النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في الرِّيَاءِ والسُّمْعَة المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللهُ: بَلْ أَرَدْتَ أنْ يُقَالَ فُلَانٌ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَى رُكْبَتِي فَقَال: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أُولِئَكَ الثَّلاثَةُ أوَّلُ خَلْقِ الله تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَة. وقَالَ الوَلِيدُ أبُو عُثمانَ المدائنيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُقْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ أنَّ شُفَيَّا هُوَ الَّذِي دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةً فَأَخْبَرَهُ بِهَذَا، قَالَ أبُو عُثمانَ: وحَدَّثَنِي العَلَاءُ بْنُ أبي حَكِيم أنَّهُ كَانَ سَيَّافًا لِمُعَاوِيَةَ قال: فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَأَخْبَرَهُ بِهَذَا عَن أبي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ فُعِلَ بِهؤلاءِ هَذَا فَكَيْفَ بِمَنْ بَقِيَ مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ بَكَى مُعَاوِيَةُ بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ هَالِكٌ، وَقُلْنَا قَدْ جَاءَنَا هَذَا الرَّجُلُ بِشَرِّ، ثُمَّ أَفَاقَ مُعَاوِيَةُ وَمَسَحَ عَن وَجْهِهِ وَقَالَ: صَدَقَ الله وَرَسُولُهُ: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الذُّنَّا أُوْلَِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ إِلَّا وَزِيَهَا نُوَقِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فَِهَا وَهُمْ فِيَهَا لَا يُبْخَسُونَ ( ١٥ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلُ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]. (جريء) فعيل من الجرأة، فهو مهموز، وقد يدغم، أي: شجاع، (وتسعر) من التسعير، أي: توقد. والحديث دليلٌ على تغليظ تحريم الرياء، وشدة عقوبته، وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال، كما قال - تعالى -: ﴿وَمَا أُمِرُوّا إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ﴾ [البينة: ٥] وفيه: أن العمومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد الله - تعالى - بذلك مخلصًا، وكذلك الثناء على العلماء، وعلى المنفقين في وجوه الخيرات، كلَّه محمول على من فعل ذلك لله - تعالى - مخلصًا . (وحدثني العلاء بن أبي حكيم) قال في ((التقريب)): العلاء بن أبي حكيم يحيى الشامي، سياف معاوية، ثقة، من الرابعة، (قد فعل بهؤلاء) أي: القارئ والشهيد والجواد، المذكورين في الحديث، (﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَنَهَا﴾) يعني: بعمله الذي يعمله من أعمال البر، نزلت في كل مَنْ عمل عملاً يبتغي به غير الله - عزَّ وجلَّ - (﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا﴾) يعني: أجور أعمالهم التي عملوها؛ لطلب الدنيا وذلك أن الله - سبحانه وتعالى - يوسع عليهم في الرزق، ويدفع عنهم المكاره في الدنيا، ونحو ذلك، (﴿وَهُمْ فَِهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾﴾ [هود: ١٥] أي: لا ينقصون من أجور أعمالهم التي عملوها لطلب الدنيا، بل يعطون أجور أعمالهم كاملة موفورة، (﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا﴾) أي: وبطل ما عملوا في الدنيا من أعمال البرّ، (﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾﴾ [هود: ١٦]؛ لأنه لغير الله. ١٠٢ كتاب الزهد عن رسول اللُّ / باب مَا جَاء في الرِّيَاءِ والسُّمْعَة قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غريب. [٢٣٨٣] (٢٣٨٣) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنِي المُحَارِبِيُّ، عَن عَمَّارِ بْنِ سَيْفٍ الضَّبِّيِّ، عَن أبي مُعَانٍ البَصْرِيِّ، عَن ابنِ سِيرِينَ عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ واختلف المفسرون في المعنى بهذه الآية، فروى قتادة عن أنس، أنَّهَا في اليهود والنصارى، وعن الحسن مثله، وقال الضحاك: مَنْ عَمِلَ عملًا صالحًا في غير تقوى، يعني: من أهل الشرك، أعطي على ذلك أجرًا في الدنيا، وهو أن يصل رحمًا، أو يعطي سائلًا، أو يرحم مضطرًا، أو نحو هذا من أعمال البر، فيعجل الله له ثواب عمله في الدنيا، يوسع عليه في المعيشة والرزق، ويقر عينه فيما خوله، ويدفع عنه المكاره في الدنيا، وليس له في الآخرة نصيبٍ، ويدل على صحة هذا القول سياقُ الآية، وهو قوله: (﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَّمْ فِ اَلْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا﴾ [هود: ١٦]) الآية، وهذه حالة الكافر في الآخرة. وقيل: نزلت في المنافقين الذين كانوا يطلبون بغزوهم مع رسول الل ◌ّ الغنائم؛ لأنهم كانوا لا يرجون ثواب الآخرة. وقيل: إن حمل الآية على العموم أولى، فيندرج الكافر والمنافق الذي هذه صفته، والمؤمن الذي يأتي الطاعات وأعمال البر على وجه الرياء والسمعة. قال مجاهد في هذه الآية: هم أهل الرياء وهذا القول مشكل؛ لأن قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿أُوْلَهِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِ اَلْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ﴾ [هود: ١٦] لا يليق بحالِ المؤمن إلَّا إذا قلنا: إن تلك الأعمال الفاسدة والأفعال الباطلة لما كانت لغير الله استحق فاعلها الوعيد الشديد، وهو عذاب النار. كذا في ((تفسير الخازن)). قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه ابن خزيمةٌ) في ((صحيحه)). [٢٣٨٣] قوله: (عن عمار بن سيف) بفتح مهملة، وسكون تحتية، (الضبي) بالمعجمة، ثم الموحدة، الكوفي، ضعيف الحديث، وكان عابدًا، من التاسعة،(عن أبي معان البصري) في ((تهذيب التهذيب)): أبو معاذ، ويقال: أبو معان، وهو أصح، بصري، عن أنس ومحمد بن سيرين، وعنه عمار بن سيف الضبي، وفي ((الميزان)): لا يعرف، وفي ((التقريب)): مجهول، من السادسة،(عن ابن سيرين) الظاهر أنه محمد بن سيرين، ويحتمل أن يكون أنس بن سيرين. ابن خزيمة، حديث (٢٤٨٢). (١) ١٠٣ كتاب الزهد عن رسول الله ◌َ ﴿ / باب عمل السِّر رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِن جُبِّ الحَزَنِ)). قَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَمَا جُبُّ الحَزَنِ؟ قَالَ: ((وَادٍ فِي جَهَنَّمَ تَتَعَوَّذُ مِنْهُ جَهَنَّمُ كلَّ يَوْمٍ مائَةَ مَرَّةٍ»، قلنا: يَا رَسُولَ الله، وَمَنْ يَدْخُلُهُ؟ قَالَ: ((القرَّاءُونَ المُرَاؤُونَ بِأَعْمَالِهِمْ)). [عمار، ضعيف، وأبو معان، مجهول: جه: ٢٥٦]. قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. ٤٩- باب عمل السِّر [ت٤٩، م٤٩] [٢٣٨٤] (٢٣٨٤) حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا أبو داوُدَ حَدَّثَنَا أبو سِنَانٍ الشَّيْبَانِيُّ عَنِ حَبِيبٍ بْنِ أبي ثَابِتٍ، عَن أبي صَالحِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، الرَّجُلُ يَعْمَلُ العَمَلَ فَيُسِرُّهُ، فَإِذَا اظْلِعَ عَلَيْهِ أعْجَبَهُ ذلك، قَالَ رَسُولُ الله وَالَى: (لَهُ أجْرَانِ: أجْرُ السِّرِّ وَأَجْرُ العَلانِيَةِ)). [فيه ضعف، حبيب، مدلِّس: جه: ٤٢٢٦]. قوله: (تعوذوا بالله من جُبِّ الحزن) قال في ((المجمع)): الجب، بالضم: البئر غير المطوي، وجب الحزن: علم واد في جهنم، والإضافة فيه كدار السلام؛ إذ فيه السلامة من كلِّ آفة وحزن. انتهى، (مئة مرة) وفي رواية ابن ماجه: ((أربعمئة مرة))، (القراؤون) قال في ((القاموس)): القرّاء، كرُمَّانٍ: الناسكُ المتعبد، كالقارئ، والمتقرئ، والجمع قراؤون وقَوارِئ. انتهى. قوله: (هذا حديث غريب) في سنده عمار بن سيف، وهو ضعيف، أبو معان، وهو مجهول كما عرفت، والحديث أخرجه ابن ماجه أيضًا . ٤٩ - باب عمل السُّر [٢٣٨٤] قوله: (أخبرنا أبو داود) هو الطيالسي، (أخبرنا أبو سنان الشيباني) هو الأصغر، ويأتي ترجمته، وترجمة أبي سنان الأكبر في باب كم أهل الجنة من ((أبواب صفة الجنة)). قوله: (فُسِرُّهُ) من الإسرار، أي: فيخفيه، (فإذا اطلع) بصيغة المجهول، وقوله: ((الرجل يعمل)) إلى قوله: ((أعجبه)) إخبارٌ فيه معنى الاستخبار، يعني: هل تحكم على هذا أنه رياء، أم لا؟ (أجر السر) أي: لإخلاصه، (وأجر العلانية) أي: للاقتداء به، أو لفرحه بالطاعة، وظهورها منه. ١٠٤ كتاب الزهد عن رسول الله ◌َ﴿ / باب مَا جَاء أن المَرْء معَ مَن أحَب قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وقد روى الأعمَشُ وَغَيْرُهُ عَن حَبِيبٍ بْنِ أبي ثَابِتٍ، عَن أبي صالح، عَن النبيِّ وَّهِ مُرْسَلًا، وأصحاب الأعمَشِ لم يذكروا فيه عَن أبي هُرَيْرَةَ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: وقد فَسَّرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْم هذا الحديثَ فقال: إذَا اظُلِعَ عَلَيْهِ فأعْجَبَهُ، فإنَّما مَعْنَاهُ أنْ يُعْجِبَهُ ثَنَاءُ النَّاسِ عَلَيْهِ بالخَيْرِ لِقَوْلِ النّبِيِّ بَِ: ((أَنْتُمْ شُهَدَاءُ الله في الأرضِ))، فَيُعْجِبُهُ ثَنَاءُ النَّاسِ عَلَيْهِ لِهَذَا لما يرجو بثناء النَّاسِ عليه، فأمَّا إِذَا أعْجَبَهُ لِيَعْلَمَ النَّاسُ مِنْهُ الخَيْرَ لِيُكرِمَ عَلَى ذَلِكَ ويعظّم عليه فَهَذَا رِيَاءٌ. وقال بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إِذَا اظُلِعَ عَلَيْهِ فَأعجبه رَجَاء أنْ يَعْمَلَ بِعَمَلِهِ، فَيَكُونُ لَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ، فَهَذَا لَهُ مَذْهَبٌ أيْضًا. ٥٠- باب مَا جَاء أن المَرْء معَ مَن أحَب [ت٥٠، ٥٠٢] [٢٣٨٥] (٢٣٨٥) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أخْبَرَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَن حُمَيْدٍ، عَن أَنَسٍ، أنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِوَلَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَتَى قِيَامُ السَّاعَةِ؟ فَقَامَ النبيُّ وَلَهِ إلى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: ((أيْنَ السَّائِلُ عَن قِيَامِ السَّاعةِ؟)) فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ الله قال: ((ما أَعْدَدْتَ لَهَا))؟ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، قوله: (وقال بعض أهل العلم: إذا اطلع عليه فأعجبه رجاء أن يعمل بعمله فيكون له مثل أجورهم) وهذا معنى قوله وَّاله: ((مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا))(١)، (فهذا له مذهب أيضًا) أي: هذا المعنى الثاني أيضًا صحيح، يجوز أن يُذهب إليه ويُختار. ٥٠ - باب ما جاء أن المرء مع من أحب [٢٣٨٥] قوله: (ما أعددت لها) قال الطيبي: سلك مع السائل طريق الأسلوب الحكيم؛ لأنه سأل عن وقت الساعة، فقيل له: ﴿فِيَمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَا﴾ [النازعات: ٤٣]، وإنما يهمك أن تهتم بأهبتها، وتعتني بما ينفعك عند إرسالها، من العقائد الحقة، والأعمال الصالحة، (١) أخرجه أحمد بهذا اللفظ، حديث (١٨٧٢٠) ومسلم، كتاب الزكاة، حديث (٩٨٩) وأبو داود (١٥٨٩) والترمذي (٢٦٧٥) والنسائي (٢٤٦٠) وابن ماجه (٢٠٣). ١٠٥ كتاب الزهد عن رسول الله وَاه / باب مَا جَاء أن العَرْء معَ مَن أحَب ما أعْدَدْتُ لهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ إلَّا أَنِّي أُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَه: ((المَرْءُ معَ مَن أَحَبَّ، وَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَيْتَ)) فَمَا رَأيْتُ فَرِحَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ الإسْلَامِ فَرَحَهُمْ بهذا. [خ: ٦١٧١، م: ٢٦٣٩، مي: ٢٧٨٧ بنحوه]. قَالَ أبُو عِيْسَی: هذا حديثٌ صحيحٌ. [٢٣٨٦] (٢٣٨٦) حَدَّثَنَا أبو هِشَام الرِّفَاعِيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَن أَشْعَثَ، عَن الحَسَنِ، عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ وَلَهُ مَا اكْتَسَبَ)). [صحيح بلفظ: ((أنت مع من أحببت ولك ما احتسبت))]. [حم: ١١٦٠٢] فأجاب بقوله: ما أعددت لها إلَّا أني أحب الله ورسوله. انتهى، (ما أعددت لها كبير صلاة) بالموحدة، وفي رواية للبخاري: ((كثير صلاة)) بالمثلثة، (وأنت مع من أحببت) أي: ملحق بهم، حتى تكون من زمرتهم، وبهذا يندفع إيراد أن منازلهم متفاوتة، فكيف تصح المعية؟ فيقال: إن المعية تحصل بمجرد الاجتماع في شيءٍ ما، ولا تلزم في جميع الأشياء، فإذا اتفق أن الجميع دخلوا الجنة، صدقت المعية، وإن تفاوتت الدرجات. كذا في ((الفتح))، (فَمَا رأيت فرح المسلمون بعد الإسلام) أي: بعد فرحهم به، أو دخولهم فيه، (فرحهم) بفتحات، أي: كفرحهم، (بها) أي: بتلك الكلمة، وهي: ((أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَيْتَ))، وفي رواية للبخاري: قال: ((إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَيْتَ))، فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: ((نعم))، ففرحنا يومئذٍ فرحًا شديدًا. قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي. [٢٣٨٦] قوله: (عن أشعث) بن سوار الكندي، النجار، الأفرق، الأثرم، صاحب التوابيت، قاضي الأهواز، ضعيف، من السادسة. قوله: (المرء مع من أحب) أي: يحشر مع محبوبه، ويكون رفيقًا لمطلوبه؛ قال - تعالى -: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُؤْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَّهِمْ﴾ [النساء: ٦٩] الآية، وظاهر الحديث العموم الشامل للصالح والطالح، ويؤيده حدیث: «المرء علی دین خلیله))، كما مر، ففيه ترغيب وترهيب، ووعد ووعيد، (وله ما اكتسب) وفي رواية البيهقي في ((شعب الإيمان)): ((أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلَكَ مَا احتَسَبْتَ)). قال القاري: أي: أجر ما احتسبت، والاحتساب: طلب الثواب، وأصلُ الاحتساب بالشيء، الاعتداد به، ولعله مأخوذ من الحساب، أو الحسب، واحتسب بالعمل: إذا قصد به مرضاة ربه، وقال التوربشتي: وكلا اللفظين - يعني: احتسب واكتسب ـ قريب من الآخر في المعنى المراد منه، قال الطيبي - ١٠٦ كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء أن العَرْء معَ مَن أحَب وفي البابِ عَن عَلِيٍّ، وعَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وصَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وأبي مُوسَى. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من حديثِ الحَسَنِ البصري، عَن أنَسِ بْنِ مالك، عَن النبيِّ بَّهِ، وقد رُوِيَ هذا الحديث من غير وجه عَن النبيِّ بَّه. [٢٣٨٧] (٢٣٨٧) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّال قَالَ: جَاءَ أعْرَابِيٌّ جَهُورِيُّ الصَّوْتِ قَالُ: يَا مُحَمَّدُ! الرَّجُلُ يُحِبُّ القَوْمَ رحمه الله -: وذلك لأن معنى: ما اكتسب: کسب کسبًا يعتد به، ولا يرد عليه سبب الرياء والسمعة، وهذا هو معنى الاحتساب؛ لأن الافتعال للاعتمال. انتهى. ومعنى الحديث: أن المرء يحشر مع من أحبه، وله أجر ما احتسب في محبته. قوله: (وفي الباب عن علي، وعبد الله بن مسعود، وصفوان بن عسال، وأبي هريرة، وأبي موسى) أما حديث عليٍّ، فأخرجه الطبراني في ((الصغير))، و((الأوسط))(١)، بإسناد جيد. وأما حديث عبد الله بن مسعود، فأخرجه الشيخان(٢). وأما حديث صفوان بن عسال، فأخرجه الترمذي(٢) في هذا الباب، وأما حديث أبي هريرة، فلينظر مَنْ أخرجه(٤) . وأما حديث أبي موسى، فأخرجه البخاري(٥) . قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو نعيم. كما في ((الفتح)). [٢٣٨٧] قوله: (عن صفوان بن عسال) بمهملتين، المرادي، صحابي معروف، نزل الكوفة. قوله: (جاء أعرابي جهوري الصوت) أي: شديد الصوت وعاليه، منسوب إلى جَهْوَرَ (١) الطبراني في ((الصغير))، حديث (٨٧٤) و((الأوسط))، حديث (٦٤٥٠). البخاري، كتاب الأدب، حديث (٦١٦٨) ومسلم، كتاب البر والصلة، حديث (٢٦٤٠). (٢) (٣) الترمذي، كتاب الزهد، حديث (٢٣٨٧). الترمذي، كتاب الزهد، حديث (٢٣٧٨). (٤) البخاري، كتاب الأدب، حديث (٦١٧٠) وأخرجه أيضًا مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، حديث (٥) (٢٦٤١). ١٠٧ كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿/ باب مَا جَاء في حُسْنِ الظَّنِّ بالله - تعالى - وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ((المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)). قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَاصِم عَنْ زِرِّ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌ِلَنَحْوَ حَدِيثٍ مَحْمُودٍ. [حم: ١٧٦٢٣] ٥١- باب مَا جَاء في حُسْنِ الظَّنِّ بالله - تعالى - [ت٥١، ٥١٢] [٢٣٨٨] (٢٣٨٨) حَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِبعٌ، عَن جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَن يَزِيدَ بْنِ الأصَمِّ، عَن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَةِ ((إنَّ اللهَ يَقُولُ: بصوته، (ولما يلحق هو بهم) قال الحافظ: هي أبلغ؛ فإن النفي بـ ((لما)) أبلغ من النفي بـ ((لم))، فيؤخذ منه أن الحكم ثابت ولو بعد اللحاق، ووقع في حديث أنس عند مسلم: ((وَلَمْ يَلْحَقْ بِعَمَلِهِمْ)). وفي حديث أبي ذر، عند أبي داود وغيره: ((وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْمَلَ بِعَمَلِهِمْ)). وفي بعض طرق حديث صفوان بن عسال، عند أبي نعيم: ((وَلَمَ يَعْمَلْ بِمِثْلٍ عَمَلِهِمْ))، وهو يفسر المراد. انتهى. (المرء مع من أحب) يعني: من أحب قومًا بالإخلاص يكون من زمرتهم، وإن لم يعمل عملهم؛ لثبوت التقارب بين قلوبهم، وربما تؤدي تلك المحبة إلى موافقتهم، وفيه حثّ على محبة الصلحاء والأخيار، رجاء اللحاق بهم، والخلاص من النار. قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه النسائي، وصححه ابن خزيمة. ٥١ - باب ما جاء في حُسْنِ الظَّنِّ بِالله تَعَالَى [٢٣٨٨] قوله: (عن جعفر بن برقان) بضم الموحدة، وسكون الراء، بعدها قاف، الكلابي، كنيته: أبو عبد الله الرقي، صدوق، يهم، في حديث الزهري، من السابعة، (عن يزيد بن الأصم) في ((التقريب)) (١): يزيد بن الأصم، واسمه: عمرو بن عبيد بن معاوية البكائي، أبو عوف، كوفي، نزل الرقة، وهو ابن أخت ((ميمونة)) أم المؤمنين، يُقَالُ: له رُؤية، ولا يثبت، وهو ثقة. (١) أخرجه أحمد، حديث (١٤١٧٠) ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث (٢٨٧٧) وأبو داود، كتاب الجنائز (٣١١٣) وابن ماجه، كتاب الزهد، حديث (٤١٦٧). ١٠٨ كتاب الزهد عن رسول الله ◌َ﴿ / باب مَا جَاء في البِرِّ وَالإثم أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي وَأْنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي)). قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [خ: ٧٤٠٥، م: ٢٦٧٥، جه: ٣٨٢٢، حم: ٧٣٧٤ بلفظ: ((إذا ذكرني))]. ٥٢- باب مَا جَاء في البِرِّ وَالإِثْم [ت٥٢، ٥٢٢] [٢٣٨٩] (٢٣٨٩) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عبدِ الرَّحمَنِ الكِنْدِيُّ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ الحَضْرَمِيُّ عَنِ أَبِيهِ، عَن النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ عَنِ البِرِّ وَالإِثْم، قوله: (أنا عند ظن عبدي بي) أي: أنا أعامله على حسب ظنه بي، وأفعل به ما يتوقعه مني، من خير أو شر، والمراد: الحثَّ على تغليب الرجاء على الخوف، وحسن الظن بالله، كقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِالله))(١)، ويجوز أن يراد بالظن: اليقين. والمعنى: أنا عند يقينه بي، وعلمه بأن مصيره إليَّ، وحسابه عليّ، وأن ما قضيت به له أو عليه من خير أو شر لا مرد له، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت. قاله الطيبي. وقال القرطبي في ((المفهم)): قيل: معنى ((ظن عبد بي)): ظن الإجابة عند الدعاء، وظن القبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن المجازاة عند فعل العبادة بشروطها؛ تمسكًا بصادق وعده، قال: ويؤيده قولُهُ في الحديث الآخر: ((ادْعُوا الله وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ»، قال: ولذلك ينبغي للمرء أن يجتهد في القيام بما عليه، موقنًا بأن الله يقبله، ويغفر له؛ لأنه وعد بذلك، وهو لا يخلف الميعاد، فإن اعتقد أو ظن أن الله لا يقبلها، وأنها لا تنفعه، فهذا هو اليأس من رحمة الله، وهو من الكبائر، ومن مات على ذلك، وُكِلَ إلى ما ظن، كما في بعض طرق الحديث المذكور: ((فليظن بي عبدي ما شاء))، قال: وأما ظن المغفرة مع الإصرار، فذلك محض الجهل والغرة، وهو يجر إلى مذهب المرجئة، (وأنا معه إذا دعاني) أي: بعلم، وهو كقوله: ﴿إِنَّفِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، والنسائي، وابن ماجه. ٥٢ - باب ما جاء في البر والإثم [٢٣٨٩] قوله: (عن النواس) بتشديد الواو، ثم مهملة، (ابن سمعان) بفتح السين وكسرها: ابن خالد الكلابي، أو الأنصاري، صحابي مشهور، سكن الشام. (١) مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث (٢٨٧٧). ١٠٩ كتاب الزهد عن رسول الله:﴿ / باب مَا جَاء في البِرِّ وَالإثْم فَقَالَ النبيُّ وَّهِ: ((البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ في نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ)). [م: ٢٥٥٣، حم: ١٧١٧٩، مي: ٢٧٨٩]. حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بْنُ مَهْدِي، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صالح نَحْوَهُ إِلَّا أنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ النبيَّ ◌َِّ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. قوله: (فقال النبي (وَ ل *: البر) أي: أعظم خصاله، أو البر كله مجملًا، (حسن الخلق) أي: مع الخلق. قال النووي في ((شرح مسلم)): قال العلماء: البِرُّ يكون بمعنى الصلة، وبمعنى اللطف، والمبرة، وحسن الصحبة والعشرة، وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي مجامع حسن الخلق. وقال الطيبي: قيل: فُسِّر البر في الحديث بمعانٍ شتى، ففسره في موضع بما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، وفسره في موضع بالإيمان، وفي موضع بما يقربك إلى الله، وهنا بحسن الخلق، وفسر حسن الخلق باحتمال الأذى، وقلّة الغضب، وبسط الوجه، وطيب الكلام، وكلها متقاربة في المعنى. رمالجنا! (والإثم ما حاك في نفسك) أي: تحرك فيها وتردد، ولم ينشرح له الصدر، وحصل في القلب منه الشك، وخوف کونه ذنبًا . وقيل: يعني: الإثم ما أثر قبحه في قلبك، أو تردد في قلبك، ولم ترد أن تظهره؛ لكونه. قبيحًا، وهو المعني بقوله: (وكرهت أن يطلع الناس عليه) أي: أعيانهم وأماثلهم؛ إذ الجنس ينصرف إلى الكامل، وذلك لأن النفس بطبعها تحب الاطلاع الناس على خيرها، فإذا كرهت للاطلاع على بعض أفعالها، فهو غير ما تقرب به إلى الله، أو غير ما أذن الشرع فيه، وعلم أنه لا خير فيه ولا بر، فهو إذًا إثم وشر. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري في ((الأدب المفرد))، ومسلم في ((البر والصلة)). ١١٠ كتاب الزهد عن رسول الله -18/ باب مَا جَاء في الحُبِّ في الله ٥٣- باب مَا جَاء في الحُبِّ في الله [ت٥٣، م٥٣] [٢٣٩٠] (٢٣٩٠) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أبي مَرْزُوقٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أبِي رَبَاحِ، عَن أبي مُسْلِمٍ الخَوْلَانِيِّ، حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ ل ◌َيَقُولُ: ((قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: المُتَحَابُونَ في جَلَالِي لَّهُمْ مَنَابِرُ مِن نُورٍ يَغْبِطُهُمُ الشَِّيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ)). ٥٣ - باب ما جاء في الحب في الله أي: في ذات الله وجهته، لا يشوبه الرياء والهوى، و((في)) هنا كما في قوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. [٢٣٩٠] قوله: (أخبرنا كثير بن هشام) الكلابي، أبو سهل، الرقي، نزيل بغداد، ثقة، من السابعة، (أخبرنا حبيب بن أبي مرزوق) الرقي، ثقة، فاضل، من السابعة. قوله: (المتحابون في جلالي) أي: لأجل إجلالي، وتعظيمي، (يغبطهم النبيون والشهداء) قال القاري: بكسر الموحدة، من الغبطة بالكسر، وهي تمني نعمة على ألَّ تتحول عن صاحبها، بخلاف الحسد، فإنه تمني زوالها عن صاحبها، فالغبطة في الحقيقة عبارةٌ عن حسن الحال. كذا قيل، وفي ((القاموس)): الغبطة: حسن الحال والمسرة، فمعناها الحقيقي مطابق للمعنى اللغوي، فمعنى الحديث: يستحسن أحوالهم الأنبياء والشهداء، قال: وبهذا يزولُ الإشكال الذي تحير فيه العلماء. وقال القاضي: كل ما يتحلى به الإنسان، أو يتعاطاه من علم وعمل فإن له عند الله منزلة لا يشاركه فيه صاحبه ممن لم يتصف بذلك، وإن كان له من نوع آخر ما هو أرفع قدرًا، وأعز ذخرًا، فيغبطه بأن يتمنى ويحب أن يكون له مثل ذلك مضمومًا إلى ما له من المراتب الرفيعة، والمنازل الشريفة، وذلك معنى قوله: ((يغبطهم النبيون والشهداء))، فإن الأنبياء قد استغرقوا فيما هو أعلى من ذلك، من دعوة الخلق، وإظهار الحق، وإعلاء الدين، وإرشاد العامة والخاصة، إلى غير ذلك من كليات أشغلتهم عن العكوف على مثل هذه الجزئيات، والقيام بحقوقها، والشهداء وإن نالوا رتبة الشهادة، وفازوا بالفوز الأكبر، فلعلهم لن يعاملوا مع الله معاملة هؤلاء، فإذا رأوهم يوم القيامة في منازلهم، وشاهدوا قربهم وكرامتهم عند الله، ودوا لو كانوا ضامين خصالهم، فيكونون جامعين بين الحسنتين، وفائزين بالمرتبتين. ١١١ كتاب الزهد عن رسول اللهوَ﴿ / باب مَا جَاء في الحُبِّ في الله وفي الباب، عَن أبي الدَّرْدَاءِ، وَابنِ مَسْعُودٍ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي مَالِكِ الأشْعَرِيِّ. وقيل: إنه لم يقصد في ذلك إلى إثبات الغبطة لهم على حال هؤلاء، بل بيان فضلهم، وعلو شأنهم، وارتفاع مكانهم، وتقريرها على آكد وجه وأبلغه. والمعنى: أن حالهم عند الله يوم القيامة بمثابة لو غبط النبيون والشهداء يومئذٍ - مع جلالة قدرهم ونباهة أمرهم - حال غيرهم لغبطوهم. قوله: (وفي الباب عن أبي الدرداء، وابن مسعود، وعبادة بن الصامت وأبي مالك الأشعري وأبي هريرة) . أما حديث أبي الدرداء، فأخرجه الطبراني(١) بإسناد حسن. وأما حديث ابن مسعود، فأخرجه الطبراني(٢) في ((الأوسط)). وأما حديث عبادة بن الصامت، فأخرجه أحمد(٣) بإسناد صحيح. وأما حديث أبي مالك الأشعري، فأخرجه أحمد(٤)، وأبو يعلى بإسناد حسن، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد. ذكر المنذري أحاديث هؤلاء الصحابة - ﴿م - في ((ترغيبه)). وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه مسلم(٥) عنه مرفوعًا: ((أَنَّ الله - تعالى - يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ المُتَحَابُّونَ بِجَلالِي، اليَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي، يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي))، وله أحاديث أخرى في هذا الباب. (١) الطبراني في ((الأوسط))، حديث (١٣٢٨) وقال الهيثمي (٢٧٧/١٠): وفيه من لم أعرفهم. (٢) يريد الشارح حديث الطبراني في ((الأوسط)) (٧٢١٤) قال الهيثمي (٢٧٤/١٠): ورجاله ثقات، لكن أخرج ابن عساكر في ((تاريخه)) لمدينة دمشق بنحو حديث الباب (١٠٧/٥١) فهو أولى بالعزو، والله أعلم. (٣) أحمد، حديث (٢١٤٩٧) وابن حبان، حديث (٥٧٧) والطبراني في «الكبير» (٨١/٢٠) حديث (١٥٤) و«الشامیین) حديث (٦٢٥). (٤) أحمد، حديث (٢٢٣٨٧) والطبراني في ((الكبير))، حديث (٣٤٣٣) والبيهقي في ((شعب الإيمان))، حديث (٨٩٩٨) وقال الهيثمي (٢٧٦/١٠): رواه كله أحمد والطبراني بنحوه ... ورجاله وثقوا. (٥) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، حديث (٢٥٦٦). ١١٢ كتاب الزهد عن رسول الله وَ إ﴿ / باب مَا جَاء في الحُبِّ في الله قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وأبو مُسْلِمِ الخَوْلَانِيُّ اسْمُهُ: عَبْدُ الله بْنُ ثوَب. [٢] (٢٣٩١) حَدَّثَنَا الأنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا معن، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَن خُبَيْبٍ بْنِ [٩١ عبدِ الرَّحمنِ، عَن حَقْصٍ بْنِ عَاصِمٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، أوْ عَن أبي سَعِيدٍ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِِّ قَالَ: ((سَبْعَةٌ يُظِلَّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مالك، وأحمد، والطبراني، والحاكم، والبيهقي(١) بلفظ: ((قال الله - تعالى -: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالمُتْبَاذِينَ فِيَّ)). قوله: (وأبو مسلم الخولاني) الزاهد، الشامي، (اسمه: عبد الله بن ثوب) بضم المثلثة، وفتح الواو، بعدها موحدة، قال في ((التقريب)): وقيل: بإشباع الواو، وقيل: ابن أثوب، وزن أحمر، ويُقال: ابن عوف، أو: ابن مشكم، ويقال اسمه: يعقوب بن عوف، ثقة، عابد، من الثانية، رحل إلى النبي ◌َّر فلم يدركه، وعاش إلى زمن يزيد بن معاوية. [٢٣٩١] قوله: (حدثنا الأنصاري) هو إسحاق بن موسى الخطمي، أبو موسى، المدني، (عن حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب، العمري، ثقة، من الثالثة. قوله: (سبعة) أي: سبعة أشخاص، (يظلهم الله) أي: يدخلهم، (في ظله) قال عياض: إضافة الظل إلى الله إضافة ملكٍ، وكل ظل فهو ملكه. قال الحافظ في ((الفتح)): وكان حقه أن يقول: إضافة تشريف؛ ليحصل امتياز هذا على غيره، كما قيل للكعبة: بيت الله، مع أن المساجد كلها ملكه، وقيل: المراد بظله كرامته وحمايته، كما يُقال: فلان في ظل الملك، وهو قول عیسی بن دينار، وقواه عیاض. وقيل: المراد: ظل عرشه، ويدل عليه حديث سلمان عند سعید بن منصور بإسناد حسن: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُم الله في ظِلِّ عَرْشِهِ) فذكر الحديث، قال: وَإِذَا كان المراد ظل العرش، استلزم ما ذكر من كونهم في كنف الله وكرامته من غير عكس، فهو أرجح، وبه جزم القرطبي، ويؤيده أيضًا تقييد ذلك بيوم القيامة، كما صرح به ابن المبارك في روايته عن عبيد الله بن عمر، وهو عند المصنف في كتاب الحدود، قال: وبهذا يندفع قول من قال: المراد ظل (١) مالك، حديث (١٧٧٩) والطبراني في ((الأوسط))، حديث (٥٧٩٥) والحاكم، حديث (٧٣١٤) وقال: على شرط الشيخين، وأقرَّه الذهبي. والبيهقي في ((شعب الإيمان))، حديث (٨٩٩٢). ١١٣ كتاب الزهد عن رسول الله وَيه / باب مَا جَاء في الحُبِّ في الله إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌ نَشَأْ بِعِبَادَةِ الله، وَرَجُلٌ كَانَ قَلْبُهُ مُعَلَّقًا بالمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلَانِ تَحَابًّا في الله فَاجْتَمعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا، طوبى، أو ظل الجنة؛ لأن ظلهما إنما يحصل لهم بعد الاستقرار في الجنة، ثم إن ذلك مشترك لجميع من يدخلها، والسياق يدل على امتياز أصحاب الخصال المذكورة، فيرجح أن المراد ظل العرش، وروى الترمذي، وحسنه من حديث أبي سعيد مرفوعًا: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَقْرَبُهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِلٌ)). انتهى. (إمام عادل) قال الحافظ: المرادُ به: صاحب الولاية العظمى، ويلتحق به كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين فعدل فيه، ويؤيده رواية مسلم، من حديث عبد الله بن عمرو رفعه: (إِنَّ المُفْسِطِينَ عِنْدَ الله عَلى مَنَابِرَ من نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا)). قال: وأحسن ما فسر به العادل أنه الذي يتبع أمر الله بوضع كلّ شيء في موضعه، من غير إفراط ولا تفريط، وقدمه في الذكر لعموم النفع به. (وشاب) خص الشاب لكونه مظنة غلبة الشهوة؛ لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى، فإن ملازمة العبادة مع ذلك أشد وأدل على غلبة التقوى، (نشأ) أي: نما وتربى، (بعبادة الله) أي: لا في معصيته، فجُوزي بظل العرش؛ لدوام حراسة نفسه عن مخالفة ربه، (ورجل كان قلبه معلقًا بالمسجد) وفي رواية الشيخين(١): ((وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ)) قال الحافظ: ظاهره أنه من التَّعليق؛ كأنه شبهه بالشيءِ المعلق في المسجد، كالقنديل مثلًا؛ إشارة إلى طول الملازمة بقلبه، وإن كان جسده خارجًا عنه، ويدل عليه رواية الجوزقي: ((كأنما قلبه معلق في المسجد))، ويحتمل أن يكون من العلاقة، وهي شدة الحب، ويدل عليه رواية أحمد: (مُعَلَّقٌ بِالمَسَاجِدِ)) وكذا رواية سليمان: ((من حبها))، (إذا خرج منه) أي: من المسجد، (حتى يعود إليه)؛ لأن المؤمن في المسجد كالسمك في الماء، والمنافق في المسجد كالطير في القفص، (ورجلان) مثلًا (تحابا) بتشديد الباء، وأصله: تحاببا، أي: اشتركا في جنس المحبة، وأحب كل منهما الآخر حقيقة، لا إظهارًا فقط، (في الله) أي: لله، أو: في مرضاته، (فاجتمعا على ذلك) أي: على الحب في الله إن (اجتمعا وتفرقا) أي: إن تفرقا، يعني: يحفظان الحب في الحضور والغيبة، وقال الحافظ: والمراد: أنهما داما على المحبة الدينية، ولم يقطعاها بعارض دنيوي، سواء اجتمعا حقيقة أم لا، حتى فرق بينهما الموت. (١) البخاري، كتاب الأذان، حديث (٦٦٠) ومسلم، كتاب الزكاة، حديث (١٠٣١). ١١٤ كتاب الزهد عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاء في الحُبِّ في الله وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امرأة ذَاتٌ حَسَبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ)). [خ: ٦٦٠، م: ١٠٣١، ن: ٥٣٩٥، حم: ٩٣٧٣، طا: ١٧٧٧]. تنبيه: عدت هذه الخصلة واحدة، مع أن متعاطيها اثنان؛ لأن المحبة لا تتم إلا باثنين، أو لما كان المتحابان بمعنى واحد كان عَدُّ أحدهما مغنيًا عن عد الآخر؛ لأن الغرض عد الخصال، لا عد جميع من اتصف بها، (ورجل ذكر الله) أي: بقلبه، من التذكر، أو بلسانه، من الذكر، (خاليًا) أي: من الناس، أو من الرياء، أو مما سوى الله، (ففاضت عيناه) أي: فاضت الدموع من عينيه، وأسند الفيض إلى العين مبالغة، كأنها هي التي فاضت، (ورجل دعته) امرأة إلى الزنا بها، (ذات حسب) قال ابن الملك: الحسبُ: ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه، وقيل: الخصال الحميدة له ولآبائه، (فقال: إني أخاف الله عزّ وجلّ) الظاهر: أنه يقول ذلك بلسانه، إما ليزجرها عن الفاحشة، أو ليعتذر إليها، ويحتمل أن يقوله بقلبه. قاله عياض، قال القرطبي: إنما يصدر ذلك عن شدة خوف من الله تعالى ، ومتين تقوى وحياء، (ورجل تصدق بصدقة) نَكَّرَها؛ ليشمل كل ما يتصدق به من قليل وكثير، وظاهره أيضًا يشمل المندوبة والمفروضة، لكن نقل النووي عن العلماء: أن إظهار المفروضة أولى من إخفائها، (فأخفاها) قال ابن الملك: هذا محمول على التطوع؛ لأن إعلان الزكاة أفضل. (حتى لا تعلم) بفتح الميم، وقيل: بضمها، (شماله ما تنفق يمينه) قيل: فيه حذف، أي: لا يعلم من بشماله، وقيل: يراد المبالغة في إخفائها، وأن شماله لو تعلم لما علمتها، قال الحافظ في ((الفتح)): وقد نظم السبعة العلامة أبو شامة عبد الرَّحمن بن إسماعيل فقال: [من الطويل]. يُظِلُّهُمُ الله الكَرِيمُ بِظِلّهِ وقَالَ النَّبِيُّ المُصْطَفَى: إِنَّ سَبْعَةً وَبَاكٍ مُصَلِّ وَالإِمَامُ بِعَدْلِهِ مُحِبُّ عَفِيفٌ نَاشِئٌ مُتَصَدِّقٌ ووقع في ((صحيح مسلم))، من حديث أبي اليسر مرفوعًا: ((مَنْ أنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ وَضَعَ لَهُ، أَظَلَّهُ الله فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلَّهُ))، وهاتان الخصلتان غير السبعة الماضية، فدل على أن العدد المذكور لا مفهوم له، وقد تتبع الحافظ فوجد خصالًا أخرى غير الخصال المذكورة، وأوردها في جزء سماه: ((مَعْرِفَةُ الخِصَالِ المُوصِلَةِ إِلَى الظّلالَ». ١١٥ كتاب الزهد عن رسول الله ◌َ 18/ باب مَا جَاء في الحُبِّ في الله قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وهكذا رُوِيَ هذا الحديثُ عَن مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ من غيرِ وَجهٍ مِثْلَ هذا، وَشَكَّ فِيهِ، وقال: عَن أبي هُرَيْرَةَ أوْ عَن أبي سَعِيدٍ، وَعُبَيْدُ الله بْنُ عُمَرَ رَوَاهُ عَن خُبَيْبٍ بْنِ عبدِ الرَّحمنِ وَلَمْ يَشُكَ فِيهِ، يقول عَن أبي هُرَيْرَةَ: حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عبدِ الله العَنْبَرِيُّ ومحمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَن عُبَيْدِ الله بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَنِي خُبَيْبُ، عَن حَفْصِ بْنِ عاصِمٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّنَحْوَ حديثٍ مَالِكِ بْنِ أنَسِ بِمَعْنَاهُ إلَّا أنَّهُ قَالَ: كَانَ قَلْبُهُ مُعَلَّقًا بالمَسَاجِدِ، وقَالَ: ذَاتَ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مالك في ((موطئه))، ومسلم في ((صحيحه)). قوله: (وهكذا روي هذا الحديث عن مالك بن أنس من غير وجه مثل هذا، وشك فيه. وقال: عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد) وكذلك أخرجه مالك في ((موطئه)) بالشك، وكذلك أخرجه مسلم من طريق مالك، (وعبيد الله بن عمر رواه عن خبيب بن عبد الرحمن، ولم يشك فيه، فقال: عن أبي هريرة) وكذلك روى الشيخان من طريق عبيد الله بن عمر عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، من غير شك، قال الحافظ: لم تختلف الرواة عن عبيد الله في ذلك، ورواية مالك في ((الموطأ)) عن خبيب، فقال: ((عن أبي سعيد، أو أبي هريرة)) على الشك، ورواه أبو قرة عن مالك بواو العطف، فجعله عنهما، وتابعه مصعب الزبيري، وشَذَّ في ذلك عن أصحاب مالك، والظاهر: أن عبيد الله حفظه؛ لكونه لم يشك فيه، ولکونه من رواية خاله وجده. انتهى. قوله: (حدثنا سوار بن عبد الله) بن سوار بن عبد الله بن قدامة التميمي، العنبري، أبو عبد الله البصري، قاضي الرصافة وغيرها، ثقة، من العاشرة، غلط من تكلم فيه، (أخبرنا يحيى بن سعيد) هو القطان، (عن عبيد الله بن عمر) هو العمري، (عن خبيب بن عبد الرحمن) بضم المعجمة، وهو خال عبيد الله الراوي عنه، (عن حفص بن عاصم) هو جد عبيد الله المذکور لأبيه. قوله: (ذات منصب) بكسر الصاد: أصل، أو شرف، أو حسب، أو مال، (وجمال) أي: مزید حسن. ١١٦ كتاب الزهد عن رسول الله وَي / باب مَا جَاء في إِعْلَامِ الحُبِّ قَالَ أبُو عِيْسَى: حديث المقدام حديث حسن صحيح غريب، والمقدام يكنى أبا كُرَيمة. هذا حديث حسن صحيح. ٥٣م- باب مَا جَاء في إعْلَامِ الحُبِّ [ت٥٤، ٥٤٢] [٢٣٩٢] (٢٣٩٢) حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ، أخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ القَطَّانُ، أخْبَرَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ عَن حَبِيبٍ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إِذَا أحَبَّ أحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ إِيَّاهُ)). [ر: ٥١٢٤، حم: ١٦٧١٩]. وفي الباب عَن أبي ذَرِّ وَأنَسٍٍ، حديثُ المِقْدَامِ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. [٢٣٩٢] (٢٣٩٢) م حَدَّثَنَا هَنَّادٌ وقتَيْبَةُ، قالا: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إسْماعيلَ، عَن عِمْرَانَ بْنِ مُسْلِمِ القَصِيرِ، قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان، والنسائي. ٥٣/م - باب ما جاء في إعلام الحب [٢٣٩٢] قوله: (عن حبيب بن عبيد) الرحبي، أبي حفص، الحمصي، ثقة، من الثالثة. قوله: (إذا أحب أحدكم أخاه) في الدين (فليعلمه) أي: فليخبره، ندبًا مؤكدًا، (إياه) أي: أنه يحبه؛ وذلك لأنه إذا أخبره بذلك استمال قلبه، واجتلب وده، فبالضرورة يحبه، فيحصل الائتلاف ويزول الاختلاف بين المؤمنين. قوله: (وفي الباب عن أبي ذر وأنس) أما حديث أبي ذر، فأخرجه أحمد، والضياء المقدسي(١)، وأما حديث أنس، فأخرجه ابن حبان(٢). قوله: (حديث المقدام حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن حبان، والحاكم وصححه. [٢/٢٣٩٢] قوله: (عن عمران بن مسلم) المنقري، القصير، البصري، صدوق، ربما وهم. (١) أحمد، حديث (٢٠٧٨٧) والضياء المقدسي في ((المختارة))، حديث (٣٨٤) وقال الهيثمي (٢٨١/١٠): رواه أحمد وإسناده حسن. (٢) ابن حبان، حديث (٥٧١). ١١٧ كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿﴿ / باب مَا جَاء في إِعْلَامِ الحُبِّ عَن سَعِيدٍ بْنِ سَلْمَانَ، عَن يَزِيدَ بْنِ نُعَامَةَ الضَّبِّيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِذَا آخَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَلْيَسْألُهُ عَنِ اسْمِهِ وَاسْم أبِيِه وَمِمَّنْ هُوَ؟ فَإِنَّهُ أَوْصَلُ لِلْمَوَدَّةِ)). [ضعيف]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلَّا من هذا الوَجْهِ، ولا نعْرِف لِيَزِيدَ بْنِ نعَامَةَ سَمَاعًا مِنَ النبيِّ وَّهِ. وَيُرْوى عَن ابنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بَ نَحْوَ هذَا الحديث، ولا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ. قيل: هو الذي روى عن عبد الله بن دينار، وقيل: بل هو غيره، وهو مكي، من السادسة. (عن سعيد بن سلمان) وفي بعض النسخ: سعيد بن سلمان، قال الحافظ في ((التقريب)): سعيد بن سلمان، أو ابن سليمان، الربعي، مقبول، من السابعة، وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: ذكره ابن حبان في ((الثقات))، له في الترمذي حديث واحد، يعني: حديث يزيد بن نعامة هذا (عن يزيد بن نعامة) بضم نون، وفتح عين مهملة، كذا ضبطه صاحب ((مجمع البحار)) في ((المغني))، (الضبي) بفتح المعجمة، وكسر الموحدة مشددة، نسبة لضبة، قبيلة مشهورة. قوله: (إذا آخى الرجل الرجل) بمد الهمزة من المؤاخاة، أي: إذا اتخذه أخًا في الله، (فيسأله عن اسمه) ما هو ... ؟ (وممن هو؟) أي: من أيّ قبيلة وقوم هو؟ (فإنه) أي: السؤال عَمّا ذكر، (أوصل) أي: أكثر وصلة، (للمودة) أي: للمحبة في الأخوة. قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه ابن سعد(١) في ((الطبقات)). قوله: (ولا نعرف ليزيد بن نعامة سماعًا من النبي ◌َ (18) قال في ((التقريب)): يزيد بن نعامة الضبي، أبو مودود البصري، مقبول، من الثالثة، لم يثبت أن له صحبة، وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: أرسل عن النبي وَّلفيه: ((حديث إذا آخا الرجل الرجل)). قوله: (ويروى عن ابن عمر عن النبي ( 98 نحو هذا الحديث، ولا يصح إسناده) رواه البيهقي(٢) في ((شعب الإيمان))، ولفظه: ((إذا آخَيْتَ رَجُلًا فَاسْأَلْهُ عَنِ اسْمِهِ، واسْمٍ أَبِيهِ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا حَفِظْتَهُ، وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا عُدْتَهُ، وإِنْ مَاتَ شَهِدْتَهُ)). قال المناوي: وفي إسناده ضعفٌ قليلٌ. (١) ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (٦٥/٦). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في ((المصنف))، حديث (٢٦٦٤٢). (٢) البيهقي في ((شعب الإيمان))، حديث (٩٠٢٣). ١١٨ كتاب الزهد عن رسول الله ﴿/ باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ المُدْحَةِ وَالمدَّاحِين ٥٤- باب مَا جَاء في كَرَاهِيَةِ الْمُدْحَةِ وَالمدَّاحِين [ت٥٥، ٥٥٢] [٢٣٩٣] (٢٣٩٣) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَن حبِيبٍ بْنِ أبي ثَابِتٍ، عَن مُجَاهِدٍ، عَن أبي مَعْمَرٍ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فأثْنَى عَلَى أمِيرٍ مِنَ الأُمَرَاءِ، فَجَعَلَ المِقْدَادُ يَحْثُو فِي وَجْهِهِ التُّرَابَ وقال: أمَرَنَا رَسُولُ الله وَلَ أَنْ نَحْتُوَ فِي وُجُوهِ المَدَّاحِينَ التُّرَابَ. ٥٤ - باب كراهية المدحة والمداحين قال في ((القاموس)): مَدَحَهُ، كَمنعه، مدحًا ومِدْحةً: أحسن الثناء عليه، كمدحه وامتدحه، والمديح والمدحة والأمدوحة: ما يمدح به. انتهى. [٢٣٩٣] قوله: (أمرنا رَسُولُ اللهِ وَ ل﴿ أن نحثو في وجوه المداحين التراب) قيل: يؤخذ التراب ويرمى به في وجه المداح؛ عملًا بظاهر الحديث، وقيل: معناه: الأمر بدفع المال إليهم؛ إذ المال حقير كالتراب بالنسبة إلى العرض في كل باب، أي: أعطوهم إياه، واقطعوا به ألسنتهم؛ لئلا يهجوكم، وقيل: معناه: أعطوهم عطاءً قليلًا، فشبهه لقلته بالتراب، وقيل: المرادُ منه أن يخيب المادح، ولا يعطيه شيئًا لمدحه، والمراد: زجر المادح، والحث على منعه من المدح؛ لأنه يجعل الشخص مغرورًا ومتكبرًا، قال الخطابي: المدَّاحُون هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة، وجعلوه بضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه، فَأَمَّا من مدح الرجل على الفعل الحسن، والأمر المحمود يكون منه ترغيبًا له في أمثاله، وتحريضًا للناس على الاقتداء به في أشباهه، فليس بمداح. وفي ((شرح السنة)): قد استعمل المقدادُ الحديث على ظاهره في تناول عين التراب، وَحَثْيِهِ فِي وَجْهِ المادح، وقد يتأول على أن يكون معناه الخيبة والحرمان، أي: من تعرض لكم بالثناء والمدح، فلا تعطوه واحرموه، كنى بالتراب عن الحرمان، كقولهم: ما في يده غير التراب، وكقوله بَ له: ((إِذَا جَاءَكَ يَطْلُبُ ثَمَنَ الكَلْبِ فَامْلأُ كَفَّهُ تُرَابًا)». قلت: الأَوْلَى أَنْ يُحمل الحديثُ على ظاهره، كما حمله عليه راويه المقداد بن الأسود، وإِلَّا فالأولى أن يتأول على أن يكون معناه: الخيبة والحرمان، وأما ما سواه من التأويل، ففيه بعد، كما لا يخفى. والله أعلم. وقال الغزالي: في المدح ست آفات: أربع على المادح: واثنتان على الممدوح، أما ١١٩ كتاب الزهد عن رسول الله وَله / باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ المُدْحَةِ وَالمدَّاحِين وفي البابِ عَن أبي هُرَيْرَةَ. [م: ٣٠٠٢، جه: ٣٧٤٢]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رَوَى زَائِدَةُ عَنِ يَزِيدَ بْنِ أبي زِيَادٍ، عَن مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن المقداد وحديثُ مُجَاهِدٍ، عَن أبي مَعْمَرٍ أَصَحُّ، وَأَبُو مَعْمَرِ اسْمُه: عبدُ الله بْنُ سَخْبَرَةَ، وَالِمِقْدَادُ بْنُ الأسْوَدِ هُوَ: المِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الكِنْدِيُّ، ويُكْنَى: أَبَا مَعْبَدٍ، وإنما نُسِبَ إِلَى الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ؛ لأنَّهُ كَانَ قد تَنَّاهُ وَهُوَ صَغِيرٌ. [٢٣٩٤] (٢٣٩٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثمانَ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، عَن سَالِمِ الخَيَّطِ، عَن الحَسَنِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِوَّهِ أَنْ نَحْثُوَ المادح، فقد يفرط فيه، فيذكره بما ليس فيه، فيكون كذابًا، وقد يظهر فيه من الحب ما لا يعتقده، فيكون منافقًا، وقد يقول له ما لا يتحققه، فيكون مجازفًا، وقد يفرح الممدوح به، وربما كان ظالمًا، فيعصي بإدخال السرور عليه، وأما الممدوح: فيحدث فيه كبرًا، وإعجابًا، وقد يفرح فيفسد العمل. قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه الترمذي(١) في هذا الباب. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، ومسلم، والبخاري في ((الأدب المفرد)) وأبو داود(٢)، وابن ماجه. كذا في ((المرقاة)). قوله: (وحديث مجاهد عن أبي معمر أصحُ)؛ لأن حبيب بن أبي ثابت الذي رواه عن مجاهد ثقة، فقيه جليل، وأما يزيد بن أبي زياد الذي رواه عن مجاهد، عن ابن عباس، فهو ضعيف، كَبِرَ فَتَغَيَّر، وصارَ يَتَلقَُّ. [٢٣٩٤] قوله: (حدثنا محمد) بن عثمان بن كَرَامة، الكوفي، ثقة، من الحادية عشرة، (عن سالم) بن عبد الله الخياط، البصري، نزل مكة، وهو سالم مولى عكاشة، وقيل: هما اثنان، صدوق، سيء الحفظ، من السادسة. قوله: (أمرنا رَسُولُ اللهِ ل﴿ أن نحثو) أي: نرمي. (١) الترمذي، كتاب الزهد، حديث (٢٣٩٤). (٢) أبو داود، كتاب الأدب، حديث (٤٨٠٤) والبخاري في ((الأدب))، حديث (٣٣٩). ١٢٠ كتاب الزهد عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاء في صُحْبَةِ المؤمِن في أفْوَاهِ المَدَّاحِينَ الثُّرَابَ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ مِن حديثٍ أبي هُرَيْرَةَ. ٥٥- باب مَا جَاء في صُحْبَةِ المؤمِن [ت٥٦، ٥٦٢] [٢٣٩٥] (٢٣٩٥) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أْبَرَنَا ابنُ المُبَارَكِ، عَن حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحِ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ غَيْلَانَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ قَيْسِ التُّجْبِيَّ أَخْبَرَهُ أنَّهُ سَمِعَ أبَا سَعِيدٍ الخُذْرِيَّ، قَالَ سَالِمٌ: أوْ عَن أبي الهَيْثم عَن أبي سَعِيدٍ، أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَه يَقُولُ: ((لا تُصَاحِبْ إلَّا مُؤْمِنَا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إلَّ تَقِيٌّ)). [د: ٤٨٣٢، حم: ١٠٩٤٤]. قوله: (هذا حديث غريب من حديث أبي هريرة) وهو منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئًا . ٥٥ - باب ما جاء في صحبة المؤمن [٢٣٩٥] قوله: (أخبرنا سالم بن غيلان) بفتح معجمة، وسكون تحتية، التجيبي، المصري، ليس به بأس، من السابعة، (أن الوليد بن قيس) بن الأخرم، (التجيبي) بضم المثناة الفوقية، ويجوز فتحها، وكسر جيم، وسكون مثناة تحت، فموحدة، وبشدة ياء في الآخر، منسوب إلى تجيب بن ثوبان بن سليم، مقبول، من الخامسة، وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: روى عن أبي سعيد، أو عن أبي الهيثم عن أبي سعيد. انتهى. قوله: (قال سالم: أو عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد) وسياق سند أبي داود هكذا: حدثنا عمرو بن عون، أنبأنا ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن سالم بن غيلان، عن الوليد بن قيس، عن أبي سعيد، أو عن أبي الهيثم عن أبي سعيد. انتهى. والحاصل: أنه وقع الشك لسالم بن غيلان، في أن الوليد بن قيس حدثه عن أبي سعيد بلا واسطة، أو حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد. قوله: (لا تُصَاحِب إِلَّا مؤمنًا) أي: كاملًا، بل مكملًا، أو المراد منه: النهي عن مصاحبة الكفار والمنافقين؛ لأن مصاحبتهم مضرة في الدين، فالمراد بالمؤمن جنس المؤمنين، (ولا يأكل طعامك إلا تقي) أي: متورع يصرف قوة الطعام إلى عبادة الله، والنهي وَإِنْ نُسب إلى التقي، ففي الحقيقة مسند إلى صاحب الطعام، فهو من قبيل: لا أرينك ههنا، فالمعنى: لا تطعم طعامك إلَّا تقيًّا، قال الخطابي: هذا إنما جاء في طعام الدعوة، دون