النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله 18 / باب
ولا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلا أَنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَاكم لَكمْ: أفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ)).
[حم: ١٤١٥].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ قَدَ اخْتَلَفُوا فِي رِوَايَتِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أبِي كَثِيرٍ، فَرَوَى
بَعْضُهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ أبِي كَثِيرٍ، عَنْ يَعِيشَ بْنِ الوَلِيدِ عَنْ مَوْلَى الزُّبَيْرِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َله
وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنِ الزُّبَيْرِ.
٥٧- باب [ت١٢٢، ٥٧٣]
[٢٥١١] (٢٥١١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَن عَُنَّةَ بْنِ
عبدِ الرَّحمنِ، عَن أبِيهِ، عَن أبي بَكْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّهِ: (مَا مِن ذَنْبِ
أجْدَرُ أنْ يُعَجِّلَ اللهُ لِصَاحِبِهِ العُقُوبَةَ في الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ في الآخِرَةِ مِنَ البَغْيِ
يراد به النفي، كعكسه المشهور عند أهل العلم. قاله القاريّ، (ولا تؤمنوا) أي: إيمانًا
كاملًا، (حتى تحابوا) بحذف إحدى التائين الفوقيتين، وتشديد الموحدة، أي: يحب بعضكم
بعضًا، (أفلا أنبئكم بما يثبت) من التثبيت، (ذلك) أي: التحابب، (أفشوا السلام بينكم) أي:
أعلنوه وعموا به مَنْ عرفتموه وغيره؛ فإنه يزيل الضغائن، ويورث التحابب، والحديث في
سنده مولی للزبير، وهو مجهول، وأخرجه أحمد، قال المنذري: رواه البزار بإسناد جيد،
والبيهقي، وغيرهما.
٥٧ - باب
[٢٥١١] قوله: (أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم) هو المعروف بابن علية، (عن عيينة)
بتحتانيتين مصغرًا، (ابن عبد الرحمن) بن جوشن - بجيم ومعجمة مفتوحتين، بينهما واو
ساكنة - الغطفاني - بفتح المعجمة والمهملة، ثم فاء - صدوق، من السابعة (عن أبيه) هو
عبد الرحمن بن جوشن، بصري، ثقة، من الثالثة.
قوله: (ما من ذنب) ((ما)): نافية، و((من)): زائدة للاستغراق، (أجدر) أي: أحرى، (أن
يعجل الله) صلة أجدر، على تقدير الباء، أي: بتعجيله سبحانه، (لصاحبه) أي: لمرتكب
الذنب، (العقوبة) مفعول يعجل، (مع ما يدخر) بتشديد الدال المهملة، وكسر الخاء
المعجمة، أي: مع ما يؤجل من العقوبة، (له) أي: لصاحب الذنب، (من البغي) أي: من

٢٦٢
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله (قَ الچو / باب
وَقَطِيعَةِ الرَّحِم)). [جه: ٤٢١١، د: ٤٩٠٢، حم: ١٩٨٦١].
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٥٨- باب [ت١٢٣، م٥٨]
[٢٥١٢] (٢٥١٢) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا ابن المُبَارَكِ عَن المُثَنَّى بْنِ
الصَّبَّحِ، عَن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَن جَدِّهِ عبدِ الله بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله
﴿ل﴿ يَقُولُ: ((خَصْلَتَانِ مَن كَانَتَا فِيهِ كَتَبَهُ اللهُ شَاكِرًا صَابِرًا، وَمَنْ لَمْ تَكُونَا فِيهِ لَمْ
يَكتُّبْهُ اللهُ شَاكِرًا وَلا صَابِرًا: مَن نَظَرَ في دِينِهِ إلَى مَن هُوَ فَوْقَهُ فَاقْتَدَى بِهِ، وَنَظَرَ في
دُنْيَاهُ إِلَى مَن هُوَ دُونَهُ فَحَمِدَ اللهَ عَلَى مَا فَضَّلَهُ بِهِ عَلَيْهِ، كَتَبَهُ الله شَاكِرًا صَابِرًا،
بغي الباغي، وهو الظلم، أو الخروج على السلطان، أو الكبر، و((من)) تفضيلية، (وقطيعة
الرحم) أي: ومن قطع صلة ذوي الأرحام.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، وابن حبان،
والحاكم(١)، وقال: صحيح الإسناد.
٥٨ - باب
[٢٥١٢] قوله: (عن المثنى بن الصباح) بالمهملة، والموحدة الثقيلة، اليماني،
الأبناوي، كنيته أبو عبد الله، أو: أبو يحيى، نزيل مكة، ضعيف، اختلط بآخره، وكان
عابدًا، من كبار السابعة.
قوله: (من نظر في دينه) أي: خصلة من نظر في أمر دينه من الأعمال الصالحة، (إلى من
هو فوقه) أي: إلى من هو أكثر منه علمًا، وعبادة، وقناعة، ورياضة، أحياء وأمواتًا، (ومن
نظر في دنياه) أي: وخصلة من نظر في أمر دنياه، وهذه الخصلة هي الثانية، (إلى من هو
دونه) أي: إلى من هو أفقر منه وأقل منه مالًا وجاهًا، (كتبه الله شاكرًا) أي: للخصلة الثانية،
(صابرًا) أي: للخصلة السابقة، ففيه لَفِّ ونشرٌ مشوش، اعتمادًا على فهم ذوي العقول، ولما
(١) سنن أبي داود (٤٩٠٢) سنن ابن ماجه (٤٢١١) صحيح ابن حبان (٤٥٥، ٤٥٦) مستدرك الحاكم (٣٣٥٩،
٧٢٨٩، ٧٢٩٠) مسند أحمد (١٩٨٦١، ١٩٨٨٥) سنن البيهقي (٢١٦٨٤) شعب الإيمان (٦٦٧٠، ٧٩٦٠)
الأدب المفرد (٢٩، ٦٧) مكارم الأخلاق (٢١١) لابن أبي الدنيا.

٢٦٣
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله ◌َلاو / باب
وَمَنْ نَظَرَ في دِينِهِ إِلَى مَن هُوَ دُونَهُ، وَنَظَرَ في دُنْيَاهُ إلَى مَن هُوَ فوقه فَأْسِفَ عَلَى مَا
فَاتَهُ مِنْهُ، لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ شَاكِرًا ولا صَابِرًا)). [ضعيف، المثنى بن الصَّبَّاح، ضعيف].
أُخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ حِزَامِ الرَّجل الصَّالحِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا
عبدُ الله بْنُ المبارك، أخْبَرَنَا المُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ عَن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَن أبِيهِ عَن جَدِّهِ
عَنِ النَّبِيِّ بَِّ نحْوَهُ. قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌّ غريبٌ، ولم يَذْكُرْ سُوَيْدُ بْنُ نصر في
حَدِيثِهِ عَن أبِیهِ.
[٢٥١٣] (٢٥١٣) حَدَّثَنَا أبو كُرَيبٍ، حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةً وَوَكِيْعٌ عَن الأعمش عَن
أبي صالح عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِِّ: ((انْظُرُوا إلَى مَن هُوَ أسْفَلَ
مِنْكُمْ، ولَا تَنْظُرُوا إِلَى مَن هُوَ فَوْقَكُمْ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ)).
[م: ٢٩٦٣، جه: ٤١٤٢، حم: ٧٤٠٠].
كان المفهوم قد يعتبر، وقد لا يعتبر، ومع اعتباره المنطوق أقوى أيضًا، صرح بما علم
ضمنًا؛ حيث قال: (وَمَنْ نَظر في دينه إلى من هو دونه) أي: في الأعمال الصالحة، وأنتجه
الغرور والعجب والخيلاء، (ونظر في دنياه إلى من هو فوقه) أي: من أصحاب المال
والجاه، وأورثه الحرص والأمل والرياء، (فأسف) بكسر السين، أي: حزن، (على ما فاته
منه) أي: من المال وغيره، بعدم وجوده، أو بحصول فقده، وقد قال تعالى: ﴿لَّكَيْلَا تَأْسَوْأ
عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَنَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]، (لم يكتبه الله شاكرًا ولا صابرًا)؛ لعدم
صدور واحد منهما منه، بل قام بضديهما من الكفران والجزع والفزع باللسان والجنان.
قوله: (حدثنا موسى بن حزام) بزاي، الترمذي، أبو عمران، نزيل بلخ، ثقة، فقيه،
عابد، من الحادية عشرة، (أخبرنا علي بن إسحاق) السلمي، مولاهم المروزي، أصله من
ترمز، ثقة، من العاشرة.
قوله: (هذا حديث حسن غريب)، في سنده المثنى بن الصباح، وهو ضعيف كما عرفت.
[٢٥١٣] قوله: (انظروا إلى من هو أسفل منكم) أي: في أمور الدنيا، (ولا تنظروا إلى
من هو فوقكم) فيها، (فإنه) أي: فالنظر إلى من هو أسفل، لا إلى من هو فوق، (أجدر) أي:
أحرى، (أن لا تزدروا) أي: بأن لا تحتقروا، والازدراء الاحتقار، فكان أصله الازتراء،
فأبدلت التاء بالدال، (نعمة الله عليكم)؛ فإن المرء إذا نظر إلى مَنْ فضل عليه في الدنيا،

٢٦٤
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله (چ / باب
هذا حديثٌ صحيحٌ.
٥٩- باب [ت١٢٤، م٥٩]
[٢٥١٤] (٢٥١٤) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلالِ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَن
سَعِيْدِ الجُرِيْرِيُّ قَالَ: ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ البَزازُ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، حَدَّثَنَا
جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَن سَعِيدِ الجُرَيْرِيِّ - المَعْنَى وَاحِدٌ- عَن أبي عُثمانَ النَّهْدِيِّ عَن
حَنْظَلَةَ الأُسَيْدِيِّ، وَكَانَ مِن كُتَّابِ النبيِّ وَّةِ: أنَّهُ مَرَّ بأبِي بَكْرٍ وَهُوَ يَبْكي: فَقَالَ: مَا
لَكَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا أَبَا بَكْرٍ، نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَلِهِ، يُذَكّرُنَا بِالنَّارِ
وَالجَنَّةِ كأنَّا رَأي عَيْنٍ، فَإِذَا رَجَعْنَا
استصغر ما عنده من نعم الله، فكان سببًا لمقته، وإذا نظر للدون، شكر النعمة، وتواضع
وحمد، فينبغي للعبد أن لا ينظر إلى تجمل أهل الدنيا، فإنه يحرك داعية الرغبة فيها
ومصداقه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوْمِ الذُّنْيَا﴾ [طه: ١٣١].
قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه أحمد، ومسلم، وابن ماجه.
٥٩ - باب
[٢٥١٤] قوله: (عن حنظلة الأسيدي) قال النووي: ضبطوه بوجهين: أصحهما،
وأشهرهما: ضم الهمزة، وفتح السين وكسر الياء المشددة، والثاني: كذلك إلا أنه بإسكان
الياء، ولم يذكر القاضي إلا هذا، والثاني وهو منسوب إلى بني أسيد، بَطْنٌ من بني تميم،
(وكان من كُتاب رسول الله وَ﴿) بضم الكاف، وتشديد الفوقية، جمع: كاتب، وكان
لرسول الله وَيُ كتَّاب يكتبون له الوحي وغيره، قال ابن الجوزي في ((التلقيح)): تسمية من كان
يكتب لرسول الله وَر: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبي بن كعب، وهو أول من كتب
له، وزيد بن ثابت الأنصاري، ومعاوية بن أبي سفيان، وحنظلة بن الربيع الأسيدي، وخالد
بن سعيد بن العاص، وأبان بن سعيد، والعلاء بن الحضرمي ه. وكان المداوم على
الكتابة له زيدٌ ومعاويةُ، وكان يكتب له رجلٌ، فافتتن وتنصر. انتهى. (یذکرنا) بالتشدید،
أي: يعظنا، (بالنار) أي: بعذابها تارة، (والجنة) أي: بنعيمها أخرى؛ ترهيبًا وترغيبًا، أو
يذكرنا الله بذكرهما أو بقربهما، (كأنا رأي عين) قال القاضي: ضبطناه ((رَأَيُ عَیْنٍ)) بالرفع،
أي: كأنا بحال من يراهما بعينه، قال: ويصح النصب على المصدر، أي: نراهما رأي عين،

٢٦٥
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله (3يوليو / باب
عافسنا الأزْوَاج والضَّيْعَة نَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ: فَوَالله إِنا لكَذَلِكَ: انْطَلِقْ بِنَا إلَى
رَسُولِ الله ◌ِّهِ، فَانْطَلَقْنَا فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِهِ قَالَ: ((مَا لَكَ يَا حَنْظَلةُ؟)) قَالَ: نَافَقَ
حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالجَنَّةِ حَتَّى كَأنَّا رَأْي عَيْن: فَإِذَا
رَجَعْنَا عافَسَا الأزوَاجَ وَالضَّيْعَةَ وَنَسِيئَا كَثِيرًا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَوْ
تَدُومُونَ عَلَى الحَالِ الَّذِي تَقُومُونَ بِهَا مِن عِنْدِي، لَصَافَحَتْكُمُ المَلائِكَةُ في
مَجَالِسِكُمْ، وَفي طُرقِكُمْ وَعَلَى فُرُشِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَة سَاعَةٌ وَسَاعَةٌ وَسَاعَةٌ)).
[م: ٢٧٥٠، جه: ٤٢٣٩، حم: ١٧١٥٧].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(عافسنا الأزواج) بالفاء والسين المهملة، قال الهراوي وغيرُهُ: معناه: حاولنا ذلك ومارسناه
واشتغلنا به، أي: عالجنا معايشنا وحظوظنا، (والضيعة) بالضاد المعجمة: وهي معاش
الرجل من مالٍ أو حرفةٍ أو صناعةٍ، (قال: نافق حنظلة) معناه: أنه خاف أنه منافق؛ حيث
كان يحصل له الخوف في مجلس النبي ◌َّ ويظهر عليه ذلك، مع المراقبة، والفكر، والإقبال
على الآخرة، فإذا خرج اشتغل بالزوجة والأولاد ومعاش الدنيا، وأصل النفاق: إظهار ما
يكتم خلافه من الشر، فخاف أن يكون ذلك نفاقًا، فأعلمهم النبي ◌َّ أنه ليس بنفاق، وأنهم
لا يكلفون الدوام على ذلك، بل ساعة ساعة، أي: ساعة كذا، وساعة كذا، (ونسينا كثيرًا)
قال الطيبي - رحمه الله -: أي: كثيرًا مما ذكرتنا به، أو نسيانًا كثيرًا، كأنا ما سمعنا منك
شيئًا قطّ، وهذا أنسب بقوله: رأي عين، (لو تدومون) أي: في حال غيبتكم منِّي، (على
الحال التي تقومون بها من عندي) أي: من صفاء القلب والخوف من الله تعالى (لصافحتكم
الملائكة) قيل: أي: علانية، وإلا فكون الملائكة يصافحون أهل الذكر حاصلٌ، وقال ابن
حجر: أي: عيانًا في سائر الأحوال، (في مجالسكم، وعلى فرشكم، وفي طرقكم) قال
الطيبي: المراد: الدوام، (ولكن يا حنظلة ساعة وساعة) أي: ساعة كذا، وساعة كذا،
يعني: لا يكون الرجل منافقًا بأن يكون في وقت على الحضور وفي وقت على الفتور، ففي
ساعة الحضور تؤدون حقوق ربكم، وفي ساعة الفتور تقضون حظوظ أنفسكم.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم.

٢٦٦
کتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله (پټ / باب
[٢٥١٥] (٢٥١٥) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ المبارك عَن شُعْبَةً،
عَن قَتَادَةَ عَن أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: ((لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأخِهِ مَا يُحِبُّ
لِنَفْسِهِ)). [خ: ١٣، م: ٤٥، ن: ٥٠٣١، جه: ٦٦، حم: ١٢٣٩٠، مي: ٢٧٤٠].
قَالَ: هذا حديث صحيحٌ.
[٢٥١٦] (٢٥١٦) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ محمدِ بْنِ مُوسَى، أخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ
المُبَارَكِ، أخْبَرَنَا لَيْتُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ لَهِيعَةً عَن قَيْس بْنِ الحَجَّاجِ، قَالَ: ح وحَدَّثَنَا
عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أخْبَرَنَا أبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ
الحَجَّاج - المَعْنَى وَاحِدٌ - عَن حَنَشِ الصَّنْعَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ
رَسُوْلِ اللهِوَّهَ يَوْمًا، فَقَالَ: ((يَا غُلَامُ، إِنِّي أَعَلِّمُكَ كَلمَاتٍ:
[٢٥١٥] قوله: (لا يؤمن أحدكم) أي: إيمانًا كاملًا، (حتى يحب لأخيه) أي: المسلم،
(ما يحب لنفسه) أي: مثل جميع ما يحبه لنفسه، قال النووي: قال العلماء: معناه: لا يؤمن
الإيمان التام، وإلا فأصل الإيمان يحصل، وإن لم يكن بهذه الصفة، والمراد: يحب لأخيه
من الطاعات والأشياء المباحات، ويدل عليه ما جاء في رواية النسائي، في هذا الحديث:
((حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه))، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح - رحمه الله -:
وهذا قد يعد من الصعب الممتنع، وليس كذلك؛ إذ معناه: لا يكمل إيمانُ أحدِكم، حتى
يحب لأخيه في الإسلام، مثل ما يحب لنفسه، والقيامُ بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل
ذلك من جهةٍ لا يزاحمه فيها، بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئًا من النعمة عليه، وذلك
سهل على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب الدغل، عافانا الله وإخواننا أجمعين. والله
أعلم.
قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان.
[٢٥١٦] قوله: (قال: وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) هو الدارمي، (أخبرنا أبو الوليد)
هو الطيالسي، اسمه: هشام بن عبد الملك، (عن حنش) بفتح الحاء المهملة، والنون الخفيفة
بعدها معجمة، قال في ((التقريب)): حنش بن عبد الله، ويقال: ابن علي بن عمرو السَّبئي -
بفتح المهملة والموحدة بعدها همزة - أبو رشدين، الصنعاني، نزيل إفريقية، ثقة، من الثالثة.
قوله: (كنت خلف النبي وَّ﴿ يومًا) أي: رديفه، (يا غلام) قال القاري: بالرفع؛ كذا في

٢٦٧
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صل 3 / باب
احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ الله تجِدْهُ تجَاهَكَ، إِذَا سَألْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ
فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلَّ
بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ
كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُف)). [حم: ٢٦٦٤].
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٦٠- باب [ت١٢٥، م٦٠]
[٢٥١٧] (٢٥١٧) حَدَّثَنَا أبو حفص عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ
القَطّانُ، حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ بْنُ أبي قُرَّةَ السَّدُوسيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ:
الأصول المعتمدة، والنسخ المتعددة، يعني: من ((المشكاة))، والظاهر: كسر الميم، بناء على
أن أصله ((يا غلامي)) بفتح الياء وسكونها ثم بعد حذفها تخفيفًا اكتفى بكسرٍ ما قبلها،
(احفظ الله) أي: في أمره ونهيه، (يحفظك) أي: يحفظك في الدنيا من الآفات
والمكروهات، وفي العقبى من أنواع العقاب والدركات، (احفظ الله تجده تجاهك) قال
الطيبي: أي: راع حق الله، وتحر رضاه، تجده تجاهك، أي: مقابلك وحذاءك، والتاء: بدل
من الواو، كما في تقاة وتخمة، أي: احفظ حق الله تعالی حتَّی یحفظك الله من مکارِه الدنيا
والآخرة، (إذا سألت) أي: أردت السؤال، (فاسأل الله) أي: وحده؛ لأن غَيْرَهُ غير قادرٍ على
الإعطاء، والمنع، ودفع الضرر، وجلب النفع، (وإذا استعنت) أي: أردت الاستعانة في
الطاعة وغيرها من أمور الدنيا والآخرة، (فاستعن بالله)؛ فإنه المستعان، وعليه التكلان
(رفعت الأقلام وجفت الصحف) أي: كتب في اللوح المحفوظ ما كتب من التقديرات، ولا
يكتب بعد الفراغ منه شيء آخر، فعبر عن سبق القضاء والقدر برفع القلم، وجفاف الصحيفة؛
تشبيهًا بفراغ الكاتب في الشاهد من كتابته.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد (١).
٦٠ - باب
[٢٥١٧] قوله: (أخبرنا المغيرة بن أبي قرة السدوسي) قال في ((التقريب)): مستور، من
الخامسة، قال في ((تهذيب التهذيب)): وَتَّقَهُ ابْنُ حِبَّان.
(١) أحمد، حديث (٢٦٦٤).

٢٦٨
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله (چلڼ / باب
قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله: أعْقِلهَا وَأَتَوَكَّلُ أوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَثَّلُ؟ قَالَ: ((اعقِلهَا
وَتَوَكَّلْ)).
قَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ يَحْيَى: وهَذَا عِنْدِي حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِن حَدِيثٍ أَنَسٍ، لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن هَذَا
الوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَن عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ عَن النبيِّ وَِّ نَحْوِ هَذَا.
[٢٥١٨] (٢٥١٨) حَدَّثَنَا أبُو مُوسَى الأنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ إِدْرِيسَ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ بُرَيْدِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ عَن أبي الحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ
عَلِيٍّ مَا حَفِظْتَ مِن رَسُولِ اللهِ وَّهِ؟ قَالَ: حَفِظْتُ مِن رَسُولِ اللهِ وَلِ: ((دَعْ مَا يَرِيبُكَ
إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ،
قوله: (أعقلها) بصيغة المتكلم، وحرف الاستفهام محذوف، قال في ((القاموس)): عَقَلَ
البعير: شد وظيفه إلى ذراعه، كعقله واعتقله. انتهى. (وأتوكل) أي: على الله بعد العقل،
(أو أطلقها) أي: أرسلها (وأتوكل) أي: على الله بعد الإرسال، (قال: اعقلها) قال
المناوي: أي: شد ركبة ناقتك مع ذراعيها بحبل، (وتوكل) أي: اعتمد على الله؛ وذلك لأن
عقلها لا ينافي التوكل.
قوله: (قال يحيى) هو ابن سعيد القطان، (وهذا عندي حديث منكر) لعل كونه منكرًا
عنده لأجل المغيرة بن أبي قرة، قال ابن القطان: لا يُعرف حاله، وقال غيرهُ: كان كاتب
يزيد بن المهلب، وفتح معه جرجان في أيام سليمان بن عبد الملك، كذا في ((تهذيب
التهذيب))، (وقد روي عن عمرو بن أمية الضمري) صحابي مشهور.
[٢٥١٨] قوله: (حدثنا أبو موسى الأنصاري) الظاهر أنه هو إسحاق بن موسى الأنصاري.
قوله: (دع) أي: اترك، (ما يريبك) بفتح الياء وضمها، والفتح أشهر، والريب: الشك،
وقيل: هو الشك مع التهمة، (إلى ما لا يريبك) قال التوربشتي: أي: اترك ما اعترض لك من
الشك فيه، منقلبًا عنه إلى ما لا شك فيه، يقال: دع ذلك إلى ذلك، استبدله به. انتهى.
والمعنى: اترك ما تشك فيه من الأقوال والأعمال أنه منهيّ عنه أو لا، أو سنَّة أو بدعة،
واعدل إلى ما لا تشك فيه منهما، والمقصود: أن يبني المكلف أمره على اليقين البحت،
والتحقيق الصرف، ويكون على بصيرة في دينه.

٢٦٩
کتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله {چ / باب
فَإِنَّ الصِّدْقَ ظُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الكَذِبَ رِيبَةٌ)). [ن: ٥٧٢٧، حم: ٢٧٨١٩، مي: ٢٥٣٢].
وَفِي الحَدِيثِ قِصَّةٌ. قَالَ: وَأَبُو الحوْرَاءِ السَّعْدِيُّ اسْمُهُ: رَبِيعَةُ بْنُ شَيْبَانَ قَالَ:
وَهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. حَدَّثَنَا بندارٌ محمد بن بشار، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ جَعْفٍ
المخرميُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ بُرَيْدٍ، فَذَكر نحْوَهُ.
[٢٥١٩] (٢٥١٩) حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ الطائيُّ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ
أبي الوَزِيرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرِ المَخْرَمِيُّ عَن محمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحمنِ عن نُبَيْهِ،
عَن محمدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنِ جَابِرٍ، قَالَ: ذُكِرَ رَجُلٌ عِنْدَ النبيِّ ◌َلِهِ بِعِبَادَةٍ وَاجْتِهَادٍ،
(فإن الصدق ◌ُمَأْنينة) بكسر همزة وسكون طاء، وبعد ألف نون مكسورة فتحتية فنون
مفتوحة، وفي ((المشكاة)): طمأنينة، أي: إن الصدق يطمئن إليه القلب ويسكن، (وإن الكذب
ريبة) بكسر الراء، وحقيقتها قلق النفس واضطرابها، فإن كون الأمر مشكوكًا فيه ممَّا يقلق له
النفس، وكونه صحيحًا صادقًا مما تطمئن له، (وفي الحديث قصة) روى أحمد(١) هذا
الحديث في ((مسنده))، مع القصة عن أبي الحوراء، قال: قلت للحسن بن علي: ما تذكر من
رسول الله ؟ قال: أذكر أني أخذت تمرة من تمر الصدقة، فألقيتُها في فمي، فانتزعها
رسول الله وس بلعابها، فألقاها في التمر، فقال له رجل: ما عليك لو أكل هذه التمرة؟ قال:
(إِنَّا لا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ)) قال: وكان يقول: ((دَعْ مَا يريبك إلى مَا لا يريبك، فإن الصدقَ
طمأنينةٌ، والكذب ريبة))، قال: وكان يعلمنا هذا الدعاء: ((اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ)»
الحدیث.
قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه أحمد، والنسائي، وابن حبان في ((صحيحه))،
والحاكم(٢)، (وأبو الحوراء) بفتح الحاء المهملة، وسكون الواو، وفتح الراء، ممدودًا،
(واسمه ربيعة بن شيبان) البصري، ثقة، من الثالثة.
[٢٥١٩] قوله: (عن محمد بن عبد الرحمن بن نبيه) بنون، وموحدة، مصغرًا، مجهول،
من السابعة.
قوله: (بعبادة واجتهاد) أي: في العبادة،
(١) أحمد، حديث (١٧٢٥).
(٢) ابن حبان، حديث (٧٢٢) والحاكم، حديث (٢١٦٩) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.

٢٧٠
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله وَ د / باب
وَذُكِرَ عِنْدَهُ آخَرُ بِرِعَةٍ فَقَالَ النبيُّ وَّهِ: ((لا تَعْدِلْ بالرِّعَةِ)). [ضعيف، محمد بن عبد الرحمن،
مجهول].
وَعَبْدُ الله بْنُ جَعْفَر هُوَ مِنْ وَلَدِ المُسور بْنِ مَخْرَمَةَ، وَهُوَ مَدِنِيٌّ ثِقَّةً عِنْدَ أهْلٍ
الحَدِیْثِ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديث حسن غريب لا نَعْرِفُهُ إلَّا من هذا الوَجْهِ.
[٢٥٢٠] (٢٥٢٠) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ وَأبو زُرْعَةَ وَغَيْرُ واحِدٍ، قَالُوا: أخْبَرَنَا قَبِيصَةُ عَن
إِسْرَائِيلَ عَنِ هِلالِ بْنِ مِقْلَاصِ الصَّيْرَفِيِّ عَن أبي بِشْرٍ عَن أبي وَائِلٍ عَن أبي سَعِيدٍ
الخُدرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَن أكَلَ طَيِّبًا وَعَمِلَ في سُنَّةٍ وَأَمِنَ النَّاسُ
بَوَائِقَهُ دَخَلَ الجَنَّةَ))، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، إنَّ هَذَا الْيَوْمَ في النَّاسِ لَكَثِيرٌ، قَالَ:
((وَسَيَكُونُ
(برعة) بكسر الراء، أي: بورع، (لا يعدل) بصيغة المجهول، (بالرعة) في ((المصباح)): ورع
عن المحارم، يرع بكسرتين، ورعًا بفتحتين ... أي: كثير الورع. أي: لا يعدل بكثرة الورع
خصلة غيرها من خصال الخير، بل الورع أعظم فضلًا .
قوله: (هذا حديث غريب) في سنده محمد بن عبد الرحمن بن نبيه، وهو مجهول كما عرفت.
[٢٥٢٠] قوله: (وأبو زرعة) اسمه: عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، إمامٌ، حافظٌ، ثقة،
مشهور، من الحادية عشرة، (أخبرنا قبيصة) هو ابن عقبة، (عن هلال بن مقلاص الصيرفي)
ويقال: هلال بن أبي حميد، أو ابن حميد، أو ابن عبد الله الجهني، مولاهم الوزان،
الكوفي، ثقة، من السادسة (عن أبي بشر) قال الحافظ: أبو بشر صاحب أبي وائل، مجهول،
من السادسة .
قوله: (من أكل طيبًا) بفتح فتشديد، أي: حلالًا، (وعمل في سنة) أي: في موافقة سنة،
نَكَّرها؛ لأن كلَّ عملٍ يفتقر إلى معرفة سنة وَرَدَتْ فيه، (وأمن الناس بوائقه) أي: دواهيه،
والمراد: الشرور، كالظلم والغش والإيذاء، (دخل الجنة) أي: من اتصف بذلك استحق
دخولها بغير عذاب، أو مع السابقين، وإلا فمن لم يعمل بالسنة، ومات مسلمًا، يدخلها وإن
عذب، (إن هذا) أي: الرجل الموصوف المذكور، (اليوم) ظرفٌ مقدم لخبر ((إن))، (لكثير)
أي: فما حال الاستقبال، (قال) أي: رسول الله وَّلتر (فسيكون) أي: هم كثيرون اليوم،

٢٧١
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله (ێو / باب
فِي قُرُونٍ بَعْدِي)). [ضعيف، أبو بشر، مجهول] .
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ مِن حَدِيثٍ
إِسْرَائِيلَ. حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بن محمد الدوري، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أبي بُكَيْرٍ، عَن إِسْرائيلَ،
[بِهذا الإسْنَاد نحوه وَسَألتُ مُحَمَّدَ بْنَ إسماعيلَ عَن هَذَا الحَدِيْثِ فَلَم يَعْرِفْهُ إلَّا مِن
حَدِيْثِ إسْرَائِيْل وَلَم يَعْرِفِ اسْم أبِي بِشْرًا. عَنِ هِلالِ بْنِ مِقْلَاصٍ نَحْوَ حديثٍ قُبَيْصَةَ
عَنِ إسْرائيلَ.
[٢٥٢١] (٢٥٢١) حَدَّثَنَا عَبَّاسُ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا عبدُ الله بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا
سعيدُ بْنُ أبي أيُّوبَ، عَن أبي مَرْحُومِ عبد الرَّحِيمِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَن سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ
أنسِ الجُهَنِيِّ عَن أبِيهِ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((مَن أعْطَى اللهِ، وَمَنَعَ للهِ، وَأَحَبَّ للهِ،
وأبْغَضَ اللهِ، وَأَنْكَحَ للهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ إِيمَانَهُ)). [حم: ١٥١٩٠].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديث منكرٌ.
وسيوجد من يكون بهذه الصفة، (في قرون بعدي) جمع قرنٍ، والمرادُ بالقَرْنِ هنا أَهْلُ
العَصْرِ.
قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه الحاكم(١).
قوله: (حدثنا عباس بن محمد) هو الدوري.
[٢٥٢١] قوله: (حدثنا العباس الدوري) هو ابن محمد، (أخبرنا عبد الله بن يزيد) المكي،
أبو عبد الرحمن المقري، (مَنْ أعطى الله) لا لغرض سواه، (ومنع لله، وأحب لله ... إلخ) وكذلك
سائر الأعمال، فتكلم الله، وسكت لله، وأكل لله، وشرب لله، كقوله تعالى حاكيًا: ﴿إِنَّ صَلاتِ
وَنُشُكِ وَحْيَاىَ وَمَمَانِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، (فقد استكمل إيمانه) أي: أكمل إيمانه.
قوله: (هذا حديث منكر) وفي بعض النسخ: ((هذا حديث حسن)) قال المنذري في
((الترغيب)) - بعد ذكر هذا الحديث -: رواه أحمد، والترمذي، وقال: ((حديث منكر))،
والحاكم(٢)، وقال: ((صحيح الإسناد))، والبيهقي وغيرهم. انتهى.
(١) الحاكم، حديث (٧٠٧٣) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
(٢) الحاكم، حديث (٢٦٩٤) وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وأخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان))،
حديث (١٥).

٢٧٢
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صل د / باب
[٢٥٢٢] (٢٥٢٢) حَدَّثَنَا العبَّاسُ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُؤْسَى، أخْبَرَنَا
شَيْبَانُ عَن فِراسِ عَن عَطِيَّةَ عَن أبي سَعِيْدِ الْخُذْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((أولُ زُمرةٍ
تَدْخُلُ الجنَّةَ عَلى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، وَالثَّانِيَةُ عَلَى لَوْنِ أحْسَنِ كَوكَبِ دُرِّيٍّ في
السَّمَاءِ، لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يَبْدُو مُخُّ سَاقِهَا مِن
وَرَائِهَا)).
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
تم كتاب صفة القيامة ويليه كتاب صفة الجنة
قلت: لم يظهر لي وجه كون هذا الحديث منكرًا، ورواه أبو داود (١) عن أبي أمامة، وفي
سنده القاسم بن عبد الرحمن الشامي، قال المنذري: وقد تكلم فيه غیر واحد.

٢٧٣
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في صِفةٍ شجر الجَنَّة
صَلى الله
وَستم
(٣٩) كتاب صفة الجنة عن رسول الله
١ - باب مَا جَاءَ في صِفةِ شجر الجَنَّة [ت١، ١٢]
(٢٥] (٢٥٢٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَة بن سعيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بن سعد، عَن سعِيدِ بْنِ
أبي سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ عَن أبيهِ عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ رَسُولِ اللهِّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((إنَّ في
الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ في ظِلُّهَا مِائَةَ سنة)). [خ: ٣٢٥١، م: ٢٨٢٦، جه: ٤٣٣٥،
حم: ٧٤٤٦، مي: ٢٨٣٨].
وفي البابِ عَن أَنَسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ.
قَالَ ابُو عِيْسی: هذا حديثٌ صحيحٌ.
٣٩ - كتاب صفة الجنة
١ - باب ما جاء في صفة شجر الجنة
[٢٥٢٣] قوله: (عن سعيد بن أبي سعيد) المقبري.
قوله: (يسير الراكب في ظلها) قال النووي في ((شرح مسلم)): قال العلماء: المراد
بظلها، كنفها وذراها، وهو ما يستر أغصانها. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن أنس وأبي سعيد) أما حديث أنس، فأخرجه الترمذي(١) في ((تفسير
سورة الواقعة)).
وأما حديث أبي سعيد، فأخرجه ابن حبان(٢) في ((صحيحه))، عنه عن رسولِ الله وَلي أنه
قال له رجلٌ: يا رسولَ الله! ما طوبى؟ قال: ((شَجَرَةٌ مَسِيرَةَ مئة سَنَةٍ، ثِيَابُ أَهْلِ الجَنَّةِ تَخْرُجُ
من أَكْمَامِهَا)). كذا في ((الترغيب)).
قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان(٣)، وابن ماجه.
(١) الترمذي، كتاب تفسير القرآن، حديث (٣٢٩٣).
(٢) ابن حبان، حديث (٧٤١٣).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، حديث (٦٥٥٣).

٢٧٤
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في صِفةِ شجر الجَنَّة
[٢٥٢٤] (٢٥٢٤) حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بنُ محمَّدٍ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى
عَن شَيْبَانَ عَنِ فِرَاسٍ عَنِ عَطِيَّةَ عَن أبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ قَالَ: ((في
الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مائَةَ عَام لا يَقْطَعُهَا، وقَالَ: ذلِكَ الظُّلُّ
المَمْدُودُ)). [خ: ٦٥٥٣، م: ٢٨٢٨].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديث حسن غريب من حديث أبي سعيد.
[٢٥٢٥] (٢٥٢٥) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ الفُرَاتِ
القَزَّازُ، عَن أبِيهِ، عَن جَدِّهِ عَن أبِي حَازِمِ عَن أبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّتِ:
((مَا في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ إلَّا وَسَاقُهَا مِن ذَهَبٍ)).
[٢٥٢٤] قوله: (عن فراس) - بكسر أوله، وبمهملة - ابن يحيى الهمداني، الخارقي
أبي يحيى الكوفي المكتب، صدوق، ربما وَهِمَ، من السادسة.
قوله: (في الجنة شجرة) قال ابن الجوزي: يُقال: إنها طوبى، قال الحافظ: وشاهد ذلك
في حديث عتبة بن عبد السلمي، عند أحمد، والطبراني، وابن حبان، فهذا هو المعتمد،
خلافًا لمن قال: إنما نكرت للتنبيه، على اختلاف جنسها بحسب شهوات أهل الجنة، (يسير
الراكب) أي: أيُّ راكب فُرض، ومنهم من حَمَلَهُ على الوسطِ المعتدلِ، (في ظلها) أي: في
نعيمها وراحتها، ومنه قولهم: عَيْشٌ ظليلٌ، وقيل: معنى ظلها: ناحيتها، وأشار بذلك إلى
امتدادها، ومنه قولهم: ((أَنَا في ظلِّك))، أي: في ناحيتك، قال القرطبي: والمحوج إلى هذا
التأويل أن الظلَّ في عرفِ أهلِ الدنيا ما يقي من حر الشمس وأذاها، وليس في الجنة شمسٌ،
ولا أذى، (مئة عام لا يقطعها) أي: لا ينتهي إلى آخر ما يميل من أغصانها، (قال: وذلك
الظل الممدود) وفي حديث أبي هريرة عند البخاري: ((واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلّ ◌َمْدُورٍ﴾
[الواقعة: ٣٠]))، وحديث أبي سعيد هذا، أخرجه الشيخان(١)، بلفظ: ((إِنَّ فِ الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ
الراكبُ الجوادَ المُضْمَرَ السَّرِيع مئةَ عامِ مَا يَقْطَعُهَا)).
[٢٥٢٥] قوله: (أخبرنا زياد بن الحسن بن الفرات القزاز) التميمي، الكوفي، صدوق،
يخطئ، من التاسعة، (عن أبيه) أي: الحسن بن الفرات بن أبي عبد الرحمن، التميمي،
القزاز، الكوفي، صدوق، يهم، من السابعة.
قوله: (ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب) وروى أبو نعيم عن أبي هريرة
(١) البخاري، كتاب الرقاق، حديث (٦٥٥٣) ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث (٢٨٢٨).

٢٧٥
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في صِفَةِ الجَنةِ وَنَعِيمِهَا
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من حديث أبي سعيد.
٢ - باب مَا جَاءَ في صِفَةِ الجَنةِ وَنَعِيمِهَا (ت٢، ٢٢]
[٢٥٢٦] (٢٥٢٦) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَن حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ
عَن زِيَادِ الطَّائِيِّ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله: مَا لَنَا إِذَا كُنَّا عِنْدَكَ رَقَّتْ
قُلُوبُنَا، وَزَهِدْنَا في الدُّنيا وَكُنَّا مِن أهْلِ الآخِرَةِ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِن عِنْدِكَ
قال: قال رسول الله وَله: ((إِنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةً جُذُوعُهَا مِن ذَهَبٍ وَفُرُوعُهَا من زَبَرْجَدٍ ولؤلؤ،
فَتَهُبُّ الرياحُ، فَتَصْطَفِقُ، فَمَا سَمِعَ السَّامِعُونَ بِصَوْتِ شَيْءٍ قَطّ أَلَذَّ مِنْهُ)). وروى ابن أبي الدنيا
عن ابن عباس ﴿به موقوفًا بإسنادٍ جيد، قال: ((نَخْلُ الجَنةِ جُذُوعُهَا من زُمُرّدٍ أَخْضَرَ وكَرَبها
ذَهَبٌ أَحْمَرُ، سَعَفُهَا كسوةٌ لأَهْلِ الجَنَّةِ، مِنْهَا مُقَطَّعَاتُهُمْ وَحُلَلُهُمْ، وَثَمَرُهَا أَمْثَالُ القِلالِ
والدِّلاءِ، أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبنِ، وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ، وَأَلْيَنُ مِنَ الزُّبْدِ، لَيْسَ فِيْهَا عَجَمٌ))، ورواه
الحاكم(١) وقال: صحيحٌ على شرطٍ مسلم، ذكر الحافظ المنذري هاتين الروايتين في
((الترغيب))، وقال: الكرب بفتح الكاف والراء، بعدهما باء موحدة: هو أصول السعفٍ
الغلاظ العراض. انتهى.
وروى ابن أبي حاتم (٢)، وابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) عن ابن عباس قال: ((الظِلُّ
الممدودُ: شجرةٌ في الجنةِ على ساقٍ، قدرُ ما يسيرُ الراكبُ المجد في ظلِّها مئةُ عامِ، من كلَّ
نواحيها، فيخرجُ أهلُ الجنةِ يتحدثون في ظلِّها، فيشتهي بعضُهم اللهو، فيرسل الله رِيحًا
فيحرك تلك الشجرةَ بكلِّ لهوٍ كان في الدنيا)). ذكره الحافظ في ((الفتح)).
قوله: (هذا حديث غريب حسن) وأخرجه ابن أبي الدنيا، وابن حبان(٣) في ((صحيحه)).
٢ - باب ما جاء في صفة الجنة ونعيمها
[٢٥٢٦] قوله: (عن زياد الطائي) مجهول، أرسل عن أبي هريرة، من السادسة. كذا في
((التقريب)).
قوله: (وزهدنا)، قال في ((القاموس)): زَهدَ فيه، كَمَنَعَ وسمع وكرم، زهدًا وزهادةً، أو
(١) الحاكم، حديث (٣٧٧٦) وصحَّحه ووافقه الذهبي.
(٢) ابن أبي حاتم في ((التفسير)) (٣٣٣١/١٠) (١٨٧٨١).
(٣) ابن حبان، حديث (٧٤١٠).

٢٧٦
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في صِفَةِ الجَنةِ وَنَعِيمِهَا
فَأَنَسْنَا أَهَالِينَا وَشَمَمْنَا أَوْلَادَنا أَنْكَرْنَا أَنْفُسَنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ
إذَا خَرَجْتُمْ مِن عِنْدِي كُنْتُمْ عَلَى حَالِكُمْ ذَلِكَ، لَزَارَتْكُمْ المَلَائِكَةُ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَوْ لَمْ
تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللهُ بِخَلْقٍ جديدٍ كَي يُذْنِبُوا فَيَغْفِرَ لَهُمْ))، قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله!
هي في الدنيا، والزهد في الدين: ضدَّ رغب. انتهى. (فأنسنا أهالينا) قال في ((القاموس)):
الأنس، بالضم وبالتحريك، والأنسة - محركةٌ -: ضد الوحشة، وقد أنس به مثلثة النون.
انتهى. والمعنى: خالطناهم وعالجنا أمورهم واشتغلنا بمصالحهم، (أنكرنا أنفسنا) أي: لم
نجدها على ما كانت عندك، (لو أنكم تكونون إذا خرجتم من عندي كنتم على حالكم ذلك
لزارتكم الملائكة في بيوتكم) كذا في نسخ الترمذي بزيادة لفظٍ: ((كنتم)) بين: ((من عندي»
و((علی حالكم)) ولا يستقيم معناه، فتفكر.
وروى مسلمٌ(١) في ((صحيحه))، عن حنظلة بن الربيع الأسيدي، نحو هذا الحديث،
وفيه: ((لو تَدُومُونَ على ما تكونون عندي، وفي الذكرِ، لَصافَحَتْكُمُ الملائكةُ على فُرُشِكُمْ،
وفي طرقكم)).
(ولو لم تذنبوا لجاء الله بخلق جديد) من جنسكم، أو من غيركم، وفي رواية مسلم (٢):
(لَذَهَبَ الله بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ))، (كي يذنبوا) أي: فيستغفروا، (فيغفر لهم)؛ لاقتضاء
صفة الغفار والغفور ذلك، قَال الطيبي: ليس الحديث تسلية للمنهمكين في الذنوب، كما
يتوهمه أهلُ الغرةِ بالله، فإن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - إنما بعثُوا ليردعوا الناس
عن غشيان الذنوب، بل بيان لعفو الله تعالى وتجاوزه عن المذنبين؛ ليرغبوا في التوبة.
والمعنى المراد من الحديث: هو أَنَّ الله كما أحبَّ أن يعطي المحسنين، أحب أن
يتجاوز عن المسيئين، وقد دل على ذلك غيرُ واحد من أسمائه: الغفار، الحليم، التواب،
العفو، ولم يكن ليجعل للعباد شَأنًا واحدًا، كالملائكة مجبولين على التنزه من الذنوب، بل
يخلق فيهم مَنْ يَكُونُ بطبعه مَيَّلًا إلى الهوى، متلبسًا بما يقتضيه، ثم يكلفه التوقي عنه،
ويحذره من مداناته، ويعرفه التوبة بعد الابتلاء، فإن وَقَّى، فأجرُهُ على الله، وإن أخطأ
الطريق، فالتوبةُ بين يديه، فأراد النبي ◌ِّ به: أنكم لو كنتم مجبولين على ما جبلت عليه
الملائكة، لجاء الله بقوم يتأتى منهم الذنبُ، فيتجلّى عليهم بتلك الصفات على مقتضى
(١) مسلم، كتاب التوبة، حديث (٢٧٥٠).
(٢) مسلم، كتاب التوبة، حديث (٢٧٤٩).

٢٧٧
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في صِفَةِ الجَنةِ وَنَعِيمِهَا
مِمَّ خُلِقَ الخَلْقُ؟ قَالَ: (مِنَ المَاءِ»، قُلْتُ: الجَنَّةُ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ: ((لَبِنَةٌ مِن فِضَّةٍ
وَلَِنَةٌ مِن ذَهَبٍ، وَمِلَاطُهَا المِسْكُ الأَذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا الُّؤْلُؤُ وَاليَاقُوتُ، وَتُرْبَتُهَا
الزَّعْفَرَانُ، مَن يدْخُلهَا يَنْعَمُ ولا يَبْأَسُ، وَيُخَلَّدُ ولا يَمُوتُ: لا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ وَلا يَفْنَى
شَبَابُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: ثَلَاثة لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ:
الحكمة، فإن الغفار يستدعي مغفورًا، كما أن الرزق يستدعي مرزوقًا. كذا في ((المرقاة)).
(مم خلق الخلق؟ قال: من الماء) قيل: أي: من النطفة، والظاهر أن يكون اقتباسًا من
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَىْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، أي: وخلقنا من الماء كل حيوان؛
لقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَّةٍ مِّنِ مََّءِ﴾ [النور: ٤٥]، وذلك لأن الماءَ أعظم مواده، أو لفرط
احتياجه إليه، وانتفاعه بعينه، (قلت: الجنة ما بناؤها؟) أي: هل من حجر أو مدر، أو
خشب، أو شعر؟ (قال: لبنة من فضة، ولبنة من ذهب) أي: بناؤها مرصع منهما، (وملاطها)
بكسر الميم، أي: ما بين اللبنتين: موضع النورة، في ((النهاية)): المِلاط: الطين الذي يجعل
بين سَافَي البناء، يملط به الحائط، أي: يخلط (المسك الأذفر) أي: الشديد الريح،
(وحصباؤها) أي: حصباؤها الصغار، التي في الأنهار. قاله القاري، وقال صاحبُ ((أشعة
اللمعات)): أي: حصباؤها التي في الأنهارِ وغيرها .
قلت: الظاهر هو العموم.
(اللؤلؤ والياقوت) أي: مثلهما في اللون والصفاء، (وتربتها) أي: مكان ترابها،
(الزعفران) أي: الناعم الأصفر الطيب الريح، فجمع بين ألوان الزينة، وهي البياض،
والحمرة، والصفرة، ويتكمل بالأشجار الملونة بالخضرة، ولما كَانَ السوادُ يغمُّ الفؤادَ،
خُصَ بأهل النار، (مَنْ يدخلها ينعم لا يبأس) بفتح وسطهما، في ((القاموس)): البأس:
العذاب والشدة في الحرب، بؤس، ککرم بأسًا، وبئس، كسمع: اشتدت حاجته، (يخلد)
أي: يدوم فلا يتحول عنها، (لا يموت) أي: لا يفنى، بل دائمًا يبقى، (ولا تبلى) بفتح أوله،
من باب: ((سَمِعَ يَسْمَعُ))، أي: لا تخلق ولا تتقطع، (ثيابهم)، وكذا أثاثهم، (ولا يفنى
شبابهم) أي: لا يهرمون، ولا يخرفون، ولا يغيرهم مضي الزمان، قال القاضي: معناه: أن
الجنة دار الثبات والقرار، وأن التغير لا يتطرق إليها، فلا يشوب نعيمها بؤس، ولا يعتريه
فساد ولا تغییر، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ دارَ الأضدادِ ومحلّ الکون والفساد، (ثلاث) أي: ثلاث نفوس،
في (المشكاة)) و((الجامع الصغير)): ((ثلاثة)) بتاء التأنيث، أي: ثلاثة أشخاص، أو ثلاثة

٢٧٨
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاءَ في صِفَةِ الجَنةِ وَنَعِيمِهَا
الإمَامُ العَادِلُ، وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَدَعْوَةُ المَظْلُومِ يَرْفَعُهَا فَوْقَ الغَمَامِ، وَتُفَتَّحُ لَّهَا
أبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ: وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّك وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ)). [حم: ٧٩٨٣،
مي: ٢٨١٩].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إسْنَادُهُ بِذَاكَ القَوِيِّ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي بِمُتَّصِلٍ،
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ عَن أبي مُدَلهٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ عَن النبيِّ ◌َّهِ.
رجال، (الإمام العادل) أي: منهم، أو أحدهم: الإمام العادل، (والصائم حين يفطر)؛ لأنه
بعد عبادة، حال تضرع ومسكنة، (ودعوة المظلوم)، كان مقتضى الظاهر أَنْ يَقُولَ:
والمظلوم، ولعله لما كانت المظلومية ليست بذاتها مطلوبة عدل عنه. قاله القاري.
وقال الطيبي: أي: دعوة الإمام، ودعوة الصائم؛ بدليل قوله: ((ودعوة المظلوم)) ويكون
بدلًا من ((دعوتهم))، وقوله: (يرفعها) حالٌ. كذا قيل، والأولى أن يكون - أي: ((يرفعها)) -
خبرًا لقوله: ((ودعوة المظلوم))، وقطع هذا القسيم عن أخويه؛ لشدة الاعتناء بشأن دعوة
المظلوم، ولو فاجرًا أو كافرًا، وينصر هذا الوجه عطفُ قوله: ((ويقول الرب))، على قوله:
((ويفتح))، فإنه لا يلائم الوجه الأول؛ لأن ضميرَ ((يرفعها)) للدعوةِ حينئذٍ، لا لدعوة المظلوم،
كما في الوجه الأول.
قال القاري: والظاهرُ: أن الضمير على الوجهين لدعوة المظلوم، وإنما بُولغ في حقها؛
لأنه لما ألحقته نار الظلم واحترقت أحشاؤه، خرج منه الدعاء بالتضرع والانكسار، وحصل
له حالة الاضطرار، فيقبل دعاؤه؛ كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ
الشُّوَءَ﴾ [النمل: ٦٢]، (يرفعها) أي: الله، (فوق الغمام) أي: تجاوز الغمام، أي: السحاب،
(ويفتح) أي: الله، (لها) أي: لدعوته، (لأنصرنك) بفتح الكاف، أي: أَيُّها المظلوم،
وبكسرها، أي: أيتها الدعوة، (ولو بعد حين) الحينُ: يستعمل لمطلق الوقت، ولستة أشهر،
ولأربعين سنة.
والمعنى: لا أضيع حقك، ولا أرد دعاءك، ولو مضى زمان طويل؛ لأني حليم، لا
أعجل عقوبة العباد؛ لعلهم يرجعون عن الظلم والذنوب إلى إرضاء الخصوم والتوبة، وفيه
إيماءٌ إلى أنه تعالى يمهل الظالم ولا يهمله.
قوله: (هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي، وليس هو عندي بمتصل)؛ لأن في سنده
زياد الطائي، وهو مجهول، ومع هذا رواه عن أبي هريرة مرسلًا.

٢٧٩
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَيه / باب مَا جَاءَ فِي صِفَةٍ غُرَفِ الجَنَّة
٣- باب مَا جَاءَ في صِفَةٍ غُرَفِ الجَنَّة [٣٥، ٣٠]
[٢٥٢٧] (٢٥٢٧) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
إِسْحَاقَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ عَن عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ في الجَنَّةِ
لَغُرَفًا يُرَى ظُهُورُهَا مِن بُطُونِهَا وبُطُونُهَا مِن ظُهُورِهَا))، فَقَامَ إِلَيْهِ أعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: لِمَنْ
هِيَ يا رَسُوْلَ الله؟ قَالَ: ((هِيَ لِمَنْ أَطَابَ الكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ،
وَصَلَّى اللّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ)). [حم: ١٣٤٠].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ غريبٌ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أهْلِ العلم في
عَبْدِ الرَّحمنِ بْنِ إِسْحَاقَ هَذَا
اعلم أن حديث أبي هريرة هذا مشتمل على أربعة أحاديث:
فالأول: من قوله: ((مَا لَنَا إذا كنا عندك)) إلى قوله: ((لزارتكم الملائكة في بيوتكم))،
وهذا أخرجه أحمد.
والثاني: من قوله: ((ولو لم تذنبوا)) إلى قوله: ((فيغفر لهم))، وهذا أخرجه مسلم.
والثالث: من قوله: ((قلت: يا رسولَ الله، مم خلق الخلق؟)) إلى قوله: ((ولا يفنى
شبابهم))، وهذا أخرجه أحمد، والدارمي، والبزار، والطبراني في ((الأوسط)) وابن حبان في
((صحیحه)) .
والرابع: من قوله: ((ثلاث لا ترد دعوتهم ... )) إلخ، وهذا أخرجه أحمد، وابن ماجه،
وأخرجه الترمذي أيضًا في الدعوات.
والمفهوم من كلام المنذري في ((صفة الجنة)) من كتاب ((الترغيب)) أن هذا الحديث بطوله
عند أحمد، والبزار، والطبراني، وابن حبان.
٣ - باب ما جاء في صفة غرف الجنة
[٢٥٢٧] قوله: (إن في الجنة لغرفًا) بضم الغين المعجمة، وفتح الراء، كصرد: جمع
غرفة بالضم، وهي العلية، وهي بالفارسية بالاخانة.
قوله: (هذا حديث غريب) تقدم هذا الحديث بسنده ومتنه في ((باب قول المعروف)) من
((أبواب البر والصلة))، وتقدم هناك شرحه.

٢٨٠
كتاب صفة الجنة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ فِي صِفَةٍ غُرَفِ الجَنَّة
مِن قِبَلِ حِفْظِهِ، وَهُوَ كُوفِيٌّ، وَعَبْدُ الرَّحمنِ بْن إِسْحَاقَ القُرَشِيُّ مدنيّ، وَهُوَ أَثْبَتُ مِن
هَذَا .
[٢٥٢٨] (٢٥٢٨) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ
أبُو عَبْدِ الصَّمَد العَمِّيُّ، عَن أبِي عِمرَانَ الجُوْنِيِّ، عَن أبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ قَيْسٍ،
عَن أَبِيِهِ عَنِ النَّبِيِّ نَ ﴿ قَالَ: ((إنَّ في الجَنَّةِ جَنَّتَيْنِ آنِيتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا مِن فِضَّةٍ، وَجَنَّتَيْنِ
آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا مِن ذَهَبٍ، وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَيْنَ أنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الكِبْرِيَاءِ
قوله: (من قبل حفظه) بكسر القاف، وفتح الموحدة، أي: من جهة حفظه، (وهو كوفي)
واسطي، وقد تقدم ترجمته في ((باب قول المعروف)) (وعبد الرحمن بن إسحاق القرشي،
مدني، وهو أثبت من هذا) وقال أبو حاتم: وهو أصلح من الواسطي، وقال ابن سعد: هو
أثبت من الواسطي، وحكى الترمذي في ((العلل)) عن البخاري أنه وَثَّقَهُ. كذا في ((تهذيب
التهذيب))، وقد تقدم ترجمته في ((باب المسح على الجوربين والعمامة)).
[٢٥٢٨] قوله: (عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس) عبد الله بن قيس هذا هو: أبو موسى
الأشعري رُه، وابنه أبو بكر اسمه: عمرو، أو عامر، ثقة، من الثالثة، (عن أبيه) أي:
عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار، كنيته: أبو موسى الأشعري، صحابي مشهور، أقره
عمر، ثم عثمان، وهو أحد الحكمين بصفين.
قوله: (إن في الجنة جنتين من فضة آنيتهما وما فيهما) أي: من القصور والأثاث،
كالسرر، وكقضبان الأشجار، وأمثال ذلك.
قيل: قوله: ((من فضة)) خبر ((آنيتهما))، والجملةُ صفة ((جنتين))، أو ((من فضة)) صفة قوله:
((جنتين))، وخبر ((آنيتهما)) محذوف، أي: آنيتهما وما فيهما كذلك، وكذا من جهة المبنى
والمعنى قوله: (وجنتين من ذهب، آنيتهما وما فيهما) ثم ظاهره أن جنتين من فضة، لا من
ذهب وجنتين بالعكس، فالجمعُ بينه وبين حديث: ((صفة بناء الجنة)) من أن لبنة من ذهب
ولبنة من فضة، أن الأول: صفة ما في الجنة من آنية وغيرها، والثاني: صفة حوائط الجنة،
ويؤيده أنه وقع عند البيهقي في ((البعث)) في حديث أبي سعيد: أن الله أحاطَ حائطَ الجنَةِ،
لبنةً من ذهب، ولبنةً من فضة.
(وما بين القوم، وبين أن ينظروا إلى رَبِّهم إلا رداء الكبرياء).
قال عياض: كانت العربُ تستعمل الاستعارة كثيرًا، وهو أرفع أدوات بديع فصاحتها