النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في السَّخَاءِ
وفي البابِ: عَن عَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ هذا الحَدِيثَ بهذا
الإِسْنَادِ عَن ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ، عَن عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، عَن أَسْمَاء بِنْتِ أبي بَكْرٍ
﴿ّ، وَرَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هذا عَن أيُّوبَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فيه: عَن عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ
الزُّبَيْرِ .
باب المقابلة، والمعنى: النَّهي عَنْ مَنْع الصَّدَقَةِ؛ خشية النفاد؛ فإن ذلك أعظم الأسباب لقطع
مادة البركة؛ لأن الله يثيب على العطاء بغير حساب، وقيل: المراد بالإحصاء: عد الشيء؛
لأَن يُدَّخَرَ وَلا يُنْفَقَ مِنْهُ، وإحصاء الله: قطع البركة عنه، أو حبس مادَّة الرزق، أو المحاسبة
عليه في الآخرة. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة) أما حديث عائشة: فأخرجه الطبراني(١) في
(الأوسط)) بنحو حديث أبي هريرة الآتي، وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه الترمذي(٢) بعد
هذا .
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه البخاري في ((الزكاة)) وفي ((الهبة))، ومسلم
في ((الزكاة))، وأبو داود، والنسائي، (وروى بعضهم هذا الحديث - بهذا الإسناد - عن ابن
أبي مليكة، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أسماء بنت أبي بكر) رواه الشيخان(٣) في
((صحيحيهما)) من طريق ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن
أسماء، (وروى غير واحد هذا عن أيوب، ولم يذكروا فيه عن عباد بن عبد الله بن الزبير) قال
الحافظ: وقد روى أيوب هذا الحديث عن ابن أبي مليكة، عن أسماء بغير واسطة: أخرجه
أبو داود، والترمذي(٤)، وصححه النسائي، وصرح أيوب عن ابن أبي مليكة بتحديث أسماء
له بذلك؛ فيحمل: على أنه سمعه من عباد عنها، ثم حدثته به. انتهى.

٨٢
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء فِي السَّخَاءِ
[١٩٦١] (١٩٦١) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الورَّاقُ، عَن
يَحْيَى بْنِ سَعيدٍ، عَن الأعْرَج، عَن أبي هُرَيرة عَنِ النَّبِيِّ بَلََّ، قَالَ: ((السَّخِيُّ قَرِيبٌ
مِنَ الله، قَرِيبٌ مِنَ الجَنَّةِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ الله،
بَعِيدٌ مِنَ الناسِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَالجَاهِلُ السَّخِيُّ أحَبُّ إلى الله عَزَّ وَجَلَّ مِن عَابِدٍ
بَخِيلٍ)). [ضعيف، وقيل: جدًا، سعيد بن محمد، ضعيف].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثٍ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَن
الأَعْرَج، عَن أبي هُرَيْرَةَ، إلَّا مِن حَدِيثٍ سَعِيدِ بْنِ محمدٍ ،
[١٩٦١] قوله: (عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري القاضي.
قوله: (السخي) هو: الذي اختار رضا المولى في بذله على الغني، (قريب من الله) أي:
من رحمته، (قريب من الجنة) بصرف المال وإنفاقه فيما ينبغي، (قريب من الناس)؛ لأن
السخي يحبه جميع الناس، ولو لم يحصل لبعضهم نفع من سخاوته كمحبة العادل،
(والبخيل) هو: الذي لا يؤدي الواجب عليه، (بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من
الناس، قريب من النار) معنى هذه الجملة: ظاهر من ما قبلها، والأشياء تتبين بأضدادها،
(والجاهل السخي) قال القاري: أراد به: ضد العابد، وهو: من يؤدي الفرائض دون
النوافل؛ لأن ترك الدنيا رأس كل عبادة، وإنما عبر عنه بالجاهل؛ لأنه أراد به: أنه مع كونه
جَاهِلًا غير عالم بما لم يجب عليه وجوب عين، (أحب إلى الله عز وجل من عابد) أي: كثير
النوافل، سواء يكون عالمًا أم لا، (بخيل)؛ لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وأيضًا: البخيل
الشرعي: هو من ترك الواجب الشرعي المالي، والسخي ضده، ولا شك: أن من قام
بِالفَرَائِضِ، وَتَرَكَ النَّوَافِلَ أفضل مِمَّن قام بالنوافل وَتَرَكَ الفَرَائِضَ، قال: وهذا الذي قررنا:
أولى من قول الطيبي: يفهم منه: أن جاهلًا غير عابد أحب من عالم عابد؛ رعاية للمطابقة،
فَيَا لَهَا من حَسَنَةٍ غَّتْ خَصْلَتَيْنِ ذَمِيمَتَيْنٍ !! وَيَا لَهَا مِن سَيِّئَةٍ غَطَّتْ حَسَنَتَيْنِ كَرِيمَتَينٍ !!.
قوله: (هذا حديث غريب)، وأخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن جابر بن عبد الله،
والطبراني(١) في ((الأوسط)) عن عائشة، قال المناوي: بأسانيد ضعيفة يقوي بعضها بعضًا،
(لا نعرفه من حديث يحيى بن سعيد، عن الأعرج، عن أبي هريرة إلا من حديث سعيد بن
محمد) الوراق المذكور، وهو ضعيف.
(١) البيهقي في ((الشعب)) (١٠٨٤٨)، والطبراني في «الأوسط)) (٢٣٦٣).

٨٣
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ ل ﴿و / باب مَا جَاء في البُخْلِ
وقد خُوافَ سَعِيدُ بْنُ محمدٍ في رِوَايَةِ هذا الحَدِيث عَن يَحْيِى بْنِ سَعِيدٍ، إِنَّمَا يُرْوى
عَن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَن عَائِشَةَ شَيْءٌ مُرْسَلٌ.
٤١- باب مَا جَاء في البُخْلِ [ت ٤١، م ٤١]
[١٩٦٢] (١٩٦٢) حَدَّثَنَا أبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيّ، أخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا
صَدَقَةُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، عَن عَبْدِ الله بْنِ غَالِبٍ الحُدَّانِيِّ، عَن
أبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: (خَصْلَتَانِ لا تَجْتَمِعَانِ في مُؤْمِنٍ:
البُخْلُ، وسُوءُ الخُلُقِ)). [ضعيف، صدقة، ضعيف].
قوله: (وقد خولف سعيد بن محمد في رواية هذا الحديث عن يحيى بن سعيد ... إلخ)
أي: خالفه غيره في رواية هذا الحديث عن يحيى بن سعيد، فرواه هو عن يحيى، عن
الأعرج، عن أبي هريرة - متصلًا - وجعله من مسند أبي هريرة، ورواه غيره عن يحيى، عن
عائشة مرسلًا - يعني منقطعًا - وجعله من مسند عائشة.
تنبيه: قد أورد الحافظ السيوطي هذا الحديث في كتابه ((الجامع الصغير)): نقلًا عن
الترمذي(١) بلفظ: ((وَلَجَاهِلٌ سَخِيٍّ أَحَبُّ إِلَى الله من عَالِمِ بَخِيلٍ))، قال المناوي في شرحه:
لأن الأول سريع الانقياد إلى ما يؤمر به من نحو تعلم، وإلى ما ينهى عنه، بخلاف الثاني.
انتھی.
قلت: في نُسخ الترمذي الموجودة عندنا كلها: ((من عَابِدٍ بَخِيلٍ))، وكذلك في ((المشكاة))
وكذلك في ((الترغيب)) للمنذري، وليس في واحد منها: ((مِن عَالِم بَخِيلٍ))، فالظاهر: أنه من
وهم الناسخ، والله تعالى أعلم.
٤١ - بابُ مَا جَاءَ في [الْبُخْلِ]
[١٩٦٢] قوله: (عن عبد الله بن غالب الحداني) - بضم المهملة وتشديد الدال ـ البصري
العابد، صدوق، قليل الحديث من الثالثة.
قوله: (خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق) قيل: أي: لا ينبغي أن
يجتمعا فيه، وقال التوربشتي: تأويل هذا الحديث أن نقول: المراد به: اجتماع الخصلتين
(١) الترمذي، كتاب البر والصلة عن رسول الله. حديث (١٩٦١).

٨٤
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَل ﴿ه / باب مَا جَاء في البُخْلِ
وفي البابِ: عَن أبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حَدِيثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثٍ صَدقةَ بْنِ مُوسَى.
[١٩٦٣] (١٩٦٣) حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ مَنِيع، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ
مُوسَى، عَنِ فَرْقَدِ السَّبَخِيِّ، عَن مُرَّةَ الطَّيِّبِ، عَن أبِي بَكر الصِّدِّيقِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّةِ،
قَالَ: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ خِبٌّ، ولا مَنَّانٌ، ولا بَخِيلٌ)). [ضعيف، صدقة، ضعيف حم: ٣٢].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
فيه، مع بلوغ النهاية؛ بحيث لا ينفك عنهما، ويوجد منه الرضاء بهما، فأما الذي يبخل
حينًا، ويسوء خلقه في وقت، أو في أمر ويندر منه فيندم ويلوم نفسه، أو تدعوه النفس إلى
ذلك فينازعها، فإنه بمعزل عن ذلك. انتهى.
وقوله: (خصلتان لا تجتمعان في مؤمن) خبر موصوف، والمبتدأ: (البخل وسوء
الخلق)؛ قاله ابن الملك، وقال ابن حجر: خصلتان: مبتدأ، سوغه إبدال المعرفة منه في
قوله: البخل وسوء الخلق، والخبر: لا تجتمعان، وقال القاري: الظاهر: أن لا تجتمعان:
صفة مخصصة؛ مسوغة لكون المبتدأ نكرة، والخبر قوله: البخل وسوء الخلق.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة)(١) أخرجه الترمذي في هذا الباب.
قوله: (هذا حديث غريب)، وأخرجه البخاري(٢) في ((الأدب المفرد)).
[١٩٦٣] قوله: (لا يدخل الجنة) أي: دخولًا أوليًّا، (خب) - بفتح الخاء ويكسر - أي:
خَدَّاعٌ يُفْسِدُ بين الناس بِالْخِدَاعِ، (ولا بخيل) يمنع الواجب من المال، (ولا منان) - من المنة
- أي: يمن على الفقراء بعد العطاء، أو: من المن، بمعنى: القطع لما يجب أن يوصل،
وقيل: لا يَدْخُلُ الجَنَّة مَع هذه الصفة؛ حتى يجعل طاهرًا منها، إما بالتوبة عنها في الدنيا، أو
بالعقوبة بقدرها تمحيصًا في العقبى، أو بالعفو عنه تفضلًا وإحسانًا. ويؤيده قوله تعالى:
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ﴾ [الأعراف: ٤٣]؛ كذا في ((المرقاة)).
قوله: (عن بشر بن رافع) الحارثي، كنيته: أبو الأسباط النجراني، فقيه ضعيف
الحديث، من السابعة.
(١) الترمذي، كتاب البر والصلة. حديث (١٦٩٤).
(٢) البخاري في ((الأدب المفرد)) (٢٨٢).

٨٥
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ﴿ / بابُ مَا جَاء في النَّفَقَّةِ على الأهْلِ
[١٩٦٤] (١٩٦٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَن بِشْرِ بْنِ رَافِعٍ،
عَن يَحْيَى بْنِ أبي كَثِيرٍ، عَن أبِي سَلَمَةَ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َله :
((المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ، والفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ)). [٥: ٤٧٩٠].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حَدِيثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن هذا الوَجْهِ.
٤٢- بابُ مَا جَاء في النَّفَقَةِ على الأهْلِ [ت ٤٢، ٢ ٤٢]
[١٩٦٥] (١٩٦٥) حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ، عَن
شُعْبَةَ، عَن عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَن عَبْدِ الله بْنِ يَزِيدَ، عَن أبِي مَسْعُودِ الأنْصَارِيِّ، عَنِ
النَّبِيِّ وََّ، قَالَ: ((نَفَقَةُ الرَّجُلِ على أهْلِهِ
[١٩٦٤] قوله: (المؤمن غر) بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء، (كريم) أي: موصوف
بالوصفين، أي: له الاغترار بكرمه، ولَهُ المُسَامَحَةُ فِي حُظُوظِ الدُّنيا لا لِجَهْلِهِ، (والفاجر
خب لئيم) أي: بَخِيلٌ لَجُوجٌ سيء الخُلُقِ، وفي كل منهما الوصف الثاني سبب للأول، وهو
نتيجة الثاني فتأمل !! فكلاهما من باب: ((التذييل))، و((التكميل))، وفي ((النهاية)): أي: لَيسَ
بِذِي [مكر]، فَهُوَ يَنْخَدِعُ لانْقِيَادِهِ وَلِينِهِ، وَهُوَ ضِدُّ الخَبِّ، يريد: أن المؤمن المحمود: من
طبعه الغرارة، وقلة الفطنة للشر، وترك البحث عنه، وليس ذلك منه جهلاً؛ ولكنه كرم وحسن
خلق؛ كذا في ((المرقاة))، وقال المناوي: أي يغره كل أحد، ويغيره كل شيء، ولا يعرف
الشر وليس بذي مکر، فهو ينخدع؛ لسلامة صدره وحسن ظنه.
قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه أحمد، وأبو داود، والحاكم(١).
٤٢ - بابُ مَا جَاءَ في النَّفَقَةِ عَلَى الأَهْلِ
[١٩٦٥] قوله: (نفقة الرجل على أهله)، وفي رواية للشيخين(٢): إِذَا أَنْفَقَ المُسْلِمُ نَفَقَّةً
عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ يَحْتِبُهَا، قال الحافظ: المراد بِالاحْتِسَابِ: القصد إلى طلب الأجر، وقال
القرطبي في قوله: يحتسبها: أفاد بمنطوقه: أن الأجر في الإنفاق؛ إنما يحصل بقصد القربة
واجبة أو مباحة، وأفاد بمفهومه: أن من لم يقصد القربة لم يؤجر لكن تبرأ ذمته من النفقة
(١) أحمد (٨٨٧٤)، وأبو داود (٤٧٩٠)، والحاكم (١٢٨).
(٢) البخاري، كتاب النفقات. حديث (٥٣٥١)، ومسلم (١٠٠٢) بنحوه.

٨٦
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّه / بابُ مَا جَاء في النَّفَقَّةِ على الأهْلِ
صَدَقَةٌ)). [خ: ٤٠٠٦، م: ١٠٠٢، ن: ٢٥٤٤، حم: ١٦٦٣٤، مي: ٢٦٦٤].
وفي البابِ: عَن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو، وعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمرِيِّ، وأبي هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
الواجبة؛ لأنها معقولة المعنى، (صدقة) قال الحافظ: المراد بالصدقة: الثواب، وإطلاقها
عليه مجازي، وقرينته: الإجماع على جواز الإنفاق على الزوجة الهاشمية مثلًا، وهو من
مجاز التشبيه، والمراد به: أصل الثواب لا في كميته ولا كيفيته، قال: وقوله ((على أهله)):
يحتمل: أن يشمل الزوجة والأقارب، ويحتمل: أن يختص بالزوجة، ويلحق به من عداها
بطريق الأولى؛ لأن الثواب إذا ثبت فيما هو واجب؛ فثبوته فيما ليس بواجب أولى، وقال
الطبري - ما ملخصه -: الإنفاق على الأهل: واجب، والذي يعطيه يؤجر على ذلك بحسب
قصده، ولا منافاة بين كونها واجبة، وبين تسميتها صدقة؛ بل هي أفضل من صدقة التطوع،
وقال المهلب: النفقة على الأهل: واجبة، وإنما سماها الشارع: صدقة؛ خشية أن يظنوا: أن
قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه، وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر، فعرفهم: أنها لهم
صدقة حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يكْفُوهُمْ؛ ترغيبًا لهم في تقديم الصدقة
الواجبة قبل صدقة التطوع. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وعمرو بن أمية، وأبي هريرة)، أما حديث
عبد الله بن عمرو: فأخرجه مسلم(١) في ((باب فضل النفقة على العيال والمملوك)) من ((كتاب
الزكاة))، وأما حديث عمرو بن أمية: فأخرجه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني (٢)، ورواته
ثقات، ذكره المنذري في ((الترغيب)) في ((باب النفقة على الزوجة والعيال))، وأما حديث
أبي هريرة: فأخرجه مسلم.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه البخاري في ((الإيمان))، وفي ((المغازي))،
وفي ((النفقات))، ومسلم في ((الزكاة))، والنسائي في ((الزكاة)) وفي ((عشرة النساء)).
(١) مسلم، كتاب الزكاة. حديث (٩٩٦).
(٢) أحمد (١٨٠٨٤)، وأبو يعلى (٦٨٧٧)، ولم أجده عند الطبراني.

٨٧
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّ ر باب مَا جَاء في الضِّيَافَةِ وغاية الضِّيافَةِ إِلى كَمْ هي؟
[١٩٦٦] (١٩٦٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَن أيُّوبَ، عَن أبِي قِلَابَةَ،
عَن أبِي أسْمَاء، عَن ثَوْبَانَ؛ أنَّ النَّبِيَّ بِّهِ قَالَ: ((أَفْضَلُ الدِّينَارِ دِينارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ
على عيالِهِ، ودِينارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ على دابَّتِهِ في سَبيلِ الله، وَدِينارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ على
أصْحَابِهِ في سَبِيلِ الله)). قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: بَدَأ بالعِيَالِ ثُمَّ قَالَ: ((فأيُّ رَجُلٍ أعْظَمُ أجْرًا
مِن رَجُلٍ يُنْفِقُ على عِيَالٍ لَهُ صِغَارٍ، يُعِفَّهُمُ الله بِهِ وَيُغْنِيهم الله بِهِ)). [م: ٩٩٤، جه: ٢٧٦٠،
حم: ٢١٨٧٥].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٤٣- باب مَا جَاء في الضِّيَافَةِ وغاية الضِّيافَةِ إلى كَمْ هي؟ [ت ٤٣، ٢ ٤٣]
[١٩٦٧] (١٩٦٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَن سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ
المَقْبريِّ، عَن أبي شُرَيْح العدويِّ؛ أنَّهُ قَالَ: أبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ وَسَمِعَتْهُ
أُذُنَايَ حِينَ تَكَلَّم بِهِ قَالَ: ((مَن كَانَ يُؤمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ
[١٩٦٦] قوله: (أفضل الدينار) يراد به: العموم، (ودينار ينفقه الرجل على دابته) أي:
دابة مربوطة، (في سبيل الله) من نحو الجهاد، (ودينار ينفقه الرجل على أصحابه) أي: حال
كونهم مجاهدين، (في سبيل الله) يعني الإنفاق على هؤلاء الثلاثة على الترتيب؛ أفضل من
الإنفاق على غيرهم؛ ذكره ابن الملك، قيل: ولا دلالة في الحديث على الترتيب؛ لأن الواو
المطلق الجمع، إلا أن يقال: الترتيب الذكري الصادر من الحكيم لا يخلو عن حكمة، (قال
أبو قلابة: بدأ) أي: النبي ◌َّر: (ثم قال)، وفي رواية مسلم(١): ثم قال أبو قلابة، (وأي
رجل)، وفي بعض النسخ: فأي رجل، (يعفهم الله به) - من الإعفاف - أي: يكفهم به عما لا
يحل .
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه مسلم.
٤٣ - بَابُ مَا جَاءَ في الضِّيَافَةِ، وغاية الضيافة إِلَى كَمْ هِيَ؟!
[١٩٦٧] قوله: (أبصرت عيناي رسول الله وَّلفي، وسمعته أذناي حين تكلم به) فائدة
ذكره: التوكيد، (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) المراد بقوله: ((يؤمن)) الإيمان الكامل،
(١) مسلم، كتاب الزكاة. حديث (٩٩٤).

٨٨
كتاب البر والصلة عن رسول الله رَّه / باب مَا جَاء في الضِّيَافَةِ وغاية الضِّيافَةِ إِلى كَمْ هي؟
فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ))، قالوا: وَما جائِزَتُهُ؟ قَالَ: ((يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ)) قَالَ: ((والضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ
أيَّام ومَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ
لِيَسْكُتْ)). [خ: ٦٠١٩، م: ٤٨، جه: ٣٦٧٢، د: ٣٧٤٨، حم: ١٥٩٣٥، طا: ١٧٢٨، مي: ٢٠٣٦].
وخصه ((بالله واليوم الآخر)): إشارة إلى المبدأ والمعاد، أي: من آمن بالله الذي خلقه، وآمن
بأنه سيجازيه بعمله، (فليكرم ضيفه) قالوا: إكرام الضيف؛ بطلاقة الوجه، وطيب الكلام،
والإطعام ثلاثة أيام، في الأول: بمقدوره وميسوره، والباقي: بما حضره من غير تكلف، لئلا
يثقل عليه وعلى نفسه، وبعد الثلاثة: يعد من الصدقات، إن شاء فعل، وإلا فلا، (جائزته)
هي: العطاء مشتقة من الجواز؛ لأنه حق جوازه عليهم وانتصابه بأنه مفعول ثان للإكرام؛ لأنه
في معنى الإعطاء، أو هو كالظرف أو منصوب بنزع الخافض، أي: بجائزته، (قال: يوم
وليلة) أي: جائزته يوم وليلة، وجواز وقوع الزمان خبرًا عن الجائزة باعتبار أن له حكم
الظرف، وإما فيه مضاف مقدر تقديره: أي: زمان جائزته يوم وليلة، (والضيافة ثلاثة أيام،
وما كان بعد ذلك فهو صدقة) قال ابن بطال: سئل عنه مالك: فقال: يكرمه ويتحفه يومًا
وليلة، وثلاثة أيام ضيافة، قال الحافظ: اختلفوا: هل الثلاث غير الأول، أو يعد منها؟ فقال
أبو عبيد: يتكلف له في اليوم الأول بالبر والإلطاف، وفي الثاني والثالث يقدم له ما حضره
ولا يزيده على عادته، ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة وتسمى الجيزة، وهي: قدر ما
يجوز به على المسافر من منهل إلى منهل. ومنه الحديث الآخر: ((أَجِيزُوا الْوَقْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ
أُجِيزُهُمْ))، وقال الخطابي: معناه: أنه إذا نزل به الضيف أن يتحفه، ويزيده في البر على ما
بحضرته يومًا وليلة، وفي اليومين الأخيرين: يقدم له ما يحضره، فإذا مضى الثلاث فقد قضى
حقه، فما زاد عليها مما يقدمه له يكون له صدقة، وقد وقع في رواية عبد الحميد بن جعفر،
عن سعيد المقبري، عن أبي شريح - عند أحمد ومسلم(١) - بلفظ: ((الضِّيَافَةُ: ثَلاثَةُ أَيَّام،
وَجَائِزَتُهُ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ)). وهذا يدل على المغايرة، ويؤيده ما قال أبو عبيد، وأجاب الطيبي :
بأنها جملة مستأنفة بيان للجملة الأولى، كأنه قيل: كيف يكرمه؟ قال: جائزته، ولا بد من
تقدير مضاف، أي: زَمَانُ جَائِزَتِهِ أي: بره، والضِّيَافَةُ يوم وليلة. فهذه الرواية: محمولة على
اليوم الأول، ورواية عبد الحميد على اليوم الأخير، أي: قدر ما يجوز به المسافر ما يكفيه
يوم وليلة، فينبغي أن يحمل على هذا عملًا بالروايتين. انتهى.
(١) أحمد (١٥٩٣٦، ٢٦٦٢٤)، ومسلم، كتاب اللقطة. حديث (٤٨).

٨٩
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَاه / باب مَا جَاء في الضِّيَافَةِ وغاية الضِّيافَةِ إِلى كَمْ هي؟
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[١٩٦٨] (١٩٦٨) حَدَّثَنَا ابنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن ابنِ عَجْلَانَ، عَن
سَعِيدِ المَقْبُريِّ عَن أبِي شُرَيْحِ الكَعْبِيِّ؛ أنَّ رَسُوْلَ اللهِِّ قَالَ: ((الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّام،
وجائِزَتُهُ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ، وَمَا أَنْفِقَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ
حَتَّى يُحْرِجَهُ)). [خ: ٦١٣٥].
ويحتمل: أن يكون المراد بقوله: وَجَائِزَتُهُ: بَيَانًا لحالة أخرى، وهي: أن المسافر تارة
يقيم عند من ينزل عليه؛ فهذا لا يزاد على الثلاث بتفاصيلها، وتارة: لا يقيم؛ فهذا يعطى ما
يجوز به قدر كفايته يومًا وليلة، ولعل هذا أعدل الأوجه. انتهى كلام الحافظ.
قال النووي: أجمع المسلمون على الضِّيافة، وأنها من متأكدات الإسلام، ثم قال الشافعي،
ومالك، وأبو حنيفة - رحمهم الله تعالى - والجمهور: هي سنة ليست بواجبة، وقال الليث،
وأحمد: هي واجبة يومًا وليلة، وقال أحمد - رَضُبه -: هي واجبة يومًا وليلة على أهل البادية،
وأهل القرى دون أهل المدن، وتأول الجمهور هذه الأحاديث وأشباهها على الاستحباب،
ومكارم الأخلاق، وتأكد حق الضيف كحديث: ((غُسْلُ الْجُمُعَة وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُخْتَلِمٍ)) (١) أي:
متأكِّدُ الاسْتِحْبَابِ، وتأولها الخطابي - رحمه الله - وغيره: على المضطر. انتهى.
قلت: قد اختار القاضي الشوكاني: وجوب الضيافة، واستدل عليه بدلائل عديدة، فقال
في ((النيل)): والحق وجوب الضيافة لأمور، ثم ذكرها، فمنها: إباحة العقوبة بأخذ المال لمن
ترك ذلك، وهذا لا يكون في غير واجب، ومنها: قوله: فما كان وراء ذلك فهو صدقة؛ فإنه
صريح: أن ما قبل ذلك غير صدقة، بل واجب شرعًا، ومنها: قوله وَّهِ: ((لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ
وَاجِبٌ))(٢)، فهذا تصريح بالوجوب لم يأت ما يدل على تأويله.
قلت: وجوب الضيافة: هو الظاهر الراجح عندي، والله تعالى أَعْلَمُ.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الشيخان، وأصحاب السنن.
[١٩٦٨] قوله: (ولا يحل له أن يثوي عنده) - هو بكسر الواو، وبفتحها في الماضي،
وبكسرها في المضارع - من الثواء، وهو: الإقامة بمكان معين، (حتى يحرجه) - من
(١) أخرجه بهذا اللفظ أحمد في مسنده (١١١٨٤).
(٢) أخرجه أحمد (١٦٧٢١)، وأبو داود، كتاب الأطعمة. حديث (٣٧٥٠)، وابن ماجه، كتاب الأدب. حديث
(٣٦٧٧).

٩٠
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَلغيره / باب مَا جَاء في السَّعْرٍ على الأرْمَلَةِ والْيَتِيمِ
ومَعْنَى قَوْلِهِ: (لَا يَثْوِي عِنْدَهُ)) يَعْنِي: الضَّيْفَ لَا يُقِيمُ عِنْدَهُ حتى يَشْتَدَّ على صاحِبٍ
المَنْزِلِ، وَالحَرَجُ هُوَ الضِّيقُ؟ إنَّمَا قَوْلُهُ: ((حتى يُحْرِجَهُ)) يَقُولُ: حتى يُضيِّقَ عَلَيْهِ.
وفي الباب: عَن عَائِشَةَ، وأبي هُرَيْرَةَ، وقد رَوَى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ واللَّيثُ بْنُ سَعْدٍ
عَن سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وأبُو شُرَيْح الخُزَاعِيُّ هُوَ: الكَعْبِيُّ،
وَهُو : العدوِيُّ اسْمُهُ: خُوَيْلد بْنُ عَمْرِو.
٤٤- باب مَا جَاء في السَّغْيِ على الأرْمَلَةِ واليَتِيمِ [ت ٤٤، م ٤٤]
[١٩٦٩] (١٩٦٩) حَدَّثَنَا الأنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْرٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَن صَفْوَانَ بْنِ
سُلَيْمِ، يَرْفَعُهُ إلى النَّبِيِّ نَلِّ قَالَ: ((السَّاعي على الأرْمَلَةِ
الإحراج، أو من التحريج - أي: لا يضيق صدره بالإقامة عنده بعد الثلاثة، وفي رواية
لمسلم: حتى يؤثمه، أي: يوقعه في الإثم؛ لأنه قد يَغْتَابِهُ؛ لِطُولٍ مَقَامِهِ، أَوْ يَعْرِضُ لَهُ بِمَا
يُؤْذِيهِ، أَوْ يَظُنُّ بِهِ ظَنَّا سَيِّئًا، وفي رواية لأحمد (١) عن أبي شُرَيْحِ قِيل: يَا رَسُولَ الله، وَمَا
يُؤْثِمُهُ؟ قال: ((يُقِيمُ عِنْدَهُ لا يَجِدُ شَيئًا يُقَدِّمُهُ))، (حتى يشتد على صاحب المنزل) أي: يثقل
عليه، (حتى يضيق عليه)، من التضييق.
قوله: (وفي الباب عن عائشة) لينظر من أخرجه(٢)، (وأبي هريرة) أخرجه الشيخان(٣)،
(واسمه خويلد بن عمرو) صحابي، نزل المدينة، مات سنة ثمان وستين على الصحيح.
٤٤ - بابُ مَا جَاءَ في السَّعْي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْيَتِيمِ
الأَرْمَلَةُ) بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الميم، وقال في «القاموس)»: امرأةٌ أَرْمَلَةٌ
محتاجة، أو مسكينة، والجمع: أَرَامِلُ وَأَرَامِلَةٌ، والأرمل: العَزَبُ، وهي بهاء، ولا يقال -
للعزبة الموسرة - أرملة. انتهى.
[١٩٦٩] قوله: (الساعي على الأرملة) قال النووي: المراد بالساعي: الكاسب لهما
(١) أحمد (٢٦٦٢٤) نحوه.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٢٣٨٨٣).
(٣) البخاري، كتاب الأدب. حديث (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧)، وأخرجاه في مواضع من صحيحيهما .

٩١
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في السَّعْي على الأرْمَلَةِ والْيَتِيم
والمِسْكِينِ كالمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ الله، أوْ كَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ)). [خ: ٥٣٥٣،
م: ٢٩٨٢، ن: ٢٥٧٦، جه: ٢١٤٠، حم: ٨٥١٥].
حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَن ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدِّيلي، عَن
أبِي الغَيْثِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ: مِثْلَ ذَلِكَ.
وهذا الحديثُ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، وأبُو الغَيْثِ اسْمُهُ: سَالِمٌ مَوْلَى
العامل لمؤنتهما، والأرملة: من لا زوج لها، سواء [كانت] تزوجت قبل ذلك أم لا، وقيل:
التي فارقها زوجها، قال ابن قتيبة: سميت: أرملة، لما يحصل لها من الإرمال وهو الفقر،
وذهاب الزاد بفقد الزوج، يقال: أرمل الرجل: إذا فني زاده، قال القاري: وهذا مأخذ
لطيف في إخراج الغنية من عموم الأرملة، وإن كان ظاهر إطلاق الحديث يعم الغنية
والفقيرة، قال الطيبي: وإنما كان معنى الساعي على الأرملة: ما قاله النووي؛ لأنه وَل عداه
بعلى مضمنًا فيه معنى الإنفاق، (والمسكين) هو: من لا شيء له، وقيل: من له بعض
الشيء، وقد يقع على الضعيف، وفي معناه: الفقير، بل بالأولى عند بعضهم، (كالمجاهد
في سبيل الله) أَيْ: ثواب القائم بأمرهما، وإصلاح شأنهما، والإنفاق عليهما، كثواب الغازي
في جهاده، فإن المال شقيق الروح، وفي بذله مخالفة النفس، ومطالبة رضا الرب، (أو
كالذي يصوم النهار ويقوم الليل)، وفي رواية للبخاري (١): ((أو الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ))
قال العيني: شك من الراوي، وفي رواية معن بن عيسى، وابن وهب، وابن بكير وآخرين عن
مالك بلفظ: ((أَوْ كَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ بِاللَّيْلِ)) (٢)، وفي رواية ابن ماجه من رواية
الدراوردي عن ثور مثله، ولکن بالواو لا بأو. انتهى.
- قوله: (عن ثور بن زيد) باسم الحيوان المعروف، الدِّيلي - بكسر المهملة بعدها تحتانية
- المدني، ثقة من السادسة، (عن أبي الغيث) اسمه: سالم المدني، مولى ابن مطيع، ثقة من
الثالثة.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب)، وأخرجه الشيخان، وغيرهما .
اعلم: أن الإسناد الأول مرسل، والثاني: موصول، قال الحافظ في ((الفتح)): وأكثرهم
(١) البخاري، كتاب النفقات. حديث (٥٣٥٣).
(٢) الترمذي، كتاب البر والصلة عن رسول الله. حديث (١٩٦٩)، وابن ماجه، كتاب التجارات. حديث
(٢١٤٠).

٩٢
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في طَلَاقَةِ الوجْهِ وحُسْنِ الِشْرِ
عَبْدِ الله بْنِ مُطِيع، وتَوْرُ بْنُ يزيْدِ شامي، وَثَوْرُ بْنُ زيد مَدَنِيٌّ .
٤٥- باب مَا جَاء في طَلَاقَةِ الوجْهِ وحُسْنِ البِشْرِ [ت ٤٥، ٤٥٢]
[١٩٧٠] (١٩٧٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا المُنْكَدِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَن أبِيِه،
عَن جابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: («كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وإنَّ منَ
المَعْرُوفِ أنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وأنْ تُفْرِغَ من دَلْوِكَ في إنَاءِ أخِيكَ)). [حم:
١٤٢٩٩] .
ساقه على لفظ رواية مالك، عن صفوان بن سليم به مرسلًا ثم قال: وعن ثور بسنده مثله.
انتھی .
قوله: (ثور بن يزيد شامي، وثور بن زيد مدني) يعني: أَنَّ هذين رَجُلانِ الأول، شامي،
والثاني: مدني، وقد عرفت ترجمة ثور بن زيد آنفًا، وأما ترجمة ثور بن يزيد: فقال الحافظ :
ثور بن يزيد - بزيادة تحتانية في أول اسم أبيه - أبو خالد الحمصي، ثقة ثبت، إلا أنه يرى
القدر من السابعة.
٤٥ - بابُ مَا جَاءَ في طَلَاقَةِ الوَجِهِ وَحُسْنِ البِشْرِ
قال في ((القاموس)): البِشْرُ - بالكسر - الطَّلاقَةُ، وقال فيه: طَلْق كَكَرْم، وهو طَلْقُ الْوَجْهِ
مثلثة وكـ«كَتِفٍ)) وأميرٍ، أي: ضاحكهُ ومشرقهُ.
[١٩٧٠] قوله: (كل معروف صدقة) قال الراغب: المَعْرُوفُ: اسم كل فِعْلٍ يُعْرَفُ حُسْنُهُ
بالشرع والعقل - معًا - ويطلق على الاقتصاد؛ لثبوت النهي عن السرف، وقال ابن أبي جمرة:
يطلق اسم المعروف على: ما عرف بأدلة الشرع أنه من أعمال البر، سواء جرت به العادة أم
لا، قال: والمراد بالصدقة: الثواب، فإن قارنته النية أجر صاحبه جزمًا، وإلا ففيه احتمال،
قال: وفي هذا الكلام: إشارة إلى أن الصدقة لا تنحصر في الأمر المحسوس منه، فلا
تختص بأهل اليسار مثلًا، بل كل واحد قادر على أن يفعلها في أكثر الأحوال بغير مشقة،
(وإن من المعروف) أي: من جملة أفراده، (أن تلقى أخاك) أي: المسلم، (بوجه) بالتنوين،
(طلق) يعني: تلقاه منبسط الوجه متهلله، (وأن تفرغ) - من الإفراغ - أي تصب، (من دلوك)
أي: اسْتِقَاءِك، (في إناء أخيك) لئلا يحتاج إلى الاستقاء، أو لاحتياجه إلى الدلو.

٩٣
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في الصِّدْقِ وَالگَذِبِ
وفي البابِ: عَن أبِي ذَرِّ.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ.
٤٦- باب مَا جَاء في الصِّدْقِ وَالكَذِبِ [ت ٤٦، ٢ ٤٦]
[١٩٧١] (١٩٧١) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن الأعْمَشِ، عَن شَقِيقِ بْنِ
سَلَمَةَ، عَن عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّةِ: ((عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فإنَّ
الصِّدْقَ يَهْدِي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى
الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله صِدِّيقًا، وإِيَّاكم والكذِبَ،
قوله: (وفي الباب عن أبي ذر) أخرجه الترمذي(١) في (باب صنائع المعروف)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أحمد، قال القاري في ((المرقاة)): وفي كثير
من نسخ الترمذي: حسن فقط، وليس في سنده غير المنكدر بن محمد بن المنكدر، قال
الذهبي: فيه لين، وقد وثقه أحمد، كذا ذكره ميرك. انتهى.
قلت: قال الحافظ في ((التقريب)): المنكدر بن محمد بن المنكدر القرشي التيمي
المدني: لين الحديث من الثامنة.
٤٦ - بَابُ مَا جَاءَ في الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ
[١٩٧١] قوله: (عليكم بالصدق) أي: الزموا الصدق، وهو: الإخبار على وفق ما في
الواقع، (فإن الصدق) أي: على وجه ملازمته ومداومته، (يهدي) أي: صاحبه، (إلى البر) -
بكسر الموحدة - أصله: التوسع في فعل الخير، وهو: اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرَاتِ مِنَ اْتِسَابٍ
الْحَسَنَاتِ، وَاجْتِنَابِ السَّيِّئَاتِ، ويطلق: على العَمَلِ الخَالِصِ الذَّائِمِ الْمُسْتَمِرِّ معه إلى
الموت، (وإن البر يهدي إلى الجنة) قال ابن بطال: مِصْدَاقهُ في كتاب الله تعالى ﴿إِنَّ الْأَبَارَ
لَفِى نَّعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] (وما يزال الرجل يصدق) أي: في قوله وفعله، (ويتحرى الصدق) أي:
يبالغ ويجتهد فيه، (حتى يكتب) أي: يثبت، (عند الله صديقًا) - بكسر الصاد وتشديد الدال -
أي: مبالغًا في الصدق، ففي ((القاموس)): الصِّدِّيقُ: من يتكرر منه الصدق؛ حتى يستحق اسم
المبالغة في الصدق، وفي الحديث: إشعار بحسن خاتمته، وإشارة: إلى أن الصديق يكون
(١) الترمذي، كتاب البر والصلة. حديث (١٩٥٦).

٩٤
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في الصِّدْقِ وَالكَذِبِ
فإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يزَالُ العَبْدُ يَكْذِبُ
وَيَتَحَرَّى الكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله كَذَابًا)). [خ: ٦٠٩٤، م: ٢٦٠٧، د: ٤٩٨٩، جه مطولًا:
٤٦، حم: ٣٦٣١، مي بنحوه: ٢٧١٥].
وفي البابِ: عَن أبِي بَكْرٍ الصديق، وعُمَر، وعَبْدِ الله بْنِ الشِّخِّير، وابنِ عُمَر.
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[١٩٧٢] (١٩٧٢) حَدَّثَذَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرحيمِ بْنِ هَارُونَ
الغَسَّانِيِّ :
مأمون العاقبة، (فإن الكذب يهدي إلى الفجور) قال الراغب: أصل الفُجْرِ: الشق، فالفجور:
شق ستر الديانة، ويطلق: على الميل إلى الفساد، وعلى الانبعاث في المَعَاصِي، وَهُوَ اسْمٌ
جَامِعٌ لِلشَرَّ. انتهى.
وفي ((القاموس)): فَجَرَ: فَسَقَ، وكذب وكذَّب، وعصى وخالف، (حتى يكتب عند الله
كذابًا) قال الحافظ في ((الفتح)): المراد بالكتابة: الحكم عليه بذلك، وإظهاره للمخلوقين من
الملأ الأعلى، وإلقاء ذلك في قلوب أهل الأرض، وقد ذكره مالك بلاغًا عن ابن مسعود،
وزاد فيه زيادة مفيدة ولفظه: ((لا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ، فَيُنْكَتُ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ
سَوْدَاء، حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ فَيُكْتَبَ عِنْدَ الله مِنَ الْكَاذِينَ))(١). انتهى.
قال النووي: قال العلماء: في هذا الحديث: حث على تحري الصدق [وهو قصده]
والاعتناء به، وعلى التحذير من الكذب والتساهل فيه، فإنه إذا تساهل فيه كثر منه؛ فیعرف به.
قوله: (وفي الباب عن أبي بكر، وعمر، وعبد الله بن الشخير، وابن عمر) أما حديث
أبي بكر: فأخرجه ابن حبان(٢) في ((صحيحه)) مرفوعًا: ((عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّهُ مَعَ الْبِرِّ، وَهُمَا
فِي الْجَنَّةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّهُ مَعَ الْفُجُورِ، وَهُمَا فِي النَّارِ))، وأما حديث عمر: وحديث
عبد الله بن الشخير: فلينظر من أخرجهما، وأما حديث ابن عمر فَأَخْرَجَهُ الترمذي بعد هذا.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان، وغيرهما .
[١٩٧٢] قوله: (قلت لعبد الرحيم بن هارون الغساني) هو: أبو هشام الواسطي، نزيل
(١) موطأ الإمام مالك (١٧٩٤).
(٢) ابن حبان. حديث (٥٧٣٤).

٩٥
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ﴿و / باب مَا جَاء في الصِّدْقِ وَالكَذِبِ
حَدَّثَكُمْ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِي رَوادٍ عَن نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ؛ أنَّ النَّبِيَّ وَهِ قَالَ: ((إذا
كَذَبَ العَبْدُ، تَبَاعَدَ عَنْهُ المَلَكُ مَيْلًا مِن نَتْنِ مَا جَاء بِهِ)). قَالَ يَحْيَى: فَأَقَرَّ بِهِ
عَبْدُ الرحمن بْنُ هَارُون؟ فقالَ: نَعَم. [ضعيف جدًا، عبد الرحيم، ضعيف، وكذَّبه الدارقطني].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ جيدٌ غريبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن هذا الوَجْهِ، تَفَرَّدَ
بِهِ عَبْدُ الرحيمِ بْنُ هَارُونَ.
[١٩٧٣] (١٩٧٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ
أيُّوبَ، عَن ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((مَا كَانَ خُلُقٌ أبْغَضَ إِلَى رَسُولِ الله
وَهُ مِنَ الكَذِبِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُحَدِّثُ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َهِ بِالكِذْبَةِ فَمَا يَزَالُ فِي نَفْسِهِ
حَتَّى يَعْلَمَ أنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ مِنْهَا تَوْبَةً)). [حم: ٢٤٦٥٧].
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌّ.
بغداد، ضعيف كذبه الدارقطني، من التاسعة، (حدثكم) بحذف همزة الاستفهام ويأتي جوابه
في آخر الحديث، (عبد العزيز بن أبي رواد) - بفتح الراء وتشديد الواو - صدوق عابد، ربما
وهم، ورمي بالإرجاء، من السابعة.
قوله: (إذا كذب العبد تباعد عنه الملك) يحتمل: أن حرف التعريف جنسية، ويحتمل:
أنها عهدية، والمعهود: الحافظ، (ميلًا) وهو: ثُلُثُ الفَرْسَخ، أو قطعة من الأرض، أو مد
البصر، ذكره ابن الملك، (من نتن ما جاء فيه) أي: عفونته - وهو بفتح النون وسكون التاء -
في ((القاموس)): هو ضد الفوح، والمعنى: من نتن شيء جاء ذلك الشيء بالنتن، أي: من
نتن الكذب أو جاء العبد به، والباء للتعدية.
قوله: (فأقر به عبد الرحيم بن هارون وقال: نعم) هذا متعلق بقوله: قلت لعبد الرحيم بن
هارون الغساني: حدثكم ... إلخ.
قوله: (هذا حديث حسن جيد غريب)، وأخرجه أبو نعيم(١) في ((الحلية))، وابن أبي الدنيا
في كتاب ((الصمت))، (تفرد به عبد الرحيم بن هارون) قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) -
بعد نقل هذه العبارة -: ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يُعْتَبَرُ بِحَدِيثِهِ إذا حدث عن
(١) حلية الأولياء للأصبهاني (١٩٧/٨)، والصمت لابن أبي الدنيا (٤٧٧)؛ كلاهما من حديث ابن عمر.

٩٦
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ لَه / باب مَا جَاء في الفُحْشِ والتَّفَخُش
٤٧- باب مَا جَاء في الفُحْشِ والتَّفَخُش [ت ٤٧، م ٤٧]
[١٩٧٤] (١٩٧٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأعْلَى الصَّنْعَانِيُّ وغَيْرُ واحِدٍ، قالُوا:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزاقِ، عَن مَعْمَرٍ، عَن ثابتٍ، عَن أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((ما
كَانَ الفُحْشُ فِي شَيْءٍ إلَّا شَانَهُ، وَمَا كَانَ الحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إلَّا زَانَهُ)). [جه: ٤١٨٥].
وفي الباب: عَن عَائِشَةَ.
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
الثقات من كتابه، فإن فيما حدث من حفظه بعض المناكير، وقال الدارقطني: متروك الحديث
یکذب. انتھی.
٤٧ - بابُ مَا جَاءَ في الْفُحْشِ وَالتَّفَخُشِ
قال في ((النهاية)): (الفُحْشُ) هو كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي، وكثيرًا ما ترد
الفَاحِشَةُ بِمَعْنَى الزِّنَا، وكل خصلة قبيحة من الأقوال والأفعال، وقال في ((القاموس)):
الفاحشة: الزنا، وما يشتد قُبْحُهُ من الذُّنُوبِ، وكل ما نهى الله عزَّ وجلَّ عنه، وقد فَخُشَ
كـ((كَرُمَ» فُحْشًا، وَالْفُحْشُ: عدوان الجواب، ومنه: ((لا تَكُوني فَاحِشَةً» (١) لعائشة - رضي الله
تعالى عنها -.
[١٩٧٤] قوله: (مَا كَانَ الفحش) أي: ما اشتد قبحه من الكلام، (إلا شانه) أي: عيبه
الفحش، وقيل: المراد بالفحش: العنف؛ لما في رواية عبد بن حميد، والضياء (٢) عن أنس -
أيضًا -: ((مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلا نُزِعَ من شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ))، (وما كان الحياء في
شيء إلا زانه) أي: زينه، قال الطيبي: قوله: في شيء فيه مبالغة، أي: لو قدر أن يكون
الفحش أو الحياء في جماد؛ لزانه أو شانه، فكيف بالإنسان؟ !.
قوله: (وفي الباب عن عائشة) أخرجه مسلم.
قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه أحمد في ((مسنده))، والبخاري في ((الأدب
المفرد)، وابن ماجه.
(١) أخرجه مسلم، كتاب السلام. حديث (٢١٦٥).
(٢) عبد بن حميد في مسنده (١٢٤١)، والضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة)) (١٧٧٧) وإسناده صحيح.

٩٧
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في اللَّعْنَةِ
[١٩٧٥] (١٩٧٥) حَدَّثَنَا محمودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أبو دَاوُدَ، قال: أنْبَأنا شُعْبَةُ،
عَن الأعمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ أبَا وائلٍ يُحَدِّثُ عَن مَسْروقٍ، عَن عبد الله بْنِ عمرٍو،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((خِيَارُكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أخْلَاقًا))، وَلَمْ يَكُنِ النبيُّ ◌َِّ فاحِشًا
ولا مُتَفَحِّشًا. (خ: ٣٥٥٩، م: ٢٣٢١، حم: ٦٤٦٨].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٤٨- باب مَا جَاء في اللَّعْنَةِ [ت ٤٨، ٢ ٤٨]
[١٩٧٦] (١٩٧٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرحمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ،
حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَن قَتَادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
وَهُ: ((لا تَلَاعَنُوا بِلَعْنَةِ الله، ولا بِغَضَبِهِ، ولا بالنَّارِ)).
قَالَ: وفي البابِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وابنٍ عُمَرَ، وعِمْرَانَ بْنِ
حُصَيْنِ.
[١٩٧٥] قوله: (خياركم) - بكسر الخاء المعجمة جمع خيرهم - ضد الأشرار،
(أحاسنكم أخلاقًا) أي: شمائل مرضية، (فاحشًا ولا متفحشًا) الفاحش: ذو الفحش في
كلامه وأفعاله، والمتفحش: من يتكلفه ويتعمده، أي: لم يكن الفحش له جِبِليًّا ولا كَسْبِيًا.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه الشيخان.
٤٨ - بابُ مَا جَاءَ في اللَّعْنَةِ
[١٩٧٦] قوله: (لا تلاعنوا) بحذف إحدى التاءين، (بلعنة الله) لا يلعن بعضكم بعضًا،
فلا يقل أحد لمُسْلِم مُعَيَّنٍ: عليك لعنة الله - مثلًا - (ولا بغضبه) بأن يقول: غضب الله عليك،
(ولا بالنار) بأن يقوّل: أدخلك الله النار، أو النار مثواك، وقال الطيبي: أي: لا تدعوا على
الناس بما يبعدهم الله من رحمته، إما صريحًا: كما تقولون: لعنة الله عليه، أو كناية: كما
تقولون: عليه غضب الله أو أدخله الله النار، فقوله: ((لا تَلاعَنُوا)) من باب عموم المجاز؛
لأنه في بعض أفراده حقيقة، وفي بعضه مجاز، وهذا مختص بمعين؛ لأنه يجوز اللعن
بالوصف الأعم، كقوله: لَعْنَةُ الله عَلَى الْكَافِرِينَ، أو بالأخص؛ كقوله: لَعْنَةُ الله عَلَى الْيَهُودِ،
أو على كافر معين مات على الكفر كـ((فرعون)) وأبي جهل. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن ابن عباس، وأبي هريرة، وابن عمر، وعمران بن حصين) أما

٩٨
كتاب البر والصلة عن رسول الله ﴿ / باب مَا جَاء في النَّعْنَةِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[١٩٧٧] (١٩٧٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الأزْدِيُّ البَصْرِيُّ، حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْرُ
سَابِقٍ، عَن إِسْرَائِيلَ، عَن الأعمَشِ، عَن إبراهيمَ، عَن عَلْقَمَةَ، عَن عبدِ الله، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: (لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطَّعَانِ ولا اللَّعَانِ ولا الفَاحِشِ ولا البَذِيء)).
[٠٫٠ ٠١٣٨٢٩
حديث ابن عباس: فأخرجه الترمذي(١) في هذا الباب، وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه
مسلم(٢) بلفظ: ((لا يَنْبَغِي لِصَدِيقٍ أَنْ يَكُونَ لَغَانًا)) وأما حديث ابن عمر: فأخرجه الترمذي(٣)
في ((باب اللعن والطعن))، وأما حديث عمران بن حصين: فأخرجه مسلم(٤) وغيره.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه أبو داود، والحاكم(٥)، وقال: صحيح
الإسناد.
[١٩٧٧] قوله: (حدثنا محمد بن يحيى الأزدي البصري) قال في ((التقريب)): محمد بن
يحيى بن عبد الكريم بن نافع الأزدي البصري، نزيل بغداد، ثقة من كبار الحادية عشرة،
(حدثنا محمد بن سابق) التميمي، أبو جعفر أو أبو سعيد البزار الكوفي، نزيل بغداد، صدوق
من كبار العاشرة.
قوله: (ليس المؤمن) أي: الكامل، (بالطعان) أي: عَيّابًا الناس، (ولا اللعان) ولعل
اختيار صيغة المبالغة فيها؛ لأن الكامل قَلَّ أَن يَخْلُوَ عن المَنْقَصَةِ بالكلية، (ولا الفاحش) أي:
فاعل الفُحْشِ أو قائله، وفي ((النهاية)): أي: من له الفحش في كلامه وفعاله، قيل: أي الشاتم.
والظاهر: أن المراد به: الشتم القبيح الذي يقبح ذكره، (ولا البذي) قال القاري: بفتح
موحدة، وكسر ذال معجمة، وتشديد تحتية، وفي نسخة - يعني: من ((المشكاة)) - بسكونها،
وهمزة بعدها - وهو: الذي لا حياء له كما قاله بعض الشراح، وفي ((النهاية)): البذاء بالمد:
الفحش في القول، وفلان: بذي اللسان، وقد يقال بالهمز، وليس بكثير. انتهى.
(١) الترمذي، كتاب البر والصلة عن رسول الله. حديث (١٩٧٨).
(٢) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب. حديث (٢٥٩٧).
(٣) الترمذي، كتاب البر والصلة. حديث (٢٠١٩).
(٤) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب. حديث (٢٥٩٥).
(٥) أ. داود، كتاب الأدب، حديث (٤٩٠٦)، والمستدرك (١٥٠).

٩٩
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في اللَّعْنَةِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وقد رُوِيَ عَن عَبْدِ الله مِن غَيْرِ هذا
الوَجْهِ .
[١٩٧٨] (١٩٧٨) حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ الطَّائيُّ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ،
حَدَّثَنَا أبَانُ بْنُ زِيدَ، عَن فَتَادَةَ، عَن أَبِي العَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أنَّ رَجُلًا لَعَنَ
الرِّيحَ عِنْدَ النبيِّ وَِّ فَقَالَ: ((لا تَلعَنِ الرِّيحَ؛ فإنَّها مَأْمُورةٌ، وإنَّهُ مَن لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ
بِأهْلٍ، رَجَعَتِ اللَّعْنَهُ عَلَيْهِ)). [٥: ٤٩٠٨].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ،
قال القاري: فعلى هذا: يخص الفاحش بالفعل؛ لئلا يلزم التكرار، أو يحمل على
العموم، والثاني: يكون تخصيصًا بعد تعميم، لزيادة الاهتمام به؛ لأنه متعد، وقد يقال:
عطف تفسير و ((لا)) زائدة. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه أحمد، والبخاري في ((تاريخه))، وابن حبان
في (صحيحه))، والحاكم في ((مستدركه)) والبيهقي(١) في ((شعب الإيمان))، قال ميرك: ورجاله
رجال ((الصحیحین)) سوى محمد بن يحيى - شيخ الترمذي - وثقه ابن حبان والدار قطني.
قوله: (حدثنا بشر بن عمر) بن الحكم الزهراني - بفتح الزاي - الأزدي أبو محمد
البصري، ثقة من التاسعة، (حدثنا أبان بن يزيد) العطار البصري أبو يزيد، ثقة له أفراد من
السابعة.
[١٩٧٨] قوله: (أن رجلًا لعن الربح عند النبي { $)، وفي رواية أبي داود(٢): أَنَّ رَجُلًا
نَازَعَتْهُ الرِّيحُ رِدَاءَهُ فَلَعَنَهَا، (لا تلعن الريح، فإنها مأمورة) أي: بأمر ما، والمنازعة من
خاصيتها ولوازم وجودها عادة، أو: فإنها مأمورة - حتى بهذه المنازعة أيضًا - ابتلاء لعباده،
(وإنه) أي الشأن، (من لعن شيئًا ليس) أي: ذلك الشأن، (له) أي اللعن، (بأهل) أي:
بمستحق، (رجعت اللعنة عليه) أي: على اللاعن، لأن اللعنة - وكذا الرحمة - تعرف طريق
صاحبها .
قوله: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه أبو داود، وابن حبان(٣) في ((صحيحه))،
(١) أحمد (٣٨٢٩)، وابن حبان (١٩٢)، والحاكم. حديث (٢٩) وصححه على شرط الشيخين، والبيهقي (٥١٤٩).
(٢) أبو داود، كتاب الأدب. حديث (٤٩٠٨).
(٣) أبو داود، كتاب الأدب. حديث (٤٩٠٨)، وابن حبان (٥٨٣٩).

١٠٠
كتاب البر والصلة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في تَعْلِيمِ النَّسَبِ
لا نَعْلَمُ أحدًا أسْنَدَهُ غَيْرَ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ.
٤٩- باب مَا جَاء في تَعْلِيمِ النَّسَبِ [ت ٤٩، م ٤٩]
[١٩٧٩] (١٩٧٩) حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أخْبَرَنَا عبدُ الله بْنُ المُبَارَكِ، عَن عَبْدِ
المَلِكِ بْنِ عِيسَى الثَّقَفِيِّ، عَن يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعثِ، عَن أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِل
قَالَ: (تَعَلَّمُوا مِن أَنْسَائِكُمْ ما تَصِلونَ بِهِ أرْحَامَكُمْ؛ فإنَّ صِلَةَ الرَّحِم مَحَبَّةٌ في
الأَهْلِ، مَثْرَاةٌ في المَالِ، مَنْسَأَةٌ في الأَثَرِ)). [خ بنحوه: ٥٩٨٥] .
(لا نعلم أحدًا أسنده غير بشر بن عمر) قال المنذري - بعد نقل كلام الترمذي هذا - ما
لفظه: وبشر بن عمر - هذا - هو: الزهراني، احتج به البخاري ومسلم.
٤٩ - بَابُ مَا جَاءَ في تَعْلِيمِ النَّسَبِ
قال في ((القاموس)): النَّسَبُ - محركة - والنسبة - بالكسر والضم - القرابة، أو في الآباء
خاصة. انتهى.
[١٩٧٩] قوله: (عن عبد الملك بن عيسى الثقفي) بن عبد الرحمن بن جارية - بالجيم
والتحتانية - مقبول من السادسة، (عن يزيد مولى المنبعث) - بضم الميم، وسكون النون،
وفتح الموحدة، وكسر المهملة بعدها مثلثة - مدني صدوق من الثالثة.
قوله: (تعلموا من أنسابكم) أي: من أسماء آبائكم وأجدادكم وأعمامكم وأخوالكم
وسائر أقاربكم، (ما) أي: قدر ما، (تصلون به أرحامكم) فيه دلالة على: أن الصلة تتعلق
بذوي الأرحام، كلها لا بالوالدين فقط، كما ذهب إليه البعض، والمعنى: تعرفوا أقاربكم من
ذوي الأرحام ليمكنكم صلة الرحم، وهي التقرب لديهم، والشفقة عليهم، والإحسان إليهم،
فتعلم النسب مندوب، (فإن صلة الرحم محبة) - بفتحات وتشديد موحدة - مفعلة من الحب،
مصدر المبني للمفعول، قال القاري: وفي نسخة - يعني من ((المشكاة)) -: بكسر الحاء أي:
مظنة للحب وسبب للود، (في الأهل) أي: في أهل الرحم، (مثراة في المال) بفتح الميم
وسكون المثلثة، وفي ((النهاية)): هي مفعلة من الثراء. وهو: الكثرة، أي: سبب لكثرة
المال، وهو خبر ثان. (منسأة) - بفتح الهمزة - مفعلة من النساء، وهو: التأخير، (في الأثر) .
بفتحتين - أي: الأجل، والمعنى: أنها سبب لتأخير الأجل، وموجب لزيادة العمر، وقيل:
باعث دوام واستمرار في النسل، والمعنى: أن يمن الصلة يفضي إلى ذلك، وقال في