النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في الاقْتِصَادِ في الحُبِّ والبُغْضِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ٦٠ - باب مَا جَاء في الاقْتِصَادِ في الحُبِّ والبُغْضِ [ت ٦٠، م ٦٠] [١٩٩٧] (١٩٩٧) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ عَمْرٍو الكَلْبِيُّ، عَن حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَن أيُّوبَ، عَن محمدٍ بْنِ سِيرِينَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ - أَرَاهُ رَفَعَهُ - قَالَ: ((أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما، عليه السلام - في أمته بالأمور التي يسهم بها، ويضيفها إليهم من المكروه غيبة، وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض، بل الواجبُ عليه وَّر أن يبين ذلك، ويفصح به، ويعرف الناس أمورهم، فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة، ولكنه لما جُبل عليه من الكرم وأعطيه من حسن الخلق أظهر له البشاشة، ولم يجبه بالمكروه، ولتقتدي به أمته في اتقاء شَرِّ مَنْ هذا سبيله وفي مداراته؛ ليسلموا من شره وغائلته. وقال القرطبي: فيه جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش، ونحو ذلك، مع جواز مداراتهم اتقاء شرهم ما لم يُؤَدِّ ذلك إلى المداهنة، ثم قال - تبعًا للقاضي حسين -: والفرق بين المداراة والمداهنة؛ أن المداراة: بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين، أو هما معًا، وهي مباحة، وربما استحسنت، والمداهنة: بذلُ الدين لصلاح الدنيا. انتهى. وهذه فائدةٌ جليلةٌ ينبغي حفظُها والمحافظة عليها. فإن أكثرَ الناسِ عنها غافلون، وبالفرق بينهما جَاهِلُونَ. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، وغيرهما . ٦٠ - بابُ مَا جَاءَ في الاقْتِصَادِ في الْحُبِّ وَالْبُغْضِ قال في ((الصراح)): قصد ميانه رفتن درهر جيز(١) واقتصاد مثله، يقال: فلان مقتصد في النفقة، لا إسراف ولا تقتير، انتهى. [١٩٩٧] قوله: (حدثنا سويد بن عمرو الكلبي)، أبو الوليد، الكوفي العابد، من كبار العاشرة ثقة، وأفحش ابن حبان القول فيه، ولم يأت بدليل، (عن حماد بن سلمة) بن دينار البصري، أبي سلمة: ثقة، عابد، أثبت الناس في ثابت وتغير حفظه بآخره، من كبار الثامنة. قوله: (أراه) بضم الهمزة، أي: أظنه (أحبب حبيبك هونًا ما)، من باب الأفعال، أي: (١) قصد ميانه رفتن درهر جيز: عبارة فارسية بمعنى: الاعتدال أو السلوك الوسط في كل شيء. ١٢٢ كتاب البر والصلة عن رسول الله وَله / باب مَا جَاء في الاقْتِصَادِ في الحُبِّ والبُغْضِ عَسَى أنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا ما، وَأبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا ما، عَسَى أنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا ما)). قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حَدِيثٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ بهذا الإسْنَادِ إلَّا مِن هذا الوَجْهِ، وقد رُويَ هذا الحَدِيثُ، عَن أيُّوبَ بإسْنَادٍ غَيْرِ هذا، رَوَاهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي جَعْفَرٍ، وهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ - أيْضًا - بإسْنَادٍ لَهُ عَن عَلِيٍّ، عَن النبيِّ وَّةِ، والصحِيحُ: عَن عَلِيٍّ مَوْقوف قوله. أُحْبِبْهُ حبًّا قليلًا فـ((هونًّا)) منصوب على المصدر: صفة لما اشتق منه ((أحبب)). وقال في ((المجمع)): أي حبًّا مقتصدًا، لا إفراط فيه، ولفظ ((ما)) للتقليل. (عسى أن يكون بغيضك يومًا ما .. إلخ) قال المناوي في ((شرح الجامع الصغير)): إذ ربما انقلب ذلك بِتَغَيُّرِ الزمان والأحوال بغضًا، فلا تكون قد أسرفت في حبه، فتندم عليه إذا أبغضته، أو حبًّا؛ فلا تكون قد أسرفت في بُغْضِهِ، فتستحي منه إذا أحببته؛ ولذلك قال الشاعر: [الطويل]: فَهَوْنكَ فِي حُبٍّ وَبُغْضِ فَرُبَّمَا بَدَا صَاحِبٌ من جَانِبٍ بَعْدَ جَانِبٍ قوله: (هذا حديث غريب، لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه ... إلخ) قال المناوي في ((شرح الجامع الصغير)): وأخرجه البيهقي(١) في ((شعب الإيمان)) عن أبي هريرة، والطبراني(٢) في ((الكبير)) عن ابن عمر بن الخطاب، وعن ابن عمرو بن العاص، والدار قطني في ((الأفراد))، وابن عدي(٣) في ((الكامل))، والبيهقي(٤) في ((شعب الإيمان))، عن علي مرفوعًا، والبخاري في ((الأدب المفرد))، والبيهقي(٥) عن عَلِيٍّ موقوفًا عليه، قال الترمذي: هذا هو الصحيحُ. انتهى. (١) شعب الإيمان برقم (٦٥٩٥) عن عليٍّ أنه كان يقول: فذكره، ثم قال: ورواه سويد بن عمرو، عن حمّاد .... عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ وهو وهم. (٢) لم أجده في الكبير ولم يذكر المناوي أنه في الكبير، والصواب أنه في ((الأوسط)) (٥١١٩) من حديث ابن عمر، وفي (٥١٢٠) من حديث ابن عمرو. (٣) الكامل لابن عدي (١٧١/٢). (٤) شعب الإيمان للبيهقي (٦٥٩٧). (٥) الأدب المفرد (١٣٢١) والشعب (٦٥٩٣). ١٢٣ كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء فِي الكِبرِ ٦١ - باب مَا جَاء في الكِبرِ [ت ٦١، م ٦١] [١٩٩٨] (١٩٩٨) حَدَّثَنَا أبُو هِشَام الرِّفَاعِيُّ، حَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَن الأعْمشِ، عَن إبراهيمَ، عَن عَلْقَمَةَ، عَن عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَه: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن کِبْرِ ، ٦١ - بابُ مَا جَاءَ في الْكِبْرِ بكسر الكاف، وسكون الموحدة، ثم راء، قال الراغب: الْكِبْر، وَالتَّكَبُّرُ، وَالاسْتِكْبَارُ: متقاربٌ، فالکبرُ الحالة التي يختصُّ بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وذلك أن یری نفسه أكبر من غيره وأعظم، ذلك أن يتكبر على ربه؛ بأن يمتنع من قبول الحق، والإذعان له بالتوحيد والطاعة. والتكبر يأتي على وجهين: أحدهما: أن تكون الأفعالُ الحسنةُ زائدة على محاسن الغير، ومن ثم وُصف سبحانه وتعالى بالمتكبر. والثاني: أن يكون متكلفًا لذلك، متشبعًا بما ليس فيه، وهو وصف عامة الناس نحو قوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبٍِّ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] والمستكبر مثلُه. وقال الغزالي: الكبر على قسمين، فإذا ظهر على الجوارح يقال: تكبر، وإذا لم يظهر يقال: في نفسه كبر، فالأصلُ هو الخلق [الذي] في النفس، وهو الاسترواح، والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه، فإن الكبر يستدعي متكبرًا عليه، ليرى نفسه فوقه في صفات الكمال ومتكبرًا به، وبه يفصل الكبر عن العجب، فإن العجب لا يستدعي غير المعجب به، بل لو لم يخلق [الإنسان] إلا وحده، تصور أن يكون معجبًا، ولا يتصور أن يكون مُتَكَبِّرًا. [١٩٩٨] قوله: (حدثنا أبو هشام الرفاعي) اسمه: محمد بن يزيد بن محمد بن كثير العِجْلِي، الكوفي، قاضي المدائن، ليس بالقوي، من صغار العاشرة، وذكره ابن عدي في ((شيوخ البخاري))، وجزم الخطيب بأن البخاري روى عنه، لكن قد قال البخاري: رأيتهم مجمعين على ضعفه؛ كذا في ((التقریب)). قوله: (من كان في قلبه مثقال حبة)، أي: مقدار وزن حَبَّةٍ. قال في ((المجمع)): المثقال في الأصل: مقدار من الوزنٍ، أي شيء كان من قليل أو كثير، والناس يطلقونه في الْعُرف على الدينار خاصة، وليس كذلك. انتهى. (من خردل) قيل: إنه الحبة السوداء، وهو تمثيلٌ ١٢٤ كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاء فِي الكِبرِ ولا يَدْخُلُ النَّارَ مَن كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِن إِيمَانٍ)). [م: ٩١، د: ٤٠٩١، جه: ٥٩، حم: ٣٧٧٩] . وفي الباب: عَن أبي هُرَيْرَةَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وسَلَمَةَ بْنِ الأكوعِ، وأَبِي سَعيدٍ . للقلة؛ كما جاء: مثقال ذرة. قال النووي: قد اختلف في تأويل قوله وَله: ((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ من كِبْرِ)). فذكر الخطابي فيه وجهين: أحدهما: أن المراد التكبر عن الإيمان، فصاحبه لا يدخل الجنة أصلًا، إذا مات عليه، والثاني: أنه لا يكون في قلبه كبر حال دخوله الجنة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ﴾ [الأعراف: ٤٣] وهذان التأويلان فيهما بُعد، فإن هذا الحديث ورد في سياق النهي عن الكبر المعروف، وهو الارتفاعُ على الناس، واحتقارهم ودفع الحق، فلا ينبغي أن يحملَ على هذين التأويلين المخرَّجين له عن المطلوب، بل الظاهرُ ما اختاره القاضي عياض، وغيره من المحققين؛ أنه لا يدخلها دون مجازاة إن جازاه، وقيل: هذا جزاؤه لو جازاه، وقد تكرم بأنه لا يجازيه، بل لا بد أن يدخل كُلُّ الموحِّدين الجنة؛ إما أولًا، وإما ثانيًا بعد تعذيب [بعض] أصحاب الكبائر الذين ماتوا مُصِرِّينَ عليها . وقيل: لا يدخلها مع المتقين أول وهلة. انتهى، (لا يدخل النار من كان في قلبه ... إلخ). المرادُ به دخول الكفار وهو دخول الخلودِ والتأبيد. قال الطيبي في قوله اَله: ((مثقال حبة)) إشعار بأن الإيمان قابل للزيادة والنُّقصان. قلت: الأمر كما قال الطيبي، فَلا شَكَّ في أن هذا الحديث يدلُّ على أن الإيمان يَزِيدُ وينقصُ. قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع، وأبي سعيد) . أما حديث أبي هريرة، فأخرجه مسلم(١). وأما حديث ابن عباس، فأخرجه الطبراني، والبزار(٢) بإسناد حسن؛ كذا في ((الترغيب))، وله حديث آخر عند ابن ماجه، وابن حبان. وأما حديث سلمة بن الأكوع، فأخرجه الترمذيُ(٣) في هذا الباب كما سيأتي، وأما حديث أبي سعيد، (١) مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها. حديث (٢٨٤٦). (٢) الطبراني في ((الكبير)) (١٢٢٣٥)؛ وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٨٢/٨): وإسناده حسن. (٣) الترمذي، كتاب البر والصلة. حديث (٢٠٠٠). ١٢٥ كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء فِي الكِبرِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [١٩٩٩] (١٩٩٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المثنَّى، وعَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرحمنِ، قالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن أبَان بْنِ تَغْلِبٍ، عَن فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، عَن إبراهيمَ، عَن عَلْقَمَةَ، عَن عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ من كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ من كِبْرٍ، ولا يَدخُلُ النَّارَ يعني مَن كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِن إِيمَان))، قَالَ: فَقَالَ له رَجُلٌ: إنَّهُ يُعْجِبُنِي أنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنًا وَنَعْلِي حسنة، قَالَ: ((إن الله يُحِبُّ الجَمَالَ، فأخرجه مسلم(١) عنه مرفوعًا بلفظ: ((اخْتَجَّتِ الْجَنَّهُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: فِيَّ الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: فِيَّ ضُعَفَاءُ الْمُسْلِمِينَ وَمَسَاكِينُهُمْ، فَقَضَى الله بَيْنَهُمَا: إِنَّكِ الْجَنَّةُ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَإِنَّكِ النَّارُ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ وَلِكِليْهِمَا عَلَيَّ مَلْؤُهَا)). قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه مسلم. [١٩٩٩] قوله: (حدثنا يحيى بن حماد) بن أبي زياد الشيباني، مولاهم البصري، ختن أبي عوانة ثقة عابد من صِغَارِ التَّاسعة، (عن أبان بن تغلب). قال النووي: يجوزُ صرف أبان وترك صرفه، وإن الصرفَ أفصحُ، وتغلب - بفتح المثناة، وسكون المعجمة، وكسر اللام - أبي سعد الكوفي، ثقة، تكلم فيه للتشيع، من السابعة، (عن فضيل بن عمرو) الفقيمي بالفاء والقاف مصغرًا، أبي النصر الكوفي، ثقة من السادسة. قوله: (فقال رجل)، قال النووي في ((شرح مسلم)): هو مالك بن مرارة الرهاوي؛ قاله القاضي عياض، وأشار إليه أبو عمر بن عبد البر قال: وقد جمع أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال الحافظ في اسمه أقوالًا من جهات ثم سردها النووي، (إنه يعجبني أن يكون ثوبي حسنًا ونعلي حسنةً)، أي: من غير أن أراعي نظر الخلق، وما يترتَّب عليه من الكبر والخيلاء، والسمعة والرياء، ثم النعل ما وُقيت به القدم، وهي مؤنثة سماعية، ذكرها ابن الحاجب في رسالته فيما يجب تأنيثه. فالتذكير هنا باعتبار مَعْنَاهَا، وهو ما وُقيت به القدمُ، ولعل سبب ذلك السؤال ما ذكره الطيبي؛ أنه لما رأى الرجل العادة في المتكبِّرين لبس الثياب الفاخرة، ونحو ذلك، سأل ما سأل. (قال) مجيبًا له: (إن الله يحب الجمال)، وفي رواية: ((إِنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ))، (١) مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها. حديث (٢٨٤٧). ١٢٦ كتاب البر والصلة عن رسول الله وَل9 /باب مَا جَاء فِي الكِبرِ ولَكِنِ الكِبْرُ مَن بَطَرَ الحَقَّ وغَمصَ النَّاسَ)). [م: ٩١]. وَقَالَ بَعْضُ أهلِ العِلْمِ في تَفْسير هَذا الْحَدِيْثِ: ((لا يَدْخُلِ النَّارِ مَن كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ)) إنَّما مَعْنَاه لا يُخَلَّد في النَّارِ؛ وهكَذَا رُوي عَن أبي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ، عَن النبيِ نَّهَ قَالَ: ((لا يَخْرُج مِنَ النَّار مَن كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَال ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ))، وقد فَسّرَ غير وَاحِدٍ مِنَ التَّابعينَ هَذِهِ الآية: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ ے أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] فقالَ: من تُخَلِّدُ في النَّار، نَقَد أخْزَبْتَهُ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هَذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غَريبٌ. أي: حسن الأفعال، كامل الأوصاف، وقيل: أي: مُجْملٌ، وقيل: جليل، وقيل: مالك النور والبهجة، وقيل: جميل الأفعال بكم، والنظر إليكم، يكلفكم اليسير، ويعين عليه، ويثيب عليه الجزيل، ويشكر عليه. وقال المناوي: إن الله جميل، أي: له الجمال المطلق: جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال. يحب الجمال، أي التجمل منكم في الهيئة، أو في قِلَّةِ إظهارٍ الحاجة لغيره، والعفاف عن سواه. انتهى. (ولكن الكبر)، أي: ذا الكبر بحذف المضاف، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. (من بطر الحق)، أي، دفعه ورده، (وغمص الناس) أي: احتقرهم ولم يرهم شيئًا. مِنْ غَمَصْتُهُ غَمْصًا، وفي رواية: ((الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ))(١). قال في ((المجمع)): الغمط: الاستهانة والاستحقار، وهو كالغمص. وأصل البطر شدةُ الفرح والنشاط، والمراد هنا: قيل: سوء احتمال الغنى، وقيل: الطغيان عند النعمةِ، والمعنيان متقاربان. وفي ((النهاية)): بطر الحق هو أن يجعل ما يجعله الله حَقًّا من توحيده وعبادته باطلًا، وقيل: هو أن يتجبر عند الحق فلا يراه حَقًّا، وقيل: هو أن يتكبر عن الحقِّ فلا يقبله. وقال التوربشتي: وتفسيره على الباطل أشبه؛ لما ورد في غير هذه الرواية: ((إِنَّما ذَلِكَ من سَفَهِ الْحَقِّ، وَغَمْصِ النَّاسِ))، أي: رأى الحقَّ سَفَهًا . قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه مسلم. (١) مسلم، كتاب الإيمان. حديث (٩١)، وأبو داود، كتاب اللباس. حديث (٤٠٩٢). ١٢٧ كتاب البر والصلة عن رسول الله وَال﴿و / باب مَا جَاء فِي الكِبرِ [٢٠٠٠] (٢٠٠٠) حَدَّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةَ، عَن عُمَر بْنِ رَاشِدٍ، عَن إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَن أبِيه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لا يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ في الجَبَّارِينَ فَيُصِيبِهُ مَا أَصَابَهُمْ)). [ضعيف، عمر بن راشد، ضعيف] . قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريب. [٢٠٠١] (٢٠٠١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عيسَى بن يزيد البَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ [٢٠٠٠] قوله: (عن عمر بن راشد)، وقع في النسخة الأحمدية: عمرو بن راشد بالواو، والصواب بغير الواو، وقال الحافظ في ((التقريب)): عمر بن راشد بن شجرة - بفتح المعجمة والجيم ـ اليمامي، ضعيف من السابعة، ووهم من قال: إن اسمه عمرو، وكذا من زعم أنه ابن أبي خثعم. انتهى. (عن إياس بن سلمة بن الأكوع) الأسلمي، كنيته: أبو سلمة، ويقال: أبو بكر المدني، ثقة من الثالثة. قوله: (لا يزال الرجل يذهب بنفسه). قال المظهر، وغيره: ((الباء)) للتعدية، أي: يعلي نفسه ويرفعها، ويبعدها عن الناس في المرتبة، ويعتقدها عظيمة القدر، أو للمصاحبة، أي: يرافق نفسه في ذهابها إلى الكبر، ويعززها ويكرمها، كما يكرم الخليلُ الخليلَ حتى تصير متكبرةً. وفي ((أساس البلاغة)): يقال: ذَهَبَ بِهِ: مَرَّ بِهِ مع نَفْسِهِ. قال القاري: ومن قبيل الأول قولُه تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِثُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، أي: أذهب نورهم. وخلاصة المعنى: أنه لا يزال يذهبها عن درجتها ومرتبتها إلى مرتبة أعلى، وهكذا: (حتى يكتب)، أي: اسمه، أو يثبت رسمه (في الجبارين)، أي: في ديوان الظالمين والمتكبرين، أو معهم في أسفل السافلين، (فيصيبه) بالنصب، وقيل: بالرفع، أي: فينال الرجل من بليات الدنيا، وعقوبات العقبى (ما أصابهم)، أي: الجبارين؛ كفرعون، وهامان، وقارون. قوله: (هذا حديث حسن غريب) ذكره المنذري في ((الترغيب))، ونقل تحسين الترمذي وأقره. [٢٠٠١] قوله: (حدثنا علي بن عيسى بن يزيد البغدادي) الكراجكي، بفتح الكاف، وكسر الجيم التي بعد الألف، وقد تبدل شيئًا، مقبول، من الحادية عشرة (أخبرنا ابن ١٢٨ كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّوَ ر باب مَا جَاء في حُسْنِ الخُلُقِ أبِي ذِئْبٍ، عَن القَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَن نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، عَن أبِيه، قَالَ: يقولون لي فِي التِّيه، وقَد رَكِبْتُ الحِمَارَ وَلَبِسْتُ الشَّمْلَةَ، وقدْ حَلَبَّتُ الشَّاةَ، وَقَدْ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَهِ: (مَن فَعَلَ هَذَا، فَلَيْسَ فِيه مِنَ الكِبْرِ شَيءٌ)). قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. ٦٢ - باب مَا جَاء في حُسْنِ الخُلُقِ [ت ٦٢، م ٦٢] [٢٠٠٢] (٢٠٠٢) حَدَّثَنَا ابنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سفيان، حَدَّثَنَا عَمرُو بْنُ دِينَارٍ، عَن ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ، عَن يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ، عَن أمِّ الدَّرْدَاءِ، عَن أبي الدَّرْدَاءِ؛ أنَّ النَّبِيِّ ﴿﴿ قَالَ: ((مَا شيْءٌ أَثْقَلُ في مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامةِ، مِن خُلُقٍ حَسَنٍ، فإنَّ اللهَ تعالى ليَبْغَضُ الفاحِشَ أبي ذئب) سقط هذا من بعض النسخ، والصواب ثبوته. (عن القاسم بن عباس) بن محمد بن معتب بن أبي لهب الهاشمي، أبي العباس المدني، ثقة، من السادسة. قوله: (يقولون لي فِيَّ الِّيه)، بالكسر: الكبر، أي: في نَفْسِي الكبرُ. (وقد ركبت الحمار) الواو حالية، (ولبست الشملة)، بفتح الشين وسكون الميم. قال في ((النهاية)): هو كساءٌ يتغطّى به ويتلفف فيه. وقال في ((الصراح)): شمله كليم خردكه بخود دركشند(١)، (من فعل هذا)، أي: المذكور من ركوب الحمار، ولبس الشملة، وحلب الشاة (فليس فيه من الكبر شيء) فإن هذه الأفعال لا يأنف منها إلا المتكبّرون. ٦٢ - بابُ مَا جَاءَ في حُسْنِ الْخُلْقِ [٢٠٠٢] قوله: (عن يعلى بن مملك) بوزن جعفر المكي، مقبول، من الثالثة، (عن أم الدرداء) زوج أبي الدرداء، اسمها: هجيمة، وقيل: جهيمة الأوصابية الدمشقية، وهي الصغرى: أما الكبرى فاسمها: خيرة، ولا رواية لها في الكتب الستة، والصغرى ثقة، فقيهة من الثالثة، كذا في ((التقريب)). قوله: (ما شيء) أي: ثوابه، أو صحيفته، أو عينه المجسد، (من خلق حسن)، فإنه تعالى يحبه، ويرضى عن صاحبه، (فإن الله يبغض)، وفي نسخة: (لَيَبْغَضُ)). (الفاحش): (١) شملة كليم خردكه بخو دركشند: عبارة فارسية بمعنى: الشملة هي كليم صغير يلبسه الإنسان على جسده. ١٢٩ كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ لا﴿و / باب مَا جَاء في حُسْنِ الخُلُقِ البذيءَ)). قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن عَائِشَةَ، وأبي هُرَيْرَةَ، وأنَسٍ، وأُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، الذي يتكلم بما يكره سماعه، أو من يرسل لسانه بما لا ينبغي، (البذيء) قال المنذري في ((الترغيب)): البذيء بالذال المعجمة ممدودًا هو المتكلمُ بالفحش ورديء الكلام. وقال في ((النهاية)»: الْبَذَاءُ بالمد: الفُحْشُ في القول، بَذَا يَبْذُو، وأَبْذَى يُبْذِي فهو بَذِيءِ اللِّسَانِ، وقد يقال بالهَمْز، وليس بالكثير. انتهى. قال القاري: ومن المقرر: أن كُلَّ مَا يَكُونُ مبغوضًا لله ليس له وزن وقدر، كما أن كل ما يكون محبوبًا له يكون عنده عظيمًا، قال تعالى في حَقِّ الكفار: ﴿فَلَا تُقِيُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنَا﴾ [الكهف: ١٠٥] وفي الحديث المشهور: (كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله الْعَظِيمِ)) (١). وبهذا تمت المقابلة بين القرينتين. انتهى. قوله: (وفي الباب عن عائشة، وأبي هريرة، وأنس، وأسامة بن شريك) أما حديث عائشة، فأخرجه أبو داود، وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم(٢)، وقال: صحيح على شرطهما، ولفظه: ((إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِك بِحُسْنٍ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ)). وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه الترمذي(٣) في هذا الباب. وأما حديث أنس فأخرجه ابن أبي الدنيا، والطبراني، والبزار، وأبي يعلى(٤) بإسناد جيد رواته ثقات، ولفظ أبي يعلى قال: لَقِيَ رَسُولُ الله ◌َِّ أَبَا ذَرٍّ فقال: ((يَا أَبَا ذَرٍّ، أَلا أَدُلُّكَ عَلَى خَصْلَتَيْنِ، هُمَا أَخَفُّ عَلَى الَّهْرِ، وَأَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ من غَيْرِهِمَا))، قال: بلى يا رسول الله، قال: ((عَلَيْكَ بِحُسْنِ الْخُلُقِ، وَطُولِ الصَّمْتِ، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا عَمِلَ الْخَلائِقُ بِمِثْلِهِمَا)). وله حديث آخر ذكره المنذري في ((الترغيب)). وأما حديث أسامة بن شريك فأخرجه الطبراني، وابن حبان(٥) في ((صحيحه)). قال المنذري: رواه الطبراني محتج بهم في الصحيح. انتهى. (١) البخاري، كتاب الدعوات. حديث (٦٤٠٦)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء. حديث (٢٦٩٤). (٢) أبو داود، كتاب الأدب. حديث (٤٧٩٨)، وابن حبان (٤٨٠)، والحاكم. حديث (١٩٩)، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. (٣) الترمذي، كتاب البر والصلة. حديث (٢٠٠٤). (٤) ابن أبي الدنيا في ((الصمت)) (٥٥٤)، والطبراني في ((الأوسط)) (٧١٠٣)، وأبو يعلى (٣٢٩٨). (٥) المعجم الكبير (٤٦٣، ٤٦٨)، والأوسط (٣٦٧، ٦٣٨٠)، وابن حبان (٤٧٨، ٤٨٦). ١٣٠ كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ ال﴿و / باب مَا جَاء في حُسْنِ الخُلُقِ وَهذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [٢٠٠٣] (٢٠٠٣) حَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا قَبِيْصَةُ بْنُ اللَّيثِ الكوفيُّ، عَن مُطَرِّفٍ، عَن عَطَاءٍ، عَن أَمِّ الدَّرْدَاءِ، عَن أبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: سَمِعْتُ النبيِ اَل يَقُولُ: ((مَا مِن شَيْءٍ يُوضَعُ في المِيزَانِ أثْقَلُ مِن حُسْنِ الخُلُقِ، وإنَّ صَاحِبَ حُسْنٍ الخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ والصَّلاةِ)). [د بنحوه: ٤٧٩٩]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذَا حَديثٌ غَرِيبٌ من هذَا الوَجْهِ. [٢٠٠٤] (٢٠٠٤) حَدَّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ محمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنِي أبِي عَن جَدِّي، عَن أبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ عَن أكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ؟ فَقَالَ: (تَقْوَى الله، وَحُسْنُ الخُلُق))، وَسُئِلَ عَن أكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ قوله: (هذا حديث حسن صحيح). وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه))، وأخرجه أبو داود، لكن اقتصر على الجملة الأولى؛ كذا في ((الترغيب)). [٢٠٠٣] قوله: (حدثنا قبيصة بن الليث) بن قبيصة بن برمة الأسدي، الكوفي، صدوق، من التاسعة (عن عطاء) بن نافع الكيخاراني، قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: عطاء الكيخاراني، ثقة، وكذا قال النسائي: له عندهم حديث واحد في حُسْنِ الْخُلُقِ. كذا في ((تهذيب التهذيب)): وقال في ((التقريب)): ثقة من الرابعة. قوله: (وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به .. إلخ)، وفي حديث عائشة عند أبي داود(١): (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنٍ خُلُقِهِ دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيْلِ وَصَائِمِ النَّهَارِ)). قوله: (هذا حديث غريب)، وأخرجه البزار بإسناد جيد، كذا في ((الترغيب)). [٢٠٠٤] قوله: (حدثني أبي)، أي: إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي، ثقة من السابعة، (عن جدي)، أي: يزيد بن عبد الرحمن بن الأسود الزعافري، أبي داود الأودي، مقبول، من الثالثة. قوله: (عن أكثر ما يدخل الناس الجنة)، أي: عن أكثر أسباب إدخالهم الجنة مع الفائزين؛ (تقوى الله)، وله مراتب أدناها: التقوى عن الشِّرك، (وحسن الخلق)، أي: مع (١) أبو داود، كتاب الأدب. حديث (٤٧٩٨). ١٣١ كتاب البر والصلة عن رسول الله رَّةَ/ باب مَا جَاء في حُسْنِ الخُلُقِ النَّارَ؟ فَقَالَ: ((الفَمُ، وَالفَرْجُ)). [جه: ٤٢٤٦، حم: ٧٨٤٨]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ صحيحٌ غريبٌ، وعبْدُ الله بْنُ إذْرِيسَ هُوَ: ابنُ يَزِيدَ بْن عِبْدِ الرحمنِ الأوْديُّ. [٢٠٠٥] (٢٠٠٥) حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ عبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو وَهْبٍ، عَن عَبْدِ الله بْنِ المُبَارَكِ؛ أنَّهُ وَصَفَ حُسْنَ الخُلُقِ، فَقَالَ: هُوَ بَسْطُ الوَجْهِ، وبَذْلُ المَعْرُوفِ، وكَفُّ الأذَى. الخلق، وأدناه ترك أذاهم، وأعلاه الإحسان إلى مَنْ أَسَاءَ إليه منهم. (الفم والفرج؛ لأن المرء غالبًا بسببهما يقع في مخالفة الخالق، وترك المخالفة مع المخلوق. قال الطيبي: قوله: ((تقوى الله)) إشارة إلى حسن المعاملة مع الخالق، بأن يأتي جميع ما أمره به، وينتهي عن ما نهى عنه، وحسن الخلق إشارة إلى حسن المعاملة مع الخلق، وهاتان الخصلتان موجبتان لدخول الجنة، ونقيضهما لدخول النار. فأوقع الفم والفرج مقابلًا لهما. وأما الفمُ فمُشتمل على اللسان، وحفظه مَلاكُ أَمرِ الدين كله، وأكل الحلال رأس التقوى كُلِّهِ. وأما الفرج فصونه من أعظم مراتب الدين قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥]، لأن هذه الشهوة أغلبُ الشهوات على الإنسان، وأعصاها على العقل عند الهيجان، ومن ترك الزنا، خوفًا من الله تعالى مع القدرة، وارتفاع الموانع، وتيسُّر الأسباب - لا سيما عند صدق الشهوة ـ وصل إلى درجة الصِّديقين. قال تعالى: ﴿وَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الَْىِ (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] ومعنى الأكثرية في الجملتين أن أكثر أسباب السعادة الأبدية الجمعُ بين الخصلتين، وأن أكثر أسباب الشقاوة السرمدية الجمعُ بين هاتين الخصلتين. قوله: (هذا حديث صحيح غريب). وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه))، والبيهقي في ((الزهد)) (١) وغيره، وكذا في ((الترغيب)). [٢٠٠٥) قوله: (هو بسط الوجه .. إلخ) قال ابن رجب في كتابه ((جامع العلوم والحكم)). قد روي عن السَّلف تفسير حُسن الخلق، فعن الحسن قال: حسن الخلق الكرمُ والبذلة والاحتمال. وعن الشعبي قال: حسن الخلق البذلة والعطية والبشر الحسن، وكان (١) ابن حبان. حديث (٤٧٦)، والبيهقي في ((الزهد)) (٩٦٥). ١٣٢ كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ له / باب مَا جَاء في الإِحْسَانِ وَالعَفْو ٦٣ - باب مَا جَاء في الإحْسَانِ وَالعَفْو [ت ٦٣، م ٦٣] [٢٠٠٦] (٢٠٠٦) حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ وأحمدُ بْنُ مَنِيع ومحمودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالوا: حَدَّثَنَا أَبُو أحمدَ الزبيريُّ، عَن سُفْيَانَ، عَن أبي إِسْحَاقَ، عَن أبِي الأَحْوَصِ، عَن أبِيه، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، الرَّجُلُ أمُرُّ بِهِ فَلا يَقْرِينِي وَلا يُضَيِّفُنِي فَيَمُرُّ بِي أفأجزيه؟ قَالَ: ((لا، أقْرِهِ))، قَالَ: الشعبي كذلك، وسئل سلام بن أبي مطيع عن حسن الخلق، فأنشد شعرًا فقال: [من الطويل] كَأَنَّكَ تُعْطِيهِ الَّذِي أَنْتَ سَائِلُهْ تَرَاهُ إِذَا مَا جِئْتَهُ مُتَهَلِّلًا لَجَادَ بِهَا فَلْيَتَّقِ الله سَائِلُهْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي كَفِّهِ غَيْرُ رُوحِهِ فَلُجَّتُهُ الْمَعْرُوفُ وَالْجُودُ سَاحِلُهْ هُوَ الْبَحْرُ مِن أَيِّ النَّوَاحِي أَتَيْتَهُ وقال الإمام أحمد: حسن الخلق، ألا تغضب، ولا تحقد. وعنه أنه قال: حسن الخلق أن تحتمل ما يكون من الناس. وقال إسحاق بن راهويه: هو بسط الوجه، وألا تغضب، ونحو ذلك قال محمد بن نصر. ٦٣ - بَابُ مَا جَاءَ في الإِحْسَانِ وَالْعَقْوِ الإحسان ضد الإساءة، قال في ((الصراح)): إحسان نكوثي كردن(١). يقال: أحسن إليه، كقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَآ أَحْسَنَ اَللَّهُ إِلَيْكٌ﴾ [القصص: ٧٧]. وأحسن به؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِىّ﴾ [يوسف: ١٠٠] وقال في ((المجمع)): العفو التجاوزُ عن الذنب، وترك العقاب، وأصله: المحو والطمس عفا يعفو. انتهى. [٢٠٠٦] قوله: (عن أبيه) هو مالكُ بن نضلة، قال في ((التقريب)): ويقال: مالك بن عوف بن نضلة الجشمي بضم الجيم وفتح المعجمة، صحابي، قليل الحديث. قوله: (فلا يقريني) بفتح أوله تفسيره قوله: (ولا يضيفني)، بضم أوله (أفأجزيه) بفتح الهمز وسكون الياء، أي: أكافئه بترك القرى ومنع الطعام كما فعل بي، أم أقريه وأضيفه، (قال: لا) أي: لا تجزه وتكافئه، (أقره) أي: أَضِفْهُ، وفيه حَثٍّ على القرى الذي هو من مَكَّارِمِ الأخلاق، ومنها دفع السيئة بالحسنة؛ كقوله تعالى: ﴿أَدْفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] (١) نكوئي كردن: كلمة فارسية بمعنى: عمل الخير. ١٣٣ كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ ل﴿و / باب مَا جَاء في الإحْسَانِ وَالعَقْو وَرَآنِي رَثَّ الِّيَابِ فَقَالَ: ((هَلْ لَكَ مِن مَالٍ؟)) قُلْتُ: مِن كلِّ المَالِ قَدْ أعْطَانِيَ الله: مِنَ الإِبِلِ وَالغَنَم، قَالَ: ((فَلْيُرَ عَلَيْكَ)). [حم: ١٥٤٥٧]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ عَن عَائِشَة وجَابِرٍ وأبي هُرَيْرَةَ. السيئة. (رث الثياب) قال في ((النهاية)): متاع رث، ومثال رتِّ أي: خلق بال. وفي ((القاموس)): الرَّثَاثَةُ والرُّثُوثَةُ: البذاذةُ. وفي رواية: أتيت رسول الله وَّلير، وعليَّ ثوب دون (قلت: من كل المال)، ((من)) للتبعيض، والمعنى: بعض كل المال، (من الإبل والغنم) بيان لمن المراد منه البعض، وفي رواية: من الإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والرقيق. (قال: فلير عليك)، بصيغة المجهول، أي: فليبصر وليظهر، وفي رواية: ((فَإِذَا أَتَاكَ الله مَالًا فَلِيُرَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ))(١) والمعنى: البس ثوبًا جيدًا، ليعرف الناس أنك غني، وأن الله أنعم عليك بأنواع النعم. وفي ((شرح السنة)): هذا في تحسين الثياب بالتنظيف والتجديد عند الإمكان، من غير أن يبالغ في النعامة والدقة، ومظاهرة الملبس على اللبس على ما هو عادة العجم. قال القاري: اليوم زاد العرب على العجم. قلت: الأمر في هذا الزمان أيضًا كما قال القاري. وقال البغوي: وروي عن النبي وَّه أنه كان يَنْهَى عن كثير من الإرْفاه(٢)، انتهى. وروى البيهقيُّ(٣) عن أبي هريرة، وزيد بن ثابت، ((أنه وَِّ نهى عن الشُّهْرَتَيْنِ: رِقَّةِ الشَِّابِ وَغِلَظِهَا، وَلِينِهَا وَخُشُونَتِهَا، وَطُولِهَا وَقِصرِهَا)) ولکن سدادٌ فيما بين ذلك واقتصاد. قوله: (وفي الباب عن عائشة، وجابر، وأبي هريرة). أما حديث عائشة فأخرجه الشيخان (٤)، وفيه: ما انْتَقَمَ رسولُ الله لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حرمةُ الله، فينتقم الله بها. وأما حديث جابر، فأخرجه الشيخان(٥) أيضًا، وفيه قصة الأعرابي الذي اخترط سيفٍ النبي وَل وهو نائم، وعفوه ◌َل عنه. (١) أبو داود، كتاب اللباس. حديث (٤٠٦٣) والنسائي (٥٢٢٣، ٥٢٢٤). (٢) أخرجه النسائي، كتاب الزينة. حديث (٥٠٥٨). (٣) شعب الإيمان. حديث (٦٢٣١). (٤) البخاري، كتاب الحدود. حديث (٦٨٥٣)، ومسلم، كتاب الفضائل (٢٣٢٧). (٥) البخاري، كتاب الجهاد والسير. حديث (٢٩١٠، ٤١٣٧)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين. حديث (٨٤٣). ١٣٤ كتاب البر والصلة عن رسول الله وَليه/ باب مَا جَاء في الإِحْسَانِ وَالعَفْو وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وأبُو الأخْوَصِ اسْمُهُ: عَوْفُ بْنُ مَالِكِ بْنِ نَضْلَةَ الجُشَمِيُّ. ومَعْنَى قَوْلِه أقْرِهِ: أضِفْهُ، والقِرَى: هُو الضِّيَافَةُ. [٢٠٠٧] (٢٠٠٧) حَدَّثَنَا أبو هَاشِم الرِّفَاعِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيْدَ، حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَن الوَلِيدِ بْنِ عِبْدِ الله بْنِ جُمِّيْعٍ، عَن أبِي الظُّفَيْلِ، عَن حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((لا تَكُونُوا إِمَّعةً تَقُولُونَ إنْ أحْسَنَ النَّاسُ أحْسَنَّا، وإنْ ظَلَمُوا وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه مسلم (١). قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والنسائي. [٢٠٠٧] قوله: (عن الوليد بن عبد الله بن جميع، بضم الجيم وفتح الميم، مصغرًا، الزهري المكي، نزيل الكوفة، صدوق يهم، ورمي بالتشيع، من الخامسة. قوله: (لا تكونوا إمعة) بكسر الهمزة وتشديد الميم، والهاء للمبالغة، وهمزته أصلية، ولا يستعمل ذلك في النساء، فلا يقال: امرأة إمعة، كذا في ((النهاية)). وقال صاحب ((الفائق)): هو الذي يتابع كل ناعق، ويقول لكل أحد: أنا معك، لأنه لا رأي له يرجع إليه. ومعناه: المقلِّد الذي يجعل دينه تابعًا لدين غيره، بلا رؤية ولا تحصيل برهان. انتهى كلامه. قال القاري - بعد نقل هذا الكلام عن ((الفائق)) - ما لفظه: وفيه إشعار بالنهي عن التقليد المجرد، حتى في الأخلاق، فضلًا عن الاعتقادات والعبادات. وفي ((القاموس)): الإِمَّعُ كَهِلَّع وهِلَّعَةٍ ويُفْتَحَانِ: الرجلُ يُتَابِعُ كُلَّ [أَحَدٍ] على رأيه، لا يثْبُتُ عَلَى شيءٍ، ومُتَبع النَّاس إلى الطعام من غير أن يُدْعَى، والمُحْقِبُ الناس دِينَه، والمُتَرَدِّدُ في غير صَنْعَةٍ، ومن يقول: أنا مع الناس، ولا يقال: امرأة إمَّعةٌ، أو قد يقال: وَتَأْمَّعَ وَاسْتَأْمَعَ صَارَ إِمَّعَةً وقيل: هو الرجلُ الذي يكون لضعف رأيه مع كُلِّ واحد. والمراد هنا من يكون مع ما يوافق هواه، ويلائم أرب نفسه وما يتمنَّاه. وقيل: المراد هنا الذي يقول: أنا مع الناس كما يكونون معي، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. قال القاري: وهذا المعنى هو المتعين، كما يدل عليه قوله: (تقولون: إن أحسن الناس) أي: إلينا، أو إلى غيرنا؛ (أحسنا) أي: جزاء أو تبعًا لهم، (وإن ظلموا) أي: (١) مسلم، كتاب الفضائل. حديث (٢٣١٥). ١٣٥ كتاب البر والصلة عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاء في زِيَارَةِ الإِخْوَانِ ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطُّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إنْ أحْسَنَ النَّاسُ أنْ تُحْسِنُوا، وإنْ أسَاؤُوا فَلا تَظْلمُوا)). [ضعيف، أبو هشام، ضعّفه النسائي، وقال البخاري: رأيتهم مجتمعين على ضعفه]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نَعْرِفُه إلَّا من هذا الوَجْهِ. ٦٤ - باب مَا جَاء في زِيَارَةِ الإخْوَانِ [ت ٦٤، م ٦٤] [٢٠٠٨] (٢٠٠٨) حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، وَالحُسَيْنُ بْنُ أبِي كَبْشَةَ البَصْرِيُّ، قَالا: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبِ السَّدُوسِي، حَدَّثَنَا أَبُو سِنَانِ القَسْمليُّ - هو الشَّاميُّ - عَن عُثمانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه : ظلمونا أو ظلموا غيرنا، فكذلك نحن (ظلمنا) على وَفْقِ أعمالهم. قال الطيبي: قوله ((تقولون ... إلخ)) بيان وتفسير للإمعة، لأن معنى قوله: ((إن أحسن الناس، وإن ظلموا)) أنا نقلِّدُ الناسَ في إحسانهم وظلمهم، ونقتفي أثرهم. (ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا .. إلخ) قال في ((القاموس)): توطينُ النفس تمهيدها، وتوطنها تمهدها. انتهى. وفي ((المنجد)): وطّن نفسه على الأمر وللأمر هَيَّأها لفعله، وحملها عليه. انتهى. وفي ((أساس البلاغة)): أوطن الأرض، ووظّنها، واستوطنها، ومن المجاز: وطنت نفسي على كذا، فتوطنت، قال الشاعر: على نائبات الدهر حين تنوب ولا خير فيمن لا يوطن نفسه قال الطيبي: ((إن تحسنوا)) متعلَّق بقوله: ((وطنوا))، وجواب الشرط محذوف يدلُّ عليه إن تحسنوا، والتقدير: وطنوا أنفسكم على الإحسان، إن أحسن الناس فأحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا، لأن عدم الظلم إحسان. ٦٤ - بَابُ مَا جَاءَ في زِيَارَةِ الإِخْوَانِ [٢٠٠٨] قوله: (والحسين بن) سلمة بن إسماعيل بن يزيد بن (أبي كبشة)، بموحدة ومعجمة، الأزدي الطحان، (البصري)، صدوق، من التاسعة (حدثنا يوسف بن يعقوب السدوسي)، مولاهم: أبو يعقوب السِّلَعي بكسر المهملة وفتح اللام، وقيل: بفتح أوله ثم سكون، البصري الضبعي، صدوق من التاسعة. (حدثنا أبو سنان القسملي)، بفتح القاف وسكون المهملة وفتح الميم وتخفيف اللام، هو: عيسى بن سنان الحنفي الفلسطيني، نزيل البصرة، لين الحديث، من السادسة (عن عثمان بن أبي سودة) المقدسي، ثقة من الثالثة. ١٣٦ كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في الحَيَاءِ ((مَن عَادَ مَرِيضًا أوْ زَارَ أخَا لَهُ في الله، نَادَاهُ مُنَادٍ أنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الجَنَّةِ مَنْزِلًا)). [جه: ١٤٤٣]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وأبو سِنَانٍ اسمُه: عِيسَى بْنُ سِنَانٍ، وقد رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَن ثَابِتٍ، عَن أَبِي رَافِعٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ شَيْئًا مِن هَذَا. ٦٥ - باب مَا جَاء في الحَيَاءِ [ت ٦٥، م ٦٥] [٢٠٠٩] (٢٠٠٩) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمانَ قوله: (مَنْ عَادَ مَرِيضًا) أي: محتسبًا، (أو زار أخًا له)، أي: في الدين (في الله) أي: لوجه الله لا للدنيا، (مناد)، أي: مَلَكٌ: (أن طبت) دعاء له بطيب عيشه في الدنيا والأخرى، (وطاب ممشاك) مصدر، أو مكان، أو زمان مبالغة. قال الطيبي: كناية عن سيره وسلوكه طريق الآخرة بالتعري عن رذائل الأخلاق، والتحلِّي بمكارمها. (وتبوأت)، أي: تهيأت (من الجنة)، أي: من منازلها العالية، (منزلًا)، أي: منزلة عظيمة، ومرتبة جسيمة بما فعلت. وقال الطيبي: دعاءٌ له بطيب العيش في الأخرى، كما أن ((طبت)) دعاء له بطيب العيش في الدنيا، وإنما أخرجت الأدعية في صورة الأخبار إظهارًا للحرص على عِيَادَةِ الأخيار. قوله: (هذا حديث غريب)، قال المنذري في ((الترغيب)) - بعد ذكر هذا الحديث -: رواه ابن ماجه، والترمذي واللفظ له، وقال: حديث حسن، وابن حبان(١) في ((صحيحه)). قلت: ليس في النسخ الموجودة عندنا لفظ: ((حسن))، بل فيها: ((حديث غريب)). (شيئًا من هذا)، أي: شيئًا مختصرًا من هذا الحديث. ٦٥ - بَابُ مَا جَاءَ في الْحَيَاءِ هو بالمد، وهو في اللغة: تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به. وقد يطلق على مجرد تَرْكِ الشيءِ بسببٍ. والترك إنما هو من لَوَازِمِهِ، وفي الشرع: خُلُقٌ يبعثُ على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الْحَقِّ. [٢٠٠٩] قوله: (حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي، أبو محمد الكوفي، ويقال: اسمه: (١) ابن ماجه، كتاب الأحكام. حديث (١٤٤٣)، وابن حبان (٢٩٦١). ١٣٧ كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ لَه / باب مَا جَاء في الحَيَاءِ وعبْدُ الرَّحِيم ومحمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَن محمَّدٍ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أبو سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ، وَالإِيمَانُ في الجَنَّةِ، وَالبَذَاءُ مِنَ الجَفَاءِ، وَالجَفَاءُ فِي النَّارِ)). قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن ابنِ عُمَرَ، وأبِي بَكْرَةَ، وأبِي أمَامَةَ، وعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عبد الرحمن، ثبت، ثقة، من صغار الثامنة. (وعبد الرحيم) الظاهر أنه: عبد الرحيم بن سليمان الكناني أو الطائي، أبو علي الأشل المروزي، نزيل الكوفة ثقة، له تصانيف، من صغار الثامنة (ومحمد بن بشر) بكسر الموحدة. قال الحافظ: في ((تهذيب التهذيب)): محمد بن بشر بن الفرافصة بن المختار الحافظ العبدي، أبو عبد الله الكوفي، روى عن محمد بن عمرو بن علقمة، وغيره، وعنه أبو كريب وغيره، انتهى. وقال في ((التقريب)): ثقة حافظ، من التاسعة، (عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق، له أوهام، من السادسة. قوله: (الحياء من الإيمان)، أي: بعضه، أو من شعبه (والإيمان)، أي: أهله. قال الطيبي: جعل أهل الإيمان عين الإيمان دلالة على أنهم تَمَخَّصُوا منه، وَتَمَكَّنُوا من بعض شعبه الذي هو أعلى الفرع منه؛ كما جعل الإيمان مقرًّا، ومبوأ لأهله في قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ﴾ [الحشر: ٩]، لتمكنهم من الإيمان، واستقامتهم عليه. (والبذاء)، بفتح الباء خلاف الحياء، والناشئ منه الفحش في القول. والسوء في الخلق، (من الجفاء)، وهو خلاف البر الصَّادر منه الوفاء، (والجفاء) أي: أهله التاركون للوفاء. الثابتون على غلاظة الطبع، وقساوة القلب. (في النار) إما مدة أو أبدًا؛ لأنه في مقابل الإيمان الكامل، أو مطلقه، فصاحبه من أهل الكفران أو الكفر. قوله: (وفي الباب عن ابن عمر، وأبي بكرة، وأبي أمامة، وعمران بن حصين). أما حديث ابن عمر: فأخرجه الشيخان(١)، وله أحاديث أخرى في هذا الباب. وأما حديث أبي بكرة: فأخرجه البخاري في الأدب، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي(٢). وأما حديث (١) البخاري، كتاب الأدب. حديث (٦١١٨)، ومسلم، كتاب الإيمان. حديث (٣٦). (٢) البخاري في ((الأدب المفرد)) (١٣١٤)، وابن ماجه، كتاب الزهد. حديث (٤١٨٤)، والحاكم (١٧١)، والبيهقي في ((الشعب)) (٧٧٠٨). ١٣٨ كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ ل﴿ / باب مَا جَاء في الحَيَاءِ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. أبي أمامة: فأخرجه أحمد، والحاكم، والطبراني(١). وأما حديث عمران بن حصين: فأخرجه الشيخان(٢) عنه مرفوعًا بلفظ: ((الْحَيَاءُ لا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرِ)). وفي رواية: ((الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ)). تنبيه: قال النووي في ((شرح مسلم)): حديث كون الحياء كله خير، أو لا يأتي إلا بخير؛ يشكل على بعض الناس، من حيث إن صاحب الحياءِ قد يستحي أن يُوَاجِهَ بالحقِّ من يجلُّه ويعظمه، فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. وقد يحمله الحياءُ على الإخلال ببعض الحقوق، وغير ذلك مما هو معروف في العادة. والجواب ما أجاب به عنه جماعة من الأئمة منهم: الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: إن هذا المانع الذي ذكرناه ليس بحياء حقيقة، بل هو عَجْزٌ وخور [ومهانة]، وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العُرف، أطلقوه مجازًا؛ لمشابهته الحياء الحقيقي: وإنما حقيقةُ الحياءِ خُلُقٌ يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق ونحو هذا. ويدل عليه ما روينا في رسالة الإمام أبي القاسم القشيري، عن السيد الجليل أبي القاسم الجنيد رحمه الله قال: الحياءُ رؤية الآلاء، أي: النعم، ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء. وقال القاضي عياض، وغيره [من الشراح]: إنما جعل الحياءَ من الإيمان، لأنه قد يكون تخلقًا واكتسابًا كسائر أعمال البر، وقد يكون غريزة، ولكن استعماله على قانون الشرع، يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم، فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثًا على أفعال البر، ومانعًا من المعاصي. انتهى. وقال الطيبي: ويمكن أن يحمل التعريفُ على العهد، ويكون إشارة إلى مَا وَرَدَ في قوله ◌َّهِ: ((الاسْتِحْيَاءُ مِنَ الله أَنْ يَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَظْنَ وَمَا حَوَى ... )) الحديث. انتهى. قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم، والبيهقي (٣)، كذا في ((الترغيب)) و((المرقاة)). (١) أحمد (٢١٨٠٩)، والحاكم. حديث (١٧) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، والطبراني في ((الكبير)) (٧٤٨١). (٢) البخاري، كتاب الأدب. حديث (٦١١٧)، ومسلم، كتاب الإيمان. حديث (٣٧). (٣) تقدم ذكرهم في التخريج، وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (٦٠٨، ٦٠٩)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٢٢٦/١٠). ١٣٩ كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء فِي التَّأْنِّي وَالعَجَلَةِ ٦٦ - باب مَا جَاء في التَّأنِّي وَالعَجَلَةِ [ت ٦٦، ٢ ٦٦] [٢٠١٠] (٢٠١٠) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الجَهضَميُّ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، عَن عبدِ الله بْنِ عِمْرَانَ، عَن عاصِمِ الأخْولِ، عَن عبدِ الله بْنِ سَرْجِسَ المُزَنِيّ؛ أَنَّ النَِّيَّ نَّهِ قَالَ: ((السَّمْتُ الحسَنُ وَالتُّؤَدَةُ وَالاقْتِصَادُ جُزءٌ مِن أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا ٦٦ - بَابُ مَا جَاءَ فيِ الثَّنِّي وَالْعَجَلَةِ الْعَجَلَةُ وَالْعَجَلُ - محركتين -: السرعة، والتأني تركُ الاستعجال، من تَأَنَّى في الأمر، إذا توقّف فيه. [٢٠١٠] قوله: (حدثنا نوح بن قيس) بن رباح الأزدي، أبو روح البصري، أخو خالد، صدوق، رمي بالتشيع، (عن عبد الله بن عمران)، التيمي الطلحي البصري، مقبول، من السادسة، وقال في ((تهذيب التهذيب)): روى له الترمذي حديثًا واحدًا في فَضْلِ السَّمتِ الحسن وغيره. (عن عبد الله بن سرجس)، بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم بعدها مهملة، المزني، حليف بني مخزوم، صحابي سكن البصرة. قوله: (السمت الحسن)، أي: السيرةُ المرضيةُ، والطريقة المستحسنة، قيل: السمت الطريق، ويستعار لهيئة أهل الخير. وفي ((الفائق)): السمتُ أخذُ المنهج ولزوم المحجة، (والتؤدة) بضم التاء وفتح الهمزة، أي: التأنِّي في جميع الأمور. (والاقتصاد)، أي: التوسط في الأحوال، والتحرز عن طرفي الإفراط والتفريط. قال التوربشتي: الاقتصاد على ضربين، أحدهما: ما كان متوسطًا بين محمود ومذموم، كالمتوسط بين الجور والعدل، والبخل والجود. وهذا الضرب أريد بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: ٣٢]. والثاني: محمود على الإطلاق، وذلك فيما له طرفان: إفراط وتفريط؛ كالجود فإنه بين الإسراف والبخل، والشجاعة فإنها بين التهور والجبن. وهذا الذي في الحديث هو الاقتصادُ المحمودُ على الإطلاق (جزء) أي: كلها أو كل منها . (من أربعة وعشرين جزءًا). ويؤيد الأخير ما رواه الضياء (١) عن أنس مرفوعًا: ((السَّمْتُ الْحَسَنُ جُزْءٌ من خَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» مع زيادة إفادة أن المرادَ بالعدد المذكور التكثير لا التحديد، وينصره حديثُ ابن عباس عند أبي داود(٢): أن النبي ◌َّ قال: ((إِنَّ (١) الأحاديث المختارة حديث (٢٢٠٩). (٢) أبو داود، كتاب الأدب. حديث (٤٧٧٦). ١٤٠ كتاب البر والصلة عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاء فِي التَّأْنِّي وَالعَجَلَةِ مِنَ النُّبُوَّةِ)). وفي الباب: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وهذا حديثٌ حسنٌ غريب. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، عَن عبدِ الله بْنِ عِمْرَانَ، عَن عبدِ الله بْنِ سَرْجِسَ، عَنِ النَّبِّ ◌ََّ نَحْوَهُ، ولم يَذْكُرْ فِيهِ عَن عاصِمٍ؛ وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ نَصْرِ بْنِ عَلِي. [٢٠١١] (٢٠١١) حَدَّثَنَا محمَّدُ بْنُ عبدِ الله بْنِ بَزِيع، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ خالِدٍ ، الْهَدْيَ الصَّالِحَ، وَالسَّمْتَ الصَّالِحَ، والاقْتِصَادَ؛ جُزْءٌ من خَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ)»، على أنه يمكنُ الاختلافُ بحسب اختلاف الكمية، والكيفية الحاصلة في المتصف به. (من النبوة)، أي: من أجزائها . قال الخطابي: الهديُ والسمتُ حالة الرجل ومذهبه، والاقتصادُ سلوكُ القصد في الأمور، والدخول فيها برفق على سبيل تمكَّن الدوام عليها، يريد أن هذه الخصال من شمائل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأنها جزءٌ من أجزاء فضائلهم، فاقتدوا بهم فيها وتابعوهم عليها، وليس معناها أن النبوة تتجزأ، ولا أن من جمع هذه الخصال كان نبيًّا، فإن النبوة غير مكتسبة، وإنما هي كرامة يخصُّ الله بها من يشاء من عباده، والله أعلم حيث يجعل رسالته. ويحتمل أن يكون معناه: أن هذه الخلال مما جاءت به النبوة، ودعا إليها الأنبياء. وقيل: معناه أن من جَمَعَ هذه الخصالَ لقيه الناس بالتوقير والتعظيم، وألبسه الله لباس التقوى الذي ألبس أنبياءه - عليهم الصلاة والسلام. فكأنها جُزْءٌ من النبوة. قال التوربشتي: والطريق إلى معرفة ذلك العدد، ووجهه بالاختصاص من قِبَلِ الرأي والاستنباط مسدود، فإنه من عُلُوم النبوة. قوله: (وفي الباب عن ابن عباس) أخرجه أبو داود، والحاكم(١). قوله: (والصحيح حديث نصر بن علي) قال الحافظ: في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة عبد الله بن عمران: روي عن عبد الله بن سرجس، وقيل: عن عاصم الأحول عنه. انتهى. [٢٠١١] قوله: (حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع)، بفتح الموحدة، وكسر الزاي، البصري، ثقة، من العاشرة، (عن قرة بن خالد) السدوسي البصري، ثقة ضابط، من (١) أبو داود، كتاب الأدب. حديث (٤٧٧٦).