النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ كتاب الزهد عن رسول الله ◌َ# / باب فيمَن تَكَلَّمَ بكَلِمَةٍ يُضْحِكَ بِهَا النَّاس [٢٣١٥] (٢٣١٥) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنِي أبِي عَن جَدِّي قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: ((وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ بِالحَدِيثِ لِيُضْحِكَ بِهِ القَوْمَ فَيَكْذِبُ، وَيْلٌ لَّهُ وَيْلٌ لَهُ)). [د: ٤٩٩٠، مي: ٢٧٠٢]. قَالَ: وفي البابِ عَن أبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌّ. [٢٣١٥] قوله: (ويل) أي: هلاك عظيم، أو واد عميق، (ليضحك) بضم أوله، وكسر الحاء، من الإضحاك، (به) أي: بسبب تحديثه، أو الكذب، (القوم) بالنصب؛ على أنه مفعول ثان، ويجوز فتح الياء والحاء، ورفع القوم، ثم المفهوم منه: أنه إذا حدث بحديث صدق ليضحك القوم، فلا بأس به، كما صدر مثل ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه مع النبي * حين غضب على بعض أمهات المؤمنين، قال الغزالي: وحينئذٍ يَنْبَغِي أنْ يَكونَ من قبيل مزاح رسول الله وَ ﴿، فلا يكون إلَّا حقًّا، ولا يؤذي قلبًا، ولا يفرط فيه، فإن كنت أيّها السامع تقتصر عليه أحيانًا، وعلى الندور، فلا حرج عليك، ولكن من الغلط العظيم أن يتخذ الإنسان المزاح حرفةً، ويواظب عليه، ويفرط فيه، ثم يتمسك بفعل رسول الله وَّر، فهو كمن يدور مع الزنوج أبدًا لينظر إلى رقصهم، ويتمسك بأن رسول الله وَ ي أذن لعائشة ﴿يتا في النظر إليهم وهم يلعبون، (ويل له ويل له) كرَّره إيذانًا بشدة هلكته، وذلك لأن الكذبَ وحده رأس کلِّ مذموم، وجماع كلّ شر. قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه البخاري ومسلم (١)، والنسائي عنه، أنَّه سمع النبي وَ﴿ يقول: ((إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ))، ولأبي هريرة حديثٌ آخر عند البيهقي(٢)، ذكره صاحبُ ((المشكاة)) في باب حفظ اللسان. قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والحاكم، والدارمي. (١) البخاري، كتاب الرقاق، حديث (٦٤٧٧) ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، حديث (٢٩٨٨). (٢) البيهقي في ((الكبرى))، حديث (١٦٤٤١، ١٦٤٤٢). ٢٢ كتاب الزهد عن رسول الله (# / باب ١١- باب [ت١١، م١١] [٢٣١٦] (٢٣١٦) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عبدِ الجَبَّارِ البَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أبِي عَن الأعْمَشِ عَن أَنَسٍ قَالَ: تُوُفِّي رَجُلٌ مِن أصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَعْنِي رَجُلٌ: أَبْشِرْ بالجَنَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أوَ لا تَدْرِي فَلَعَلَّهُ تَكَلَّمَ فِيمَا لا يعْنِيهِ، أوْ بَخِلَ بِمَا لا يَنْقُصُهُ)). [ضعيف منقطع بين الأعمش وأنس فلا يثبت للأعمش سماعٌ عن أنس]. قَالَ: هذا حديثٌ غريبٌ. ١١ - باب [٢٣١٦] قوله: (حَدَّثَنَا سليمان بن عبد الجبار البغدادي) الخياط أبو أيوب، صدوق، من الحادية عشرة، (أخبرنا عمر بن حفص بن غياث) - بكسر المعجمة، وآخره مثلثة - ابن طلق الكوفي، ثقة، ربما وهم، من العاشرة. قوله: (توفي رجل من أصحابه) أي: من أصحاب النبي ◌َّر وفي ((المشكاة))، من الصحابة، (فقال: يعني رجلًا) وفي بعض النسخ: رجل. أي: قال رجلٌ للرجل المتوفى، (أبشر بالجنة) من باب الإفعال، أي: افرح بها، قال الله تعالى: ﴿وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] ويجوز أن يكون من باب علم، أو ضرب، قال في ((القاموس)): أَبْشَرَ فَرِحَ، ومنه: أبشر بخيرٍ، وَبَشَرْت به، كعلم وضرب سررت، (أو لا تدريَ) بفتح الواو، على أنها عاطفة على محذوفٍ، أي: تبشر ولا تدري، أو: تقول هذا ولا تدري ما تقول؟ أو على أنها للحال، أي: والحالُ أنك لا تدري، (فلعله تكلم فيما لا يعنيه) أي: ما لا يحتاج إليه في ضرورة دينه ودنياه، (أو بخل بما لا ينقصه) الضمير المنصوبُ. للرجل، والمرفوع لما . قوله: (هذا حديث غريب) قال في ((المرقاة)): ورجاله رجالُ الصحيحين، إلَّا سليمان بن عبد الجبار البغدادي، شيخ الترمذي، وقد ذكره ابن حبان في ((الثقات))، كذا في ((التصحيح)). انتهى. وقال المنذري في ((الترغيب))، بعد ذكر هذا الحديث، ونقل كلام الترمذي هذا ما لفظه -: رواته ثقات، وروى ابن أبي الدنيا، وأبو يعلى (١) عن أنس أيضًا، قال: اسْتُشْهِدَ رَجُلٌ مِنَّا يَوْمَ (١) أبو يعلى، حديث (٤٠٧١) وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان))، حديث (١٠٩) وقال الهيثمي (٣٠٣/١٠): وفیه یحیی بن یعلى الأسلمي، وهو ضعيف. ٢٣ كتاب الزهد عن رسول الله (### / باب [٢٣١٧] (٢٣١٧) حَدَّثَنَا أحمَدُ بْنُ نَصْر النَّيْسَابُورِيُّ وَغَيرُ وَاحِدٍ قالوا: حَدَّثَنَا أبو مُسْهِرٍ عَن إسماعِيلَ بْنِ عبدِ الله بْنِ سَمَاعَةَ، عَن الأوْزَاعِيِّ، عَن قُرَّةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَن أبي سَلَمَةَ عَن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مِن حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ، تَرْكُهُ ما لا يعْنِيهِ)). [جه: ٣٩٧٦]. أُحُدٍ، فَوُجِدَ عَلَى بَظْنِهِ صَخْرَةٌ مَرْبُوطَةٌ مِنَ الْجُوعِ، فَمَسَحَتْ أُمُّهُ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَالَتْ: هَنِيْئًا لَكَ يَا بُنَيَّ الْجَنَّةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((مَا يُدْرِيَكِ لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، وَيَمنعُ مَا لا يَضُرُّهُ) وروى أبو يعلى أيضًا، والبيهقيّ (١) عن أبي هريرة، قال: قُتِلَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﴿﴿ِ شَهِيدًا، فَبَكَتْ عَلَيْهِ بَاكِيَةٌ، فَقَالَتْ: وَاشَهِيدَاه، قال: فقال النبيُّ وَ لِ: ((مَا يُدْرِيكِ أَنَّهُ شَهِيدٌ؟ لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، أَوْ يَبْخَلُ فِيمَا لا يَنْقُصُهُ)). انتهى. قلت: رجال حدیث الباب ثقات، كما قال المنذري، لكن الأعمش ليس له سماع من أنس، قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب))، في ترجمة الأعمش -: روى عن أنس، ولم يثبت له منه سماع. انتھی. [٢٣١٧] قوله: (أحمد بن نصر النيسابوري) الزاهد المقري، أبو عبد الله بن أبي جعفر، ثقة، فقيه، حافظ، من الحادية عشرة، (حدثنا أبو مسهر) اسمه: عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي، ثقة، فاضل، من كبار العاشرة، (عن إسماعيل بن عبد الله بن سماعة) العدوي، مولى آل عمر الرملي، وقد ينسب إلى جده، ثقة، قديم الموت، من الثامنة، (عن قرة) هو ابن عبد الرحمن بن حیوئيل - وزن جبرئيل - المعافري البصري، يُقال: اسمه یحیی، صدوق، له مناكير، من السابعة. قوله: (من حسن إسلام المرء) أي: من جملة محاسن إسلام الإنسان، وكمال إيمانه، (تركه ما لا يعنيه). قال ابنُ رجب الحنبلي، في كتاب ((جامع العلوم والحكم))، في شرح هذا الحديث، ما لفظه، معنى هذا الحديث أنَّ من حُسْن إسلامِه، تركه ما لا يعنيه من قولٍ وفعل، واقتصارُه على ما يعنيه من الأقوال والأفعال، ومعنى ((يعنيه)): أنه يتعلق عنايته به، ويكون من مقصده ومطلوبه، والعنايةُ: شدةُ الاهتمام بالشيء، يُقال: عناه يعنيه: إذا اهتم به وطلبه، وإذا حسن الإسلام اقتضى ترك ما لا يعني كله من المحرمات، والمشتبهات، والمكروهات، (١) أبو يعلى، حديث (٦٦٤٦) والبيهقي في ((شعب الإيمان))، حديث (٥٠١٠). ٢٤ کتاب الزهد عن رسول الله يتا / باب قَالَ: هذا حديثٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُه من حديثٍ أبي سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِّ وَِّ إلَّا من هذا الوَجْهِ. وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها، فإن هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامه. انتهى مختصرًا . قال القاري - في معنى تركه ما لا يعنيه -: أي: ما لا يهمه، ولا يليق به قولًا وفعلًا، ونظرًا وفكرًا، وقال: وحقيقة ما لا يعنيه، ما لا يحتاج إليه من ضرورة دينه ودنياه، ولا ينفعه في مرضاة مولاه، بأن يكون عيشه بدونه ممكنًا، وهو في استقامة حاله بغيره متمكنًا، وذلك يشمل الأفعال الزائدة، والأقوال الفاضلة. قال الغزالي: وحدُّ ما لا يعنيك: أن تتكلم بكل ما لو سكتَّ عنه، لم تَأثم، ولم تتضرر في حال ولا مال، ومِثَالُهُ: أن تجلس مع قوم، فتحكي معهم أسفارك، وما رأيت فيها من جبال وأنهار، وما وقع لك من الوقائع، وما استحسنته من الأطعمة والثياب، وما تعجبتَ منه من مشايخ البلاد ووقائعهم، فهذه أمورٌ، لو سَكتَّ عنها لم تأثم، ولم تتضرر، وإذا بالغت في الاجتهاد، حتى لم يمتزج بحكايتك زيادة ولا نقصان، ولا تزكية نفس، من حيث التفاخر بمشاهدة الأحوال العظيمة، ولا اغتياب لشخص، ولا مذمة لشيء مما خلقه الله تعالى، فأنت مع ذلك كله مضيّع زمانك، ومحاسب على عمل لسانك، إذ تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ لأنك لو صرفت زمانَ الكلام في الذكر والفكر، ربما ينفتح لك من نفحات رحمة الله تعالى ما يعظم جدواه، ولو سَبَّحتَ الله؟ بنى لك بها قصرًا في الجنة، وهذا على فرض السلامة من الوقوع في كلام المعصية، وأنَّى تسلم من الآفات التي ذكرناها؟! انتهى. قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه ابن ماجه، والبيهقي في ((شعب الإيمان))(١). وقال ابن رجب: هذا الحديثُ أخرجهُ الترمذيُّ، وابن ماجه، من رواية الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وقال الترمذي: غريب، وقد حسنه الشيخ المصنفُ - يعني: الإمامَ النووي -؛ لأن رجال إسناده ثقات، وقرة بن عبد الرحمن بن حيويل وَثقهُ قومٌ وضعفه آخرون. وقال ابن عبد البر: هذا الحديث محفوظٌ عن الزهريِّ بهذا الإسناد، من رواية الثقات، وهذا موافق لتحسين الشيخ له، وأما أكثر الأئمة، فقالوا: ليس هو بمحفوظ بهذا الإسناد؛ (١) البيهقي في ((شعب الإيمان))، حديث (٤٩٨٧). ٢٥ كتاب الزهد عن رسول الله وَلي / باب في قِلَّةِ الكلام [٢٣١٨] (٢٣١٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ مِن حُسْنِ إِسْلَام المَرْءِ تَرْكَهُ مَا لا يَعْنِيهِ). [طا: ١٦٧٢]. قَالَ أبُو عِيْسَى: وهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِن أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن عَلِيٍّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَن النّبِيِّ بَّهِ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ مُرْسَلًا، وَهَذَا عِنْدَنَا أُصَحُّ مِنْ حَدِيثٍ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيَّ بْنَ أبِي طَالِبٍ. ١٢ - باب في قِلَّةِ الكلام (ت١٢، م١٢] [٢٣١٩] (٢٣١٩) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَن مُحمَّدٍ بْنِ عَمْرٍو، إنما هو محفوظ عن الزهري، عن علي بن حسين، عن النبي ◌َّهه مرسلًا، كذلك رواه الثقاتُ عن الزهريِّ، منهم: مالك(١) في ((الموطأ))، ويونس، ومعمر، وإبراهيم بن سعد، إلَّا أنه قال: ((من إِيمَانِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ). وممن قال: إنَّه لا يصحّ إلا عن علي بن حسين مرسلًا، الإمامُ أحمد، ويحيى بن معين، والبخاري والدار قطني. وقد خلط الضعف في إسناده على الزهري، تخليطًا فاحشًا، والصحيح فيه المرسل، ورواه عبد الله بن عمر العمري، عن علي بن حسين عن أبيه عن النبي ◌َّ فوصله، وجعله من مسند الحسين بن علي. وأخرجه الإمامُ أحمد في ((مسنده)) من هذا الوجه، والعمري ليس بالحافظ، وأخرجه أيضًا من وجه آخر عن الحسين عن النبي وَّة، وضعفه البخاري في تاريخه من هذا الوجه أيضًا، وقال: لا يصح إلَّا عن علي بن حسين مرسلًا، وقد روي عن النبي 984َ من وجوه أُخر، وكلُّها ضعيفة. [٢٣١٨] قوله: (عن علي بن الحسين) بن علي بن أبي طالب، زين العابدين، ثقة، ثبت، عابد، فقيه، فاضل، مشهور، قال ابن عيينة عن الزهري: ما رأيتُ قرشيًا أفضل منه، من الثالثة. ١٢ - باب ما جاء في قلَّة الكلام [٢٣١٩] قوله: (حدثنا عبدة) هو ابن سليمان، (١) مالك، حديث (١٦٧٢). ٢٦ كتاب الزهد عن رسول الله وَليه / باب في قِلَّةِ الكلام وحَدَّثَنِي أبِي عَنِ جَدِّي قَالَ: سَمِعْتُ بِلَالَ بْنَ الحَارِثِ المُزَنِيَّ، صَاحِبَ رَسُولِ الله ونَ ﴿ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إنَّ أحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِن رِضْوَانِ الله ما يَظُنّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، فَيَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ أحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ الله مَا يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، فَيَكْتُبُ اللهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَاهُ)). [جه: ٣٩٦٩، حم: ١٥٤٢٥، طـ قَالَ: وفي الباب عَن أُمِّ حَبِيبَةَ، قَالَ: (حدثني أبي) هو عمرو بن علقمة بن وقّاص الليثي المدني، مقبول، من السادسة، (عن جدي) هو علقمة بن وقاص، بتشديد القاف، الليثي المدني، ثقة، ثبت، من الثانية، أخطأ مَنْ زعم أن له صحبة، وقيل: إنه ولد في عهد النبي ◌َِّ، وماتَ في خلافة عبد الملك. قوله: (لَيَتَكَلَّمُ بالكلمة من رضوان الله) بكسر الراء، أي: مما يرضيه ويحبه، (ما يظن أن تبلغ) أي: لا يعلم أن تبلغ تلك الكلمة، (ما بلغت) من رضا الله بها عنه، والجملةُ حالٌ، وفي ((المشكاة)): ((إن الرجلَ ليتكلم بالكلمة من الخير، ما يعلم مبلغها))، قال القاري، أي: قدر تلك الكلمة، ومرتبتها، (فيكتب الله له) أي: لأحدكم، المتكلم بالكلمة المذكورة، (بها)) أي: بتلك الكلمة، ((رضوانه)) أي: رضاه، ((إلى يوم يلقاه)). وفي ((الجامع الصغير)): إلى يوم القيامة، ((فيكتب الله عليه بها سخطهُ)) أي: غضبه، قال ابن عيينة: هي الكلمة عند السلطان، فالأولى ليردَّه بها عن ظلم، والثانية ليجره بها إلى ظلم، وقال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا في تفسيرها بذلك، نقله السيوطيُّ، قال الطيبي: فإن قلت: ما معنى قوله: ((يكتب الله له بها رضوانه))، وما فائدة التوقيت إلى يوم يلقاه؟ قلت: معنى كتبه رضوان الله، توفيقه لما يرضي الله تعالى من الطاعات، والمسارعة إلى الخيرات، فيعيش في الدنيا حميدًا، وفي البرِزخ يُصَان من عذاب القبر، ويُفْسَحُ له قبره، ويقال له: نَمْ كنومة العروس، الذي لا يوقظه إِلَّا أحب أهله إليه، ويُحشر يوم القيامة سعيدًا، ويظله الله تعالى في ظلّه، ثم يلقى بعد ذلك من الكرامة والنعيم المقيم، ثم يفوز بلقاءِ الله، ما كل ذلك دونه، وفي عكسه قوله: ((يكتب الله عليه بها سخطه))، ونظيره قوله تعالى لإبليس: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَغْنَتِىّ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨]. كذا في ((المرقاة)). قوله: (وفي الباب عن أم حبيبة) أخرجه الترمذي(١) في ((باب حفظ اللسان)). (١) الترمذي، كتاب الزهد، حديث (٢٤١٢). ٢٧ كتاب الزهد عن رسول الله وَ اه / باب مَا جَاء في هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى الله عز وجل هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وهَكَذَا رواه غَيْرُ واحِدٍ عَن مُحمدٍ بْنِ عَمْرٍو نَحْوَ هَذَا، قَالُوا: عَن مُحمدِ بْنِ عَمْرٍو عَن أبِيهِ عَن جَدِّهِ عَن بِلالِ بْنِ الحَارِثِ، ورَوَی هذا الحديث مَالِكٌ عَن مُحمدِ بْنِ عَمْرٍو عَن أبِيهِ عَنِ بِلالِ بْنِ الحَارِثِ، ولَمْ يَذْكُرْ فیه عَن جَدِّهِ. ١٣- باب مَا جَاء في هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى الله عز وجل [ت١٣، ١٣] [٢٣٢٠] (٢٣٢٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَن أبي حَازِمِ عَن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (لَوْ كَانَت الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ الله جَنَاحٌ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ)). [جه: ٤١١٠]. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مالك، وأحمد، والنسائي، وابن ماجه، والبغوي في ((شرح السنة))، وابن حبان في (صحيحه))، والحاكم(١)، وقال: صحيحُ الإسناد، قال في ((تهذيب التهذيب)) - في ترجمة عمرو بن علقمة -: روى عن أبيه، عن بلال بن الحارث حديثَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلّمُ بِالْكَلِمَةِ ... )) الحديث، وعنه ابنه محمد. ذكره ابن حبان في ((الثقات))، أخرجوا له الحديث المذكور، صححه الترمذي. قلت: وكذا صححه ابن حبان، وصحح له ابن خزيمة حديثًا آخر من روايته عن أبيه أيضًا. انتهى. ١٣ - باب ما جَاءَ في هوان الدنيا على الله [٢٣٢٠] قوله: (حدثنا عبد الحميد بن سليمان) الخزاعي، الضرير، أبو عمر المدني، نزيل بغداد، ضعيف، من الثامنة، وهو أخو فليح. قوله: (تعدل) بفتح التاء، وكسر الدال، أي: تَزِنُ، وتساوي، (عند الله جناح بعوضة) هو مَثلٌ للقلة والحقارة، والمعنى: أنه لو كان لها أدنى قدر، (ما سقى كافرًا منها) أي: من مياه الدنيا، (شربة ماء) أي: يُمَتِّع الكافرَ منها أدنى تمتع، فإنَّ الكافر عدوُّ الله، والعدوُّ لا يعطى شيئًا مما له قدر عند المعطي، فمن حقارتها عنده لا یعطیھا لأوليائه، کما أشار إليه حديث: (إنَّ الله يَحْمِي عَبْدَهُ المُؤمِنَ عَنِ الدُّنْيَا كَمَا يَحْمِي أَحَدُكُمُ المَرِيضَ عَنِ المَاءِ»(٢). (١) ابن حبان، حديث (٢٨٠) والحاكم، حديث (١٣٦)، وقال: هذا حديث صحيح. وأقره الذهبي. (٢) البيهقي في ((الشعب))، حديث (١٠٤٤٩، ١٠٤٥٠، ١٠٤٥١). ٢٨ كتاب الزهد عن رسول الله﴿ / باب مَا جَاء في هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى الله عز وجل وفي الباب عَن أبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِن هَذَا الوَجْهِ. [٢٣٢١] (٢٣٢١) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ، عَن مُجَالِدٍ، عَن قَيْسٍ بْنِ أبِي حَازِمِ، عَن المُسْتَورِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ الرَّكْبِ الذِينَ وَقَفُوا مَعَ رَسُولِ اللهِوَّ﴿ عَلَى السَّخْلَةِ المَيِّتَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَلِهِ: ((أَتَرَوْنَ هَذِهِ هَانَتْ عَلَى أهْلِهَا حِينَ ألْقَوْهَا؟)) قَالُوا: مِن هَوَانِهَا الْقَوْهَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((فالدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى الله مِن هَذِهِ عَلَى أهْلِهَا)). [جه: ٤١١١، حم: ١٧٥٤٨]. وفي البابِ عَن جَابِرٍ وَابنِ عُمَرَ. قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه الترمذي(١) في هذا الباب. قوله: (هذا حديث صحيح غريب) وأخرجه ابن ماجه، والضياء المقدسي، وقال المناوي - بعد نقل قولِ الترمذي هذا -: ونُوزِعَ، يعني: ونُوزِعَ الترمذيُّ في تصحيح الحديث، ووجه المنازعة أن في سند هذا الحديث عبدُ الحميد بن سليمان، وهو ضعيف. [٢٣٢١] قوله: (عن مجالد) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتخفيف الجيم: ابن سعيد بن عمير الهمداني، أبي عمرو الكوفي، ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره، من صغار السادسة. قوله: (على السخلة) بفتح السين، وسكون خاء معجمة: ولد معز، أو ضأن، (أترون هذه هانت على أهلها) قال في ((القاموس)): هان هُونّا - بالضم - وهوانًا ومهانة ذَلَّ. انتهى. (قالوا: من هوانها) أي: من أجل هوانها، (الدنيا أهون) أي: أذل وأحقر، (على الله) أي: عنده تعالى (من هذه) أي: من هوان هذه السخلة. قوله: (وفي الباب عن جابر وابن عمر) أما حديث جابر، فأخرجه مسلم(٢) في أوائل ((الزهد))، وأما حديثُ ابن عمر، فأخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٣)، ورواته ثقات. كذا في ((الترغيب)). ٢٩ كتاب الزهد عن رسول الله ◌َل ـ / باب منه قَالَ أَبُو عِيْسَى: حَدِيثُ المُسْتَورِدِ حدِيثٌ حَسَنٌّ. ١٤ - باب منه [ت١٤، م١٤] [٢٣٢٢] (٢٣٢٢) حَدَّثَنَا مُحمدُ بْنُ حَاتِمِ المُؤَدّبُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاء بْنَ قُرَّةٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ ضَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَيهِ يَقُولُ: ((ألا إنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إلَّا ذِكْرُ الله وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ أو مُتَعَلِّمٌ)). [جه: ٤١١٢]. قوله: (حديث المستورد حديث حسنٌ) وأخرجه أحمد في ((مسنده)). ١٤ - باب منه [٢٣٢٢] قوله: (حدثنا محمد بن حاتم المؤدب) الزِّمِّي، بكسر الزاي، وتشدید المیم، الخراساني، نزيل العسكر، ثقة، من العاشرة، (حدثنا علي بن ثابت) الجزري، أبو أحمد الهاشمي، مولاهم، صدوق ربما أخطأ، وقد ضعفه الأزدي بلا حجة، من التاسعة، (حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان) العنسي، بالنون، الدمشقي، الزاهد، صدوق يخطئ، ورمي بالقدر، وتغير بآخره، من السابعة، (قال: سمعت عطاء بن قرة) السلولي بفتح المهملة وضم اللام الخفيفة صدوق من السادسة (قال: سمعت عبد الله بن ضمرة) السلولي، وثقه العجلي، من الثالثة. قوله: (إن الدنيا ملعونة) أي: مبغوضة من الله؛ لكونها مبعدة عن الله، (ملعون ما فيها) أي: مما يشغل عن الله، (إلا ذكر الله) بالرفع (وما والاه) أي: أحبه الله من أعمالِ البرّ، وأفعال القرب، أو معناه: ما والى ذكر الله، أي: قاربه من ذكر خير، أو تابعه من اتباع أمره ونهيه؛ لأن ذكره يوجب ذلك، قال المظهر: أي: ما يحبه الله في الدنيا، والموالاةُ: المحبة بين اثنين، وقد تكون من واحد، وهو المراد هنا، يعني: ملعون ما في الدنيا إلَّا ذكر الله، وما أحبه الله ممَّا يجري في الدنيا، وما سواه ملعون، وقال الأشرف: هو من الموالاة، وهي المتابعة، ويجوز أن يراد بما يوالي ذكر الله تعالى: طاعته، واتباع أمره، واجتناب نهيه، (وعالم أو متعلم) قال القاريّ في ((المرقاة)): ((أو)) بمعنى الواو، أو للتنويع، فيكون الواوان بمعنى ((أو))، وقال الأشرف: قوله: ((وعالم أو متعلم)) في أكثر النسخ مرفوع، واللغة العربية تقتضي أن يكون عطفًا على ذكر الله، فإنه منصوب، مستثنى من الموجب. ٣٠ كتاب الزهد عن رسول الله * / باب منه قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ١٥- باب منه [ت١٥، م١٥] [٢٣٢٣] (٢٣٢٣) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إسماعيلُ بْنُ أبِي خَالِدٍ حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ أبي حَازِم، قَالَ: سَمِعْتُ مُسْتَوْرِدًا أَخَا بَنِي فِهْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أحَدُكُمْ إِصْبَعَه قال الطيبي - رحمه الله -: هو في جامع الترمذي هكذا: ((وما والاه، وعالم أو متعلم)) بالرفع، وكذا في ((جامع الأصول))، إلَّا أن بَدَلَ ((أو)) فيه ((الواو))، وفي ((سنن ابن ماجه)): ((أو عالمًا أو متعلمًا)) بالنصب، مع أو مكررًا، والنصب في القرائن الثلاث هو الظاهر، والرفع فيها على التأويل، كأنه قيل: الدنيا مذمومة، لا يُحْمد ما فيها إلا ذكر الله، وعالم أو متعلم. انتهى ما في ((المرقاة)). قال المناوي: قولُه: ((ملعونة)) أي: متروكة، مبعدة، متروك ما فيها، أو متروكة الأنبياء والأصفياء، كما في خبر: ((لَهُم الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ)». وقال: ((الدنيا ملعونةٌ))؛ لأنها غرت النفوس زهرتها ولذتها، فأمالتها عن العبودية إلى الهوى، وقال بعد ذكر قوله: ((وَعالمًا أو متعلمًا)): أي: هي وما فيها مبعد عن الله إلَّ العلم النافع، الدال على الله، فهو المقصود منها، فاللعن وَقَعَ على ما غر من الدنيا، لا على نعيمها ولذتها؛ فإن ذلك تناوله الرسل والأنبياء. انتهى. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه ابن ماجه، والبيهقي (١). ١٥ - باب منه [٢٣٢٣] قوله: (قال: سمعت مستوردًا) هو ابن شداد، القرشي، الفهري، (أخا بني فهر) أي: كان مستورد من بني فهر، (ما الدنيا) ما نافية، أي: ما مثل الدنيا من نعيمها وزمانها، (في الآخرة). أي في جنبها، ومقابلة نعيمها، وأيامها، (إلا مثل) بكسر الميم، ورفع اللام، (ما يجعل أحدكم) ((ما)) مصدرية، أي: مثل جعل أحدكم، (أصبعه) الظاهر أن المراد بها أصغرُ الأصابع. قاله القاري. (١) البيهقي في ((شعب الإيمان))، حديث (١٧٠٨). ٣١ كتاب الزهد عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاء أنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ المؤمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَاذَا يَرْجِعُ)). [م: ٢٨٥٨، جه: ٤١٠٨، حم: ١٧٥٤٧]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وإسماعيل بْنُ أبي خالد يكنى أبا عبد الله، ووالد قيسٍ أبو حازم اسمه: عبد بْنُ عوف، وهو من الصحابة. ١٦- باب مَا جَاء أنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ المؤمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ [ت١٦، م١٦] [٢٣٢٤] (٢٣٢٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحمَّدٍ، عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَن أبِيهِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((الدُّنْيَا سِجْنُ المؤمِنِ وَجَنَّةُ الكَافِرِ)). [م: ٢٩٥٦، جه: ٤١١٣، حم: ٨٠٩٠]. وفي البابٍ عَن عبدِ الله بْنِ عَمْرٍو. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قلت: وقع في رواية مسلم: ((أصبعه هذه في اليم))، وأشار يحيى بن يحيى بالسبابة، (في اليم) أي: مغموسًا في البحر، المفسر بالماء الكثير، (فلينظر بماذا يرجع) أي: بأيّ شيءٍ ترجع أصبغُ أحدكم من ذلك الماء. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم. ١٦ - باب ما جاء أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر [٢٣٢٤] قوله: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) قال النووي - رحمه الله -: معناه: أن كل مؤمن مسجونٌ ممنوع في الدنيا من الشهوات المحرمة والمكروهة، مكلَّفٌ بفعل الطاعات الشاقَّة، فإذا مات استراح من هذا، وانقلب إلى ما أعد الله تعالى له من النعيم الدائم، والراحة الخالصة من النقصان، وأما الكافر، فإنما له من ذلك ما حصل في الدنيا، مع قلته وتكديره بالمنغصات، فإذا مات صار إلى العذاب الدائم وشقاء الأبد. انتهى. وقال المناوي: لأنه ممنوع من شهواتها المحرمة، فكأنه في سجن، والكافر عكسه، فكأنه في جنة. انتهى. وقيل: كالسجن للمؤمن في جَنْبٍ ما أعد له في الآخرة من الثواب والنعيم المقيم، وكالجنة للكافرِ في جنبٍ ما أعد له في الآخرة من العقوبة والعذاب الأليم. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم، وأحمد، وابن ماجه. قوله: (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو) أخرجه أحمد، والطبراني، وأبو نعيم في ٣١ كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ أرْبَعَةِ نَفَر ١٧ - باب مَا جَاء مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ أرْبَعَةٍ نَفَر [ت١٧، ١٧٢] [٢٣٢٥] (٢٣٢٥) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أبُو نعيم، حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ خَبَّابِ عَن سَعِيدِ الطَّائِيّ أبِي البَختَرِيِّ أنَّه قَالَ: حَدَّثَنِي أبو كَبْشَةَ الأنْمَارِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((ثَلَاثَةُ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فاحْفَظُوهُ، قَالَ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِن صَدَقَةٍ، وَلا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إلَّا زَادَهُ اللهُ عِزَّا، وَلا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إلَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ - أوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا -، ((الحلية))، والحاكم(١) بإسناد صحيح عنه مرفوعًا: ((الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ، وَسِنَتُهُ، فَإِذَا فَارَقَ الدُّنْيَا، فَارَقَ السِّجْنَ وَالسَّنَة))(٢). ١٧ - باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر [٢٣٢٥] قوله: (أخبرنا عبادة بن مسلم) الفزاري، أبو يحيى البصري، ثقة، اضطرب فيه قولُ ابن حبان، من السادسة، (أخبرنا يونس بن خباب) بمعجمة، وموحدتين، الأولى منهما مشددة، الأسدي، مولاهم الكوفي، صدوق، يخطئ، ورمي بالرفض، من السادسة، (عن سعيد الطائي أبي البختري) بفتح الموحدة والمثناة، بينهما معجمة، ابن فيروز بن أبي عمران، الطائي مولاهم، الكوفي، ثقة، ثبت، فيه تشيع قليل، كثير الإرسال، من الثالثة. قوله: (يقول ثلاث) أي: من الخصال، (أقسم عليهن) أي: أحلف عليهن، (وأحدثكم) عطف على قوله: ((ثلاث)) بحسب المعنى، فكأنه قال: أخبركم بثلاثٍ، أؤكدهن بالقسم عليهن، (وأحدثكم حديثًا) أي: تحديثًا عظيمًا، أو بحديث آخر، (فاحفظوه) أي: الأخير، أو المجموع، (ما نقص مال عبد من صدقة) تَصَدَّقَ بها منه، بل يبارك له فيه بما يجبر نقصه الحسي، (ولا ظلم عبد) بصيغة المجهول، (مظلمة) بفتح الميم، وكسر اللام، مصدر، (صبر) أي: العبد (عليها) أي: على تلك المظلمة، ولو كان متضمنًا لنوع من المذلة، (إلا زاده الله عزّا) في الدنيا والآخرة، (ولا فتح) أي: على نفسه، (باب مسألة) أي: سؤال للناس، (إلا فتح الله عليه باب فقر) أي: باب احتياج آخر، وهلم جَرًّا، أو بأن سلب عنه ما (١) أحمد، حديث (٦٨١٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٨٥/٨) والحاكم (٧٨٨٢) وقال الهيثمي (٢٨٩/١٠): رواه أحمد والطبراني باختصار، ورجال أحمد رجال الصحيح غير عبد الله بن جنادة، وهو ثقة. (٢) السَّنَّةُ: المراد بها هنا: الجدب والقحط، كما في ((النهاية))، و((القاموس)). ٣٣ كتاب الزهد عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاء مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ أرْبَعَةٍ نَفَر وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فاحْفَظُوهُ، قَالَ: إِنَّمَا الدُّنْيَا لأرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيْهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيْهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ اللهِ فِيهِ حَقًّا؛ فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَّهُ اللهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النَّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِيَ مَالًا لَعمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلٍ فُلَانٍ فَهُوَ نِيَّتُهُ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالَّا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فهو يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلا يَعْلَمُ للهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذا بِأُخْبَثٍ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللهُ مَالًا وَلا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أنَّ لِيَ مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلٍ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ)). عنده من النعمة، فيقع في نهاية من النقمة، كما هو مشاهد، (وأحدثكم حديثًا فاحفظوه) عنِّي لعل الله تعالى أن ينفعكم به (إنما الدنيا لأربعة نفر) أي: إنَّما حال أهلها حال أربعة: الأول: (عبد)؛ بالرفع؛ على أنه خبر مبتدأ محذوف، وبالجرّ؛ على أنه بدلٌ مما قبله، (رزقه الله مالًا) من جهة حل، (وعلمًا) أي: شرعيًا نافعًا، (فهو يتقي ربه فيه) أي: في الإنفاق من المال والعلم، (ويصل به) أي: بكل منهما (رَحِمَهُ) أي: بالصلة من المال، وبالإسعاف بجاه العلم، (ويعلم الله فيه حقًّا) من وقف، وإقراء، وإفتاء، وتدريس، (فهذا) أي: العبد الموصوف بما ذكر، (بأفضل المنازل) أي: بأفضل الدرجات عند الله تعالى، (وعبد رزقه الله علمًا) أي: شرعيًا نافعًا، (ولم يرزقه مالًا) ينفق منه في وجوه القرب، (يقول) فيما بينه وبين الله، (بعمل فلان) أي: الذي له مال يُنفق منه في البر، (فهو بنيته) أي: يؤجر على حسبها، (فأجرهما سواء) أي: فأجر من عقد عزمَهُ على أنه لو كان له مالٌ أنفق منه في الخير، وأجر من له مال يُنفق منه سواء، ويكون أجر العلم زيادة له، (يخبط في ماله) بكسر الباء، جملة حالية، أو استئناف بيان، أي: يصرفه في شهوات نفسه، (بغير علم) بل: بمقتضى نفسه، قال القاري: أي: بغير استعمال علم، بأن يمسك تارة حرصًا، وحبًا للدنيا، وينفق أخرى للسمعة، والرياء، والفخر، والخيلاء، (لا يتقي فيه ربه) أي: لعدم علمه في أخذه وصرفه، (ولا يصل فيه رحمه) أي: لقلة رحمته، وعدم حلمه، وكثرة حرصه وبخله، (ولا يعلم الله فيه حقًّا) وفي ((المشكاة)): ((ولا يعمل فيه بحقِّ))، قال القاري - رحمه الله -: أي: بنوع من الحقوق المتعلقة بالله وبعباده، (فهذا بأخبث المنازل) عند الله تعالى: أي: أخسها وأحقرها، (لعملت فيه بعمل فلان) أي: من أهل الشرِّ (فهو بنيته) أي: فهو مجزيّ بنيته . ٣٤ كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء فِي الهَمِّ في الدُّنْيَا وَحُبِّها قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ١٨ - باب مَا جَاء في الهَمِّ في الدُّنْيَا وَحُبِّها [ت١٨، ١٨٢] [٢٣٢٦] (٢٣٢٦) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَن بَشِيرٍ أبي إسْمَاعِيلَ عَن سَيَّارٍ عَن طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((مَن نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، وابن ماجه. ١٨ - باب ما جاء في هم الدنيا وحبها [٢٣٢٦] قوله: (عن بشير بن أبي إسماعيل) هو ابن سلمان الكندي، الكوفي، والد الحكم، ثقة، يغرب، من السادسة، (عن سيار) هو أبو حمزة، قال في ((التقريب)): سيار أبو حمزة الكوفي، مقبول، من الخامسة، ووقع في الإسناد: عن سيار أبي الحكم، عن طارق، والصواب: عن سيار أبي حمزة، وقال في ((تهذيب التهذيب)) - في ترجمة ((سيار أبي الحكم)) ما لفظه -: وروى أبو داود، والترمذي(١) حديثَ بشير بن إسماعيل: حدثنا سيار أبو الحكم، عن طارق بن شهاب عن عبد الله عن النبي ◌َّل﴿ قال: ((مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأُنزِلَها بالناس لم تُسدّ فاقتُهُ)) الحديث، قال أبو داود عقبه: هو سيار أبو حمزة، ولكن بشيرًا كان يقولُ: سيار أبو الحكم، وهو خطأ، قال أحمد: هو سيار أبو حمزة، وليس قولهم: سيار أبو الحكم بشيء، وقال الدارقطني: قولُ البخاري: سيار أبو الحكم سمع طارق بن شهاب، وَهْمٌ منه وممن تابعه، والذي يروي عن طارق هو سیار أبو حمزة، قال ذلك أحمد، ويحيى، وغيرهما. انتهى. قلتُ: في قوله: وروى أبو داود، والترمذي حديثَ بشير بن إسماعيل، وهمِّ، والصوابُ: بشير أبي إسماعيل؛ لأن راوي هذا الحديث عن سيار هو بشير بن سلمان، أبو إسماعيل، لا بشير بن إسماعيل، بل: وليس في ((التقريب))، و((تهذيب التهذيب))، و((الخلاصة)) راوٍ مسمى باسم: بشير بن إسماعيل. قوله: (من نزلت به فاقة) أي: حاجة شديدة، وأكثر استعمالها في الفقر وضيق المعيشة، (١) أبو داود، كتاب الزكاة، حديث (١٦٤٥) والترمذي، كتاب الزهد، حديث (٢٣٢٦). ٣٥ کتاب الزهد عن رسول الله (* / باب فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِاللهِ فَيُوشِكُ اللهُ لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أوْ آجِلٍ)). [صحيح بلفظ: ((بموت عاجل أو غنى عاجل): د: ١٦٤٥، حم: ٣٦٨٨]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. ١٩ - باب [ت١٩، م١٩] [٢٣٢٧] (٢٣٢٧) حَدَّثَنَا محمودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَن مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ عَن أبي وَائلٍ قَالَ: جَاء مُعَاوِيَةُ إِلَى أَبِي هَاشِمٍ بْنِ عُتْبَةَ (فأنزلها بالناس) أي عرضها عليهم، وأظهرها بطريق الشكاية لهم، وطلب إزالة فاقته منهم، قال الطيبي: يُقال: نزل بالمكان، ونزل من علوٍّ، ومن المجاز: نزل به مكروه، وأنزلت حاجتي على كريم، وخلاصته أن من اعتمد في سدِّها على سؤالهم، (لم تسد فاقته) أي: لم تقض حاجته، ولم تزل فاقته، وكلما تسد حاجة أصابته أخری أشد منها، (فأنزلها بالله) بأن اعتمد على مولاه، (فیوشك الله له) أي: يسرع له، ويعجل (برزق عاجل) بالعين المهملة، (أو آجل) بهمزة ممدودة، وفي رواية أبي داود(١): ((أَوْشَكَ الله لَهُ بِالْغِنَى، إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ أَوْ غِنِى عَاجِلٍ))، قال القاري - في شرح قوله: ((إما بموت عاجل)) .: قيل: بموت قريب له غنيٍّ، فيرثه، وقال - في شرح قوله: ((أو غِنّى عاجل)): بكسر وقصر، أي: يسار، قال الطيبي: هو هكذا، أي: بالعين في أكثر نسخ ((المصابيح))، و((جامع الأصول))، وفي ((سنن أبي داود))، و((الترمذي)): ((أو غنى آجل)) بهمزة ممدودة، وهو أصح دراية؛ لقوله تعالى: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]. انتهى. قلت: وفي نسخ أبي داود الحاضرة عندنا: ((عاجل)) بإلعين. قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه أبو داود. ١٩ - باب [٢٣٢٧] قوله: (عن أبي وائل) اسمُه: شقيقُ بن سلمة الكوفي، ثقة، مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة، (جاء معاوية) هو ابنُ أبي سفيان، (إلى أبي هاشم بن عتبة) بن ربيعة بن عبد شمس، صحابي أسلم يوم الفتح، وسكن الشام، وكان خال معاوية بن (١) أبو داود، كتاب الزكاة، حديث (١٦٤٥). ٣٦ كتاب الزهد عن رسول الله 18 / باب وَهُوَ مَرِيضٌ يَعُودُهُ، فَقَالَ: يَا خَالُ! مَا يُبْكِيكَ؟ أوَجَعٌ يُشْنِزُكَ أم حِرْصٌ عَلَى الدُّنْيَا؟ قَالَ: كُلٌّ لَا، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا لَمْ آخُذْ بِهِ، قَالَ: إِنَّمَا يَكْفِيكَ مِن جَمِعِ المَالِ خَادِمٌ وَمَرْكَبٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَجِدُني اليَوْمَ قَدْ جَمَعْتُ. قَالَ أبُو عِيْسَى: وقد رَوَى زَائِدَةٌ وَعُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيدٍ، عَن مَنْصُورٍ عَن أبي وَائِلٍ، أبي سفيان، روى من حديثه أبو وائل شقيق ابن سلمة، (وهو مريض) جملةٌ حالية، والضميرُ يرجع إلى أبي هاشم، (يعوده) جملة حالية أيضًا، والضميرُ المرفوعُ يرجع إلى معاوية، والمنصوب إلى أبي هاشم، (فقال) أي: معاوية (ما يبكيك؟) من الإبكاء، أي: أيّ شيء يبكيك؟ (أوجع يشئزك) بشين معجمة، ثم همزة مكسورة وزاي، أي: يقلقك، وزنه ومعناه. قاله المنذري. وقال في ((الصراح))(١): أشأزبي آرام كردا نيدن (قال) أي: أبو هاشم (كل) من هذين الأمرين، (لا) أي: لا يبكيني، يعني: لا يبكيني واحد من هذين الأمرين، بل: يبكيني أمر آخر، فبينه بقوله: (ولكن رسول الله ﴿﴿ عهد إليَّ عهدًا لم آخذ به) أي: أوصاني بوصيةٍ لم أعمل بها، (قال) أي: رسولُ اللهِ وَّهِ، بدلٌ مِن ((عهد))، أو تفسير، وبيان للعهد، واختار الطيبيّ - رحمه الله - الأول؛ حيث قال: بدل منه، بدل الفعل من الفعل، كما في قوله: [من الطويل]: مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِیَارِنَا تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنَارًا تَأَجَّجَا أَبْدَلَ تُلْمِمْ بنا، من قوله: تأتنا. (إِنَّما يكفيك من جمع المال) أي: للوسيلة بحسن المال (خادم)؛ للحاجة إليه، (ومركب) أي: مركوب يسار عليه، (في سبيل الله) أي: في الجهاد، أو الحج، أو طلب العلم، والمقصود منه القناعةُ والاكتفاء بقدر الكفاية مما يصح أن يكون زادًا للآخرة، كما رواه الطبراني، والبيهقي(٢) عن خباب: (إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُ زَادٍ الرَّاكِبِ))، (وأجدني اليوم قد جمعت) وفي رواية رزين: فلمَّا مات حصل ما خلف، فبلغ ثلاثين درهمًا، وحسبت فيه القصعة التي كان يعجن فيها، وفيها يَأْكُلُ. (١) هي عبارة فارسية بمعنى: جعله قلقًا غير مرتاح. (٢) الطبراني في ((الكبير))، حديث (٣٦٩٥) والبيهقي في ((الشعب))، حديث (١٤٠٠). ٣٧ كتاب الزهد عن رسول الله ◌َ في / باب منه عَن سَمُرَةَ بْنِ سَهْمٍ قَالَ: دَخَلَ مُعَاوِيَّةٌ عَلَى أبي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ فَذَكَرَ: نَحْوَهُ. وَفِي الْبَابِ عَنِ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ عَنِ النَّبِيِّ بَهِ. [ن: ٥٣٨٧، جه: ٤١٠٣]. ٢٠- باب منه [ت٢٠، ٢٠٢] [٢٣٢٨] (٢٣٢٨) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَن الأعْمَشِ عَن شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ عَن المُغِيرَةِ بْنِ سَعْدِ بْنِ الأخْرَمِ عَن أبِيِهِ عَن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ قوله: (عن سمرة بن سهم) القرشي، الأسدي، مجهول، من الثانية، (فذكر نحوه). قال المنذري في ((الترغيب)) بعد ذكر الحديث المذكور: رواه الترمذي، والنسائي، ورواه ابن ماجه عن أبي وائل، عن سمرة بن سهم، عن رجل مِن قومه لم يسمّه، قال: نَزَلتُ على أبي هاشم بن عتبة، فجاءه معاوية .... فذكر الحديث بنحوه، ورواه ابن حبان في ((صحيحه))، عن سمرة بن سهم، قال: نزلت على أبي هاشم بن عتبة وهو مطعون، فأتاه معاوية .... فذكر الحديث، وذكره رزين، فزاد فيه: فَلَمَّا مات ... إلى آخر ما نقلتُ قبل هذا . قوله: (وفي الباب عن بريدة الأسلمي) أخرجه أحمد ص ٣٦٠ ج٥، والنسائي(٩)، والضياء المقدسي عنه مرفوعًا: ((لِيَكْفِ أَحَدَكُمْ مِنَ الدُّنْيَا خَادِمٌ وَمَرْكَبٌ)). ٢٠ - باب منه [٢٣٢٨] قوله: (عن شمر بن عطية) بكسر الشين المعجمة، وسكون الميم، الأسدي الكاهلي، الكوفي، صدوق، من السادسة، (عن المغيرة بن سعد بن الأخرم) الطائي، مقبول، من الخامسة، (عن أبيه) أي: سعد بن الأخرم، الطائي، الكوفي، مختلف في صحبته، روى عن ابن مسعود حديث: ((لا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ))، وعنه ابنه المغيرة، وذكره مسلمٌ في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، وذكره ابن حبان: في الصحابة، ثم أعاد ذكره في التابعين، من الثقات، كذا في ((تهذيب التهذيب))، (عن عبد الله) هو ابن مسعود، (لا تتخذوا الضيعة) هي: البستان، والقرية، والمزرعة، وفي ((النهاية)): الضيعةُ في الأصل: المرةُ من (١) أحمد، حديث (٢٢٥٤) والنسائي في ((الكبرى))، حديث (٩٨١٢). ٣٨ كتاب الزهد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في طولِ العُمرِ لِلْمُؤمِن فَتَرْغَبُوا في الدُّنْيَا)). [حم: ٣٥٦٩]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌّ. ٢١ - باب مَا جَاء في طولِ العُمرِ لِلْمُؤْمِن [ت٢١، ٢١٢] [٢٣٢٩] (٢٣٢٩) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ عَن مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَن عَبْدِ الله بْنِ بُسْرٍ: أَنَّ أعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَن خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: الضياع، وضيعةُ الرجل: ما يكونُ منه معاشُهُ، كالصنعة، والتجارة، والزراعة، وغير ذلك. انتهى. وقال في ((القاموس)): الضيعةُ: العقارُ والأرضُ المغلة، (فترغبوا في الدنيا) أي: فتميلوا إليها عن الأخرى، والمراد: النهي عن الاشتغال بها وبأمثالها مما يكون مانعًا عن القيام بعبادةِ المولى، وعن التوجه كما ينبغي إلى أمور العقبى، وقال الطيبي: المعنى: لا تتوغلوا في اتخاذ الضيعة، فتلهوا بها عن ذكر الله؛ قال تعالى: ﴿رَجَالٌ لَا نُلْهِهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيَعُ عَن ذِكْرِ اَللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]. قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد، والحاكم، والبيهقي في ((شعب الإيمان))(١). ٢١ - باب ما جاء في طول العمر للمؤمن [٢٣٢٩] قوله: (عن عمرو بن قيس) بن ثور بن مازن، الكندي، الحمصي، ثقة، من الثالثة، (عن عبد الله بن قيس) كذا في النسخ الحاضرة، بالقاف، والتحتية، والسين المهملة، وهو غلط، والصواب: عن عبد الله بن بسر، بالموحدة، والسين المهملة، والراء، فإنه ذكر هذا الحديث الحافظ السيوطي في ((الجامع الصغير))، وقال بعد ذكره: رواه أحمد، والترمذي، عن عبد الله بن بسر، وذكر الحافظ المنذري هذا الحديثَ في ((الترغيب))، فقال: عن عبد الله بن بسر رُه قال: قال رسولُ الله ◌َله: ((خير الناس من طال عمره ... إلخ))، وقال: رواه الترمذيُّ، وروى أحمد (٢) هذا الحديث في مسانيد عبد الله بن بسر، ففي مسنده: حدثنا عبد الله: حدثني أبي: حدثنا علي بن عياش: حدثنا حسان بن نوح، عن عمرو بن قيس، عن عبد الله بن بسر، قال: أتى النبيَّ وَّ أعرابيان، فقال أحدُهما: مَنْ خيرُ الرجالِ (١) الحاكم، حديث (٧٩١٠) وصححه وأقره الذهبي. والبيهقي في ((شعب الإيمان))، حديث (١٠٣٩١). (٢) أحمد، حديث (١٧٢٢٧). ٣٩ كتاب الزهد عن رسول الله ◌َ يو / باب منه ((مَن طَالَ عُمرهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ)). وفي الباب عَن أبي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ. [حم: ١٧٢٢٧]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ من هذَا الوَجْهِ. ٢٢ - باب منه [ت٢٢، م٢٢] [٢٣٣٠] (٢٣٣٠) حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ عَلِيٍّ بْنِ زَيدٍ، عَن عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أبِي بَكْرَةَ عَنِ أبِيهِ: أنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: (مَن طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ))، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٍّ؟ قَالَ: ((مَن طَالَ عُمُرُهُ وَسَاء عَمَلُهُ)). [حم: ١٩٩٠٢، مي: ٢٧٤٢]. يا محمد؟ قال النبيُّ وَّهِ: ((مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وحَسُن عملُه)) الحديث، فظهر من هذا كله أنَّ ما وقع في النسخ الحاضرة غلطٌ، والصوابُ: عن عبد الله بن بسر، فاحفظ هذا، (من طال عمره) بضمتين، على ما هو الأفصح الوارد في كلامه سبحانه، وفي ((القاموس)): العمرُ بالفتح، وبالضم وبضمتين: الحياة، (وحسن عمله) قال الطيبيّ - رحمه الله -: إنَّ الأوقاتَ والساعاتٍ؛ کرأس المالِ للتاجر، فينبغي أن یتجر فیما یربح فيه، وكلّما کان رأس ماله کثیرًا، كان الربح أكثر، فمن انتفع من عمره بأن حسن عمله، فقد فاز وأفلح، ومن أضاع رأس ماله، لم يربح، وخسر خسرانًا مبينًا. انتهى. قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة وجابر) أَمَّا حديث أبي هريرة، فأخرجه البزار، وابن حبان(١) في (صحيحه))، كلاهما من رواية ابن إسحاق، ولم يصرح فيه بالتحديث، ولفظه: ((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟)) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قال: ((أَْوَلُكُمْ أَعْمَارًا وَأَحْسَنُكُمْ أَخْلاقًا))، وأما حديث جابر، فأخرجه الحاكم(٢) عنه مرفوعًا: ((خيَارُكُمْ أَظْوَلُكُمْ أَعْمَارًا وَأَحْسَنُكُمْ أَعْمَالًا)). قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد. ٢٢ - باب منه [٢٣٣٠] قوله: (عن علي بن زيد) هو ابن جدعان. قوله: (قال: من طال عمره وساء عمله) قال القاري: وبقي صنفان مستويان ليس فيهما زيادة من الخير والشر، وهما من قصر عمره، وحسن عمله، أو ساء عمله. (١) البزار، حديث (١٩٧١ - كشف) وابن حبان (٤٨٤، ٢٩٨١). (٢) الحاكم، حديث (١٢٥٥) وقال: على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. ٤٠ كتاب الزهد عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء في فناء أعمَارِ هَذِهِ الأُمَّةِ مَا بَيْنَ السِِّينَ إِلَى السَّبْعِين قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ٢٣- باب مَا جَاء في فناء أعمَارِ هَذِهِ الأَمَّةِ مَا بَيْنَ السَّتِّينَ إِلَى السَّبْعِين [ت٢٣، م٢٣] [٢٣٣١] (٢٣٣١) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدِ الجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنِ كَامِلٍ أبي العَلَاءِ، عَن أبِي صَالِحِ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((عُمْرُ أُمَّتِي مِن سِتِِّنَ سَنَةً إِلَى سَبْعِينَ سَنَةً)). [ صحيح، بلفظ: ((أعمار أمتي بين .. ))، جه: ٤٢٣٦]. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والدارمي، وكذا رواه الطبراني بإسناد صحيح، والحاكم، والبيهقي(١). ٢٣ - باب ما جاء في فناء أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين. [٢٣٣١] قوله: (عن كامل أبي العلاء) قال في ((تهذيب التهذيب)): كامل بن العلاء التميمي السعدي أبو العلاء، ويقال: أبو عبد الله الكوفي، روى عن أبي صالح ميناء وغيره، وعنه محمد بن ربيعة وغيره، وقال في ((التقريب)): صدوقٌ، يخطئ، من السابعة، (عن أبي صالح) قال في ((تهذيب التهذيب)): أبو صالح مولى ضباعة، قال مسلم: اسمُه: ميناء، روى عن أبي هريرة حديث ((أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِِّّينَ إِلَى السَّبْعِين))(٢)، وعنه كامل أبو العلاء - ذَكَرَهُ ابنُ حبان في ((الثقات)). قوله: (عمر أمتي من ستين سنة إلى سبعين) قيل: معناه: آخر عمر أمتي ابتداؤه إذا بلغ ستين سنة، وانتهاؤه سبعون سنة، وقلَّ من يجوز سبعين، وهذا محمول على الغالب، بدليل شهادة الحال، فإن منهم من لم يبلغ ستين سنة، ومنهم من يجوز سبعين، ذكره الطيبي - رحمه الله -. قال القاري - بعد نقل كلام الطيبيّ هذا -: وفيه أن اعتبار الغلبة في جانب الزيادة على سبعين واضح جدًّا، وأما كون الغالب في آخر عمر الأمة بلوغ الستين في غاية من الغرابة المخالفة لما هو ظاهرٌ في المشاهدة، فالظاهر أن المرادَ به: أن عمر الأمة من سن المحمود (١) أحمد، حديث (١٩٩٠٢) والطبراني في «الأوسط))، حديث (٥٤٤٩) والحاكم، حديث (١٢٥٦) والبيهقي في ((الکبری))، حديث (٦٣١٧). (٢) أخرجه الطبراني في «الكبير»، حديث (٥٨٧٢).