النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١
كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في الكَفَافِ والصَّبْرِ عَلَيْه
وَبِهِذَا الإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاء مَكَّةَ ذَهَبًا،
قُلْتُ: لا يَا رَبِّ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأُجُوعُ يَوْمًا، وَقَالَ: ثَلَاثًا، أَوْ نَحْوَ هَذَا، فَإِذَا
جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمدْتُكَ)). [ضعيف].
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌّ. وفي البابِ عَن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدِ القَاسم. هذا هُوَ ابنُ
عَبْدِ الرحْمنِ وَيُكْنَى أبَا عَبْدِ الرَّحمنِ، وَيقالُ أيضًا يكنى أبا عبد الملك وَهُوَ مَوْلَى
عَبْدِ الرَّحمنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ شَامِيٍّ ثِقَة، وَعَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ ضعيف
الحَدِيثِ، وَيُكْنَى أبا عَبْدِ المَلِكِ.
قوله: (وبهذا الإسناد) أي: بالإسناد المذكور المتقدم.
قوله: (عرض علي ربي) أي: إلي عَرْضًا حسيًّا، أو معنويًّا، وهو الأظهر، والمعنى:
شاورني وخيَّرني بين الوسْع في الدنيا، واختيار البلغة لزاد العقبى من غير حساب ولا عتاب.
قاله القاري، (بطحاء مكة) أي: أرضها ورمالها، (ذهبًا) أي: بدل حجرها ومدرها. وأصلُ
البطحاء: مسيل الماء، وأراد هنا عرصة مكة، وصحاريها، فإضافته بيانية، قال الطيبي:
قوله: ((بطحاء مكة))، تنازع فيه ((عرض))، و((ليجعل))، أي: عرض علي بطحاء مكة، ليجعلها
لي ذهبًا، وقال في ((اللمعات)): وجعلها ذهبًا، إما بجعل حصاه ذهبًا، أو ملء مثله بالذهب،
والأول أظهر، وجاء في بعض الروايات: ((جعل جبالها ذهبًا)). انتهى.
(قلت: لا) أي: لا أريد ولا أختار، (ولكن أشبع يومًا) أي: أختار، أو أريد أن أشبع
وقتًا، أي: فأشكر، (وأجوع يومًا) أي: فأصبر، (أو قال: ثلاثًا، أو نحو هذا) شَكٍّ من
الراوي، (تضرعت إليك) بعرض الافتقار عليك، (وذكرتك) أي: في نفسي وبلساني، (فإذا
شبعت شكرتك) على إشباعك، وسائر نعمائك، (وحمدتك) أي: بما ألهمتني من ثنائك.
قوله: (وفي الباب عن فضالة بن عبيد) أخرجه الترمذي(١) في هذا الباب.
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد.
قوله: (وعلي بن يزيد يضعف في الحديث .. إلخ) قال في ((التقريب)): علي بن يزيد بن
أبي زياد الألهاني، أبو عبد الملك الدمشقي، صاحب القاسم بن عبد الرحمن، ضعيف، من
السادسة.
(١) الترمذي، كتاب الزهد، حديث (٢٣٤٩).
٦٢
كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في الكَفَافِ والصَّبْرِ عَلَيْه
[٢٣٤٨] (٢٣٤٨) حَدَّثَنَا العَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يَزِيدَ
المُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أبِي أيُّوبَ، عَن شُرَحْبِيلَ بْنِ شَرِيكٍ، عَن أبِي عَبْدِ الرحمن
الحُبُلِيِّ، عَن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو: أنَّ رَسُوْلَ الله وَّهِ قَالَ: ((قَدْ أَفْلَح مَن أَسْلَم، وَكَانَ
رِزْقُهُ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللهُ)). [م: ١٠٥٤، جه: ٤١٣٨].
قَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[٢٣٤٩] (٢٣٤٩) حَدَّثَنَا العَبَّاسُ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا عَبدُ الله بْنُ يَزِيدَ المُقْرِئُ، أخْبَرَنَا
حَيْوَةُ بْنُ شُرَيح أخبرني أبُو هَانِئْ الخَوْلَانِيُّ؛ أنَّ أبَا عَلِيٍّ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ الجَنْبِيُّ، أخْبَرَهُ
عَن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ إلى الإِسْلَامِ،
وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا وَقَنَعَ))، قَالَ: وَأَبُو هَانِئ اسْمُهُ: حُمَيْدُ بْنُ هَانئٍ. [حم: ٢٣٤٢٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[٢٣٤٨] قوله: (عن شرحبيل بن شريك) المعافري، أبي محمد المصري، ويقال:
شرحبيل بن عمرو بن شريك، صدوق، من السادسة.
قوله: (قد أفلح) أي: فاز وظفر بالمقصود، (من أسلم) أي: انقاد لربه، (ورزق) أي:
من الحلال، (كفافًا) أي: ما يكف من الحاجات، ويدفع الضرورات، (وقَنَّعه الله) أي:
جعله قانعًا بما آتاه.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، ومسلم، وابن ماجه.
[٢٣٤٩] قوله: (أن أبا علي عمرو بن مالك الجنبي) بفتح الجيم، وسكون النون بعدها
موحدة، الهمداني، بصري، ثقة، من الثالثة.
قوله: (طوبى لمن هُدي إلى الإسلام) ببناء ((هدي)) للمفعول، (وكان عيشه كفافًا) أي: لا
ينقص عن حاجته، ولا يزيد على كفايته، فيبطر ويطغى، (وقنع) كمنع، أي: رضي بالقسم،
ولم تطمح نفسه لزيادة عليه.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن حبان، والحاكم(١)، قال المناوي في
((شرح الجامع الصغير)): قال الحاكم: على شرط مسلم، وأقروه.
(١) ابن حبان، حديث (٧٠٥) والحاكم، حديث (٩٨) وقال: على شرط مسلم، وأقرَّه الذهبي.
٦٣
كتاب الزهد عن رسول الله وَ ل﴿ / باب مَا جَاء فِي فَضْلِ الفَقْر
٣٦- باب مَا جَاء فيٍ فَضْلِ الفَقْر [٣٦٥، ٣٦٢]
[٢٣٥٠] (٢٣٥٠) حَدَّثَنَا مُحمدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نَبْهَانَ بْنِ صَفْوَانَ الثقَفِيُّ البَصْرِيُّ،
حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ أسْلَمَ، حَدَّثَنَا شَدَّادٌ أبُو طَلْحَةَ الرَّاسِيُّ، عَن أبي الوَازِعِ عَن عَبْدِ الله بْنِ
مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ للنبيِّ وَّهِ: يَا رَسُولَ الله، وَاللهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ، فَقَالَ: ((انْظُرْ مَاذَا
تَقُولُ)) قَالَ: وَاللهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ فَقَالَ: ((انْظُرْ مَاذَا تَقُول)) قَالَ: وَاللهِ إِنِّي لأحِبُّكَ ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ، فَقَالَ: ((إنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلِفَقْرِ تِجْفَافًا، فَإِنَّ الفَقْرَ أَسْرَعُ إلَى مَن يُحِبُّنِي
٣٦ - باب ما جاء في فضل الفقر
[٢٣٥٠] قوله: (أخبرنا روح) بفتح راء، وسكون واو، وإهمال حاء، (بن أسلم)
الباهلي، أبو حاتم، البصري، ضعيف، من التاسعة، (أخبرنا شداد) بن سعيد، (أبو طلحة
الراسبي) البصري، صدوق، يخطئ، من الثامنة، (عن أبي الوازع) اسمُهُ: جابر بن عمرو
الراسبي، صدوق، يَهِمُ، من التاسعة.
قوله: (والله إني لأحبك) أي: حبًّا بليغًا، وإلَّا فكلُّ مؤمن يحبه، (فقال له: انظر ماذا
تقول) أي: رمتَ أمرًا عظيمًا، وخطبًا خطيرًا، فتفكر فيه؛ فإنك توقع نفسك في خطر، وأيُّ
خطر أعظم من أن يستهدفَها غرضًا لسهام البلايا والْمصائب، فهذا تمهيدٌ لقوله: ((فأعد للفقر
تجفافًا))، (قال: والله إني لأحبك: ثلاث مرات) ظرف لـ ((قال))، (إن كنت تحبني) حبًّا بلیغًا،
كما تزعم، (فأعد) أمر مخاطب من الإعداد، أي: فهيئ، (للفقر) أي: بالصبر عليه، بل:
بالشكر والميل إليه، (تجفافًا) بكسر الفوقية، وسكون الجيم، أي: درعًا وجنة، ففي
((المغرب)): هو شيء يلبس على الخيل عند الحرب، كأنه درعٌ، تفعال من جف، لما فيه من
الصلابة واليبوسة. انتهى. فتاؤه زائدةٌ، على ما صرح به في ((النهاية)).
وفي ((القاموس)): التجفاف، بالكسر: آلة للحرب، يلبسه الفرس والإنسان؛ ليقيه في
الحرب، فمعنى الحديث: إن كنت صادقًا في الدعوى، ومحقًّا في المعنى، فهيئ آلة تنفعك
حال البلوى، فإن البلاء والولاء متلازمان في الخلا والملا، ومجملُه أنه: تهيأ للصبر
خصوصًا على الفقر، لتدفع به عن دينك بقوة يقينك ما ينافيه من الجزع والفزع، وقلة القناعة،
وعدم الرضا بالقسمة، وكُنَّى بالتجفاف عن الصبر؛ لأنه يستر الفقر، كما يستر التجفافُ البدنَ
عن الضر. قاله القاري.
٦٤
كتاب الزهد عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاءَ أنَّ فُقَرَاء المُهَاجِرِينَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أغْنِيَائِهِم
مِنَ السَّيْلِ إِلَى مُنْتَهَاهُ» .
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أبي، عَن شَدَّادٍ أبي طَلْحَةَ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غريبٌ، وَأَبُو الوَازِعِ الرَّاسِيِيُّ اسْمُهُ: جَابِرُ بْنُ
عَمْرٍو، وَهُوَ بَصْرِيٌّ.
٣٧- باب مَا جَاء أنَّ فُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ
يَدخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أغْنِيَائِهِم [ت٣٧، ٣٧٢]
[٢٣٥١] (٢٣٥١) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ مُوسَى البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا زِیَادُ بْنُ عَبْدِ الله، عَن
الأعْمَشِ، عَن عَطِيَّةَ بْنِ أبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ
يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِخَمْسِمَائِ سَنَةٍ)). [جه: ٤١٢٣].
(من السيل) أي: إذا انحدر من علوٍّ، (إلى منتهاه) أي: مستقره في سرعة وصوله،
والمعنى: أنه لا بد من وصول الفقر بسرعة إليه، ومن نزول البلايا والرزايا بكثرة عليه، فإن
أشد الناس بلاء الأنبياءُ، ثم الأمثل فالأمثل، خصوصًا سيد الأنبياء، فيكون بلاؤه أشد من
بلائهم، ويكون لأتباعه نصيبٌ على قدر ولائهم.
قوله: (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي الجهضمي، ثقة، ثبت، طُلب للقضاء
فامتنع، من العاشرة، (أخبرنا أبي) أي: علي بن نصر بن علي الجهضمي، البصري، ثقة، من
كبار التاسعة.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد.
٣٧ - باب ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم
[٢٣٥١] قوله: (أخبرنا زياد بن عبد الله) بن الطفيل العامر البكائي، أبو محمد الكوفي،
صدوق، ثبت في ((المغازي))، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق، لين، من الثامنة، ولم يثبت
أن وكيعًا كذبه، وله في البخاري موضعٌ واحد متابعة.
قوله: (فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمئة سنة) فالفقراء في تلك
المدة لهم حسن العيش في العقبى، مجازاة لما فاتهم من التنعم في الدنيا، كما قال تعالى:
﴿كُوْ وَأَشْرَبُوْ هَنِّيَا بِمَّ أَسْلَفْتُمْ فِ آلْأَيَّامِ الَْلِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] أي: الماضية، أو الخالية عن
المأكلِ والمشرب، صيامًا، أو وقتَ المجاعة.
٦٥
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاءَ أنَّ فُقَرَاء المُهَاجِرِينَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أغْنِيَائِهِم
وفي الباب عَن أبي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍوٍ وَجَابٍِ .
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غريبٌ مِن هَذَا الوَجْهِ.
[٢٣٥٢] (٢٣٥٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ وَاصِلِ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُحمَّدٍ
العَابِدُ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا الحَارِثُ بْنُ النُّعْمَانِ اللَّيْتِيُّ عَن أَنَسٍ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَلِ قَالَ:
((اللَّهمَّ أخْيِنِي مِسْكِينًا وَأمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ المَسَاكِينِ يَوْمَ القِيَامَةِ)).
فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: ((إِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أغْنِيَائِهِمْ
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر) أما حديث أبي هريرة،
فأخرجه الترمذي(١) في هذا الباب، وأما حديث عبد الله بن عمرو، فأخرجه مسلم(٢) في
((الزهد))، وفيه ((أن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفًا))،
وأما حديث جابر، فأخرجه الترمذي(٣) في هذا الباب.
[٢٣٥٢] قوله: (أخبرنا ثابت بن محمد العابد الكوفي) أبو محمد، ويقال: أبو إسماعيل،
صدوق، زاهد، يخطئ في أحاديث، من التاسعة، (أخبرنا الحارث بن النعمان) بن سالم
الليثي، الكوفي، ابن أخت سعيد بن جبير، ضعيف، من الخامسة.
قوله: (اللَّهم أحيني مسكينًا) قيل: هو من المسكنة، وهي الذلة والافتقار، فأراد واكلّ
بذلك إظهار تواضعه، وافتقاره إلى ربِّه؛ إرشادًا لأمته إلى استشعار التواضع، والاحتراز عن
الكبر والنخوة، وأراد بذلك التنبيه على علوِّ درجات المساكين، وقربهم من الله تعالى قاله
الطيِّي - رحمه الله - (واحشرني في زمرة المساكين) أي: اجمعني في جماعتهم، بمعنى:
((جعلني منهم؛ لكن لم يسأل مسكنة ترجع للقلة، بل للإخباتِ والتواضع والخشوع، قال
السهروردي: لو سأل الله أن يحشر المساكين في زمرته لكان لهم الفخرُ العميمُ، والفضل
العظيم، فكيف وقد سأل أن يُحْشَرَ في زمرتهم؟! (لم يا رسول الله؟) أي: لأيِّ شيءٍ دعوت
هذا الدعاء، واخترت الحياة والممات والبعث مع المساكين والفقراء، دون أكابر الأغنياء،
(قال: إنهم) استئنافٌ في معنى التعليل؛ أي: لأنهم مع قطع النظر عن بقية فضائلهم، وحسن
(١) الترمذي، كتاب الزهد، حديث (٢٣٥٣).
(٢) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، حديث (٢٩٧٩).
(٣) الترمذي، كتاب الزهد، حديث (٢٣٥٥).
٦٦
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء أنَّ فُقَرَاء المُهَاجِرِينَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أغْنِيَائِهِم
بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا، يَا عَائِشَةُ، لا تَرُدِّي المِسْكِينَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، يَا عَائِشَةُ! أحِبِّي
المَسَاكِينَ وَقَرِّبِيهِمْ فَإِنَّ اللهَ يُقَرِّبُكِ يَومَ القِيَامَةِ)).
أخلاقهم وشمائلهم، (بأربعين خريفًا) أي: بأربعين سنة. قال الجزري في ((النهاية)):
الخريفُ: الزمانُ المعروف من فصول السنة ما بين الصيف والشتاء، ويريد به أربعين سنة؛
لأن الخريف لا يكون في السنة إلَّا مرةً واحدةً، فإذا انقضى أربعون خريفًا، فقد مضت
أربعون سنة. انتهى.
فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين الحديث السابق؛ فإنهما بظاهرهما
متخالفان.
قلت: أوجه التوفيق بينهما أن يُقال: المرادُ بكلِّ من العددين إنما هو التكثير لا التحديد،
فتارةً عبر به، وأخرى بغيره تفننًا، ومآلهما واحد، أو أخبر أولًا بأربعین، كما أوحى إليه، ثم
أخبر ثانيًا بخمسمئة عام، زيادة من فضله على الفقراء ببركته وَّيه، والتقديرُ بأربعين خريفًا
إشارةٌ إلى أقل المراتب، وبخمسمئة عام إلى أكثرها .
ويدل عليه ما رواه الطبرانيّ(١) عن مسلمة بن مخلد، ولفظه: ((سبق المهاجرون الناس
بأربعين خريفًا إلى الجنة، ثم يكون الزمرة الثانية مئة خريف))، فالمعنى: أن يكون الزمرة
الثالثة مائتين، وهلم جرّا؛ وكأنهم محصورون في خمس زمر، أو الاختلاف باختلاف مراتب
أشخاص الفقراء في حالِ صبرهم ورضاهم وشكرهم، وهو الأظهرُ المطابقُ لما في ((جامع
الأصول))، حيث قال: وجهُ الجمع بينهما أن الأربعين أراد بها تقدم الفقير الحريص على
الغني، وأراد بالخمسمئة تقدم الفقير الزاهد على الغني الراغب، فكان الفقير الحريص على
درجتين من خمس وعشرين درجة من الفقير الزَّاهِدِ، وهذه نسبة الأربعين إلى الخمسمئة، ولا
تظنن أن التقدير وأمثاله يجري على لسان النبي ◌َّه جزافًا، ولا باتفاق، بل لسرِّ أدركه، ونسبة
أحاط بها علمه، فإنه وَ ﴿ ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
(أحبي المساكين) أي: بقلبك، (وقربيهم) أي: إلى مجلسك حال تحديثك، (فإن الله
يقربك يوم القيامة) أي: بتقريبهم تقربًا إلى الله سبحانه وتعالى، قال القاري في ((المرقاة)): إن
لم يكن دليلٌ آخر غير هذا الحديث الشريف لَكَفَى حجة واضحة على أن الفقيرَ الصابر خيرٌ
(١) الطبراني في «الكبير)) (٤٣٨/١٩) حديث (١٠٦٤) وقال الهيثمي (١٥/١٠): وفيه عبد الرحمن بن مالك
السبائي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
٦٧
كتاب الزهد عن رسول الله وَه / باب مَا جَاء أنَّ فُقَرَاء المُهَاجِرِينَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أغْنِيَائِهِم
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حَدِيثٌ غريبٌ.
من الغني الشاكِرِ، وأما حديث: ((الفَقْرُ فَخْرِي، وَبِهِ أَفْتَخِرُ)) فباطل، لا أصلَ له، على ما
صرح به من الحقَّاظ العسقلانيُّ وغيره.
وأما حديث: ((كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا)»، فهو ضعيفٌ جدًّا، وعلى تقدير صحته، فهو
محمول على الفقر القلبي، المؤدي إلى الجزع والفزع، بحيث يفضي إلى عدم الرضاء
بالقضاء، والاعتراض على تقسيم ربِّ الأرض والسماء، ولذا قال وَّهُ: ((لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ
الْعَرَضِ، إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ»(١). انتهى.
قلت: قال الحافظ في ((التلخيص)): قوله: يستدل على أن الفقير أحسن حالاً من
المسكين بما نقل: ((الْفَقْرُ فَخْرِي وَبِهِ أَفْتَخِرُ))، وهذا الحديثُ سُئل عنه الحافظُ ابن تيمية،
فقال: إنه كذبٌ، لا يعرف في شيءٍ من كتب المسلمين المروية، وَجَزَمَ الصَّغاني بأنه
موضوع. انتھی.
فإن قلت: ما وجه الجمع بين حديث أنس هذا وبين حديث عائشة الذي فيه استعاذته ولقد
من الفقرِ؟
قلت: قال الحافظ في ((التلخيص)): إنَّ الذي استعاذَ منه، وكرهه فقرُ القلبِ، والذي
اختاره وارتضاه طرحُ المال.
وقال ابن عبد البر: الذي استعاذَ منه هو الذي لا يدرك معه القوت والكفاف، ولا يستقر
معه في النفس غنّى؛ لأن الغنى عنده وَّه غنى النفس، وقد قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآَيِلًا فَأَغْنَ﴾
[الضحى: ٨] ولم يكنْ غناه أكثر من ادّخاره قوتَ سنة لنفسه وعياله، وكان الغنى محله في قلبه،
ثقةً بربه، وكان يستعيذ من فقر منسٍ، وغنى مطغٍ، وفيه دليلٌ على أن للغنى والفقر طرفين
مذمومين، وبهذا تجتمع الأخبار في هذا المعنى. انتهى.
قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه البيهقي(٢) في ((شعب الإيمان))، وقال الحافظ في
((التلخيص)) بعد ذكر هذا الحديث: رواه الترمذي، واستغربه، وإسناده ضعيفٌ، وقال: وفي
الباب عن أبي سعيد، رواه ابن ماجه، وفي إسناده ضعف أيضًا، وله طريق أخرى في
(١) البخاري، كتاب الرقاق، حديث (٦٤٤٦) ومسلم، كتاب الزكاة، حديث (١٠٥١).
(٢) البيهقي في ((الشعب))، حديث (١٤٥٣).
٦٨
كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء أنَّ فُقَرَاء المُهَاجِرِينَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أغْنِيَائِهِم
[٢٣٥٣] (٢٣٥٣) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَن
مُحمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَن أبي سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُوَ: ((يَدْخُلُ
الفُقَرَاءُ الجَنَّةَ قَبْلَ الأغْنِيَاءِ بِخَمْسِمائةِ عَامٍ، نِصْفَ يَوْمٍ)). [جه: ٤١٢٢، حم: ٧٨٨٦].
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢٣٥٤] (٢٣٥٤) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا المُحَارِبِيُّ، عَن مُحمدِ بْنِ عَمْرٍو،
عَن أبي سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَطِّ: ((يَدْخُلُ فُقَرَاءُ المُسْلِمِينَ
الجَنَّةَ قَبْلَ أغْنِيَائِهِم بِنِصْفِ يَوْمٍ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ عَامِ))
((المستدرك))، من حديث عطاء عنه(١)، وطوله البيهقي، ورواه البيهقي من حديث عبادة بن
الصامت.
تنبيه: أسرف ابن الجوزيّ، فذكر هذا الحديث في ((الموضوعات))، وكأنه أقدم عليه لما
رآه مباينًا للحال التي مات عليها النبي ◌َّر؛ لأنه كان مكفيًّا، قال البيهقي: ووجهه عندي: أنه
لم يسأل المسكنة التي يرجع معناها إلى القلة، وإنما سأل المسكنة التي يرجع معناها إلى
الإخبات والتواضع. انتهى.
[٢٣٥٣] قوله: (بخمسمئة عام، نصف يوم) بالجر على أنه بَدَلٌ، أو عطف بيان عن
خمسمئة عام، فإن اليوم الأخروي مقدار طوله ألف سنة من سني الدنيا، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ
يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفٍ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [ الحج: ٤٧] فنصفه خمسمائة، وأما قوله تعالى: ﴿في يومٍ
كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] فمخصوصٌ من عموم ما سبق، أو محمولٌ على تطويل
ذلك اليوم على الكفار، كما يطوى حتى يصير كساعةٍ بالنسبة إلى الأبرار، كما يدل عليه قوله
تعالى: ﴿فَإِذَا يُقِرَ فِ النَّقُورِ جَ فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمُ عَسِيرُ جَ عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٨ -١٠].
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) قال المنذري - بَعْدَ ذكر هذا الحديث -: رواه
الترمذي، وابن حبان(٢) في ((صحيحه))، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، قال: ورواته
مُحْتَجِّ بهم في الصَّحيح. انتهى.
[٢٣٥٤] قوله: (وهو خمسمئة عام)؛ فإن يومًا عند ربك كألفٍ سنةٍ ممَّا تعدون.
(١) أخرجه الحاكم، حديث (٧٩١١) وقال: صحيح الإسناد. وأقرَّه الذهبي.
(٢) أخرجه النسائي في ((الكبرى، حديث (١١٣٤٨) وابن حبان، حديث (٦٧٦).
٦٩
كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في مَعِيشَةِ النبيِّ :﴿ه وأهله
وهذا حديثٌ صحيحٌ. [انظر ما قبله].
[٢٣٥٥] (٢٣٥٥) حَدَّثَنَا العَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يَزِيدَ
المُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أبي أيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ جَابِرِ الحَضْرَمِيِّ، عَن جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ الله؛ أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَّهِ قَالَ: ((تَدْخُلُ فُقَرَاءُ المُسْلِمِينَ الجَنَّةَ قَبْلَ أغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ
خَرِيفًا)). [صحيح بلفظ فقراء المهاجرين: م: ٢٩٧٩، حم: ١٤٠٦٧].
هذا حديثٌ حسنٌ.
٣٨- باب مَا جَاء في مَعِيشَةِ النبيِّ ◌ِ﴾ وأهْله [ت٣٨، ٣٨٢]
[٢٣٥٦] (٢٣٥٦) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادِ المُهَلَّبِي، عَن
مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَن مَسْرُوقٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَدَعَتْ لِي بِطَعَامِ
وَقَالَتْ: مَا أشْبَعُ مِن طَعَام فَأَشَاءُ أنْ أبْكِي إلَّا بَكَيْتُ، قَالَ: قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَت: أذْكُرُ
الحَالَ الَّتِي فَارَقَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِنَّهِ الدُّنْيَا، وَاللهِ مَا شَبِعَ مِن خُبْزٍ وَلَحْمٍ مَرَّتَيْنِ في
يَوْمٍ. [ضعيف، مجالد، الراجح أنه ضعيف].
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) تقدم هذا الحديث آنفًا من وجه آخر.
[٢٣٥٥] قوله: (عن عمرو بن جابر الحضرمي) أبي زرعة المصري، ضعيف، شيعي،
من الرابعة.
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد، والتحسين للشواهد.
٣٨ - باب ما جاء في معيشة النبي 8# وأهله
[٢٣٥٦] قوله: (ما أشبع من طعام) بصيغة المتكلم المعلوم، (فأشاء أن أبكي) أي: أُريد
البكاءَ، و((الفاء)) للتعقيب؛ فإن البكاء لازم للشبع الذي يعقبه المشيئة، وليست المشيئة لازمة
للشبع؛ ولذا قالت: ((فأشاء)) ولم تقتصر على: ((ما أشبع من طعام إلا بكيت))، وقيل: إنها
للسببية، (واللهِ ما شبع من خبز ولحم مرتين في يوم) وفي رواية لمسلم(١): ((مَا شَبعَ رَسُولُ الله
وَ﴿ مِن خُبْزِ وَزَيْتِ فِي ◌َوْمٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ)).
(١) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، حديث (٢٩٧٤).
٧٠
كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء فِي مَعِيشَةِ النبيِّ وَّيِ وأهْله
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢٣٥٧] (٢٣٥٧) حَدَّثَنَا مَحمودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، أَنْبأنَا شُعْبَةُ عَن
أبي إسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحمنِ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ، عَن الأسْوَدِ بْنِ يَزِيْدَ، عَن
عَائِشَةَ قَالَت: مَا شَبِعَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ من خُبْزِ شَعِير يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ.
[م: ٢٩٧٠، جه: ٣٣٤٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَفِي الْبَابِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ.
[٢٣٥٨] (٢٣٥٨) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا المُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ،
عَن أبي حَازِمٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا شَبِعَ رَسُولُ اللهِ وَّه وَأهْلُهُ ثَلَاثًا تِبَاعًا مِن خُبْزِ
البُرِّ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا. [خ بنحوه: ٦٤٥٤، م: ٢٩٧٦، جه: ٣٣٤٣، حم: ٩٣٢٨].
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه مسلم.
[٢٣٥٧] قوله: (ما شبع رسول الله ◌َ﴿) وفي رواية الشيخين(١): ((مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ))،
(من خبز شعير) فمن البُرِّ بالأولى، (حتى) أي: استمرَّ عدم الشبع على الوجه المذكور حتى
(قُبض) ◌ِ.
قال القاري: وفيه ردٍّ على مَنْ قال: صَارَ بَّه في آخرِ عُمُرِهِ غَنِيًّا، نعم، وَقَعَ مَالٌ كثير في
يده، لكنه ما أمسكه، بل صرفه في مرضاة رَبِّه، وكان دائمًا غني القلب بغنى الرب. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه الترمذي (٢) في هذا الباب.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
[٢٣٥٨] قوله: (ثلاثًا) أي: ثلاثة أيام بلياليها، (تباعًا) بكسر فوقية، وخفة موحدة، أي:
متوالية .
قال الحافظ: والذي يَظْهَرُ: أَنَّ سبب عدم شبعهم - غالبًا - كان بسبب قلة الشيء عندهم،
على أنهم كانوا قد يجدون ولكن يؤثرون على أنفسهم. انتهى.
(١) البخاري، كتاب الرقاق، حديث (٦٤٥٤) ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، حديث (٢٩٧٠).
(٢) الترمذي، كتاب الزهد، حديث (٢٣٥٨).
٧١
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء في مَعِيشَةِ النبيِّ ◌َ ﴿ه وأهْله
هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، غريب من هذا الوجه.
[٢٣٥٩] (٢٣٥٩) حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحمدِ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أبي بُكَيْرِ،
حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عُثمانَ، عَنِ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: مَا كَانَ
يَفْضُلُ عَنْ أهْلِ بَيْتِ النبيِّ وَّهِ خُبْزُ الشَّعِيرِ. [حم: ٢١٦٨٠].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذَا الوَجْهِ، ویحْیَی بْنُ
أبي بكير هذا كوفي، وأبو بكير، والد يحيى روى له سفيان الثوري، ویحیی بْنُ
عبد الله بنٍ بکیر مصري صاحب الليث.
[٢٣٦٠] (٢٣٦٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مُعَاوِيَةَ الجُمَحِيُّ، أَخْبَرَنَا ثَابِتُ بْنُ یزِيدَ،
عَنِ هِلالِ بْنِ خَبَّابٍ، عَن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، بِيتُ
اللَّيَالِيَ المُتَتَابِعَةَ طَاوِيًا وَأَهْلُهُ
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
[٢٣٥٩] قوله: (أخبرنا يحيى بن أبي بكير) اسمه: نسر الكرماني، كوفيُّ الأصل، نزل
ببغداد، ثقة، من التاسعة، (أخبرنا حَرِیز) بفتح أَوَّله، وكسر الراء، وآخره زاي، (بن عثمان)
الرحبيُّ الحمصي، ثقة، ثبت، رمي بالنَّصْبِ، من الخامسة، (عن سليم بن عامر) هو
الكلاعي، الخبائري، الحمصي.
قوله: (ما كان يفضل) قال في ((القاموس)): الفضلُ: ضد النقص، وقد فضل، كنصر
وعلم، وأما فضل، كعلم، يَفضُل، كينصر، فمركبة منهما. انتهى، والمعنى: لم يتيسر لهم
من دقيق الشعير ما إذا خبزوه يفضلُ عنهم.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه(١) أيضًا في ((الشمائل)).
[٢٣٦٠] قوله: (أخبرنا ثابت بن يزيد) الأحول، أبو زيد البصري، وثقه ابن معين، وأبو
حاتم، (عن هلال بن خباب) بمعجمة، وموحدتين، العبديِّ، مولاهم أبو العلاء البصري،
نزيل المدائن، صدوق، تغير بآخره، من الخامسة.
قوله: (يبيت الليالي المتتابعة طَاوِيًا) أي: جائعًا، قال في ((النهاية)): طَوِيَ من الجوع،
(١) الترمذي في ((الشمائل))، حديث (١٤٥).
٧٢
كتاب الزهد عن رسول الله ◌َ﴿ه / باب مَا جَاء في مَعِيشَةِ النبيِّ : ﴿ وأهْله
لا يَجِدُونَ عَشَاءً، وَكَانَ أكْثَرُ خُبْزِهِمْ خُبْزَ الشَّعِيرِ. [جه: ٣٣٤٧، حم: ٢٣٠٣].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢٣٦١] (٢٣٦١) حَدَّثَنَا أبُو عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَن الأعْمَشِ، عَن عُمَارَةَ بْنِ
القَعْقَاعِ عَن أبي زُرْعَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((اللَّهِمَّ اجْعَلْ
رِزْقَ آلِ مُحَمدٍ قُوتًا)). [خ: ٦٤٦٠، م: ١٠٥٥، جه: ٤١٣٩].
قَالَ أَبُو عِيْسَی: هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢٣٦٢] (٢٣٦٢) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَن ثَابِتٍ، عَن أَنَسٍ،
قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَلِهِ لا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ.
يَظْوَى، طَوىّ، فهو طاوٍ، أي: خالي البطن جائع، لم يأكل. انتهى، (لا يجدون عشاء)
بالفتح: الطعام الذي يؤكل عند العشاء، بالكسر: وهو أول الظلام، أو من المغرب إلى
العتمة، أو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، (وكان أكثر خبزهم) أي: خبز النبي وَ هو
وأهله، (خبز الشعير) فكانوا يأكلونه من غير نخلٍ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، وابن ماجه.
[٢٣٦١] قوله: (اللَّهم اجعل رزق آل محمد) أي: أهل بيته، (قوتًا) أي: بقدر ما يمسك
الرمق من المطعم. كذا في ((النهاية))، وقال القرطبي: أي: اكفهم من القوت بما لا يرهقهم
إلى ذل المسألة، ولا يكون فيه فضول يبعث على الترقَّه، والتبسط في الدنيا، قال: ومعنى
الحديث: أنه طلب الكفاف، فإن القوت ما يقوت البدن، ويكف عن الحاجة، وفي هذه
الحالة سلامة من حالات الغنى والفقر جميعًا. انتهى، وقال ابنُ بطال: فيه دليلٌ على فضلٍ
الكفافِ، وأخذ البلغة من الدنيا، والزهد فيما فوق ذلك؛ رغبة في توفير نعيم الآخرة، وإيثارًا
لما يبقى على ما يفنى، فينبغي أن تقتدي به أمته في ذلك. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان، والنسائي(١)، وابن
ماجه .
[٢٣٦٢] قوله: (كان النبي ◌َ﴿ لا يدخر شيئًا)؛ لسماحةٍ نفسه، ومزيد ثقته بربه، (لغد)
(١) النسائي في ((الکبری))، حديث (٢٦٨٤).
٧٣
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء في مَعِيشَةِ النبيِّ : ﴿ وأهله
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحديث، عَن جَعْفَرِ بْنِ
سُلَيْمَانَ عَن ثَابِت، عَن النبيِّ وَِّ مُرْسَلًا.
[٢٣٦٣] (٢٣٦٣) حَدَّثَنَا عبدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ الله بْنُ
عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَن سَعِيدٍ بْنِ أبي عَروبَةَ، عَن قَتَادَةَ، عَن أَنَسٍ، قَالَ:
مَا أَكَلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَى خُوَان، وَلا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ. [خ: ٥٤١٥،
جه: ٣٢٩٣، حم: ١١٩١٦].
أي: ملكًا، بل تمليكًا، فلا ينافي أنه ادخر قوت سنةٍ لعياله؛ فإنه كان خازنًا قاسمًا، فَلَمَّا
وقع المال بيده قسم لهم كما قسم لغيرهم؛ فإن لهم حقًّا في الفَيء، وقال ابنُ دقيق العيد:
يُحمل حديث: ((لا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ))، على الادخارِ لنفسه، وحديث: ((وَيَحْبِسُ لأَهْلِهِ قُوتَ
سَنْتِهِمْ))، على الادخارِ لغيره، ولو كان له في ذلك مشاركة، لكن المعنى: أنهم المقْصد
بالادخار دونه، حتی لو لم یوجدوا لم يدخر. انتھی.
قوله: (هذا حديث غريب) قال المناويُّ في ((شرح الجامع الصغير)): إسناده جيد.
قوله: (وقد روى هذا غير جعفر بن سليمان عن ثابت عن النبي (18) مرسلًا، وفي بعض
النسخ: وقد رُويَ هذا عن جعفر بن سليمان ... إلخ)) بلفظ ((عن)) مكان ((غير)).
[٢٣٦٣] قوله: (أخبرنا أبو معمر عبد الله بن عمرو) قال في ((التقريب)): عبد الله بن
عمرو بن أبي الحجاج، ميسرة التميمي، أبو معمر المقعد المنقري، ثقة، ثبت، رُمِيَ بالقدر،
من العاشرة. انتهى.
قوله: (ما أكل رَسُولُ اللهِلَ ﴿) أي: طعامًا، (على خوان) قال في ((المجمع)): الخوانُ،
بضم خاء وكسرها: المائدة المعدة، ويُقال: الإخوان، وجمعه: أخونة وخون، وهو معرب،
والأكل عليه من دأب المترفين، لئلا يفتقر إلى التطأطؤ والانحناء. انتهى، وقد تقدم تفسير
الخوان مفصلاً في باب ((على ما كان يأكلُ النبي ◌َّ)) من ((أبواب الأطعمة))، (ولا أكل خبزًا
مرققًا) قال عياض: قوله ((مرققًا))، أي: ملينًا محسنًا، كخبز الحُوَّارى وشبهه، والترقيق:
التليين، ولم يكن عندهم مناخلُ، وقد يكون المرقق: الرقيق الموسع. انتهى.
قال الحافظ: وهذا هو المتعارف، وبه جزم ابن الأثير، قال: الرقاق: الرقيق؛ مثل
طوال وطويل، وهو الرغيف الواسع الرقيق، وأغرب ابن التين فقال: هو السميدُ، وما يصنع
٧٤
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء في مَعِيشَةِ النبيِّصلَّهِ وأهْلِه
قَالَ: هَذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ مِن حَدِيثٍ سَعِيدِ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ.
٢٣٠] (٢٣٦٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحمنِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ المَجِيدِ
الحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحمنِ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ دينَارٍ، أْبَرَنَا أَبُو حَازِمِ، عَن سَهْلٍ بْنِ
سَعْدٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أكَلَ رَسُولُ اللهِ وَِّ النَّقِيَّ يَعْنِي الحُوَّارَى؟ فَقَالَ سَهْلٌ: ما رأى
رَسُولُ اللهِ وَ﴿َ النَّقِيَّ حَتَّى لَقِيَ اللهَ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَت لَكُمْ مَنَاخِلُ عَلَى عَهْدِ
منه، من كعك وغيره، وقال ابن الجوزي: هو الخفيف؛ كأنه مأخوذ من الرقاق، وهي
الخشبة التي يرقق بها. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه البخاري.
[٢٣٦٤] قوله: (أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي) أبو علي البصري، صدوق لم
يثبت أن يحيى بن معين ضعفه، من التاسعة، (أخبرنا عبد الرحمن، هو ابن عبد الله بن دينار)
مولى ابن عمر، صدوق، يخطئ، من السابعة.
قوله: (أخبرنا أبو حازم عن سهل بن سعد أنه قيل له: أكل رَسُولُ اللهِّ﴿ِ النَّقِيَّ) وفي
رواية البخاري(١) عن أبي حازم قال: ((سألْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، فَقُلتُ: هَلْ أَكَلَ رَسُولُ الله
وَل .. )) إلخ؟ والنقي: بفتح النون، وكسر القاف، وتشديد الياء، (يعني الحُوَّارَى)؛ بضم
الحاء، وتشديد الواو، وفتح الراء، وهو الذي نخل مرة بعد مرةٍ، حتى يصير نظيفًا أبيض،
(ما رأى رَسُولُ اللهِوَ ﴿ النقيَّ حتى لقي الله) أي: ما رآه، فضلًا عن أكله، ففيه مبالغةٌ لا
تخفى، وفي رواية للبخاري (٢): مَا رَأَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ الثَّقِيَّ من حِينِ ابْتَعَثَهُ الله حَتَّى
قَبَضَهُ الله))، قال الحافظ: أظنُّ أن سهلًا احترز عَمَّا قبل البعثة؛ لكونه وَّ ه كان سافر في تلك
المدة إلى الشام تاجرًا، وكانت الشام إذ ذاك مع الروم، والخبزُ النقي عندهم كثير، وكذا
المناخل وغيرها من آلات الترقُّه، فلا ريب أنه رأى ذلك عندهم، فأما بعد البعثة، فلم يكن
إلا بمكة والطائف والمدينة، ووصل إلى تبوك، وهي من أطراف الشام، لكن لم يفتحها، ولا
طالت إقامته بها. انتهى.
(هل كانت لكم مناخل) جمع منخل، بضم الميم، وسكون النون، وضم الخاء، ويفتح،
(١) البخاري، كتاب الأطعمة، حديث (٥٤١٣).
(٢) البخاري، كتاب الأطعمة، حديث (٥٤١٣).
٧٥
كتاب الزهد عن رسول الله : ﴿ / باب مَا جَاء فِي مَعِيشَةِ النبيّ ◌ِ ﴿ وأهْله
رَسُولِ اللهِ وَِّ؟ قَالَ: مَا كَانَتْ لَنَا مَنَاخِلُ، قِيْلَ: فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِالشَّعِيرِ؟ قَالَ:
كُنَّا نَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ مِنْهُ مَا طَارَ، ثُمَّ نُثَرِّيهِ فَتَعْجِئُهُ. [خ: ٥٤١٣، جه: ٣٣٣٥، حم: ٢٢٣٠٧].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رَوَاهُ مَالِكُ بْنُ أنَس، عَن
أبي حَازِمٍ.
وهو الغربال، (قال: ما كانت لنا مناخل) وفي رواية للبخاري(١): ((قَالَ: مَا رَأَى رَسُولُ الله
وَلِّ مِنْخَلًا من حينِ ابْتَعَثَهُ الله حَتَّى قَبَضَهُ الله)) (قيل: كيف كنتم تصنعون بالشعير؟) وفي رواية
للبخاري(٢): ((قلتَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ))، (قال: كنا ننفخه) بضم الفاء،
أي: نطيره بعد الطحن إلى الهواء بأيدينا، أو بأفواهنا، (فيطير منه ما طار) أي: يذهب منه ما
ذهب من النخالةٍ، وما فيه خفة، (ثم نشرِّيه) بمثلثة وراء ثقيلة، أي: نبله بالماء، من: ثرى
التراب تثرية، أي: رش عليه، (فنعجنه) قال في ((القاموس)): عَجَنَهُ يَعْجِنُهُ وَيَعْجُنُهُ، فهو
مَعْجُونٌ وَعَجِینٌ، اعتمد عليه بجمع كفه، يغمزه، کاعتجنه. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري، والنسائي.
تنبيه: قال الطبري: استشكل بعض الناس كون النبي ◌َّله وأصحابه كانوا يطوون الأيام
جوعًا، مع ما ثبت أنه كان يرفع لأهلِهِ قوتَ سنةٍ، وأنه قسم بين أربعة أنفس ألف بعير مما
أفاء الله عليه؛ وأنه ساق في عمرته مائةَ بدنةٍ، فنحرها، وأطعمها المساكين، وأنه أمر لأعرابي
بقطيع من الغنم، وغير ذلك، مع من كان معه من أصحاب الأموالِ، کأبي بكر وعمر وعثمان
وطلحة وغيرهم، مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه، وقد أمر بالصدقةِ، فجاء أبو بكر
بجميع ماله، وعمر بنصفه، وحث على تجهيز جيش العسرة، فجهزهم عثمان بألف بعير، إلى
غير ذلك.
والجواب: أَنَّ ذلك كان منهم في حالةٍ دون حالة، لا لعوز وضيق، بل تارةً للإيثار،
وتارةً لكراهة الشبع، ولكثرة الأكل. ذكره الحافظ في ((الفتح))، ثم قال: وما نفاه مطلقًا فيه
نظرٌ، لما تقدم من الأحاديث آنفًا، وقد أخرج ابنُ حبان(٣) في ((صحيحه)) عن عائشة: ((مَنْ
حَدَّثَكُمْ أَنَّا كُنَّا نَشْبَعُ مِنَ الثَّمْرِ فَقَدْ كَذَبَكُمْ، فَلَمَّا افْتُتِحَتْ قُرَيْظَةُ أَصَبْنَا شَيْئًا مِنَ النَّمْرِ وَالْوَدَكِ)»،
(١) البخاري، كتاب الأطعمة، حديث (٥٤١٣).
(٢) البخاري، كتاب الأطعمة، حديث (٥٤١٣).
(٣) ابن حبان، حديث (٦٨٤).
٧٦
كتاب الزهد عن رسول الله ◌َ﴿ / باب مَا جَاء في مَعِيشَةِ أصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َل﴾
٣٩- باب مَا جَاء في مَعِيشَةِ أصْحَابِ النَّبيِّ وَ﴾ [ت٣٩، ٣٩]
[٢٣٦٥] (٢٣٦٥) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أبي،
عَن بَيَانٍ، عَن قَيْسٍ بْنِ أبي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أبي وَقَّاصٍ يَقُولُ:
وتقدم في ((غزوة خيبر)) من رواية عكرمة عن عائشة: ((لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ قُلنَا: الآنَ نَشْبَعُ مِنَ
التَّمْرِ))، وتقدم في ((كتاب الأطعمة)) حديثُ منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية بنت شيبة،
عن عائشة: (تُوُفِي رَسُولُ الله ◌ِ ﴿ حِينَ شَبِعْنَا مِنَ التَّمْرِ))، وفي حديث ابن عمر: ((لَمَّا فُتِحَتْ
خَيْبَرُ شَبِعْنَا مِنَ الثَّمْرِ)).
والحقُّ أن الكثير منهم كانوا في حالٍ ضيقٍ قبل الهجرة، حيث كانوا بمكة، ثم لما
هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك، فواساهم الأنصار بالمنازل والمنائح، فلمَّا فُتحت
لهم النضير وما بعدها ردوا عليهم منائحهم، كما تقدم ذلك واضحًا في ((كتاب الهبة))، وقريب
من ذلك قوله ◌َّهِ: ((لَقَدْ أُخِفْتُ فِي الله وَمَا يخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَد أُوذِيت في الله وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ،
وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلاثونَ من يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَا لِي وَلِلالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ أَحَدٌ إِلَّا شيءٌ يُوارِيهِ إِبْطُ
بِلالٍ))، أخرجه الترمذي(١) وصححه، وكذا أخرجه ابن حبان بمعناه.
نعم كان ◌َ و يختار ذلك، مع إمكان حصول التوسع والتبسط في الدنيا له، كما أخرج
الترمذي(٢) من حديث أبي أمامة: ((عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فَقُلْتُ: لا
يَا رَبِّ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا، وَأَجُوعُ يَوْمًا، فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ)).
انتھی.
٣٩ - باب ما جاء في معيشة أصحاب النبي {#
[٢٣٦٥] قوله: (حدثنا عمرو بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد) الهمداني، الكوفي، نزيل
بغداد، متروك، من صغار العاشرة، (حدثنا أبي) أي: إسماعيل بن مجالد بن سعيد
الهمداني، أبو عمرو الكوفي، نزيل بغداد، صدوق، يخطئ، من الثامنة، (عن بيان) هو ابن
بشر، (عن قيس) هو ابن أبي حازم.
(١) الترمذي، كتاب صفة القيامة، حديث (٢٤٧٢).
(٢) الترمذي، كتاب الزهد، حديث (٢٣٤٧).
٧٧
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء في مَعِيشَةِ أصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ﴾
إِنِّي لأوَّلُ رَجُلٍ أهْرَاقَ دَمًا في سَبِيلِ الله، وَإِنِّي لأوَّلُ رَجُلٍ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ الله،
وَلَقَدْ رَأيْتُنِي أُغْزُو في العِصَابَةِ مِن أَصْحَابٍ مُحمَّدٍ وَ﴿ مَا نَأكُلُ إلَّا وَرَقَ الشَّجَرِ
وَالحُبْلَةِ، حَتَّى إنَّ أحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ أو البَعِيرُ، وَأَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ
يُعَزِّرُوني في الدِّينِ، لَقَدْ خِبْتُ إذَا وَضَلَّ عَمَلِي. [خ: ٣٧٢٨، م: ٢٩٦٦، جه: ١٣١،
حم: ١٥٠١، مي: ٢٤١٥].
قوله: (إني لأول رجل أهراق دمًا) أي: أراقه، قال في ((المجمع)): أبدل الهمزة من
الهاء، ثم جمع بينهما، (وإني لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله) قال الحافظ: وفي رواية
ابن سعد في ((الطبقات)) من وجهٍ آخر عن سعد: أن ذلك كان في السريةِ التي خَرَجَ فيها مع
عبيدة بن الحارِثِ في ستين راكبًا، وهي أوّل السرايا بعد الهجرة، (أغزو في العصابة) بكسر
العين: هم الجماعة من الناس، من العشرة إلى الأربعين، ولا واحد لها من لفظها، (ما نأكل
إلا ورق الشجر والحبلة) بضم المهملة والموحدة، وبسكون الموحدة أيضًا، قال في
((النهاية)): الحبلة: ثمر السمر، يشبه اللوبياء، وقيل: هو ثمر العضاه، (حتى إن أحدنا ليضع
كما تضع الشاة والبعير) أراد أن نَجْوَهُمْ يخرج بعرًا؛ ليبسه من أكلهم ورق الشجر، وعدم
الغذاء المألوف، (وأصبحت بنو أسد) أي: ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر.
قال الحافظ: وبنو أسد كانوا فيمن ارتدَّ بعد النبي و له وتبعوا طليحة بن خويلد الأَسديَّ،
لمَّا ادعى النبوة، ثم قاتلهم خالدُ بن الوليد، في عهد أبي بكر، وكسرهم، ورجع بقيتهم إلى.
الإسلام، وتاب طليحة، وحسن إسلامُه، وسكن معظمهم الكوفة بعد ذلك، ثم كانوا ممن
شكا سعد بن أبي وقاص - وهو أمير الكوفة - إلى عمر حتى عزلهُ، وقالوا في جملة ما شكوه:
إنه لا يحسن الصلاة. انتهى.
(يعزروني في الدين) وفي رواية البخاري: ((تُعَزِّرُنِي عَلَى الإِسْلام))، قال الحافظ: أي:
تؤدبني، والمعنى: تعلمني الصلاة، أو تعيرني بأني لا أحسنها، قال أبو عبيد الهروي: أي:
توقفني، والتعزير: التوقيف على الأحكام والفرائض، وقال الطبري: معناه: تقوِّمني
وتعلمني، ومنه تعزير السلطان، وهو التقويم بالتأديب، والمعنى: أن سعدًا أنكر أهلية بني
أسد؛ لتعليمه الأحكام مع سابقيته وقدم صحبته، وقال الحربي: معنى تعزرني: تلومني
وتعتبني، وقيل: توبخني على التقصير، (لقد خبت إذن) من الخيبة، أي: مع سابقتي في
الإِسلام إذا لم أحسن الصلاة وأفتقر إلى تعليمهم كنت خاسرًا، (وضل عملي) أي: فيما
٧٨
كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء في مَعِيشَةٍ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ﴾
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِن حَدِيثٍ بَيَانٍ.
[٢٣٦٦] (٢٣٦٦) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أبي خَالِدٍ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: إِنِّي أَوَّلُ
رَجُلٍ مِنَ العَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ الله، وَلَقَدْ رَأيْتُنَا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِوَّهِ وَمَا لَنَا
طَعَامٌ إلَّ الحُبْلَةَ وَهَذَا السَّمَرَ، حَتَّى إِنَّ أحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ، ثُمَّ أصْبَحَتْ
بَنُو أسَدٍ يُعَزِّرُونِي في الدِّينِ، لَقَدْ خِبْتُ إذَا وَضَلَّ عَمَلي.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
مضى من صلاتي معه ◌ٍَّ، قال ابن الجوزي: إن قيل: كيف ساغ لسعد أن يَمْدَحَ نَفْسَهُ، ومن
شأن المؤمن تركُ ذلك؛ لثبوت النهي عنه؟ فالجوابُ: أن ذلك ساغ له لمّا عَيَّرَهُ الجهالُ بأنه
لا يحسن الصلاةَ، فاضطر إلى ذكر فضله، والمدحةُ إذا خلت من البغي والاستطالةِ، وكان
مقصودُ قائلها إظهارَ الحق وشكرَ نعمة الله لم يكره؛ كما لو قال القائل: إني لحافظٌ لكتابِ الله
عالم بتفسيره، وبالفقه في الدين؛ قاصدًا إظهار الشكر، أو تعريف ما عنده ليستفاد، ولو لم
يقل ذلك لم يعلم حاله، ولهذا قال يوسف - عليه السلام -: ﴿إِنِّ حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]
وقال عليّ: سلوني عن كتاب الله، وقال ابن مسعود: لو أعلمُ أحدًا أعلم بكتاب الله مني
لأتيته، وساق في ذلك أخبارًا وآثارًا عن الصحابة والتابعين تؤيّد ذلك.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح ... إلخ) وأخرجه البخاري في ((المناقب))، وفي
((الأطعمة))، وفي ((الرقاق))، ومسلم في ((الزهد))، والنسائي في ((المناقب))، وفي ((الرقائق))،
وابن ماجه في ((الفضائل)).
اعلم: أن الترمذي قد صحح هذا الحديث، وفي سنده عمر بن إسماعيل بن مجالد، وهو
متروك، فالظاهر أن تصحيحه له؛ لمجيئه من طرق أخرى صحيحة، ويحتمل أن يكون هو
عنده صالحًا للاحتجاج. والله تعالى أعلم.
[٢٣٦٦] قوله: (وما لنا طعام إلا الحبلة وهذا السمر) بفتح المهملة وضم الميم، قال في
((النهاية)): هو ضربٌ من شجرِ الطلحِ، الواحدة سَمُرَةٌ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) تقدم تخريجه آنفًا .
٧٩
كتاب الزهد عن رسول الله ◌َ﴿ / باب مَا جَاء في مَعِيشَةِ أصْحَابِ النَّبِيِّ ◌ِ﴾
وفي البابِ عَن عُثْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ.
[٢٣٦٧] (٢٣٦٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَن أيُّوبَ، عَن مُحمَّدٍ بْنِ
سِيرِينَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أبي هُرَيْرَةَ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَشَّقَانٍ مِن كَتَّنٍ فَتَمَخَّطَ في أَحَدِهِمَا،
ثُمَّ قَالَ: بَخِ بَخِ يَتَمَخَّطُ أَبُو هُرَيْرَةَ في الكتَّانِ، لَقَدْ رَأيْتُنِي وَإِّي لأَخِرُّ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَحُجْرَةٍ عَائِشَةَ مِنَ الجُوعِ مَغْشِيًا عَلَيَّ، فَيَجِيُّ الجَائِ فَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى
عُنُقِي يَرَى أنَّ بِيَ الجُنُونَ وَمَا بي جُنُونٌ وَمَا هُوَ إلَّا الجُوعُ. [خ: ٧٣٢٤].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجه.
[٢٣٦٨] (٢٣٦٨) حَدَّثَنَا العَبَّاسُ الدُّوْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ
بْنُ شُرَيْح، أخبرني أبُو هَانيِ الخَوْلَانِيُّ أنَّ أبَا عَلِيٍّ عَمْرَو بْنِ مَالِكِ الجَنْبِيَّ، أخبره
عَن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِّهِ كَانَ إذَا صَلَّى بِالنَّاسِ يَخِرُّ رِجَالٌ مِن قَامَتِهِمْ
في الصَّلَاةِ مِنَ الخَصَاصَةِ وَهُمْ أصْحَابُ الصُّفَّةِ حَتَّى يَقُولَ الأعْرَابُ:
قوله: (وفي الباب عن عتبة بن غزوان) أخرجه مسلم، وابن ماجه(١).
[٢٣٦٧] قوله: (وعليه ثوبان ممشقان) أي: مصبوغان بالمِشْقِ، وهو بكسر الميم
المَغْرَةُ، (من كتان) بفتح الكاف، وتشديد الفوقية، قال في ((القاموس)): الكتان: معروف،
ثيابه معتدلة في الحر والبرد واليبوسة، ولا يلزق بالبدن، ويقل قمله. انتهى، (فمخط في
أحدهما) أي: انتثر فيه، (ثم قال: بخ بخ) كلمة تُقال عند الرضاء والإعجاب بالشيء، أو
الفخر والمدح، (وإني لأخرُّ) أي: لأسقط (يرى) بضم الياء، أي: يظن.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه البخاري.
[٢٣٦٨] قوله: (يخر رجال من قامتهم في الصلاة) أي: قيامهم فيها، قال في
((القاموس)): قام قومًا وقومةً، وقيامًا، وقامة: انتصب، (من الخصاصة) بالفتح، أي: الجوع
والضعف، وأصلها الفقر والحاجة، (وهم أصحاب الصفة) بضم الصاد، وتشديد الفاء، هم:
زهاد من الصحابة، فقراء، غرباء، وكانوا سبعين، ويقلون حينًا ويكثرون حينًا، يسكنون صفة
المسجد، لا مسكن لهم، ولا مال، ولا ولد، وكانوا متوكلين، ينتظرون من يتصدق عليهم
(١) مسلم، كتاب الزهد، حديث (٢٩٦٧) وابن ماجه، كتاب الزهد، حديث (٤١٥٦).
٨٠
كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في مَعِيشَةِ أصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ﴾
هَؤُلَاءِ مَجَانِينُ أوْ مَجَانُونَ، فَإِذَا صَلَّى رَسُولُ اللهِوَّهِ انْصَرَفَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ: ((لَوْ
تَعْلَمُونَ مَا لَكُمْ عِنْدَ الله لأحْبَبْتُمْ أنْ تَزْدَادُوا فَاقَةً وَحَاجَةً)). قَالَ فَضَالَةُ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ
مَعَ رَسُولِ اللهِ وَظْهِ. [حم: ٢٣٤٢٠].
قَالَ أبُو عِيْسَی: هذا حديثٌ صحيحٌ.
[٢٣٦٩] (٢٣٦٩) حَدَّثَنَا مُحمدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أبي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا
شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةً، حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَن أبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحمنِ، عَن
أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ النبيُّ ◌َّهِ فِي سَاعَةٍ لا يَخْرُجُ فِيهَا وَلا يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ، فَأَتَاهُ
أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: ((مَا جَاء بِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ))؟ فَقَالَ: خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ اللهِوَّهِ وَ أَنْظُرُ
فِي وَجْهِهِ وَالتَّسْلِيمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ جَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: ((مَا جَاء بِكَ يَا عُمَرُ)) ؟
قَالَ: الجُوعُ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ))
بشيء يأكلونه، ويلبسونه، (هؤلاء مجانين أو مجانون) الشكُّ من الراوي، والأول: جمعُ
تكسيرٍ لـ ((مجنون))، والثاني: شاذ، كقراءة: ((تتلو الشياطون))، كذا في ((المجمع)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه)).
[٢٣٦٩] قوله: (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو الإمام البخاري، (أخبرنا آدم بن
أبي إياس) عبد الرحمن العسقلانى، أصله خراساني، يُكنى أبا الحسن، نشأ ببغداد، ثقة،
عابد، من التاسعة.
قوله: (خرجت ألقى رَسُولَ اللهِ وَ﴿﴿ وأنظر في وجهه والتسليم عليه) بالنصب، على أنه
مفعولُ فعلٍ محذوف، أي: أسلم التسليم، أو أريه التسليم، (فلم يلبث أن جاء عمر فقال:
ما جاء بك يا عمر؟ قال: الجوع يا رسول الله) وفي رواية مسلم (١): ((خَرَجَ رَسُولُ اللهَِلول
ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ، فإذا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: مَا أَخْرَجَكُمَا من بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟
قَالَ: الجُوعُ يَا رَسُولَ الله))، (قال) أي: رَسُولُ الله ◌ِّهِ: (وَأَنَا قد وجدتُ بعض ذلك) أي:
الجوع، وفي رواية مسلم: ((وأنا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأَخْرَ جَنِي الَّذِي أَخْرَ جَكُمَا)). قال
النووي: فيه ما كان عليه النبي ◌َّهه وكبارُ أصحابه من التقلل في الدنيا، وما ابتلوا به من
الجوع، وضيق العيش في أوقاتٍ، قال وفيه: جوازُ ذكر الإنسان ما يناله من ألم ونحوه، لا
(١) مسلم، كتاب الأشربة، حديث (٢٠٣٨).