النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
كتاب الزهد عن رسول الله # / باب
فَأْكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أبُو الدَّرْدَاءِ لِيَقُومَ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: نَمْ فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ
يَقُومُ فَقَالَ لَهُ: نَمْ فَنَامَ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ، قَالَ لَهُ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ، فَقَّامَا
فَصَلََّا، فَقَالَ: إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ
لأهلك عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، فَأَتَيَا النَّبِيَّ وَهِ، فَذَكَرًا ذَلِكَ له، فَقَالَ
له: ((صَدَقَ سَلْمَانُ)). [خ: ١٩٦٨].
وغرض سلمان من هذا الإباء أن يصرفه عن رأيه فيما يصنعه من جهدٍ نفسِهِ في العبادةِ، وغير
ذلك مما شكته إليه امرأته، (فأكل) أي: أبو الدرداء، (فلما كان الليل) أي: في أوله، وفي
رواية ابن خزيمة: «ثم بات عنده)) (ذهب) أي: أراد وشرع، (فقال له سلمان: نم) زاد ابن
سعد(١) من وجه آخر مرسل: ((فَقَالَ لهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أتَمْنَعُنِي أَنْ أَصُومَ لِرَبِّي وَأُصَلِّي لِرَبِّي))،
(فقاما فصليا) في رواية الطبراني: ((فَقَامَا فَتَوَضَّا، ثم رَكَعَا، ثم خَرَجًا إلى الصلاةِ).
(وإن لأهلك عليك حقًّا) أي: لزوجك عليك حقًّا، زاد الدارقطني: ((فصم وأفطر، وصلٌ
ونَمْ، وائت أهلك)). (فأتيا النبي ﴿ ﴿ فذكر ذلك له) وفي رواية الدارقطني: ((ثم خَرَجًا إلى
الصلاة، فدنا أبو الدرداء ليخبر النبي # بالذي قال له سلمان، فقال له: يا أبا الدرداء، إن
لجسدك عليك حقًّا))، مثل ما قال سلمان، ففي هذه الرواية أن النبيَّ ◌َلي أشار إليهما بأنه علم
بطريق الوحي ما دار بينهما، وليس ذلك في رواية محمد بن بشار، فيحتمل الجمع بين
الأمرين أنه كاشفهما بذلك أولًا، ثم أطلعه أبو الدرداء على صورة الحال، فقال له: ((صدق ..
سلمان» .
وفي هذا الحديث من الفوائد: مشروعية المؤاخاة في الله، وزيارة الإخوان، والمبيت
عندهم، وجواز مخاطبة الأجنبية للحاجة، والسؤال عما يترتب عليه المصلحة، وإن كان في
الظاهر لا يتعلق بالسائل، وفيه النصح للمسلم، وتنبيه من أغفل، وفيه فضل قيام آخر الليل،
وفيه مشروعية تزين المرأة لزوجها، وثبوت حق المرأة على الزوج، وحسن العشرة، وقد
يؤخذ منه ثبوت حقها في الوطء؛ لقوله: ((ولأهلك عليك حقًّا))، ثم قال: ((وائت أهلك)).
كما في رواية الدارقطني، وقرره النبي ◌ّي على ذلك، وفيه جواز النهي عن المستحبات إذا
خشي أن ذلك يفضي إلى السآمة والملل، وتفويت الحقوق المطلوبة الواجبة، أو المندوبة
(١) ابن سعد في ((الطبقات))، (٨٥/٤).

١٤٢
كتاب الزهد عن رسول الله 385/ باب منه
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ صحِيحٌ، وَأَبُو العُمَيْسِ اسْمُهُ: عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ الله،
وَهُوَ أخُو عَبْدِ الرَّحمنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ المَسْعودِيِّ.
٦٤ - باب منه [ت٦٥، م٦٥]
[٢٤١٤] (٢٤١٤) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ، عَن
عَبْدِ الوَهَّابِ بْنِ الوَرْدِ، عَن رَجُلٍ مِن أَهْلِ المَدِينَةِ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَائِشَةً
أُمِّ الْمُؤْمِنِيْنَ ﴿يَأْنِ اكْتُبِي إِلَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ وَلا تُكْثِرِي عَلَيَّ، فَكَتَبَتْ عَائِشَةُ ﴿ُّ
إِلَى مُعَاوِيَةَ: سَلَامٌ عَلَيْك، أمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّه ◌ِيَقُولُ: ((مَنِ التَّمَسَ
رِضَاءَ الله بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنِ التَمَسَ رَضَاءِ النَّاسِ بِسَخَطِ الله
وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ)) وَالسَّلامُ عَلَيْكَ.
حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَن سُفْيَانَ الثوري، عَنِ هِشَامِ بْنِ
عُرْوَةَ، عَن أبِيهِ، عَن عَائِشَةَ أنَّهَا كَتَبَتْ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
كمل كتاب الزهد ويليه كتاب صفة القيامة
الراجح فعلها على فعل المستحب المذكور، وأن الوعيد الوارد على من نهى مصليًا عن
الصلاة مخصوص بمن نهاه ظلمًا وعدوانًا، وفيه كراهية الحمل على النفس في العبادة. كذا
في ((الفتح)).
قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه البخاري.
٦٤ - باب [منه]
[٢٤١٤] قوله: (عن عبد الوهاب بن الورد) بفتح الواو، وسكون الراء، القرشي مولاهم
المكي، ثقة، عابد، من كبار السابعة، ولقب عبد الوهاب هذا: وهيب، قال الحافظ في
((تهذيب التهذيب)) - في ترجمته -: واسمه: عبد الوهاب، ووهيب لقب.
قوله: (من التمس) أي: طلب، (بسخط الناس) السَّخَط، والسَّخْطُ، والسُّخْطُ،
والَمسْخَطُ: الكراهة للشيء، وعدم الرضا به، (كفاه الله مؤنة الناس؛ لأنه جعل نفسه من
حزب الله، وهو لا يخيب من التجأ إليه ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اَللَّهِ هُمُ الْفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] (وكله الله
إلى الناس) أي: سلط الله الناس عليه، حتى يؤذوه ويظلموا عليه، قال المنذري في

١٤٣
كتاب الزهد عن رسول الله/# / باب منه
((الترغيب)) - بعد ذكر هذا الحديث -: رواه الترمذي، ولم يُسَمِّ الرجل، ثم روى بإسناده عن
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة؛ أنها كتبت إلى معاوية، قال: فذكر الحديث بمعناه، ولم
يرفعه، وروى ابن حبان(١) في ((صحيحه)) المرفوع منه فقط، ولفظه: قالت: قَالَ رَسُولُ الله
وَلِهِ: (مَنِ الْتَمَسَ رِضَا الله بِسَخَطِ النَّاسِ رضي الله عنه، وَأَرْضَى عَنْهُ الناسَ، ومن التمسَ
رِضا الناسِ بسخط الله، سَخِطَ الله عليه، وَأَسْخَطَ عليه الناسَ)). انتهى.
(١) ابن حبان، حديث (٢٧٦) وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٠/٥٤).

١٤٥
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله ◌َ ي / باب في القيامة
صَلى الله
وستلا
(٣٨) كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله
١- باب في القيامة [ت٦٦، م١]
[٢٤١٥] (٢٤١٥) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأعْمَشِ، عَن خَيْئَمَةَ، عَن
عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَا مِنْكُمْ مِن رَجُلٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ
القِيَامَةِ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلا يَرَى شَيْئًا إِلَّ شَيْئًا قَدَّمَهُ، ثُمَّ
يَنْظُرُ أَشْأمَ مِنْهُ فَلا يَرَى شَيْئًا إِلَّ شَيْئًا قَدَّمَهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ)). قَالَ
رَسُولُ اللهَِِّ: ((مَن اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَقِيَ وَجهَهُ حرّ النَّارِ
٣٨ - [كتاب] صفة القيامة [والرقائق والورع]
١ - باب [في القيامة]
[٢٤١٥] قوله: (ما منكم من رجل) ((من)): مزيدة لاستغراق النفي، والخطاب للمؤمنين
(إلا سيكلمه ربه) أي: بلا واسطة، والاستثناء مفرغٌ من أعمِّ الأحوال، (وليس بينه وبينه)
أي: بين الرب والعبد، (ترجمان) بفتح الفوقية، وسكون الراء، وضم الجيم، وکزعفران؛
على ما في ((القاموس))، أي: مفسر للكلام بلغة عن لغة، يُقال: ترجمت عنه، والفعل يدل
على أصالة التاء، وفي ((التهذيب)): التاء أصلية، وليست بزائدة، والكلمة رباعية، (ثم ينظر)
أي: ذلك العبد أيمن منه، أي: من ذلك الموقف. وقيل: ضمير ((منه)) راجع إلى العبد،
والمآل واحد، والمعنى: ينظر في الجانب الذي على يمينه (فلا يرى شيئًا إلا شيئًا قدمه) أي:
من عمله الصالح، وفي ((المشكاة)): ((فلا يرى إلَّا ما قدم من عمله)) (ثم ينظر أشأم منه) أي:
في الجانب الذي في شماله، (فلا يرى شيئًا إلا شيئًا قدمه) أي: من عمله السيئ، وإن
النصب في ((أيمن)) و((أشأم)) على الظرفية، والمراد بهما اليمين والشمال، فقيل: نظر اليمين
والشمال هنا كالمثل؛ لأن الإنسان من شأنه إذا دهمه أمرٌ أن يلتفت يمينًا وشمالًا، يطلب
الغوث، قال الحافظ: ويحتمل أن يكون سبب الالتفات أَنَّه يترجى أن يجد طريقة يذهب فيها
ليحصل له النجاة من النار، فلا يرى إِلَّا ما يفضي به إلى النار، (ثم ينظر تلقاء وجهه فتستقبله
النار) قال ابن هُبَيْرَةَ: والسببُ في ذلك أن النار تكون في ممره فلا يمكنه أن يحيد عنها؛ إذ

١٤٦
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله في / باب في القيامة
وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ)). [خ: ٧٥١٢، م: ١٠١٦، جه: ١٨٤٣، حم: ١٨٨٩١].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديث حسن صحيح. حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِبِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ يَوْمًا
بهذَا الحَدِيثِ عَنِ الأعْمَشِ، فَلَمَّا فَرَغَ وكِيعٌ مِن هَذَا الحَدِيثِ قَالَ: مَن كَانَ هَهُنَا مِن
أهْلِ خُرَاسَانَ فَلْيَحْتَسِبْ فِي إِظْهَارِ هَذَا الحَدِيثِ بِخُرَاسَانَ. لأنَّ الجَهْمِيَّةَ يُنْكِرونَ
هَذَا، اسم أبي السائب سلم بْنُ جنادة بْنِ سلم بْنِ خالد بْنِ جابر بْنِ سمرة الكوفي.
[٢٤١٦] (٢٤١٦) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرِ أَبُو مُحْصٍ،
حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ قَيْسِ الرَّحَبِي، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحِ عَن ابنِ عُمَرَ، عَن ابنٍ
مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((لا تَزُولُ قَدَمُ ابنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِن عِنْدِ رَبِّه
لابد له من المرور على الصراط، (ولو بشق تمرة) أي: ولو بمقدار نصفها أو ببعضها،
والمعنى: ولو بشيء يسير منها أو من غيرها، وفي رواية البخاري: ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ
تُمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيَِّةٍ)) قال الحافظ: أي: اجعلوا بينكم وبينها وقاية من الصدقة،
وعمل البر، ولو بشيء يسير.
قوله: (حدثنا أبو السائب) اسمه: سلم بن جنادة بن سلم السوائي، بضم المهملة،
الكوفي، ثقة، ربما خالف، من العاشرة، (فليحتسب) أي: فليطلب الثواب من الله تعالى،
(في إظهار هذا الحديث بخراسان) إنما خص وكيع بإظهار هذا الحديث بخراسان؛ لأنه كان
فيها الجهمية النافون لصفات الله تعالى؛ (لأن الجهمية ينكرون هذا) أي: كلام الله تعالى،
قال الكرماني: الجهمية فرقة من المبتدعة ينتسبون إلى جهم بن صفوان مقدم الطائفة القائلة:
إن لا قدرة للعبد أصلًا، وهم الجبرية، بفتح الجيم وسكون الموحدة، ومات مقتولًا في زمن
هشام بن عبد الملك. انتهى.
قال الحافظ: وليس الذي أنكروه على الجهمية مذهب الجبر خاصة، وإنما الذي أطبق
السلفُ على ذمهم بسببه إنكارُ الصفات، حتى قالوا: إن القرآن ليس كلام الله، وإنه مخلوق.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
[٢٤١٦] قوله: (حدثنا حصين بن نمير أبو محصن) الواسطي، الضرير، كوفي الأصل،
لا بأس به، رمي بالنصب، من الثامنة، (أخبرنا حسين بن قيس الرحبي) أبو علي الواسطي،
لقبه حنش، بفتح المهملة والنون، ثم معجمة، متروك، من السادسة.

١٤٧
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله 5 18/ باب في القيامة
حَتَّى يُسْألَ عَن خَمْسٍ: عَن عُمْرِهِ فِيمَ أقْنَاهُ، وعن شَبَابِهِ فِيمَ أبْلَاهُ، وَمَالِهِ مِن أيْنَ
اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَ عَلِمَ)) .
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ عَن النبيِّ وَّلـ
إلَّا مِن حَدِيثِ الحُسَيْنِ بْنٍ قَيْسٍ، وَحُسَيْنُ بْنُ قَيْس يُضَغَّفُ في الحَدِيثِ مِن قِبَلِ
حِفْظِهِ، وفي البابِ عَن أبي بَرْزَةَ وَأبي سَعِيدٍ .
[٢٤١٧] (٢٤١٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمن، أخْبَرَنَا الأسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ،
قوله: (حتى يسأل عن خمس) قال الطيبي - رحمه الله -: أنثه بتأويل الخصال، (عن
عمره) بضمتين ويسكن الميم، أي: عن مدة أجله، (فيما أفناه) أي: صرفه، (وعن شبابه)
أي: قوته في وسط عمره، (فيما أبلاه) أي: ضيعه، وفيه تخصيص بعد تعميم، وإشارة إلى
المسامحة في طرفيه من حال صغره وكبره، وقال الطيبي: فإن قلت: هذا داخل في الخصلة
الأولى، فما وجهه؟
قلت: المراد سؤاله عن قوته وزمانه الذي يتمكن منه على أقوى العبادة، (وعن ماله من أين
اكتسبه)أي: أمن حرام أو حلال؟ (وفيما أنفقه) أي: طاعة أو معصية، (وماذا عمل فيما علم)
قال القاري: لعل العدول عن الأسلوب للتفنن في العبارة المؤدية للمطلوب، وقال الطيبي: إنما
غير السؤال في الخصلة الخامسة، حيث لم يقل: ((وعن عمله ماذا عمل به))؛ لأنها أهم شيء
وأولاه، وفيه إيذان بأن العلم مقدمة العمل، وهو لا يعتد به لولا العمل. انتهى.
قوله: (هذا حديث غريب) وضعيف؛ لأن في سنده حسين بن قيس، وهو متروك، كما
عرفت، وضعفه الترمذي أيضًا .
قوله: (وفي الباب عن أبي برزة وأبي سعيد) أما حديث أبي برزة، فأخرجه الترمذي (١)
في هذا الباب، وأما حديث أبي سعيد، فأخرجه البيهقي في كتاب ((البعث والنشور)). كذا في
(«المشكاة».
[٢٤١٧] قوله: (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) هو الدارمي، صاحب المسند، (أخبرنا
الأسود بن عامر) الشامي، نزيل بغداد، يكنى: أبا عبد الرحمن، ويلقب: شاذان، ثقة، من
التاسعة .
(١) الترمذي، كتاب صفة يوم القيامة، حديث (٢٤١٧) والدارمي (٥٣٧).

١٤٨ كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله وَإ﴿ / باب مَا جَاء فِي شَأْنِ الحِسَابِ وَالقِصَاصِ
حَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَن الأعْمَشِ، عَن سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ جُرَيْجٍ، عَن
أبي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى
يُسْئَلَ عَن عُمْرِهِ فِيمَ أفْنَاهُ، وَعن عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وعن مَالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفيمَ
أَنْفَقَّهُ، وعن جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ)). [مي: ٥٣٧].
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ جُرَيْجِ هُوَ بصري وهو
مَوْلَى أبي بَرْزَةَ، وَأَبُو بَرْزَةَ اسْمُهُ: نَضْلَةُ بْنُ عُبَيْدٍ.
٢ - باب مَا جَاء في شَأْنِ الحِسَابِ وَالقِصَاصِ [ت٦٧، ٢٢]
[٢٤١٨] (٢٤١٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحمدٍ، عَن العلاءِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمن، عَن أبِيهِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَِّ قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَن
المُفْلِسُ؟)) قالُوا: المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ الله، من لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ،
قوله: (وعن جسمه فيم أبلاه)، كأنه من بلي الثوب، وأبلاه: كأَن الشباب في قوته
كالثوب الجديد، فَلَمَّا ولى الشباب، وضعف البدن، فكأنما بلي.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) ذكره المنذري في ((الترغيب))، وأقر تصحيح الترمذي،
(هو مولى أبي برزة الأسلمي) قال في ((التقريب)): سعيد بن عبد الله بن جريج، بجيمين وراء
مصغرًا، بصري، صدوق، ربما وهم، من الخامسة، (وأبو برزة الأسلمي اسمه: نضلة بن
عبيد) صحابي، مشهور بكنيته، أسلم قبل الفتح، وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة، وغزا
خراسان، ومات بها سنة خمس وستين، على الصحيح.
٢ - [باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص]
[٢٤١٨] قوله: (أتدرون) أي: أتعلمون، وهذا سؤال إرشاد لا استعلام، ولذلك قال:
((إن المفلس كذا .. وكذا .. ))، (فينا) أي: فيما بيننا، (من لا درهم) أي: من نقد، (له)
أي: ملكًا، (ولا متاع) أي: مما يحصل به النقد، ويتمتع به، من: الأقمشة، والعقار،
والجواهر، والعبيد، والمواشي، وأمثال ذلك.
والحاصل: أنهم أجابوا بما عندهم من العلم، بحسب عرف أهل الدنيا، كما يدل عليه
قولهم: ((فينا))، وغفلوا عن أمر الآخرة، وكان حقهم أن يقولوا: الله ورسوله أعلم؛ لأن

١٤٩
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله ﴿﴿ / باب مَا جَاء فِي شَأنِ الحِسَاب وَالقِصَاص
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((المُفْلِسُ مِن أمَّتِي مَن يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَزَكَاتِهِ،
وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فيقعُدُ
فَيَقْتَصُّ هَذَا مِن حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِن حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أنْ يُقْتَصَّ مَا عَلَيْهِ مِنَ
الخَطَايَا أُخِذَ مِن خَطَايَاهُمْ فَطْرِحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ)). [م: ٢٥٨١، حم: ٧٩٦٩].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢٤١٩] (٢٤١٩) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ وَنَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحمنِ الكُوفِيُّ قال: حَدَّثَنَا
المُحَارِبِيُّ، عَن أبي خَالِدٍ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحمنِ، عَن زَيْدِ بْنِ أبِي أَنَّيْسَةَ، عَن سَعِيدٍ
المَقْبُرِيِّ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((رَحِمَ اللهُ عَبْدًا كَانَت لأَخِيهِ
المعنى الذي ذكروه كان واضحًا عنده وَّهِ، (قال رسول الله وَ إه: المفلس) أي: الحقيقي، أو
المفلس في الآخرة (من أمتي) أي: أمة الإجابة، ولو كان غنيًا في الدنيا بالدرهم والمتاع،
(من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة) أي: مقبولات، والباء للتعدية، أي: مصحوبًا بها،
(ويأتي) أي: ويحضر أيضًا، (قد شتم هذا) أي: حال كونه قد شتم هذا، (وقذف هذا) أي:
بالزنا ونحوه، (وأكل مال هذا) أي: بالباطل، (وسفك دم هذا) أي: أراق دم هذا بغير حق،
(وضرب هذا) أي: من غير استحقاق، أو زيادة على ما يستحقه، والمعنى: جمع بين تلك
العبادات وهذه السيئات (فيقعد) أي: المفلس، (فيقتص هذا من حسناته) أي: يأخذ هذا من
حسناته قصاصًا، قال النووي: يعني: حقيقة المفلس هذا الذي ذكرت، وأما من ليس له مال،
ومن قل ماله، فالناس يسمونه مفلسًا، وليس هو حقيقة المفلس؛ لأن هذا أمر يزول وينقطع
بموته، وربما ينقطع بيسار يحصل له بعد ذلك في حياته، بخلاف ذلك المفلس، فإنه يهلك
الهلاك التام، قال المازري: زعم بعض المبتدعة أن هذا الحديث معارض بقوله - تعالى -:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]، وهو باطل وجهالة بينة؛ لأنه إنما عوقب بفعله ووزره،
فتوجّهت عليه حقوقٌ لغرمائه، فدفعت إليهم حسناته، فَلَمّا فرغت حسناته أخذ من سيئات
خصومه، فوضعت عليه، فحقيقة العقوبة مسببة عن ظلمه، ولم يعاقب بغير جناية منه. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم.
قوله: (عن زيد بن أبي أنيسة) بضم الهمزة، وفتح النون مصغرًا: الغنوي، أبي أسامة
الجزري، ثقة، من السادسة.
[٢٤١٩] قوله: (كانت لأخيه) أي: في الدین،

١٥٠ كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله ﴿/ باب مَا جَاء فِي شَأْنِ الحِسَابِ وَالقِصَاصِ
عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ أو مَالٍ، فَجَاءُهُ فاسْتَحَلَّهُ قَبْلَ أنْ يُؤْخَذَ وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا
دِرْهَمٌ، فَإِنْ كَانَت لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِن حَسَنَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ حَمَلُوهُ عَلَيْهِ
مِن سَيِّئَاتِهِمْ)).
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب من حديث سعيد المَقْبُرِيِّ،
وقد رَوَاه مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَن سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَن النبيِّ ◌ِنَحْوَهُ.
[٢٤٢٠] (٢٤٢٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحمَّدٍ، عَن العَلَاءِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحمَنِ، عَن أبِيهِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَلِقَالَ: ((لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقِ إلَى
أهْلِهَا حَتَّى يُقَادَ للشَّاةِ الجَلحَاءِ مِنَ الشَّاةِ القَرْنَاءِ)). [م: ٢٥٨٢، حم: ٧١٦٣]
(عنده مظلمة) بكسر اللام، وتفتح: اسم ما أخذه الظالم أو تعرض له، (في عرض) بكسر
العين: هو موضع المدح والذم من الإنسان، سواء كان في نفسه أو سلفه، أو من يلزمه أمره،
وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه ونسبه وحسبه، ويحامي عنه أن ينتقص ويثلب، وقيل:
نفسه وبدنه، لا غير، (فجاءه) أي: جاء الظالم المظلوم، (فاستحله) قال في ((النهاية)): يقال:
تحللته واستحللته، إذا سألته أن يجعلك في حل، (قبل أن يؤخذ) قال المناوي: أي: تقبض
رُوحه، (وليس ثم) أي: هناك، يعني في القيامة، (دينار ولا درهم) يقضي به، (فإن كانت له
حسنات أخذ من حسناته) أي: فيوفي منها لصاحب الحق، (وإن لم تكن له حسنات) أو لم
تف بما عليه، (حملوا عليه من سيئاتهم) أي: ألقى أصحاب الحقوق من ذنوبهم بقدر
حقوقهم، ثم يقذف في النار.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري.
[٢٤٢٠] قوله: (لَتُؤَذَّنَّ) بفتح الدال المشددة، قال التوربشتي: هو على بناء المجهول،
والحقوق مرفوع، هذه هي الرواية المعتد بها، ويزعم بعضهم ضم الدال ونصب الحقوق،
والفعل مسند إلى الجماعة الذين خوطبوا به، والصحيح ما قدمناه. انتهى.
(حتى تقاد الشاة الجلحاء) بالمد: هي الجماء التي لا قرن لها، (من الشاة القرناء) أي:
التي لها قرن، قال النووي: الجلحاء بالمد: هي الجماء التي لا قرن لها، والقرناء: ضدها،
وهذا تصريح بحشر البهائم يوم القيامة، وإعادتها كما يعاد أهل التكليف من: الآدميين،
والأطفال، والمجانين، ومن لم تبلغه دعوة، وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسنة، قال -

كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء فِي شَأْنِ الحِسَابِ وَالقِصَاصِ ١٥١
وفي الباب، عَن أبي ذَرِّ وَعَبْدِ الله بْنِ أُنَيْسٍ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: وحَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢٤٢١] (٢٤٢١) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحمنِ
ابْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي سُلَيمُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا المِقْدَادُ، صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ وَيه
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَهِ يَقُولُ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ أُدْنِيَتِ الشَّمْسُ مِنَ العِبَادِ
حَتَّى تَكُونَ قِيدَ مِيْلٍ أوِ اثْنَيْنِ)) قَالَ سُلَيْمُ: لا أدْرِي أيّ المِيلَيْنِ عَنَى: أمَسَافَةُ الأرْضِ
تعالى جلّ جلالُه، ولا إله غيره -: ﴿وَإِذَا الْوُجُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥]، وإذا ورد لفظ الشرع،
ولم يمنع من إجرائه على ظاهره شرع ولا عقل، وجب حمله على ظاهره.
قالوا: وليس من شرط الحشر والإعادة في القيامة المجازاة والعقاب والثواب، وأما
القصاص من القرناء للجلحاء، فليس من قصاص التكليف، بل هو قصاص مقابلة. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن أبي ذر(١) وعبد الله بن أنيس(٢)) أخرج حديثهما أحمد في
«مسنده» .
قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم.
٢ - باب
[٢٤٢١] قوله: (حدثني سليم) بالتصغير، (بن عامر) الكلاعي، ويُقال: الخبائري - بخاء
معجمة وموحدة - أبو يحيى الحمصي، ثقة، من الثالثة، غلط من قال: إنه أدرك النبي وَلقر،
(أخبرنا المقداد) بن عمرو بن ثعلبة، البهراني، ثم الكندي، ثم الزهري، صحابي مشهور،
من السابقين.
قوله: (أدنيت) بصيغة المجهول، من الإدناء، أي: قربت، (الشمس) أي: جرمها،
(حتى يكون) وفي رواية مسلم: ((حتى تكون)) بالتأنيث، وهو الظاهر، (قيد ميل) بكسر
القاف، أي: قدر ميل، وفي رواية مسلم: ((كمقدار ميل))، (أو اثنتين) الظاهر أنه شك من
الراوي، أي: أو ميلين، (لا أدري أي الميلين عنى) أي: أراد رسول الله وَّيه، قال الشيخ
(١) أحمد، حديث (٢١٠٠٠).
(٢) أحمد، حديث (١٥٦١٢).

١٥٢ كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله وَيه / باب مَا جَاء فِي شَانِ الحِسَابِ وَالقِصَاصِ
أم المِيْلُ الَّذِي تكتحلُ بِهِ العَيْنُ؟ قَالَ: ((فَتَصْهَرُهُمُ الشَّمْسُ فَيَكُونُونَ فِي العَرَقِ بِقَدْرِ
أعْمَالِهِمْ: فَمِنْهُمْ مَن يَأْخُذُهُ إِلَى عَقِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَن يَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَن يَأْخُذُهُ
إِلَى حِقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَن يُلْجِمُهُ إِلْجَامًا)). فَرَأيْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ، أيْ
يُلْجِمُهُ إِلْجَامًا. [م: ٢٨٦٤، حم: ٢٣٣٠١].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وفي البَابِ، عَن أبي سَعِيدٍ، وَابنٍ
عُمَرَ.
عبد الحق في ((اللمعات)): الظاهر أن المراد ميل الفرسخ، وكفى ذلك في تعذيبهم وإيذائهم،
وأما احتمال إرادة ميل المكحلة، فبعيد، (فتصهرهم الشمس) أي: تذيبهم، من الصهر، وهو
الإذابة، من فتح يفتح، (ومنهم من يأخذه إلى حقويه) الحقو: الخصر، ومشد الإزار، (ومنهم
من يلجمه إلجامًا) والإلجام: إدخال اللجام في الفم، والمعنى: يصل العرق إلى فمه، فيمنعه
من الكلام، كاللجام. كذا في ((المجمع))، قال ابن الملك: إن قلت: إذا كان العرق كالبحر
يلجم البعض، فكيف يصل إلى كعب الآخر؟ قلنا: يجوز أن يخلق الله - تعالى - ارتفاعًا في
الأرض، تحت أقدام البعض، أو يُقال: يمسك الله - تعالى - عرق كل إنسان بحسب عمله،
فلا يصل إلى غيره منه شيء، كما أمسك جرية البحر لموسى عليه الصلاة والسلام.
قال القاري: المعتمد هو القول الأخير؛ فإن أمر الآخرة كله على وفق خرق العادة، أما
ترى أن شخصين في قبر واحد، يعذب أحدهما وينعم الآخر، ولا يدري أحدهما عن غيره.
انتھی.
وقال القاضي: يحتمل أن المراد عرق نفسه وعرق غيره، ويحتمل عرق نفسه خاصة،
وسبب كثرة العرق تراكم الأهوال، ودنو الشمس من رؤوسهم، وزحمة بعضهم بعضًا.
قوله: (وفي الباب عن أبي سعيد، وابن عمر) أما حديث أبي سعيد، فلينظر من
أخرجه (١)، وأما حديث ابن عمر، فأخرجه مسلم (٢).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، ومسلم.
(١) أحمد، حديث (١١٤٤٥).
(٢) مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، حديث (٢٨٦٢).

١٥٣
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله وَله / باب مَا جَاء فِي شَأنِ الحشْر
[٢٤٢٢] (٢٤٢٢) حَدَّثَنَا أَبُو زَكَرِيًّا يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
زَيْدٍ، عَن أيُّوبَ، عَن نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ حَمَّادٌ: وَهُوَ عِنْدَنَا مَرْفُوعٌ ﴿يَوْمَ يَقُومُ
النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قَالَ: ((يَقُومُونَ في الرَّشْحِ إِلَى أَنْصَافِ آذَانِهِمْ)).
[خ: ٤٩٣٨، م: ٢٨٦٢، جه: ٤٢٧٨، حم: ٤٥٩٩].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَن ابنِ عَوْنٍ، عَن نَافِعٍ، عَن ابنٍ عُمَر،
عَنِ النَّبِيِّ وَِّ نحْوَهُ.
٣- باب مَا جَاء في شَأْنِ الحشْرِ [ت٦٨، ٣٠]
[٢٣
٢٤] (٢٤٢٣) حَدَّثَنَا محمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أبُو أحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلَّى:
[٢٤٢٢] قوله: (حدثنا أبو زكريا يحيى بن دُرُست) - بضمتين وسكون المهملة - ابن
زياد، ثقة، من العاشرة.
قوله: (قال حماد: وهو عندنا مرفوع) يعني: أن هذا الحديث ليس بمرفوع صريحًا، لكنه
مرفوع حكمًا (﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾﴾ [المطففين: ٦]، أي: من قبورهم (﴿لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾) [المطففين:
٦]، أي: لأجل أمره وحسابه وجزائه، (قال: يقومون في الرشح) وفي رواية مسلم: ((يَقُومُ.
أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ))، قال في ((النهاية)): الرشح العرق؛ لأنه يخرج من البدن شيئًا فشيئًا، كما
يرشح الإناء المتخلخل الأجزاء، (إلى أنصاف آذانهم) وفي رواية لمسلم: ((حتى يغيب أحدهم
في رشحه إلى أنصاف أذنيه)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم.
٣ - باب ما جاء في شأن الحشر
الحشر: جمع، والمراد به حشر الأموات من قبورهم وغيرها، بعد البعث جميعًا إلى
الموقف، قال الله - تعالى -: ﴿وَحَشَرْنَهُمْ فَلَمْ تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٨].
[٢٤٢٣] قوله: (عن المغيرة بن النعمان) النخعي، الكوفي، ثقة، من السادسة، قوله:

١٥٤
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء فِي شَأْنِ الحشْر
((يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا كَمَا خُلِّقُوا، ثُمَّ قَرأ:
(يحشر الناس) أي: يبعثون، (حفاة) - بضم الحاء - جمع: حاف، وهو الذي لا نعل له، ولا
خف، (عراة) - بضم العين المهملة - جمع عار، وهو من لا ستر له، قال البيهقي: وَقَعَ في
حديث أبي سعيد - يعني: الذي أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان(١)- أنه لما حضره الموت
دعا بثياب جدد، فلبسها، وقال: سمعتُ النبي ◌َّهِ يقول: ((إِنَّ المَيِّتَ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي
يَمُوتُ فِيهَا))، ويجمع بينهما بأن بعضهم يحشر عاريًا، وبعضهم كاسيًا، أو يحشرون كلهم
عراة، ثم يكسى الأنبياء، فأول من يكسى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أو يخرجون من
القبور بالثياب التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فيحشرون عراة، ثم يكون
أول من يكسى إبراهيم.
وحمل بعضهم حديث أبي سعيد على الشهداء؛ لأنهم الذين أمر أن يزملوا في ثيابهم
ويدفنوا فيها، فيحتمل أن يكون أبو سعيد سمعه في الشهيد، فحمله على العموم، وممن حمله
على عمومه معاذ بن جبل، فأخرج ابن أبي الدنيا بسند حسن عن عمرو بن الأسود، قال:
(دَفَنَّا أُمَّ مُعَاذِ بْنٍ جَبلٍ، فَأَمَرَ بِهَا فَكُفِّنَتْ فِي ثِيَابٍ جُدٍ، وَقَالَ: أَحْسِنُوا أَكْفَانَ مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّهُمْ
يُخْشَرُونَ فِيهَا))(٢)، قال: وحمله بعضُ أهل العلم على العمل، وإطلاق الثياب على العمل
وقع في مثل قوله - تعالى -: ﴿وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقوله - تعالى -: ﴿وَثِيَكَ
فَطَهِرْ﴾ [المدثر: ٤]، على أحد الأقوال، وهو قول قتادة، قال معناه: وعملك فأخلصه، ويؤكد
ذلك حديث جابر رفعه: ((يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ))، أخرجه مسلم، ورجح القرطبي
الحمل على ظاهر الخبر، ويتأيد بقوله - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُزَدَىْ كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّقِ﴾
[الأنعام: ٩٤]، وقوله - تعالى -: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وإلى ذلك الإشارة في
حديث الباب: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقِ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، عَقِبَ قَولِه: ((حفاة عراة)). قال:
فيحمل ما دل عليه حديث أبي سعيد على الشهداء؛ لأنهم يدفنون بثيابهم، فيبعثون فيها؛
تمييزًا لهم عن غيرهم. وقد نقله ابن عبد البر عن أكثر العلماء. كذا في ((الفتح))، (غُرْلًا)
بضم المعجمة، وسكون الراء - جمع أغرل، وهو الأقلف، وزنه ومعناه، وهو من بقيت
غرلته: وهي الجلدة التي يقطعها الخاتن من الذكر، (ثم قرأ) أي: استشهادًا واعتضادًا،
(١) أبو داود، كتاب الجنائز، حديث (٣١١٤) وابن حبان، حديث (٧٣١٦).
(٢) وأخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١١١٣٢).

١٥٥
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول اللّه / باب مَا جَاء فِي شَأْنِ الحشْر
﴿َكَمَا بَدَأْنَا أَوَلَ خَلْقٍ تُعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَّا فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وَأوَّلُ مَن يُكْسَى
مِنَ الخَلَائِقِ إِبْرَاهِيمُ،
(﴿َكَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقِ تُّعِيدُهُ﴾) الكاف متعلقٌ بمحذوفٍ دل عليه ((نعيده))، أي: نعيد الخلق
ج
إعادة مثل الأول، والمعنى: كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاةً عراةً غرلًا، كذا نعيدهم يوم
القيامة، (﴿وَعْدًا عَلَيْنَاً﴾) أي: لازمًا، لا يجوز الخلف فيه (﴿إِنَّا كُنَا فَعِلِينَ﴾) [الأنبياء: ١٠٤]
أي: ما وعدناه، وأخبرنا به لا محالة.
(وأول من يكسى من الخلائق إبراهيم) قال القرطبي في ((شرح مسلم)): يجوز أن يراد
الخلائق من عدا نبيناّ فلم يدخل هو في عموم خطاب نفسه، وتعقبه تلميذه القرطبيُّ أيضًا
في ((التذكرة))، فقال: هذا حسن، لولا ما جاء من حديث علي، يعني: الذي أخرجه ابن
المبارك) في ((الزهد))، من طريق عبد الله بن الحارث عن علي، قال: ((أول من يكسى يوم
القيامة خليلُ الله - عليه السلام - قبطيتين، ثم يكسى محمد ◌ّ حلة حبرة، عن يمين العرش)).
قال الحافظ: كذا أورده مختصرًا موقوفًا، وأخرجه أبو يعلى(٢) مطولًا مرفوعًا، وأخرج
البيهقي من طريق ابن عباس نحو حديث الباب، وزاد: ((وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسى مِنَ الجَنَّةِ إِبِرَاهِيمُ،
يُكْسَى حُلَّةً مِنَ الجنَّةِ، وَيُؤْتَى بِكُرْسِيٍّ فَيُطْرَحُ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ، ثُمَّ يُؤْتِىَ بِي، فَأُكْسَى حُلَّةً مِنَ
الجَنّة لا يَقُومُ لَهَا البَشَرُ، ثُمَّ يُؤْتَى بِكُرْسِيٍّ، فَيُظْرَحُ عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ، وَهُوَ عَنْ يَمِينٍ
العَرْشِ».
وفي مرسل عبيد بن عمير عند جعفر الفريابي: ((يُحْشَرُ النّاسُ حفاةً عراةً، فيقول الله -
تعالى -: [لا] أرى خليلي عُريانًا، فيكسى إبراهيمُ ثوبًا أبيض، فهو أولُ مَن يكسى(٣).
قيل: الحكمة في كون إبراهيم أول من يكسى أنه جرد حين ألقي في النار، وقيل: لأنه
أول من استن التستر بالسراويل، وقد أخرج ابن منده من حديث حيدة رفعه قال: ((أولُ مَنْ
يُكسى إبراهيمُ، يقولُ الله: اكسوا خليلي ليعلم الناسُ اليومَ فَضْلَهُ عليهم)»، قال الحافظ: لا
يلزم من تخصيص إبراهيم - عليه السلام - بأنه أول من يكسى أن يكون أفضل من نبينا - عليه
الصلاة والسلام - مطلقًا. انتهى.
ابن المبارك في ((الزهد»، حديث (٣٦٤).
(١)
(٢)
أبو یعلی، حديث (٥٦٦).
أخرجه أبو نعيم في «الحلية)) (٢٧٠/٣) وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٤٧/٦).
(٣)

١٥٦
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله وَ ﴿ ﴿ / باب مَا جَاء فِي شَأنِ الحشْر
وَيُؤْخَذُ مِن أَصْحَابِي بِرِ جَالٍ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أصْحَابيْ
فَيُقَالُ: إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أحدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أعْقَابِهِمْ مُنْذُ
فَارَقْتَهُمْ،
(ويؤخذ من أصحابي برجال ذات اليمين وذات الشمال) أي: إلى جانب اليمين، وإلى
جانب الشمال، قال الحافظ: وبين في حديث أنس الموضع، ولفظه: ((لَيَرِدَنَّ عليَّ ناس من
أصحابي الحوض، حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني ... ))، الحديث. وفي حديث أبي هريرة
عند مسلم: ((ليُذَادَنَّ رجالٌ عن حَوْضِي كما يُذادُ البعيرُ الضالُّ، أَنَادِيِهم ألا هَلُمَّ))، (فأقول:
يا رب أصحابي) أي: هؤلاء أصحابي، ولأحمد والطبراني من حديث أبي بكرة رفعه:
((ليَردَنَّ عليَّ الحوضَ رجالٌ ممن صَحِبَنِي ورآني))، وسنده حسن، وللطبراني من حديث
أبي الدرداء نحوه. قاله الحافظ. (إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) هذا بيان
لقوله: ((مَا أحدثوا بعدك»، قال النووي: هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال:
أحدها: أن المراد به المنافقون، والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل،
فيناديهم النبي ◌َّهه للسيما التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء ممن وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا
بعدك، أي: لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.
والثاني: أن المراد مَنْ كان في زمن النبي ◌ِّه ثم ارتد بعده، فيناديهم النبي ◌َّ وإن لم
يكن عليهم سيما الوضوء؛ لما كان يعرفه وَّل * في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك.
والثالث: أن المراد به: أصحاب المعاصي الكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب
البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام وعلى هذا القول لا يقطع لهؤلاء الذين يذادون
بالنار، بل يجوز أن يذادوا عقوبة لهم، ثم يرحمهم الله - سبحانه وتعالى - فيدخلهم الجنة بغير
عذاب، قال أصحاب هذا القول: ولا يمتنع أن يكون لهم غرة وتحجيل، ويحتمل أن يكون
كانوا في زمن النبي ◌ّه وبعده، لكن عرفهم بالسيما، وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: كل
من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض، كالخوارج والروافض، وسائر
أصحاب الهوى، قال: وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق المعلنون بالكبائر،
قال: وكُلُّ هؤلاء يُخاف عليهم أن يكونوا ممّن عُنوا بهذا الخبر. انتهى كلام النووي -
رحمه الله - .

١٥٧
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله 8 18 / باب مَا جَاء فِي شَأنِ الحشْر
فَأْقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ
اَلْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨])). [خ: ٣٣٤٩، م: ٢٨٦٠، ن: ٢٠٨١، حم: ١٩١٦، مي: ٢٨٠٢].
حَدَّثَنَا مُحمدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَن
شُعْبَةَ، عَن المُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، بهذا الإسناد فَذَكَرَ نحْوَهُ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديث حسن صحيح.
[٢٤٢٤] (٢٤٢٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أخْبَرَنَا بَهْزُ بْنُ
حَكِيمٍ، عَن أبِيهِ، عَن جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَله يقول: ((إنَّكُمْ مَحْشُورُونَ
رِجَالاً وَرُكْبَانًا وَتُجَرُّونَ عَلَى وُجُوهِكُم)). [حم: ١٩٥٢٠].
وفي الباب، عَن أبي هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح.
(فأقول كما قال العبد الصالح) أي: عيسى - عليه الصلاة والسلام - (إن تعذبهم ...
إلخ) وفي ((المشكاة)): ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧]، إلى قوله: ﴿اَلْعَزِيزُ
اٌلْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، وهذه الآية في آخر ((سورة المائدة))، وحديث ابن عباس هذا أخرجه
الشيخان أيضًا .
[٢٤٢٤] قوله: (إنكم تحشرون رجالًا) - بكسر الراء - جمع راجل، أي: مشاة،
(وركبانًا) أي: على النوق، وهو بضم الراء: جمع راكب، وهم السابقون الكاملو الإيمان،
قال التوربشتي: فإن قيل: لم بدأ بالرجال بالذكر قبل أولي السابقة؟ قلنا: لأنهم هم الأكثرون
من أهل الإيمان، (وتجرون) بصيغة المجهول، من الجر.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه الترمذي(١) في ((القدر))، وفي تفسير ((سورة
القمر))، وأخرجه أيضًا أبو داود، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي في ((البعث)).
قوله: (هذا حديث حسن) قال الحافظ في ((الفتح)): وحديث معاوية بن حيدة جد بهز بن
حكيم، رفعه: ((إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ - وَنَحَا بيده نحو الشام - رجالًا وركبانًا، وتجرون على
وجوهكم))، أخرجه الترمذي، والنسائي، وسنده قوي. انتهى.
(١) الترمذي، كتاب القدر، حديث (٢١٥٧)، وكتاب التفسير، حديث (٣١٤٢).

١٥٨
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله لي / باب مَا جَاء فِي العَرْض
٤- باب مَا جَاء في العَرْض [ت٦٩، ٤٢]
[٢٤٢٥] (٢٤٢٥) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَن عَلِيٍّ بْنِ عليٍّ، عَن
الحَسَنِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: ((يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَلَاثَ
عَرَضَاتٍ، فَأَمَّا عَرْضَتَانِ: فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ، وَأمَّا العَرْضَةُ الثَّالِثَةُ: فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ
الصُّحُفُ فِي الأيْدِي فَآَخِذٌ بِيَمِيْنِهِ وَآَخِذٌ بِشِمَالِهِ)). [ضعيف: جه: ٤٢٧٧، حم: ١٩٢١٦].
قَالَ أبُو عِيْسَى: وَلَا يَصِحُّ هَذَا الحَدِيثُ مِن قِبَلٍ أنَّ الحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِن
أبي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَن عَلِيٍّ بن علي الرِّفَاعِيِّ عَنِ الحَسَنِ، عَن
أبِي مُوسَى، عَن النبيِّ ◌َّه.
٤ - باب ما جاء في العرض
[٢٤٢٥] قوله: (يعرض الناس) أي: على الله، (ثلاث عرضات) بفتحتين، قيل: أي:
ثلاث مرات.
فأما المرة الأولى: فيدفعون عن أنفسهم، ويقولون: لم يبلغنا الأنبياء ويحاجون الله - تعالى -.
وفي الثانية: يعترفون ويعتذرون، بأن يقول كلٌّ: فعلته سهوًا وخطأً أو جهلًا، ونحو
ذلك، وهذا معنى قوله: (فأما عرضتان فجدال ومعاذير) جمع معذرة، ولا يتم قضيتهم في
المرتين بالكلية، (فعند ذلك تطير الصُّحف) بضمتين: جمع الصحيفة، وهو المكتوب، أي:
يسرع وقوعها،(في الأيدي) أي: أيدي المكلفين، (فآخذٌّ بيمينه وآخذٌ بشماله) الفاء تفصيلية،
أي: فمنهم آخذ بيمينه، وهو من أهل السعادة، ومنهم آخذ بشماله، وهو من أهل الشقاوة.
هذا كله من ((المرقاة شرح المشكاة)).
وقال في ((الفتح)) بعد ذكر حديث الباب: قال الترمذي الحكيم: الجدال للكفار؛
يجادلون لأنهم لا يعرفون ربهم، فيظنون أنهم إذا جادلوا نجوا، والمعاذير: اعتذار الله لآدم
وأنبيائه بإقامته الحجة على أعدائه، والثالثة للمؤمنين، وهو العرض الأكبر.
قوله: (من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة) بكسر القاف، وفتح الموحدة، أي:
من جهة عدم سماع الحسن من أبي هريرة، فالحديث منقطعٌ، وقد صرح الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)) بعدم سماعه منه، وقد نقل عن غير واحد من أئمة الحديث أنه لم يسمع منه،(وقد
رواه بعضهم عن علي بن علي، وهو الرفاعي، عن الحسن، عن أبي موسى، عن النبي (ت9َّ)

١٥٩
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله وَار / بَابٌ مِنْهُ
قَالَ أبُو عِيْسَى: ولا يَصِحُّ هَذَا الحَدِيثُ مِن قِبَلِ أنَّ الحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِن
أبي مُوسَى.
٥- بَابٌ مِنْهُ [ت٧٠، ٥٢]
[٢٤٢٦] (٢٤٢٦) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا ابنُ المُبَارَكِ، عَن عُثمانَ بْنِ
الأسودِ، عَن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، عَن عَائِشَةَ، قَالَت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ: ((مَن
نُوقِشَ الحِسَابَ هَلَكَ)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! إن اللهَ تعالى يَقُولُ: ﴿فَمَّا مَنْ أُوَِّ كِتَبَهُ.
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧-٨] قَالَ: ((ذَلِكَ العَرْضُ)). [خ: ١٠٣،
V
بِسَمِينِهِ
م: ٢٨٧٦، د: ٣٠٩٣، حم: ٢٣٦٨٠].
قال الحافظ في ((الفتح)) بعد نقل كلام الترمذي هذا: وهو عند ابن ماجه وأحمد(١) من هذا
الوجه مرفوعًا، وأخرجه البيهقي في ((البعث)) بسند حسن عن عبد الله بن مسعود موقوفًا.
٥ - باب منه
[٢٤٢٦] قوله: (عن عثمان بن الأسود) بن موسى المكي، مولى بني جمح، ثقة، ثبت،
من كبار السابعة.
قوله: (من نوقش الحساب) قال صاحب ((الفائق)): يقال: ناقشه الحساب، إذا عاسره
فيه، واستقصى فلم يترك قليلًا ولا كثيرًا، وقال الحافظ: الحسابَ بالنصب؛ على نزع
الخافض، والتقدير: يناقش في الحساب، (هلك) أي: عذب في النار؛ جزاء على السيئات
التي أظهرها حسابه، (قلت: يا رَسُولَ الله: إن الله يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بَِمِهِ.
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾﴾ [الانشقاق: ٧، ٨]، وتمامه: ﴿وَيَقَلِبُ إِلَى أَهْلِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٩]،
(قال: ذاك العرض) بكسر الكاف، وجوز الفتح على خطاب العام، والمعنى: إنما ذلك
الحساب اليسير في قوله - تعالى - عرض عمله لا الحساب على وجه المناقشة، قال
القرطبي: معنى قوله: ((إنما ذاك العرض)): أن الحساب المذكور في الآية إنما هو أن تعرض
أعمال المؤمن عليه؛ حتى يعرف منة الله عليه في سترها عليه في الدنيا، وفي عفوه عنها في
الآخرة، كما في حديث ابن عمر في النجوى. انتهى.
(١) أحمد، حديث (١٩٢١٦) وابن ماجه، كتاب الزهد، حديث (٤٢٧٧).

١٦٠
كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله وَ﴿﴿ / بَابٌ مِنْهُ
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ أيُّوب أيْضًا، عَن ابنِ
أبِي مُلَيْكَةَ.
٦- بَابٌ مِنْهُ [ت٧١، م٦]
[٢٤٢٧] (٢٤٢٧) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أخْبَرَنَا ابنُ المُبَارَكِ، أخْبَرَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الحَسَنِ وقَتَادَةُ، عَن أَنَسٍٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَلِ قَالَ: ((يُجَاءُ بابنِ آدَمَ
يَوْمَ القِيَامَةِ كَأنَّهُ بَذُجُ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَي الله، فَيَقُولُ اللهُ له:
اعلم: أنه وقع عند الشيخين(١) في طريق ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن
عائشة عن النبي ◌َّيِ: (لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّ هَلَكَ))، فقلتُ: يا رسولَ الله، أَلَيْسَ
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧، ٨]؟ فقالَ
قد قال الله: ﴿فَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِنَبَهُ بِيَمِينِ (٣)
رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ ... )) الحديث، فعلى هذه الرواية تظهر المعارضة بينها
وبين قوله - تعالى - المذكور، قال الحافظ: وجه المعارضة: أن لفظ الحديث عام في تعذيب
كلٍّ من حوسب، ولفظ الآية دال على أن بعضهم لا يعذب.
وطريق الجمع: أن المراد بالحساب في الآية العرض، وهو إبراز الأعمال وإظهارها،
فیعرِّف صاحبها بذنوبه، ثم يتجاوزُ عنه. انتهى.
قلت: ولا يظهر وجه المعارضة بين رواية الباب بلفظ: ((مَنْ نُوقش الحساب هلك))،
وبین قوله ۔ تعالی ۔ المذکور، فتفكر.
قوله: (هذا حديث صحيح حسن) وأخرجه الشيخان.
٦ - باب منه
[٢٤٢٧] قوله: (أخبرنا إسماعيل بن مسلم) المكيّ، أبو إسحاق، كان من البصرة، ثم
سكن مكة، وكان فقيهًا، ضعيف الحديث، من الخامسة.
قوله: (يجاء) أي: يؤتى، (كأنه بذج) بفتح موحدة، وذال معجمة، فجيم: ولد الضأن،
معرب بره، أراد بذلك هوانه وعجزه، وفي بعض الطرق ((فكأنه بذج من الذلِّ))، وفي ((شرح
السنة)): شبه ابن آدم بالبذج، لصغاره وصغره، أي: يكون حقيرًا ذليلًا، (فيوقف) أي: ابن
(١) البخاري، كتاب الرقاق، حديث (٦٥٣٧) ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث (٢٨٧٦).