النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
كتاب الزهد عن رسول اللّه وَّهِ / باب مَا جَاء في الصَّبْرِ عَلى البَلاء
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ حسنٌّ؛ إنَّمَا نَعْرِفُهُ من هذا الوَجْهِ.
٥٦- باب مَا جَاء في الصَّبْرِ عَلى البَلَاَء [ت٥٧، ٥٧٢]
[٢٣٩٦] (٢٣٩٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيثُ عَن يَزِيدَ بْنِ أبي حَبِیبٍ، عَن
سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَن أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا أُرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الخَيْرَ عَجَّلَ
لَهُ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أُرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافي
طعام الحاجة، وذلك أنه - تعالى - قال: ﴿وَيُطْعِمُونَ أَلَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَِّمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان:
٨] ومعلوم أن أسراهم كانوا كفارًا، غير مؤمنين، ولا أتقياء، وإنما حذر من صحبة من ليس
بتقي، وزجر عن مخالطته ومؤاكلته لأن المطاعمة توقع الألفة والمودة في القلوب، وقال
الطيبي: ((ولا يأكل)): نهي لغير التقي أن يأكل طعامه، والمراد: نهيه عن أن يتعرض لما لا
يأكل التقي طعامه من كسب الحرام، وتعاطي ما ينفر عنه التقي، فالمعنى: لا تصاحب إلا
مطيعًا، ولا تخالل إلا تقيًّا. انتهى.
قال القاري: وهو في غاية من البهاء، غير أنه لا يستقيم به وجه الحصر، فالصواب ما
قدمناه.
قلت: الأمر كَمَا قال القاري.
٠٠
قوله: (هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه) وأخرجه أحمد، وأبو داود، والدارمي،
وابن حبان، والحاكم(١)، وسكت عنه أبو داود والمنذري، وقال المناوي: أسانيده صحيحة.
٥٦ - باب ما جاء في الصبر على البلاء
[٢٣٩٦] قوله: (عن سعد بن سنان) قال في ((التقريب)): سعد بن سنان، ويقال: سنان
بن سعد، الكندي، المصري، وصوب الثاني البخاري، وابن يونس، صدوق، له أفراد، من
الخامسة.
قوله: (إذا أراد الله بعبده الخير عجل) بالتشديد أي: أسرع (له العقوبة) أي: الابتلاء
بالمكاره (في الدنيا)؛ ليخرج منها، وليس عليه ذنب، ومن فعل ذلك معه فقد أعظم اللطف به
والمنة عليه، (أمسك) أي: أخر (عنه) ما يستحقه من العقوبة (بذنبه) أي: بسببه، (حتى يوافي
(١) ابن حبان، حديث (٥٥٤) والحاكم (٧١٦٩)، وقال: صحيح الإسناد. وأقرَّه الذهبي.

١٢٢
كتاب الزهد عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاء في الصَّبْرِ عَلى البَلاء
بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ)).
وبهذا الإسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ قَالَ: ((إنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظم البَلَاءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا
أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَى، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطْ)). [جه: ٤٠٣١].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوَجْهِ.
[٢٣٩٧] (٢٣٩٧) حَدَّثَنَا محمودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَن
الأعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ أبَا وَائِلٍ، يَقُولُ: قَالَت عائِشةُ: ما رأيْتُ الوَجَعَ عَلَى أحَدٍ
أشَدَّ مِنْهُ عَلَى رَسُولِ الله وَلَوِ. [خ: ٥٦٤٦، م: ٢٥٧٠، جه: ١٦٢٢، حم: ٢٤٩٥٣].
به يوم القيامة) أي: حتى يأتي العبد بذنبه يوم القيامة، قال الطيبي يعني: لا يجازيه بذنبه حتى
يجيء في الآخرة متوفر الذنوب وافيها، فيستوفي حقه من العقاب.
قوله: (إن عظم الجزاء) أي: كثرته (مع عظم البلاء) بكسر المهملة، وفتح الظاء فيهما،
ويجوز ضمها مع سكون الظاء، فمن ابتلاؤه أعظم، فجزاؤه أعظم، (ابتلاهم) أي: اختبرهم
بالمحن والرزايا، (فمن رضي) بما ابتلاه به، (فله الرضى) منه - تعالى - وجزيل الثواب،
(ومن سخط) بكسر الخاء، أي: كره بلاء الله، وفزع، ولم يرض بقضائه، (فله السَّخط) منه -
تعالى -، وأليم العذاب، ومن يعمل سوءًا يجز به، والمقصود الحث على الصبر على البلاء
بعد وقوعه، لا الترغيب في طلبه؛ للنهي عنه.
قوله: (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه) الظاهر: أن الترمذي حسن الحديث
الثاني، ولم يحكم على الحديث الأول بشيء، مع أنه أيضًا حسن عنده؛ لأن سندهما واحد،
وذكر السيوطي الحديث الأول في ((الجامع الصغير))، وعزاه إلى الترمذي والحاكم، وذكر
الحديث الثاني فيه أيضًا، وعزاه إلى الترمذي وابن ماجه، وذكر المنذري الحديث الثاني في
((الترغيب))، وقال: رواه ابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن غريب.
[٢٣٩٧] قوله: (سمعت أبا وائل يحدث يقول) كذا في بعض النسخ، ولم يقع في بعضها
لفظ ((يحدث))، وهو الظاهر.
قوله: (ما رأيت الوجع) قال الحافظ في ((الفتح)): المراد بالوجع المرض، والعرب
تسمي كل وجع مرضًا. انتهى، (منه) أي: من الوجع (على رسول الله (وَ ﴾) أي: ما رأيت
أحدًا أشدَّ وجعًا من رسول الله وَلتِ .

١٢٣
كتاب الزهد عن رسول اللّه / باب مَا جَاء في الصَّبْرِ عَلى البَلَاء
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢٣٩٨] (٢٣٩٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَاصِم بْنِ بَهْدَلَةَ، عَن
مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ عَن أبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءَ؟ قَالَ:
((الأنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ: فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبٍ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا
اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ،
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، والنسائي(١) ، وابن ماجه.
[٢٣٩٨] قوله: (أي الناس أشد) أي: أكثر وأصعب(بلاء) أي: محنة ومصيبة،(قال:
الأنبياء) أي: هم أشد في الابتلاء؛ لأنهم يتلذذون بالبلاء، كما يتلذذ غيرهم بالنعماء،
ولأنهم لو لم يبتلوا لتُؤُهِّمَ فيهم الألوهية، وليتومَّن على الأمة الصبر على البلية، ولأن من
كان أشد بلاء كان أشد تضرعًا والتجاءً إلى الله - تعالى -، (ثم الأمثل فالأمثل) قال الحافظ:
الأمثلُ: أفعل من المثالة، والجمع أماثل، وهم الفضلاء، وقال ابن الملك: أي: الأشرف
فالأشرف، والأعلى فالأعلى رتبة ومنزلة، يعني: من هو أقرب إلى الله بلاؤه أشد؛ ليكون
ثوابه أكثر، قال الطيبي: ((ثم)) فيه للتراخي في الرتبة، والفاء: للتعاقب على سبيل التوالي؛
تنزلًا من الأعلى إلى الأسفل، و((اللام)) في ((الأنبياء)) للجنس، قال القاريّ: وَيصحّ كونها
للاستغراق؛ إذ لا يخلو واحد منهم من عظيم محنة، وجسيم بلية بالنسبة لأهل زمنه، ويدل
عليه قوله: (يبتلى الرجل على حسب دينه) أي: مقداره ضعفًا، وقوة، ونقصًا، وكمالًا، قال
الطيبي: الجملة بيان للجملة الأولى، واللام في ((الرجل)) للاستغراق في الأجناس المتوالية.
(فإن كان) تفصيل للابتلاء وقدره، (في دينه صلبًا) بضم الصاد المهملة، أي: قويًّا
شديدًا، وهو خبر كان، واسمه ضمير راجع إلى الرجل، والجار متعلق بالخبر(اشتد بلاؤه)
أي: كمية وكيفية، (وإن كان في دينه رقة) أي: ذا رقة، ويحتمل أن يكون ((رقة)) اسم كان،
أي: ضعف ولين، قال الطيبي: جعل الصلابة صفة له، والرقة صفة لدينه؛ مبالغة، وعلى
الأصل، قال القاري: وكان الأصل في الصلب أن يستعمل في الجثث، وفي الرقة أن
تستعمل في المعاني، ويمكن أن يحمل على التفنن في العبارة. انتهى.
(ابتلي على قدر دينه) أي: ببلاء هين سهل، والبلاء في مقابلة النعمة، فمن كانت النعمة
(١) النسائي في ((الكبرى))، حديث (٧٠٨٧، ٧٤٨٤).

١٢٤
كتاب الزهد عن رسول الله وَيه / باب مَا جَاء في الصَّبْرِ عَلى البَلاء
فَمَا يَبْرَحُ البَلَاءُ بالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ)). [جه: ٤٠٢٣،
حم: ١٤٨٤، مي: ٢٧٨٣].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وفي البابِ عَن أبي هريرةَ وَأخت
حذيفة بْنِ اليمان: أن النَّبِيَّ وَِّ سُئِلَ أيُّ النَّاسِ أشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: ((الأنبياءُ ثم الأمثلُ
فالأمْثَلُ)).
[٢٣٩٩] (٢٣٩٩) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ عبدِ الأعْلَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَبْعٍ، عَن
محمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَن أبي سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلَهُ: ((مَا يَزَالُ
البَلَاءُ بالمُؤمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ وَمَا
عليه أكثر، فبلاؤه أغزر، (فما يبرح البلاء) أي: ما يفارق، أو ما يزال، (بالعبد) أي:
الإنسان، (حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة) كناية عن خلاصه من الذنوب،
فكأنه کان محبوسًا، ثم أطلق وخلي سبيله يمشي ما عليه بأس.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)(١)، وأخرجه أحمد، والدارمي، والنسائي في
((الكبرى))، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم(٢). كذا في ((الفتح)).
[٢٣٩٩] قوله: (ما يزال البلاء بالمؤمن) أي: ينزل بالمؤمن الكامل، (والمؤمنة)
((الواو)): بمعنى ((أو))؛ بدليل إفراد الضمير في: نفسه وماله وولده، ووقع في ((المشكاة)):
بالمؤمن أو المؤمنة، قال القاري: ((أو)) للتنويع، ووقع في أصل ابن حجر بالواو، فقال:
الواو بمعنى ((أو)) بدليل إفراد الضمير، وهو مخالف للنسخ المصححة والأصول المعتمدة،
(وولده) بفتح الواو واللام، وبضم فسكون، أي: أولاده، (حتی یلقی الله) أي: يموت، (وما
(١) النسائي في ((الكبرى))، حديث (٧٤٨١، ٦٣٢٦) وابن حبان، حديث (٢٩٠٠) والحاكم، حديث (١٢١).
(٢) لم يذكر الشارح تخريج حديثي أبي هريرة وأخت حذيفة اللذين ذكرهما المصنف بقوله: وفي الباب عن
أبي هريرة وأخت حذيفة بن اليمان أما حديث أبي هريرة فأخرجه أحمد (٧٧٩٩) وأبو يعلى، حديث (٦٠١٢)
وابن أبي شيبة في ((المصنف)) حديث (١٠٨١١) وابن حبان، حديث (٢٩١٣، ٢٩٢٤) والحاكم، حديث
(١٢٨١) وقال: على شرط مسلم، والبيهقي في ((الكبرى))، حديث (٦٣٣٥) و((شعب الإيمان)) (٩٨٣٧) وأما
حديث أخت حذيفة فأخرجه أحمد في ((مسنده))، حديث (٢٦٥٣٩) والنسائي في ((الكبرى))، حديث (٧٤٩٦)
والحاكم، حديث (٨٢٣١) والطبراني في «الكبير))، حديث (٢٤-٢٤٤) حديث (٦٢٦) والبيهقي في ((شعب
الإيمان))، حديث (٩٧٧٧) وأخرجه أيضًا ابن سعد في ((الطبقات))، (٣٢٥/٨-٣٢٦).

١٢٥
كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في ذَهَابِ البَصَر
عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ)). [حم: ٧٧٩٩].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي الباب: عن أبي هريرة وأخت حذيفة بن اليمان.
٥٧- باب مَا جَاء في ذَهَابِ البَصَر [ت٥٨، ٥٨٢]
[٢٤٠٠] (٢٤٠٠) حَدَّثَنَا عبدُ الله بْنُ مُعَاوِيَةَ الجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا عبدُ العَزِيزِ بْنُ
مُسْلِم، حَدَّثَنَا أبو ظِلَالٍ، عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ
[َتَعَالى] يَقُولُ: إِذَا أَخَذْتُ كَرِيمَتَي عَبْدِي في الدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ جَزاءٌ عِنْدِي إِلَّ
الجَنَّةَ)). [خ: ٥٦٥٣ بنحوه، حم: ١٢٠٥٩].
عليه خطيئة) بالهمزة والإدغام، أي: وليس عليه سيئة؛ لأنها زالت بسبب البلاء.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مالك في ((الموطأ)) عنه مرفوعًا بلفظ: ((مَا
يَزَالُ المُؤْمِنُ يُصَابُ فِي وَلَدِهِ وَخَاصَّتِهِ حَتَّى يَلْقَى الله وَلَيْسَتْ لَهُ خَطِيئَةٌ))، وأخرجه أيضًا
أحمد، وابن أبي شيبة بلفظ: ((لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالمُؤْمِنِ حَتَّى يَلْقَى الله وَلَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ»، كذا
في ((الفتح))، وقال المنذري في ((الترغيب)» بعد ذكر حديث أبي هريرة هذا: رواه الترمذي،
وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة وأخت حذيفة بن اليمان) أما حديث أبي هريرة،
فأخرجه البخاري.
وأما حديث أخت حذيفة بن اليمان، فأخرجه النسائي، وصححه الحاكم، وأخت حُذَيفة
اسمها: ((فاطمة بنت اليمان)). صرح به الحافظ في ((الفتح)).
٥٧ - باب ما جاء في ذهاب البصر
[٢٤٠٠] قوله: (إن الله يقول: إذا أخذت كريمتي عبدي) أي: أعميت عينيه الكريمتين
عليه، وإنما سميتا بها؛ لأنه لا أكرم عند الإنسان في حواسه منهما، (لم يكن له جزاء عندي
إلا الجنة) أي: دخولها مع السابقين، أو بغير عذاب؛ لأن العمى من أعظم البلايا، وهذا
قيده في حديث أبي هريرة الآتي بما إذا صبر واحتسب.

١٢٦
كتاب الزهد عن رسول اللّهِ / باب مَا جَاء في ذَهَابِ البَصَر
وفي البابِ عَن أبي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوَجْهِ، وأبو ظِلَالِ اسْمُه:
هِلَالٌ.
[٢٤٠١] (٢٤٠١) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزَّاقِ، أخْبَرَنَا سُفْيَانُ
عَن الأعْمَشِ عَن أبي صالحٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، رَفَعَهُ إِلى النَّبِيِّبِ قَالَ: ((يقول اللهُ
عَزَّ وَجَلَّ: مَن أَذْهَبْتُ حَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة وزيد بن أرقم) أما حديث أبي هريرة، فأخرجه
الترمذي(١) في هذا الباب.
وأما حديث زيد بن أرقم، فأخرجه البزار(٢) من رواية جابر الجعفي بلفظ: ((مَا ابْتُلِيَ عَبْدٌ
بَعْدَ ذَهَابٍ دِينِه بِأَشَدَّ من ذَهَابٍ بَصَرِهِ، وَمَنِ ابْتُلِيَ بِبَصَرِهِ، فَصَبَرَ حَتَّى يَلْقَى اللهِ، لَقِيَ الله -
تَبَارَكَ وَتَعَالَى - وَلَا حِسَابَ عَلَيْهِ)). قال الحافظ في ((الفتح)): وأصله عند أحمد بغير لفظه،
بسند جید. انتھی.
قوله: (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه) وأخرجه البخاري، ولفظه: ((إن الله
قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَهِ، فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّة))، يُرِيدُ عينيه.
[٢٤٠١] قوله: (من أذهبت حبيبتيه) بالتثنية، قال الحافظ: وقد فسرهما آخر الحديث
بقوله: ((يريد عينيه))، والمراد بالحبيبتين: المحبوبتان؛ لأنهما أحب أعضاء الإنسان إليه؛ لما
يحصل له بفقدهما من الأسف على فوات رؤية ما يريد رؤيته من خير، فيسر به، أو شر
فيجتنبه، (فصبر واحتسب) قال الحافظ: المراد: أنه يصبر مستحضرًا ما وعد الله به الصابِرَ
من الثواب، لا أن يصبر مجردًا عن ذلك؛ لأن الأعمال بالنيات، وابتلاء الله عبده في الدنيا
ليس من سخطه عليه، بل إما لدفع مكروه، أو لكفارة ذنوب، أو لرفع منزلة، فإذا تلقى ذلك
بالرضا تم له المراد، وإلَّا يصير كما جاء في حديث سلمان: ((إِنَّ مَرَضَ المُؤْمِنِ يَجْعَلُهُ الله لَهُ
كَفَّارَةً وَمُسْتَعْتَبًا، وإِنَّ مَرَضَ الفَاجِرِ، كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ، ثُمَّ أَرْسَلُوهُ، فَلَا يَدْرِي لِمَ عُقِلَ، وَلِمَ
أُرْسِلَ))، أخرجه البخاري(٣) في ((الأدب المفرد)» موقوفًا. انتهى.
الترمذي، كتاب الزهد، حديث (٢٤٠١).
(١)
البزار (٣٦٦/١ - كشف) حديث (٧٧٠) وقال الهيثمي (٣٠٨/٢): وفيه جابر الجعفي، وفيه كلام كثير، وقد وثق.
(٢)
البخاري في «الأدب المفرد)»، (٤٩٣) موقوفًا .
(٣)

١٢٧
کتاب الزهد عن رسول الله ێد / باب
لَمْ أَرْضَ لَهُ ثَوَابًا دُونَ الجَنَّةِ)). [حم: ٧٥٤٣، مي: ٢٧٩٥].
وفي البابٍ عَنِ عِرْبَاضٍ بْنِ سَارِيَةَ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٥٨- باب [ت٥٩، م٥٩]
[٢٤٠٢] (٢٤٠٢) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ الرَّازِيُّ، وَيُوسُفُ بْنُ مُوسَى القَطَّانُ
البَغْدَادِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحمنِ بْنُ مِغْرَاء
(لم أرضَ له ثوابًا دون الجنة) قال الحافظ: وهذا أعظم العوض؛ لأن الالتذاذ بالصبر
يفنى بفناء الدنيا، والالتذاذ بالجنة باقٍ ببقائها، وهو شامل لكلِّ من وقع له ذلك بالشرط
المذكور، ووقع في حديث أبي أمامة فيه قيد آخر، أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)»،
بلفظ: ((إِذَا أَخَذْتُ كَرِيمَتَيْكَ، فَصَبَرْتَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ وَاحْتَسَبْتَ))، فأشار إلى أن الصبر النافع
هو ما يكون في وقوع البلاء، فيفوض ويسلم، وإلا فمتى تضجر وتقلق في أول وهلة، ثم
يئس، فيصبر، لا يكون حصل المقصود، وقد مضى حديث أنس في ((الجنائز)): ((إِنَّمَا الصَّبْرُ
عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى))، وقد وقع في حديث العرباض، فيما صححه ابن حبان(١) فيه بشرط
آخر، ولفظه: (إِذَا سَلَبْتُ من عَبْدِي كَرِيمَتَيْهِ، وَهُوَ بِهِمَا ضَنِينٌ، لَمْ أَرْضَ لَهُ ثَوَابًا دُونَ الْجَنَّة
إِذَا هُوَ حَمَدَنِي عَلَيْهِمَا))، ولم أرَ هذه الزيادة في غير هذه الطريق، وإذا كان ثواب من وقع له
ذلك الجنة، فالذي له أعمال صالحة أخرى يزاد في رفع الدرجات. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن عرباض بن سارية) أخرجه ابن حبان(١) في (صحيحه).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن حبان(٢) في ((صحيحه)) بلفظ: قال
رسول الله وَّةٍ: ((لَا يَذْهَبُ الله بِحَبِيبَتَيْ عَبْدٍ، فَصْبِرُ، وَيَحْتَسِبُ إِلَّا أَدْخَلَهُ الله الْجَنَّة)).
[٥٨ - باب]
[٢٤٠٢] قوله: (ويوسف بن موسى) بن راشد القطان، البغدادي، أبو يعقوب، الكوفي،
نزيل الري، ثم بغداد، صدوق، من العاشرة، (أخبرنا عبد الرحمن بن مغراء) كذا في نسخ
الترمذي بالمد، وكذا في (تهذيب التهذيب))، و((الخلاصة))، ولكن ضبطه الحافظ في
((التقريب)) بالقصر، فقال: عبد الرحمن بن مغرا، بفتح الميم، وسكون المعجمة، ثم راء
(١) ابن حبان، حديث (٢٩٣١).
(٢) ابن حبان، حديث (٢٩٣٢).

١٢٨
كتاب الزهد عن رسول الله ڑ / باب
أبُو زُهَيْرٍ، عَن الأعْمَشِ، عَن أبي الزُّبَيْرِ، عَن جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((يَوَدُّ
أهْلُ العَافِيةِ يَوْمَ القِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ البَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أنَّ جُلُودَهُمْ كَانَت قُرِضَتْ
فِي الدُّنْيَا بِالمَقَارِيضِ)).
وهذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ بهذَا الإِسْنَادِ إلَّا مِن هَذَا الوَجْهِ، وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ
هذا الحديثَ، عَن الأعْمَشِ، عَن طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَن مَسْرُوقٍ [قَوْلَهُ] شَيْئًا مِن
هَذَا .
مقصورًا، الدوسي، (أبو زهير) بالتصغير، الكوفي، نزيل الري، صدوق، تكلم في حديثه عن
الأعمش، من كبار التاسعة.
قوله: (يود) أي: يتمنى (أهل العافية) أي: في الدنيا، (يوم القيامة) ظرف ((يود))، (حين
يعطى) على البناء للمفعول، (الثواب) مفعول ثان، أي: كثير، أو بلا حساب؛ لقوله - تعالى -:
﴿إِنَّمَا يُوَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، (قرضت) بالتخفيف، ويحتمل التشديد؛
للمبالغة والتأكيد، أي: قطعت، (في الدنيا) قطعة قطعة، (بالمقاريض) جمع المقراض،
ليجدوا ثوابًا كما وجد أهل البلاء. قال الطيبي: الودّ: محبة الشيء، وتمني كونه له،
ويستعمل في كل واحد من المعنيين من المحبة والتمني، وفي الحديث هو من المودة التي
هي بمعنى التمني، وقوله: ((لو أن ... )) إلخ، نزل منزلة مفعول ((يود))، كأنه قيل: يود أهل
العافية ما يلازم لو أن جلودهم كانت مقرضة في الدنيا، وهو الثواب المعطى، قال ميرك:
ويحتمل أن مفعول ((يود)) الثواب على طريق التنازع، وقوله: ((لو أن جلودهم)) حال، أي:
متمنين أن جلودهم ... إلخ، أو قائلين: لو أن جلودهم، على طريقة الالتفات من التكلم إلى
الغيبة .
قوله: (هذا حديث غريب) قال المنذري في ((الترغيب)) بعد ذكر هذا الحديث: رواه
الترمذي، وابن أبي الدنيا (١)، من رواية عبد الرحمن بن مغرا، وبقية رواته ثقات، وقال
الترمذي: حديث غريب، ورواه الطبراني في ((الكبير))، عن ابن مسعود موقوفًا عليه، وفيه
رجلٌ لم يسم. انتھی.
(١) وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٧٨/٨) وابن عدي في ((الكامل)) (٢٠٣/٧).

١٢٩
كتاب الزهد عن رسول الله ◌َ د / باب
[٢٤٠٣] (٢٤٠٣) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، أخْبَرَنَا ابنُ المُبَارَكِ، أُخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ
عُبَيْدِ الله، قَالَ: سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّه:
((مَا مِن أحَد يَمُوتُ إلَّا نَدِمَ)). قالُوا: وَمَا نَدَامَتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((إِنْ كَانَ مُحْسِنًا
نَدِمَ أنْ لا يَكُونَ ازْدَادَ، وَإِنْ كَانَ مُسيئًا نَدِمَ ألَّا يَكُونَ نَزَعَ». [ضعيف جدًا، يحيى بن عبيد
الله، متروك، وقد رماه الحاكم بالوضع].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ إنمَا نَعْرِفُهُ مِن هَذَا الوَجْهِ، وَيَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللهِ قَدْ
تَكَلَّمَ فِيهِ شُعْبَةُ وَهُوَ يَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ الله بْنِ موهبٍ مدني.
٥٩- باب [ت٦٠، م٦٠]
[٢٤٠٤] (٢٤٠٤) حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، أُخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ الله،
قَالَ: سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: («يَخْرُجُ في
آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بالدِّينِ،
[٢٤٠٣] قوله: (أخبرنا يحيى بن عبيد الله) بن عبد الله بن موهب، التميمي، المدني،
متروك، وأفحش الحاكم فرماه بالوضع، من السادسة، (قال: سمعت أبي) أي: عبيد الله بن
عبد الله بن موهب، التميمي، المدني، مقبول، من الثالثة.
قوله: (ما من أحد يموت إلا ندم) بكسر الدال، أي: تأسف واغتم، فعلى كل أحد أن يغتنم
الحياة قبل الممات، وأن يستبق الخيرات قبل الوفاة، (قالوا: وما ندامته) أي: وما وجه تأسف
كل أحد، (إن كان محسنًا ندم أن لا يكون ازداد) أي: خيرًا من عمله، (وإن كان مسيئًا ندم أن لا
یکون نزع) أي: أقلع عن الذنوب، ونزع نفسه عن ارتكاب المعاصي، وتاب وصلح حاله.
قوله: (هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه) وهو ضعيف، (ويحيى بن عبيد الله قد تكلم
فيه شعبة) قال في ((تهذيب التهذيب)): قال علي بن المديني: سألتُ يحيى - يعني: ابن سعيد -
عن يحيى بن عبيد الله، فقال: قال شعبة: رأيته يصلّي صلاةً لا يقيمها، فتركت حديثه، وذكر
الحافظ فيه جروح أئمة الحديث، فإن شئت الوقوف عليها فارجع إليه.
[٥٩ - باب]
[٢٤٠٤] قوله: (يختلون الدنيا بالدين) أي: يطلبون الدنيا بعمل الآخرة، يقال: خَتَلَهُ

١٣٠
کتاب الزهد عن رسول الله {# / باب
يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ، الْسِنَتُهُمْ أحْلَى مِنَ السُّكَّرِ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ
الذِّئَابِ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أبي يَغْتَرُّونَ أمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ؟ فَبِي حَلَقْتُ لأبْعَثَنَّ عَلَى
أُولَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا)). [ضعيف جدًا، انظر ما قبله].
يَخْتِلُهُ، ويَخْتُلُه خَتْلًا وخَتَلَانًا: إذا خدعه وراوغه، وختل الذئب الصيد، إذا تخفى له،
(يلبسون للناس جلود الضأن من اللين) كناية عن إظهار اللين مع الناس، وقال القاري:
المراد بجلود الضأن: عينها، أو: ما عليها من الصوف، وهو الأظهر، فالمعنى: أنهم
يلبسون الأصواف ليظنهم الناس زهادًا وعبادًا، تاركين الدنيا، راغبين في العقبى، وقوله:
((من اللين))، أي: من أجل إظهار التلين، والتلطف، والتمسكن، والتقشف مع الناس،
وأرادوا به في حقيقة الأمر التملق، والتواضع في وجوه الناس، ليصيروا مريدين لهم،
ومعتقدين لأحوالهم. انتهى.
(أحلى من الشُّكّر) بضم السين المهملة، وتشديد الكاف، معرب: شَكَرْ، (وقلوبهم
قلوب الذئاب) أي: مسودة شديدة في حب الدنيا والجاه، (أبي تغترون؟) الهمزة للاستفهام،
أي: أبحلمي وإمهالي تغترون؟ والاغترار هنا عدم الخوف من الله، وإهمال التوبة،
والاسترسال في المعاصي والشهوات، (أم علي تجترئون؟) ((أم)): منقطعة، أضرب إلى ما هو
أشنع من الاغترار بالله، أي: تعملون الصالحات ليعتُقد فيكم الصلاح، فيجلب إليكم الأموال
وتخدمون، (فبي حلفت) أي: بعظمتي وجلالي، لا بغير ذلك، (لأبعثن) من البعث، أي:
لأسلطن، ولأقضين، (على أولئك) أي: الموصوفين بما ذكر، (منهم) أي: مما بينهم بتسليط
بعضهم على بعض، (فتنة تدع الحليم) أي: تترك العالم الحازم، فضلًا عن غيره، (حيرانًا)
كذا في النسخ الحاضرة بالتنوين، وذكر المنذري هذا الحديث في ((الترغيب)) نقلًا عن
الترمذي، وفيه: ((حيران)) بغير التنوين، وكذلك في ((المشكاة))، وهو الظاهر، أي: حال كونه
متحيرًا في الفتنة، لا يقدر على دفعها، ولا على الخلاص منها، لا بالإقامة فيها، ولا بالفرار
منها، قال الأشرف: ((من)) في ((منهم)) يجوز أن يكون للتبيين بمعنى الذين، والإشارة إلى
الرجال، وتقديره: على أولئك الذين يختلون الدنيا بالدين، وأن يجعل متعلقًا بالفتنة، أي:
لأبعثن على الرجال الذين يختلون الدنيا بالدين فتنةً ناشئة منهم. كذا في ((المرقاة))، وهذا
الحديث أيضًا ضعيف؛ لأن في سنده أيضًا يحيى بن عبيد الله.

١٣١
كتاب الزهد عن رسول الله لي / باب
وفي البابٍ، عَن ابنِ عُمَرَ.
[٢٤٠٥] (٢٤٠٥) حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ سَعِيدِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ،
أُخْبَرَنَا حَاتِمُ بْنُ إسماعيلَ، أخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ أبي محمَّدٍ، عَن عبدِ الله بْنِ دِينَارٍ، عَن
ابنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّبَِّ قَالَ: ((إنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: لَقَدْ خَلَقْتُ خَلْقًا ألْسِنَتُهُمْ أحْلَى
مِنَ العَسَلِ وَقُلُوبُهُمْ أمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، فَبِي حَلَفْتُ لأُتِيحَنَّهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الحَلِيمَ مِنْهُمْ
حَيْرَانًا، فِي يَغْتَرُّونَ أمْ عَلَيَّ يَجْتَرِثُونَ؟)). [ضعيف، حمزة، ضعيف] .
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من حديثِ ابنِ عُمَر، لا نعرفُه إلَّا من
هذا الوَجْهِ .
قوله: (وفي الباب عن ابن عمر) أخرجه الترمذي(١) بعد هذا.
[٢٤٠٥] قوله: (حدثنا أحمد بن سعيد) بن صخر الدارمي، أبو جعفر، السرخسي، ثقة،
حافظ، من الحادية عشرة، (حدثنا محمد بن عباد) بن الزبرقان المكي، نزیل بغداد، صدوق،
يهم، من العاشرة، (أخبرنا حمزة بن أبي محمد) المدني، ضعيف، من السابعة. كذا في
((التقريب))، وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: له في الترمذي حديث واحد، في خلق
قوم ألسنتهم أحلى من العسل، قال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، لم يرو عنه
غیر حاتم. انتهى.
قوله: (لقد خلقت خلقًا) أي: من الآدميين، (ألسنتهم أحلى من العسل) فبها يملقون
ويداهنون، (وقلوبهم أمر من الصبر) قال في ((القاموس)): الصَبِرُ - ككْتِفٍ، ولا يُسكّن إلا في
ضرورة شعرٍ -: عُصارةُ شَجَرٍ مُرٍّ، أي: فبها يمكرون وينافقون، (لأتيحنهم) بمثناة فوقية،
فمثناة تحتية، فحاء مهملة، فنون، أي: لأقدرن لهم، من أتاح له كذا، أي: قدر له، وأنزل
به،(فتنة) أي: ابتلاء وامتحانًا، (تدع الحليم) بفتح الدال، أي: تتركه، (منهم حيرانًا) أي:
تترك العاقل منهم متحيرًا، لا يمكنه دفعها، ولا كفُّ شَرِّها، (فَبِي يغترون) بتقدير همزة
الاستفهام.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) ذكر المنذري في ((الترغيب)) هذا الحديث، ونقل
تحسين الترمذي، وأقره.
(١) الترمذي، كتاب الزهد، حديث (٢٤٠٥).

١٣٢
كتاب الزهد عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاء في حِفْظِ اللَّسان
٦٠ - باب مَا جَاء في حِفْظِ اللِّسان [ت٦١، م٦١]
[٢٤٠٦] (٢٤٠٦) حَدَّثَنَا صالحُ بْنُ عبدِ الله، حَدَّثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، وَحَدَّثَنَا
سُوَيْدُ بن نصر، أخْبَرَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، عَن يَحْيَى بْنِ أيُّوبَ، عَن عُبَيْدِ الله بْنِ زَحْرٍ ،
عَن عَلِيٍّ بْنِ يَزِيدَ، عَن القَاسِمِ، عَن أبي أُمَامَةَ، عَن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ الله: مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: ((أمْلكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى
خَطِيئَتِكَ)) .
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ.
اعلم: أن حديث ابن عمر هذا، وحديث أبي هريرة الذي قبله لا مناسبة لهما بباب
ذهاب البصر، ولعله سقط قبلهما باب يناسب هذين الحديثين.
٦٠ - باب ما جاء في حفظ اللسان
[٢٤٠٦] قوله: (عن عقبة بن عامر) الجهني، صحابي مشهور، اختلف في كنيته على
سبعة أقوال، أشهرها أبو حماد، ولي إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين، وكان فقيهًا فاضلًا.
قوله: (ما النجاة) أي: ما سببها، (قال: املك عليك لسانك) أمر من الملك، قال في
((القاموس)): ملكه يملكه ملكًا مثلثة، احتواه، قادرًا على الاستبداد به، وأملكه الشيء، وملكه
إياه تمليكًا بمعنىّ. انتهى. قال الطيبي: أي: احفظه عما لا خير فيه، وقال صاحب
((النهاية)): أي: لا تُجْرِه إلا بما يكون لك لا عليك، وقال القاري في ((المرقاة): وقع في
النسخ المصححة - يعني من ((المشكاة)) -: أملك بصيغة المزيدة مضبوطة. انتهى.
قلت: الظاهر من حيث المعنى هو: ((املك)) من الثلاثي المجرد، وأما ((أملك)) من باب
الإفعال، فلا يستقيم معناه هنا إلا بتكلف، (وليسعك) بكسر اللام، أمرٌ من وسع يسع، قال
الطيبي: الأمر في الظاهر واردٌ على البيت، وفي الحقيقة على المخاطب، أي: تعرض لما
هو سبب للزوم البيت من الاشتغال بالله، والمؤانسة بطاعته، والخلوة عن الأغيار، (وابك
على خطيئتك) قال الطيبي: ضَمَّنَ بكى معنى الندامة، وعدَّاه بعلى، أي: اندم على خطيئتك
باکیًا .
قوله: (هذا حديث حسن) قال المنذري في ((الترغيب))، بعد ذكر هذا الحديث: رواه
أبو داود، والترمذي، وابن أبي الدنيا في ((العزلة))، وفي ((الصمت))، والبيهقي في ((كتاب

١٣٣
كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في حِفْظِ اللِّسان
[٢٤٠٧] (٢٤٠٧) حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ مُوسَى البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أَبِي زَدْد،
عَن أبي الصَّهْبَاءِ، عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن أبي سَعِيد الخُدْرِيِّ، رَفَعَهُ قَالَ: ((إِذَا
أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الأعْضَاء كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ: اتَقِ اللهَ فِينَا فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ،
فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا)). [حم: ١١٤٩٨].
.
الزهد)) وغيره، كلهم من طريق عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن
أبي أمامة عنه، وقال الترمذي: حديث حسن غريب. انتهى.
[٢٤٠٧] قوله: (عن أبي الصهباء) قال في ((تهذيب التهذيب)): أبو الصهباء الكوفي عن
سعيد بن جبير عن أبي سعيد الخدري رفعه: ((إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر
اللسان ... )) الحديث، وعنه حماد بن زيد وغيره، ذكره ابن حبان في ((الثقات)). انتهى، وقال
في ((التقريب)): مقبولٌ، من السادسة.
قوله: (إذا أصبح ابن آدم) أي: دخل في الصباح، (فإن الأعضاء) جمع عضو: كل عظم
وافر بلحمه، (كلها) تأكيد، (تكفر اللسان) بتشديد الفاء المكسورة، أي: تتذلل وتتواضع له،
من قولهم: كفر اليهودي، إذا خضع مطأطأ رأسه، وانحنى لتعظيم صاحبه، كذا قيل، وقال
في ((النهاية)): التكفير: هو أن ينحني الإنسان ويطأطئ رأسه قريبًا من الركوع، كما يفعل من
يريد تعظيم صاحبه، (فتقول) أي: الأعضاء، له حقيقة، أو هو مجاز بلسان الحال، (اتق الله
فينا) أي: خِفْهُ في حفظ حقوقنا، (فإنما نحن بك) أي: نتعلق، ونستقيم، ونعوج بك، (فإن
استقمت) أي: اعتدلت، (استقمنا) أي: اعتدلنا تبعًا لك، (وإن اعوججت) أي: مِلْتَ عن
طريق الهدى، (اعوججنا) أي: ملنا عنه، اقتداء بك، قال الطيبي: فإن قلت: كيف التوفيق
بين هذا الحديث وبين قوله وَ ﴿: ((إنَّ في الْجَسَدِ لَمُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ، صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا
فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ))(١).
قلت: اللسان ترجمان القلب، وخليفته في ظاهر البدن، فإذا أسند إليه الأمر يكون على
سبيل المجاز في الحكم، كما في قولك: شفى الطبيبُ المريضَ، قال الميداني في قوله:
المرءُ بأصغريه، يعني بهما: القلبَ واللسانَ، أي: يقوم ويكمل معانيه بهما، وأنشد لزهير:
[من الطويل].
(١) البخاري، كتاب الإيمان، حديث (٥٢) ومسلم، كتاب المساقاة، حديث (١٥٩٩).

١٣٤
كتاب الزهد عن رسول اللهَ ﴿ / باب مَا جَاء في حِفْظِ اللّسان
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أبو أُسَامَةَ عَنِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، نَحْوَهُ ولم يَرْفَعْهُ، وهذا أصحُ
مِن حَدِيْثِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ لا نعرفُه إلَّا من حديثٍ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وقد رَوَاهُ
غيرُ وَاحِد عَن حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ولم يَرْفَعُوهُ. حَدَّثَنَا صالحُ بْنُ عبدِ الله، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
زيدٍ، عَن أبِي الصَّهْباءِ عَن سعيدِ بْنِ جبير عن أبي سعيدِ الخُذْرِيِّ، قَالَ: أحسِبُهُ عَنِ
النَّبِّ ◌َ* فذكر نحوه.
[٢٤٠٨] (٢٤٠٨) حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ عبدِ الأعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ
المُقَدَّمِيُّ، عَن أبي حَازِمِ، عَن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِِّ: ((مَن يَتَكَفَّل
لي
زِيَادَتُهُ أَوْ نَقْصُهُ فِي التَّكَلُّم
وَكَائِنْ تَرَى من صَامِتٍ لَكَ مُعْجِبٍ
لِسَانُ الْفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ
فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ
انتھی .
قوله: (هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث حماد بن زيد) وأخرجه ابن خزيمة في
((صحيحه))، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ، وابن أبي الدنيا .
[٢٤٠٨] قوله: (أخبرنا عمر بن علي) بن عطاء بن مقدم، المقدمي، بصري، أصله
واسطي، ثقة، وكان يدلس شديدًا، من الثامنة.
قوله: (من يتوكل لي) بالجزم، على أن ((من)) شرطية، قال في ((النهاية)): توكل بالأمر،
إذا ضمن القيام به، وقيل: هو بمعنى تكفل. انتهى.
وفي رواية للبخاري: ((مَنْ يَضْمَنُ لِي))، قال الحافظ: بفتح أوله، وسكون الضاد
المعجمة، والجزم من الضمان، بمعنى الوفاء بترك المعصية، فأطلق الضمان، وأراد لازمه،
وهو أداء الحق الذي عليه، فالمعنى: من أدى الحق الذي على لسانه من النطق بما يجب
عليه، أو الصمت عما لا يعنيه، وَأَدَّى الحقَّ الذي على فرجه، من وضعه في الحلال.
انتھی .
البيهقي في ((شعب الإيمان))، حديث (٤٩٤٥) وأخرجه أبو يعلى في («مسنده))، حديث (١١٨٥).
(١)

١٣٥
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء في حِفْظِ اللِّسان
مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَتَكَفَّلُ لَهُ بالجَنَّةِ)). [خ: ٦٤٧٤، حم: ٢٢٣١٦].
وفي الباب عَن أبي هُرَيْرَةَ وابنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حديثُ سهل حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من حديث سهل بْنِ سعدٍ .
[٢٤٠٩] (٢٤٠٩) حَدَّثَنَا أبو سَعِيدٍ الأشَجُّ، حَدَّثَنَا أبو خالِدِ الأحْمَرُ، عَن ابنِ
عجْلَانَ عَن أبي حَازِمٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ: ((مَن وَقَاهُ اللهُ شَرَّ
مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، دَخَلَ الجَنَّةَ».
(ما بين لحييه) بفتح اللام، وسكون الحاء، والتثنية: هما العظمان اللذان ينبت عليهما
الأسنان علوًا وسفلًا، قال الحافظ: والمراد بما بين اللحيين: اللسان، وما يتأتى به النطق،
وبما بين الرجلين: الفرج، وقال ابن بطال: دَلَّ الحديث على أن أعظم البلاء على المرء في
الدنيا لسانه وفرجه، فمن وقي شرهما وقي أعظم الشر. انتهى ما في ((الفتح)).
(أتوكل له) - بالجزم - جواب الشرط، وهو من باب المقابلة، (بالجنة) أي: دخولها
أولًا، أو درجاتها العالية.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة، وابن عباس) أما حديث أبي هريرة، فأخرجه
الترمذي(١) في هذا الباب، وأما حديث ابن عباس، فلينظر من أخرجه(٢).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه البخاري في ((كتاب الرقاق))، وفى
«کتاب المحاربين).
[٢٤٠٩] قوله: (من وقاه الله شر ما بين لحييه، وشر ما بين رجليه) أراد شر لسانه
وفرجه، (دخل الجنة) أي: بغير عذاب، أو مع السابقين.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) قال المنذري في ((الترغيب)) بعد ذكر هذا الحديث:
رواه الترمذي وحسنه، وابن حبان في ((صحيحه))، ورواه ابن أبي الدنيا (٣) إلَّا أنه قال: ((من
حفظ ما بين لحييه)). انتهى.
(١) الترمذي، كتاب الزهد، حديث (٢٤٠٥).
(٢) الطبراني في «الكبير»، حديث (١٠٨٤٣) والبزار (٣٩١/٢ - كشف) حديث (١٩٢٦) وقال الهيثمي (٣٠٠/١٠).
رواه البزار في حديث طويل وإسناده حسن.
(٣) ابن أبي الدنيا في ((الصمت))، حديث (٦٨٨).

١٣٦
كتاب الزهد عن رسول الله ◌َ﴿ / باب مَا جَاء في حِفْظِ اللِّسان
قَالَ أَبُو عِيْسَى: أبو حازِمِ الذي رَوَى عَن أبي هُرَيْرَةَ اسْمُه: سَلْمَانُ الأشْجَعِىُّ
مَوْلَى عَزَّةَ الأشْجَعِيَّةِ وَهُوَ كُوفِيٌّ، وَأَبُو حَازِمِ الَّذِي رَوَى عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ هُوَ
أبُو حَازِمِ الزَّاهِدُ مَدَنِيٌّ وَاسْمُهُ: سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ، وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
[٢٤١٠] (٢٤١٠) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أْبَرَنَا ابن المُبَارَكِ، عَن مَعْمَرٍ، عَن
الزُّهْرِيِّ، عَن عبدِ الرَّحمنِ بْنِ مَاعِزٍ، عَن سُفْيَانَ بْنِ عبدِ الله الثَّقَفِيِّ، قَالَ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ الله، حَدِّثْنِي بِأَمْرٍ أعْتَصِمُ بِهِ، قَالَ: ((قُلْ رَبِّي الله، ثُمَّ اسْتَقِمْ))، قُلْتُ:
يَا رَسُولَ الله، مَا أْوَفَ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((هذا)).
[م: بنحوه ٣٨، جه: ٣٩٧٢، حم: ١٤٩٩٠، مي: بنحوه ٢٧١٠].
قوله: (وأبو حازم الذي روى عن سهل بن سعد هو أبو حازم الزاهد مدني واسمه
سلمة بن دينار) قال في ((التقريب)): سلمة بن دينار، أبو حازم الأعرج، التمار، المدني،
القاص، مولى الأسود بن سفيان، ثقة، عابد، من الخامسة، (وأبو حازم الذي روى عن
أبي هريرة اسمه سلمان الأشجعي ... إلخ) تقدم ترجمته.
[٢٤١٠] قوله: (عن عبد الرحمن بن ماعز) قال في ((التقريب)): عبد الرحمن بن ماعز،
ويقال: محمد بن عبد الرحمن بن ماعز، ويقال: ماعز بن عبد الرحمن، اختلف على الزهري في
ذلك، والأول أقوى، مقبول من الثالثة، (عن سفيان بن عبد الله) بن ربيعة بن الحارث الثقفي،
الطائفي، صحابي، وكان عامل عمر على الطائف. قوله: (حدثني بأمر أعتصم به) أي:
أستمسك به، (قال: قل: ربي الله، ثم استقم) هو لفظ جامع لجميع الأوامر والنواهي، فإنه لو
ترك أمرًا أو فعل منهيًا فقد عدل عن الطريق المستقيمة حتى يتوب، ومنه ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا
اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَدّمُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، فإنَّ مَنْ رضي بالله ربًا، يؤدي مقتضيات الربوبية، ويحقق
مراضيه، ويشكر نعماءه، (ما أخوف ما تخاف عليَّ) ((ما)) الأولى: استفهامية، مبتدأ، خبره
((أخوف))، وهو اسم تفضيل بني للمفعول، نحو: أشهد، وألوم، وأشغل، و((ما)) الثانية: مضاف
إليه لأخوف، وهي موصولة، والعائد محذوف، أي: أيّ شيء أخوف أشياء تخاف منها عليَّ؟
وقال الطيبي: ((ما)) في ((ما تخاف)) يجوز أن تكون موصولة، أو موصوفة، وأن تكون
مصدرية، على طريقة جَدَّ جدُّه، وجنَّ جنونُه، وخشيت خشيته، (فأخذ) أي: النبي وَّلـ
(بلسان نفسه) الباء زائدة لمزيد التعدية، (ثم قال: هذا) هو مبتدأ أو خبر، والمعنى: هذا أكثر
خوفي عليك منه.

١٣٧
كتاب الزهد عن رسول الله (98 / باب منه
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد رُوِيَ من غيرِ وَجْهٍ عَن سُفْيَانَ بْنِ
عبدِ الله الثَّقَفِيِّ.
٦١- باب منه [ت٦٢، م٦٢]
[٢٤١١] (٢٤١١) حَدَّثَنَا أبو عَبْدِ الله محمَّدُ بْنُ أبِي ثَلْجِ البَغْدَادِيُّ - صَاحِبُ
أحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عبدِ الله بْنِ حاطِبٍ، عَن
عبدِ الله بْنِ دِينَارٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَيِ: ((لا تُكْثِرِوا الكَلَامَ بِغَيْرِ
ذِكْرِ الله، فَإِنَّ كَثْرَةَ الكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ الله قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللهِ القَلْبُ
القَاسِي)). [إبراهيم، لم يوثقه غير ابن حبان].
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن ماجه، وابن حبان في ((صحيحه))،
والحاكم(١)، وقال: صحيح الإسناد كذا في ((الترغيب)).
[٦١ - باب منه]
[٢٤١١] قوله: (حدثنا أبو عبد الله محمد) بن عبد الله بن إسماعيل، (بن أبي ثلج)
بمثلثة، وجيم، (البغدادي) أصله من الري، صدوق، من الحادية عشرة، (حدثنا علي بن
حفص) المدائني، نزيل بغداد، صدوق، من التاسعة، (أخبرنا إبراهيم بن عبد الله) بن
حارث، (بن حاطب) الجمحي، صدوق، روى مراسيل، من السابعة.
قوله: (لا تكثر الكلام بغير ذكر الله) فيه إشارة إلى أن بعض الكلام مباح، وهو ما يعنيه:
(فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة) أي: سبب قساوة، (للقلب) وهي النبو عن سماع الحق،
والميل إلى مخالطة الخلق، وقلة الخشية، وعدم الخشوع والبكاء، وكثرة الغفلة عن دار
البقاء، (وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي) أي: صاحبه، أو التقدير: أبعد قلوب الناس
القلب القاسي، أو: أبعد الناس من له القلب القاسي، قال الطيبي - رحمه الله -: ويمكن
أن يعبر بالقلب عن الشخص؛ لأنه به كما قيل: المرء بأصغريه، أي: بقلبه ولسانه، فلا
يحتاج إذن إلى حذف الموصول مع بعض الصلة، قال - تعالى -: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدٍ ذَلِكَ
(١) ابن حبان، حديث (٥٦٩٩) والحاكم، حديث (٧٨٧٤) وقال: صحيح الإسناد. وأقرَّه الذهبي، وهو حديث
صحيح.

١٣٨
كتاب الزهد عن رسول الله 18/ باب منه
حَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أبي النَّضْرِ، حَدَّثَنِي أبو النَّضْرِ، عَن إبراهيمَ بْنِ عبدِ الله بْنِ
حَاطِبٍ عَن عبدِ الله بْنِ دِينَارٍ عَن ابنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ نَحْوَهُ بمعناه.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلَّا من حديثٍ إِبْراهيمَ بْنِ
عبدِ الله بْنِ حَاطِبٍ.
٦٢ - باب منه [ت٦٣، م٦٣]
[٢٤١٢] (٢٤١٢) حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ بَشَارٍ وغيرُ وَاحِدٍ، قالوا: حَدَّثَنَا محمد بْنُ
يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسِ المَكِّيُّ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ حَسَّانَ المَخْزُومِيَّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي
أَمُّ صالحٍ، عَنْ صَفِيَّةً بِنْتِ شَيْبَةَ، عَن أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَّةِ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ قَالَ:
(كُلُّ كَلَاَمِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لا لَهُ إلَّا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ
فَهِىَ كَلِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾ [البقرة: ٧٤] الآية، وقال - عزّ وجلّ -: ﴿أَمَ بَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ
قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الَِّْ وَلَا يَكُونُواْ كَلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَّهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ
قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦].
قوله: (حدثني أبو النضر) اسمه هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي، مولاهم البغدادي،
مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقة، ثبت، من التاسعة.
قوله: (هذا حديث غريب .. إلخ) قال المنذري في ((الترغيب)) بعد ذكر هذا الحديث:
رواه الترمذي، والبيهقي، وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
[٦٢ - باب منه]
[٢٤١٢] قوله: (سمعت سعيد بن حسان المخزومي) المكي، قاصَّ أهل مكة، صدوق،
له أوهام، من السادسة، (حدثتني أم صالح) بنت صالح، لا يعرف حالها، من السابعة، (عن
صفية بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية، لها رؤية، وحدّثت عن عائشة وغيرها من
الصحابة، وفي البخاري التصريح بسماعها من النبي ◌َّة، وأنكر الدارقطني إدراكها. كذا في
((التقريب)).
قوله: (كلام ابن آدم عليه) أي: ضرره ووباله عليه، وقيل: يكتب عليه، (لا له) أي:
ليس له نفع فيه، أو لا يكتب له، ذكره تأكيدًا، (إلا أمر بمعروف) مما فيه نفع الغير مع

١٣٩
کتاب الزهد عن رسول الله {﴿/ باب
أوْ نَهْيٌ عَن مُنْكَرٍ أَوْ ذِكْرُ الله)). [ضعيف، أم صالح، لا يُعرف حالها: جه: ٣٩٧٤]
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لا نعرفُه إلَّا من حديثٍ محمَّدٍ بْن
يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ.
٦٣ - باب [ت٦٤، م٦٤]
[٢٤١٣] (٢٤١٣) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا
أبُو العُمَيسِ، عَن عَوْنِ بْنِ أبي جُحَيْفَةَ، عَن أبِيهِ، قَالَ:
الأوامر الشرعية، (أو نهي عن المنكر) مما فيه موعظة الخلق من الأمور المنهية، (أو ذكر الله)
أي: ما فيه رضا الله من الأذكار الإلهية، قال القاري: وظاهر الحديث أنه لا يظهر في الكلام
نوع يباح للأنام، اللَّهم إلا أن يحمل على المبالغة، والتأكيد في الزجر عن القول الذي ليس
بسديد، وقد يُقال: إن قوله: ((لا له))، تفسير لقوله: ((عليه))، وَلَا شكَّ أن المباح ليس له نفع
في العقبى، أو يقال: التقدير: كلّ كلام ابن آدم حسرة عليه، لا منفعة له فيه إلَّا المذكورات
وأمثالها، فيوافق بقية الأحاديث المذكورة، وهو مقتبس من قوله - تعالى -: ﴿لَّا خَيْرَ فِى
كَثِيرٍ مِن نَّجْوَئُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]، وبه
يرتفع اضطراب الشراح في أمر المباح. انتهى كلام القاري.
قوله: (هذا حديث غريب) وفي بعض النسخ: حسن غريب، وأخرجه ابن ماجه،
والحاكم، والبيهقي (١) في ((شعب الإيمان))، قال المنذري في ((الترغيب)): رواته ثقات، وفي
محمد بن يزيد كلام قريب لا يقدح، وهو شيخ صالح. انتهى.
٦٣ - باب
[٢٤١٣] قوله: (أخبرنا جعفر بن عون) بن جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي،
صدوق، من التاسعة، (أخبرنا أبو العميس) بمهملتين مصغرًا، اسمه: عتبة بن عبد الله بن
عتبة بن مسعود الهذلي، المسعودي، الكوفي، ثقة، من السابعة، (عن أبيه) هو أبو جحيفة،
واسمه: وهب بن عبد الله السوائي، ويُقال: اسم أبيه وهب أيضًا، مشهور بكنيته، ويقال له:
وهب الخير، صحابي، معروف، وصحب عليًّا .
(١) الحاكم، حديث (٣٨٩٢) وسكت عنه الذهبي، وأخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان))، حديث (٤٩٥٤) وأخرجه
أيضًا أبو يعلى، حديث (٧١٣٤) والطبراني في «الكبير» (٢٤٣/٢٣) حديث (٤٨٤).

١٤٠
کتاب الزهد عن رسول الله {/* / باب
آخِى رَسُولُ اللهِ وَلِ بَيْنَ سَلْمَانَ وَبَيْنَ أبي الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرأى
أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةٌ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكِ مُتَبَذِّلَةٌ قَالَت: إِنَّ أَحَاكَ أبَا الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ
فِي الدُّنْيَا، قَالَ: فَلَمَّا جَاء أَبُو الدَّرْدَاءِ قَرَّبَ إليه طَعَامًا فَقَالَ: كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ:
مَا أَنَا بآكلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، قَالَ:
قوله: (آخى رسولُ الله ◌َ ل# بين سلمان وأبي الدرداء) أي: جعل بينهما أخوة، قال
الحافظ في ((الفتح)): ذكر أصحاب المغازي أَنَّ المواخاةَ بين الصحابة وَقَعَتْ مرتين: الأولى
قبل الهجرة بين المهاجرين خاصَّةً على المواساة والمناصرة، فكان من ذلك أخوة زيد بن
حارثة وحمزة بن عبد المطلب، ثم آخى النبيُّ وَّفه بين المهاجرين والأنصار بعد أَنْ هاجر،
وذلك بعد قدومه المدينة، وسيأتي في أول ((كتاب البيع))، حديث عبد الرحمن بن عوف:
((لَمَّا قدمنا المدينة آخى النبي ◌ِّهِ بيني وبين سعد بن الربيع)) وذكر الواقدي أَنَّ ذلك كان بعد
قدومه ﴿ بخمسة أشهر، والمسجد یبنی. انتهى.
(فزار سلمان أبا الدرداء) يعني: في عهد النبي ◌َّي، فوجد أبا الدرداء غائبًا، (متبذلة)
بفتح الفوقية والموحدة، وتشديد الذال المعجمة المكسورة، أي: لابسة ثياب البذلة، بكسر
الموحدة، وسكون الذال، وهي المهنة وزنًا ومعنى، والمراد: أنها تاركة للبس ثياب الزينة،
وعند أبي نعيم في ((الحلية)): ((فرأى امرأته رثة الهيئة))، قال الحافظ: وأم الدرداء هذه هي
خيرة - بفتح المعجمة وسكون التحتانية- بنت أبي حدرد الأسلمية، صحابية، بنت صحابي،
وحديثها عن النبي ◌َ 18 في ((مسند أحمد)) وغيره، وماتت أم الدرداء هذه قبل أبي الدرداء،
ولأبي الدرداء أيضًا امرأةٌ أخرى، يُقال لها: أم الدرداء، تابعية، اسمها: هجيمة، عاشت
بعده دهرًا، وروت عنه. انتھی.
(ما شأنك متبذلة)؟ بالنصب على الحالية، (ليس له حاجة في الدنيا) وفي رواية
الدار قطني(١)، من وجه آخر، عن جعفر بن عون: ((في نِسَاءِ الدُّنْيَا))، وزاد فيه ابن خزيمة(٢)،
عن يوسف بن موسى، عن جعفر بن عون: ((يَصُومُ النَّهَارَ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ)).
(فقال) أي: أبو الدرداء، (كل فإني صائم: قال) أي: سلمان: (ما أنا بآكل حتى تأكل)
وفي رواية البزار، عن محمد بن بشار، شيخ البخاري، فيه: ((فقال: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتُفْطِرَنَّ»،
(١) الدارقطني (١٧٦/٢) حديث (٢٠).
(٢) ابن خزيمة، حديث (٢١٤٤).