النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
كتاب الوصايا عن رسول الله وَله / باب مَا جَاء في الحَثِّ عَلَى الوَصِيَّةِ
من طريق فضيل بن عياض، عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، حيث قال فيها: ((أن
يبيت)). فصرح بـ ((أن)) المصدرية. انتهى.
قلت: ويدلُّ له أيضًا ما رواه أحمدُ(١) عن سفيان عن أيوب بلفظ: ((حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ
أَلَّا يبيت لَيْلَتَيْنِ، وَلَهُ مَا يُوصى فِيهِ .... )) الحديث. وما رواه أبو عوانة (٢) من طريق هشام بن
الغاز عن نافع بلفظ: ((لا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ ... )) الحديث، فقولُ العيني هذا
قياسٌ فاسدٌ وفيه تغيير المعنى ... إلخ، ليس مما يلتفتُ إليه، وقد قال بما قال الحافظ غيره
من أهل العلم. قال في ((العدة)): ويحتملُ أن يكون خبرُ المبتدأ ((يبيت)) بتأويله بالمصدر،
تقديره ما حَقُّه بيتوتته ليلتين إلا وهو بهذه الصفة، وهذا معنى قوله في ((المصابيح)): أن يبيت
ليلتين، ارتفع بعد حَذْفِ ((أن))؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، يُرِيكُمُ الْبَّقَ﴾ [الروم: ٢٤]
ذكره القسطلاني. قال الحافظ: قولُه ((ليلتين))؛ كذا لأكثر الرواة، وفي رواية لأبي عوانة
والبيهقي (٣): ((يبيت ليلة أو ليلتين))، وفي رواية لمسلم، والنَّسائي(٤): ((يَبِيتُ ثَلاثَ لَيَالٍ))،
فكأن ذكر الليلتين والثلاث، لرفع الحرج؛ لتزاحم أشغال المرء التي يحتاجُ إلى ذِكْرِهَا،
ففسح له هذا القدر، ليتذكر ما يَحْتَاجُ إليه، واختلاف الروايات فيه دَالٌّ على أنه للتقريب لا
التحديد، والمعنى: لا يمضي عليه زمانٌ، وإن كان قليلًا، إلا ووصيتُه مكتوبةٌ، وفيه إشارةٌ
إلى اغتفار الزمن اليسير، وكأن الثلاثَ غايةٌ للتأخير، ولذلك قال ابن عمر في رواية سالم:
لم أبت ليلةً منذ سمعت رسول الله وَّهِ يقول ذلك ((إِلَّا وَوَصِيَّي عِنْدِي)). انتهى.
قال النووي رحمه الله: فيه الحثُّ على الوصية، وقد أجمع المسلمون على الأمر بها،
لكن مذهبنا، ومذهب الجماهير، أنها مندوبة لا واجبة. وقال داود، وغيره من أهل الظاهر:
هي واجبة لهذا الحديث، ولا دلالة لهم فيه، فليس فيه تصريحٌ بإيجابها، لكن إن كان على
الإنسانِ دَيْنٌ أو حَقٌّ، أو عنده وديعة ونحوها، لزمه الإيصاء بذلك.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: معنى الحديث ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون
(١) أحمد. حديث (٤٥٦٤).
(٢) صحيح أبي عوانة (٤٦٣٧).
(٣) صحيح أبي عوانة (٤٦٤١)، والبيهقي في ((الكبرى)) (١٢٣٦٩).
(٤) مسلم، كتاب الوصية. حديث (١٦٢٧)، والنسائي، كتاب الوصايا. حديث (٣٦١٩).

٣٠٢
كتاب الوصايا عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ لَمْ يُوصٍ
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن سَالِمِ،
عَن ابنِ عُمَرَ، عَن النبيِّ وَالَ: نَحْوَهُ.
٤- باب مَا جَاء أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ لَّمَّ يُوصِ [ت ٤، م ٤]
[٢١١٩] (٢١١٩) حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا أَبُو قَطَنِ عَمْرُو بْنُ الهَيْئَمِ
البَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مغْولٍ، عَن طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، قَالَ: قُلْتُ لابْنٍ
أبِي أوْفَى: أَوْصَى رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: وكَيْفَ كُتِبَتِ الوَصِيَّةُ وكَيْفَ أمَرَ
النَّاسَ؟
وصيتُه مكتوبة عنده، ويستحب تعجيلُها، وأن يكتبها في صحيفةٍ، ويشهد عليه فيها، ويكتب
فيها ما يحتاجُ إليه، فإن تجدَّد له أمر يَحْتَاجُ إلى الوصية به ألحقه بها. وقوله وَّهِ: ((وَوَصِيَّتُهُ
مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ))، معناه مكتوبة، وقد أشهد عليه بها، لا أنه يقتصر على الكتابة، بل لا يعمل بها
ولا ينفع، إلا إذا كان أشهد عليه بها. هذا مذهبنا، ومذهب الجمهور. وقال الإمام محمد بن
نصر المروزي من أصحابنا: يكفي الكتابُ من غير إشهاد لظاهر الحديث. انتهى.
. قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه مالك، وأحمد، والشيخان، وابن ماجه.
٤ - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ وَلِ لَمْ يُوصِ
[٢١١٩] قوله: (عن طلحة بن مصرف)، بميم مضمومة وفتح صاد وكسر راء مشددة على
الصواب، وحكي فتحها، وبفاء، كذا في ((المغني))، وطلحة بن مصرف هذا، هو ابن عمرو
بن كعب اليامي بالتحتانية الكوفي، ثقة، قارئ فاضل، من الخامسة.
قوله: (قلت لابن أبي أوفى)، هو: عبد الله بن أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث
الأسلمي، صحابي شهد الحديبية، وعُمِّر بعد النبي وَلِّ دَهْرًا، مات سنة سبع وثمانين، وهو
آخر من مات بالكوفة من الصحابة.
قوله: (قال: لا)، هكذا أطلق الجواب، وكأنه فهم أن السؤال وقع عن وَصِيَّةٍ خَاصَّةٍ،
فلذلك ساغ نفيها، لا أنه أراد نفي الوصية مطلقًا؛ لأنه أثبت بعد ذلك أنه بكتاب الله، (وكيف
كتبت الوصية، وكيف أمر الناس)، وفي رواية البخاري(١) في ((فضائل القرآن)): كيف كتب
(١) البخاري، كتاب فضائل القرآن. حديث (٥٠٢٢).

٣٠٣
كتاب الوصايا عن رسول الله وََّ ر باب مَا جَاء أَنَّ النَّبِيَّ نَّهَ لَمْ يُوصٍ
قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ الله. لح: ٢٧٤٠، م: ١٦٣٤، جه: ٢٦٩٦].
على الناس الوصية وأمروا بها ولم يوصٍٍ؟ وبذلك يتم الاعتراضُ، أي: كيف يُؤمر المسلمون
بشيء، ولا يفعله النبي ◌َ لا؟ .
قال النووي: لعل ابن أبي أوفى أراد لم يُوصِ بثلث ماله، لأنه لم يترك بعده مالًا. وأما
الأرض فقد سبَّلها في حياته، وأما السِّلاحُ، والبغلة، ونحو ذلك فقد أخبر بأنها لا تورث
عنه، بل جميع ما يخلفه صَدَقَّةٌ، فلم يبق بعد ذلك ما يُوصِي به من الجهة المالية، وأما
الْوَصَايَا بغير ذلك فلم يرد ابن أبي أوفى نفيها، ويحتملُ أن يكون المنفيُّ وصيته إلى عليٍّ
بالخلافة؛ كما وقع التصريح به في حديث عائشة عند البخاري(١)، وغيره، ذكروا عندها أن
عليًّا كان وصيًّا، فقالت: متى أوصى إليه .... الحديث.
وقد أخرج ابنُ حبان(٢) حديثَ البابٍ من طريق ابن عيينة عن مالك بن مغول بلفظ يزيل
الإشكال، فقال: سُئل ابن أبي أوفى هل أوصى رسولُ الله وَّرَ؟ قال: ما ترك شيئًا يوصي
فيه، قيل: فكيف أَمَرَ النَّاس بالوصية ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله. وقال القرطبي:
استبعادُ طلحة واضح، لأنه أطلق، فلو أراد شيئًا بعينه لخصَّه به، فاعترضه بأن الله كتب على
المسلمين الوصية، وأمروا بها، فكيف لم يفعلها النبي بََّ؟ فأجابه بما يدلُّ على أنه أطلق في
موضع التقييد. (أوصى بكتاب الله تعالى)، أي: بالتمسُّك به، والعمل بمقتضاه، ولعله أشار
لقوله رَّ: (تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تمَسَّكْتُمْ بِهِ لَمْ تَضِلُّوا: كِتَابَ الله)).
وأما مَا صَحَّ في مسلم (٣)، وغيره؛ أنه ◌َّهِ أَوْصَى عند موته بثلاث: ((لا يَبْقَيَنَّ بِجَزِيرَةِ
الْعَرَبِ دِينَانِ))، وفي لفظ: ((أَخْرِجُوا الْيَهُودَ من جَزِيرَةِ الْعَرَبِ)). وقوله: ((أَجِيْزُوا الْوَقْدَ بِنَحْوِ
مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ بِهِ)). ولم يذكر الراوي الثالثة، وكذا ما ثبت في النسائي(٤)؛ أنه وُّ كان آخر
ما تكلم به: ((الصَّلاةَ وَمَا مَلَكَتْ إِيْمَانُكُمْ)). وغير ذلك من الأحاديث التي يمكن حصرُها
بالتتبع، فالظاهر أن ابن أبي أوفى لم يرد نفيه، ولعله اقتصر على الوصية بكتاب الله؛ لكونه
(١) البخاري كتاب الوصايا. حديث (٢٧٤١).
(٢) ابن حبان. حديث (٦٠٢٣).
(٣) مسلم، كتاب الوصية، حديث (١٦٣٧)، ولفظه: ((أوصيكم بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ... ))
وليس فيه اللفظ الذي أورده المصنف. وهو عند البخاري أيضًا، كتاب الجهاد والسير، حديث (٣٠٥٣).
ورواه أحمد (٢٥٨٢٠) بلفظ: ((لا يترك بجزيرة العرب دينان)).
(٤) في ((الكبرى)) برقم (٧٠٩٤).

٣٠٤
كتاب الوصايا عن رسول الله وَله / باب مَا جَاء لَا وَصِيَّةً لِوَارِثٍ
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثٍ
مَالِكِ بْنِ مغْولٍ.
٥- باب مَا جَاء لَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ [ت ٥، ٥٢]
[٢١٢٠] (٢١٢٠) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ وهَنَّادٌ، قالا: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بْنُ
عيَّاشِ، حَدَّثَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسْلِمِ الخَوْلانِيُّ، عَن أبِي أَمَامَةَ البَاهِلِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وََّ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ: ((إنَّ الله قد أعْطَى كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ فَلا
وَصِيَّةً لِوَارِثٍ،
أعظم وأهم، ولأن فيه تبيانَ كُلِّ شيءٍ، إما بطريق الحصر وإما بطريق الاستنباط، فإذا اتبع
الناسُ ما في الكتاب عملوا بكل ما أمرهم النبي ◌ُّه به، لقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ﴾ [الحشر: ٧] الآية، أو يكون لم يحضر شيئًا من الْوَصَايَا المذكورة، أو لم
يستحضرها حال قوله، والأولى أنه إنما أراد بالنفي الوصية بالخلافة، أو بالمال، وساغ
إطلاق النفي، أما في الأول فبقرينة الحال، وأما في الثاني، فلأنه المتبادرُ عُرفًا. وقد صَحَّ
عن ابن عباس، أنه وَّه لم يُوصِ، أخرجه ابنُ أبي شيبة(١) من طريق أرقم بن شرحبيل عنه،
مع أن ابن عباس هو الذي روى حديث أنه وَّر أوصى بِثَلاثٍ، والجمع بينهما على ما تقدم.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه البخاري في ((الوصايا))، وفي ((المغازي))،
وفي ((فضائل القرآن))، وأخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه في ((الوصايا)).
٥ - بَابُ مَا جَاءَ لا وَصِيَّةً لِوَارِثٍ
[٢١٢٠] قوله: (أخبرنا شرحبيل بن مسلم الخولاني) الشامي، صدوق، فيه لين، من
الثالثة .
قوله: (قد أعطى كل ذي حق حقه)، أي بيَّن له حَطّهُ ونصیبُه الذي فرض له (فلا وصية
لوارث). قال الأمير اليماني في «السبل)»: الحديثُ دليلٌ على مَنْع الوصيةِ للوارث، وهو قولُ
الجماهير من العلماء. وذهب الهادي، وجماعة إلى جَوَازِهَا مسَتدلِّين بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ
عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اٌلْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] الآية.
(١) مصنف ابن أبي شيبة. حديث (٣٠٩٤١).

٣٠٥
كتاب الوصايا عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء لَا وَصِيَّةً لِوَارِثٍ
الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، ولِلْعَاهِرِ الحَجرُ،
قالوا: ونسخُ الوجوب لا ينافي الجواز. قلنا: نعم، لو لم يرد هذا الحديث، فإنه ينافي
لجوازها، إذ وجوبها قد عُلم نسخُه من آية المواريث، كما قال ابن عباس: كان المالُ للولدِ،
والوصية للوالدين، فنسخ الله سبحانه من ذلك ما أَحَبَّ، فجعل للذكر مثل حظّ الأُنثيين،
وجعل للأبوين لكلِّ واحدٍ منهما السدس، وجعل للمرأة الثُّمُنَ والربع، وللزوج الشَّطْرَ
والُّبُعَ. انتھی.
قلت: حديث ابن عباس هذا أخرجه البخاري في ((صحيحه)) في الوصايا، وغيره. قال
الحافظ: هو موقوفٌ لفظًا، إلا أنه في تفسيره إخبارٌ بما كان من الحكم قبل نزول القرآن،
فيكون في حكم المرفوع بهذا التقرير. انتهى.
واعلم أن حديثَ الباب أخرجه الدار قطني(١) من حديث ابن عباس، وزاد في آخره: إلَّا
أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ. قال الحافظ في ((بلوغ المرام)»: إسنادُهُ حَسَنٌ، وقال في ((الفتح)): رجاله
ثقات، لكنه معلول، فقد قيل: إن عطاء الذي رواه عن ابن عباس هو الخراساني، وهو لم
يسمع من ابن عباس. وأخرجه الدارقطني(٢) أيضًا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده مرفوعًا: ((لا وَصِيَّةً لِوَارِثٍ، إِلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ)). قال الحافظ في ((التلخيص)): إسناده
واهٍ، وفي هذه الزيادة دليلٌ على أنها تصح، وتنفذ الوصية للوارث إن أجازها الورثةُ.
قال العيني في ((العمدة)): قال المنذري: إنما يبطل الوصية للوارث في قَوْلِ أكثرٍ أهل
العلم من أَجْلِ حُقُوقِ سَائِرِ الورثةِ، فإذا أجازوها جَازَتْ، كما إذا أَجَازُوا الزيادة على الثُّلُثِ،
وذهب بعضُهم إلى أنها لا تجوزُ، وإن أجازوها، لأن المنع لحقِّ الشرع، فلو جوزناها كنا قد
استعملنا الحكمَ المنسوخ، وذلك غير جائز، وهو قولُ أهل الظاهر. انتهى. (الولد
للفراش)، أي: للأم. قال في ((النهاية)): وتسمى المرأةُ فراشًا، لأن الرجل يفترشها، أي:
الولد منسوبٌ إلى صَاحِبِ الْفِرَاشِ، سواء كان زَوْجًا، أو سَيِّدًا، أو واطئ شبهة، وليس
للزاني في نسبه حَظّ، إنما الذي جعل له من فعله استحقاق الحد، وهو قوله: (وللعاهر
الحجر) قال التوربشتي: يريد أن له الخيبة، وهو كقولك: له التراب، والذي ذهب إلى الرجم
فقد أخطأ، لأن الرجم لا يشرع في سائره.
(١) سنن الدارقطني (٩٧/٤، ٩٨)، (٨٩، ٩٤).
(٢) سنن الدارقطني (٩٨/٤) (٩٣).

٣٠٦
كتاب الوصايا عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ
وَحِسَابُهُمْ على الله، ومن ادَّعَى إلَى غَيْرِ أبِيه أو انْتَمى إلَى غَيْرِ مَوَالِيْهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَهُ الله
التَّابِعَةُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لا تُنْفِقُ امْرَأَةٌ مِن بَيْتِ زَوْجِهَا إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا))، قِيلَ:
يَا رَسُولَ الله، وَلا الطعامَ؟ قَالَ: ((ذَلِكَ أَفْضَلُ أمْوَالِنَا)) ثم قَالَ: «العَارِيَةُ مُؤَدَّةٌ،
وَالمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ،
(وحسابهم على الله تعالى) قال المظهرُ: يعني نحن نقيم الحدَّ على الزناة، وحسابهم
على الله، إن شاء عفا عنهم، وإن شاء عاقبهم، هذا مفهومُ الحديث، وقد جاء: ((مَنْ أُقِيمَ
عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الدُّنْيَا، لا يُعَذَّبُ بِذَلِكَ الذَّنْبِ فِي الْقِيَامَةِ؛ فَإِنَّ الله تَعَالَى أَكْرَمُ من أَنْ يُئِّي
الْعُقُوبَةَ عَلَى مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ). ويحتمل أن يراد به من زنى، أو أذنب ذنبًا آخر، ولم يقم
عليه الحد، فحسابُه على الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه.
قال القاري: ويمكن أن يقال: ونحن نجري أحكام الشرع بالظاهر. والله تعالى أعلم
بالسَّرائر، فحسابهم على الله، وجزاؤهم عند الله، أو بقية محاسبتهم، ومجازاتهم من الإصرار
على ذلك الذنب، ومباشرة سائر الذنوب تحت مشيئة الله (ومن ادعى إلى غير أبيه). بتشديد
الدال، أي: انتسب إلى غير أبيه، وهو يعلمُ أنه غيرُ أبيه، (أو انتمى إلى غير مواليه)، أي:
انتسب إليهم وصار معروفًا بهم، من نميته إلى أبيه نميًا: نسبته إليه وانتمى، هو: (فعليه
لعنة الله التابعة إلى يوم القيامة). وفي رواية أبي داود(١) عن أنس: ((الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ))
(لا تنفق) نفي: وقيل: نهي. (امرأة من بيت زوجها، إلا بإذن زوجها)، أي: صَريحًا أو
دلالة. (قيل: يا رسول الله، ولا الطعام، قال: ذاك أفضل أموالنا)، يعني: فإذا لم تجز
الصدقةُ بما هو أقل قدرًا من الطعام بغير إذن الزوج، فكيف تجوزُ بالطعام الذي هو أفضلُ؟
(العارية). بالتشديد ويخفف، (مؤداة) بالهمزة ويبدلُ. قال التوربشتي: أي: تؤدى إلى
صاحبها .
واختلفوا في تأويله على حسب اختلافهم في الضَّمَانِ، فالقائلُ بالضَّمَان يقولُ: تؤدى
عينًا حال القيام، وقيمة عند التَّلَفِ، وفائدةُ التأدية عند من يرى خلافه إلزام المستعير مؤنة
رَدِّها إلى مالكها. (والمنحة) بكسر فسكون، ما يمنحه الرجلُ صاحبه، أي: يعطيه من ذات
دَرِّ، ليشرب لبنها، أو شجرة ليأكل ثمرها، أو أرضًا ليزرعها، وفي رواية ((المنيحة)):
(مردودة) إعلام، بأنها تتضمن تمليك المنفعة، لا تمليك الرقبة.
(١) أبو داود، كتاب الأدب. حديث (٥١١٥).

٣٠٧
كتاب الوصايا عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاء لَا وَصِيَّةً لِوَارِثٍ
وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ، والزَّعِيمُ غَارِمٌ)). [د: ٣٥٦٥، جه مختصرًا: ٢٣٩٨].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ، وَأَنَسٍ بن مالك، وهو
حديثٌ حسنٌ صحيح، وقد رُوِيَ عَن أَبِي أَمَامَةَ عَن النبيِّ وَلِّ مِن غَيْرِ هذا الوَجْهِ،
ورِوَايَةُ إسماعيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَن أهْلِ العِرَاقِ وَأَهْلِ الحِجَازِ لَيْسَ بِذَلِكَ فِيمَا تَفَرَّدَ بِهِ،
لأَنَّهُ رَوَى عَنْهُمْ مَنَاكِيرَ، وَرِوَايَتُهُ عَن أهْلِ الشَّامِ أصَحُّ؛ هَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ
إسماعيلَ، قَالَ: سَمِعْتُ أحمدَ بْنَ الحَسَنِ يَقُولُ:
:٠
(والدين مقضي)، أي: يجب قضاؤه (والزعيم)، أي: الكفيلُ (غارم)، أي: يلزم نفسه ما
ضمنه، والغرمُ أداءُ شيءٍ يلزمه، والمعنى: ضامن ومن ضمن دينًا لزمه أداؤه. (وفي الباب
عن عمرو بن خارجة، وأنس بن مالك). أما حديثُ عمرو بن خارجة: فأخرجه الترمذي(١)
في هذا الباب. وأما حديثُ أنس بن مالك: فأخرجه ابن ماجه(٢).
قوله: (هذا حديث حسن). وأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وحسَّنه الحافظ
أيضًا في ((التلخيص)): وقال في ((الفتح)): في إسناده إسماعيل بن عياش، وقد قوی حديثه إذ
روى عن الشاميين جماعة من الأئمة منهم: أحمد، والبخاري، وهذا من روايته عن
الشاميين، لأنه رواه عن شرحبيل بن مسلم، وهو شامي ثقة، وصرح في روايته بالتحديث عند
الترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن.
وفي الباب عن عمرو بن خارجة: عند الترمذي، والنسائي(٣)، وعن أنس:" عند ابن
ماجه، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: عند الدارقطني(٤)، وعن جابر: عند
الدار قطني(٥) أيضًا، وقال: الصواب إرساله. وعن علي: عند ابن أبي شيبة (٦)، ولا يخلو
إسنادُ كُلِّ منها عن مقال، لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلًا، بل جنحَ الشّافعيُّ في
((الأم)) إلى أن هذا المتن متواتر، فقال: وجدنا أهل الفتيا، ومن حفظنا عنهم من أَهْلِ العلم
(١) الترمذي، كتاب الوصاياً. حديث (٢١٢١)، والنسائي، كتاب الوصايا. حديث (٣٦٤١).
(٢) ابن ماجه، كتاب الوصايا. حديث (٢٧١٤).
(٣) الترمذي، كتاب الوصايا. حديث (٢١٢١)، والنسائي، كتاب الوصايا. حديث (٣٦٤١).
(٤) سنن الدارقطني (٩٨/٤) (٩٣).
(٥) سنن الدار قطني. حديث (٩٧/٤) (٩٠).
(٦) مصنف ابن أبي شيبة (٢٨١/٧) (٣).
٠٠٠~

٣٠٨
كتاب الوصايا عن رسول الله وَ / باب مَا جَاء لَا وَصِيَّةً لِوَارِثٍ
قَالَ أحمدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إسماعيلُ بْنُ عَيَّاشٍ أصْلَحُ بدنًا من بَقِيَّةَ، وَلِيقِيَّةَ أحَادِيثُ مَنَاكِيرُ
عَن الثِّقَاتِ، وسَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ عَبْدِ الرحمنِ يقولُ: سَمِعْتُ زكريّا بْنَ عَدِيٍّ يقولُ:
قَالَ أبو إسحاقَ الفَزَارِيُّ: خُذُوا عَن بَقِيَّةَ ما حَدَّثَ عَنِ النِّقَاتِ، ولا تَأْخُذُوا عَن
إسماعيلَ بْنِ عَيَّاشٍ مَا حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ وَلَا عَن غَيْرِ الثَّقَاتِ.
بالمغازي من قريش، وغيرهم لا يختلفون في أن النبي ◌َ ◌ّ قال عام الفتح: ((لا وَصِيَّةَ
لِوَارِثٍ))، ويؤثرون عَمَّنْ حَفظوه عنه ممن لقوه من أهل العلم، فكان نقل كافة عن كافة، فهو
أقوى من نقل واحد، وقد نازع الفخر الرازي في كون هذا الحديث متواترًا، وعلى تقدير
تسليم ذلك، فالمشهور من مَذْهَبِ الشَّافعي: أن القرآن لا ينسخ بالسنة، لكن الحجة في هذا
الإجماع على مقتضاه؛ كما صرح به الشافعي، وغيره. انتهى.
(قال أحمد بن حنبل: إسماعيل بن عياش أصلح بدنًا من بقية)، أي: أصلح حالًا منه.
(وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن) هو الدارمي، (ولا تأخذوا عن إسماعيل بن عياش ما
حدث عن الثقات، ولا غير الثقات).
قال النووي في ((شرح مقدمة صحيح مسلم)): هذا الذي قاله أبو إسحاق الفزاري في
إسماعيل خلافُ قولِ جمهور الأئمة. قال عباس: سمعت يحيى بن معين يقول: إسماعيل بن
عباس ثقة، وكان أحبَّ إلى أهل الشام من بقية. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين
يقول: هو ثقةٌ والعراقيون يكرهون حَدِيثَهُ. وقال البخاري: ما روى عن الشاميين أَصَحُّ. وقال
عمرو بن علي: إذا حدث عن أهل بلاده فصحيح، وإذا حدث عن أهل المدينة مثل هشام بن
عروة، ويحيى بن سعيد، وسهيل بن أبي صالح، فليس بشيء. وقال يعقوب بن سفيان: كنت
أسمع أصحابنا يقولون: علم الشأم عند إسماعيل بن عياش، والوليد بن مسلم.
قال يعقوب: وتكلّم قومٌ في إسماعيل، وهو ثقة عدلٌ أعلمُ الناس بحديث الشأم، ولا
يدفعه دافع، وأكثر ما تكلموا قالوا: يغرب عن ثقات المكيين والمدنيين، وقال يحيى بن
معين: إسماعيلُ ثقةٌ فيما روى عن الشَّاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز، فإن كتابه ضَاعَ
فخلط في حفظه عنهم. وقال أبو حاتم: هو ليِّنٌ يكتبُ حديثه، [و] لا أعلم أحدًا كَفَّ عنه إلا
أبا إسحاق الفزاري. انتهى.

٣٠٩
كتاب الوصايا عن رسول الله وَله / باب مَا جَاء لَا وَصِيَّةً لِوَارِثٍ
[٢١٢١] (٢١٢١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أبو عَوَانَةَ، عَن قَتَادَةَ، عَن شَهْرِ بْنِ
حَوْشَبٍ، عَن عَبْدِ الرحمنِ بْنِ غُنْمِ، عَن عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِّ خَطَب على
نَاقَتِهِ، وَأنَا تَحْتَ جِرَانهَا، وهِيَ تَقْصَعُ بِجَرَّتِها، وإنَّ لُعَابَهَا يَسِيلُ بَيْنَ كَتَفَيَّ، فَسَمِعْتُهُ
يَقُولُ: ((إنَّ اللهَ أعْطَى كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، وَلا وَصِيةَ لِوَارِثٍ، وَالوَلَدُ لِلفِرَاشِ،
ولِلْعَاهِرِ الحَجرُ، وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أبِيهِ أوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ رَغْبَةً عَنْهُمْ، فَعَلَيْهِ
لَعْنَهُ الله لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلا عَدْلًا)). [ن: ٣٦٤٣، جه: ٢٧١٢، حم: ١٧٢١٠].
قَالَ: وسَمِعْت أحْمَدَ بْنَ الحَسَنِ يَقُولُ: قَالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لا أبَالِي بِحَدِيثٍ
شَهْرٍ بْنِ حَوْشَبٍ، قَالَ: وَسَألْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ فَوَثْقَهُ،
وَقَالَ: إِنَّمَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ ابْنُ عَوْنٍ، ثُمَّ رَوَى ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ هِلالِ بْنِ أبِي زَيْنَبَ، عَنْ
شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢١٢١] قوله: (وأنا تحت جرانها)، بكسر الجيم. قال في ((القاموس)): جِرَانَ البعير
بالكسر: مقدم عنقه من مَذْبَحِه إلى منحره. (وهي تقصع بجرتها) الجرة، بكسر الجيم وتشديد
الراء. قال في ((القاموس)): الجرة بالكسر: هيئة الجر، وما يفيض به البعير، فيأكله ثانية،
وقد اجتر وأجر واللقمة يتعلَّل بها البعير إلى وقت عَلَفِهِ، والقصع البلعُ. قال في ((القاموس)):
فَصَعَ كَمَنَعَ: ابْتَلَعَ جُرَعَ المَاءِ، والناقة بجَّرَتهَا: رَدَّتْهَا إلى جَوْفِهَا أَو مَضَغَتْهَا، أو هو بعد
الدَّسْعِ وقبل المَضْغِ، أو هو أن تملأ بها فاها، أو شدة المَضْغ. (وإن لعابها يسيل بين
كتفي)، وفي رواية: وإن لُغَامَهَا، بضم اللام بعدها غين معجَمة وبعد الألف ميم هو:
اللّعَابُ. قال في ((القاموس)): لَغَمَ الجَمَلُ كَمَنَعَ رمى بِلُعَابِهِ لِزَبَدِهِ، قال: وَالمَلاغِمُ ما حَوْلَ
الْفَمِ .
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد، والنسائي، وابن ماجه،
والدار قطني، والبيهقي(١)، وفي سنده شهر بن حوشب، وهو مختلفٌ فيه.
(١) تقدم ذكرهم، وأخرجه الدارقطني في سننه (١٥٢/٤) (١٣)، والبيهقي في ((الكبرى)) (١١٣٨، ١٢٣١٩).

٣١٠
كتاب الوصايا عن رسول الله وَه / باب مَا جَاء يُبْدَأُ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ
٦- باب مَا جَاء يُبْدَأَ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ [ت ٦، م ٦]
ءُ
[٢١٢٢] (٢١٢٢) حَدَّثَنَا ابنُ أبِي عُمَر، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن أبي إسْحَاقَ
الهَمْدَانِيِّ، عَن الحَارِثِ، عَن عَلِيٍّ؛ أنَّ النَّبِيَّ ◌َ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ، وَأَنْتُم
تَقْرَؤُنَ الوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ. [جه: ٢٧١٥، حم: ٥٩٦].
قَالَ أبُو عِيْسَى: والعَمَلُ على هذا عِنْدَ عَامَّةِ أهْلِ العِلم: أنه يُبْدَأَ بالدَّيْنِ قَبْلَ
الوَصِيَّةِ.
٦ - بَابُ مَا جَاءَ يُبْدَأُ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ
[٢١٢٢] قوله: (وأنتم تقرؤون الوصية قبل الدين) أي: في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ
يُؤْمِى بِهَا أَوْ دَيِّنٍ﴾ [النساء: ١١]. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢].
وقوله: ﴿مِّنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ تُوُصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى
◌ِآَ أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]. قال الطيبي رحمه الله: قوله: ((أنتم تقرؤون)) إخبارٌ فيه معنى
الاستفهامِ، يعني: أنتم أتقرؤون هذه الآية، هل تدرون معناها؟ فالوصيةُ مقدمةٌ على الدَّيْنِ في
القراءةِ، متأخرة عنه في القضاء. انتهى. وتقدم وجهُ تقديم الْوَصِيَّةِ على الدَّيْنِ في القراءةِ، مع
كونها متأخرةٌ عنه في الْقَضَاءِ في باب ميراثِ الإخوةِ من الأب والأم، وسيأتي مفصلًا.
قوله: (والعمل على هذا عند عامة أهل العلم، أنه يبدأ بالدين قبل الوصية). قال الحافظ
في (الفتح)): ولم يختلفُ العلماءُ في أن الدينَ يقدَّم على الوصيةِ، إلا في صورة واحدة، وهي
ما لو أوصي لشخص بألفٍ مثلًا، وصدقه الوارث وحكم به، ثم ادعى آخر أن له في ذِمَّةٍ
الميتِ دينًا يستغرقُ موجوده، وصدقه الوارث، ففي وجه للشافعية، أنها تقدمُ الوصية على
الدَّيْنِ في هذه الصورة الخاصة، وأما تقديمُ الوصية على الدين في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ
وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]. فقد قيل في ذلك: إن الآيةَ ليس فيها صيغةُ ترتيب، بل
المرادُ أن المواريثَ إنما تَقَعُ بعد قضاءالدين، وإنفاذ الوصية، وأتي بـ ((أو)) للإباحة وهي
كقولك: جالس زيدًا أو عمرًا، أي: لك مجالسة كل واحد منهما، اجتمعا أو افترقا، وإنما
قدمت لمعنى اقتضى الاهتمام بتقديمها، واختلف في تعيين ذلك المعنى.
وحاصل ما ذكره أهلُ العلم من مقتضيات التقديم ستة أمور: أحدها الخفة والثقل؛
كربيعة، ومضر، فـ ((مضر)) أشرف من ((ربيعة))، لكن لفظ ((ربيعة))؛ لما كان أخف قدم في

٣١١
كتاب الوصايا عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في الرَّجُلِ يَتصَدَّقُ أوْ يُعْتَقُ عِنْدَ المَوْتِ
٧- باب مَا جَاء في الرَّجُلِ يَتصَدَّقُ أوْ يُعْتِقُ عِنْدَ المَوْتِ [ت ٧، م ٧]
[٢١٢٣] (٢١٢٣) حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرحمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
عَن أبي إسْحَاقَ، عَن أبِي حبيبَةَ الطَّائِيِّ، قَالَ: أوْصَى إِلَيَّ أخِي بِطَائِفَةٍ مِن مَالِهِ،
الذكر، وهذا يرجع إلى اللفظ. ثانيها: بحسب الزمان كعاد، وثمود. ثالثها: بحسب الطبع
كثلاث ورباع. رابعها: بحسب الرتبة كالصلاة والزكاة، لأن الصلاة حَقُّ البدن، والزكاةَ حَقُّ
المال، فالبدن مقدمٌ على المال. خامسها: تقديم السبب على المسبب؛ كقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ
حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩]. وقال بعض السلف: عَزَّ، فلما عَزَّ حَكَمَ. سادسها: بالشَّرف والفضل،
كقوله تعالى: ﴿مِّنَ النَّبِنَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩]. وإذا تقرر ذلك فقد ذكر السهيليُّ أن تقديمَ
الوصية في الذكر على الدين؛ لأن الوصيةَ إنما تقعُ على سبيلِ البر والصلة، بخلاف الدين،
فإنه إنما يقَعُ غالبًا بعد الميتِ بنوع تفريط، فوقعت البداءة بالوصية؛ لكونها أفضل. وقال
غيره: قدمتُ الوصيةُ؛ لأنها شيءٌ يؤخذ بغير عوض، والدين يؤخذ بِعِوَضٍ، فكان إخراجُ
الوصية أَشَقَّ على الوارث من إخراج الدَّيْنِ، وكان أداؤها مظنةَ التفريط بخلاف الدينِ، فإن
الوارثَ مطمئنٌ بإخراجه، فقدمت الوصيةُ لذلك. وأيضًا فهي حَّ فقيرٍ ومسكين غالبًا، والدَّينِ
حَظّ غريم يطلبه بقوة، وله مقال؛ كما صَحَّ عنه وَّهَ أنه قال: ((إِنَّ لِصَاحِبِ الدَّيْنَ مَقَالًا)).
وأيضًا فالوصيةُ ينشئها الموصي من قِبَلِ نَفْسِهِ، فقدمت تَحْرِيضًا على العمل بها بخلاف
الدين. انتهى. وحديثُ عليٍّ المذكور ضعيف.
قال في ((النيل)): قد أخرج أحمد، والترمذي(١)، وغيرهما من طريق الحارث الأعور عن
علي عليه سلام الله ورضوانه قال: ((قضى محمد بَّه أن الدَّين قبل الْوَصِيَّةِ، وأنتم تقرؤون
الوصيةَ قبل الدَّين))، والحديث وإن كان إسناده ضعيفًا، لكنه معتضدٌ بالاتفاق الذي سلف.
انتھی .
٧ - بَابُ ما جَاءَ في الزَّجُلِ يَتَصَدَّقُ أَوْ يُقْتِقُ عِنْدَ الْمَوْتِ:)
[٢١٢٣] قوله: (عنَّ أبي حبيبة الطائي). قال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: روى
عن أبي الدرداء حديث: ((مَثَلُ الَّذِي يَهْدِي وَيَعْتِقُ عِنْدَ الْمُؤْتِ ... إلخ))(٢)، وعنه أبو إسحاق
(١) أحمد. حديث (٥٩٦)، والترمذي، كتاب الوصايا عن رسول الله. حديث (٢١٢٢).
(٢) أحمد. حديث (٢١٢١١، ٢١٢١٢)، والنسائي، كتاب الوصايا. حديث (٣٦١٤).

٣١٢
كتاب الوصايا عن رسول الله ◌َظهور / باب
فَلَقِيتُ أبَا الدَّرْدَاءِ، فَقُلْتُ: إنَّ أخِي أوْصَى إِلَيَّ بِطَائِفَةٍ مِن مَالِهِ فَأَيْنَ تَرَى لي وَضْعَهُ
في الفُقَراءِ أو المَسَاكِينَ أو المُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ الله؟ فَقَالَ: أمَّا أنَا، فَلَوْ كُنْتُ لَمْ
أعْدِلْ بالمجاهِدِينَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَهِ يَقُولُ: ((مَثَلُ الَّذِي يُعْتِقُ عِنْدَ المَوْتِ كَمَثَلٍ
الَّذِي يُهْدِي إذَا شَبِعَ)). [أبو حبيبة، وثقه ابن حبان، وقال الذهبي مرَّة: ثقة، وأخرى: لا يُدرى من هو،
وأبو إسحاق، مدلس].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٨ - باب
[٢١٢٤] (٢١٢٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَن ابنِ شِهَابٍ، عَن عُرْوَةَ؛ أن
عَائِشَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّ بَرِيرَةَ جَاءتْ
السبيعي، ولا يعرف له غيره، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). انتهى. وقال في ((التقريب)):
مقبول، من الثالثة.
قوله: (أما أنا فلو كنت لم أعدل بالمجاهدين)، أي: لم أساو بهم الفقراء، أو
المساكين، وغيرهم، والمعنى: لو كنت أنا موصيًا لم أُوص إلا للمجاهدين. (مثل الذي
يعتق). وفي رواية: ((يَتَصَدَّقُ))، (عند الموت)، أي: عند احتضاره. وفي ((المشكاة)): مثل
الذي يتصدَّق عند موته [أو] يعتق (كمثل الذي يهدي إذا شبع). قال الطيبي: في هَذَا الإهداءِ
نوعُ استخفافٍ بالمهدى إليه. انتهى. والأظهرُ أن المرادُ أنه مرتبة ناقصة؛ لأن التصدقَ
والإعتاقَ حال الصِّحَّةِ أفضلُ، كما أن السخاوة عند المجاعة أكمل؛ قاله القاري.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه أحمد، والنسائي، والدارمي. وفي الباب
عن أبي سعيد مرفوعًا: ((لأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ فِي حَيَاتِهِ بِدِرْهَم، خَيْرٌ لَهُ من أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِائَةٍ عِنْدَ
مَوْتِهِ))، رواه أبو داود(١) وفي سنده شرحبيل بن سعد الأنصاري. قال المنذري: لا يحتجُّ
بحديثه .
٨ - بَابٌ
[٢١٢٤] قوله: (أن بريرة). بوزن عظيمة، هي مولاة لعائشة، تقدم ترجمتها في باب
(١) أبو داود، كتاب الوصايا. حديث (٢٨٦٦).

٣١٣
كتاب الوصايا عن رسول الله مح لا د / باب
تَسْتَعِينُ عَائِشَةَ فِي كِتَابَتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِن كِتَابَتِهَا شَيْئًا، فَقَالَت لَهَا عَائِشَةُ:
ارْجِعِي إلى أهْلِكِ، فَإِنْ أحَبُّوا أنْ أقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ، ويَكُونَ لي ولا ◌ُكِ فَعَلْتُ،
فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرةُ لأَهْلِهَا فَأْبَوْا، وقالُوا: إنْ شَاءتْ أنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ ويَكُونُ لَنَا
وَلَاؤُكِ فَلْتَفْعَلْ، فَذَكَرت ذلكَ لَرَسُولِ اللهِهِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((ابْتَاعِي
فأعْتِقِي؛ فإنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)) ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللهِوَلَه فَقَالَ: ((مَا بَالُ أقْوَام
يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ الله؟ مَن اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ الله،
اشتراط الولاء، والزجر عن ذلك من أبواب البيوع، (تستعين عائشة) جملة حالية، (ولم تكن
قضت)، أي: أَدَّتْ، (من كتابتها)، أي: من بدل كتابتها، (ارجعي إلى أهلك)، المراد به
مَوَالِيهَا. (فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك، ويكون ولاؤك لي، فعلت)، ظاهره أن عائشةً
طلبت أن يكونَ الولاءُ لها، إذا بذلت جميعَ مَالِ الكتابةِ، ولم يقع ذلك؛ إذ لو وقع لكان
اللَّوم بطلبها ولاء من أعتقها غيرها .
وقد رواه أبو أسامة عن هشام بلفظ يزيل الإشكال فقال: ((إن أعدها لهم عدة واحدة،
وأعتقك، ويكون ولاؤك لي، فعلت)). وكذلك رواه وهيب عن هشام، فعرف بذلك أنها
أرادت أن تشتريها شراءً صحيحًا ثم تعتقها؛ إذ العتقُ فرعُ ثُبُوتِ الملك، ويؤيدهُ قَوْلُ النبي
وَرُ: ((ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي))، كذا في ((النيل))، (فذكرت ذلك) أي الذي قالته عائشة، (فأبوا) أي
امتنعوا أن يكون الولاء لعائشة، (إن شاءت) أي عائشة (أن تحتسب)، من الحسبة بكسر
المهملة. أي تحتسب الأجر عند الله، (ويكون) بالنصب عطف على ((تحتسب)) (لنا ولا ؤك)
لا لها .
(فذكرت)، أي عائشة (ابتاعي فأعتقي). وهو كقوله في حديث ابن عمر: ((لا يَمْنَعُكَ
ذَلِكَ))، (فإنما الولاء لمن أعتق) فيه إثباتُ الولاءِ للمعتق، ونفيه عما عداه كما تقتضيه ((إنما))
الحصرية، واستدلَّ بذلك على أنه لا ولاء لمن أسلم على يديه رَجُلٌ، أو وقع بينه وبينه
مخالفةٌ خلافًا للحنفية، ولا للملتقط خِلافًا لإسحاق، (ثم قام رسولُ الله وَلي). وفي رواية
للبخاري(١): ((فَقَامَ رَسُولُ اللهِوَّه فِي النَّاسِ فَحَمْدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ)): (ما بال
أقوام)، أي: ما حالهم، (ليست في كتاب الله)، أي: في حكم الله الذي كتبه على عباده،
(١) البخاري، كتاب البيوع. حديث (٢١٦٨).

٣١٤
كتاب الوصايا عن رسول الله وَ ل و / باب
فَلَيْسَ لَهُ وإِنِ اشْتَرَطَ مائةَ مَرَّةٍ)). [خ: ٤٥٦، م: ١٥٠٤، ن: ٢٦١٣ جه: ٢٠٧٦، حم: ٢٣٥٣٣،
طا: ١١٩٢، مي: ٢٢٨٩].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد رُوِي مِن غَيْرٍ وَجْهٍ عَن عَائِشَةَ،
والعملُ على هذا عندَ أهلِ العِلم: أن الوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ.
تَمَ کِتابُ الوَصَابَا
وَيَليهِ كِتابُ الوَلاءِ والهِبَةِ
وَشَرَعَهُ لهم، قال ابن خزيمة: أي: ليس في حكم الله جوازُها أو وجوبها، لا أن كُلَّ مَنْ
شرط شَرْطًا لم ينطق به الكتاب، باطل؛ لأنه قد يشترط في البيع الكفيل، فلا يبطل الشَّرطُ،
ويشترط في الثمن شروط من أوصافه، أو نجومه، ونحو ذلك، فلا يبطل، فالشروطُ
المشروعةُ صحيحةٌ، وغيرها باطل.
(فليس له)، أي: ذلك الشرط، أي لا يستحقُّه، وفي رواية للنسائي(١): ((من شرط شَرْطًا
ليس في كِتَابِ الله - لم يجز له))، (وإن اشترط مائة مرة). ذكر المائة للمبالغة في الكثرة، لا
أن هذا العدد بعينه هو المرادُ.
واعلم أن هذا الحديثَ قد استنبط أهلُ العلم منه فوائدَ كثيرةً. قال ابن بطال: أكثر الناس
في تَخْرِيجِ الوجوهِ في حديث بريرة حتى بلغوها نحو مائة وجه. وقال النووي: صنَّف فيه ابن
خزيمة، وابن جرير تصنيفين كبيرين، أكثرا فيهما من استنباط الفوائد منها فذكرا أشياء.
قال الحافظ: ولم أقف على تصنيف ابن خزيمة، ووقفت على كلام ابن جرير من كتابه
((تهذيب الآثار)) ولخَّصت منه ما تيسر بعون الله تعالى، وقد بلغ بعضُ المتأخِّرين الفوائد من
حديث بريرة إلى أربعمائة، أكثرها مستبعدٌ متكلفٌ؛ كما وقع نظير ذلك للذي صَنَّفَ في
الكلام على حديث المجامع في رمضان، فبلغ به ألف فائدة وفائدة. انتهى. وقد ذكر الحافظ
في ((الفتح)): كثيرًا من فوائد الحديث في كتاب المكاتب، وفي كتاب النِّكَاحِ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه البخاري في مواضع عديدة في أوائل ((كتاب
الصلاة))، وفي باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد. وفي ((الزكاة)) في باب الصدقة
على موالي أزواج النبي ◌َّلإر، وفي ((العتق))، و((المكاتب))، ((والهبة))، و((البيوع))،
و((الفرائض))، و(الطلاق))، و((الشروط))، و((الأطعمة))، و((كفارة الأيمان))، وأخرجه في
(١) النسائي في ((السنن الكبرى)) (٦٢٥١).

٣١٥
كتاب الوصايا عن رسول الله وَ او / باب
((الطلاق)) من حديث ابن عباس، وفي ((الفرائض)) من حديث ابن عمر، وأخرج مسلم طرفًا
منه من حديث أبي هريرة.
وأخرجه البخاري أيضًا في باب ((البيع والشراء مع النساء))، من طريق عروة عن عائشة،
وفي باب إذا اشترط في البيع شُرُوطًا من حديث هشام عن أبيه عنها. وأخرجه مسلمٌ أيضًا
مطولاً ومختصرًا. أخرجه أبو داود في ((العتق))، والنَّسائي في ((البيوع))، وفي ((العتق)) وفي
((الفرائض))، وفي ((الشُّروط))، وابن ماجه في ((العتق)).

صَلىالله
وستلم
(٣٢) كِتابُ الوَلاءِ والهبَةِ تَمن رَسُولِ الله
١- باب مَا جَاء أنَّ الوَلَاءَ لَنْ أَعْتَقَ [ت ١، م ١]
[٢١٢٥] (٢١٢٥) حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ، حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بْنُ مَهْدِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
عَن منصورٍ، عَن إبراهيمَ، عَنِ الأسْوَدِ، عَن عائشةَ؛ أنَّهَا أَرَادَتْ أنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ
فَاشْتَرَطُوا الْوَلَاءِ، فَقَالَ النبيُّ بَّهِ: ((الوَلَاءُ لِمَنْ أعْطَى الثَّمَنَ، أَوْ لِمَنْ وَلِيَ النِّعْمَةَ)).
[خ: ٤٥٦، م: ١٥٠٤، ن: ٢٦١٣، د: ٢٩١٦، جه: ٢٠٧٦، حم: ٢٣٥٣٣، طا: ١١٩٢، مي: ٢٢٨٩].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن ابنِ عُمَرَ، وأبي هُرَيْرَةَ،
٣٢ _ كِتَابُ الْوَلاءِ وَالْهِبّةِ ... إلخ
الولاء، بالفتح والمد: حَقُّ مِيراثِ المعتقِ بالكسر من المعتقَ بالفتح.
١ - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْوَلاءَ لَنْ أَعْتَقَ
[٢١٢٥] قوله: (الولاء لمن أعطى الثمن). وفي رواية البخاري(١): ((لِمَنْ أَعْطَى
الْوَرِقَ)). قال الحافظ، أي: أعطى الثمن، وإنما عبر بِالوَرِقِ؛ لأنه الغالب. (أو لمن ولي
النعمة)، أي: نعمة العتق. قال الحافظ: معنى قوله: ((ولي النعمة)): أعتق، وفي رواية
للبخاري(٢)، وغيره: ((وَوَلِيَ النِّعْمَةَ))، بواو العطف، ولفظة: ((أو)) في رواية الترمذي هذه
للشَّك من الراوي. ومعنى الحديث: أن من اشترى العبدَ، وأعتقه فولاؤه له.
قال ابن بطَّال: هذا الحديثُ يقتضي أن الولاءَ لكلِّ معتق، ذكرًا كان أو أنثى، وهو
مُجْمَعٌ علیه.
قوله: (وفي الباب عن ابن عمر، وأبي هريرة). أما حديثُ ابن عمر: فأخرجه البخاري،
ومسلم، وأبو داود، والنسائي(٣).
(١) البخاري، كتاب الفرائض. حديث (٦٧٦٠).
(٢) البخاري، كتاب الفرائض. حديث (٦٧٦٠).
(٣) البخاري، كتاب البيوع. حديث (٢١٥٦)، ومسلم، كتاب العتق. حديث (١٥٠٤)، وأبو داود (٢٩١٥)،
والنسائي (٤٦٤٤).

٣١٨
كتاب الولاء والهبة عن رسول الله وَّ / باب ما جاء في النَّهْي عَن بَيْعِ الوَلَاءِ وعن هِبَتِهِ
وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعملُ على هذا عِنْدَ أهلِ العلم.
٢ - باب ما جاء في النَّهْيِ عَن بيْعِ الوَلَاءِ وعن هِبَتِهِ [ت ٢، م٢]
[٢١٢٦] (٢١٢٦) حَدَّثَنَا ابْنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة، حَدَّثَنَا عبدُ الله
ابْنُ دِينَارٍ، سَمِعَ عبدَ الله بْنَ عُمَرَ: أنَّ رَسُوْلَ الله ◌ََّ نَهَى عَنْ بَيْعِ الوَلَاءِ وعن هِبَتِهِ.
[خ: ٢٥٣٥، م: ١٥٠٦، ن: ٤٦٧١، د: ٢٩١٩، جه: ٢٧٤٧، حم: ٤٥٤٦، طا: ١٥٢٢، مي: ٢٥٧٢].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، لا نعرفُه إلَّا من حديثِ عبدِ الله بْنِ
دِينَارٍ، عَن ابنِ عُمَرَ: عَن النبيِّ بَّر، أنه نهى عن بيع الولاء وعن هبته، وقد رَوَاهُ
شُعْبَةُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَن عبدِ الله بْنِ دِينَارٍ، ويُرْوَى عَن شُعْبَةَ،
قَالَ: لَوَدِدْتُ أنَّ عبدَ الله بْنَ دِينَارٍ حِينَ حَدَّثَ بهذا الحديثِ أذِنَ لي حتى كُنْتُ أَقُومُ
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه مسلم (١).
قوله: (وهذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه البخاري، وأبو داود، والنَّسائي(٢).
قوله: (والعملُ على هذا عند أهل العلم). قال النووي رحمه الله: قد أَجْمَعَ المسلمونَ
على ثُبُوتِ الولاءِ لمن أعتق عبده، أو أمته عن نفسه، وأنه يرث به. وأما العتيق فلا يرثُ
سیده عند الجماهير، وقال جماعة من التابعين: يرثه کعكسه. انتهى.
٢ - بَابُ مَا جَاءَ في النَّهِي عَنَّ بَيْعِ الْوَلاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ
[٢١٢٦] قوله: (نهى عن بيع الولاء وعن هبته). تقدم هذا الحديث في باب: كراهية بيع
الولاء وهبته، من أبواب البيوع، وتقدم هناك شرحه.
قوله: (ويروى عن شعبة قال: لوددت أن عبد الله بن دينار حين يحدث بهذا الحديث أذن
لي .. إلخ)، الظاهر أن سبب وده ذلك أن هَذَا الحديثَ قد اشتهر عن عبد الله بن دينار، حتى
قال مسلم (٣) لما أخرجه في ((صحيحه)): الناس كلهم عيال على عبد الله بن دينار في هذا
(١) مسلم، كتاب العتق. حديث (١٥٠٥).
(٢) البخاري، كتاب الفرائض. حديث (٦٧٦٠)، وأبو داود، كتاب الفرائض. حديث (٢٩١٦)، والنسائي، كتاب
الطلاق. حدیث (٣٤٥٣).
(٣) مسلم، كتاب العتق، تحت حديث (١٥٠٦).

٣١٩
كتاب الولاء والهبة عن رسول الله وَلّ / باب مَا جَاء فيمَن تَوَلَّى غَيرَ مَوَالِيهِ أوِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أبِيهِ
إِلَيْهِ فَأُقَبِّلَ رَأْسَهُ، وَرَوَى يَحْيَى بْنُ سُلْيْم هذا الحديثَ عَن عُبَيْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَن
نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، عَن النبيِّ وَِّ، وَهُوَ وَهْمٌ؛ وَهِمَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمِ،
والصحيحُ: عَن عُبَيْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَن عبدِ الله بْنِ دِينَارٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، عَن النبيِّ
وَلَّه: هكذا، رَوَاهُ غيرُ واحدٍ عَن عُبَيْدِ الله بْنِ عُمَرَ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: وتَفَرَّدَ عبدُ الله بْنُ دِينَارٍ بهذا الحديثِ.
٣- باب مَا جَاء فيمَن تَوَلَّى غَيرَ مَوَالِيهِ أوٍ اذَّعَى إِلَى غَيْرٍ أبِيهِ [ت ٣، م ٣]
[٢١٢٧] (٢١٢٧) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةَ، عَن الأعمَشِ، عَن إبراهيمَ
التَّيْمِيِّ، عَن أبِيهِ، قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٍّ فَقَالَ: مَن زَعَمَ أنَّ عِندَنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ إلَّا كِتَابَ الله
وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ
الحديث. انتهى. وقد اعتنى أبو نعيم الأصبهاني بجمع طرق هذا الحديث عن عبد الله بن
دینار فأورده عن خمسة وثلاثین نفسًا ممن حَدَّثَ به عن عبد الله بن دینار. (وروی یحیی بن
سليم هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر)، وصله ابنُ ماجه(١)، ولم
ينفرد به يحيى بن سليم، فقد تابعه أبو ضمرة: أنس بن عياض، ويحيى بن سعيد الأموي،
كلاهما عن عبيد الله بن عمر. أخرجه أبو عوانة(٢) في ((صحيحه)) من طريقهما، لكن قَرَنَ كُلِّ
منهما نافعًا بعبد الله بن دينار؛ كذا في ((الفتح)).
٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ، أَوِ اذَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ
[٢١٢٧] قوله: (من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة)، أي:
غيرهما، وفي رواية للبخاري(٣): ((ما عندنا شيءٌ إلا كتاب الله، وهذه الصحيفة عن النبي
وَجِِّ». قال النووي: هذا تصريح من علي رُّّه بإبطال ما تزعمه الرافضةُ، والشيعةُ،
ويخترعونه من قولهم: إن عليًّا نَظُهُ أَوْصَى إِلَيْهِ النبيُّ ◌َِّ بأمورٍ كثيرةٍ من أَسْرَارِ العلمِ،
وقواعد الدين، وكنوز الشريعة، وإنه ◌َّ﴾ خصَّ أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم، وهذه
دعاوى باطلة واختراعات فاسدة لا أصل لها، ويكفي في إبطالها قولُ علي ◌َُّه هذا. انتهى.
(١) ابن ماجه، كتاب الفرائض. حديث (٢٧٤٨).
(٢) أبو عوانة. حديث (٣٨٩٣، ٣٨٩١).
(٣) البخاري، كتاب الحج. حديث (١٨٧٠).

٣٢٠
كتاب الولاء والهبة عن رسول الله وَلجه / باب مَا جَاء فيمَن تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ أوِ اذَّعَى إلَى غَيْرِ أبِيهِ
- صَحِيفَةٌ فِيهَا أسْنَانُ الإِبِلِ وَأَشْيَاءٌ مِنَ الجِرَاحَاتِ - فَقَدْ كَذَبَ، وقال: فيها قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلَى ثَوْرٍ،
(صحيفة) بدل من ((هذه الصحيفة))، (فيها أسنان الإبل)، أي: بيان أسنانها، (وأشياء من
الجراحات)، أي: من أحكامها، (فقد كذب) خبر لقوله: ((من زعم))، (وقال)، أي: علي:
(فيها)، أي: في الصحيفة، (المدينة حرم) بفتحتين، (ما بين عير)، بفتح العين المهملة
وإسكان المثناة تحت: جبل معروفٌ بالمدينة، (إلى ثور)، بفتح الثاء المثلثة قال في
((القاموس)): ثور جبلٌ بالمدينةِ، ومنه الحديثُ الصحيحُ: ((الْمَدِينَةُ حرام مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ)»،
وأما قول أبي عبيد بن سلام، وغيره من الأكابر الأعلام: إن هذا تَصْحِيفٌ، والصوابُ إلى
((أُحُدٍ))، لأن ثورًا إنما هو بمكة فغير جيد؛ لما أخبرني الشُّجاع البعلي الشيخ الزاهد عن
الحافظ أبي محمد عبد السَّلام البصري: أن حذاء أحد جانحًا إلى ورائه جبل صغير يقال له:
ثور، وتكرر سؤالي عنه طوائف من العرب العارفين بتلك الأرض، فَكُلٌّ أخبر أن اسمه ثَوْرٌ،
ولما كتب إلي الشيخ عفيف الدين المطري عن والده الحافظ الثقة قال: إن خَلْفَ أحد عن
شماليه جبلًا صغيرًا مدورًا يسمى: ثورًا، يعرفه أهل المدينة خَلَفًا عن سَلَفٍ. انتهى ما في
(القاموس)). وقال الحافظ في (الفتح)): قال المحب الطبري في ((الأحكام)) - بعد حكاية كلام
أبي عبيد، ومن تبعه -: قد أخبرني الثقةُ العالمُ أبو محمد عبد السلام البصري؛ أن حذاء أحدٍ
عن يَسَارِهِ جانحًا إلى ورائه جَبَلٌ صغيرٌ، فذكر مثل ما في ((القاموس)). وفيه دليلٌ على أن
المدينةَ حَرَمٌ كَحَرَمِ مَكََّ.
وفي هذا أحاديث عديدة مروية في ((الصحيحين))، وغيرهما، وذكرها صاحب ((المنتقى)).
قال الشوكاني: استدل بما في هذه الأحاديث من تحريم شجر المدينة، وخبطه، وعضده،
وتحريم صيدها، وتنفيره، الشافعي، ومالك، وأحمد، والهادي، وجمهورُ أهلِ العلم على أن
للمدينةِ حَرَمًا كَحَرَم مَكَّةَ، يحرم صيده وشجره. قال الشافعي ومالك: فإن قتل صيدًا أو قطع
شجرًا، فلا ضمانَ، لأَنه ليس بمحلٌّ للنسك، فأشبه الحمى، وقال ابن أبي ذئب وابن
أبي ليلى: يجب فيه الجزاء كحرم مكة. وبه قالَ بعضُ المالكية، وهو ظاهرُ قوله: ((كَمَا حَرَّمَ
إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ)).
وذهب أبو حنيفة، وزيد بن علي، والناصر إلى أن حَرَمَ المدينةِ ليس بِحَرَم على الحقيقةِ،
ولا تثبت له الأحكامُ من تَحْرِيم قتل الصَّيد، وقطع الشجر، والأحاديث ترد عليهم. واستدلوا