النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
كتاب الفتن عن رسول الله وَقَر / باب مَا جَاء في طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِهَا
٢٢ - باب مَا جَاء في طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِهَا [ت ٢٢، م٢٢]
[٢١٨٦] (٢١٨٦) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَن إِبْرَاهِيمَ
التَّيْمِيِّ، عَن أبِيهِ، عَن أبِي ذَرِّ، قَالَ: دَخَلْتُ المَسْجِدَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ وَالنَّبِيُّ اَه
جَالِسٌ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟)) قَالَ: قُلْتُ: الله ورَسُولُهُ أعْلَمُ،
قَالَ: ((فإِنَّهَا تَذْهَبُ تَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُودِ فَيُؤْذَنُ لَهَا وَكأنها قَدْ قِيلَ لَهَا: اطْلَعِي مِن
حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبِهَا))
عمر العمري: مكبرًا، وعبيد الله بن عمر العمري: مصغرًا: أخوان، فالمكبر: ضعيف،
والمصغر: ثقة.
٢٢ - بابُ مَا جَاءَ فيِ طُلُوعِ الشَّمْسِ من مَغْرِبِهَا
[٢١٨٦] قوله: (عن إبراهيم التيمي) هو: ابن يزيد بن شريك، يكنى: أبا أسماء،
الكوفي، العابد، ثقة؛ إلا أنه يرسل، ويدلس، من الخامسة. (عن أبيه)، أي: يزيد بن
شريك بن طارق التيمي، الكوفي، ثقة، يقال: إنه أدرك الجاهلية، من الثانية.
قوله: (أين تذهب هذه) أي: الشمس، والإشارة للتعظيم. (فإنها تذهب؛ لتستأذن في
السجود، فيؤذن لها)، أي: في السجود. قال ابن بطال: استئذان الشمس: معناه: أن الله
يخلق فيها حياة، يوجد القول عندها؛ لأن الله قادر على إحياء الجماد والموات، وقال غيره:
يحتمل أن يكون الاستئذان أسند إليها مجازًا، والمراد: من هو موكل بها من الملائكة.
قلت: الظاهر هو الأول والله تعالى أعلم، وفي رواية البخاري(١) في ((بدء الخلق)):
((فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنُ فَيُؤْذَنُ لَهَا)). قال القسطلاني: أي: في
الطلوع من المشرق على عادتها فيؤذن لها؛ فتبدو من جهة المشرق.
قال الحافظ: أما قوله: ((تحت العرش)) فقيل: هو حين محاذاتها، ولا يخالف هذا
قوله: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِثَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]. فإن المراد بها: نهاية مدرك البصر إليها حال
الغروب، وسجودها تحت العرش إنما هو بعد الغروب. (وكأنها قد قيل لها: اطلعي من
حيث جئت، فتطلع من مغربها). وفي رواية البخاري المذكورة: ((وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلا يُقْبَلُ
(١) البخاري، كتاب بدء الخلق. حديث (٣١٩٩).

٤٢٢
كتاب الفتن عن رسول الله وَله / باب مَا جَاء في طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِهَا
قَالَ، ثُمَّ قَرأ: ﴿وذلك مستقر لها﴾ قَالَ: وَذَلِكَ قِرَاءَةُ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ. [خ: ٣١٩٩،
م: ١٥٩، د بنحوه: ٤٠٠٢، حم: ٢٠٨٩٦، طا: ١٨٩١].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البَابِ: عَن صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ، وَحُذَيفَةَ بْنِ أَسِيدٍ، وَأَنَسٍ،
وَأَبِي مُوسَى،
مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنُ فَلا يُؤْذَنُ لَهَا، يُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي من حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ من مَغْرِبِهَا)) (قال: ثم
قرأ)، عليه الصلاة والسلام: (وذلك مستقر لها، وقال) أي: أبو ذر؛ كما هو الظاهر: (ذلك
قراءة عبد الله بن مسعود)، وفي رواية البخاري(١) في ((بدء الخلق)) و((التفسير)) فذلك قوله
تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأَ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]، وهذه القراءة
هي المتواترة. وفي رواية البخاري(٢) في ((التفسير)) قال: مستقرها تحت العرش.
قال الحافظ: في الحديث رَدُّ على من زَعَمَ أن المراد بمستقرها غايةُ ما تنتهي إليه من
الارتفاع، وذلك أطول يوم في السنة. وقيل: إلى منتهى أمرها عند انتهاء الدنيا. قال
الحافظ: وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار وقوعه في كُلِّ يوم وليلة عند سجودها، ومقابل
الاستقرار المسير الدائم المعبر عنه بالجري. انتهى.
وقال الطيبي بعد ذكر التأويلين المذكورين في كلام الحافظ ما لفظه: وأما قوله:
((مستقرها تحت العرش)) فلا ينكر أن يكون لها استقرار تحت العرش من حيث لا ندركه، ولا
نشاهده؛ وإنما أخبر عن غيب؛ فلا نكذبه، ولا نكيفه؛ لأن علمنا لا يحيط به. انتهى كلامُ
الطيبي. وقال الشيخ في ((اللمعات)): قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَا﴾ [يس: ٣٨]، قد
ذكر في ((التفاسير)) وجوه غير ما في هذا الحديث، ولا شك أن ما وقع في الحديث المتفق
عليه، هو المعتبرُ والمعتمدُ، والعجب من البيضاوي أنه ذكر وجوهًا في ((تفسيره))، ولم يذكر
هذا الوجه، ولعله أوقعه في ذلك تفلسفه، نعوذ بالله من ذلك. وفي كلام الطيبي أيضًا ما
يشعر بضيق الصدر، نسأل الله العافية. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن صفوان بن عسال، وحذيفة بن أسيد، وأنس، وأبي موسى) أما
حديث صفوان بن عسال فأخرجه ابن ماجه(٣) عنه مرفوعًا: ((إِنَّ من قِبَلٍ مَثْرِبِ الشَّمْسِ بَابًا
(١) البخاري، كتاب بدء الخلق. حديث (٣١٩٩)، وكتاب التفسير. حديث (٤٨٠٢).
(٢) البخاري، كتاب تفسير القرآن. حديث (٤٨٠٣).
(٣) ابن ماجه، كتاب الفتن. حديث (٤٠٧٠).

٤٢٣
كتاب الفتن عن رسول الله وَله / باب مَا جَاء في خُرُوجِ يَأُجُوج ومأجُوجَ
وهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٢٣ - باب مَا جَاء في خُرُوجِ يَأُجُوج ومأجُوجَ [ت ٢٣، م ٢٣]
مَفْتُوحًا عَرْضُهُ سَبْعُونَ سَنَةً، فَلا يَزَالُ ذَلِكَ البابُ مَفْتُوحًا لِلتَّوْبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ من نَحْوِهِ.
فَإِذَا طَلَعَتْ من نَحْوِهِ. لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ من قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا)).
وأما حديث حذيفة بن أسيد فأخرجه الترمذي(١) في الباب المتقدم. وأما حديث أنس، فأخرجه
ابن ماجه(٢) في ((باب الآيات))، وأما حديث أبي موسى، فأخرجه أحمد، ومسلم(٣).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد، والبخاري في ((بدء الخلق))،
و((التفسير)) و((التوحيد))، ومسلم في ((الإيمان))، وأبو داود في ((الحروف))، والنسائي في
(التفسير)). وأخرجه الترمذي(٤) أيضًا في ((تفسير سورة (يس))).
٢٣ - بابُ مَا جَاءَ في خُرُوجٍ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
بغير همز لأكثر القراء، وقرأ عاصم بالهمزة الساكنة فيهما وهي لغة بني أسد؛ وهما
اسمان أعجميان عند الأكثر مُنعا من الصَّرف للعلمية والعُجمة. وقيل: بل عربيان، واختلف
في اشتقاقهما؛ فقيل: من أجيج النار؛ وهو: التهابها، وقيل: من الأجة بالتشديد؛ وهي:
الاختلاط، أو شدة الحر. وقيل: غير ذلك، وجاء في صفتهم ما أخرجه ابن عدي، وابن
أبي حاتم، والطبراني(٥) في ((الأوسط))، وابن مردويه من حديث حذيفة رفعه قال: ((يَأُجُوجُ
أُمَّةٌ، وَمَأْجُوجُ أُمَّةٌ، كُلُّ أُمَّةٍ أَرْبَعُ مِائَةٍ أَلْفٍ، لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى أَلْفِ ذَكَرٍ
من صُلْبِهِ، كُلَّهُمْ قَدْ حَمَلَ السِّلاحَ))، وهو من رواية يحيى بن سعيد العطار، عن محمد بن
إسحاق، عن الأعمش. والعطار ضعيف جدًّا، ومحمد بن إسحاق قال: ابن عدي: ليس هو
صاحب ((المغازي)) بل هو العكاشي. قال: والحديث موضوع. وقال ابن أبي حاتم: منكر.
قال الحافظ في ((الفتح)): لكن لبعضه شاهد صحيح، أخرجه ابن حبان من حديث ابن مسعود
رفعه: ((أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَقَلُّ مَا يَتَرُكُ أَحَدُهُمْ لِصُلْبِهِ أَلْفًا مِنَ الذُّرِّيَّةِ)).
(١) الترمذي، كتاب الفتن. حديث (٢١٨٣).
(٢) ابن ماجه، كتاب الفتن. حديث (٤٠٥٦) . .
(٣) أحمد. حديث (١٩٠٣٥)، ومسلم، كتاب التوبة. حديث (٢٧٥٩).
(٤) تقدم ذكرهم، وأخرجه الترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله. حديث (٣٢٢٧).
(٥) ابن عدي في ((الكامل)) (١٦٨/٦)، والطبراني في ((الأوسط)) (٣٨٥٥).

وللنسائي(١) من رواية عمرو بن أوس عن أبيه رفعه: ((أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يُجَامِعُونَ مَا
شَاؤوا، وَلا يَمُوتُ رَجُلٌ مِنْهُمْ إِلَّا تَرَكَ من ذُرِّيَّتِهِ أَلْفًا فَصَاعِدًا)). وأخرج الحاكمُ(٢)، وابنُ
مردويه، من طريق عبد الله بن عمرو ((أَنَّ يَأُجُوجَ وَمَأْجُوجَ من ذُرِّيَّةِ آدَمَ، وَوَرَاءَهُمْ ثَلاثُ أَمَمِ،
وَلَنْ يَمُوتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، إِلَّا تَرَكَ من ذُرِّيَّتِهِ ألْفًا فَصَاعِدًا))، وأخرج عبد بن حميد بسند صحيح،
عن عبد الله بن سلام مثله، وأخرج ابن أبي حاتم(٣)، من طريق عبد الله بن عمرو قال:
(الْجِنُّ وَالإِنْسُ عَشْرَةُ أَجْزَاءٍ، فَتِسْعَةُ أَجْزَاءٍ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَجزْءٌ سَائِرُ النَّاس)). ومن طريق
شريح بن عبيد، عن كعب قال: ((هُمْ ثَلاثَةُ أَصْنَافٍ، صِنْفٌ أَجْسَادُهُمْ كَالأَرْزِ)) بفتح الهمزة،
وسكون الراء، ثم زاي؛ هو: شجر كبار جدًّا، ((وصنف أربعة أذرع في أربعة أذرع، وَصِنْفٌ
يفترشون آذانهم، ويلتحفون بالأخرى)).
ووقع نحو هذا في حديث حذيفة، وأخرج أيضًا هو، والحاكم(٤)، من طريق
أبي الجوزاء، عن ابن عباس: ((يَأْجُوجُ، وَمَأْجُوجُ شبرًا شِبْرًا، وَشِبْرَيْنِ شِبْرَيْنِ، وَأَظْوَلُهُمْ ثَلاثَةُ
أَشْبَارٍ، وَهُمْ من وَلَدِ آدَمَ)). ومن طريق أبي هريرة رفعه: (وُلِدَ لِنُوحٍ: سَامُ، وَحَامُ، وَيَافِثُ،
فَوُلِدَ لِسَامَ: الْعَرَبُ، وَفَارِسُ، وَالرّومُ، وَوُلِدَ لِحَامَ: الْقِبْطُ، وَالَّبَرْبَرُ، وَالسُّودَانُ، وَوُلِدَ
لِيَافِثَ: يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَالتُّرْكُ، وَالصَّقَالِيَةُ)) وفي سنده ضعف. ومن رواية سعيد بن بشير،
عن قتادة قال: يأجوج ومأجوج: ثنتان وعشرون قبيلة، بَنَى ذُو الْقَرْنَيْنِ السَّدَّ على إحدى
وعشرين، وكانت منهم قبيلة غائبة في الغزو؛ وهم الأتراك؛ فبقوا دون السد.
وأخرج ابن مردويه، من طريق السدي قال: الترك: سرية من سرايا يأجوج ومأجوج،
خرجت تغير؛ فجاء ذو القرنين؛ فبنى السد؛ فبقوا خارجًا. ووقع في ((فتاوى الشيخ محيي
الدين)): يأجوج ومأجوج من أولاد آدم، لا من حواء عند جماهير العلماء؛ فيكونون إخواننا
لأب؛ كذا قال، ولم نر هذا عن أحد من السلف إلا عن كعب الأحبار، ويرده الحديث
المرفوع: ((إِنَّهُمْ من ذُرِّيَّةِ نُوحٍ))، وَنُوحٌ من ذُرِّيَّةِ حَوَّاءَ قَطْعًا. انتهى ما في ((الفتح)).
(١) النسائي في ((الكبرى)) (١١٣٣٤).
(٢) الحاكم. حديث (٨٥٠٦)، وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٢٣٦/٩) (١٤٠٢٣) مطولًا .
(٤) المستدرك. حديث (٨٦٠٧).

٤٢٥
كتاب الفتن عن رسول الله وَ لّ / باب مَا جَاء في خُرُوجِ يَأْجُوج ومأجُوجَ
[٢١٨٧] (٢١٨٧) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبدِ الرَّحمنِ المَخْزُومِيُّ وأبو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ
وَغيرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَن
زَينبَ بِنْتِ أبِي سَلَمَةَ، عَن حَبِيبَةَ، عَن أمِّ حَبِيبَةَ، عَن زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، قَالَت:
اسْتَيقَظَ رَسُولُ اللهِ وَ لَ مِن نَوم مُحْمَرًّا وَجْهُهُ، وَهُوَ يَقُولُ: ((لا إلهَ إلَّ الله)) يُرَدِّدُهَا
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ((وَيْلٌ لِلعَرَبِ مِنْ شَرِّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
مِثْلُ هَذِهِ»
[٢١٨٧] قوله: (عن حبيبة) بنت عبيد الله بن جحش الأسدية، أمها: أم حبيبة بنت
أبي سفيان، لها صحبة، وهاجرت مع أبويها إلى الحبشة، ويقال: إنها ولدت بأرض الحبشة
(عن زينب بنت جحش) بن رباب يعمر الأسدية، أم المؤمنين؛ أمها: أميمة بنت عبد
المطلب. يقال: ماتت سنة عشرين في خلافة عمر.
قوله: (استيقظ رسول الله وَ ل﴿ من نوم محمرًّا وجهه) وفي رواية البخاري(١): ((دَخَلَ عَلَيْهَا
يَوْمًا فَزِعًا))، فيجمع على أنه دخل عليها بعد أن استيقظ النبي ◌ََّ فزعًا، وكانت حمرةُ وجهه
من ذلك الفزع، وجمع بينهما في رواية سليمان بن كثير، عن الزهري عند أبي عوانة، فقال:
((فَزْعًا مُحْمَرًّا وَجْهُهُ)). (ويل للعرب من شر). وفي ((القاموس)): الويلُ: حُلُولُ الشَّرِّ؛ وهو
تفجيع. انتهى. وخص بذلك العرب؛ لأنهم كانوا حينئذ معظم من أسلم، والمراد بالشر: ما
وقع بعده من قتل عثمان، ثم توالت الفتن؛ حتى صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين
الأكلة؛ كما وقع في الحديث الآخر: ((يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى
قَصْعَتِهَا)). وإن المخاطب بذلك العرب.
قال القرطبي: ويحتمل أن يكون المراد بالشر: ما أشار إليه في حديث أم سلمة: ((مَاذَا
أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ؟ وَمَاذَا أُنزِلَ مِن الْخَزَائِنِ؟)) فأشار بذلك إلى الفتوح التي فتحت بعده؛
فكثرت الأموال في أيديهم؛ فوقع التنافسُ الذي جَرَّ الفتنَ، وكذلك التنافس على الإمرة؛ فإن
معظم ما أنكروه على عثمان تولية أقاربه من بني أمية وغيرهم؛ حتى أَفْضَى ذلك إلى قَتْلِهِ،
وترتب على قتله من القتال بين المسلمين ما اشتهر واستمر. (قد اقترب) أي: قرب ذلك الشر
في غاية القرب، بيانه قوله: (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج). المراد بالردم: السد الذي
بناه ذو القرنين بزبر الحديد، وهي: القطعة منه (مثل هذه) بالرفع على أنه نائب الفاعل لقوله:
(١) البخاري، كتاب الفتن. حديث (٧١٣٥).

٤٢٦
كتاب الفتن عن رسول الله وَل ◌َ / باب مَا جَاء في خُرُوجِ يَأُجُوج ومأجُوجَ
وَعَقَدَ عَشْرًا، قَالَتِ زَيْنَبُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَتُهْلَكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ:
(نَعَم إذَا كَثُرَ الخبثُ)). [خ: ٣٣٤٦، م: ٢٨٨٠، جه: ٣٩٥٣، حم: ٢٦٨٦٧].
قَال أَبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وقد جَوَّدَ سُفْيَانُ هَذَا الحَدِيث؛
هَكذا رَوَى الحُمْيْدِيُّ، وعليُّ بْنُ المَدِينِيِّ، وَغَيرُ وَاحدٍ مِن الحُفَّاظِ، عَن سُفيانَ بْنِ
عُيَيْنَةَ: نَحوَ هَذا، وقال الحُميدِيُّ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: حَفِظْتُ منَ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا
الحديث أرْبَعَ نِسْوَة: زَيْنَبَ بنتَ أبِي سَلَمَةَ، عَن حَبِيبَةَ، وَهُمَا رَبِيْبَتَا النَّبِيِّ وَّهِ عَنْ
أُمّ حَبيبةَ، عَن زَيْنَب بِنْتِ جَحْشٍ، زَوجَي النَّبِيِّ بََّ، وهكذا رَوَى مَعْمَرٌ وغيره هَذَا
((فتح)) والإشارة إلى الحلقة المبينة بقوله: (وعقد عشرًا) وعقد العشرة: أن يجعل طرف السبابة
اليمنى في باطن طي عقدة الإبهام العليا، والمراد: أنه لم يكن في ذلك الردم ثقبةٌ إلى اليوم،
وقد انفتحت فيه؛ إذ انفتاحها من عَلامَاتِ قُرْبِ الساعة؛ فإذا اتسعت خرجوا، وذلك بعد
خروج الدجال؛ كما تقدم.
(أفنهلك) بضم النون، وفتح اللام: من الإهلاك، أو بفتح النون، وكسر اللام: من
الهلاك. (وفينا الصالحون) قال القاري: أي: أنعذب، فنهلك نحن معشر الأمة، والحال أن
بعضنا مؤمنون، وفينا الطيبون الطاهرون، ويمكن أن يكون هذا من باب الاكتفاء؛ على تقدير
الاستغناء؛ أي: وفينا الصالحون، ومنا القاسطون. انتهى. (قال: نعم) أي: يهلك الطيب
أيضًا، (إذا كثر الخبث)، بفتح المعجمة، والموحدة، ثم مثلثة؛ فسروه بالزنا، وبأولاد الزنا،
وبالفسق، والفجور، وهو أولى؛ لأنه قابله بالصلاح. والمقصود: أن النار إذا وقعت في
موضع، واشتدت أكلت الرطب واليابس، وغلبت على الطاهر والنجس، ولا تفرق بين
المؤمن والمنافق، والمخالف والموافق.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن
ما جه(١)
قوله: (جود سفيان هذا الحديث) أي: بذكر النسوة الأربع المذكورة في الإسناد. وقد
أطال الحافظ الكلام في هذا المقام في ((الفتح)) في باب قول النبي وَّل: ((وَيْلٌ لِلْعَرَبِ من شَرِّ
قَدِ اقْتَرَبَ)) من ((كتاب الفتن))؛ فعليك أن تراجعه.
(١) تقدم ذكرهم، وأخرجه النسائي في ((الكبرى)) (١١٣١١، ١١٣٣٣).

٤٢٧
كتاب الفتن عن رسول الله وَّه / باب في صِفَةِ المَارِقَةِ
الحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلم يَذْكُرُوا فِيهِ عَن حَبِيبَةَ، وقد رَوى بعضُ أصحابِ ابنِ عُيَينةَ
هَذا الحديثَ عَن ابنِ عُيِينَةَ، وَلَم يَذْكُرُوا فِيهِ: عَن أُمِّ حَبِيبَةَ.
٢٤ - باب في صِفَةِ المَارِقَةِ [ت ٢٤، م ٢٤]
[٢١٨٨] (٢١٨٨) حَدَّثَنَا أبُو كُرَيبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشِ،
عَن عَاصِمٍ، عَن زِرِّ، عَن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((يَخْرُجُ فِي
آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أحْدَاثُ الأسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأحْلَامِ، يَقْرُؤُونَ القُرْآنَ،
٢٤ - بابٌ في صِفَةِ الْمَارِقَةِ
أي: الخوارج.
[٢١٨٨] قوله: (عن عاصم) هو: ابن بهدلة: (عن زر) هو: ابن حبيش. (عن عبد الله)
هو: ابن مسعود.
قوله: (يخرج في آخر الزمان قوم)، قال الحافظ في ((الفتح)): وهذا قد يخالف حديث
أبي سعيد؛ يعني الذي رواه البخاري في باب: ((من ترك قتال الخوارج للتألف، وإلا ينفر
الناس عنه)). فإن مقتضاه؛ أنهم خرجوا في خلافة عليّ؛ وكذا أكثر الأحاديث الواردة في
أمرهم، وأجاب ابن التين بأن المراد: زمان الصحابة وفيه نظر؛ لأن آخر زمان الصحابة كان
على رأس المائة، وهم قد خرجوا قبل ذلك بأكثر من ستين سنة، ويمكن الجمعُ بأن المراد
بـ((آخر الزمان)): زمان خلافة النبوة؛ فإن في حديث سفينة المخرج في ((السنن))(١) و((صحيح
ابن حبان)) وغيره مرفوعًا: ((الْخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ سَنةٌ، ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا))، وكانت قصة
الخوارج، وقتلهم بالنهروان في أواخر خلافة علي سنة ثمان وعشرين بعد النبي بَّ بدون
الثلاثين بنحو سنتين. انتهى.
(أحداث الأسنان) قال الحافظ: أحداث؛ بمهملة، ثم مثلثة: جمع، حَدَثٍ بفتحتین،
والْحَدَثُ هو الصغيرُ السِّنِّ، والأسنان: جمع سن والمراد به العمر، والمراد: أنهم شباب.
انتهى. (سفهاء الأحلام) جمع حلم؛ بكسر أوله، والمراد به العقل. والمعنى: أن عقولهم رديئة.
(١) أحمد (٢١٤١٢)، وأبو داود (٤٦٤٦)، والترمذي (٢٢٢٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٨١٥٥)، وابن حبان
(٦٩٤٣).

٤٢٨
كتاب الفتن عن رسول الله وَّهِ / باب في صِفَّةِ المَارِقَةِ
لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهمْ، يَقُولُونَ مِن قَوْل خَيْرِ البَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ
مِنَ الرَّمِيَّةِ)). [خ: ٦٩٣٠، م: ١٠٦٤، جه: ١٦٨، حم: ٣٥٩٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وَفِي البَابِ: عَن عَلِيٍّ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، وهذَا حدِيثٌ
قال النووي: يستفاد منه أن التثبت، وقوة البصيرة تكون عند كمال السن، وكثرة
التجارب، وقوة العقل.
قال الحافظ: ولم يظهر لي وجه الأخذ منه؛ فإن هذا معلوم بالعادة، لا من خصوص
كون هؤلاء كانوا بهذه الصفة. (لا يجاوز تراقيهم). قال الجزري في ((النهاية)) التراقي: جمع
ترقوّة؛ وهي: العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين، وزنها :
فعلوة بالفتح. والمعنى: أن قراءتهم لا يرفعها الله، ولا يقبلها؛ فكأنها لم تتجاوز حلوقهم.
وقيل: المعنى: أنهم لا يعملون بالقرآن، ولا يثابون على قراءته؛ فلا يحصل لهم غير
القراءة. انتهى. (يقولون من قول خير البرية). قال الحافظ: أي: من القرآن، وكانت أول
كلمة خرجوا بها قولهم: لا حكم إلا لله، وانتزعوها من القرآن، وحملوها غير محملها.
(يمرقون من الدين)، إن كان المراد به: الإسلام؛ فهو حجة لمن يُكَفِّرُ الخوارج، ويحتمل أن
يكون المراد بـ ((الدين)) الطاعة؛ فلا يكون فيه حجة؛ وإليه جنح الخطابي. (كما يمرق السهم
من الرمية) بوزن: فعيلة بمعنى: مفعولة؛ وهو الصيدُ المرميُّ، شبه مُرُوقَهُمْ من الدين بالسَّهم
الذي يُصيب الصيدَ؛ فيدخل فيه، ويخرج منه، ومن شدة سرعة خروجه لقوة الرامي، لا يعلق
من جسد الصيد شيء. قال الجزري في ((النهاية)): أي: يجوزونه ويخرقونه ويتعدونه؛ كما
يخرق السهم الشيء المرمي به، ويخرج منه. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن علي، وأبي سعيد، وأبي ذر). أما حديث عليّ، فأخرجه البخاري
في ((باب علامات النبوة)) وغيره، ومسلم في ((الزكاة))، وأبو داود في ((السنة))، والنسائي في
((فضائل القرآن))، وابن ماجه (١) في ((السنة)). وأما حديث أبي سعيد، فأخرجه البخاري أيضًا
في ((علامات النبوة)) وغيره، ومسلم في ((الزكاة))، وأبو داود في ((السنة))، والنسائي(٢) في
(١) البخاري، كتاب المناقب. حديث (٣٦١١)، ومسلم (١٠٦٦)، وأبو داود (٤٧٦٧)، والنسائي (٤١٠٢)، وابن
ماجه (١٦٧).
(٢) البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة. حديث (٣٦١٠)، ومسلم (١٠٦٥)، وأبو داود (٤٧٦٥)،
والنسائي (٤١٠١).

٤٢٩
كتاب الفتن عن رسول الله وَله / باب في الأثَرَةِ ومَا جَاءَ فِيهِ
حَسَنٌ صَحِيحٌ، وقدْ رُوِيَ فِي غَيرِ هَذَا الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ حَيْثُ وَصَفَ هَؤُلَاءِ
القَوْمِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السِهْمُ
مِنَ الرَّمِيَّةِ، إنَّمَا هُمُ الخَوَارِجُ وَالحُرُوْرِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الخَوَارِجِ.
٢٥ - باب في الأثَرَةِ وَمَا جَاءَ فِيهِ [ت ٢٥، م ٢٥]
[٢١٨٩] (٢١٨٩) حَدَّثَنَا محمودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أبو داودَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن
قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، عَن أسِيدِ بْنِ حُضَيرٍ؛ أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ قَالَ:
يَا رَسُولَ الله، اسْتَعْمَلْتَ فُلَانًا وَلَمْ تَسْتَعْمِلْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((إنَّكُمْ ستَرَوْنَ
بَعْدِي أثَرَةً
((المحاربة)). وأما حديث أبي ذر فأخرجه أحمد في ((مسنده))، ومسلم(١) في ((الزكاة)). (وقد
روي في غير هذا الحديث)، كحديث علي؛ وأبي سعيد، وغيرهما، (إنما هم الخوارج)
جمع: خارجة، وهم قوم مبتدعون، سموا بذلك؛ لخروجهم عن الدين، وخروجهم على
خيار المسلمين.
وقد أطال الحافظُ الكلامَ في بيان معتقدهم، وحالهم في ((الفتح)) في باب ((قتل الخوارج
والملحدين)). (الحرورية) قال الحافظ في شرح قول عائشة: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ ما لفظه:
الحروري: منسوب إلى حروراء؛ بفتح الحاء، وضم الراء المهملتين، وبعد الواو الساكنة راء
أيضًا: بلدة على ميلين من الكوفة. والأشهر أنها بالمد. قال المبرد: النسبة إليها :
حروراوي؛ وكذا كُلُّ ما كان في آخره ألف تأنيث ممدودة؛ ولكن قيل: الحروري؛ بحذف
الزوائد، ويقال لمن يعتقد مذهب الخوارج: حَرُورِيّ؛ لأن أول فرقة منهم خرجوا على عليّ
بالبلدة المذكورة؛ فاشتهروا بالنسبة إليها؛ وهم فرق كثيرة؛ لكن من أصولهم المتفق عليها
بينهم الأخذ بما دَلَّ عليه القرآن، ورد ما زاد عليه من الحديث مطلقًا .
٢٥ - بَابُ الأثَرَةِ، وَمَا جَاءَ فِيهِ
[٢١٨٩] قوله: (استعملت فلانًا)، أي: جعلته عاملًا (فقال) أي: للأنصار، كما في
حديث أنس عند البخاري في ((مناقب الأنصار)) (إنكم) أيها الأنصار. (سترون بعدي أثرة)،
(١) أحمد (١٩٨٢٩)، ومسلم، كتاب الزكاة. حديث (١٠٦٧).

٤٣٠
كتاب الفتن عن رسول الله وَقَو / باب في الأثَرةِ وَمَا جَاءَ فِيهِ
فاصْبِرُوا حَتَّى تلقَوْنِي عَلَى الخَوْضِ)). [خ: ٣٧٩٢، م: ١٨٤٥، ن: ٥٣٩٨، حم: ١٨٦١٣].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وهَذَا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
[٢١٩٠] (٢١٩٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الأعْمَشِ،
عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَن عَبدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أثَرَةً
وَأُمُورًا تُنكِرُونَهَا))، قَالوا: فَمَا تَأْمُرنَا يا رسول الله؟ قَالَ: ((أدُّوا إلَيْهِمْ حَقَّهُمْ
وسَلُوا اللهَ الَّذِي لَكُمْ)). [خ: ٣٦٠٣، م: ١٨٤٣، حم: ٣٦٣٣].
بضم الهمزة، وسكون المثلثة، وبفتحتين، ويجوز كسر أوله، مع الإسكان، أي: الانفراد
بالشيء المشترك دون من يشركه فيه، والمعنى: أنه يستأثر عليهم بما لهم فيه اشتراك في
الاستحقاق.
وقال أبو عبيد: معناه: يفضل نفسه عليكم في الفيء، كذا في ((الفتح)): (فاصبروا حتى
تلقوني على الحوض)، أي: يوم القيامة؛ أي: اصبروا حتى تموتوا؛ فإنكم ستجدونني عند
الحوض؛ فيحصل لكم الانتصاف ممن ظلمكم، والثواب الجزيل على الصبر.
قال الحافظ: والسر في جوابه عن طلب الولاية بقوله: ((سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً)) إرادة نفي
ظنه أنه أثر الذي وَلَّاهُ عَلَيْهِ فبين له أن ذلك لا يقعُ في زمانه، وأنه لم يخصه بذلك لذاته؛ بل
لعموم مصلحة المسلمين، وأن الاستئثار للحظ الدنيوي إنما يقع بعدي، وأمرهم عند وقوع
ذلك بالصبر. انتھی.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري، ومسلم، وأحمد(١) في ((مسنده))،
والنسائي.
[٢١٩٠] قوله: (إنكم سترون بعدي أثرة) قال في ((النهاية)): الأثرة؛ بفتح الهمزة،
والثاء: الاسم من آثر يُؤْثِرُ إيثارًا: إذا أعطى. أراد أنه يستأثر عليكم، فيفضل غيركم في نصيبه
من الْفَيْءِ. والاستئثار الانفراد بالشيء (وأمورًا تنكرونها) يعني: من أمور الدين. (قالوا: فما
تأمرنا)، أي أن نفعل، إذا وقع ذلك (أدوا إليهم) أي: إلى الأمراء (حقهم) أي: الذي وجب
لهم المطالبة به، وقبضه؛ سواء كان يختص بهم أو يعم (واسألوا الله الذي لكم) أي: بأن
يلهمهم إنصافكم، أو يبدلكم خيرًا منهم، كذا في ((الفتح)).
(١) تقدم ذكرهم، وأخرجه مسلم، كتاب الإمارة. حديث (١٨٤٥).

كتاب الفتن عن رسول الله وَله / باب ما جاء ما أخْبَرَ النَّبِيُّ وَّهِ أَصْحَابَهُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلى يَومِ القِيَامَةِ ٤٣١
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٢٦ - باب ما جاء ما أخْبَرَ النَّبِيُّ وَطِّ أَصْحَابَهُ
بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلى يَومِ القِيَامَةِ [ت ٢٦، م٢٦]
[٢١٩١] (٢١٩١) حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى القَزَّازُ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جَدْعَانَ القُرَشِيُّ، عَن أبِي نَضْرَةَ، عَن أبِي سَعِيدٍ
الخُدْرِيِّ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ وَّهَ يَوْمًا صَلَاة العَصْرِ بِنَهَارٍ، ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا،
فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا أخْبَرَنَا بِهِ، حَفِظَهُ مَن حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَن نَسِيَهُ،
وَكَانَ فِيمَا قَالَ: ((إن الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ
تَعْمَلُونَ، ألا
قال الطيبي: أي: ((لا تُقَاتِلُوهُمْ باسْتِيفَاءِ حَقِّكُمْ وَلا تُكَافِئُوا اسْتِثْثَارَهُمْ بِاسْتِثْقَارِكُمْ، بَلْ
وَفِّرُوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ مِنَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَحُقُوقِ الدِّينِ، وَسَلُوا الله من فَضْلِهِ أَنْ يوصِلَ إِلَيْكُمْ
حَقَّكُمْ مِنَ الْغَنِيْمَةِ وَالْفَيْءٍ وَنَحْوِهِمَا، وَكِلُوا إِلَى الله تَعَالَى أَمْرَكُمْ، والله لا يُضِيعُ أَجْرَ
الْمُحْسِنِينَ)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
٢٦ - بَابُ مَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ :﴿ أَصْحَابَهُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَّامَةِ
[٢١٩١] قوله: (بنهار) فيه: إشارةٌ إلى أنه وَ ليّ عجل العصر في ذلك اليوم، (ثم قام
خطيبًا)، أي: واعظًا (فلم يدع)، أي: لم يترك (شيئًا) أي: مما يتعلق بأمر الدين مما لا بد
منه (ويكون) أي: يقع ذلك الشيء (إلى قيام الساعة)، أي: ساعة القيامة (حفظه من حفظه)
أي: من وفقه الله، وحفظه (ونسيه من نسيه) أي: من أنساه الله، وترك نصره (فكان) وفي
بعض النسخ ((وكان)) (فيما قال) أي: من خطبته، وموعظته: (إن الدنيا خضرة) بفتح فكسر،
أي: ناعمة، طرية محبوبة، (حلوة) بضم أوله؛ أي: لذيذة حسنة، وإنما وصفها بالخضرة؛
لأن العرب تسمي الشيء الناعم خضرًا؛ أو لشبهها بالخضروات في ظهور كمالها، وسرعة
زوالها، وفيه: بيان أنها تفتن الناس بلونها وطعمها (وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف
تعملون) أي: جاعلكم خلفاء من قرن خلوا قبلكم؛ فينظر تطيعونه، أو لا. (ألا) للتنبيه

٤٣٢ كتاب الفتن عن رسول الله وَ لَه / باب ما جاء ما أخْبَرَ النَّبِيُّ وََّ أصْحَابَهُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلى يَومِ القِيَامَةِ
فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاء))، وكَانَ فِيمَا قَالَ: ((ألا لا تَمْنَعَنَّ رَجُلًا هيبةُ النَّاسِ أنْ
يَقُولَ بِحَقِّ إذَا عَلِمَهُ))، قَالَ: فَبَكى أبُو سَعِيدٍ، فَقَالَ: قَد وَاللهِ رأيْنَا أشْيَاء فَهِبْنَا،
فَكَانَ فِيمَا قَالَ: ((ألا إنَّهُ يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ بِقَدْرٍ غَدْرَتِهِ، وَلا غَدْرَةَ
أعْظَمُ مِن غَدْرَةِ إِمَام عامةٍ يُرْكَزُ لِوَاؤُهُ عِنْدَ إِسْتِهِ))، فَكَانَ فِيمَا حَفِظْنَا يَوْمَئذٍ: ((ألا إنَّ
بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى، فَمِنْهُمْ مَن يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيِى مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا،
وَمِنْهُمْ مَن يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَى كَافِرًا وَيَمُوتُ كَافِرًا، وَمِنْهُمْ مَن يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَى
مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا،
(فاتقوا الدنيا)، أي: احذروا زيادتها على قدر الحاجة المعينة للدين النافعة في الأخرى،
(واتقوا النساء)، أي: كيدهن، ومكرهن. (وكان فيما قال) وَّل من خطبته: (ألا) للتنبيه (هيبة
الناس) أي: عظمتهم، وشوكتهم، ومخافتهم، ومهابتهم (أن يقول بحق) أي: من أن يتكلم
به، أو يأمر به (قد والله رأينا أشياء فهبنا) أي: خفنا، من هَابَهُ يَهَابُهُ؛ أي: يخافه. والمعنى:
منعتنا هيبةُ الناس أن نتكلم فيها (ينصب لكل غادر) من الغدر؛ وهو ترك الوفاء (لواء) بكسر
اللام؛ أي: علم إعلامًا بسوء حاله، وقبح مآله (بقدر غدرته) مصدر بمعنى: الغدر.
(ولا غدرة أعظم من غدرة إمام عامة) قال التوربشتي رحمه الله تعالى: أراد به: المتغلب
الذي يستولي على أمور المسلمين، وبلادهم بتأمير العامة، ومعاضدتهم إياه من غير مؤامرة
من الخاصة، وأهل العقد من أولي العلم، ومن ينضم إليهم من ذوي السابقة، ووجوه الناس
(يركز) بصيغة المجهول، أي: يغرز؛ كما في رواية (لواءه عند استه) بهمزة الوصل مكسورة:
العجز، أو حلقة الدبر، أي: ينصب لواءه عند استه؛ تحقيرًا له، (ألا) للتنبيه (خلقوا) أي:
جُبُلُوا على ما خلق الله فيهم من اختيار الخير والشر. (على طبقات شتى) أي: مراتب مختلفة
باعتبار اختلاف أحوال الإيمان والكفر، وأوقاتهما .
(فمنهم من يولد مؤمنًا) أي: من أبويه المؤمنين، أو في بلاد المؤمنين، فإنه حين يولد
قبل التمييز لا ينسب إليه الإيمان إلا باعتبار ما علم الله فيه من الأزل، أو باعتبار ما يؤول إليه
أمره في الاستقبال (يحيى) أي: يعيش في جميع عُمُرِهٍ من حين تمييزه إلى انتهاء عمره (مؤمنًا)
أي: كاملًا، أو ناقصًا (ويموت مؤمنًا) أي: وكذلك، جعلنا الله منهم. (ومنهم من يولد
كافرًا) أي: بخلاف ما سبق، وهو لا ينافي ما ورد: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ»، فإن
المراد بها: قابلية قبول الهداية، لولا مانع من بواعث الضَّلالَة، كما يشهد له قوله: ((فَأبواهُ
يُهَوِّدَانه ... )) الحديث.

كتاب الفتن عن رسول الله وَ لَه / باب ما جاء ما أخْبَرَ النَّبِيُّ وَلَهِ أَصْحَابَهُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلى يَومِ القِيَامَةِ ٤٣٣
وَمِنْهُمْ مَن يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَى كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا، ألا وَإِنَّ مِنْهُمُ البَطِيء الغَضَبِ
سَرِيعَ الفَيءٍ، وَمِنْهُمْ سَرِيعُ الغَضَبِ، سَرِيعُ الفَيْءِ، فَتِلْكَ بِتِلْكَ، ألا وَإِنَّ مِنْهُمْ سَرِيعُ
الغَضَبِ بَطِيُ الفَيء، ألا وَخَيْرُهُمْ بَطِيُ الغَضَبِ سَرِيعُ الفَيءٍ، ألا وَشَرُّهُمْ سَرِيعُ
الغَضَبِ بَطِيءُ الفيء، ألا وَإِنَّ مِنْهُمْ حَسَنَ القَضَاءِ حَسَنَ الطَّلَبِ، وَمِنْهُمْ سَيِّئُ القَضَاءِ
حَسَنُ الطَّلَبِ،
(ومنهم من يولد كافرًا، ويحيى كافرًا، ويموت مؤمنًا) فالعبرة بالخواتيم، وكأن التقسيم
غالبي، وإلا فمنهم من يولد مؤمنًا، ويحيى كافرًا، ويموت مؤمنًا، ومنهم: من يولد كافرًا،
ويحيى مؤمنًا، ويموت كافرًا. ولعل عدم ذكرهما؛ لأن المقصود منه: أن العبرة بالخاتمة.
وقد علمت مما ذكر إجمالًا (ألا) للتنبيه؛ وكذا ما بعده (وإن منهم) أي: من بني آدم
(البطيء الغضب)، فعيل: من البطء، مهموز، وقد يبدل ويدغم؛ وهو ضد السريع (سريع
الفيء) أي: سريع الرجوع من الْغَضَبِ (ومنهم سريع الغضب سريع الفيء، فتلك بتلك) وفي
((المشكاة)) : فإحداهما بالأخرى.
قال القاري: أي إحدى الخصلتين مقابلة بالأخرى، ولا يستحق المدح والذم فاعلهما؛
الاستواء الحالتين فيه بمقتضى العقل، فلا يقال في حقه: إنه خير الناس، ولا شرهم. انتهى.
وههنا قسم رابع لم يذكره الترمذي، وذكره غيره، ففي ((المشكاة)): ومنهم: من يكون بطيء
الغضب، بطيء الفيء، فإحداهما بالأخرى. قال القاري: والتقسيم بمقتضى العقل رباعي،
لا خامس له. وفيه إشارة إلى أن الإنسان خلق فيه جميع الأخلاق المرضية والدنية، وأن
كماله أن تغلب له الصفات الحميدة على الذميمة، لا أنها تكون معدومة فيه بالكلية، وإليه
الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَالْكَظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] حيث لم يقل: ((وَالْعَادِمِينَ)) إذ
أصل الخلق لا يتغير، ولا يتبدل، ولذا ورد: ((وَلَوْ سَمِعْتُمْ أَنَّ جَبَلًا زَالَ عَنْ مَكَانِهِ فَصَدِّقُوهُ،
وَإِنْ سَمِعْتُمْ أَنَّ رَجُلًا تَغَيَّرَ عَنْ خُلُقِهِ - أَي الأصْلِي - فَلا تُصَدِّقُوهُ)).
ومما يدل على جواز تبديل الأخلاق في الجملة دعاؤه وّلهم: ((اللهم اهْدِني لِصَالِحٍ
الأَخْلاقِ، لا يَهْدِي لِصَالِحَهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا
أَنْتَ)). انتهى.
(ألا وإن منهم حسن القضاء) أي: مستحسن الأداء؛ إذا كان عليه الدين، (حسن الطلب)
أي: إذا كان له دَيْنٌ على أحد. (ومنهم سيء القضاء، حسن الطلب). أي: فإحداهما

٤٣٤ كتاب الفتن عن رسول الله وَّ / باب ما جاء ما أخْبَرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَصْحَابَهُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلى يَومِ القِيَامَةِ
وَمِنْهُمْ حَسَنُ القَضَاءِ سَيِّئُ الطَّلَبِ، فَتِلْكَ بِتِلْكَ، ألا وَإِنَّ مِنْهُمُ السَّيئَ القَضَاءِ السَّيِّئ
الطَّلَبِ، ألا وَخَيْرُهُمْ الحَسَنُ القَضَاءِ الحَسَنُ الطَّلَبِ، ألا وَشَرُّهُمْ سَيِّئُ القَضَاءِ سَيِّئُ
الطَّبِ، ألا وَإِنَّ الغَضَبَ جَمْرَةٌ في قَلْبِ ابنِ آدَمَ، أمَا رَأيْتُمْ إِلَى حُمْرةٍ عَيْنَيْهِ وَانْتِفَاخِ
أوْدَاجِهِ، فَمَنْ أحَسَّ بِشَيءٍ مِن ذَلِكَ فَلْيَلْصَقْ بالأرْضِ))، قَالَ: وَجَعَلْنَا نَلْتَفِتُ إلَى
الشَّمْسِ هَلْ بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((ألا إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا فِيمًا
مَضَى مِنْهَا إلَّا كَمَا بَقِيَ مِن يَوْمِكُمْ هَذَا فيمَا مَضَى مِنْهُ)). [ضعيف، علي بن زيد، ضعيف: لكن
بعض فقراته صحيح م: ١٧٣٨، جه: ٢٨٧٣، حم: ١٠٦٥١].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن حُذَيْفَةَ، وَأبِي مَرْيَمَ، وَأَبِي زَيْدِ بْنِ أخْطَبَ،
والمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّى بِهِ حَدَّثَهُمْ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إلَى أنْ تَقُومَ السَّاعَةُ،
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
بالأخرى؛ كما في رواية (ومنهم حسن القضاء، سيء الطلب، فتلك بتلك). وفي
((المشكاة)): ((مِنْكُمْ مَنْ يَكُونُ حَسَنَ الْقَضَاءِ، وَإِذَا كَانَ لَهُ أَفْحَشَ فِي الطَّلَبِ)). قال القاري:
بأن لم يراع الأدب، وآذى في تقاضيه، وعسر على صاحبه في الطلب (ألا وإن الغضب
جمرة). أي: حرارة غريزية، وحدة جبلية مشعلة جمرة نار مكمونة في كانون النفس (إلى
حمرة عينيه) كما يوجد مثل هذا عند حرارة الطبيعة في أثر الحمى (وانتفاخ أوداجه). قال في
((النهاية)): الأوداج: ما أحاط بالعنق، من العروق التي يقطعها الذابح، واحدها: وَدَجْ
بالتحريك. وقيل: الودجان هما: عرقان غليظان من جانبي ثغرة النحر. انتهى. (فمن أحس
بشيء من ذلك)، أي: أدرك ظهور أثر منه، أو من علم في باطنه شيئًا منه (فليلصق
بالأرض)، من باب: علم يعلم؛ أي: فليلتزق بها؛ حتى يسكن غضبهُ؛ وإنما أمر به، لما فيه
من الضَّعَةِ عن الاستعلاء، وتذكار أن من كان أصله من التراب لا يستحق أن يتكبر (ولم يبق
من الدنيا فيما مضى منها) أي: جملة ما مضى منها (إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى
منه) يعني: نسبة ما بقي من أيام الدنيا إلى جملة ما مضى؛ كنسبة ما بقي من يومكم هذا إلى
ما مضى منه. وقوله: ((إلا كما بقي)) مستثنى من فاعل ((لم يبق))؛ أي: لم يبق شيء من
الدنيا، إلا مثل ما بقي من يومكم هذا.
قوله: (هذا حديث حسن) في سنده عليّ بن زيد بن جدعان؛ وهو: صدوق عند

٤٣٥
كتاب الفتن عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاء في الشَّام
٢٧ - باب مَا جَاء في الشَّامِ [ت ٢٧، م ٢٧]
[٢١٩٢] (٢١٩٢) حَدَّثَنَا محمودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ
مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَن أبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إِذَا فَسدَ أهْلُ الشَّام فَلَا خَيْرَ
فِيكُمْ، لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لا يَضُرُّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ، حَتَّى تَقُوَمَ السَّاعَةُ))
الترمذي، ضعيف عند غيره، والحديث أخرجه أيضًا أحمد، والحاكم، والبيهقي(١).
قوله: (وفي الباب عن المغيرة بن شعبة، وأبي زيد بن أخطب، وحذيفة، وأبي مريم ...
إلخ) أما حديث أبي زيد بن أخطب. فأخرجه أحمد، ومسلم في ((الفتن))(٢)، وأما حديث
حذيفة: فأخرجه البخاري في ((القدر)) ومسلم في ((الفتن))(٣)، وأما حديث المغيرة،
وأبي مريم(٤). فلينظر من أخرجه.
٢٧ - بَابُ مَا جَاءَ في الشَّامِ
[٢١٩٢] قوله: (عن أبيه)، أي: قرة بن إياس بن هلال المزني، أبي معاوية، صحابي،
نزيل البصرة.
قوله: (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم) أي: للقعود فيها، أو التوجه إليها (لا تزال)
بالمثناة الفوقية أوله (طائفة) قال القرطبي: الطائفة: الجماعة. وقال في ((النهاية)): الطائفة:
الجماعة من الناس، وتقع على الواحد، وكأنه أراد نفسًا طائفة (منصورين) أي: غالبين على
أعداء الدين (لا يضرهم من خذلهم) أي: ترك نصرتهم، ومعاونتهم (حتى تقوم الساعة) أي:
تقرب الساعة، وهو خروج الريح، قاله النووي. وقال القسطلاني في ((شرح البخاري)):
واستشكل بحديث مسلم(٥)، عن عبد الله بن عمر: ((وَلا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ
النَّاسِ ... )) الحديث.
(١) أحمد (١٠٧٧٣)، ومسلم، في الذكر والدعاء. حديث (٢٧٤٢) مختصرًا، والحاكم. حديث (٨٥٤٣)،
والبيهقي في ((الكبرى)) (٦٣٠٣).
(٢) مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة. حديث (٢٨٩٢).
(٣) البخاري، كتاب القدر. حديث (٦٦٠٤)، ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة. حديث (٢٨٩١).
(٤) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٦٠١).
(٥) مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة. حديث (٢٩٤٩).

٤٣٦
كتاب الفتن عن رسول الله وَل و / باب مَا جَاء في الشَّام
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسماعِيلَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ: هُمْ أصْحَابُ الحَدِيثِ. [جه: ٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن عَبْدِ الله بْنِ حَوَالَةَ، وابنِ عُمَر، وزَيْدِ بْنِ
ثَابِتٍ، وعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو،
وأجيب بأن: المرادَ من ((شرار الناس)) الذين تقومُ عليهم الساعةُ: قوم يكونون بموضع
مخصوص، وبموضع آخر تكون طائفة يقاتلون عن الحق. وعند الطبراني(١) من حديث
أبي أمامة: ((قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، وَأَيْنَ هُمْ؟)) قال: ((بِبَيْتِ الْمَقدِسِ)). والمراد بهم: الذين
يحصرهم الدجال، إذا خرج؛ فينزل عيسى إليهم؛ فيقتل الدجال، ويحتمل أن يكون ذلك عند
خروج الدَّجَّالِ، أو بعد موت عيسى عليه السلام بعد هبوب الرياح التي تهب بعده، فلا يبقى
أحدٌ فَي قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، ويبقى شرارُ النَّاسِ، فعليهم تقومُ السَّاعَةُ، وهناك
يتحقق خلو الأرض عن مسلم، فضلًا عن هذه الطائفة الكريمة؛ وهذا كما في ((الفتح)) أولى
ما يتمسَّك به في الجمع بين الحدیثین المذکورین. انتهى.
(قال محمد بن إسماعيل) يعني الإمام البخاري رحمه الله تعالى (قال علي بن المديني)،
هو: علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي، مولاهم، أبو الحسن البصري، ثقة، ثبت،
إمام، أعلم أهل عصره بالحَدِيثِ وَعلله، حتى قال البخاري: ما استصغرت نفسي إلا عنده.
وقال فيه شيخه ابن عيينة: كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلَّمه مني. وقال النسائي: كأن الله خَلَقَهُ
للحديث (هم أصحاب الحديث). وقال البخاري في ((صحيحه)): وهم أهل العلم.
وقال الحافظ في ((الفتح)): وأخرج الحاكم(٢) في ((علوم الحديث)) بسند صحيح، عن
أحمد: ((إن لم يَكُونُوا أَهْلَ الْحَدِيثِ، فَلا أَدْرِي مَنْ هُمْ)). ومن طريق يزيد بن هارون مثله.
انتهى. قال القاضي عياض: إنما أراد أحمد، أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مَذْهَبَ أهلٍ
الحدیث.
وقال النووي: ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون،
ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم: زهاد، وآمرون بالمعروف، وناهون عن المنكر،
ومنهم: أهلُ أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين؛ بل قد يكونوا متفرقين في
أَقْطَارِ الأرض.
قوله: (وفي الباب عن عبد الله بن حوالة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو)
(١) المعجم الكبير (٧٦٤٣).
(٢) معرفة علوم الحديث (ص/ ٣٥).

٤٣٧
كتاب الفتن عن رسول الله وَاه / باب مَا جَاء في الشَّام
وهذا حدبثٌ حسنٌ صحيحٌ.
حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ مَنيعٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، عَن أبِيهِ،
عَن جَدِّهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أينَ تَأْمُرنِي؟ قَالَ: ((هَا هُنَا)). وَنَحًا بِيدِهِ، نَحْوَ
الشَّامِ.
أما حديث عبد الله بن حوالة: فأخرجه أحمد، وأبو داود(١). وأما حديث ابن عمر، وحديث
زيد بن ثابت: فأخرجهما الترمذي(٢) في ((باب فضل الشَّام واليمن))، من أبواب ((المناقب)).
ولا بن عمر (٣) حديث آخر يأتي في باب: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ من قِبَلِ الْحِجَازِ)).
وأما حديث عبد الله بن عمرو: فأخرجه أبو داود.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد في ((مسنده)).
قوله: (أخبرنا بهز) بفتح موحدة، وسكون هاء، فزاي. قال في ((التقريب)): بهز بن
حكيم بن معاوية القشيري، أبو عبد الملك، صدوق، من السادسة، (عن أبيه) أي: حكيم بن
معاوية بن حيدة القشيري قال في ((تهذيب التهذيب)): ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وذكره
أبو الفضائل الصغاني فيمن اختلف في صحبته، وهو وهم منه؛ فإنه تابعي قطعًا. انتهى (عن
جده) أي: معاوية بن حيدة، بفتح المهملتين، بينهما تحتانية ساكنة ابن معاوية بن كعب
القشيري، صحابي، نزل البصرة.
قوله: (ونحا بيده) أي: أشار بها، (نحو الشام)، أي: إلى جهة الشام. قال في
((القاموس)): نَحَاهُ يَنْحُوهُ وَيَنْحَاهُ: قصده كانتحاه، والنحو: الطريق، والجهة. وروى أحمد (٤)
هذا الحديث في ((مسنده)) بلفظ: ((قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَيْنَ تَأْمُرُنِي؟ خِرْ لِي)). فَقَالَ بِيَدِهِ نَحْوَ
الشَّامِ. وَقَالَ: (إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ رِجَالًا وَرُكْبَانًا، وَتُجَرُّونَ عَلَى وُجُوهِكُمْ)). ورواه الطبراني(٥)
في (الكبير)) بلفظ: ((عَلَيْكُمْ بِالشَّام)). قال المناوي: أي: الزموا سُكْنَاهُ لكونها أرضَ
المحشر، والمنشر. أو المراد آخر الزمان؛ لأن جيوش المسلمين تَنْزَوِي إليها عند غَلَبَةِ
الفسادِ. قال: وإسناده ضعيف.
(١) أحمد (١٩٨٤٣)، وأبو داود، كتاب الجهاد. حديث (٢٥٣٥).
(٢) الترمذي، كتاب المناقب عن رسول الله. حديث (٣٩٥٣)، ونفس الكتاب. حديث (٣٩٥٤).
(٣) الترمذي، كتاب الفتن عن رسول الله. حديث (٢٢١٧).
(٤) أحمد. حديث (١٩٥٤٦).
(٥) المعجم الكبير (٤٢٠/١٩) (١٠١٥).

٤٣٨
كتاب الفتن عن رسول الله وَ ل﴿ / باب مَا جَاء لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكمْ رِقَابَ بَعْضٍ
قَالَ أبُو عِيْسَى: هَذَا حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٢٨ - باب مَا جَاء لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا
يَضْرِبُ بَعْضُكمْ رِقَابَ بَعْضٍ [ت ٢٨، م ٢٨]
[٢١٩٣] (٢١٩٣) حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصِ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعيدٍ،
حَدَّثَنَا فُضَيلُ بْنُ غَزْوانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ له: ((لا
تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)). [خ: ١٧٣٩، حم: ٢٠٣٧].
قَالَ أبُو عِيْسَى: وفي الباب: عَن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، وجَرِيرٍ، وابنِ عُمَر،
وكُرْزِ بنِ عَلْقَمَةَ، ووَائِلَةَ، والصُّنابحي،
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والطبراني(١)، كما عرفت.
٢٨ - بَابُ لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُهُمْ رِقَابَ بَعْضٍ
[٢١٩٣] قوله: (لا ترجعوا بعدي)، أي: لا تصيروا بعد موتي (كفارًا) قال الطيبي: أي:
مشبهين بهم في الأعمال، (يضرب بعضكم رقاب بعض). قال الحافظ: بجزم ((يضرب))؛ على أنه
جواب النهي، وبرفعه على الاستئناف، أو يجعل حالًا. انتهى. وقال في ((المجمع)): أي: لا
تصيروا بعد موقفي هذا، أي: بعد موتي مستحلِّين القتال، أو لا تَتَشَبَّهُوا بِالْكُفَّارِ فِي القتال. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وجرير، وابن عمر، وكرز بن علقمة،
وواثلة بن الأسقع، والصنابحي). أما حديث جرير: فأخرجه أحمد، والشيخان، والنسائي،
وابن ماجه(٢). وأما حديث ابن عمر: فأخرجه أحمد، والبخاري، وأبو داود، والنّسائي،
وابن ماجه(٣)، وأما حديث كرز بن علقمة، وحديث الصنابحي: فأخرجهما أحمد في
((مسنده)) (٤)، وحديث الصنابحي أخرجه أيضًا ابن ماجه، وأما حديث ابن مسعود، وحديث
واثلة: فلينظر من أخرجهما (٥).
(١) تقدم ذكر أحمد، وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٩/ ٢٧) (٥٦).
(٢) أحمد (١٨٦٨٦)، والبخاري (١٢١)، ومسلم (٦٥)، والنسائي (٤١٣١، ٤١٣٢)، وابن ماجه (٣٩٤٢).
(٣) أحمد (٥٥٥٣)، والبخاري، (٦١٦٦)، ومسلم (٦٦)، والنسائي (٤١٢٥)، وابن ماجه (٣٩٤٣).
(٤) أحمد (١٥٤٨٧)، و(١٨٦٠٧) تباعًا، وأخرج ابن ماجه الثاني برقم (٣٩٤٤).
(٥) أحمد (٣٨٠٥).

٤٣٩
كتاب الفتن عن رسول الله وَّله / باب مَا جَاء تَكُونُ فِتْنَةُ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِم
وهذا حديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ.
٢٩ - باب مَا جَاء تَكُونُ فِتْنَةُ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ [ت ٢٩، م ٢٩]
[٢١٩٤] (٢١٩٤) حَدَّثَنَا قُتَيِّبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَن عَيَّاش بْنِ عبَّاسٍ، عَنِ بُكَيرِ بْنِ
عَبْدِ الله بْنِ الأشجِّ، عَن بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ؛ أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وَقَّاصٍ، قَالَ عِنْدَ فِتْنَةِ
عُثمانَ بْنِ عَقَّانَ: أَشْهَدُ أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَِّهِ قَالَ: ((إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ
مِنَ القَائمِ، وَالقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، والماشي خَيْرٌ من السَّاعِي)»،
قوله: (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري في ((الفتن)).
٢٩ - بَابُ مَا جَاءَ تَكُون فِتْنَةُ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ
[٢١٩٤] قوله: (حدثنا الليث) هو: ابن سعد (عن عياش بن عباس) القتباني المصري،
ثقة، من السادسة.
قوله: (إنها ستكون فتنة)، أي: عظيمة (القاعد فيها)، أي: في تلك الفتنة (خير من
القائم)؛ لأنه يرى، ويسمع ما لا يراه، ولا يسمعه القاعد، فيكون أقرب من عذاب تلك
الفتنة؛ بمشاهدته ما لا يشاهده القاعد، ويمكن أن يكون المراد بالقاعد هو الثَّابِتُ في مكانه،
غير متحرك؛ لما يقع من الفتنة في زمانه، والمراد بالقائم، ما يكون فيه نوع باعث وداعية؛
لكنه متردد في إثارة الفتنة. (والقائم) في الفتنة؛ أي: من بعيد متشرف عليها، أو القائم
بمكانه في تلك الحالة (خير من الماشي) أي: من الذاهب على رِجْلِهِ إليها .
(والماشي خير من الساعي)، أي: المسرع إليها ماشيًا، أو راكبًا .
قال الحافظ: قال بَعضُ الشراح في قوله: ((والقاعد فيها خير من القائم))، أي: القاعد
في زمانها عنها. قال: المراد بالقائم: الذي لا يستشرفها، وبالماشي: من يمشي في أسبابه
لأمر سواها؛ فربما يقع بسبب مَشْيهِ في أمر يكرهه، وحكى ابن التين، عن الداودي أن
الظاهر أن المراد من يكون مباشرًا لها في الأحوال كلها؛ يعني: أن بعضهم في ذلك أشد من
بعض؛ فأعلاهم في ذلك السَّاعي فيها؛ بحيث يكون سببًا لإثارتها، ثم من يكون قائمًا
بأسبابها، وهو الماشي، ثم من يكون مباشرًا لها؛ وهو القائم، ثم من يكون مع النظارة، ولا
يقاتل وهو القاعد، ثم من يكون مجتنبًا لها، ولا يباشر، ولا ينظر؛ وهو المضطجع اليقظان،
ثم من لا يقع منه شيء من ذلك، ولكنه راض، وهو النائم. والمراد بالأفضلية في هذه
الخيرية من يكون أقل شرًّا ممن فوقه على التفصيل المذكور. انتهى.

٤٤٠
كتاب الفتن عن رسول الله وَ لَ / باب مَا جَاء تَكُونُ فِتْنَةُ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِم
قَالَ: أَفَرَأيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي، وَبَسَطَ يَدَهُ إلَيَّ لِيَقْتُلَنِي، قَالَ: ((كُنْ كابنٍ آدَمَ)).
[حم: ١٤٤٩].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي الباب: عَن أبِي هُرَيْرَةَ، وخَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ، وأبي بَكْرَةَ،
وابنِ مَسْعُودٍ، وأبي واقِدٍ، وأبي مُوسَى، وخَرَشَةَ،
(قال) أي: سعد: (أفرأيت). أي: فأخبرني (إن دخل عليّ) بتشديد الياء (وبسط يده)
أي: مدها (كن كابن آدم) المطلق ينصرف إلى الكامل، وفيه إشارة لطيفة إلى أن هابيل:
المقتول المظلوم هو: ابن آدم، لا قابيل القاتل الظالم؛ بما قال تعالى في حَقِّ وَلَدِ نوح عليه
الصلاة والسلام: ﴿إِنَّهُ، لَيْسَ مِنْ أَهْلِكْ إِنَّهُ, عَمَلُ غَيْرُ صَلِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، كذا في ((المرقاة)).
قال النووي: هذا الحديث، وما في معناه مما يحتجُّ به مَنْ لا يرى القتال في الفتنة بكلِّ
حال. وقد اختلف العلماءُ في قتال الفتنة؛ فقالت طائفة: لا يقاتل في فتن المسلمين، وإن
دخلوا عليه بيته، وطلبوا قتله؛ فلا يجوز له المدافعةُ عن نفسه؛ لأن الطالب متأول، وهذا
مذهب أبي بكرة رُته، وغيره.
وقال ابن عمر، وعمران بن الحصين ﴿ه، وغيرهما: لا يدخل فيها؛ لكن إن قصد
الدفع عن نفسه، فهذان المذهبان متفقان على ترك الدخول في جميع فتن الإسلام.
وقال معظمُ الصحابة، والتابعين، وعامة علماء الإسلام: يجب نصر المحقِّ في الفتن
والقيام معه بمقاتلة الباغين، كما قال تعالى: ﴿فَقَئِلُواْ الَّتِى تَبْغِى﴾ [الحجرات: ٩] الآية. وهذا هو
الصحيح، وتتأول الأحاديث على من لم يظهر له المحق، أو على طائفتين ظالمتين، لا تأويل
لواحدة منهما؛ ولو كان كما قال الأولون؛ لظهر الفسادُ، واستطال أهلُ البغي والمبطلون.
انتھی .
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة، وخباب بن الأرت، وأبي بكرة، وابن مسعود،
وأبي واقد، وأبي موسى، وخرشة). أما حديث أبي هريرة: فأخرجه أحمد، والشيخان(١).
وأما حديث خباب بن الأرت: فأخرجه أحمد(٢)، وأما حديث أبي بكرة: فأخرجه مسلم(٣).
وأما حديث ابن مسعود: فأخرجه أحمد، وأبو داود(٤).
(١) أحمد. حديث (٧٧٣٧)، والبخاري، كتاب الفتن. حديث (٧٠٨١، ٧٠٨٢)، ومسلم (٢٨٨٦).
(٣) مسلم، كتاب الفتن. حديث (٢٨٨٧).
(٢) أحمد (٢٠٥٥٩).
(٤) أحمد (٤٢٧٤)، وأبو داود، كتاب الفتن والملاحم. حديث (٤٢٥٨).