النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كتاب الطب عن رسول الله وَّ ر بابُ مَا جَاء في أخْذِ الأجْرِ على التَّعْوِيذِ
وَهوَ أبو بِشْرٍ، ورَوَى شُعْبَةٌ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وهِشَامٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَن أبِي بِشْر هذا
الحديث، عَن أبِي المُتَوَكِّلِ، عَن أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّهِ.
قلت: لم يذكر القرطبي سندًا للمنع، ولا يظهر وجه صحيح لعدم التسليم. والله تعالى
أعلم. وقد استدل للجمهور بقوله وَّهَ: ((اذْهَبْ فَقَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ))(١). وفي
حديث سهل بن سعد رواه الشيخان، وهذا لفظ البخاري. وفي رواية لمسلم (٢): ((اذْهَبْ فَقَدْ
زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآن)).
واستدلَّ للجمهور أيضًا بحديث ابن عباس: ((إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابَ الله)).
رواه البخاري(٣). قال الحافظ: استدلَّ به للجمهور في جواز أخذِ الأجرة على تعليم القرآن،
وخالف الحنفيةُ، فمنعوه في التعليم، وأجازوه في الرُّقَى كالدَّواء، قالوا: لأن تعليم القرآن
عبادة، والأجر فيه على الله، وهو القياسُ في الرقى، إلا أنهم أجازوه فيها لهذا الخبر،
وحمل بعضُهم الأجرَ في هذا الحديث على الثواب، وسياق القصة التي في الحديث يأبى هذا
التأويل، وادَّعى بعضُهم نسخه بالأحاديث الواردة في الوعيد، على أَخْذِ الأجرة على تعليم
القرآن. وقد رواها أبو داود، وغيره.
وتعقب بأنه إثبات للنسخ بالاحتمال، وهو مردود، وبأن الأحاديث ليس فيها تصريحٌ
بالمنع على الإطلاق، بل هي وقائعُ أحوال محتملةٌ للتأويل؛ لتوافق الأحاديث الصحيحة،
كحديثي الباب. (يعني حديث ابن عباس المتقدم آنفًا، وحديث أبي سعيد المذكور في هذا
الباب)، وبأن الأحاديثَ المذكورة أيضًا ليس فيها ما تَقُومُ به الحجةُ، فلا تعارض الأحاديث
الصحيحة. انتهى كلام الحافظ.
وقال الشوكاني في ((النيل)): استدلَّ الجمهورُ بحديث ابن عباس، على جَوَازِ أخذ الأجرة
على تعليم القرآن، وَأَجِيبَ عن ذلك بأن المراد بالأجر هنا الثوابُ، ويرد بأن سياق القصة
يأبى ذلك، وادَّعى بعضُهم نسخه بالأحاديث السابقة، وتعقب بأن النسخَ لا يثبتُ بمجرد
الاحتمال، وبأن الأحاديثَ القاضية بالمنع وقائعُ أعيانٍ محتملة للتأويل؛ لتوافق الأحاديث
الصحيحة كحديثي الباب، وبأنها مما لا تقوم به الحجة، فلا تقوى على معارضة ما في
الصَّحيح.
(١) البخاري، في صحيحه، كتاب النكاح. حديث (٥١٤٩).
(٢) مسلم، كتاب النكاح. حديث (١٤٢٥).
(٣) البخاري، كتاب الطب. حديث (٥٧٣٧).

٢٢٢
كتاب الطب عن رسول الله و ◌َ﴿ / بابُ مَا جَاء في أخْذِ الأجْرِ على التَّعْوِيذِ
[٢٠١٤] (٢٠٦٤) حَدَّثَنَا أبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ
عَبْدِ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أبَا المُتَوَكِّلِ يُحَدِّثُ عَن
أبِي سَعِيدٍ: أنَّ نَاسًا مِن أصْحَابِ النبيِّ نْظَّ مَرُوا بِحَيٍّ مِنَ العَرَبِ، فَلَمْ يَقْرُوهُمْ وَلَمْ
يُضَيِّفُوهُمْ، فَاشْتَكَى سَيِّدُهُمْ فَأَتَوْنَا، فَقَالُوا: هَلْ عِنْدَكُمْ دَوَاءٌ؟ قُلْنَا: نَعَم، وَلَكِنَّكُمْ لم
تَقْرونَا ولَمْ تُضَيِّقُونَا، فَلا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا،
وقد عرفت مما سلف؛ أنها تنتهض للاحتجاج بها على المطلوب، والجمع ممكن، إما
بحمل الأجر المذكور هنا على الثواب كما سلف، وفيه ما تقدَّم، أو المراد أخذ الأجر على
الرُّقية فقط؛ كما يشعر به السياق، فيكون مخصصًا للأحاديث القاضية بالمنع، أو بحمل
الأجر هنا على عمومه، فيشمل الأجر على الرقية، والتلاوة، والتعليم، ويخص أخذها على
التعليم بالأحاديث المتقدمة، ويجوز ما عَدَاهُ، وهذا أظهرُ وجوه الجمع، فينبغي المصير إليه.
انتهى .
قلت: الرواياتُ التي تدلُّ على منع أَخْذِ الأجرة على تعليم القرآن ضِعَافٌ، لا تصلحُ
للاحتجاج، ولو سلم أنها بمجموعها تنتهضُ للاحتجاج، فالأحاديث التي تدلُّ على الجواز
أصحُ منها وأقوى، ثم إن هذه الروايات وقائعُ أحوالٍ محتملة للتأويل؛ كما قال الحافظ، فلا
حاجة إلى ما ذكره الشَّوكانيُّ من وجوه الجمع، هذا ما عندي. والله تعالى أعلم.
[٢٠٦٤] قوله: (مروا بحي من العرب)، اعلم أن طبقات أنساب العرب سِتُّ: الشّعب
بفتح الشين: وهو النسبُ الأبعدُ، كعدنان مثلًا، وهو أبو القبائل الذين ينسبون إليه، ويجمع
على شُعُوب، والقبيلةُ: وهي ما انقسم به الشَّعب، كربيعة، ومضر، وَالْعِمَارَةُ: بكسر العين:
وهي ما انقسم فيه أنساب القبيلة، كقريش، وكنانة، ويجمع على عمارات وعمائر، والبطن:
وهي ما انقسم فيها أنسابُ العمارة، كبني عبد مناف، وبني مخزوم، ويجمع على بُطُونٍ
وَأَبْطُنِ، والْفَخْذُ: وهي ما انقسمَ فيه أنسَابُ البطن؛ كبني هاشم، وبني أمية، ويجمع على
أَفْخَاذٍ، والفصيلةُ: بالصاد المهملة: وهي ما انقسم فيه أنساب الفخذ كبني العباس. وأكثر ما
يدورُ على الألسنة من الطبقات القبيلة ثم البطن، وربما عبر عن كُلِّ واحدٍ من الطَّبقات السِّتِّ
بالحيِّ، إما على العموم مثل أن يقال: حي من العرب، وإما على الخصوص، مثل أن يقال:
حيٌّ من بني فلان.
وقال الهمداني في ((الأنساب)): الشّعب والحيُّ بمعنى. (حتى تجعلوا لنا جعلًا)، بضم

٢٢٣
كتاب الطب عن رسول الله وَّ / بابُ مَا جَاء في أخْذِ الأجْرِ على التَّعْوِيذِ
فَجَعَلُوا على ذلكَ قَطِيعًا مِن الغَنَمِ، قَالَ: فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنَّا يَقْرَأُ عليه بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ
فَبَرَأ، فَلَمَّا أَتَيْنَا النبيَّ ◌َلِّ ذَكَرْنَا ذَلكَ لَهُ، قَالَ: ((وَمَا يُدْرِيكَ أنَّهَا رُقْيَةٌ؟)) وَلَمْ يَذْكُرْ
نَهْيًا مِنْهُ، وقالَ: ((كُلُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْم)).
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ صحيحٌ، وهذا أصَحُ مِن حَدِيثِ الأعْمَشِ عَن
جَعْفَرِ بْنِ إِياسٍ؛ وهكذا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هذا الحَدِيثَ عَن أبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بْنِ
أبِي وَحْشِيَّةَ، عَن أبِي المُتَوَكِّلِ، عَن أبِي سَعِيدٍ. وَجَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ هُوَ: جَعْفَرُ بْنُ
أبِي وَحْشِيَّةً.
الجيم وسكون المهملة: ما يعطى على عمل. (فجعلوا على ذلك قطيعًا من غنم) قال ابن
التين: القطيعُ الطائفةُ من الغنم، وتعقب بأن القطيعَ هو الشيءُ المتقطعُ، من غنم كان أو
غيرها، وقال بعضُهم: إن الغالب استعمالُه فيما بين العشرة والأربعين، ووقع في رواية
الأعمش: فإنا نعطيكم ثلاثين شاةً. وهو مناسبٌ لعدد السَّرية كما تقدم، وكأنهم اعتبروا
عددهم فجعلوا الجعل بإزائه، (وما يدريك)، هي: كلمة تُقَالُ عند التعجُّب من الشيء،
وتُستعمل في تعظيم الشَّيءٍ أيضًا، وهو لائِقُ هنا، قاله الحافظ. وفي رواية بعد قوله: ((وَمَا
يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟)) قلت: أُلْقِيَ فِي رَوْعِي. والدار قطني: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، شَيْءٌ أُلْقِيَ فِي
رَوْعِي. (ولم يذكر نهيًا منه) أي: من النبي ◌َّ عن ذلك.
قوله: (وهذا)، أي: حديث شعبة عن أبي بشر عن أبي المتوكل عن أبي سعيد، (أصح
من حديث الأعمش عن جعفر بن إياس). قال الحافظ في ((الفتح)) بعد نقل كلام الترمذي
هذا: وقال ابن ماجه: ((إنها)) يعني طريق شعبة الصَّواب، ورجَّحها الدارقطني في ((العلل))،
ولم يرجح في ((السنن)) شيئًا، وكذا النسائي، والذي يترجَّح في نقدي أن الطريقين مَحْفُوظَانٍ؛
لاشتمال طريق الأعمش على زياداتٍ في المتن، ليس في رواية شعبة، ومن تابعه، فكأنه كان
عند أبي بشر عن شيخين، فحدث به تارة عن هذا، وتارة عن هَذَا، ولم يصب ابنُ العربيِّ في
دعواه: أن هذا الحديث مضطرب، فقد رواه عن أبي سعيد أيضًا معبد بن سيرين، كما سيأتي
في ((فضائل القرآن))، وسليمان بن قتة؛ كما أخرجه أحمد، والدار قطني. انتهى.

٢٢٤
كتاب الطب عن رسول الله وَ ل﴿ / باب مَا جَاء في الرُّقَى وَالأَدْوِيَّةِ
٢١ - باب مَا جَاء في الزُّقَى وَالأَدْوِيَةِ [ت ٢١، ٢١٢]
[٢٠٦٥] (٢٠٦٥) حَدَّثَنَا ابنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن
أبِي خُزَامَةَ، عَن أبِيه، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِوَّةِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أرأيْتَ رُقَى
نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هل تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ الله شَيْئًا؟ قَالَ: ((هِيَ مِن
قَدَرِ الله)). [جه: ٣٤٣٧].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرحمنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن الزّهْرِيِّ، عَن ابنِ أبِي خِزَامَةَ،
عَن أبِيه، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ نَحْوَهُ، وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد روي عَن ابنِ عُيَيْنَةَ
كِلا الرِّوَايَتَيْنِ، وقالَ بَعضُهمْ: عَن أبِي خِزَامَةَ، عَن أبِيه، وقالَ بعضُهم: عَن ابنِ
أبِي خُزَامَةَ، عَن أبِيه، وقالَ بَعضهُمْ: عَن أبِي خزامة، وقد رَوى غير ابنِ عُيَينةَ هَذا
الحديثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن أبِي خُزَامَةَ، عَن أبِيه، وَهذا أصحُّ، ولا نَعْرِفُ لأبي خُزَامَةً
عَن أبِيِه غَيْرَ هذا الحَدِيثِ.
٢١ - بَابُ مَا جَاءَ في الزُّقَى وَالأَدْوِيَةِ
[٢٠٦٥] قوله: (عن أبي خزامة عن أبيه)، اسمه: يعمر. قال الذهبي في ((تجريد أسماء
الصحابة)): يعمر السعدي سعد هذيم، والد أبي خزامة؛ أنه قال: أرأيت دَوَاءً نتداوى به، أو
رُقَى نسترقي بها، هل يرد ذلك من قَدَرِ الله. انتهى.
قوله: (أرأيت رقى نسترقيها .. إلخ)، يأتي هذا الحديثُ في باب: لا تردُّ الرقَى والدواءُ
من قَدَرِ الله شيئًا من أبواب الْقَدَرِ . ويأتي هناك شرُحه.
قوله: (عن ابن أبي خزامة)، مجهول؛ كما في ((التقريب))، وغيره، (وقد روى عن ابن
عيينة كلتا الروايتين)، يعني: عن أبي خزامة عن أبيه، وابن أبي خزامة عن أبيه.

٢٢٥
كتاب الطب عن رسول الله ◌ِه / باب مَا جَاء في الكَمْأة والعَجْوَةِ
٢٢ - باب مَا جَاء كُ الكَمْأَة والعَجْوَةِ [ت ٢٢، م ٢٢]
[٢٠٦٦] (٢٠٦٦) حَدَّثَنَا أبُو عُبَيْدَةَ أحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الله الهَمَدَانِيُّ، وَهُوَ ابْنُ
أبِي السَّفَرِ، ومحمودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالا: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَن محمدِ بْنِ عَمْرٍو،
عَن أبِي سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَثِ: ((العَجْوَةُ مِنَ الجَنَّةِ،
٢٢ - بَابٌ مَا جَاءَ في الْكَمْأَةِ وَالْعَجْوَةِ
(الْكَمْأَةُ) بفتح الكاف، وسكون الميم، بعدها همزة مفتوحة، قال الخَطَّابي: وفي العامة
من لا يهمزه، واحدة الكَمْأَةَ بفتح ثم سكون ثم همزة، مثل تَمْرَة وتَمْر. وعكس ابن الأعرابي
فقال: الكمأة جمع الكمء الواحد على غير قياس، قال: ولم يقع في كلامهم نظير هذا سوى
جبأة وجِبء. وقيل: الكمأةُ قد تُطلق على الواحد، وعلى الجمع وقد جمعوها على أَكْمُؤْ.
قال الشاعر: [من الكامل]
لقد جَنَيْتُكَ أَكْمُؤَّا وَعَسَاقِلًا
وَالْعَسَاقِلُ بمهملتين وقاف ولام: الشراب، وكأنه أَشَارَ إلى أن الأكمؤَ محلُّ وجدانها
الفلوات، والكمأةُ: نبات لا ورق لها، ولا ساق توجد في الأرض، من غير أن تزرع،
والعربُ تسمِّي الكمأة أيضًا نبات الرعد؛ لأنها تكثر بكثرته، ثم تنفطر عنها الأرض، وهي
كثيرة بأرض العرب، وتوجد بالشام ومصر، فأجودُها ما كانت أرضه رملةً قليلةَ الماء، ومنها
صنف قتال يضرب لونه إلى الحمرة، وهي باردة رطبة في الثانية، رديئة للمعدة، بطيئة
الهضم، وإدمان أكلها يورث القولنج، والسكتة، والفالج، وعسر البول، والرطب منها أقل
ضررًا من اليابس، وإذا دفنت في الطّين الرطب، ثم سُلقت بالماء، والملح، والسعتر،
وأُكلت بالزيت، والتوابل الحارة، فَلَّ ضَرَرُهَا، ومع ذلك ففيها جوهر مائي لطيف بدليل
خفَّتَها، فلذلك كان ماؤها شفاء للعين؛ كذا في ((الفتح)). ويقال للكمأة بالفارسية سماروغ،
وبالهندية كهمبي. والعجوة بفتح العين، وسكون الجيم: نوع من التمر الجيادِ بالمدينة
المنورة.
[٢٠٦٦] قوله: (حدثنا سعيد بن عامر) هو: الضبعي، أبو محمد البصري.
قوله: (العجوة)، هي نوعٌ من تمر المدينة، يضرب إلى السَّواد من غرس النبي وَّرِ؛ كذا
في (النهاية)). (من الجنة). قال المناوي: يعني: هذه العجوة تشبه عجوةً الجنة في الشَّكل

٢٢٦
كتاب الطب عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في الكَمْأة والعَجْوَةِ
وفِيهَا شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ، والكَمأُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلعَيْنِ)). [جه بنحوه: ٣٤٥٥،
حم: ٧٩٩٠].
قَالَ أبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَجَابٍ ،
[والصورة]، والاسم، لا في اللذة والطعم. انتهى. والمقصودُ بَيَانُ فَضْل العجوة على سائر
أنواع التمر، لأنها من أنفع تَمْرِ الحجاز على الإطلاق، وهو صنفٌ كريمٌ ملذذ متين للجسم
والقوة، من ألين التمر وأطيبه وألذه، (وفيها شفاء من السم)؛ إما لخاصية هذا النَّوع أو ببركة
دعائه عَلجهله .
(والكمأة من المن). قال النووي: اختلف في معناه، فقال أبو عبيد، وكثيرون: شبهها
بالمنِّ الذي كان ينزل على بني إسرائيل، لأنه كان يحصُل لهم بلا كلفة ولا علاج، والكمأةُ
تحصل بلا علاج ولا كلفة، ولا زرع ولا سَقْيَ، ولا غيره.
؛ قبل: هي من الْمَنِّ الذي أنزل الله تعالى على بني إسرائيل حقيقةً، عملًا بظاهر اللفظ.
انتهى. (وماؤها شفاء للعين)، أي: شفاءٌ لداء العين، في ((شرح مسلم)) للنووي. قيل: هو
نفسُ الماء مجردًا. وقيل: معناه أن يخلط ماؤها بدواء، ويعالج به العين، وقيل: إن كان
لتبريد ما في العين من حرارة، فماؤها مجردًا شفاء، وإن كان لغير ذلك فمرگَّب مع غيره،
والصحيحُ، بل الصواب: أن ماءها مجردًا شفاءٌ للعين مطلقًا. فيعصر ماؤها، ويجعل في
العين منه. وقد رأيت أنا وغيري في زمننا من كان عَمِيَ، وذهب بصرُه حقيقةً، فكحل عينَه
بماء الكمأة مجردًا فشفي، وعاد إليه بصره، وهو الشيخُ العدل الأمين الكمال بن عبد الله
الدمشقي صاحب صلاح، ورواية للحديث، وكان استعماله لماء الكمأة؛ اعتقادًا في
الحدیث، وتبرگًا به. انتھی.
قوله: (وفي الباب عن سعيد بن زيد، وأبي سعيد، وجابر). أما حديثُ سعيد بن زيد:
فأخرجه الترمذي(١) بعد هذا. وأما حديث أبي سعيد وحديث جابر: فأخرجهما أحمد،
والنسائي، وابن ماجه (٢).
(١) الترمذي، كتاب الطب. حديث (٢٠٦٧).
(٢) أحمد. حديث (١١٠٦١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٦٧٤)، وابن ماجه، كتاب الطب. حديث (٣٤٥٣).

٢٢٧
كتاب الطب عن رسول الله وَّهِ/ باب مَا جَاء في الكَمْأة والعَجْوَةِ
وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وهو مِن حَدِيثِ محمدِ بْنِ عمرٍو، ولا نَعْرِفُهُ إلَّا من
حدیث سعید بْنِ عامر عن محمد بْنِ عمرو.
[٢٠٦٧] (٢٠٦٧) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ الطّنَافِسيُّ، عَن
عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، [ح] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَن عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَن عَمْرو بْنِ حُرَيْثٍ، عَن سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّ
قَالَ: ((الكمأةُ مِنَ المَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلعَيْنِ)). [خ: ٤٤٧٨، م: ٢٠٤٩، جه: ٣٤٥٤، حم: ١٦٢٨].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[٢٠٦٨] (٢٠٦٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنَا أبِي،
عَن قَتَادَةَ، عَن شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ؛ أنَّ نَاسًا مِن أصْحَابِ النبيِّ وَّلـ
قالُوا : الكمْأُ جُدَرِيُّ الأرضِ،
قوله: (هذا حديث حسن غريب). وأخرجه أحمد، وابن ماجه (١).
[٢٠٦٧] قوله: (عن عبد الملك بن عمير)، هو اللخمي الكوفي، (عن عمرو بن
حريث) بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي، صحابي
صغير، مات سنة خمس وثمانين، (عن سعيد بن زيد) قال في ((الخلاصة)): سعيد بن زيد بن
عمرو بن نفيل العدوي، أحدُ العشرة المشهود لهم بالجنة، والمهاجرين الأولين، شَهِدَ
المشاهدَ كلَّها بعد «بدر»، وذكره البخاريُّ فيمن شَهِدَ بدرًا في الصحيح، وقال الأكثرون: لم
يشهدها، له ثمانية وثلاثون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاريُّ بآخر، وعنه عمرو بن
حريث، وعروة، وأبو عثمان النهدي، تخلف عن بدر، فضرب له النبي ◌ٍَّ بِسَهْمٍ. روى ذلك
من طُرُقٍ. قال خليفة: مات سنة إحدى وخمسين. قال الواقدي: بالعقيق، فحمل إلى
المدينة. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه البخاريُّ في ((التفسير))، و((الطب))، وأخرجه
مسلم في ((الأطعمة))، والنسائي (٢) في ((الطب والوليمة والتفسير))، وابن ماجه في ((الطب)).
[٢٠٦٨] قوله: (قالوا: الكمأة جدري الأرض)، بضم جيم وفتح دال وكسر راء وتشديد
(١) أحمد. حديث (٧٩٤٢)، وابن ماجه، كتاب الطب. حديث (٣٤٥٥).
(٢) النسائي في ((الكبرى)) (٦٦٦٨).

٢٢٨
كتاب الطب عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاء في الكَمْأة والعَجْوَةِ
فَقَالَ النبيِ نَّهُ: ((الكمأةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلعَيْنِ، والعَجْوَةُ مِنَ الجَنَّةِ وَهِيَ
شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ)). [جه: ٣٤٥٥، حم: ٧٩٩٠، مي: ٢٨٤٠].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ.
[٢٠٦٩] (٢٠٦٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَن قَتَادَةَ،
قَالَ: حُدِّثْتُ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: أخَذْتُ ثَلَاثَةَ أكْمُؤٍ، أوْ خَمْسًا، أو سَبْعًا فَعَصَرْتُهُنَّ
فَجَعَلْتُ مَاءهُنَّ في قَارُورَةٍ فَكَحَلْتُ بِهِ جَارِيَةً لِي فَبَرأتْ. [ضعيف الإسناد مع وقفه].
ياء، هو: حَبُّ يظهرُ في جَسَدِ الصَّبي من فضلات تتضمن المضرةَ، تدفعها الطبيعة، ويقال له
بالهندية: جيجك. قال الطيبي: شبهوها به في كونها فضلات تدفعها الأرض إلى ظاهرها ذَمًّا
لها. (فقال رسول الله وَله: الكمأة من الْمَنِّ، وماؤها شِفَاءٌ للعينِ).
قال الطيبي: كأنهم لما ذَمُّوهَا، وجعلوها من الفضلات التي تتضمن المضرة، وتدفعها
الأرض إلى ظاهرها، ما تدفع الطبيعةُ الفضلات بالجدري، قابله ◌َّ بالمدح بأنه من المنِّ،
أي: مما مَنَّ الله به على عباده، أو شبهها بالمنِّ وهو العسلُ الذي ينزل من السماء، إذ
يحصل بلا عِلاج واحتياج إلى بذر وسقي، أي ليست بفضلات بل من فَضْلِ الله وَمَنِّهِ، أو
ليست مضرة، بل شفاء كالمن النازل. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن). وأخرجه ابن ماجه، والطبري، من طريق ابن المنكدر عن
جابر قال: كثرت الكمأةُ على عهد رسول الله رََّ، فامتنع قوم من أكلها، وقالوا: هي جُدَرِيُّ
الأرض، فبلغه ذلك، فقال: ((إِنَّ الْكَمَةَ لَيْسَتْ من جُدَرِيِّ الأَرْضِ، لا إِنَّ الْكَمْأَةَ مِنَ الْمَنِّ))؛
كذا في ((الفتح)).
[٢٠٦٩] قوله: (حدثت)، بصيغة المتكلم المجهول: من الحديث، فيه انقطاع، (أخذت
ثلاثة أكمؤ) بفتح فسكون فضم ميم فهمز، أي: ثلاثة أشخص منها، (أو خمسًا، أو سبعًا)؛
كذا في بعض النسخ بالألف، وهو الظَّاهر، ووقع في ((النسخة الأحمدية)): ((أو خمس أو
سبع)) بغير الألف، ولا يظهر له وجهٌ إلا بالتكلُّف، فتفكر. (فعصرتهن) أي: في وعاء،
(فبرأت)، بفتح الراء ويكسر، أي: شفيت. وحديث أبي هريرة هذا موقوف، وفيه انقطاع.

٢٢٩
كتاب الطب عن رسول الله وَّ ر باب مَا جَاء في الكَمْأة والعَجْوَةِ
[٢٠٧٠] (٢٠٧٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بن هِشَام، حَدَّثَنَا أَبِي،
عَن قَتَادَةَ، قَالَ: حُدِّثْتُ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: الشُّونِيزُ دَوَاءٌ مِن كُلِّ دَاءٍ إلَّ السَّامَ،
قَالَ قَتَادَةُ: يأخُذُ كُلَّ يَوْمِ إحْدى وَعِشْرِينَ حَبَّةً، فَيَجْعَلُهُنَّ في خِرْقَةٍ، فَليَنْقَعْهُ فَيَسْتَغِطُ
بِهِ كُلَّ يَوْمٍ في مَنْخَرِهِ الأَيْمَنِ قَظْرَتَيْنٍ، وَفي الأَيْسَرِ قَظْرَة، والثَّانِي فِي الأَيْسَرِ
قَطْرَتَيْنِ، وَفي الأيْمَنِ قَطْرَةً، والثَّالِثُ في الأَيْمَنِ قَظْرَتَيْنِ، وَفِي الأَيْسَرِ قَطْرَةً. [ضعيف
الإسناد مع وقفه، لكن صح مرفوعًا دون قول قتادة: يأخذ].
[٢٠٧٠] قوله: (الشونيز)، بضم المعجمة وسكون الواو وكسر النون وسكون التحتانية
بعدها زاي. وقال القرطبي: قيد بعضُ مشايخنا الشين بالفتح. وحكى عياضٌ عن ابن
الأعرابي؛ أنه كسرها، فأبدل الواو ياء، فقال: الشينيز؛ كذا في ((الفتح)). وقال في
((القاموس)): الشينيز، والشونوز، والشونيز، والشهنيز: الحبة السوداء، أو فارسي الأصل.
انتهى. ويقال له بالهندية: كلونحي. (دواء من كل داء)، قيل: أي من كُلِّ داءٍ من الرطوبة
والبلغم؛ وذلك لأنه حَارٌّ يابس، فينفع في الأمراض التي تقابله فهو من العامِّ المخصوص،
وقيل: هو على عُمُومِهِ؛ أنه يدخل في كُلِّ داءٍ بالتركيب. قال الكرماني: وممَّا يدلُّ على تعيين
العموم الاستثناء بقوله: (إلا السام)، بسين مهملة، ثم ألف وميم مخففة، أي: الموت؛ فإنه
لا دواء له، وهذا أيضًا موقوف وفيه انقطاع.
(قال قتادة)، أي: في كيفية استعمال الشونيز، (فينقعه)، أي: فيلقيه في الماء ليبتل،
(فيستعط به). قال في ((القاموس)): سَعَطَهُ الدواء؛ كَمَنَعَهُ وَنَصَرَهُ وَأَسْعَطَهُ إياه سعطة واحدة،
وإسعاطة واحدة: أدخله في أنفه فاستعط. انتهى، (في منخرة الأيمن) في ((القاموس)):
الْمَنْخَر، بفتح الميم والخاء، وبكسرهما وضمهما؛ وكمجلس: ثقب الأنف، (والثاني)، أي:
واليوم الثاني، (والثالث)، أي: اليوم الثالث. وقولُ قتادة: هذا ليس من مجرد رأيه، بل ورد
فيه حديثٌ مرفوعٌ، وقد أشار إليه الترمذيُّ في باب الْحَبَّةِ السَّوداء، وذكرنا لفظه هناك.

٢٣٠
كتاب الطب عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في أجْرِ الكاهِنِ
٢٣ - باب مَا جَاء في أجْرِ الكاهِنِ [ت ٢٣، م ٢٣]
[٢٠٧١] (٢٠٧١) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَن ابنِ شِهَابٍ، عَن أبِي بَكْرِ بْنِ
عَبْدِ الرحمنِ، عَن أبِي مَسْعُودِ الأنصاري، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِوَّلِ عَن ثمنٍ
الكَلْبِ، ومَهْرِ البَغيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ. [خ: ٢٢٣٧، م: ١٥٦٧، ن: ٤٣٠٣، د: ٣٤٢٨،
جه: ٢١٥٩، حم: ١٦٦٢٢، طا: ١٣٦٣، مي: ٢٥٦٨].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٢٤ - باب مَا جَاء في كَرَاهِيَةِ التَّعْلِيقِ [ت ٢٤، م ٢٤]
[٢٠٧٢] (٢٠٧٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَدُّويَهْ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدٍ
ابْنِ عَبْدِ الرحمنِ بْنِ أبِي لَيْلَى، عن عيسَى بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبِي لَيْلَى أخِيهِ، قَالَ:
دَخَلْتُ على عَبْدِ الله بْنِ عُكَيْم أبِي مَعْبَدِ الجُهَنِيِّ أَعُودُهُ وبِه حُمْرَةٌ، فَقُلْنَا: ألا تُعَلِّقُ
٢٣ - بَابُ مَا جَاءَ فيِ أَجْرِ الْكَاهِنِ
[٢٠٧١] قوله: (نهى رسول الله وَّي عن ثمن الكلب .. إلخ)، قد تقدم هذا الحديث
بإسناده ومتنه مع شرحه، في باب كراهية مَهْرِ البغيِّ، من أبوابِ ((النكاح))، وفي باب ثَمَنِ
الكلبِ، من أبواب ((البيوع)).
٢٤ - بَابُ مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ التَّعْلِيقِ
[٢٠٧٢] قوله: (حدثنا عبيد الله)، هو: ابن موسى العبسي، مولاهم الكوفي، (عن ابن
أبي ليلى)، هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، أخو: عيسى بن عبد الرحمن
ابن أبي ليلى، (عن عيسى، وهو: ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري الكوفي، ثقة،
من السادسة، روى عن أبيه، وعبد الله بن مُكَيْم وغيرهما، وعنه أخوه محمد، وغيره؛ كذا
في ((التقريب))، و((تهذيب التهذيب))، (على عبد الله بن عُكَيْم) بالتصغير، (أبي معبد الجهني)
الكوفي، مخضرم، من الثانية، وقد سمع كتاب النبي وَ له إلى جهينة، مات في إمرة الحجاج
كذا في ((التقريب))، (وبه)، أي: بعبد الله والباء للإلصاق، (حمرة)، أي: مما يعلو الوجه
والجسد؛ قاله القاري. وقال في ((القاموس)): الحمرةُ ورمٌ من جنس الطّواعين، (ألا تعلق

٢٣١
كتاب الطب عن رسول الله وََّ ر باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ التَّعْلِيقِ
شَيْئًا؟ قَالَ: المَوْتُ أقْرَبُ مِن ذلكَ، قَالَ النبيُّ وََّ: ((مَن تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ)).
شيئًا) بحذف إحدى التائين، أي: ألا تتعلق شيئًا، قال في ((القاموس)): علَّقه تعليقًا، جعله
معلقًا لتعلُّقه. انتهى. وفي ((المشكاة)): ((أَلا تُعَلِّقُ تَمِيمَةً)). (قال: الموت أقرب من ذلك).
وفي ((المشكاة))، فقال: نَعُوذُ باللهِ من ذَلِكَ.
قال القاري: وسببه أنه نوعٌ من الشِّرك. وقال الطيبي: ولعله إنما عَاذَ بالله من تعليق
العوذة؛ لأنه كان من المتوكّلين، وإن جاز لغيره. انتهى. (من تعلق شيئًا)، أي: من علَّق
على نفسه شيئًا من التعاويذ والتمائم، وأشباهها، معتقدًا أنها تَجْلِبُ إليه نفعًا، أو تدفع عنه
ضرّا؛ قاله في ((النهاية)). (وكل إليه)، بضم واو وتخفيف كاف مكسورة، أي: خُلِّيَ إلى ذلك
الشيء، وترك بينه وبينه. والحديثُ استدلَ به من قال بكراهية تعليق التمَائِم. وقد اخْتَلَفَ في
ذلك أَهْلُ العلمِ.
قال السيد الشيخ أبو الطيب صديق بن حسن القنوجي في كتابه ((الدين الخالص»:
اختلف العلماءُ من الصَّحَابَةِ، والتابعين فمن بعدهم في جَوَازِ تعليقِ التمائم التي من القرآنِ،
وأسماء الله تعالى وصفاتِهِ، فقالت طائفةٌ: يجوزُ ذلك، وهو قولُ ابن عمرو بن العاص، وهو
ظاهرُ ما روي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الباقر، وأحمد في رواية، وحملوا الحديثَ -
يعني: حديث ابن مسعود قال: سمعتُ رسولَ الله ◌ِّهِ يقول: ((إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ
شِرْكٌ)). رواه أحمد، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم (١)، وقال: صحيح، وأقرَّه الذهبيُّ -
على التمائم التي فيها شِرْكٌ.
وقالت طائفة: لا يجوزُ ذلك؛ وبه قال ابن مسعود، وابن عباس، وهو ظاهر قول
حذيفة، وعقبة بن عامر، وابن عكيم، وبه قال جماعةٌ من التابعين، منهم: أصحاب ابن
مسعود، وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه. وجزم به المتأخِّرون، واحتجوا بهذا
الحديث، وما في معناه. قال بعضُ العلماء: وهذا هو الصحيحُ؛ لوجوه ثلاثة تظهر للمتأمل.
الأول: عمومُ النهي، ولا مخصِّص للعموم. الثاني: سَدُّ الذريعة؛ فإنه يفضي إلى تعليق مَنْ
ليس كذلك. الثالث: أنه إذا علق، فلا بد أن يمتهنه المعلِّق بحمله معه في حال قضاءٍ
الحاجة، والاستنجاء، ونحو ذلك.
قال: وبتأمل هذه الأحاديث، وما كان عليه السلف، يتبين لك بذلك غربةُ الإسلام،
(١) أحمد. حديث (٣٦٠٤)، وابن ماجه، كتاب الطب. حديث (٣٥٣٠)، والحاكم. حدیث (٧٥٠٥) وصححه،
ووافقه الذهبي.

٢٣٢
كتاب الطب عن رسول الله ◌َّ / باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ التَّعْلِيقِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: وحديثُ عَبْدِ الله بْنِ عُكَيْم إنَّما نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثٍ محمد بْنِ
عبد الرحمن بْنِ أبِي لَيْلَى، وعبد الله بْنِ عكيم لم يسمع من النبيِّ - وكان في زمن
النبيِّ مَلّ يقول: كتب إلينا رَسُولُ الله ◌ِ﴾.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابنِ أَبِي لَيْلَى، نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ .
خُصُوصًا إن عرفت عظيمَ ما وقع فيه الكثير بعد القرون المفضلة، من تعظيم القبور، واتخاذها
المساجد، والإقبال إليها بالقلب والوجه، وصرف الدعوات، والرغبات، والرهبات، وأنواع
العبادات التي هي حَقُّ الله تعالى إليها من دونه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنَفَعُكَ
وَلَا يَضُرٌُّ فَإِنِ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِنَ الَّلِينَ ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ: إِلَّا هُوَّ وَإِن يُرِدْكَ
بِخَيْرٍ فَلَ رَآدَ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٦ - ١٠٧] ونظائرها في القرآن أكثر من أن تُحصر. انتهى.
قلت: غربةُ الإسلام شيء، وحكم المسألة شيء آخر، والوجه الثالث المتقدم لمنع
التعليق ضعيف جدًّا؛ لأنه لا مانعَ من نَزْعِ التمائم عند قَضَاءِ الحاجة، ونحوها لساعة ثم
يعلِّقها. والراجح في الباب أن تركَ التعليق أَفضلُ في كُلِّ حال بالنسبة إلى التعليق الذي جَوَّزَهُ
بعضُ أهل العلم؛ بناء على أن يكون بما ثبت، لا بما لم يثبت؛ لأن التقوى لها مراتب،
وكذا في الإخلاص، وفوق كل رتبة في الدين رتبةٌ أخرى، والمحصلون لها أقلُّ، ولهذا ورد
في الحديث في حَقِّ السبعين ألفًا يَدْخُلُونَ الجنةَ بغيرِ حِسَابٍ؛ أنهم هم الذين لا يرقون، ولا
يسترقون، مع أن الرقى جائزةٌ؛ وردت بها الأخبار والآثار. والله أعلم بالصَّواب. والمتقي:
من يَتْرُكُ ما ليس به بأسٌ؛ خوفًا مما فيه بأس. انتهى كلامه بلفظه.
قوله: (وحديث عبد الله بن عكيم، إنما نعرفه من حديث ابن أبي ليلى)، وأخرجه
أحمد(١)، وأبو داود، والحاكم.
قوله: (وفي الباب عن عقبة بن عامر). أخرجه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني(٢) عنه،
قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ◌ِي يقول: ((مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلا أَتَمَّ الله لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلا
وَدَعَ الله لَهُ)). قال في ((مجمع الزوائد)): رجالُهم ثقاتٌ.
(١) أحمد. حديث (١٨٣٠٤)، والحاكم. حديث (٧٥٠٣).
(٢) أحمد. حديث (١٦٩٦٩)، والطبراني في ((الكبير)) (٨٢٠)، وأبو يعلى (١٧٥٩).

٢٣٣
كتاب الطب عن رسول الله ◌َّد / باب مَا جَاء في تَبْرِيدِ الحُمَّى بِالمَاءِ
جَاء في تَبْرِيدِ الحُمَّى بِالمَاءِ (ت ٢٥، م ٢٥]
٢٥ - باب
[٢٠٧٣] (٢٠٧٣) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأحْوَصِ، عَن سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ،
عَن عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَن جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنِ النَِّّ بَّرْ قَالَ: ((الحُمَّى فَوْرٌ مِنَ
النَّارِ
٢٥ - بَابُ مَا جَاءَ في تَبْرِيدِ الْحُمَّى بِالْمَاءِ
[٢٠٧٣] قوله: (أخبرنا أبو الأحوص) اسمه: سلام بن سليم الحنفي، مولاهم الكوفي
(عن سعيد بن مسروق)، هو: والد سفيان الثوري، (عَنْ عَبَايَةَ)، بفتح أوله والموحدة الخفيفة
وبعد الألف تحتانية خفيفة، (بن رفاعة) بكسر راء وخفة فاء وإهمال عين، ابن رافع بن خديج
الأنصاري الزرقي، كنيته: أبو رفاعة، المدني، ثقة، من الثالثة، (عن جده رافع بن خديج)،
بفتح معجمة وكسر دال مهملة، ويجيم: ابن رافع بن عدي الأوسي الأنصاري، صحابي
جليل، أول مشاهده ((أحد))، ثم ((الخندق))، روى عنه ابنهُ عبد الرحمن، وابنه رفاعة على
خِلافٍ فيه، وحفيده عباية بن رفاعة وغيرهم؛ كذا في ((التقريب))، و((تهذيب التهذيب)).
قوله: (الحمى فور من النار)، بفتح الفاء وسكون الواو وبالراء، وفي رواية: ((الْحُمَّى من
فَيْحِ جَهَنَّمَ))، بفتح الفاء وسكون التحتانية بعدها مهملة، وفي أخرى: ((من فَوْحِ)) بالواو بدل
التحتانية. قال الحافظ: كلِّها بمعنى، والمراد سُطُوعُ حَرِّهَا وَوَهَجُهُ. واختلف في نسبة الحمى
إلى جهنم، فقيل: حقيقة، واللهبُ الحاصلُ في جِسْم المحموم قطعةٌ من جهنم، وقدر الله
ظهورها بأسباب تقتضيها، ليعتبر العباد بذلك، كما أن أنواع الفرح واللذة من نعيم الجنة
أَظْهَرَهَا في هذه الدار عبرةً ودلالةً.
وقد جاء في حديث أخرجه البزار، من حديث عائشة بسند حسن، وفي الباب عن
أبي أمامة عند أحمد (١)، وعن أبي ريحانة عند الطبراني، وعن ابن مسعود في ((مسند
شهاب)): ((الْحُمَّى حَظّ الْمُؤْمِنِ مِنَ النَّارِ))، وهذا كما تقدم في حديثِ الأمرِ بالإبرادِ أن شدةً
الحرِّ من فيح جهنم، وأن الله أذن لها بنفسين. وقيل: بل الخبر ورد مورد التشبيه. والمعنى:
أن حَرَّ الحمَّى شبيهٌ بحرِّ جهنَّم؛ تنبيهًا للنفوس على شِدَّةِ حَرِّ النار، وأن هذه الحرارةَ الشديدة
شبيهةٌ بِفَيْحِهَا، وهو ما يصيبُ من قَرُبَ منها من حرها، كما قيل بذلك في حديث الإبراد،
والأول أولى. انتهى.
(١) أحمد. حديث (٢١٦٦١).

٢٣٤
كتاب الطب عن رسول الله وَ لَه / باب مَا جَاء في تَبْرِيدِ الحُمَّى بِالمَاءِ
فَأَبْرِدُوهَا بِالمَاءِ)). [خ: ٣٢٦٢، م: ٢٢١٢، جه: ٣٤٧٣، حم: ١٥٣٨٣، مي: ٢٧٦٩].
قوله: (فأبردوها). قال الحافظ: المشهورُ في ضبطها بهمزة وصل والراء مضمومة،
وحكي كسرها، يقال: بَرَدْتُ الحُمَّى أَبْرُدُهَا برْدًا، بوزن: قتلتها أقتلها قَتْلًا، أي: أسكنت
حرارتها. قال شاعر الحماسة: [البسيط]
أَقْبَلْتُ نَحْوَ سِقَاءِ القَوْمِ أَبْتَرِدُ
إِذَا وَجَدْتُ لَهِیبَ الحُبِّ فِي کېِدِي
فَمَنْ لِنَارٍ عَلَى الأَحْشَاءِ تَتَّقِدُ
هَبْنِي بَرَدْتُ بِبَرْدِ المَاءِ ظَاهِرَهُ
وحكى عياض رواية بهمزة قطع مفتوحة وكسر الراء، من: أبرد الشَّيء إذا عالجه، فصيره
باردًا مثل: أسخنه إذا صَيَّرَهُ سُخْنًا، وقد أشار إليها الخطابيُّ، وقال الجوهري: إنها لغةٌ رديئةٌ
انتهى. ووقع في حديث ابن عمر في رواية: ((فَأَطْفِئُوهَا)) بهمزة قطع ثم طاء مهملة وفاء
مكسورة ثم همزة أمر، من الإطفاء. (بالماء). قال الخطابي، ومن تبعه: اعترض بعضُ
◌ُخَفَاءِ الأطباء على هذا الحديث، بأن قال: اغتسالُ المحموم بالماء خَطَرٌ يقربه من الهلاك؛
لأنه يجمع المسام، ويحقن البخار، ويعكس الحرارةَ إلى دَاخِلِ الجسم، فيكون ذلك سببًا
لِلتَلَفِ، قال الخطابي: غلط بعض من يُنْسَبُ إلى العلم، فانغمس في الماء؛ لما أصابته
الحمَّى، فاحتقنت الحرارةُ في باطن بدنه، فأصابته علة صعبة كادت تُهلكه، فلما خَرَجَ من
علَّته، قال قولًا سيئًا لا يَحسُنُ ذكره، وإنما أوقعه في ذلك جهلُه بمعنى الحديث.
والجواب: أن هذا الإشكالَ صَدَرَ عن صَدْرٍ مرتابٍ في صدق الخبر، فيقال له: أولًا:
من أين حَمَلْتَ الأمرَ على الاغتسالِ، وليس في الحديث الصحيح بيانُ الكيفية؛ فضلاً عن
اختصاصها بِالْغُسْلِ، وإنما في الحديث الإرشادُ إلى تبريد الحمى بالماء، فإن أَظْهَرَ الوُجُودُ،
أو اقتضت صناعة الطبِ أن انغماسَ كُلِّ محموم في الماء، أو صبه إياه على جميع بدنه يضره
فليس هو المراد.
وإنما قَصَدَ بَّهِ استعمالَ الماء على وجه ينفعُ، فليبحث عن ذلك الوجه؛ ليحصل الانتفاع
به، وهو كما وقع في أمره العائِنَ بالاغتسالِ وأطلق، وقد ظهر من الحديث الآخر أنه لم يرد
مطلقَ الاغتسالِ، وإنما أراد الاغتسال على كيفية مَخْصُوصَةٍ، وأولى ما يحملُ عليه كيفية تبريد
الحمَّى ما صنعته أسماءُ بنتُ الصديق؛ فإنها كانت ترشُّ على بدن المحموم شيئًا من الماء بين
يديه وثوبه، فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها، والصحابي ولا سيما مثل أسماء التي
هي ممن كان يلازمُ بيتَ النبي ◌ِّ، أعلم بالمرادِ من غيرها .

٢٣٥
كتاب الطب عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في تَبْرِيدِ الحُمَّى بِالمَاءِ
قلت: يأتي لفظُ حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها في هذا الباب. وقال
المازري: لا شَكَّ أن علمَ الطّب من أكثر العلوم احتياجًا إلى التفصيلِ؛ حتى إن المريض
يكون الشيءُ دواءَه في ساعة، ثم يصير دَاءً له في الساعة التي تليها؛ لعارض يعرض له من
غَضَب يحمي مزاجه مثلًا، فيتغير علاجه، ومثل ذلك كثير. فإذا فرض وجود الشِّفاء لشخصٍ
بشيء في حالة ما، لم يلزم منه وجود الشِّفاء به له، أو لغيره في سائر الأحوال. والأطباءُ
مُجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجُه باختلاف السن والزمان، والعادة، والغذاء
المتقدم، والتأثير المألوف وقوة الطباع، ثم ذكر نحو ما تقدم.
قالوا: وعلى تقدير أن يرد التصريح بالاغتسال في جميع الجسد، فيجاب بأنه يحتملُ أن
يكون أراد أنه يقع به إقلاع الْحُمَّى؛ وهو بعيدٌ. ويحتملُ أن يكون في وقتٍ مخصوصٍ بعددٍ
مخصوصٍ، فيكون من الخواص التي اطلع وَّ عليها بالوحي، ويضمحل عند ذلك جميعُ
كَلام أهلُ الطّبِّ. وقد أخرج الترمذيُّ(١) من حديث ثوبان مرفوعًا: ((إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمُ
الْحُمَّى، فَإِنَّ الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيُطْفِتْها عَنْهُ بِالْمَاءِ؛ فَلْيَسْتَنْقِعْ فِي نَهْرِ جَارٍ، وَلْيَسْتَقْبِلْ
جِرْيَتَهُ ... )) الحديث، وفيه: ((وَلْيَغْمِسْ فِيهِ ثَلاثَ غَمَسَاتٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأُ فِي ثَلاثٍ
فَخَمْسٌ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأُ فِي خَمْسٍ فَسَبْعٌ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي سَبْعٍ فَتِسْعٌ؛ فَإِنَّهَا لا تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسْعًا
بِإِذْنِ الله)). قال: ويحتملُ أن يكونَ لبعض الحميات دوّن بعض، في بعض الأماكن دون
بعض، لبعض الأشخاص دون بعض، وهذا أوجهٌ، فإن خطابَهُ وَّه قد يكون عَامًّا وهو
الأكثرُ، وقد يكونُ خَاصَّا كما قال: ((لا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطِ وَلا بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ
غَرِّبُوا))، فقوله: ((شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا)) ليس عَامًا لجميع أهل الأرض، بل هو خَاصٌّ لمن كان
بالمدينة النبوية، وعلى سمتها، فكذلك هذا يحتملُ أن يكونَ مخصوصًا بأهل الحجازِ، وما
والاهم، إذ كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من العرضية الحادثة عن شِدَّةِ الحرارةِ، وهذه
ينفعها الماءُ الباردُ؛ شربًا، واغتسالًا؛ لأن الحمى حَرَارَةٌ غريبٌ تشتعلُ في القلب، وتنتشر منه
بتوسُّط الروح والدم في الْعُرُوقِ إلى جَمِيعِ البدن.
وهي قسمان عرضية: وهي الحادثةُ عن وَرَم، أو حركة، أو إصابةٍ حَرَارَةِ الشَّمس، أو
القيظ الشديد، ونحو ذلك، ومرضية: وهي ثلاثةُ أنواعٍ، وتكون عن مادة، ثم منها ما يسخن
(١) الترمذي، كتاب الطب عن رسول الله. حديث (٢٠٨٤).

٢٣٦
كتاب الطب عن رسول الله وَلَه / باب مَا جَاء في تَبْرِيدِ الحُمَّى بِالمَاءِ
جميعَ البدن، فإن كان مبدأ تعلقها بالروح فهي حُمَّى يوم؛ لأنها تقعُ غالبًا في يوم، ونهايتها
إلى ثَلاثٍ، وإن كان تعلَّقها بالأعضاء الأصلية فهي حُمَّى دق وهي أخطرُها، وإن كان تعلُّقها
بالأخلاط سميت عفنية، وهي بعدد الأخلاط الأربعة. وتحت هذه الأنواع المذكورة أصنافٌ
كثيرةٌ بسبب الإفراد والتركيب. وإذا تقررَ هذا، فيجوز أن يكونَ المرادُ النوع الأول؛ فإنها
تسكنُ بالانغماسِ في الماء البارد، وشرب الماء المبرد بالثَّلج وبغيره، ولا يحتاجُ صاحبُها
إلى عِلاجٍ آخر.
وقد قال جالينوس في كتاب ((حيلة البرء)): لو أن شابًّا حسنَ اللحم، خصب البدن، ليس
في أحشائه ورم؛ استحم بماء بارد، أو سبح فيه وقت الْقَيْظِ عند منتهى الْحُمَّى، لانتفع
بذلك. وقال أبو بكر الرازي: إذا كانت القوى قوية، والحمى حادة، والنضج بَيِّن، ولا ورم
في الجوف، ولا فتق، فإن الماءَ الباردَ ينفع شربه، فإن كان العليلُ خصبَ البدن، والزمان
حار، أو كان معتادًا باستعمال الماء البارد اغتسالًا - فليؤذن له فيه. وقد نزل ابن القيم حديث
ثوبان على هذه القيود، فقال: هذه الصفةُ تنفع في فَصْلِ الصيف في البلاد الحارة في الحمى
العرضية، أو الغب الخالصة التي لا ورم معها ولا شيء من الأعراض الرديئة والمواد الفاسدة
فيطفئها بإذن الله، فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون؛ لبعده عن ملاقاة الشمس، ووفور
القوى في ذلك الوقت؛ لكونه عقب النوم والسُّكون وبردِ الهواءِ. قال: والأيام التي أشار
إليها هي التي يَقَعُ فيها بحرارة الأمراض الحادة غالبًا، ولا سيما في البلادِ الْحَارَّةِ.
تنبيه: قال ابن القيم: قوله بالماء، فيه قولان: أحدهما: أنه كُلُّ ماءٍ، وهو الصحيحُ،
والثاني: أنه ماء زمزم، واحتجَّ أصحابُ هذا القول بما رواه البخاري(١) في ((صحيحه)) عن
أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة، فأخذتني الحمَّى،
فقال: أبردها عنك بماء زمزم، فإن رسول الله وٍَّ قال: ((إِنَّ الْحُمَّى من فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَبْرِدُوهَا
بِالْمَاءِ)) أو قال: ((بماء زمزم)). [و] راوي هذا قد شَكَّ فيه، ولو جزم به لكان أمرًا لأهل مكة
بماء زمزم، إذ هو متيسر عندهم، ولغيرهم بما عندهم من الماء. ثم اختلف من قال: إنه على
عمومه، هل المرادُ به الصَّدقة بالماء، أو استعماله، على قولين، والصحيح أنه استعمالُه،
وأظن أن الذي حَمَلَ من قال المراد الصدقة به، أنه أشكل عليه استعمالُ الماء البارد في
(١) البخاري، كتاب بدء الخلق. حديث (٣٢٦١).

٢٣٧
كتاب الطب عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في تَبْرِيدِ الحُمَّى بِالمَاءِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن أسْمَاء بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، وَابنٍ عُمَرَ، وَامْرأةٍ
الزُّبَيْرِ، وَعَائِشَةَ، وابنِ عَبَّاسٍ.
[٢٠٧٤] (٢٠٧٤) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ،
عَنِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَن أبِيه، عَن عَائِشَةَ؛ أنَّ رَسُوْلَ الله ◌ِلهِ قَالَ: ((إنَّ الحُمَّى مِن
فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالمَاءِ)). [خ: ٣٢٦٣، م: ٢٢١٠، جه: ٣٤٧١، حم: ٢٣٧٠٨، طا: ١٧٦٠].
حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدَهُ عَنِ هِشَام بن عُرْوَةَ، عَن فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ،
الْحُمَّى، ولم يفهم وجهه، مع أن لقوله وَجْهًا حسنًا، وهو أن الجزاء من جنس العمل، فكما
أُخمد لهيبُ العطشِ عن الظَّمآن بالماء البارد، أَخْمَدَ الله لهيبَ الحمَّى عنه جزاء وِفَاقًا. ولكن
يؤخذ هذا من فقه الحديث وإشارته، وأما المرادُ به فاستعماله. انتهى. وحديث رافع بن
خديج هذا أخرجه أيضًا أحمد، والشيخان، والنسائي(١)، وابن ماجه.
قوله: (وفي الباب عن أسماء بنت أبي بكر، وابن عمر، وابن عباس، وامرأة الزبير،
وعائشة) أما حديثُ أسماء: فأخرجه الترمذيُّ(٢) في هذا الباب. وأما حديثُ ابن عمر:
فأخرجه أحمد، والشيخان، والنسائي، وابن ماجه(٣).
وأما حديث ابن عباس: فأخرجه البخاري (٤)، وقد تقدم لفظه. وأما حديث امرأة الزبير،
فلينظر من أخرجه. وأما حديث عائشة: فأخرجه الترمذيُ (٥) بعد هذا.
[٢٠٧٤] قوله: (أخبرنا عبدة بن سليمان)، هو الكلابي.
قوله: (إن الحمى من فيح جهنم)، الفيح: سطوعُ الحرِّ وفورانُه ويقال بالواو، وَفَاحَتِ
القدر تفيح وتفوح، إذا غلت؛ كذا في ((النهاية)).
- قوله: (عن فاطمة بنت المنذر) بن الزبير بن العوام الأسدية، زوجة هشام بن عروة،
(١) أحمد (١٧٢٦٦)، والبخاري، كتاب بدء الخلق. حديث (٣٢٦٢)، ومسلم، كتاب السلام. حديث (٢٢١٢)،
والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٧٦٠٦)، وابن ماجه، كتاب الطب. حديث (٣٤٧٣).
(٢) الترمذي، كتاب الطب. حديث (٢٠٧٤).
(٣) أحمد. حديث (٤٧٠٥)، والبخاري، كتاب الطب. حديث (٥٧٢٣)، ومسلم، كتاب السلام. حديث
(٢٢٠٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٦٠٨، ٧٦٠٩)، وابن ماجه (٣٤٧٢).
(٤) البخاري، كتاب بدء الخلق. حديث (٣٢٦١).
(٥) الترمذي، كتاب الطب عن رسول الله. حديث (٢٠٧٤).

٢٣٨
کتاب الطب عن رسول اللهڑ / بابٌ
عَن أسْمَاء بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَلِّ نْوَهُ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي حديثٍ أَسْمَاء كَلَامٌ أكْثَرُ مِن هذا، وَكِلَا الحَدِينَيْنِ صحيحٌ.
٢٦ - بابٌ [ت ٢٦، م ٢٦]
[٢٠٧٥] (٢٠٧٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أبو عَامِرٍ العُقَدِيُّ، حَدَّثَنَا
إبْرَاهيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أبِي حَبِيبَةَ، عَن دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:
أَنَّ النَّبِيِّ ◌َلِ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ مِنَ الحُمَّى وَمِنَ الأَوْجَاعِ كُلِهَا أنْ يَقُولَ: ((بِسم الله الكَبِير،
أعُوذُ بِالله العَظيم، مِن شَرِّ كُلِّ عِرْقٍ نَغَّارٍ، وَمِنْ شَرِّ حَرِّ النَّارِ)). [ضعيف جه:
روت عن جَدَّتِهَا أسماء بنت أبي بكر، وغيرها، وعنها زوجُها هشام بن عروة، وغيره، ثقة،
من الثالثة، كذا في ((التقريب)) و((تهذيب التهذيب)): (عن أسماء بنت أبي بكر) الصديق، زوج
الزبير بن العوام، وكانت تسمى: ((ذات النِّطاقين)).
قوله: (وفي حديث أسماء كلام أكثر من هذا). روى الشيخان عن فاطمة عن أسماء هذا
الحديث مطولًا، ولفظه عند مسلم(١): أنها كانت تُؤتى بالمرأة الْمَوْعُوكَةِ، فتدعو بالماء،
فتصبه في جَيْبِهَا، وتقولُ: إن رسول الله مَّ قال: ((أَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ))، وقال: ((إِنَّها من فَيْحِ
جَهَنَّمَ)). فأشار الترمذيُّ بقوله: وفي حديث أسماء كلامٌ أكثر من هذا؛ إلى ما في هذا
الحديث من الزيادة، (وكلا الحديثين صحيح). أخرجهما الشيخان.
٢٦ - بَابٌ
[٢٠٧٥] قوله: (حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة) الأنصاري الأشهلي، مولاهم
أبو إسماعيل، المدني ضعيف، من السابعة، (عن داود بن حصين) الأموي، مولاهم
أبو سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة، وَرُمي برأي الخوارج، من السادسة، كذا في
((التقريب)).
قوله: (كان يعلمهم من الحمى)، أي: من أَجْلِهَا، (أن يقول)، أي: المريض أو عائده،
(من شر كل عرق)، بكسر فسكون منونًا، (نعار)، بفتح النون وتشديد العين المهملة، أي:
فوَّار الدم، يقال: نَعَرَ العرق يَنْعَرُ بالفتح فيهما، إذا فار منه الدمُ، استعاذ منه، لأنه إذا غلب
(١) مسلم، كتاب السلام. حديث (٢٢١١).

٢٣٩
كتاب الطب عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في الغِيلَةِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حديثِ إِبْرَاهيمَ بْنِ
إسماعيلَ بْنِ أبِي حَبِيبَةَ، وإبراهيمُ يُضَعَّفُ في الحَدِيثِ، وَيُروَى: عِرْقٌ يَعَّارٌ.
٢٧ - باب مَا جَاء في الغِيلَةِ [ت ٢٧، م ٢٧]
[٢٠٧٦] (٢٠٧٦) حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، عَن محمدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَن عُرْوَةَ،
لم يمهل. وقال الطيبي: نَعَرَ العرقُ بالدم إذا ارتفع وَعَلا، وجرح نَغَّار ونعور، إذا صوت دمه
عند خُرُوجِهِ.
قوله: (هذا حديث غريب). وأخرجه أحمد، وابن أبي شيبة، وابن ماجه، وابن
أبي الدنيا، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة))، والحاكم وصححه، والبيهقي(١) في
((الدعوات))، كذا في ((المرقاة)). (ويروى عرق يَغَّار). رواه ابن ماجه(٢)، ضبط يَغَّار في
((النسخة الأحمدية))، بفتح التحتية وتشديد العين المهملة ومعناه صَوَّاتٌ.
قال الجزري في ((النهاية)): يقال: يعرت العنز تيعر بالكسر يُعَارًا بالضم، أي: صَاحَتْ.
انتهى. وأما قول بعض الناس: يُعَارَّ بضم الياء التحتية وفتح العين وتشديد الراء من العرارة،
وهي: الشدة، وسوء الخلق، ومنه: إذا اسْتعر عليكم شيء من الغنم، أي: نَدَّ واسْتَعْصَى،
وأما يعار فلم نجد له في كتب اللغة معنى يناسب هذا المقام فمما لا يلتفت إليه. انتهى.
٢٧ - بَابُ مَا جَاءَ فيِ الْغِيلَةِ
قال الجزري في ((النهاية)): الغيلة بالكسر: الاسم من الْغَيْلِ بالفتح، وهو أن يجامع
الرجلُ زوجته وهي مرضعٌ، وكذلك إذا حملت وهي مرضعٌ، وقيل: يقال فيه: الْغِيْلَةُ وَالْغَيْلَةُ
بمعنى، وقيل: الكسر للاسم، والفتح للمرة، وقيل: لا يصحُّ الفتح إلا مع حذف الهاء، وقد
أغال الرجل وأغيل، والولد مغال ومغيل، واللبن الذي يشربه الولد، يقال له: الغيل أيضًا.
انتھی .
[٢٠٧٦] قوله: (أخبرنا يحيى بن إسحاق) هو البجلي أبو زكريا السيلحيني، (أخبرنا
يحيى بن أيوب)، هو الغافقي المصري، (عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل) الأسدي
(١) ابن أبي شيبة في ((المصنف)). حديث (٧٩/٧) (١٤)، وابن السني (٥٦٥)، والحاكم (٨٢٧٤).
(٢) ابن ماجه، كتاب الطب. حديث (٣٥٢٦).

٢٤٠
كتاب الطب عن رسول الله ◌َيّ / باب مَا جَاء في الغِيلَةِ
عَن عَائِشَةَ، عَن ابنةٍ وَهْبٍ - وَهِيَ جُدَامَةُ - قَالَت: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌َ: يَقُولُ:
((أرَدْتُ أنْ أَنْهَى عَن الغِيالِ، فَإذَا فَارِسُ والرُّومُ يَفْعَلُونَ، وَلا يَقْتُلُونَ أوْلَادَهُمْ)).
[م. ١٤٤٢، ن: ٣٣٢٦، د. ٣٨٨٢، جه: ٢٠١١، حم: ٢٦٤٩٤، طا: ١٢٩٢، مي ٢٢١٧].
المدني، يتيم عروة، ثقة، من السادسة. (عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها (عن
بنت وهب وهي جدامة) بمضمومة ودالٍ مهملة، قال في ((التقريب)): جدامة بنت وهب،
ويقال: جندل الأسدية أخت عكاشة بن محصن لأمه، صحابية لها سابقة وهجرة. قال
الدار قطني: من قالها بالذال المعجمة صَحَّفَ. انتهى. وقال في ((تهذيب التهذيب)) في
ترجمتها: روت عن النبي ◌ّر في النهي عن الغيلة، روت عنها عائشة زوج النبي ◌َّة. انتهى.
قوله: (أردت أن أنهى عن الغيال)، بكسر الغين المعجمة، وفي الرواية الآتية: الغيلة.
قال النووي في ((شرح مسلم)): قال أهلُ اللغة: الغيلة هاهنا بكسر الغين، ويقال لها: الغيل
بفتح الغين مع حذف الهاء، والْغِيَالُ بكسر الغين. وقال جماعة من أَهْلِ اللَّغَةِ: الغيلة بالفتح
المرة الواحدة. وأما بالكسر فهي الاسمُ من الْغَيْلِ. وقيل: إن أُريد بها وطء المرضع جاز
الغيلة والغيلة، بالكسر والفتح. واختلف العلماءُ في المراد بالغيلة في هذا الحديث وهي
الغيل، فقال مالك في ((الموطأ))(١)، والأصمعي وغيره من أهل اللغة: هي أن يجامع امرأته
وهي مرضعٌ، يقال منه: أَغَالَ الرجلُ وأغيل، إذا فعل ذلك. وقال ابن السّكيت: هو أن
ترضعَ المرأةُ وهي حَامِلٌ، يقال منه: غالت وأغيلت. قال العلماء: سبب هَمِّه ◌ِّ بالنهي
عنها أنه يخافُ منه ضرر الولد الرضيع، قالوا: والأطباء يقولون: إن ذلك اللبن داءٌ، والعرب
تكرهه وتتقیە.
(فإذا فارس)؛ بكسر الراء، وعدم الصَّرف، (يفعلون)، أي: الغيال، (ولا يقتلون
أولادهم) وفي الرواية الآتية: ((وَلا يَضُرُّ أَوْلادَهُمْ)). قال القاضي: كان العربُ يحترزون عن
الغيلة، ويزعمون أنها تضرُّ الولَد، وكان ذلك من المشهورات الذائعة عندهم، فأراد النبي :
صَلِيّ
أن يَنْهَى عنها لذلك، فرأى أن فارسَ والروم يَفْعَلُونَ ذلك، ولا يبالون به، ثم إنه لا يعود على
أولادهم بضرر فلم يَنْهَ. انتهى. قال النووي: في الحديث جَوَازُ الغيلةِ، فإنه بّ لم ينه عنها
وبيَّن سبب ترك النهي.
(١) موطأ مالك (١٢٩٢).