكتة، (فيقال له: فإن لك الذي تمنيت وعشرة أضعاف الدنيا) وفي رواية:
((عشرة أمثال الدنيا)).
قال النووي: هاتان الروايتان بمعنى واحد، وإحداهما تفسير الأخرى، فالمراد
بالأضعاف: الأمثال، فإن المختار عند أهل اللغة أَنَّ الضعف المثل. انتهى.
(فيقول: أتسخر بي وأنت الملك) قال النووي: في معنى ((أتسخر بي)) أقوال:
أحدها: قاله المازري: إنه خرج على المقابلة الموجودة في معنى الحديث دون لفظه؛
لأنه عَاهَدَ الله مِرَارًا أَلَّا يسأله غَيْرَ ما سأل، ثم غدر، فَحَلّ غدره محل الاستهزاء والسخرية،
فقدر الرجل أن قول الله تعالى له: ((أدخل الجنة))، وتردده إليها، وتخييل كونها مملوءة ضربٌ
من الإطماع له والسخرية به؛ جزاءً لما تقدم من غدره وعقوبةً له، فسمَّى الجزاء على السخرية
سخرية، فقال: أتسخَر بي، أي: تعاقبني بالإطماع.
والقول الثاني: قاله أبو بكر الصوفي: أن معناه نفي السخرية، التي لا تجوز على الله
تعالى؛ كأنه قال: ((اعلم أنك لا تهزأ بي؛ لأنك رب العالمين، وما أعطيتني من جزيل
العطاء، وأضعاف مثل الدنيا حقٌّ، ولكن العجب أنك أعطيتني هذا، وأنا غير أهل له))، قال:
والهمزةُ في ((أتسخر بي)) همزة نفي، قال: وهذا كلام منبسط متدلل.
والقول الثالث: قاله القاضي عياض: أن يكون هذا الكلام صدر من هذا الرجل وهو
غيرُ ضابطٍ لما ناله من السرور ببلوغ ما لم يخطر بباله، فلم يضبط لسانه دهشًا وفرحًا، فقاله
وهو لا يعتقد حقيقة معناه، وجرى على عادته في الدنيا في مخاطبة المخلوق، وهذا كما قال
النبي ◌َ﴿ في الرجل الآخر: ((إنه لم يضبط نفسه من الفرح))، فقال: ((أنت عبدي وأنا ربك)).
انتھی .
(ضحك حتى بدت نواجذه) قال النووي: هو بالجيم والذال المعجمة، قال أبو العباس
ثعلب وجماهير العلماء من أهل اللغة وغريب الحديث وغيرهم: المراد بالنواجذ هنا
الأنياب، وقيل: المراد بالنواجذ هنا الضواحك، وقيل: المراد بها الأضراس، وهذا هو

٣٦٧
كتاب صفة جهنم عن رسول اللّه ◌َاقو / باب منه
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢٥٩٦] (٢٥٩٦) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَن الأَعْمَشِ عَنِ المَعْرُورِ بْنِ
سُوَيْدٍ عَن أَبِي ذَرِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ: ((إِنِّي لأَعْرِفُ آخِرَ أهْلِ النَّارِ خُرُوجًا
مِن النَّارِ وَآخِرَ أهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ، يُؤْتَى بِرَجُلٍ، فَيَقُولُ: سَلُوا عَن صِغَارٍ ذُنُوبِهِ
وَاخْبئوا كِبَارَهَا، فَيُقَالُ لَهُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، عَمِلْتَ كَذَ وَكَذَا فِي يَوْمِ
كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، قَالَ:
الأشهر في إطلاق النواجذ في اللغة، ولكن الصواب عند الجماهير ما قدمناه، قال: وفي هذا
جواز الضحك وأنه ليس بمكروهٍ في بعض المواطن، ولا بمسقط للمروءة، إذا لم يجاوز به
الحد المعتاد من أمثاله في مثل تلك الحال. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
[٢٥٩٦] قوله: (عن المعرور بن سويد) هو بالعين المهملة، والراء المكررة.
قوله: (وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة) أي: فيها، (يؤتى برجل) وزاد مسلم: ((يوم
القيامة)) (فيقول: سلوا عن صغار ذنوبه) وفي رواية مسلم(١): ((فيقال: اعرضوا عليه صغار
ذنوبه))، (وأخبئوا كبارها) ضبط في النسخة الأحمدية المطبوعة بالقلم، بفتح الهمزة، وكسر
الموحدة، وقال في هامشها: ((أمرٌ من الإخباء، وهو الإخفاء)). انتهى.
قلت: الظاهرُ أنه أمرٌ من الخبء، قال في ((القاموس)): ((خبأه - كمنعه -: ستره، كخَبَّأه
واختبأه)). انتهى، وقال في ((النهاية)) يُقال: خبأت الشيء أخبأه خباً، إذا أخفيته، (يوم كذا
وكذا) أي: في الوقت الفلاني، (عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا) زاد مسلمٌ: ((فيقول:
نعم، لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ، وهو مشفقٌ من كبارِ ذنوبِهِ أَن تُعْرَضَ عليه))، (فإنَّ لك مكان كل
سيئة حسنة) قال القاري: وهو إما لكونه تائبًا إلى الله تعالى وقد قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ
وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَنتُ﴾ [الفرقان: ٧٠]، لكن يشكل
بأنه: كيف يكون آخر أهل النار خروجًا؟، ويمكن أن يقال: فعل بعد التوبة ذنوبًا اسْتَحَقَّ بها
العِقَابَ، وإما وقع التبديل له من باب الفضل من الله تعالى، والثاني أظهر، ويؤيدُه أنه حينئذٍ
(١) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (١٩٠).

٣٦٨
كتاب صفة جهنم عن رسول الله ◌َ و / باب منه
فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَقَدْ عَمِلْتُ أشْيَاءَ مَا أَرَاهَا هَاهُنَا)). قَالَ: فَلَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهُ
ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. [م: ١٩٠، حم: ٢٠٨٨٥].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢٥٩٧] (٢٥٩٧) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، أخْبَرَنَا أبُو مُعَاوِيَةَ عَن الأَعْمَشِ عَن أبِي سُفْيَانَ
عَنِ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يُعَذَّبُ نَاسٌ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ في النَّارِ حَتَّى
يَكُونُوا فِيهَا حُمَمًا، ثُمَّ تُدْرِكُهُمُ الرَّحْمَةُ فَيُخْرَجُونَ وَيُظْرَحُونَ عَلَى أَبْوَابِ الجَنَّةِ،
قَالَ: فَيَرُشُّ عَلَيْهِمْ أهْلُ الجَنَّةِ المَاءَ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الغُثَاءُ فِي حمَالَةِ السَّيْلِ، ثُمَّ
يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ)). [حم: ١٤٧٧٦].
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقدْ رُوِيَ مِن غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ جَابِرٍ .
يطمع في كرم الله سبحانه، (فيقول: يا رب لقد عملت أشياء) أي: من الكبائر، (ما أراها
ههنا) أي: في الصَّحَائف، أو في مقام التبديل.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم في أواخر ((كتاب الإيمان)).
[٢٥٩٧] قوله: (حتى يكونوا فيها حممًا) بضم الحاء، وفتح الميم الأولى المخففة، وهو
الفحم، الواحدة حممة، (ويطرحون على أبواب الجنة) وفي رواية مسلم(١): ((فيجعلون بفناءِ
الجنَّةِ»، (فيرش عليهم أهل الجنة الماء) أي: ماء الحياة؛ كما في حديث أبي هريرة عند
البخاري في باب الصراط جِسْرُ جَهَنَّمَ، (فينبتون كما ينبت الغثاء) - بضم الغين المعجمة
بعدها مثلثة مفتوحة، وبعد الألف همزة -: وهو في الأصل كُلُّ ما حمله السيلُ من عيدان،
وورق، وبذور، وغيرها، والمراد به هنا ما حمله من البذور خاصة، (في حمالة السيل)
حمالة السيل: ما يحمله السيل من غثاء أو طين، والمراد أن الغثاء الذي يجيء به السيل
يكون فيه الحبة فيقع في جانب الوادي، فتصبح من يومها نابتة، قال النووي: المراد التشبيهُ
في سرعةِ النباتِ وحسنه وطراوته. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم مطولًا .
(١) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (١٩١).

٣٦٩
كتاب صفة جهنم عن رسول الله ◌َ* / باب منه
[٢٥٩٨] (٢٥٩٨) حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَن
زَيْدِ بْنِ أُسْلَمَ عَن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ قَالَ: ((يَخْرُجُ
مِنَ النَّارِ مَن كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الإِيمَانِ)) قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَمَنْ شَكَّ فَلْيَقْرَأ
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]. [حم: ١٠٦٩٣].
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢٥٩٩] (٢٥٩٩) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، أخْبَرَنَا عَبْدُ الله بن المبارك، أخْبَرَنَا
رِشْدِينُ، قال: حَدَّثَنِي ابنُ أَنْعُمْ عَن أبِي عُثمانَ؛ أنَّهُ حَدَّثَهُ عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَن
رَسُولِ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((إِنَّ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ دَخَلَ النَّارَ اشْتَدَّ صِيَاحُهُمَا
[٢٥٩٨] قوله: (فمن شك) وفي رواية مسلم (١): ((إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بهذا الحديثِ،
فاقرأوا إن شئتم ... إلخ)) (﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾﴾ [النساء: ٤٠]، فسر البخاري قوله
تعالى: ﴿مِثْقَالِ ذَرَّقْ﴾ بقوله: يعني زنة ذرة، قال الحافظ: هو تفسير أبي عبيدة، قال في قوله
تعالى: ﴿مِثْقَالُ ذَرَّق﴾ أي: زنة ذرة، ويقال: هذا مثقال هذا، أي: وزنه، وهو مفعال من
الثقل. انتهى، وقد تقدم معنى الذرة في شرح الحديث الثاني من هذا الباب.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان مطولًا .
[٢٥٩٩] قوله: (حدثني ابن أنعم) اسمه: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، (عن أبي عثمان)
قال في ((تهذيب التهذيب)): أبو عثمان عن أبي هريرة: ((أَنَّ رجلين مِمَّنْ دَخَلَ النَّارَ اشتدَّ
صياحُهُمَا ... ))(٢) الحديث، وعند عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، قال ابن عساكر: إن لم
يكن مسلمُ بن يسار، فلا أدري من هو، ويجوز أن يكون هو أبو عثمان الأصبح: عبيد بن
عمرو، ويحتمل أن يكون غيرهما .
وقال في ((التقريب)): أبو عُثْمَانَ شَيْخُ لعبد الرحمن بن زياد، هو مسلم بن يسار، وإلا
فمجهول، من الثالثة. انتهى.
قوله: (ممن دخلا)، كذا وقع في بعض النسخ بصيغة التثنية، ووقع في بعضها: ((دخل)
بصيغة الإفراد، وهو الصواب، (اشتد صياحهما) في ((القاموس)): الصَّيْخُ، والصيحة،
(١) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (١٨٣).
(٢) وأخرجه ابن المبارك في ((الزهد))، حديث (٤١٠).

٣٧٠
كتاب صفة جهنم عن رسول الله وَالقر / باب منه
فَقَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: أخْرِجُوهُمَا، فَلَمَّا أُخْرِجَا قَالَ لهما: لأيِّ شَيْءٍ اشْتَدَّ
صِيَاحُكُمَا؟ قَالا: فَعَلْنَا ذَلِكَ لِتَرْحَمَنَا، قَالَ: إنَّ رَحْمَتِي لَكُمَا أنْ تَنْطَلِقَا فَتُلْقِيَا
أَنْفُسَكُمَا حَيْثُ كُنْتُمَا مِنَ النَّارِ، فَيَنْطَلِقَانِ، فَيُلْقِي أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ فَيَجْعَلُهَا عَلَيْهِ بَرْدًا
وَسَلَامًا، وَيَقُومُ الآخَرُ فَلا يُلْقِي نَفْسَهُ، فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: مَا مَنَعَكَ أنْ تُلْقِيَ
نَفْسَكَ كَمَا ألقَى صَاحِبُكَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ إنِّي لأرْجُو أنْ لا تُعِيدَنِي فِيهَا بَعْدَ مَا
أُخْرَجْتَنِي، فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ [عَزَّ وَجَلَّ]: لَكَ رَجَاؤْكَ فَيَدْخُلَانِ جَمِيعًا الجَنَّةَ
بِرَحْمَةِ الله)). [ضعيف].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: إِسْنَادُ هَذَا الحَدِيثِ ضَعِيفٌ لأَنَّهُ عَن رِشْدِينَ بْنِ سعْدٍ،
وَرِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ هُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أهْلِ الحَديثِ، عَن ابنِ أنعمِ وَهُوَ الإِفْرِيقِيُّ،
وَالإِفِرِيقِيُّ ضَعِيفٌ عِنْدَ أهْلِ الحَديثِ.
[٢٦٠٠] (٢٦٠٠) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ،
والصياح، بالكسر والضم، والصيحان محركة: الصوت بأقصى الطاقة، (فقال الربُّ تبارك
وتعالى) أي: للزبانية، (قالا: فعلنا ذلك) أي: اشتداد الصياح، (رحمتي لكما أن تنطلقا)
أي: تذهبا، (فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار) قال الطيبي رحمه الله: قوله: ((أن تنطلقا
فتلقيا)) خبر أن، فإن قلت: كيف يجوز حمل الانطلاق إلى النار وإلقاء النفس فيها على
الرحمة، قلت: هذا من حمل السبب على المسبب، وتحقيقه أنهما لما فرطا في جنب الله،
وقصرا في العاجلة في امتثال أمره، أمرا هنالك بالامتثالِ في إلقاءِ أَنْفُسِهِمَا في النار؛ إيذانًا
بأنَّ الرحمةَ إِنَّما هي مترتبة على امتثالِ أمر الله عزَّ وجلَّ، (فيلقي أحدهما نفسه) أي: في
النار، (فيجعلها) الله، (عليه بردًا وسلامًا) أي: كما جعلها بردًا وسلامًا على إبراهيم، (ويقوم
الآخر) أي: يقف، (ما منعك أن تلقي نفسك) أي: من إلقائها في النار، (كما ألقى
صاحبك؟) أي: كإِلقائه فيها (لك رجاؤك) أي: مقتضاه ونتيجته، كما أَنَّ لصاحبك خوفه
وعمله بموجبه، (فيدخلان)، بصيغة المجهول من الإدخال، أي: فيدخلهما الله، ويجوز أن
يكون بصيغة المعلوم من الدخول.
[٢٦٠٠] قوله: (أخبرنا يحيى بن سعيد) بن فَرُّوخ، التَّمِيمي، أبو سعيد القَطَّان،

٣٧١
كتاب صفة جهنم عن رسول الله وَلخير / باب منه
حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ عَنِ أبِي رَجَاءِ العُطَارديِّ، عَنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ
وَِّ قَالَ: ((لَيَخْرُجَنَّ قَوْمٌ مِن أَمَّتِي مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَتِي، يُسَمَّوْنَ: الجَهَنَّمِيُّونَ)).
[خ: ٦٥٦٦، جه: ٤٣١٥، د: ٤٧٤٠].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَأَبُو رَجَاءِ العُطَارِدِيُّ اسْمُهُ:
عِمْرَانُ بْنُ تَيم، وَيُقَالُ: ابنُ مِلْحَانَ.
[٢٦٠١] (٢٦٠١) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بنُ نَصْرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله عَن يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ الله
عَن أبِيه عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((مَا رَأيْتُ مِثْلَ النَّارِ نَامَ هَارِبُهَا،
وَلا مِثْلَ الجَنَّةِ نَامَ طَالِيُهَا)).
البصري، ثقة، متقن، حافظ، إمام، قدوة، من كبار التاسعة، (أخبرنا الحسن بن ذكوان)
أبو سلمة البصري، صدوق، يخطئ، ورمي بالقدر، وكان يدلس، من السادسة.
قوله: (يسمون الجهنميين) جمع جهنمي، وفي بعض النسخ: ((الجهنميون)) بالواو،
فقيل: إنه علم لهم، فلم يغير، قال الحافظ في ((الفتح)): وللنسائي من رواية عمرو بن
أبي عمرو، عن أنس: «فيقول لهم أهلُ الجنة: هؤلاء الجهنميون، فيقول الله: هؤلاء
عتقاء الله))، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن أبي سعيد، وزاد: ((فيدعون الله، فيذهب عنهم
هذا الاسم))، وفي حديث حذيفة عند البيهقي في ((البعث))، من رواية حماد بن أبي سليمان،
عن ربعي عنه: ((يُقَالُ لهم: الجهنميون، فذكر لي أنهم استعفوا الله من ذلك الاسم،
فأعفاهم))، وزعم بعضُ الشراح أن هذه التسمية ليست تنقيصًا لهم، بل للاستذكار لنعمة الله،
ليزدادوا بذلك شكرًا. كذا قال، وسؤالهم إذهاب ذلك الاسم عنهم يخدش في ذلك. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري في أواخر ((الرقاق))، وأبو داود في
((السنة))، وابن ماجه في ((الشفاعة)).
[٢٦٠١] قوله: (نام هاربها) حال، إن لم تكن ((رأيت)) من أفعال القلوب، وإلا فهو
مفعول ثان، (ولا مثل الجنة نام طالبها) أي: النار شديدة، والخائفون منها نائمون غافلون،
وليس هذا شأن الهارب، بل طريقه أن يُهَرْوِلَ من المعاصي إلى الطاعات. كذا في ((التيسير))،
وقال في ((اللمعات)): ((ما رأيت مثل النار))، أي: شدة، وهو لا ينام هاربها، ومن شأن
الهارب من مثل هذا الشيء أن لا ينام، ويجدَّ في الهرب، وذلك بالتزام الطاعة، واجتناب

٣٧٢
كتاب صفة جهنم عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ أنَّ أَكْثَرَ أهْلِ النَّارِ النِّسَاء
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثٍ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ الله، وَيَحْيَى بْنِ
عُبَيْدِ الله ضَعِيفٌ عِنْدَ أكْثَر أهْلِ الحَدِيثِ، تَكَلَّمَ فِيه شُعْبَةُ، ويَحيَى بْنُ عُبيد الله هو
ابن موهبٍ، وهو مدنيّ.
١١- باب مَا جَاءَ أنَّ أَكْثَرَ أهْلِ النَّارِ النِّسَاء [ت١١، ١١٢]
[٢٦٠٢] (٢٦٠٢) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا
أيُّبُ عَنِ أبِي رَجَاءِ العُطَارِدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ:
((اطَلَعْتُ في الجَنَّةِ فَرَأيْتُ أكْثَرَ أهْلِهَا الفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ في النَّارِ فَرَأيْتُ أكْثَرَ أهْلِهَا
النِّسَاءَ)). [خ: ٦٥٤٦، م: ٢٧٣٧، حم: ٢٠٨٧].
المعاصي، ((ولا مثل الجنة))، أي: بهجة وسرورًا، ((نام طالبها))، وينبغي له أن لا ينام، ولا
يغفل عن طلبها، ويعمل عملًا يوصل إليها. انتهى.
قوله: (هذا حديث إنما نعرفه ... إلخ) وأخرجه الطبراني(١) في ((الأوسط))، عن أنس،
قال المناوي في شرحه: حسنه الهيثمي.
١١- باب ما جاء أن أكثر أهل النار النساء
[٢٦٠٢] قوله: (اطلعت في الجنة) أي: أشرفت عليها، فـ ((في)) بمعنى ((على))، كقوله
تعالى: ﴿وَلَأُصَلِيَنَّكُمْ فِ جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، (فرأيت) أي: علمت، قال الطيبي: ضمن
اطلعت بمعنى تأملت، ورأيت بمعنى علمت، ولذا عداه إلى مفعولين، ولو كان رأيت بمعناه
الحقيقي لكفاه مفعولٌ واحدٌ. انتهى.
قال الحافظ: ظاهره أنه رأى ذلك ليلةَ الإسراء، أو منامًا، وهو غير رؤيته النار وهو في
صلاة الكسوف، ووهم من وحدهما، وقال الداودي: رأى ذلك ليلةَ الإسراءِ، أو حين
خسفت الشمس. كذا قال. انتهى.
(١) الطبراني في ((الأوسط))، حديث (١٦٣٨) وقال الهيثمي (٢٣٠/١٠): وإسناده حسن.

٣٧٣
كتاب صفة جهنم عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ أنَّ أَكْثَرَ أهْلِ النَّارِ النِّسَاء
[٢٦٠٣] (٢٦٠٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابنُ أبِي عَدِيٌّ ومُحمدُ بْنُ جَعْفَرٍ
وعَبْدُ الوَهَّابِ الثقفي، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَوْفٌ - هو ابن أبِي جَمِيْلَةَ - عَنِ أبِي رَجَاءٍ
العُطَارِدِيِّ، عَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اطَّلَعْتُ فِي النَّارِ
فَرَأيْتُ أكْثَرَ أهْلِهَا النِّسَاءِ، وَاطّلَعْتُ في الجَنَّةِ فَرَأيْتُ أكْثَرَ أهْلِهَا الفُقَرَاء)). [خ: ٦٥٤٦،
حم: ١٩٣٥١].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وهَكَذَا يَقُولُ عَوْفٌ عَنِ أبِي رَجَاءٍ
عَنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَيَقُولُ أيُّوبُ عَن أبِي رَجَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَكِلَا الإِسْنَادَيْنِ
لَيْسَ فِيهِمَا مَقَالٌ، وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أَبُو رَجَاءٍ سَمِعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَقَدْ رَوَى غَيْرُ
عَوْفٍ أيْضًا هَذَا الحَدِيثَ عَنِ أبِي رَجَاءٍ عَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ .
[٢٦٠٣] قوله: (أكثر أهلها الفقراء) قال ابن بطال: هذا لا يوجب فضل الفقير على
الغني، وإنما معناه: أن الفقراء في الدنيا أكثر من الأغنياء، فأخبر عن ذلك، كما تقول: أكثر
أهل الدنيا الفقراء، إخبارًا عن الحال، وليس الفقر أدخلهم الجنة، وإنما دخلوا بصلاحهم مع
الفقر، فإن الفقير إذا لم يكن صالحًا لا يفضل، قال الحافظ: ظاهر الحديث التحريض على
ترك التوسع من الدنيا، كما أن فيه تحريض النساء على المحافظة على أمر الدين، لئلا يدخلن
النار، كما تقدم تقرير ذلك في ((كتاب الإيمان)) في حديث: ((تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهلِ
النَّارِ))، قيل: بم؟ قال ((بكفركن))، قيل: يكفرن بالله؟ قال: ((يكفرن بالإحسان))، وقال
الطيبي: إنما كان النساء أقل ساكني الجنة، لما يغلب عليهن من الهوى والميل إلى عاجِلٍ
زينةِ الدُّنيا، والإعراض عن الآخرة؛ لنقص عقلهن، وسرعة انخداعهن. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) قال الجزري: هذا الحديث رواه البخاري من حديث
عمران بن حصين، ومن حديث أبي هريرة أيضًا، ورواه مُسْلِمٌ من حديث ابن عباس، ورواه
الترمذي من حديث عمران وابن عباس كذا في ((المرقاة))
قوله: (وكلا الإسنادين ليس فيهما مقال، ويحتمل أن يكون أبو رجاء سمع منهما جميعًا)
قال الحافظ في ((الفتح)) - بعد نقل كلام الترمذي هذا -: وقال الخطيبُ في المدرج: روى
هذا الحديث أبو داود الطيالسي عن أبي الأشهب، وجرير بن حازم، وسلم بن زرير،
وحماد بن نجيح، وصخر بن جويرية، عن أبي رجاء عن عمران، وابن عباس، به، ولا نعلم
أحدًا جمع بين هؤلاء، فإن الجماعة رووه عن أبي رجاء عن ابن عباس، وسلم إنما رواه عن

٣٧٤
کتاب صفة جهنم عن رسول الله پڼ / باب
١٢- باب [ت١٢، م١٢]
[٢٦٠٤] (٢٦٠٤) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَن شُعْبَةً
عَن أبي إسْحَاقَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((إنَّ أهْوَنَ أهْلِ النَّارِ
عَذَابًا يومَ القِيَامَةِ رَجُلٌ في أخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ)). [خ: ٦٥٦١،
م: ٢١٣، حم: ١٧٩٢٣].
قَالَ أَبُو عِيْسَ: هَذَا حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَفِي البابِ عَنِ العَبَّاسِ بْنِ
عَبْدِ المُطَّلبٍ وَأَبِي سَعِيدِ الخدريِّ وَأبي هُرَيْرَةَ.
أبي رجاء، عن عمران، ولعلَّ جريرًا كذلك، وقد جاءت الرواية عن أيوب، عن أبي رجاء
بالوجهين، ورواه سعيد بن أبي عروبة، عن فطر، عن أبي رجاء عن عمران، فالحديث عن
أبي رجاء عنهما. والله أعلم. انتهى.
١٢ - باب
[٢٦٠٤] قوله: (إن أهون أهل النار) أي: أيسرهم، قال ابن التين: يحتمل أن يراد به
أبو طالب.
قال الحافظ: وقد بينت في قصة أبي طالب من المبعث النبوي أنه وقع في حديث ابن
عباس عند مسلم التصريح بذلك، ولفظه: ((أهونُ أهلِ النَّارِ عذابًا أبو طالب)).
(رجل في أخمص قدميه) - بخاء معجمة وصاد مهملة، وزن أحمر - ما لا يصل إلى
الأرض من باطن القدم عند المشي، (جمرتان) تثنية جمرة، بفتح الجيم، وسكون الميم:
وهي قطعة من نار ملتهبة.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري، ومسلم، ولفظه: ((إِنَّ أَهونَ أهلٍ
النَّارِ عذابًا مَنْ لَّهُ نعلان وشراكان من نار، يَغْلِي منهما دماغُهُ، كما يغلي المرجلُ، ما يرى أنَ
أحدًا أشدَّ منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا)).
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة، وعباس بن عبد المطلب، وأبي سعيد) أما حديث
أبي هريرة: فأخرجه الطبراني بإسناد صحيح، وابن حبان(١) في ((صحيحه))، ولفظه: قال: ((إنَّ
أَدْنَى أهل النارِ عذابًا، الذي له نعلان من نارٍ يَغْلِي منهما دماغُهُ)).
(١) الطبراني في ((الأوسط))، حديث (٦٢٧١) وابن حبان، حديث (٧٤٧٢).

٣٧٥
كتاب صفة جهنم عن رسول الله وَل قدر / باب
١٣ - باب [ت١٣، م١٣]
[٢٦٠٥] (٢٦٠٥) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو نعيم، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَن
مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبِ الخُزَاعِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَمه
يَقُولُ: ((ألا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الجَنَّةِ: كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أقْسَمَ عَلَى الله لِأَبَرَّهُ، ألا
وأما حديث عباس بن عبد المطلب، فلم أقف عليه(١)، نعم روى مسلم(٢) عن ابن عباس
عن النبي وَ ﴿ قال: ((إِنَّ أَهونَ أهلِ النارِ عذابًا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين، يَغْلِي منهما
دماغُهُ)).
وأما حديث أبي سعيد: فأخرجه مسلم(٣) مختصرًا، وغيره مطولًا، كما في ((الترغيب)).
١٣- باب
[٢٦٠٥] قوله: (أخبرنا سفيان) هو الثوري، (عن معبد بن خالد) مُرَيْر الجدلي، من
جديلة قيس، الكوفي، ثقة، عابد، من الثالثة، (سمعت حارثة بن وهب الخزاعي) هو أخو
عبيد الله بن عمر لأمه، له صحبة، نزل الكوفة. كذا في ((تهذيب التهذيب)).
قوله: (ألا أخبركم بأهل الجنة: كل ضعيف) هو برفع ((كل))؛ لأن التقدير: كل
ضعيف ... إلخ، ولا يجوز أن يكون بدلًا من ((أهل))، (متضعف) قال النووي: ضبطوه بفتح
العين وكسرها، والمشهور الفتح، ولم يذكر الأكثرون غيره، ومعناه: یستضعفه الناس،
ويحتقرونه، ويتجبرون عليه؛ لضعف حاله في الدنيا، يقال: تضعفه واستضعفه، وأما رواية
الكسر، فمعناها: متواضع، متذلل، خامل، واضع من نفسه.
قال القاضي: وقد يكون الضعف ههنا رقة القلوب، ولينها وإخباتها للإيمان، والمراد:
أن أغلب أهل الجنة هؤلاء، كما أن معظم أهل النار القسم الآخر، وليس المراد الاستيعاب
في الطرفين.
(لو أقسم على الله لأبره) قال النووي: معناه: لو حلف يمينًا طمعًا في كرم الله تعالى
بإبراره، لأبره، وقيل: لو دعاه لأجابه، يُقال: أبررت قسمه وبررته، والأول هو المشهور.
(١) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، حديث (٣٨٨٢) ومسلم، كتاب الإيمان، حديث (٢٠٩).
(٢) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (٢١٢).
(٣) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (٢١١).

٣٧٦
کتاب صفة جهنم عن رسول الله ټ/# / باب
أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ: كُلُّ عُثُلّ جَوَّاظِ مُتَكَبِّرٍ)). [خ: ٤٩١٨، م: ٢٨٥٣، جه: ٤١١٦،
حم: ١٨٢٥٣].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
انتهى، وقال في ((المجمع)): ((لو أقسم على الله))، أي: لو حلف على وقوع شيء لأبره،
أي: أوقعه الله؛ إكرامًا له وصيانةً له من الحنث؛ لعظم منزلته عنده وإن احتقر عند الناس.
انتهى، (كل عتل) بضم العين والتاء، بعدها لام ثقيلة، قال النووي: هو الجافي، الشديد
الخصومة بالباطل، وقيل: الجافي الفَظّ الغليظ، (جواظ) بفتح الجيم، وتشديد الواو،
وبالظاء المعجمة هو الجموع المنوع، وقيل: كثير اللحم، المختال في مشيته، وقيل غير
ذلك، (متكبر) أي: صاحب الكبر، وهو بطر الحق، وغمط الناس.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان، والنسائي، وابن ماجه.

٣٧٧
كتاب الإيمان عن رسول الله (15*
صَلى الله
(٤١) كتاب الإيمان عن رسول اللّه
٤١- كتاب الإيمان
قال الإمام البخاري في (صحيحه)): هو - أي الإيمان - قولٌ وفعلٌ، قال الحافظ في
((الفتح)) المراد بالقول: النطق بالشهادتين، وأما العمل، فالمراد به: ما هو أعم من عمل
القلب والجوارح، ليدخل الاعتقاد والعبادات، ومرادُ مَنْ أَدْخَلَ ذلك في تعريف الإيمان ومن
نفاه، إنما هو بالنظر إلى ما عند الله تعالى فالسلفُ قالوا: هو اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان،
وعمل بالأركان، وأرادوا بذلك أن الأعمال شرطٌ في كماله، ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة
والنقصان، كما سيأتي.
والمرجئة قالوا: هو اعتقاد ونطق فقط، والكرامية قالوا: هو نطق فقط، والمعتزلة قالوا:
هو العمل والنطق والاعتقاد.
والفارق بينهم وبين السلف: أنهم جعلوا الأعمال شرطًا في صحتِهِ، والسلفُ جعلوها
شَرْطًا في كماله، وهذا كله كما قلنا بالنظر إلى ما عند الله تعالى، وأما بالنظر إلى ما عندنا،
فالإيمانُ هو الإقرار فقط، فمن أقرّ أُجريت عليه الأحكام في الدنيا، ولم يحكم عليه بكفر إلَّا
إن اقترن به فعل يَدُلُّ على كفرِهِ، كالسجود للصنم، فإن كان الفعل لا يدل على الكفر،
كالفسق، فمن أطلق عليه الإيمان، فبالنظر إلى إقراره، ومن نفى عنه الإيمان، فبالنظر إلى
كماله، ومن أطلق عليه الكفر، فبالنظر إلى أنه فَعَلَ فِعْلَ الكافر، ومن نفاه عنه، فبالنظر إلى
حقيقته .
وأثبتت المعتزلة الواسطة، فقالوا: الفاسقُ لا مؤمنٌ ولا كافرٌ. انتهى ما في ((الفتح)).
قال العيني: فإن قلت: الإيمانُ عنده - أي: عند البخاري - قولٌ وفعلٌ واعتقادٌ، فكيف
ذكر القول والفعل، ولم يذكر الاعتقاد الذي هو الأصلُ؟ قلتُ: لا نزاع في أن الاعتقاد لا بُدَّ
منه، والكلام في القول والفعل هل هما منه أم لا؟ فلأجلِ ذلك ذكر ما هو المتنازع فيه.

٣٧٨
كتاب الإيمان عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إلهَ إلَّ الله))
١- باب مَا جَاءَ (أُمِزْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ
حَتَّى يَقُولُوا: فَا إلهَ إلَّ الله)) [١٥، ١٢]
٢٦] (٢٦٠٦) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ، عَن أبِي صَالِحٍ،
[٦.
عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِّ: ((أُمْرِتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا
إِلَهَ إِلَّ الله، فَإِذَا قالُوهَا عصموا مِنِّي
١- باب ما جاء: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله
[٢٦٠٦] قوله: (أمرت) أي: أمرني الله؛ لأنه لا آمِرَ لرسولِ الله وَّه إلا الله، وقياسه في
الصحابي إذا قال: أمرت، فالمعنى: أمرني رسولُ اللهِ وَلته، ولا يحتمل أن يريد: أمرني
صحابي آخر؛ لأنهم من حيث أنهم مجتهدون، لا يحتجون بأمر مجتهد آخر، وإذا قاله
التابعي احتمل، والحاصل أن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك، فُهِمَ منه أن الآمرَ له هو
ذلك الرئيس، (أن أقاتل) أي: بأن أقاتل، وحذف الجار من أن كثير، (حتى يقولوا: لا إله
إلا الله) وفي رواية للبخاري: ((حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئتُ
به))(١)، وكذا في رواية لمسلم، وفي حديث ابن عمر عند البخاري(٢): ((حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا
إله إلَّا الله، وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة)).
قال الحافظ: جُعلت غاية المقاتلة وجودَ ما ذكر، فمقتضاه أن من شهد، وأقام، وآتى،
عُصم دَمُهُ، ولو جحد باقي الأحكام، والجواب: أنَّ الشهادة بالرسالة تَتَضَمَّنُ التصديقَ بما
جاء به، مَعَ أَنَّ نَص الحديث، وهو قوله: ((إلَّا بحقِّ الإسلام)) يدخل فيه جميعُ ذلك.
فإن قيل: فَلِمَ لَمْ يكتف به، ونص على الصلاة والزكاة؟ فالجواب: أن ذلك لعظمهما
والاهتمام بأمرهما؛ لأنهما أُمَّا العبادات البدنية والمالية. انتهى.
(فإذا قالوها) أي: كلمة ((لا إله إلا الله))، (عصموا) أي: منعوا، وأصل العصمة من
العصام(٣)، وهو الخيط الذي يشد به فم القربة؛ ليمنع سيلان الماء، (مني) أي: من أتباعي،
(١) هذا لفظ مسلم، كتاب الإيمان، حديث (٢١).
(٢) البخاري، كتاب الإيمان، حدیث (٢٥).
(٣) هذا قلبٌ للاشتقاق، وإنما العصام مشتق من العصمة؛ لأن المصادر هي التي يشتق منها. وانظر فتح الباري
(١/ ٤١).

٣٧٩
كتاب الإيمان عن رسول الله وَاه / باب مَا جَاءَ ((أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إلهَ إلَّا الله))
دِمَاءُهُمْ وَأمْوَالَهُمْ إلَّ بحقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله)). [خ: ٢٩٤٦، م: ٢١، ن: ٣٠٩٠،
د: ٢٦٤٠، جه: ٧١، حم: ٦٨].
وفي البابٍ عَن جَابِرٍ، وأبي سعيدٍ، وَابنِ عُمَرَ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢٦٠٧] (٢٦٠٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَن عُقَيْلٍ عَن الزُّهْرِيِّ، أخْبَرَنِي
عُبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لمّا تُوُفِّيَ رَسُولُ الله
ێۇ، وَاسْتُخْلِفَ ابُو بَكْرٍ
أو من قبلي وجهة ديني، (دماءهم وأموالهم) أي: استباحتهم بالسفك والنهب المفهوم من
المقاتلة، (إلَّا بحقها) أي: بحقِّ كلمة ((لا إله إلا الله))، وفي حديث ابن عمر المذكور: ((إلَّا
بحقِّ الإسلام))، قال القاري: ((إلا بحق الإسلام))، أي: دينه، والإضافةُ لامية، والاستثناء
مفرٌ من أعمِّ عام الجار والمجرور، أي: إذا فعلوا ذلك، لا يجوز إهدار دمائهم، واستباحة
أموالهم بسبب من الأسباب إلَّا بحق الإسلام، من استيفاء قصاص نفس، أو طرف إذا قتل أو
قطع، ومن أخذ مال إذا غصب، إلى غير ذلك من الحقوق الإسلامية، كقتل لنحو زنا محصن،
وقطع لنحو سرقة، وتغريم مال لنحو إتلاف مال الغير المحترم، (وحسابهم على الله) أي: فيما
يسترون من الكفر والمعاصي بعد ذلك، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على جزاء الشرط.
والمعنى: إنا نحكم بظاهر الحال، والإيمان القولي، ونرفع عنهم ما على الكفار،
ونؤاخذهم بحقوق الإسلام، بحسب ما يقتضيه ظاهر حالهم، لا أنهم مخلصون، والله يتولى
حسابهم، فيثيب المخلص، ويعاقب المنافق، ويجازي المصر بفسقه، أو يعفو عنه.
قوله: (وفي الباب عن جابر وأبي سعيد وابن عمر) أما حديث جابر، فأخرجه مسلم
(١)
والنسائي(١) .
وأما حديث أبي سعيد، فلينظر من أخرجه، وأما حديث ابن عمر، فأخرجه الشيخان(٢).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
[٢٦٠٧] قوله: (لما توفي) بصيغة المجهول، (واستخلف) بصيغة المجهول أيضًا، أي:
(١) مسلم، كتاب الإيمان، حديث (٢١) والنسائي في ((الكبرى))، حديث (١١٦٧٠).
(٢) البخاري، كتاب الإيمان، حديث (٢٥) ومسلم، كتاب الإيمان، حديث (٢٢).

٣٨٠
كتاب الإيمان عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ ((أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إِلَّ الله))
بَعْدَهُ، كَفَرَ مَن كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ لأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ
النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أمْرِتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إلَهَ إِلَّ اللهُ،
جعل خليفة (بعده) أي: بعد وفاته وّطير (كفر من كفر) قال الخطابي: زعم الروافض أن هذا
الحديث متناقض؛ لأن في أوله: أنهم كفروا، وفي آخره: أنهم ثبتوا على الإسلام إلَّا أنهم
منعوا الزكاة، فإن كانوا مسلمين، فكيف استحل قتالهم وسبي ذراريهم؟ وإن كانوا كفارًا
فكيف احتج على عمر بالتفرقة بين الصلاة والزكاة؟ فإن في جوابه إشارة إلى أنهم كانوا مقرين
بالصلاة؟ قال: والجواب عن ذلك: بأن الذين نسبوا إلى الردة كانوا صنفين: صنفٌ رجعوا
إلى عبادة الأوثان، وصنف منعوا الزكاة، وتأولوا قولَهُ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةُ تُطَهِّرُهُمْ
وَتُزَكِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَّهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [ التوبة: ١٠٣]، فزعموا أن دفع الزكاة خاصٌّ به ◌َّ ؛
لأن غيره لا يطهرهم، ولا يصلي عليهم، فكيف تكون صلاته سكنًا لهم؟ وإنما أراد عمر
بقوله: ((تقاتل الناس)) الصنفَ الثاني؛ لأنه لا يتردد في جواز قتال الصنف الأول، كما أنه لا
يتردد في قتال غيرهم من عباد الأوثان، والنيران، واليهود والنصارى.
قال: وكأنه لم يستحضر من الحديث إلَّا القدر الذي ذكره، وقد حفظ غيره في الصلاة
والزكاة معًا، وقد رواه عبد الرحمن بن يعقوب بلفظ يعم جميع الشريعة، حيث قال فيها:
((وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ)). فإن مقتضى ذلك، أن من جحد شيئًا مما جاء به وَّهُ ودعا إليه،
فامتنع ونصب القتال، أنه يجب قتاله وقتله إذا أصَرَّ.
قال: وإنما عرضت الشبهة لما دخله من الاختصار، وكأن راويه لم يقصدْ سياق الحديث
على وجهه، وإنما أراد سياق مناظرة أبي بكر وعمر، واعتمد على معرفة السامعين بأصل
الحديث؛ كذا ذكر الحافظ كلام الخطابي ملخصًا، ثم قال:
وفي هذا الجواب نظرٌ؛ لأنه لو كان عند عمر في الحديث: ((حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا
الزكاة)) ما استشكل قتالهم؛ للتسوية في كون غاية القتال ترك كل من التلفظ بالشهادتين، وإقام
الصلاة وإيتاء الزكاة.
قال عياض: حديث ابن عمر نَصٌّ في قتال مَنْ لَمْ يُصَلِّ، ولم يزك، كمن لم يقر
بالشهادتين، واحتجاجُ عمر على أبي بكر، وجواب أبي بكر دَلَّ عَلَى أنَّهُما لم يسمعا في
الحديث الصلاة والزكاة؛ إذ لو سمعه عمر لم يحتج على أبي بكر، ولو سمعه أبو بكر لرد به
على عمر، ولم يحتج إلى الاحتجاج بعموم قوله: ((إلا بحقه)).