النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كتاب الزهد عن رسول الله وَإ﴿ / باب مَا جَاء في مَعِيشَةِ أصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ﴾
فَانْطَلَقُوا إِلَى مَنْزِلِ أبي الهَيْثَمِ بْنِ التَّيْهَانِ الأنْصَارِيِّ، وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشَّاءِ،
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَمٌ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَالُوا لامْرأتِهِ: أَيْنَ صَاحِبُكِ؟ فَقَالَت: انْطَلَقَ
يَسْتَعْذِبُ لَنَا المَاءِ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاء أَبُو الهِيْثُم بِقِرْبَةٍ يَزْعُبُهَا فَوَضَعَهَا، ثُمَّ جَاء يَلْتَزِمُ
النبيَّ وَّهِ وَيُقدِّيهِ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى حَدِيقَتِهِ فَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطًا، ثُمَّ انْطَلَقَ
إِلَى نَخْلَةٍ فَجَاء بِقِنْوٍ فَوَضَعَهُ، فَقَالَ النبيُّ ◌َّ:
على سبيل التشكي وعدم الرضا، بل للتسلية والتصبر، كفعله - 3 38 - هاهنا، ولالتماس دعاء
أو مساعدة على التسبب في إزالة ذلك العارض، فهذا كلَّه ليس بمذموم، إنما يذم ما كان
تَشَكِّيًا وتسخطًا وتجزعًا، (فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم) اسمه مالك (بن التيهان) بفتح المثناة
فوق، وتشديد المثناة تحت، مع كسرها، وفي رواية مسلم: ((قُومُوا فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا
مِنَ الأَنْصَارِ)).
قال النووي: فيه جوازُ الإدلال على الصاحب الذي يوثق به، واستتباع جماعة إلى بيته،
وفيه منقبة له؛ إذ جعله النبي ◌َّهو أهلًا لذلك، وكفى به شرفًا ذلك.
(وكان رجلًا كثير النخل والشاء) أي: الغنم، وهي جمع شاةٍ، وأصلها: شَاهَةٌ،
والنسبة: شاهي وشاوي، وتصغيرها: شُوَيْهَةٌ، وشوية، (فقالوا لامرأته: أين صاحبك) وفي
رواية مسلم: ((فَلَمَّا رَأَتْهُ المَرْأةُ قَالَتْ: مرحبًا وَأَهْلًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِوَلِ: أَيْنَ فُلانٌ؟)).
قال النووي: وفيه جواز سماع كلام الأجنبية ومراجعتها الكلام للحاجة، وجواز إذن
المرأة في دخول منزلٍ زَوْجِهَا لمن علمت - عِلْمًا محققًا - أنه لا يكرهه، بحيث لا يَخْلُو بها
الخلوة المحرمة.
(يستعذب لنا الماء) أي: يأتينا بماء عذب، وهو الطيب الذي لا ملوحة فيه، (يزعبها)
قال في ((القاموس)): من زَعَبَ القربة، كمنع: احتمالها ممتلئة، وقال في ((النهاية)): أي:
يتدافع بها، ويحملها لثقلها. وقيل: زَعَبَ بحمله، إذا استقام. انتهى.
(يلتزم النبي (18) أي: يضمّه إلى نفسه ويعانقه، (ثم انطلق بهم إلى حديقته) وفي
((القاموس)): الحديقةُ: الروضةُ ذات الشجر ، ج: حدائق، أو: البستان من النخل والشجرِ،
أو: كلُّ ما أحاط به البناء، أو: القطعة من النخل، (فجاء بقنو) بالكسر، قال في ((النهاية)):
القنو: العِذْقُ بما فيه من الرطبٍ، وفي رواية مسلم: ((فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ، وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ))
قال النووي: العذقُ: هنا بكسر العين، وهي الكباسة، وهي الغض من النخل.

٨٢
كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في مَعِيشَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َّ
((أفَلا تَنَقَّيْتَ لَنَا مِن رُطَبِهِ))؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إنِّي أرَدْتُ أنْ تَخْتَارُوا أَوْ قَالَ:
تَخَيَّرُوا مِن رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ، فَأْكَلُوا وَشَرِبُوا مِن ذَلِكَ المَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((هَذَا
وَالذِي نَفْسي بِيَدِهِ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْألُونَ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ظِلٌّ بَارِدٌ، وَرُطَبٌّ طَيِّبٌ،
وَمَاءٌ بَارِدٌ)). فَانْطَلَقَ أَبُو الهَيْثَم لِيَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَقَالَ النبيُّ وَلِّ: ((لا تَذْبَحَنَّ ذَاتَ
دَرِّ)). قال: فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقًا أَوْ
قال: وفيه دليلٌ على استحباب تقديم الفاكهة على الخبز واللحم وغيرهما، وفيه
استحبابُ المبادرة إلى الضيفِ بما تيسّر، وإكرامه بعده بطعام يصنعه له، وقد كره جماعةٌ من
السلف التكلف للضيف، وهو محمول على ما يشق على صاحب البيت مشقةً ظاهرة؛ لأن
ذلك يمنعه من الإخلاص، وكمال السرور بالضيف، وأما فعل الأنصاريِّ، وذبحه الشاة،
فليس مما يشق عليه، بل لو ذبح أغنامًا لكان مسرورًا بذلك مغبوطًا به. انتهى.
(أفلا تنقيت لنا من رطبه) قال في ((القاموس)): أنقاه، وتنقاه، وانتقاه: اختاره، وقال في
((الصراح)): انتقاه بركزيدن، وتنقى كذلك، (إني أردت أن تختاروا، أو قال: تخيروا) شَكّ
من الراوي، (من رطبه وبسره) بضم الموحدة، وهو: التمر قبل إرطابه، قال في ((المجمع)):
المرتبة لثمرة النخل: أوّلَّها طلع، ثم خلال، ثم بلح، ثم بسر، ثم رطب. انتهى.
(هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة) وفي رواية مسلم(١):
((فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوَوْا، قَالَ رَسُولُ اللهِ لهَ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُسْأَلُنَّ عَنْ
هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكَمْ من بُيُوتِكُم الجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا
النَّعِيمُ))، قال الطَّيبيُّ: قوله: ((أخرَجَكُمْ .. إلخ))، جملةٌ مستأنفةٌ، بيانٌ لموجبِ السؤالِ عن
النعيم، يعني: حيث كنتم محتاجين إلى الطعام، مضطرين إليه، فنلتم غاية مطلوبكم من الشبع
والري، يجب أن تسألوا، ويقال لكم: هل أديتم شكرها أم لا؟. وقال النووي: فيه دليلٌ
على جواز الشبع، وما جاء في كراهته فمحمولٌ على المداومة عليه؛ لأنه يُقَسِّي القلبَ،
ويُنْسِي أمرَ المحتاجين، وأما السؤال عن هذا النعيم، فقال القاضي عياض: المراد: السؤال
عن القيام بحقِّ شكره، والذي نعتقده: أن السؤال ههنا سؤال تعداد النعم، وإعلام بالامتنانِ
بها، وإظهار الكرامة بإسباغها، لا سؤال توبيخ وتقريع ومحاسبة. انتهى.
(لا تذبحن ذات در) أي لبن، وفي رواية مسلم: ((إِيَّاكَ وَالحَلُوْبَ))، (فذبح لهم عناقًا أو
(١) مسلم، كتاب الأشربة، حديث (٢٠٣٨).

٨٣
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء في مَعِيشَةٍ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َإ﴾
جَدْيًا فَأَتَاهُمْ بِهَا فَأْكَلُوا، فَقَالَ النبيُّ ◌َّهِ: ((هَلْ لَكَ خَادِمٌ))؟ قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَإِذَا
أَتَانَا سَبِيٌّ فَائِنَا)). فَأَتِيَ النبيُّ وَّهِ بِرَأْسَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثُ، فَأَتَاهُ أَبُو الهَيثَم، فَقَالَ
النبيُّ ◌َّهِ: ((اخْتَرْ مِنْهُمَا)). فَقَالَ: يَا نَبيَّ الله! اخْتَرْ لِي، فَقَالَ النبيُّ وَّهِ: ((إِنَّ
المسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ، خُذْ هَذَا فَإِنِّي رَأيْتُهُ يُصَلِّي وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا)). فَانْطَلَقَ أَبُو الهَيْثَم
إِلَى امْرأتِهِ: فَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ، فَقَالَت امْرأْتُهُ: مَا أَنْتَ بِبَالِغِ مَا قَالَ فِيه
النبيُّ نَّهِ إِلَّا أنْ تَعْتِقَهُ، قَالَ: فَهُوَ عَتِيقِ، فَقَالَ النبيُّ ◌َّهِ: ((إنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلا
خَلِيفَةً إلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ
جديًا)، شكٌّ من الراوي، قال في ((القاموس)): العناقُ كسحاب: الأُنثى من أولاد المَعْزِ،
والجديُ من أولاد المعز: ذكرُهَا، (فإذا أتانا سبيٌّ) أي: أسارى، (فأتنا) أي: جِىءُ،
(برأسين) أي: من العبيد، (اختر منهما) أي: واحدًا منهما، أو بعضهما، (اختر لي) أي:
أنت أولى بالاختيار، (فقال النبي { (*) توطئةً وتمهيدًا: (إن المستشار) من استشاره: طلب
رأيه فيما فيه المصلحة، (مؤتمن) اسم مفعول من الأمن، أو الأمانة، ومعناه: أن المستشار
أمين فيما يسأل من الأمور، فلا ينبغي أن يخون المستشير بكتمان مصلحته، (خذ هذا) أي:
مشارًا إلى أحدهما، (فإني رأيته يصلي) فيه أنه يستدل على خيرية الرجل بما يظهر عليه من
آثار الصلاح، لاسيما الصلاة؛ فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، (واستوص به معروفًا) قال
القاريّ: أي: استيصاء معروف.
قيل: معناه: لا تأمره إلا بالمعروف والنصح له، وقيل: وَصِّ في حقه بمعروف، كذا
ذكره زين العرب، وقال الطيبي: أي: اقبل وصيتي في حقه، وأحسن ملكته بالمعروف.
(إن الله لم يبعث نبيًّا ولا خليفة) وفي حديث أبي سعيد عند البخاري(١): ((مَا بَعَثَ الله من
نَبِيِّ وَلا اسْتَخْلَفَ من خَلِيفَةٍ)). قال الحافظ في ((الفتح)): فِي رواية صفوان بن سليم: ((مَا
بَعَثَ الله من نَبِيٍّ وَلا بَعْدَهُ من خَلِيفَةٍ))، والروايةُ التي في الباب، تفسرُ المراد بهذا، وأن
المراد ببعث الخليفة: استخلافه، ووقع في رواية الأوزاعي ومعاوية بن سلام: ((مَا من وَالٍ))،
وَهُوَ أَعَمُّ. انتهى. (إلا وله بطانتان) البطانة بالكسر: الصاحب الوليجة، وهو الذي يُعرِّفه
الرجلُ أسرارَه ثقةً به، شُبِّهَ ببطانة الثوب، (بطانة تأمره بالمعروف) أي: ما عرفه الشرع،
(١) البخاري، كتاب الأحكام، حديث (٧١٩٨).

٨٤
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء في مَعِيشَةٍ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َّ
وتَنْهَاهُ عَنِ المُنْكَرِ، وَبِطَانَةٌ لا تَأْلُوهُ خَبَالًا، وَمَنْ يُوْقَ بِطَائَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقِيَ)).
[م بنحوه: ٢٠٣٨].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غريبٌ.
وحكم بحسنه، (وتنهاه عن المنكر) أي: ما أنكره الشرع، ونهى عن فعله، (وبطانة لا تألوه
خبالًا) أي: لا تقصر في إفساد أمره، وهو اقتباس من قوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾
[آل عمران: ١١٨]، وفي حديث أبي سعيد: ((وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بالشَّرِّ)). قال الحافظ: وقد استشكل
هذا التقسيم بالنسبة للنبيّ؛ لأنه وإن جاز عقلًا أن يكون فيمن يداخله من يكون من أهل
الشر، لكنه لا يتصور منه أن يصغي إليه ولا يعمل بقوله؛ لوجود العصمة، وأجيب بأن في
بقية الحديث الإشارة إلى سلامة النبي وس﴿ من ذلك بقوله: ((فالمعصومُ من عصم الله تعالى))
فلا يلزم من وجود من يشير على النبي ## بالشر أن يقبل منه.
وقيل: المرادُ بالبطانتين في حق النبيّ: الملك والشيطان، وإليه الإشارة بقوله وَله :
(وَلَكِنَّ الله أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ)) .
قال: وفي معنى حديث الباب حديثُ عائشة مرفوعًا: ((مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ عَمَلًا، فَأَرَادَ الله بِهِ
خَيْرًا، جَعَلَ لَّهُ وَزِيرًا صَالِحًا، إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ(١)))، قال ابن التين: يحتمِلُ أن
يكون المرادُ بالبطانتين الوزيرين، ويحتمل أن يكون الملك والشيطان، وقال الكرماني:
يحتملُ أن يكون المرادُ بالبطانتين، النفسُ الأمارة بالسوءِ، والنفس اللوامة المحرضة على
الخير؛ إذ لكلٍّ منهما قوة ملكية، وقوة حيوانية. انتهى، قال الحافظ: والحملُ على الجميع
أولى، إِلَّا أنه جائز أن لا يكون لبعضهم إِلَّا البعض، وقال المحب الطبري: البطانة: الأولياء
والأصفياء، وهو مصدر وضع موضع الاسم، يصدق على الواحد والاثنين، والجمع، مذكرًا
ومؤنثًا. انتهى.
(ومن يوق بطانة السوء)، بأن يعصمه الله منها، (فقد وقي) الشرَّ كله، وفي حديث
أبي سعيد: ((فالمعصوم من عصم الله))، قال الحافظ: والمراد به: إثبات الأمور كلها لله -
تعالى - فهو الذي يعصم من شاء منهم، فالمعصوم من عصمه الله، لا من عصمته نفسه؛ إذ لا
يوجد من تعصمه نفسُهُ حقيقةً إلَّا إن كان الله عصمه.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه مسلم دون قوله: فَقَالَ النبيُّ نَّهِ: ((هَلْ
(١) النسائي، كتاب البيعة، حديث (٤٢٠٤).

٨٥
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء في مَعِيشَةِ أصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ﴾
[٢٣٧٠] (٢٣٧٠) حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا أبُو عَوَانَةَ عَن عَبْدِ المَلِكِ بْنِ
عُمَيْرٍ، عَن أبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرحْمنِ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَلِ﴿ه خَرَجَ يَوْمًا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ.
فَذَكَرَ نَحْوَ هذا الحَديثِ بِمَعْنَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيه عَن أبي هُرَيْرَةَ، وحديثُ شَيْبَانَ
أتَّمُّ من حَدِيثِ أبِي عَوَانَةَ وَأْولُ، وَشَيْبَانُ ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ صَاحِبُ كِتَابِ، وقد رُوي عَن
أبي هريرة هذا الحديث من غير هذا الوجه ورُوي عَن ابْنِ عَبَّاسٍ أيضًا .
[٢٣٧١] (٢٣٧١) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ أبي زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِم عَن
سَهْلِ بْنِ أَسْلَمَ، عَن يَزِيدَ بْنِ أبِي مَنصُورٍ، عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَن أبي طَلْحَةَ، قَالَ:
شَكَوْنَا إلى رَسُولِ اللهِ وَّهِ الجُوعَ وَرَفَعْنَا عَن بُطُونِنَا عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ، فَرَفَعَ رَسُولُ الله
وَ﴿ عَن حَجَرَيْنِ. [ضعيف، سيّار بن حاتم، الأكثر على ضعفه].
لَكَ خادم؟ قال: لا ... )) إلخ، وأما قوله وَعليه: ((المستشار مؤتمن(١)))، فقد أخرجه الأربعة،
عن أبي هريرة، والترمذي عن أم سلمة، وابن ماجه، عن أبي مسعود، وأما قوله ◌َّاتٍ: ((إن الله
لم يبعث نبيًّا ولا خليفة .. إلخ)) فأخرجه أحمد، وابن حبان، والحاكم، والنسائي، وأخرجه
البخاري في «صحيحه)) عن أبي سعيد الخدري.
[٢٣٧١] قوله: (أخبرنا سيار) بتحتانية مثقلة، ابن حاتم العنزي، أبو سلمة، البصري،
صدوق، له أوهام، من كبار التاسعة، (عن سهل بن أسلم) العدوي مولاهم، البصري،
صدوق، من الثامنة، (عن يزيد بن أبي منصور) الأزدي، أبي روح، البصري، لا بأس به،
من الخامسة، ووهم من ذكره في الصحابة.
قوله: (ورفعنا عن بطوننا) أي: كَشَفْنَا ثيابنا عنها كشفًا صادرًا، (عن حجر حجر) أي:
لكلِّ منا حجر واحد، ورفع عنه، فالتكرير باعتبار تعداد المخبر عنهم بذلك، قال الطيبيُّ - عن
الأولى -: متعلقة بـ ((رفعنا) على تضمين الكشف، والثانية: صفة مصدر محذوف، أي:
كشفنا عن بطوننا كشفًا صادرًا عن حجر، ويجوز أن يحمل التنكير في حجر على نوع، أي:
عن حجر مشدود على بطوننا، فيكون بدلًا، وعادة من اشتد جوعه وخمص بطنه، أن يشد
على بطنه حجرًا، ليتقوم به صلبه. انتهى. (فرفع رسول الله ﴿﴿ عن حجرين) قال الحافظُ في
(١) أبو داود، كتاب الأدب، حديث (٥١٢٨) والترمذي، كتاب الأدب، حديث (٢٨٢٢) وابن ماجه، كتاب
الأدب، حديث (٣٧٤٦). وأخرجه الإمام أحمد في «المسند»، حديث (٣٧٤٥).

٨٦
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء في مَعِيشَةِ أضْحَابِ النَّبِيِّ ◌َم
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلَّا من هذا الوَجْهِ.
[٢٣٧٢] (٢٣٧٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ أَخْبَرَنَا أبُو الأخْوَصِ عَن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ:
سَمِعْتُ النُّعمانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: ألَسْتُمْ فِي طَعَامِ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ؟ لَقَدْ رَأيْتُ نَبِّكُمْ
وَلّهِ وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلأَ بَطْنَهُ. [م: ٢٩٧٧، جه: ٤١٤٦، حم: ١٧٨٩٢].
قَالَ: وهَذَا حدیثٌ صحيحٌ.
((الفتح)): وفائدة ربط الحجر على البطن أنها تضمر من الجوع، فيخشى على انحناء الصلب
بواسطة ذلك، فإذا وضع فوقها الحجر، وشد عليها العصابة، استقام الظهرُ، وقال الكرماني:
لعلَّه لتسكين حرارة الجوع ببرد الحجر؛ لأنها حجارة رقاق قدر البطن، تشد الأمعاء، فلا
يتحلل شيء مما في البطن، فلا يحصل ضعف زائد بسبب التحلل.
قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه الترمذي في ((شمائله)) أيضًا، وقال: معنى قوله:
((ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر)): كان أحدهم يشدّ على بطنه الحجر من الجهد والضعف
الذي به من الجوع.
[٢٣٧٢] قوله: (يقول: ألستم) الخطاب للصحابة بعده وَل قر أو للتابعين.
(في طعام وشراب ما شئتم) قال الطيبي: صفة مصدر محذوف أي: ألستم منغمسين في
طعام وشراب مقدار ما شئتم من التوسعة والإفراط فيه، فـ ((ما)) موصولةٌ، ويجوز أن تكون
مصدرية، والكلام فيه تعيير وتوبيخ، ولذلك أتبعه بقوله: (لقد رأيت نبيكم) وأضافه إليهم؛
للإلزام حين لم يقتدوا به - عليه السلام - في الإعراض عن الدنيا ومستلذاتها، وفي التقليل
لمشتهياتها من مأكولاتها ومشروباتها. ثم ((رأيتُ)) إن كان بمعنى النظر، فقوله: (وما يجد من
الدقل)، حال، وإن كان بمعنى العلم، فهو مفعول ثان، وأدخل الواو تشبيهًا له بخبر كان
وأخواتها؛ على مذهب الأخفش والكوفيين. كذا حققه الطَّيبيُّ، قال القاري: والأول هو
المعول، والدقل، بفتحتين: التمر الرديء، ويابسه، وما ليس له اسم خاص، فتراه ليبسه
ورداءته لا يجتمع، ويكون منثورًا، على ما في ((النهاية))، ثم قوله: (ما يملأ به بطنه) مفعول
(يجد)) و((ما)) موصولة، أو موصوفة، و((من الدقل)): بيان لما قدم عليه.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم في ((الزهد)).

٨٧
كتاب الزهد عن رسول الله ◌َ﴿ / باب مَا جَاء أنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْس
قَالَ أبُو عِيْسَى: وروى أبُو عَوَانَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ نَحْوَ حدیثٍ
أبي الأحْوَصِ، وَرَوَى شُعْبَةُ هذا الحديثَ، عَن سِمَاكٍ، عَنِ النُّعمانِ بْنِ بَشِيرٍ عَن
عُمَرَ.
٤٠- باب مَا جَاء أنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْس [ت٤٠، ٤٠٢]
[٢٣٧٣] (٢٣٧٣) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ بَدِيْلِ بْنِ قُرَيْشِ اليَامِيُّ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا
أبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَن أبي حُصَينٍ، عَن أبي صالحٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لَيْسَ الغِنَى عَن كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنِ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ)). [خ: ٦٤٤٦،
م: ١٠٥١، جه: ٤١٣٧، حم: ٧٢٧٤].
قوله: (وروى شعبة هذا الحديث، عن سماك عن النعمان بن بشير، عن عمر) وصله مسلم،
فقال: حدثنا محمد بن مثنى وابن بشار، واللفظ لابن مثنى، قالا: حدثنا محمد بن جعفر:
حدثنا شعبة عن سماك بن حرب، قال: سمعت النعمان يخطب، قال: ذكر عمر ما أصاب
الناس من الدنيا، فقال: لقد رأيت رسولَ الله وَ ل﴿ يظل اليوم يَلْتَوِي، ما يجد دقلًا يَملأُ به بطنه.
٤٠ - باب ما جاء أن الغنى غنى النفس
[٢٣٧٣] قوله: (حدثنا أحمد بن بديل بن قريش اليامي) بالتحتانية، أبو جعفر، قاضي
الكوفة، صدوق له أوهام، من العاشرة، (عن أبي حصين) هو عثمان بن عاصم، الأسدي،
الكوفي، (عن أبي صالح) هو السمان.
قوله: (ليس الغنى) بكسر أوله مقصور، أي: الحقيقي المعتبر النافع، (عن كثرة العرض)
بفتح المهملة، والراء، ثم ضاد معجمة، قال الحافظ: أما ((عن)): فهي سببية، وأما
((العرض)): فهو ما ينتفع به من متاع الدنيا، ويطلق بالاشتراك على ما يقابل الجوهر، وعلى
كل ما يعرض للشخص من مرض ونحوه، وقال أبو عبيد: العروض: الأمتعة، وهي ما سوى
الحيوان والعقار، وما لا يدخله كيلٌ ولا وزن، وقال ابن فارس: العرض، بالسكون: كلُّ ما
كان من المال غير نقد، وجمعه عروض، وأما بالفتح: فما يصيبه الإنسان من حظه في
الدنيا، قال - تعالى -: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الذُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧]، وقال - تعالى -: ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ
مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، (ولكن الغنى غنى النفس) وقال ابن بطال: معنى الحديث: ليس
حقيقة الغنى كثرة المال؛ لأن كثيرًا ممن وسع الله عليه في المال لا يقنع بما أوتي، فهو

٨٨
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء في أخْذِ المال بِحَقِّهِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وأبو حصين اسمه: عثمان بْنُ
عاصمِ الأَسديُّ.
٤١- باب مَا جَاء في أخْذِ المال بِحَقِّهِ [ت٤١، ٤١٢]
[٢٣٧٤] (٢٣٧٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَن سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَن أبي الوَلِيدِ
قَالَ: سَمِعْتُ خَوْلَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وَكَانَتْ تَحْتَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُظَلِبِ تقولُ: سَمِعْتُ
يجتهد في الازدياد، ولا يبالي من أين يأتيه، فكأنه فقير؛ لشدة حرصه، وإنما حقيقة الغنى
غنى النفس، وهو من استغنى بما أوتي، وقنع به، ورضي، ولم يحرص على الازدياد، ولا
أَلَجَّ في الطلب، فكأنه غني.
وقال القرطبي: معنى الحديث: أن الغنى النافع أو العظيم أو الممدوح هو غنى النفس،
وبيانه: أنه إذا استغنت نفسه كَفَّت على المطامع، فعزَّت، وعظمت، وحصل لها من الحظوة
والنزاهة، والشرف والمدح أكثرُ من الغنى الذي يناله مَنْ يكون فقير النفس؛ لحرصه؛ فإنه
يورطه في رذائل الأمور، وخسائس الأفعال؛ لدناءة همته، وبخله، ويَكْثُرُ مَنْ يَذُمُّهُ من
الناس، ويصغر قدرُهُ عندهم، فيكون أحقرَ من كلِّ حقيرٍ، وأذلَّ من كلِّ ذليلٍ.
والحاصل: أن المتصفَ بغنى النفس يكون قانعًا بما رزقه، لا يحرص على الازدياد لغير
حاجةٍ، ولا يلح في الطلب، ولا يلحف في السؤال، بل يرضى بما قسم الله له، فكأنه واجد
أبدًا. والمتصف بفقر النفس على الضد منه؛ لكونه لا يقنع بما أعطي، بل هو أبدًا في طلب
الازدياد، من أيِّ وجهٍ أمكنه، ثم إذا فاته المطلوب، حزن وأسف، فكأنه فقير من المال؛
لأنه لم يستغن بما أعطي، فكأنه ليس بغني، ثم غنى النفس إنما ينشأ عن الرضا بقضاء الله
تعالى، والتسليم لأمره؛ علمًا بأن الذي عند الله خَيْرٌ وأبقى، فهو معرض عن الحِرْصِ
وَالظَّلَبِ، وما أحسن قولَ القائِلٍ: [من الطويل]:
فَإِنْ زادَ شَيْئًا عَادَ ذَاكَ الغِنَى فَقْرًا
غِنَى النَّفْسِ مَا يَكْفِيكَ من سَدِّ حَاجَةٍ
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان، وابن ماجه (١).
٤١ - باب ما جاء في أَخْذِ المَالِ بحقه
[٢٣٧٤] قوله: (سمعت خولة بنت قيس) بن فهر بن قيس بن ثعلبة الأنصارية، صحابية،
(١) مسلم، كتاب الزكاة، حديث (١٠٥١) وابن ماجه، كتاب الزهد، حديث (٤١٣٧).

٨٩
كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في أخْذِ المال بِحَقِّهِ
رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ: ((إنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، مَن أصَابَهُ بِحَقِّهِ بُورِكَ لَهُ فِيهِ،
وَرُبَّ مُتخوِّضٍ فِيمَا شَاءتْ بِهِ نَفْسُهُ مِن مَالِ الله وَرَسُولِهِ لَيْسَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ إلَّا
النَّارُ)). [حم: ٢٦٥١٤].
لها حديثٌ، كذا في ((التقريب))، وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمتها: روت عن النبيِّ
﴿ه: (أَنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ)) الحديث، وعنها أبو الوليد سنوطا وغيره، قال عبيد: دخلتُ
على أم محمد، وكانت عند حمزة، وتزوجها بعده رجلٌ من الأنصار. انتهى.
قوله: (خضرة) بفتح فكسر، (حلوة) بضم الحاء، وسكون اللام، قال الحافظ في
((الفتح)): معناه: أن صورة الدنيا حسنة مونقة، والعربُ تسمي كلَّ شيءٍ مشرقٍ ناضرٍ :
أخضرَ، وقال ابن الأنباري: قوله: ((المال خضرة حلوة)) ليس هو صفة المال، وإنما هو
للتشبيه؛ كأنه قال: المال كالبقلة الخضراء الحلوة، والتاء في قوله: ((خضرة)) و((حلوة)) باعتبار
ما يشتمل عليه المال من زهرة الدنيا، أو على معنى فائدة المال، أي: أن الحياة به، أو
العيشة، أو أن المراد بالمال هنا: الدنيا؛ لأنه من زينتها، قال الله - تعالى -: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ
زِينَّةُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيًّا﴾ [الكهف: ٤٦]. وقد وقع في حديث أبي سعيد أَيْضًا المخرج في ((السنن)):
((الدنيا خضرة حلوة)) (١)، فيتوافق الحديثان، ويحتمل أن تكون التاء فيهما للمبالغة، (من
أصابه بحقه) أي: بقدر حاجته من الحلال، (ورب متخوض) أي: متسارع ومتصرف، قال
في ((المجمع)): أصلُ الخوض: المشي في الماء وتحريكه، ثم استعمل في التلبيس بالأمرِ
والتصرف فيه، أي: رب متصرف في مال الله بما لا يرضاه الله، أي: يتصرفون في بيت
المال، ويستبدون بمال المسلمين بغير قسمة، وقيل: هو التخليط في تحصيله من غير وجه
كيف أمكن. انتهى.
(فيما شاءت به نفسه) أي: فيما أحبته والتذَّت به، (ليس له) أي جزاء (يوم القيامة إلا
النار) أي: دخول جهنم؛ وهو حكم مرتب على الوصف المناسب، وهو الخوض في مال الله
تعالى، فيكون مشعرًا بالعلية، وهو حتَّ على الاستغناء عن الناس، وذم السؤال بلا ضرورة،
قال الغزالي - رحمه الله -: مثل المال: مثل الحية التي فيها ترياق نافع، وسم ناقع، فإن
أصابها العارف الذي يحترز عن شرِّها، ويعرف استخراج ترياقها، كان نعمة، وإن أصابها
الغبي، فقد لقي البلاء المهلك. انتهى. وتوضيحه ما قاله عارفٌ: إن الدنيا كالحية، فكلُّ مَنْ
(١) يأتي في سنن الترمذي، كتاب الفتن حديث (٢١٩١).

٩٠
كتاب الزهد عن رسول الله (ێ / باب
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَأبو الوَلِيدِ اسْمُهُ: عُبَيْد سُنُوطَى.
٤٢- باب [ت٤٢، م٤٢]
[٢٣٧٥] (٢٣٧٥) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالِ الصَّوَّافُ، حَدَّثَنَا عبدُ الوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ،
عَن يُونُسَ عَن الحَسَنِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (لُعن عَبْدُ الدِّينَارِ،
لُعِنَ عَبْدُ الدِّرْهَم».
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوَجْهِ،
يعرف رقيتها يجوز له أخذها، وإلّا فلا، فقيل: وما رقيتها؟ فقال: أن يعرف من أين يأخذها،
وفي أين يصرفها .
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد.
قوله: (وأبو الوليد اسمه: عبيد سنوطى) وفي بعض النسخ: ((سنوطا))، قال في
((القاموس)): وسُنُوطى، كهُيُولَى: لقب عبيد المحدث، أو اسم والده. انتهى، وقال في
((التقريب)): عبيد سنوطا، بفتح المهملة وضم النون، ويُقال: ابن سنوطا، أبو الوليد المدني،
وثقه العجلي، من الثالثة. انتهى.
٤٢ - باب
[٢٣٧٥] قوله: (عن يونس) هو ابن عبيد بن دينار العبدي مولاهم، أبو عبيد البصري،
ثقة، فاضل، ورع، من الخامسة.
قوله: (لعن عبد الدينار) أي: طرد، وأبعد طالبه الحريص على جمعه، القائم على
حفظه، فكأنه لذلك خادمه وعبده، وقال الطيبي: خصّ العبد بالذكر؛ ليؤذن بانغماسه في
محبة الدنيا وشهواتها؛ كالأسير الذي لا يجد خلاصًا، ولم يقل: ((مالك الدينار))، ولا :
((جامع الدينار))؛ لأن المذموم من الملك والجمع الزيادةُ على قدر الحاجة، وقال غيرهُ:
جعله عبدًا لهما؛ لشغفه وحرصه، فمن كان عبدًا لهواه لم يصدق في حقه إياك نعبد، فلا
يكون من اتصف بذلك صديقًا، (لعن عبد الدرهم) خُصَّا بالذكر؛ لأنهما أصل أموالِ الدنيا
وحطامها .

٩١
کتاب الزهد عن رسول الله ۋ / باب
وقد رُوِيَ هذا الحديث من غيرِ هذا الوَجْهِ، عَن أبي صالح، عَن أبي هُرَيْرَةَ عَن
النبيِّ وَ ﴿ أيضًا أتَمَّ مِن هَذَا وَأْوَلَ. [الحسن لم يسمع من أبي هريرة].
٤٣- باب [ت٤٣، م٤٣]
[٢٣٧٦] (٢٣٧٦) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أَحْبَرَنَا عبدُ الله بْنُ المُبَارَكِ، عَن
زَكَرِيًّا بْنِ أبي زَائِدَةَ عَن محمدِ بْنِ عبدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، عَن ابنِ کَعْبِ بْنِ
مَالِكِ الأنْصَارِيِّ، عَن أبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ: ((مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أَرْسِلا في
غَنَم بِأَفْسَدَ لَهَا مِن حِرْصِ المَرِهِ عَلَى المَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِه)). [حم: ١٥٣٥٧].
قوله: (وقد روي من غير هذا الوجه عن أبي هريرة، عن النبي ﴿ .. إلخ) أخرجه
البخاري في ((الجهاد)) و((الرقاق))، ولفظه في ((الجهاد)): ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ،
وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ؛ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ))(١) الحديث.
٤٣ - باب
[٢٣٧٦] قوله: (عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة) الأنصاري، المدني،
وهو: محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن زرارة، ويُقال: ابن
محمد، بدل: عبد الله، ومنهم من ينسبه إلى جدِّه لأمه، فيقول: محمد بن عبد الرحمن بن
أسعد بن زرارة، وثقه النسائي. كذا في ((تهذيب التهذيب))، (عن ابن كعب بن مالك
الأنصاري). قال الحافظ في ((التقريب)): ابن كعب بن مالك في ((لعق الأصابع)) هو
عبد الرحمن، وجاء بالشكِّ: عبد الله، أو عبد الرحمَن، وفي حديث: ((أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ»، هو
عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، نُسب لجده، وفي حديث: (مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ)) لم يسم،
وهو أحد هذين، وكذا في حديث: (مَنْ طَلَبَ العِلمَ))، وَ((إِنَّ امْرَأَةً ذَبَحَتْ شَاةً بِحَجَرٍ))، وقيل
في هذا الأخيرِ: عن ابن كعب عن أخيه، والذي يظهرُ: أنه عبد الرحمن بن كعب. انتهى.
(عن أبيه) أي: كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاري، السلمي، المدني، صحابي
مشهور، وهو أحد الثلاثة الذين خُلِّفُوا .
قوله: (ما) نافية، (جائعان) أتى به للمبالغة، (أرسلا) أي: خلِيا وتُركا (في غنم) أي:
قطيع غنم، (لدينه) متعلق بـ ((أفسد))، والمعنى: أن حرص المرء عليهما أكثر فسادًا لدينه -
(١) البخاري، كتاب الجهاد، حديث (٢٨٨٧).

٩٢
کتاب الزهد عن رسول الله (3/* / باب
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، ويُرْوَى في هذا البَابِ، عَن ابنِ عُمَرَ
عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ، ولا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ.
المشبه بالغنم؛ لضعفه بجنب حرصه - من إفساد الذئبين للغنم. قال الطيبي: ((ما)): بمعنى
ليس، و((ذئبان)): اسمها، و((جائعان)): صفة له، و((أُرسلا في غنم)) الجملةُ في محلِّ الرفع
على أنها صفة بعد صفة، وقوله: ((بأفسد)) خبر لـ ((ما)) والباء زائدة، وهو أفعل تفضيل، أي:
بأشد إفسادًا، والضميرُ في ((لها)) للغنم، واعتبر فيها الجنسية؛ فلذا أَنّثَ، وقوله: ((من حرص
المرء)»: هو المفضل عليه لاسم التفضيل، وقوله: ((على المال والشرف)): يتعلق بالحرص،
والمرادُ به: الجاه، وقوله ((لدينه)): اللام فيه بيان؛ كما في قوله - تعالى -: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمّ
الرَّضَاعَةُ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ كأنه قيل: بأفسد لأَيِّ شيء؟ قيل: لدينه، ومعناه: ليس ذئبان جائعان
أُرسلا في جماعة من جنس الغنم بأشد إفسادًا لتلك الغنم من حرص المرء على المال
والجاه؛ فإن إفساده لدين المرء أشد من إفساد الذئبين الجائعين لجماعة من الغنم إذا أرسلا
فيها، أما المال فإفساده أنه نوعٌ من القدرة يحرك داعية الشهوات، ويجر إلى التنعم في
المباحات، فيصير التنعم مألوفًا، وربما يشتد أنسه بالمال، ويعجَز عن كسب الحلال،
فيقتحم في الشبهات، مع أنها ملهية عن ذكر الله تعالى، وهذه لا ينفك عنها أحد، وأما الجاه
فكفى به إفسادًا أن المال يُبذل للجاه، ولا يُبذل الجاه للمال، وهو الشرك الخفي، فيخوض
في المراآت، والمداهنة، والنفاق، وسائر الأخلاق الذميمة، فهو أفسد وأفسد. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والنسائي، والدارمي، وابن حبان(١).
قوله: (ويروى في هذا الباب عن ابن عمر، عن النبي (وَّفير، ولا يصح إسناده) حديث ابن
عمر هذا رواه البزار (٢) بلفظ: ((مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ فِي حَظِيرَةٍ، يَأْكُلانٍ، وَيُفْسِدَانِ بِأَضَرَّ فِيهَا من
حُبِّ الشَّرَفِ، وحُبِّ المالِ في دِينِ المَرْءِ المُسْلِمِ))، قال المنذري في ((الترغيب)): إسناده
حسن .
وقد صنف ابن رجب الحنبلي جزءًا لطيفًا في شرح حديث كعب بن مالك المذكور في
الباب، وقال فيه، بعد ذكره، ما لفظه: وروي من وجه آخر عن النبي وَ ل# من حديث ابن
(١) ابن حبان، حديث (٣٢٢٨).
(٢) أخرجه البزار، حديث (٣٦٠٨- كشف) وقال الهيثمي (١/ ٢٥٠): وفيه قطبة بن العلاء، وقد وثق، وبقية رجاله
ثقات.

٩٣
کتاب الزهد عن رسول الله ڑ* / باب
٤٤- باب [ت٤٤، م٤٤]
[٢٣٧٧] (٢٣٧٧) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عبدِ الرَّحمنِ الكِنْدِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابِ،
أخبرني المَسْعُودِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَن إِبْرَاهِيمَ، عَن عَلْقَمَةَ، عَن عَبْدِ الله،
قَالَ: نَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ على حَصِيرٍ فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ في جَنْبِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله! لَوِ
اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً، فَقَالَ: ((مَا لِي وَلِلُّّنْيَا، ما أنَا في الدُّنْيَا إلَّا كَرَاكِبِ اسْتَظِلَّ تَحْتَ
شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا)). [جه: ٤١٠٩، حم: ٣٧٠١].
عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأسامة بن زيد، وجابر، وأبي سعيد الخدري، وعاصم بن
عدي الأنصاري (رضي الله عنهم أجمعين) قال: وقد ذكرتها كلّها مع الكلام عليها في كتاب
(شرح الترمذي)، وفي لفظ حديث جابر: ((مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ، يَأْتِيَانِ فِي غَنَمِ غَابَ رِعَاؤُهَا،
بِأَفْسَدَ لِلنَّاسِ من حُبِّ الشَّرَفِ وَالمَالِ لِدِينِ المُؤْمِنِ». انتهى.
٤٤ - باب
[٢٣٧٧] قوله: (أخبرنا زيد بن حباب) هو أبو الحسين العكلي، (حدثني المسعودي) هو
عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي، صدوق، اختلط قبل موته، وضابطه أن
من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط، من السابعة. كذا في ((التقريب))، (أخبرنا عمرو بن مرة)
هو الجملي، المرادي، أبو عبد الله الكوفي، (عن إبراهيم) هو النخعي.
قوله: (فقام) أي: من النوم، (وقد أثر) أي: أثر الحصير، (لو اتخذنا لك وطاء) بكسر
الواو وفتحها، ككتاب وسحاب، أي: فراشًا، وكلمة ((لو)) تحتمل أن تكون للتمني، وأن
تكون للشرطية، والتقدير: لو اتخذنا لك بساطًا حسنًا، وفراشًا لينًا، لكان أحسن من
اضطجاعك على هذا الحصير الخشن، (ما لي وللدنيا) قال القاري: ((ما)): نافية، أي: ليس
لي ألفة ومحبة مع الدنيا، ولا للدنيا ألفة ومحبة معي حتى أرغب إليها، وأنبسط عليها،
وأجمع ما فيها ولذتها، أو: استفهامية، أي: أيُّ ألفةٍ ومحبة لي مع الدنيا، أو: أيّ شيءٍ لي
مع الميل إلى الدنيا أو ميلها إليّ؛ فإني طالب الآخرة، وهي ضرتها المضادة لها، قال:
واللام في ((للدنيا)) مقحمة للتأكيد، إن كان الواو بمعنى ((مع))، وإن كان للعطف، فالتقدير:
مالي مع الدنيا وما للدنيا معي، (استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها) وجه التشبيه، سرعةُ
الرحيل، وقلّة المكث، ومن ثم خصَّ الراكب.

٩٤
كتاب الزهد عن رسول الله * / باب
قَالَ: وفي البابِ: عَن ابْنِ عُمَرَ، وَابنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٤٥- باب [ت٤٥، م٤٥]
[٢٣٧٨] (٢٣٧٨) حَدَّثَنَا مُحمدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أبُو عَامِرٍ وَأَبُو دَاوُدَ قَالَا:
حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحمدٍ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ ورْدَانَ عَن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
وَله: ((الرجُلُ عَلَى دِينِ خَليلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أحَدُكُمْ مَن يُخَالِلُ)). [د: ٤٨٣٣، حم: ٧٩٦٨].
قوله: (وفي الباب عن ابن عمر، وابن عباس) أما حديث ابن عمر، فأخرجه الترمذي(١)
في ((باب قصر الأمل))، وأما حديث ابن عباس، فأخرجه أحمد، وابن حبان في ((صحيحه))،
والبيهقي (٢) بنحو حديث عبد الله المذكور في الباب.
قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه أحمد، وابن ماجه، والحاكم(٣)، والضياء المقدسي.
٤٥ - باب
[٢٣٧٨] قوله: (أخبرنا أبو عامر) العقدي، البصري، (وأبو داود) الطيالسي، (قالا:
أخبرنا زهير بن محمد) التميمي، (حدثني موسى بن وردان) العامري، مولاهم أبو عمر
المصري، مدني الأصل، صدوق، ربما أخطأ، من الثالثة.
قوله: (الرجل) يعني: الإنسان، (على دين خليله) أي: على عادة صاحِبِهِ، وطريقته،
وسيرته، (فلينظر) أي: فليتأمل، وليتدبر (من يخالل) من المخالة، وهي المصادقة والإخاء،
فمن رضي دينه وخلقه خالَلَهُ، ومَنْ لا تَجتَّبه؛ فإن الطباع سَرَّاقةٌ، والصحبة مؤثرة في إصلاح
الحال وإفساده.
قال الغزالي: مجالسةُ الحريص ومخالطته تحرك الحرص، ومجالسة الزاهد ومخاللته
تزهد في الدنيا؛ لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من
حيث لا يدري.
(١) الترمذي، كتاب الزهد، حديث (٢٣٣٣).
(٢) أحمد، حديث (٢٧٣٩) وابن حبان، حديث (٢٥٢٦) والحاكم، حديث (٧٨٥٨) وقال: على شرط الشيخين،
وأقرَّه الذهبي. وأخرجه البيهقي في ((الشعب))، حديث (١٠٤١٥).
(٣) الحاكم، حديث (٧٨٥٩).

٩٥
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿﴿ / باب مَا جَاء، مثلُ ابنِ آدَمَ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ وَعَمَلِهِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صَحِيحٌ.
٤٦- باب مَا جَاء، مثلُ ابنِ آدَمَ وَأهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ وَعَمَلِهِ [ت٤٦، ٤٦٢]
[٢٣٧٩] (٢٣٧٩) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أَحْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ عَن
سُفْيَان بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أبِي بَكْرٍ - هُوَ ابْنُ مُحَمَّد بْن عَمْرِو بْنِ حَزْمِ
الأنْصَارِيِّ - قَالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَتْبَعُ المَيِّتَّ
ثَلاثٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانٍ، وَيَبْقَى وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أهْلُهُ وَمَالُهُ
وَيَبْقَى عَمَلُهُ)). [خ: ٦٥١٤، م: ٢٩٦٠، ن: ١٩٣٦، حم: ١١٦٧٠].
قوله: (هذا حديث حسن غريب) قال صاحبُ ((المشكاة)) بعد ذكر هذا الحديث: رواه
أحمد، والترمذي، وأبو داود، والبيهقي في ((شعب الإيمان))، وقال الترمذي: هذا حديث
حسن غريب، وقال النووي: إسناده صحيح. انتهى. قال الطيبي: ذكره في ((رياض
الصالحين)»، وغرض المؤلف من إيراده، والإطناب فيه دفع الطعن في هذا الحديث، ورفع
توهم من توهم أنه موضوع.
قال السيوطي: هذا الحديث أحد الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني
على ((المصابيح))، وقال: إنه موضوع، وقال الحافظ ابن حجر في رَدِّه عليه: قد حسنه
الترمذي، وصححه الحاكم. كذا في ((المرقاة)).
٤٦ - باب [ما جاء مثل ابن آدم وأهله وولده وماله وعمله]
[٢٣٧٩] قوله: (حدثنا سويد) بن نصر بن سويد المروزي، (أخبرنا عبد الله) بن
المبارك، (عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ.
قوله: (يتبع الميت) أي: إلى قبره، (ثلاث) أي: من أنواع الأشياء، (فيرجع اثنان) أي:
إلى مكانهما، ويتركانه وحده، (ويبقى واحد) أي: لا ينفك عنه، (يتبعه أهله) أي: أولا ده
وأقاربه، وأهل صحبته ومعرفته، (وماله) كالعبيد، والإماء، والدابة، والخيمة. قاله
((القاري)). وقال المظهر: أراد بعض ماله، وهو مماليكه، وقال الطيبي: اتباع الأهل على
الحقيقة، واتباع المال على الاتساع؛ فإن المال حينئذٍ له نوع تعلقٍ بالميت من: التجهيز،
والتكفين، ومؤنة الغسل، والحمل، والدفن؛ فإذا دفن انقطع تعلقه بالكلية، (وعمله) أي: من
الصلاح وغيره، (ويبقى عمله) قال الحافظ في ((الفتح)): معنى بقاء عمله، أنه يدخل معه

٩٦
كتاب الزهد عن رسول اللّه ◌َ﴿ / باب مَا جَاء في كَرَاهِيَةٍ كَثْرَةِ الأكْل
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٤٧- باب مَا جَاء في كَرَاهِيَةٍ كَثْرَةِ الأكْل [ت٤٧، ٤٧٢]
[٢٣٨٠] (٢٣٨٠) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ، أُخْبَرَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشِ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ الحِمْصِيُّ، وَحَبِيبُ بْنُ صَالِحٍ، عَن يَحْيَى بْنِ
جَابِرِ الطَّائِيِّ، عَن مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَلَهِ يَقُولُ: ((مَا مَلأ
آدمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِن بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابنِ آدَمَ أكَلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ،
القبر، وقد وقع في حديث البراء بن عازب الطويل، في صفة المسألة في القبر عند أحمد
وغيره، ففيه: ((ويأتيه الرجل حسن الوجه، حسن الثياب، حسن الريح، فيقول: أبشر بالذي
يسرُّك، فيقول: مَنْ أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح)) وقال في حق الكافر: ((ويأتيه رجل قبيح
الوجه ... )) الحديث، وفيه: ((بالذي يسوءك))، وفيه: ((عملك الخبيث)). انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، وغيرهما .
٤٧ - باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل
[٢٣٨٠] قوله: (حدثني أبو سلمة الحمصي) اسمه: سليمان بن سليم الكلبي، الشامي،
القاضي بحمص، ثقة، عابد، من السابعة، (وحبيب بن صالح) الطائي، أبو موسى،
الحمصي، ويقال: حبيب بن أبي موسى، ثقة، من السابعة، (عن يحيى بن جابر الطائي)
أبي عمرو، الحمصي، القاضي، ثقة، من السادسة، وأرسل كثيرًا، (عن مقدام بن معد
يكرب) بن عمرو الكندي، صحابي مشهور، نزل الشام.
قوله: (ما ملأ آدمي وعاء) أي: ظرفًا، (شرًّا من بطن) صفة وعاء، جعل البطن أولًا
وعاء كالأوعية التي تتخذ ظروفًا لحوائج البيت؛ توهينًا لشأنه، ثم جعله شر الأوعية؛ لأنها
استعملت فيما هي له، والبطنُ خلق لأن يتقوم به الصلب بالطعام، وامتلاؤه يفضي إلى الفساد
في الدين والدنيا، فيكون شرًّا منها، (بحسب ابن آدم) مبتدأ، أو الباء زائدة، أي: يكفيه،
وقوله: (أكلات) - بضمتين - خبره، نحو قوله: بحسبك درهم، والأكلة بالضم: اللقمة، أي:
يكفيه هذا القدر في سد الرمق وإمساك القوة، (يقمن) من الإقامة، (صلبه) أي: ظهره، تسمية
للكل باسم جزئه، كناية عن أنه لا يتجاوز ما يحفظه من السقوط، ويتقوى به على الطاعة،
(فإن كان لا محالة) بفتح الميم، ويضم، أي: إن كان لابد من التجاوز عَمّا ذكر، فلتكن

٩٧
كتاب الزهد عن رسول الله وَّ ر / باب مَا جَاء في الرِّيَاءِ والسُّمْعَة
فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثْ لِنَفَسِهِ)). [جه: ٣٣٤٩، حم: ١٦٧٣٥].
حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشِ نَحْوَهُ، وَقَالَ المِقْدَامُ بْنُ
مَعْدِيكَربَ: عَنِ النَّبِّ وَّهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فيه سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٤٨- باب مَا جَاء في الزِّيَاءِ والسُّمْعَة [ت٤٨، ٤٨٢]
[٢٣٨١] (٢٣٨١) حَدَّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامِ عَن شَیْبَانَ، عَن
فِرَاسٍ، عَن عَطِيَّةَ عَن أبي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: (مَن يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ،
أثلاثًا، (فثلث) أي: فثلث يجعله (لطعامه) أي: مأكوله، (وثلث) يجعله (لشرابه) أي:
مشروبه، (وثلث) يدعه (لنفسه) بفتح الفاء، أي: يبقى من ملئه قَدْرُ الثلث؛ ليتمكن من
التنفس، ويحصل له نوع صفاء ورقة، وهذا غاية ما اختير للأكل، ويحرم الأكل فوق الشبع،
وقال الطيبي - رحمه الله -: أي: الحقُّ الواجب أن لا يتجاوز عَمَّا يُقام به صلبه؛ ليتقوى به
على طاعة الله، فإن أراد البتة التجاوز، فلا يتجاوز عن القسم المذكور.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، وابن ماجه، والحاكم(١)، وقال: صحيح.
٤٨ - باب ما جاء في الرياء والسمعة
قال الحافظ في ((الفتح)): الرياء: بكسر الراء، وتخفيف التحتانية، والمد - وهو مشتق من
الرؤية، والمراد به: إظهار العبادة؛ لقصد رؤية الناس لها، فيحمدوا صاحبها، والسمعة : -
بضم المهملة، وسكون الميم مشتقة من سمع، والمراد بها نحو ما في الرياء، لكنها تتعلق
بحاسة السمع، والرياء بحاسة البصر. انتهى.
وقال الغزالي: الرياء: مشتق من الرؤية، والسمعة: من السماع، وإنما الرياء أصله طلبُ
المنزلةِ في قلوب الناس بإيرائهم الخصال المحمودة، فحدَّ الرياء هو إرادةُ العباد بطاعة الله
تعالى، فالمرائي: هو العابد، والمراءى له هو الناس، والمراءى به هو الخصال الحميدة،
والرياء: هو قصد إظهار ذلك.
[٢٣٨١] (من يرائي يرائي الله به) بإثبات الياء في الفعلين؛ على أن ((من)): موصولة
(١) ابن ماجه، كتاب الأطعمة، حديث (٣٣٤٩) والحاكم حديث (٧١٣٩) وقال الذهبي: صحيح.

٩٨
كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في الرِّيَاءِ والسُّمْعَة
وَمَنْ يسمع يُسَمِّع اللهُ بِهِ)). [جه: ٤٢٠٦، حم: ١٠٩٦٩].
قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَن لا يَرْحَمِ النَّاسَ لا يَرْحَمُهُ اللهُ)).
وفي البابِ عَن جُنْدُبٍ وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرو.
مبتدأ، والمعنى: مَنْ يَعْمَلُ عملًا ليراه الناس في الدنيا، يجازيه الله تعالى به، بأن يظهر رياءه
على الخلق، (ومن يسمع) بتشديد الميم، أي: من عمل عملًا للسمعة، بأن نوه بعمله،
وشهره ليسمع الناس به ويمتدحوه، (يسمع الله به) بتشديد الميم أيضًا، أي: شهره الله بين
أهل العرصات، وفضحه على رؤوس الأشهاد.
قال الخطابي: معناه: مَنْ عَمل عملًا على غير إخلاص، وإنما يريد أن يراه الناس
ويسمعوه، جُوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه، ويظهر ما كان يبطنه.
وقيل: من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس، ولم يرد به وجه الله، فإن الله يجعله
حديثًا عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم، ولا ثواب له في الآخرة، ومعنى: ((يُرائي
به)): يطلعهم على أنه فعل ذلك لهم لا لوجهه، ومنه قوله - تعالى -: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ
الذُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَقِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِهَا﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ -١٦] وقيل: المرادُ:
من قصد بعمله أن يسمعه الناس ويروه؛ ليعظموه وتعلوا منزلته عندهم، حصل له ما قصد،
وكان ذلك جزاؤه على عمله، ولا يثاب عليه في الآخرة.
وقيل: المعنى: مَنْ سمع بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه، وسمعه المكروه.
وقيل غير ذلك. ذكره الحافظ في ((الفتح)).
قال: وفي الحديث استحباب إخفاء العمل الصالح، لكن قد يستحب إظهاره ممن يقتدى
به، على إرادته الاقتداء به، ويقدر ذلك بقدر الحاجة، (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)
تقدم شرحه في ((باب رحمة الناس)) من ((أبواب البر والصلة)).
قوله: (وفي الباب عن جندب وعبد الله بن عمرو) أما حديث جندب فأخرجه الشيخان،
وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الطبراني عنه مرفوعًا بلفظ: ((مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ
سَمَّعَ الله به مَسَامِعَ خَلْقِهِ، وَصَغَّرَهُ وَحَقَّرَهُ)). قال المنذري في ((الترغيب)) - بعد ذكر هذا
الحديث -: رواه الطبراني في «الكبير)) بأسانيد أحدُهَا صحيح، والبيهقي. انتهى.

٩٩
كتاب الزهد عن رسول اللّهَي / باب مَا جَاء في الرِّيَاءِ والسُّمْعَة
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديث غَرِيبٌ حسنٌ صحِيحٌ من هَذَا الوَجْهِ.
[٢٣٨٢] (٢٣٨٢) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ، أحْبَرَنَا
حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْح، أخبرني الوَلِيدُ بْنُ أبي الوَلِيدِ أبُو عُثمانَ المَدَائِيُّ، أنَّ عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِم
حَدَّثَهُ أنَّ شُفَيَّاً الأصْبَحِيَّ، حَدَّثَهُ: أنَّهُ دَخَلَ المَدِينَةَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ
النَّاسُ، فَقَالَ: مَن هَذَا؟ فَقَالُوا: أَبُو هُرَيْرَةَ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ
يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَلَمَّا سَكَتَ وَخَلا قُلْتُ لَهُ: أنشدك بِحَقِّ وَبِحَقِّ لما حَدَّثْتَنِي حَدِيثًا
سَمِعْتَهُ مِن رَسُولِ الله ◌َّهِ عَقَلْتَهُ وَعَلِمْتَهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَفْعَلُ، لأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا
حَدَّثَنِيه رَسُولُ اللهِّهِ عَقَلْتُهُ وَعَلِمْتُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً، فَمَكَثنا قَلِيلًا، ثُمَّ
أَفَاقَ فَقَالَ: لِأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيه رَسُولُ اللهِ فِي هَذَا الْبَيْتِ مَا مَعَنَا أَحَدٌ غَيْرِي
وَغَيْرُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةٌ شَدِيدَةً، ثُمَّ أفَاقَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ فقَالَ: أَفْعَلُ،
لِأُحَدُثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللهَِّهِ وَأَنَا وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ مَا مَعَنَا أحدٌ غَيْرِي
وَغَيْرُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً أخرى، ثُمَّ أفَاقَ وَمَسَحَ وَجْهَهُ فَقَالَ: أَفْعَلُ لأَحُدِّثَنَّكَ
قوله:(هذا حديث غريب من هذا الوجه) وأخرجه أحمد، وابن ماجه، إِلَّ الفصل
الأخير.
[٢٣٨٢] قوله: (أن عقبة بن مسلم) التجيبي، المصري، القاص، إمام المسجد العتيق
بمصر، ثقة، من الرابعة، (أن شُفَيًّا الأصبحي) قال في ((التقريب)): شُفَيُّ - بالفاء، مصغرًا -
ابن ماتع - بمثناة - الأصبحي، ثقة، من الثالثة، أرسل حديثًا، فذكره بعضهم في الصحابة
خطأ، مات في خلافة هشام. قاله خليفة. انتهى.
قوله: (أنه) أي: شُفَيًّا(فلما سكت) أي: عن التحديث،(وخلا) أي: بقي منفردًا،
(وأسألك بحق وبحق) التكرار للتأكيد، والباء زائدة، والمعنى: أسألك حقًّا غير باطل،(لما
حدثتني حديثًا) كلمة ((لما)) ههنا بمعنى ((إلَّا))، قال في ((القاموس)): و((لمَّا)) يكون بمعنى:
حين، ولم الجازمة، وإلّا، وإنكار الجوهري كونه بمعنى إلَّا، غير جيد، يقال: سألتك لمَّا
فعلت، أي: إلا فعلت، ومنه: ﴿إِن كُلُّ نَفْسِ لَّاً عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] ﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا
مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢] انتهى، (ثم نشغ) بفتح النون والشين المعجمة بعدها غين معجمة، أي:
شهق حتى كاد يغشى عليه، أسفًا أو خوفًا. قاله المنذري.

١٠٠
كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في الرِّيَاءِ والسُّمْعَة
حَدِيْثَا حَدَّثَنِيهِ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ وَأَنَا مَعَهُ فِي هذَا الْبَيْتِ مَا مَعَهُ أحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ، ثُمَّ
نَشَغَ أبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً شَدِيْدَة ثُمَّ مَالَ خَارًّا عَلَى وَجْهِهِ، فَأَسْنَدْتُهُ عليَّ طَوِيلًا، ثُمَّ أفَاقَ
فَقَالَ: حَدَّثَنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ ((أنَّ الله تبارك وتَعَالَى إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ يَنْزِلُ إلَى
العِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ وَكَلُّ أُمَّةٍ جَائِيَةٌ، فَأوَّلُ مَن يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ القُرْآنَ، وَرَجُلٌ
قُتِل فِي سَبِيلِ الله، وَرَجُلٌ كَثِيرُ المَالِ، فَيَقُولُ الله لِلقَارِئِ: أَلَمْ أُعَلمْكَ مَا أُنْزَلْتُ عَلَى
رَسُولِي؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عِلِمْتَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاء
اللَّيلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ له المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللهُ:
بَلْ أرَدْتَ أنْ يُقَالَ: إن فلانٌ قَارِئ، فَقَدْ قِيْلَ ذَاكَ، وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ المَالِ، فَيَقُولُ اللهُ
له: أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَمَاذَا
عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ؟ قَالَ: كُنْتُ أصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ
لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللهُ تعالى: بَلْ أرَدْتَ أنْ يُقَالَ فُلَانٌ جَوَادٌ فَقَد قِيلَ
ذَلِكَ، وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ في سَبِيلِ الله فَيَقُولُ الله لَهُ: فِيمَاذَا قُتِلْتَ؟ فَيَقُولُ: أُمِرْت
بِالجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ فقاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ، فَيَقُولُ اللهُ تعالى لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ
وقال الجزري في ((النهاية)): النشغ في الأصل الشهيق حتى يكاد يبلغ به الغشي، وإنما
يفعل الإنسان ذلك تشوقًا إلى شيء فائت، وأسفًا عليه، ومنه حديث أبي هريرة أنه ذكر النبي
وَلا فنشغ نشغة، أي: شهق وغشي عليه. انتهى.
(مال خارًّا) من الخرور، أي: ساقطًا، (فأسندته) قال في ((الصراح)): إسناد تكيه دادن
جيزي رايجيزي، (وكل أمة جائية) قال في ((القاموس)): جَثَا، كدعا ورمى، جُثُوًّا وجُئِيًّا،
بضمهما، جلس على ركبتيه، أو قام على أطراف أصابعه. انتهى. (يدعو) أي: الله تعالى
(به) الضمير راجع إلى ((من)) (رجل جمع القرآن) أي: حفظه، (قُتل) بصيغة المجهول، (فماذا
عملت) من العمل، (فيما علمت) من العلم، (كنت أقوم به) أي: بالقرآن، (آناء الليل وآناء
النهار) أي: ساعاتهما، قال الأخفش: واحدها: إنىّ، مثل مِعىً.
وقيل: واحدها: إنْيٌّ وإِنْوٌ يقال: مَضَى من الليل إنوان وإنيان، (فقد قيل ذلك) أي: ذلك
القول، فحصل مقصودك وغرضك، (ألم أوسع عليك) أي: ألم أكثر مالك (حتى لم أدعك)
أي: لم أتركك، من ودع يدع، (جواد) أي: سخي کریم،