النص المفهرس
صفحات 641-660
٦٤١ كتاب الأشربة عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاء في الحُبُوبِ التي يُتَّخَذُ منها الخَمْر الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والعسل، والخمر: ما خامر العقل. أخرجه الشيخان(١). قال الخطابي: في حديث النعمان بن بشير تصريح من النبي وَّه بما قاله عمر؛ من كون الخمر من هذه الأشياء، وليس معناه: أن الخمر لا تكون إلا من هذه الخمسة بأعيانها، وإنما جرى ذكرها خصوصًا؛ لكونها معهودة في ذلك الزمان؛ فكل ما كان في معناها من ذرة، وسلت، أو لب ثمرة، وعصارة شجرة؛ فحكمها حكمها؛ كما [قلناه] في الربا، ورددنا إلى الأشياء الأربعة المذكورة في الخبر كل ما كان في معناها من غير المذكور فيه. انتهى. قال الحافظ في ((الفتح)): هذا الحديث؛ يعني: قول عمر: نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء .... إلخ، أورده أصحاب المسانيد والأبواب في الأحاديث المرفوعة؛ لأن له عندهم حكم الرفع؛ لأنه خبر صحابي شهد التنزيل، أخبر عن سبب نزولها، وقد خطب به عمر على المنبر؛ بحضرة كبار الصحابة وغيرهم؛ فلم ينقل عن أحد منهم إنكاره، وأراد عمر بنزول تحريم الخمر نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَثُرُ وَالْمَيْسِيرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية؛ فأراد عمر التنبيه على أن المراد بالخمر في هذه الآية ليس خاصًّا بالمتخذ من العنب، بل يتناول المتخذ من غيرها . قال: قوله: ((والخمر ما خامر العقل))؛ أي: غطاه، أو خالطه؛ فلم يتركه على حاله؛ وهو من مجاز التشبيه. والعقل هو: آلة التمييز؛ فلذلك حرم ما غطاه أو غيره؛ لأن بذلك يزول الإدراك الذي طلبه الله من عباده؛ ليقوموا بحقوقه. قال الكرماني: هذا تعريف [تفسير] بحسب اللغة، وأما بحسب العرف: فهو ما يخامر العقل من عصير العنب خاصة. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن عمر ليس في مقام تعريف اللغة، بل هو في مقام تعريف الحكم الشرعي؛ فكأنه قال: الخمر الذي وقع تحريمه في لسان الشرع؛ هو خامر العقل؛ على أن عند أهل اللغة اختلافًا في ذلك؛ كما قدمته. ولو سلم أن الخمر في اللغة يختص بالمتخذ من العنب، فالاعتبار بالحقيقة الشرعية، وقد تواردت الأحاديث على أن المسكر من المتخذ من غير العنب يسمى خمرًا، والحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية، وقد ثبت في (١) البخاري، كتاب التفسير، حديث (٤٦١٩)، ومسلم، كتاب التفسير. حديث (٣٠٣٢). ٦٤٢ كتاب الأشربة عن رسول الله وَ﴿/ باب مَا جَاء في الحُبُوبِ التي يُتَّخَذُ منها الخَمْرِ ((صحيح مسلم)) (١)، عن أبي هريرة: سمعت رسول الله وَ﴾ يقول: ((الخَمْرُ مِن هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةُ وَالعِنَبَةُ)). قال البيهقي: ليس المراد الحصر فيهما؛ لأنه ثبت أن الخمر تتخذ من غيرهما في حديث عمر وغيره، وإنما فيه الإشارة إلى أن الخمر شرعًا لا تختص بالمتخذ من العنب. وقال الحافظ: يحمل حديث أبي هريرة على الغالب؛ أي: أكثر ما يتخذ الخمر من العنب، والتمر. ويحمل حديث عمر، ومن وافقه على إرادة استيعاب ذِكْرٍ ما عهد حينئذ، أنه يتخذ منه الخمر. قال الراغب في ((مفردات القرآن)): سمي الخمر؛ لكونه خامرًا للعقل؛ أي: ساترًا له. وهو عند بعض الناس: اسم لكل مسكر، وعند بعضهم: للمتخذ من العنب خاصة، وعند بعضهم: للمتخذ من العنب والتمر، وعند بعضهم: لغير المطبوخ؛ فرجح أن كل شيء يستر العقل يسمى خمرًا حقيقة. وكذا قال أبو نصر بن القشيري في ((تفسيره)): سميت الخمر خمرًا؛ لسترها العقل، أو لاختمارها. وكذا قال غير واحد من أهل اللغة؛ منهم: أبو حنيفة الدينوري، وأبو نصر الجوهري. ونقل عن ابن الأعرابي قال: سميت الخمر؛ لأنها تركت حتى اختمرت، واختمارها يغير رائحتها. وقيل: سميت بذلك؛ لمخامرتها العقل. نعم جزم ابن سيده في ((المحكم)) بأن الخمر حقيقة إنما هو للعنب، وغيرها من المسكرات یسمی خمرًا مجازًا. وقال صاحب ((الفائق)) في حديث: ((إياكم والغبيراء، فإنها خمر العالم))، هي نبيذ الحبشة، متخذة من الذرة، سميت الغبيراء؛ لما فيها من [الغبرة]. قوله: ((خمر العالم))؛ أي: هي مثل خمر العالم، لا فرق بينها وبينها. وقيل: أراد أنها معظم خمر العالم. وقال صاحب ((الهداية)) من الحنفية: الخمر عندنا: ما اعتصر من ماء العنب، إذا اشتد؛ وهو المعروف عند أهل اللغة، وأهل العلم. قال: وقيل: هو اسم لكل مسكر؛ لقوله ◌َّله: ((كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ))؛ ولأنه من مخامرة العقل، وذلك موجود في كل مسكر. قال: ولنا إطباق أهل اللغة على تخصيص الخمر بالعنب؛ ولهذا اشتهر استعمالها فيه؛ ولأن تحريم الخمر قطعي، وتحريم ما عدا المتخذ من (١) مسلم، كتاب الأشربة. حديث (١٩٨٥). ٦٤٣ كتاب الأشربة عن رسول الله وَ﴿/ باب مَا جَاء في الحُبُوبِ التي يُتَّخَذُ منها الخَمْر العنب ظني. قال: وإنما سمي الخمر خمرًا؛ لتخمره، لا لمخامرة العقل. قال: ولا ينافي ذلك كون الاسم خاصًّا فيه؛ كما في النجم؛ فإنه مشتق من الظهور، ثم هو خاص بالثريا . انتھی. قال الحافظ: والجواب عن الحجة الأولى: ثبوت النقل عن بعض أهل اللغة؛ بأن غير المتخذ من العنب یسمی خمرًا. وقال الخطابي: يزعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب؛ فيقال لهم: إن الصحابة الذين سموا غير المتخذ من العنب خمرًا؛ عرب فصحاء؛ فلو لم يكن هذا الاسم صحيحًا، لما أطلقوه. وقال ابن عبد البر: قال الكوفيون: إن الخمر من العنب؛ لقوله تعالى: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] قال: فدل على أن الخمر هو: ما يعتصر، لا [ما] ينتبذ. قال: ولا دليل فيه على الحصر . وقال أهل ((المدينة))، وسائر الحجازيين، وأهل الحديث كلهم: كل مسكر خمر، وحكمه حكم ما اتخذ من العنب. ومن الحجة لهم: أن القرآن لما نزل بتحريم الخمر، فهم الصحابة - وهم أهل اللسان - أن كل شيء يسمى خمرًا يدخل في النهي؛ فأراقوا المتخذ من التمر، والرطب، ولم يخصوا ذلك بالمتخذ من العنب. وعلى تقدير التسليم: فإذا ثبت تسمية كل مسكر خمرًا من الشرع، كان حقيقة شرعية؛ وهي مقدمة على الحقيقة اللغوية. وعن الثانية: أن اختلاف مشتركين في الحكم في الغلظ؛ لا يلزم منه افتراقهما في التسمية؛ كالزنا مثلًا؛ فإنه يصدق على من وطئ أجنبية، وعلى وطء امرأة جاره، والثاني أغلظ من الأول، وعلى من وطئ محرمًا له؛ وهو أغلظ، واسم الزنا مع ذلك شامل للثلاثة. وأيضًا: فالأحكام الفرعية لا يشترط فيها الأدلة القطعية؛ فلا يلزم من القطع بتحريم المتخذ من العنب، وعدم القطع بتحريم المتخذ من غيره ألّا يكون حرامًا، بل يحكم بتحريمه إذا ثبت بطريق ظني تحريمه؛ وكذا تسميته خمرًا. وعن الثالثة: ثبوت النقل عن أعلم الناس بلسان العرب بما نفاه هو، وكيف يستجيز أن يقول: ((لا لمخامرة العقل))، مع قول عمر بمحضر الصحابة: ((الخمر ما خامر العقل))، وكان ٦٤٤ كتاب الأشربة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في الحُبُوبِ التي يُتَّخَذُّ منها الخَمْر مستنده: ما ادعاه من اتفاق أهل اللغة؛ فيحمل قول عمر على المجاز. لكن اختلف قول أهل اللغة في سبب تسمية الخمر خمرًا: فقال أبو بكر بن الأنباري: سميت الخمر خمرًا؛ لأنها تخامر العقل؛ أي: تخالطه. قال: ومنه قولهم: خامره الداء؛ أي: خالطه. وقيل: لأنها تخمر العقل؛ أي: تستره، ومنه: خمار المرأة؛ لأنه يستر وجهها. وهذا أخص من التفسير الأول؛ لأنه لا يلزم من المخالطة التغطية. وقيل: سميت خمرًا؛ لأنها تخمر حتى تدرك؛ كما يقال: خمرت العجين، فتخمر؛ أي: تركته حتى أدرك، ومنه: خمرت الرأي؛ أي: تركته حتى ظهر وتحرر. وقيل: سميت خمرًا؛ لأنها: تغطى حتى تغلي، ومنه: حديث المختار بن فلفل. قلت لأنس: الخمر من العنب أو من غيرها؟ قال: ما خمرت من ذلك؛ فهو الخمر. أخرجه ابن أبي شيبة(١) بسند صحيح. ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها؛ لثبوتها عن أهل اللغة، وأهل المعرفة باللسان. قال ابن عبد البر: الأوجه كلها موجودة في الخمر؛ لأنها تركت حتى أدركت وسكنت؛ فإذا شربت خالطت العقل؛ حتى تغلب عليه، وتغطيه. وقال القرطبي: الأحاديث الواردة عن أنس وغيره على صحتها، وكثرتها؛ تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا يكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرًا، ولا يتناوله اسم الخمر؛ وهو قول مخالف للغة العرب، وللسنة الصحيحة، وللصحابة؛ لأنهم لما نزل تحريم الخمر، فهموا من الأمر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر، ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب، وبين ما يتخذ من غيره، بل سووا بينهما، وحرموا كل ما يسكر نوعه، ولم يتوقفوا، ولا استفصلوا، ولم يشكل عليهم شيء من ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب؛ وهم أهل اللسان، وبلغتهم نزل القرآن، [فلو] كان عندهم فيه تردد، لتوقفوا عن الإراقة، حتى يستكشفوا، ويستفصلوا، ويتحققوا التحريم؛ لما كان تقرر عندهم من النهي عن إضاعة المال، فلما لم يفعلوا ذلك، وبادروا إلى الإتلاف؛ علمنا أنهم فهموا التحريم نصًّا، فصار القائل بالتفريق سالكًا غير سبيلهم، ثم انضاف إلى ذلك خطبة عمر بما يوافق ذلك، وسمعه الصحابة وغيرهم؛ فلم ينقل عن أحد منهم إنكار ذلك. وقد ذهب إلى (١) أخرجه أحمد، حديث (١٢١٢٠)، وأبو يعلى، حديث (٣٩٦٦) بنحوه، وانظر ((فتح الباري)) (٤٨/١٠). ٦٤٥ كتاب الأشربة عن رسول الله وَّجَ ر باب مَا جَاء في الحُبُوبِ التي يُتَّخَذُ منها الخَمْر قَالَ: وفي البابِ: عَن أبي هُرَيْرَةَ. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ. التعميم: عمر، وعلي، وسعد، وابن عمر، وأبو موسى، وأبو هريرة، وابن عباس، وعائشة. ومن التابعين: سعيد بن المسيب، وعروة، والحسن، وسعيد بن جبير، وآخرون؛ وهو قول مالك، والأوزاعي، والثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وعامة أهل الحدیث. قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن من أطلق على غير المتخذ من العنب حقيقة؛ يكون أراد: الحقيقة الشرعية، ومن نفى أراد: الحقيقة اللغوية. وقد أجاب بهذا ابن عبد البر، وقال: إن الحكم إنما يتعلق بالاسم الشرعي دون اللغوي، وقد تقرر أنه نزل تحريم الخمر؛ وهي من البسر إذ ذاك؛ فيلزم من قال: إن الخمر حقيقة في ماء العنب، مجاز في غيره، أن يجوز إطلاق اللفظ الواحد على حقيقته ومجازه؛ لأن الصحابة لما بلغهم تحريم الخمر، أراقوا كل ما يطلق عليه لفظ الخمر؛ حقيقة ومجازًا، وهو لا يجوز ذلك؛ فصح أن الكل خمر حقيقة، ولا انفكاك عن ذلك. وعلى تقدير إرخاء العنان، والتسليم أن الخمر حقيقة في ماء العنب خاصة؛ فإنما ذلك من حيث الحقيقة اللغوية. فأما من حيث الحقيقة الشرعية، فالكل خمر حقيقة؛ لحديث: ((كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ))، فكل ما اشتد كان خمرًا وكل خمر يحرم قليله وكثيره، وهذا يخالف قولهم. وبالله التوفيق. انتهى كلام الحافظ. قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه الترمذي(١) بعد هذا. قوله: (هذا حديث غريب) أخرجه الخمسة، إلا النسائي؛ كذا في ((المنتقى)). قال الشوكاني: في إسناده إبراهيم بن المهاجر البجلي الكوفي. قال المنذري: قد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. انتهى. قال ابن المديني: لإبراهيم بن مهاجر نحو أربعين حديثًا. وقال أحمد: لا بأس به. وقال النسائي، والقطان: ليس بالقوي. انتهى. قلت: وقال فى ((التقريب)): صدوق، لين الحفظ. (١) الترمذي، كتاب الأشربة. حديث (١٨٧٥). ٦٤٦ كتاب الأشربة عن رسول الله ◌ِّ / باب مَا جَاء في الحُبُوبِ التي يُتَّخَذُ منها الخَمْر [١٨٧٣] (١٨٧٣) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الخَلَّالُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَن إِسْرَائِيلَ: نَحْوَهُ، ورَوَى أَبُو حَيَّنَ التَّيْمِيُّ هذا الحَديثِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَن ابنِ عُمَرَ، عَنِ عُمَرَ، قَالَ: ((إنَّ من الحِنْطَةِ خَمْرًا)) فَذَكَرَ هذا الحديثَ. [ر: ١٨٧٢]. ١٨] (١٨٧٤) حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أحمدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ إذْرِیسَ، عَن أبي حَيَّانَ التَّيْميِّ، عَن الشّعْبِيِّ، عَن ابنِ عُمَرَ، عَن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: ((إنَّ مِنَ الحنْطَةِ خمْرًا)) بِهَذَا، وهذا أصُ مِن حَدِيثِ إبراهيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: لَمْ يَكُنْ إبراهيمُ بْنُ مُهَاجِر بالقَويِّ الحديث، وقد روي من غير وجه - أيضًا - عَن الشَّعبيِّ، عَن النُّعمان بْنِ بشير. [١٨٧٥] (١٨٧٥) حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ وعِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قالا: حَدَّثَنَا أَبُو كَثِيرِ السُّحَيْمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َّةِ: ((الخَمْرُ مِن هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ والعِنْبَةِ)). [م: ١٩٨٥، ن: ٥٥٨٨، د: ٣٦٧٨، جه: ٣٣٧٨، حم: ٧٦٩٥، مي: ٢٠٩٦] . قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وأبُو كَثِيرِ السُّحيْمِيُّ هُوَ الغُبَرِيُّ، [١٨٧٥] قوله: (الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة) قال الخطابي: هذا غير مخالف؛ لما تقدم ذكره من حديث النعمان بن بشير، وإنما وجهه، ومعناه: أن معظم ما يتخذ [منه] الخمر؛ إنما هو من النخلة، والعنبة. وإن كانت الخمر قد تتخذ أيضًا من غيرهما؛ وإنما هو من باب التوكيد لتحريم ما يتخذ من هاتين الشجرتين؛ لضراوته وشدة سَوْرَتِهِ؛ وهذا كما يقال: الشبع في اللحم، والدفء في الوبر، ونحو ذلك من الكلام. وليس فيه نفي الشبع من غير اللحم، ولا نفي الدفء من غير الوبر، ولكن فيه التوكيد لأمرهما، والتقديم لهما على غيرهما في نفس ذلك المعنى. انتهى. قلت: الأمر كما قال الخطابي، وغاية ما هناك: أن مفهوم الخمر المدلول عليه باللام؛ معارض بالمنطوقات، وهي أرجح؛ بلا خلاف. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة، إلا البخاري؛ كذا في ((المنتقى)). (وأبو كثير السُّحَيْمِيُّ) بضم السين، وفتح الحاء المهملتين مصغرًا (هو الغُبَرِيُّ) بضم ٦٤٧ كتاب الأشربة عن رسول الله رَّ / باب مَا جَاء في خَلِيطِ البُسْرِ والتَّهْرِ واسْمُهُ: يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ غُفَيْلَةَ، وروى شعبة عَن عكرمة بْنِ عمار هذا الحدیث. ٩- باب مَا جَاء في خَلِيطِ البُسْرِ والتَّمْرِ [ت ٩، ٢ ٩] [١٨٧٦] (١٨٧٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَن عَطَاءِ بْنِ أبِي رَبَاحٍ، عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله؛ أنَّ رَسُوْلَ الله ◌َّهَ: نَهَى أنْ يُنْتَبَذَ البُسْرُ والرُّطَبُ جَمِيعًا. [خ: ٥٦٠١، م: ١٩٨٦، ن: ٥٥٧١، د: ٣٧٠٣، جه: ٣٣٩٥، حم: ١٣٧٢٠] . الغين المعجمة، وفتح الموحدة (اسمه: يزيد بن عبد الرحمن بن غفيلة) بضم الغين المعجمة، وفتح الفاء مصغرًا اليمامي الأعمى، ثقة، من الثالثة. ٩ - باب مَا جَاءَ في خَلِيطِ البُسْرِ وَالتَّمْرِ أصل الخلط: تداخل أجزاء الأشياء بعضها في بعض. والبسر بضم الموحدة: نوع من ثمر النخل معروف، والمراد هنا: التمر قبل إرطابه؛ كما في ((القاموس)). [١٨٧٦] قوله: (عن عطاء بن أبي رباح) بفتح الراء، والموحدة، واسم أبي رباح: أسلم القرشي، مولاهم المكي، ثقة، فقيه، فاضل، لكنه كثير الإرسال، من الثالثة. وقيل: إنه تغير بآخره، ولم یکن ذلك منه. قوله: (نهى أن ينتبذ البسر، والرطب جميعًا) وفي رواية لمسلم(١): ((نَهَى أَنْ يُخْلَطَّ الزَّبِيبُ وَالثَّمْرُ وَالبُسْرُ وَالثَّمرُ)). وفي أخرى لهُ(٢): ((لا تَجْمَعُوا بَيْنَ الرُّطَبِ وَالبُسْرِ، وَبَيْنَ الزَّبِيبِ وَالتَّعْرِ نَبِيذًا)). قال النووي: هذه الأحاديث صريحة في النهي عن انتباذ الخليطين، وشربهما؛ وهما تمر وزبيب، أو تمر ورطب، أو تمر وبسر، أو رطب وبسر، أو زهو وواحد من هذه المذكورات، ونحو ذلك. قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: سبب الكراهة فيه: إن الإسكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يتغير طعمه، فيظن الشارب أنه ليس مسكرًا، ويكون مسكرًا. ومذهبنا ومذهب الجمهور: أن هذا النهي؛ لكراهة التنزيه، ولا يحرم ذلك ما لم يصر مسكرًا؛ وبهذا قال جماهير العلماء. (١) مسلم، كتاب الأشربة. حديث (١٩٨٦). (٢) مسلم، كتاب الأشربة. حديث (١٩٨٦) أيضاً. ٦٤٨ كتاب الأشربة عن رسول الله وَل ﴿ / باب مَا جَاء في خَلِيطِ البُسْرِ والتَّمْرِ وقال بعض المالكية: هو حرام. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف في روايته عنه: لا كراهة فيه، ولا بأس به؛ لأن ما حل مفردًا حل مخلوطًا. وأنكر عليه الجمهور، وقالوا: منابذة لصاحب الشرع؛ فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة الصريحة في النهي عنه؛ فإن لم يكن حرامًا، كان مكروهًا . واختلف أصحاب مالك في أن النهي؛ هل يختص بالشراب، أم يعمه وغيره؟ والأصح: التعميم. أما خلطهما لا في الانتباذ، بل في معجون وغيره، فلا بأس به. انتھی کلام النووي. وقال العيني: في ((شرح البخاري)): هذه جرأة شنيعة على إمام أجل من ذلك، وأبو حنيفة لم يكن قال ذلك برأيه، وإنما مستنده في ذلك أحاديث منها: ما رواه أبو داود(١)، عن عبد الله [الحربي]، عن مسعر، عن موسى بن عبد الله، عن امرأة من بني أسد، عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان ينبذ له زبيب؛ فيلقى فیه تمر، أو تمر؛ فیلقی فيه زبيب. وروى أيضًا(٢) عن زياد الحساني، حدثنا أبو بحر، حدثنا عتاب بن عبد العزيز، حدثتني صفية بنت عطية، قالت: دخلت مع نسوة من عبد القيس على عائشة - رضيها - فسألنا عن التمر والزبيب؛ فقالت: كنت آخذ قبضة من تمر، وقبضة من زبيب؛ فألقيه في الإناء، فأمرسه، ثم أسقيه النبي أقل . وروى محمد بن الحسن في كتاب ((الآثار))، أخبرنا أبو حنيفة، عن أبي إسحاق وسليمان الشيباني، عن ابن زياد؛ أنه أفطر عند عبد الله بن عمر - رضيها - فسقاه شرابًا، فكأنه أخذ منه. فلما أصبح غدا إليه؛ فقال له: ما هذا الشراب، ما كدت أهتدي إلى منزلي؟ فقال ابن عمر: ما زدناك على عجوة، وزبيب. فإن قلت: قال ابن حزم: في الحديث الأول لأبي داود امرأة [لم] تسم. وفي الثاني: أبو [بحر] لا يدرى من هو، عن عتاب؛ وهو مجهول عن صفية، ولا يدرى من هي. قلت: هذه ثلاثة أحاديث يشد بعضها بعضًا. انتهى كلام العيني. (١) أبو داود، كتاب الأشربة. حديث (٣٧٠٧). (٢) أبو داود، كتاب الأشربة، حديث (٣٧٠٨). ٦٤٩ كتاب الأشربة عن رسول الله وَيهِ / باب مَا جَاء في خَلِيطِ البُسْرِ والتَّهْرِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [١٨٧٧] (١٨٧٧) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَن سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ، عَن أبي نَضْرَةَ عَن أبي سَعِيدٍ؛ أنَّ النَّبِيَّ وَِّ: نُّهَى عَنِ الْبُسْرِ والتَّمْرِ أنْ يُخْلَطَ بَيْنَهُمَا، وعَن الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ أنْ يُخْلَطَ بَيْنَهُمَا، ونَهَى عَن الجِرَارِ أنْ يُنْبَذَ فِيهَا. [م: ١٩٨٧، حم: ١٠٦٠٨]. قَالَ: وفي البابٍ: عَن جابر، وأنَسٍ، وأبي قَتَادَةَ، وابنٍ عَبَّاسٍ، وأُمِّ سَلَمَةَ، ومَعْبَدِ بْنِ کَعْبٍ، عَن أُمِّهِ. قلت: في سند حديث عائشة الأول امرأة مجهولة، وفي سند حديثها الثاني صفية بنت عطية؛ وهي أيضًا مجهولة، وفيه: أبو بحر عبد الرحمن بن عثمان. قال المنذري: لا يحتج بحديثه. وأما الحديث الثالث: فليس بمرفوع؛ فكيف يقال: إن هذه الأحاديث يشد بعضها بعضًا. ولو سلم أن بعضها يشد بعضًا، فغاية ما فيها: أنها تدل على مطلق الجواز؛ فهي قرينة على أن النهي في حديث جابر - وما في معناه من الأحاديث الصحيحة المرفوعة - محمول على كراهة التنزيه؛ ولذلك ذهب الجمهور إلى الكراهة التنزيهية؛ ولذلك أنكروا على الإمام أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - في قوله بالجواز بلا كراهة؛ فاعترض العيني على النووي بقوله: ((هذه جرأة شنيعة ... )) إلخ ليس مما ينبغي. قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه بزيادة. [١٨٧٧] قوله: (حدثنا جرير) هو: ابن عبد الحميد (عن سليمان التيمي) هو: ابن طرخان (عن أبى نضرة) هو العبدي. قوله: (نهى عن البسر، والتمر أن يخلط بينهما) يعني: في الانتباذ. وفي رواية لمسلم(١): ((مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ مِنْكُمْ؛ فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا، أَوْ تَمْرًا فَرْدًا، أَوْ بُسْرًا فَرْدًا)). قوله: (في الباب عن أنس، وجابر، وأبي قتادة، وابن عباس، وأم سلمة، ومعبد بن كعب عن أمه) أما حديث أنس: فأخرجه أحمد، والنسائي عنه(٢)، قال: ((نهى رسول الله وَل أن نجمع بين شيئين نبيذًا يبغي أحدهما على صاحبه)). (١) مسلم، كتاب الأشربة. حديث (١٩٨٧). (٢) أحمد. حديث (١٢٤٥٨)، والنسائي، كتاب الأشربة. حديث (٥٥٤٣). ٦٥٠ كتاب الأشربة عن رسول الله ◌َّه / باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الشُّرْب في آنِيَةِ الذَّهَب وَالفِضَّةِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ١٠- باب مَا جَاء في كَرَاهِيَةِ الشُّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ [ت ١٠، م ١٠] [١٨٧٨] (١٨٧٨) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ بندار، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن الحَكَم، قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ أبي لَيْلَى، يُحَدِّثُ أنَّ حُذَيْفَةَ اسْتَسْقَى وأما حديث جابر: فأخرجه الجماعة، إلا الترمذي)؛ بلفظ: ((نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعًا، ونهى أن ينبذ الرطب والبسر جميعًا)). قال في ((المنتقى)) بعد ذكره: رواه الجماعة، إلا الترمذي؛ فإنَّ لَهُ مِنْهُ فَصْلَ الرُّطَبِ والبُسْر. انتهى. وأما حديث أبي قتادة: فأخرجه الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه(١) . وأما حديث ابن عباس: فأخرجه مسلم، والنسائي(١) . وأما حديث أم سلمة: فأخرجه أبو داود ، عن كبشة بنت أبي مريم، قالت: سألت أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - ما كان النبي ◌َُّ ينهى عنه؟ قالت: كان ينهانا أن نعجم النوى طبخًا، أو نخلط الزبيب والتمر. وأما حديث معبد بن كعب عن أمه: فلينظر من أخرجه(٥) . قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، ومسلم. ١٠ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الشُّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ [١٨٧٨] قوله: (حدثنا بندار) هو: محمد بن بشار (سمعت ابن أبي ليلى) هو: عبد الرحمن. قوله: (إن حذيفة استسقى) وفي رواية البخاري: ((كان حذيفة بـ ((المدائن)) فاستسقى، (١) البخاري، كتاب الأشربة. حديث (٥٦٠١)، ومسلم، (١٩٨٦)، وأبو داود (٣٧٠٣)، والترمذي (١٨٧٦)، والنسائي (٥٥٥٤، ٥٥٥٥)، وابن ماجه (٣٣٩٥). البخاري، كتاب الأشربة. حديث (٥٦٠٢)، ومسلم (١٩٨٨)، وأبو داود (٣٧٠٤)، والنسائي (٥٥٥١، (٢) ٥٥٥٢)، وابن ماجه (٣٣٩٧). (٣) مسلم، كتاب الأشربة. حديث (١٧، ١٩٩٠)، والنسائي (٥٥٤٨). أبو داود، كتاب الأشربة. حديث (٣٧٠٦). (٤) (٥) أخرجه الشافعي في ((المسند)). حديث (١٣٤٩). ٦٥١ كتاب الأشربة عن رسول اللهرَ ﴿ / باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الشُّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَب وَالفِضَّةِ فأتاهُ إِنْسَانٌ بإِنَاء مِن فِضَّة فَرَمَاهُ بِهِ، وقالَ: إِنِّي كِنْتُ قد نَهَيْتُهُ فأبَى أنْ يَنْتَهِيَ، إنَّ رَسُولَ اللهِوَّهُ نَهَى عَن الشُّرْبِ في آنِيَةِ الفِضَّةِ والذَّهبِ ولُبْسِ الحَرِيرِ والدِّيْبَاجِ، وقالَ: ((هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ في الآخرةِ)). [خ: ٥٤٢٦، م: ٢٠٦٧، ن: ٥٣١٦، د: ٣٧٢٣، جه: ٣٤١٤، حم: ٢٢٨٠٣، مي: ٢١٣٠]. و((المدائن)): اسم بلفظ الجمع؛ وهو بلد عظيم على دجلة بينها وبين ((بغداد)) سبعة فراسخ، وكان حذيفة - نظّه - عاملًا عليها في خلافة عمر، ثم عثمان إلى أن مات بعد قتل عثمان. (فأتاه إنسان). وفي رواية للبخاري: ((فأتاه دهقان)). وفي رواية أخرى له: ((فسقاه مجوسي)). قال الحافظ: لم أقف على اسمه بعد البحث. (فرماه به) وفي رواية: ((فرمى به في وجهه)). (وقال: إني كنت قد نهيته، فأبى أن ينتهي) وفي رواية للبخاري: ((فقال: إني لم أرمه، إلا أني نھیته، فلم ينته». (إن رسول الله وَّلفي نهى عن الشرب في آنية الذهب، والفضة) كذا وقع في معظم الروايات عن حذيفة الاقتصار على الشرب. ووقع عند أحمد عن طريق مجاهد، عن ابن أبي ليلى؛ بلفظ: ((نهى أن يشرب في آنية الذهب، والفضة، وأن يؤكل فيها)). : (ولبس الحرير، والديباج) قال في ((النهاية)): الديباج هو: الثياب المتخذة من الإبريسم، فارسي معرب، وقد تفتح داله، ويجمع على: ديباج ودبابيج بالياء والباء؛ لأن أصله: دبَّاج. انتھی. وقيل: الديباج نوع من الحرير مختص بهذا الاسم؛ فتخصيصه لئلا يتوهم عدم دخوله فيه . (وقال) أي: رسول الله وَطير (هي لهم) أي: للكفار (في الدنيا ولكم في الآخرة) ليس المراد بقوله: ((هي لهم في الدنيا)) إباحة استعمالهم إياها، وإنما المعنى: هم الذين يستعملونها مخالفة لزي المسلمين؛ وكذا قوله: ((ولكم في الآخرة))؛ أي: تستعملونها مكافأة لكم على تركها في الدنيا، ويمنع أولئك جزاء لهم على معصيتهم باستعمالها؛ قاله الإسماعيلي. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أن الذي يتعاطى ذلك في الدنيا لا يتعاطاه في الآخرة؛ كما في شرب الخمر. انتهى. ٦٥٢ كتاب الأشربة عن رسول الله وَل ◌َ / باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الشُّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَب وَالفِضَّةِ قَالَ: وفي البابِ: عَن أُمِّ سَلَمَة، والبَرَاءِ، وعَائِشَةَ. قوله: (وفي الباب عن أم سلمة، والبراء، وعائشة) أما حديث أم سلمة: فأخرجه الشيخان(١) عنها؛ أن رسول الله وَّه قال: ((الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ)). وفي رواية لمسلم(٢): ((إِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الفِضَّةِ وَالذَّهَبِ)) كذا في (المشكاة)) . وأما حديث البراء: فأخرجه الشيخان(٣) أيضًا عنه قال: أمرنا رسول الله وَّل بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض ... الحديث. وفيه: ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن الشرب في الفضة ... إلخ. وأما حديث عائشة: فأخرجه أحمد، وابن ماجه(٤) بنحو حديث أم سلمة. وفي الباب أيضًا عن أبي هريرة(٥)، وابن عمر(٦)، ذكر حديثيهما المنذري في كتابه: ((الترغيب والترهيب))، وأحاديث الباب تدل على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة على كل مكلف، رجلًا كان أو امرأة، ولا يلتحق ذلك بالحلي للنساء؛ لأنه ليس من التزين الذي أبيح لها في شيء. قال القرطبي وغيره: في الحديث تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناهما؛ مثل التطيب، والتكحل، وسائر وجوه الاستعمالات؛ وبهذا قال الجمهور؛ كذا في ((فتح الباري)). قلت: وقد أجاز الأمير اليماني، والقاضي الشوكاني استعمال الأواني من الفضة في غير الأكل والشرب؛ كالتطيب، والتكحل، وغير ذلك. قال الأمير في ((السبل)): الحديث دليل على تحريم الأكل، والشرب في آنية الذهب، والفضة، وصحافهما؛ سواء أكان الإناء خالصًا ذهبًا، أو مخلوطًا بالفضة، إذ هو مما يشمله أنه إناء ذهب وفضة. قال: وهذا في الأكل والشرب فيما ذكر لا خلاف فيه. وأما غيرهما: ففيها الخلاف من سائر الاستعمالات: قيل: (١) البخاري، كتاب الأشربة. حديث (٥٦٣٤)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة. حديث (٢٠٦٥). (٢) مسلم، كتاب الأشربة. حديث (٢٠٦٥). (٣) البخاري، كتاب الجنائز. حديث (١٢٣٩)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة. حديث (٢٠٦٦). (٤) أحمد. حديث (٢٤١٤١)، وابن ماجه، كتاب الأشربة. حديث (٣٤١٥). (٥) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)). حديث (٧٢١٦)، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. (٦) أخرجه الطبراني في ((الصغير)). حديث (٦٩٨) و((الأوسط)). حديث (٤٨٣٧). ٦٥٣ كتاب الأشربة عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاء في كَرَاهِيَةِ الشُّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَب وَالفِضَّةِ لا تحرم؛ لأن النص لم يرد إلا في الأكل والشرب. وقيل: تحرم سائر الاستعمالات إجماعًا، ونازع في الأخير بعض المتأخرين. وقال: النص في الأكل والشرب لا غير، وإلحاق سائر الاستعمالات بهما قياسًا؛ لا يتم فيه شرائط القياس. والحق ما ذهب إليه القائل بعدم تحريم غير الأكل والشرب فيهما؛ إذ هو الثابت: بالنص، ودعوى الإجماع غير صحيحة. انتهى كلام صاحب ((السبل)) مختصرًا . قال الشوكاني: في ((النيل)): ولا شك أن أحاديث الباب تدل على تحريم الأكل والشرب، وأما سائر الاستعمالات فلا، والقياس على الأكل والشرب قياس مع الفارق؛ فإن علة النهي عن الأكل والشرب هي التشبه بأهل الجنة؛ حيث يطاف عليهم بآنية من فضة؛ وذلك مناط معتبر للشارع؛ كما ثبت عنه لما رأى رجلاً متختمًا بخاتم من ذهب؛ فقال: ((مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ الجَنَّةِ)). أخرجه الثلاثة(١) من حديث بريدة. وكذلك في الحرير وغيره، وإلا لزم تحريم التحلي بالحلي، والافتراش للحرير؛ لأن ذلك استعمال، وقد جوزه البعض من القائلين بتحريم الاستعمال. والحاصل: أن الأصل الحل، لا تثبت الحرمة إلا بدليل يسلمه الخصم، ولا دليل في المقام بهذه الصفة، فالوقوف على ذلك الأصل المعتضد بالبراءة الأصلية هو وظيفة المنصف الذي لم يخبط بسوط هيبة الجمهور، لا سيما وقد أيد هذا الأصل حديث: ((وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالفِضَّةِ؛ فَالْعَبُوا بِهَا لَعِبًا)). أخرجه أحمد، وأبو داود(٢)، ويشهد له ما سلف: أن أم سلمة جاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر رسول الله، فخضخضت ... الحديث. انتهى كلام الشوكاني باختصار. قلت: أثر أم سلمة في استعمالها الجلجل من الفضة؛ أخرجه البخاري(٣) عن عثمان بن عبد الله بن موهب، قال: أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء، فجاءت بِجُلْجُلٍ من فضة، فيه شعر من شعر رسول الله وَله، فكان إذا أصاب الإنسان عين، أو شيء بعث إليها بإناء، فخضخضت له، فشرب منه. فَاطّلعت في الْجُلْجُلِ، فرأيت شَعَرَاتٍ حُمْرًا. (١) تقدم تخريجه عند الحديث (١٧٨٦). (٢) أبو داود، كتاب الخاتم، حديث (٤٢٣٦)، وأحمد، حديث (٨٣٩٧). (٣) البخاري، كتاب اللباس. حديث (٥٨٩٦). ٦٥٤ كتاب الأشربة عن رسول الله وَّهَر باب مَا جَاء في النَّهْي عَن الشُّرْبِ قَائِمًا قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ١١- باب مَا جَاء في النَّهْي عَن الشُّرْبِ قَائِمًا [ت ١١، ٢ ١١] [١٨٧٩] (١٨٧٩) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا ابنُ أبِي عَدِيٍّ، عَن سَعِيد بْنِ أبي عَرُوْبَةَ، عَن قَتَادَةَ، عَن أَنَسٍ؛ أنَّ النَّبِيَّ وَنَهَى أنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا، فَقِيلَ: الأْلُ؟ قَالَ: ((ذَاكَ أَشَرُّ)). [م: ٢٠٢٤، د: ٣٧١٧، جه: ٣٤٢٤، حم: ١١٧٧٥، مي: ٢١٢٧]. قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [١٨٨٠] (١٨٨١) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أبِي مُسْلِمِ الجَذميِّ، عَنِ الجَارُودِ بْنِ المُعَلَّى؛ أنَّ النَّبِيَّ وَهُ قال الكرماني: ويحمل على أنه كان مموهًا بفضة، لا أنه كان كله فضة. قال الحافظ: وهذا ينبئ على أن أم سلمة كانت لا تجيز استعمال آنية الفضة في غير الأكل والشرب، ومن أين له ذلك؟ فقد أجاز ذلك جماعة من العلماء. قال الشوكاني: والحق الجواز إلا في الأكل والشرب؛ لأن الأدلة لم تدل على غيرها بين الحالتين. انتهى. قلت: وأما قول الشوكاني بأنه قد أيد هذا الأصل حديث: ((وَلَكِنْ عَلَيْكُم بِالفِضَّةِ فَالْعَبُوا بِهَا لَعِبًا))، ففيه نظر قد بينا ذلك في أواخر أبواب اللباس. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الأئمة الستة. ١١ - بَابُ مَا جَاءَ في النَّهْي عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا [١٨٧٩] قوله: (عن سعيد) هو: ابن أبي عروبة. قوله: (فقيل: الأكل قال: ذاك أشد) وفي رواية لمسلم: قال قتادة: فقلنا: فالأكل؟ فقال: ((ذَاكَ أَشَرُّ أَوْ أَخْبَثُ)). وسيأتي الجمع بينه وبين ما يخالفه في الباب الذي يليه. قوله: (هذا حديث صحيح) وأخرجه أحمد، ومسلم. [١٨٨٠] قوله: (حدثنا خالد بن الحارث) هو: الهجيمي أبو عثمان البصري (عن سعيد) هو: ابن أبي عروبة (عن أبي مسلم الجذمي) بالجيم المعجمة، مقبول، من الثالثة (عن الجارود بن العلاء) قال في ((التقريب)»: الجارود العبدي، اسمه: بشر، واختلف في اسم أبيه: فقيل: المعلى، أو العلاء. وقيل: عمرو، صحابي جليل، استشهد سنة إحدى وعشرين. ٦٥٥ كتاب الأشربة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في الثَّهْيِ عَن الشُّرْبِ قَائِمًا نَھَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا. قَالَ: وَفِي الْبَاب: عَنْ أبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ، وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أبِي مُسْلِمٍ، عَنِ الجَارُودِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِهِ وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ، عَنِ الجَارُودِ؛ قوله: (نهى عن الشرب قائمًا) أي: نهي تنزيه؛ كما سيتضح لك. قوله: (وفي الباب عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس) أما حديث أبي سعيد: فأخرجه أحمد، ومسلم (١)، بلفظ: نهى عن الشرب قائمًا. وفي رواية لمسلم (٢): زجر عن الشرب قائمًا. وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه مسلم (٣) عنه، قال: قال رسول الله عَليهِ: ((لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا فَمَنْ نَسِيَ، فَلْيَسْتَقِئ». وأما حديث أنس: فأخرجه مسلم، وأبو داود (٤)، بلفظ: زجر عن الشرب قائمًا. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه الطحاوي في ((معاني الآثار)) (وهكذا روى غير واحد هذا الحديث عن سعيد، عن قتادة، عن أبي مُسْلِمٍ عن جارود، عن النبي و98َّ) يعني: بغير واسطة بين قتادة، وبين أبي مسلم (وروي عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أبي مسلم، عن الجارود) يعني: بذكر واسطة يزيد بن عبد الله بين قتادة، وبين أبي مسلم. ولا يلزم من هذا انقطاع حديث الجارود في النهي عن الشرب قائمًا المذكور في الباب؛ فإن الظاهر أن قتادة سمع حديث النهي عن الشرب قائمًا من أبي مسلم بغير واسطة، وروى حديث الضالة عن أبي مسلم بواسطة: يزيد بن عبد الله، وقتادة؛ كما يروي عن يزيد بن عبد الله؛ كذلك يروي عن أبي مسلم أيضًا. قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة أبي مسلم الجذمي: روى عن الجارود العبدي وغيره. وعنه: مطرف، وأبو العلاء یزید ابنا عبد الله بن الشخير، وقتادة وغيرهم. وقال في ترجمة يزيد بن عبد الله بن الشخير: روى عنه قتادة وغيره. (١) أحمد. حديث (١١١١٧)، ومسلم، كتاب الأشربة. حديث (٢٠٢٤). (٢) مسلم، كتاب الأشربة. حديث (٢٠٢٥). (٣) مسلم، كتاب الأشربة. حديث (٢٠٢٦). (٤) مسلم، كتاب الأشربة. حديث (٢٠٢٤)، وأبو داود، كتاب الأشربة. حديث (٣٧١٧). ٦٥٦ كتاب الأشربة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في الرُّخْصَةِ في الشُّرْبِ قَائِمًا أَنَّ النَّبِيَّ وََّ قَالَ: ((ضَالَّةُ المُسْلِمِ حَرْقُ النَّارِ) وَالجَارُودُ هُوَ: ابْنُ المُعَلَّى العَبْدِيُّ، صَاحِبُ النَّبِيِّ ◌َّةِ، وَيُقَالُ: الجَارُودُ بْنُ العَلاءِ - أيضًا - وَالصَّحِيحُ: ابْنُ المُعَلَّى. ١٢ - باب مَا جَاء في الرُّخْصَةِ في الشُّرْبِ قَائِمًا [ت ١٢، م ١٢] [١٨٨١] (١٨٨٠) حَدَّثَنَا أبو السَّائِبِ سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ عُبَيْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَن نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا نَأكُلُ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَّهُ وَنَحْنُ نَمْشِي، وَنَشْرَبُ وَنَحْنُ قِيَامٌ. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حَدِيثٌ صحيحٌ غريبٌ، مِن حَدِيثٍ عُبَيْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَن نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، وَرَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُديْرٍ هذا الحَدِيثَ عَن أبي البزريِّ، عَن ابنِ عُمَرَ، قوله: (ضالة المسلم) في ((النهاية)): هي الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره؛ يقال: ضل الشيء، إذا ضاع؛ وهي في الأصل فاعلة، ثم اتسع فيها، فصارت من الصفات الغالبة، وتقع على الذكر والأنثى، والاثنين والجمع، ويجمع على: ضوال. والمراد بها في هذا الحديث: الضالة من الإبل والبقر مما يحمي نفسه، ويقدر على الإبعاد في طلب المرعى والماء؛ بخلاف الغنم (حرق النار) بفتح الحاء والراء، وقد يسكن: لهبها، أي: أن ضالة المؤمن إذا أخذها إنسان ليتملكها أدته إلى النار؛ كذا في ((النهاية)). وحديث الجارود هذا أخرجه أحمد، والنسائي، وابن حبان، والدارمي. ١٢ - باب مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ في الشُّرْبِ قَائِمًا [١٨٨١] قوله: (كنا نأكل على عهد رسول الله وَّر) أي: في زمانه (ونحن نمشي) جملة حالية (ونشرب) عطف على ((نأكل)) (ونحن قيام) قيد للأخير. وفي هذا الحديث دلالة على جواز الأكل ماشيًا، وحديث أنس المذكور في الباب المتقدم يدل على المنع؛ فيحمل حديث أنس على كراهة التنزيه، وحديث ابن عمر على الجواز مع الكراهة؛ جمعًا بين الحديثين. قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه أحمد، وابن ماجه، والدارمي. قوله: (وروى عمران بن حدير) بمهملات مصغرًا السدوسي أبو عبيدة البصري، ثقة، من ٦٥٧ كتاب الأشربة عن رسول الله وَاخِ ر باب مَا جَاء في الرُّخْصَّةِ في الشُّرْبِ قَائِمًا وَأَبُو البزريِّ اسْمُه: يَزِيدُ بْنُ عُطَارِدٍ. [١٨٨٢] (١٨٨٢) حَدَّثَنَا أَحْمِدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ الأحْوَلُ، ومُغِيرَةُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَ شَرِبَ مِن زَمْزَمْ وَهُوَ قَائِمٌ. [خ: ١٦٣٧، م: ٢٠٢٧، ن: ٢٩٦٤، جه: ٣٤٢٢، حم: ١٨٤١]. قَالَ: وفي البابِ: عَن عَلِيٍّ، وسَعْدٍ، وعَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وعَائِشَةً. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. السادسة (وأبو البزري) بفتح الموحدة، والزاي بعدها راء (اسمه: يزيد بن عطارد) مقبول، من الرابعة. [١٨٨٢] قوله: (حدثنا هشيم) هو: ابن بشير بن القاسم بن دينار السلمي (ومغيرة) هو: ابن مقسم الضبي مولاهم أبو هشام الكوفي. قوله: (أن النبي وَّ شرب من زمزم، وهو قائم) قال السيوطي: هذا لبيان الجواز، وقد يحمل على أنه لم يجد موضعًا للقعود؛ لازدحام الناس على ماء زمزم، أو ابتلال المكان. قوله: (وفي الباب عن علي، وسعد، وعبد الله بن عمرو، وعائشة) أما حديث علي: فأخرجه أحمد، والبخاري(١) عنه؛ أنه في رحبة ((الكوفة)) شرب، وهو قائم قال إن ناسًا يكرهون الشرب قائمًا، وإن رسول الله وَ ر صنع مثل ما صنعت؛ كذا في ((المنتقى)). وأما حديث سعد؛ وهو: ابن أبي وقاص: فأخرجه الترمذي(٢). وأما حديث عبد الله بن عمرو: فأخرجه الترمذي(٣) بعد هذا. وأما حديث عائشة: فأخرجه البزار(٤)، وأبو علي الطوسي في ((الأحكام))؛ كما في ((الفتح)). قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان. (١) أحمد. حديث (٧٩٩)، والبخاري، كتاب الأشربة. حديث (٥٦١٥، ٥٦١٦). (٢) الترمذي في ((الشمائل المحمدية)). حديث (٢١٦). (٣) الترمذي، كتاب الأشربة. حديث (١٨٨٣). (٤) البزار. حديث (١٠٧٥ - زخار). ٦٥٨ كتاب الأشربة عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاء في الرُّخْصَةِ في الشُّرْبِ قَائِمًا [١٨٨٣] (١٨٨٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَن حُسَيْنِ المُعَلِّم، عَن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَن أبيه، عَن جَدِّهِ، قَالَ: رأيْتُ رَسولَ اللهِ وَلَهَ يَشْرَبُ قَائِمًا وقاعدًا. [حم: ٦٦٤١] . قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حَديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. [١٨٨٣] قوله: (حدثنا محمد بن جعفر) هو المدني البصري المعروف بـ((غندر)) (عن حسين المعلم) هو: ابن ذكوان العوذي. قوله: (رأيت رسول الله وَّيه) أي: أبصرته حال كونه (يشرب قائمًا) أي: مرة، أو مرتين؛ لبيان الجواز، أو لمكان الضرورة (وقاعدًا) أي: في سائر أوقاته. وأحاديث الباب كلها تدل على جواز الشرب قائمًا، وأحاديث الباب المتقدم تدل على النھي عنه . قال الحافظ في ((الفتح)): وسلك العلماء في ذلك مسالك: أحدها: الترجيح، وأن أحاديث الجواز أثبت من أحاديث النهي، وهذه طريقة أبي بكر الأثرم؛ فقال: حديث أنس؛ يعني: في النهي جيد الإسناد، ولكن قد جاء عنه خلافه؛ يعني: في الجواز. قال: ولا يلزم من كون الطريق إليه في النهي أثبت من الطريق إليه في الجواز ألّا يكون الذي يقابله أقوى؛ لأن الثبت قد يروي هو ومن دونه الشيء، فيرجح عليه؛ فقد رجح نافع على سالم في بعض الأحاديث، عن ابن عمر، وسالم مقدم على نافع في الثبت، وقدم شريك على الثوري في حديثين، وسفيان مقدم عليه في جملة أحاديث، ثم أسند عن أبي هريرة قال: ((لا بأس بالشرب قائمًا)»(١) . قال الأثرم: فدل على أن الرواية عنه في النهي ليست ثابتة، وإلا لما قال: ((لا بأس به)) قال: ويدل على وهاء أحاديث النهي أيضًا اتفاق العلماء على أنه ليس لأحد شرب قائمًا أن يستقيء. المسلك الثاني: دعوى النسخ؛ وإليها جنح الأثرم، وابن شاهين؛ فقررا على أن أحاديث النهي - على تقدير ثبوتها - منسوخة بأحاديث الجواز؛ بقرينة عمل الخلفاء الراشدين، ومعظم الصحابة، والتابعين بالجواز. وقد عكس ذلك ابن حزم؛ فادعى نسخ أحاديث الجواز؛ (١) انظر ((فتح الباري)) (٨٤/١٠). ٦٥٩ كتاب الأشربة عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاء في الرُّخْصَةِ في الشُّرْبِ قَائِمًا . . بأحاديث النهي، متمسكًا بأن الجواز على وفق الأصل، وأحاديث النهي مقررة لحكم الشرع؛ فمن ادعى الجواز بعد النهي، فعليه البيان؛ فإن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وأجابٌ بعضهم بأن أحاديث الجواز متأخرة لما وقع منه وَلّ في حجة الوداع؛ كما سيأتي ذكره في حديث الباب عن ابن عباس، وإذا كان ذلك الأخير من فعله وَلي دل على الجواز، ويتأيد بفعل الخلفاء الراشدين بعده. المسلك الثالث: الجمع بين الخبرين بضرب من التأويل؛ فقال أبو الفرج الثقفي: المراد بالقيام هنا: المشي. يقال: قام في الأمر: إذا مشى فيه، وقمت في حاجتي: إذا سعيت فيها وقضيتها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمَاً﴾ [آل عمران: ٧٥] أي: مواظبًا بالمشي عليه. وجنح الطحاوي إلى تأويل آخر؛ وهو حمل النهي على مَنْ لم يسم عند شربه، وهذا إن سلم له في بعضٍ ألفاظ الأحاديث، لم يسلم له فيْ بقيتها . وسلك آخرون في الجمع حمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه، وأحاديث الجواز على بيانه؛ وهي طريقة الخطابي، وَابن بطال في آخرين. قال الحافظ: وهذا أحسن المسالك، وأسلمها، وأبعدها من الاعتراض، وقد أشار الأثرم إلى ذلك أخيرًا؛ فقال: إن ثبتت الكراهة حملت على الإرشاد، والتأديب، لا على التحريم؛ وبذلك جزم الطبري، وأيده بأنه لو كان جائزًا ثم حرمه، أو كان حرامًا ثم جوزه؛ لبين النبي ◌َّله ذلك بيانًا واضحًا؛ فلما تعارضت الأخبار بذلك، جمعنا بينها بهذا. وقيل: إن النهي عن ذلك إنما هوه من جهة الطب؛ مخافة وقوع ضرر به؛ فإن الشرب قاعدًا أمكن، وأبعد من الشرق، وحصول الوجع في الكبد، أو الحلق؛ وكل ذلك قد لا يأمن منه من شرب قائمًا. انتهى كلام الحافظ. وقال النووي: الصواب: أن النهي فيها محمول على كراهة التنزيه. وأما شربه وَلـ قائمًا: فبيان للجواز؛ فلا إشكال، ولا تعارض؛ وهذا الذي ذكرناه يتعين المصير إليه. وأما من زعم نسخًا أو غيره، فقد غلط غلطًا فاحشًا، وكيف يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع بين الأحاديث لو ثبت التاریخ، وأنی له بذلك. فإن قيل: كيف يكون الشرب قائمًا مكروهًا، وقد فعله النبي وَّليه؟ فالجواب: أن فعله وَله إذا كان بيانًا للجواز لا يكون مكروهًا، بل البيان واجب عليه وَ له فكيف يكون مكروهًا، وقد ٦٦٠ كتاب الأشربة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في التَّنَفُّسِ فِي الإِنَاءِ ١٣ - باب مَا جَاء في التَّنَّفُّسِ في الإنَاءِ [ت ١٣، م١٣] [١٨٨٤] (١٨٨٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ويُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ، قالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ، عَن أبي عِصَامٍ، عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أنَّ النَّبِيِّ وَّه ثبت أنه * توضأ مرة مرة، وطاف على بعير، مع أن الإجماع على أن الوضوء ثلاثًا، والطواف ماشيًا أكمل. ونظائر هذا غير منحصرة؛ فكان ◌َّه ينبه على جواز الشيء مرة أو مرات، ويواظب على الأفضل منه؛ وهكذا كان أكثر وضوئه ثلاثًا ثلاثًا، وأكثر طوافه ماشيًا، وأكثر شربه جالسًا؛ وهذا واضح لا يتشكك فيه مَنْ له أدنى نسبة إلى علم. وأما قوله رَّةِ: ((فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئ)) فمحمول على الاستحباب، والندب؛ فيستحب لمن شرب قائمًا أن يتقيأه لهذا الحديث الصريح؛ فإن الأمر: إذا تعذر حمله على الوجوب، حمل على الاستحباب. وأما قول القاضي عياض: لا خلاف بين أهل العلم: أن من شرب ناسيًا ليس عليه أن يتقيأ؛ فأشار بذلك إلى تضعيف الحديث، فلا يلتفت إلى إشارته. وكون أهل العلم لم يوجبوا الاستقاءة لا يمنع كونها مستحبة؛ فإن ادعى مُدَّعِ منع الاستحباب، فهو مجازف لا يلتفت إليه، فمن أين له الإجماع على منع الاستحباب؟ وكيف تترك هذه السنة الصحيحة الصريحة بالتوهمات، والدعاوي، والترهات؟ ثم اعلم: أنه تستحب الاستقاءة لمن شرب قائمًا ناسيًا أو متعمدًا، وذكر الناسي في الحديث ليس المراد به: أن القاصد يخالفه، بل للتنبيه به على غيره بطريق الأولى؛ لأنه إذا أمر بالناسي؛ وهو غير مخاطب، فالعامد المخاطب المكلف الأولى، وهذا واضح لا شك فيه . ١٣ - باب مَا جَاءَ فيِ التَّنَّفُّسِ في الإِنَاءِ [١٨٨٤] قوله: (عن أبي عصام) قال الحافظ: في ((تهذيب التهذيب)): أبو عصام المزني البصري، روى عن أنس في التنفس في الإناء. وعنه: شعبة، وهشام الدستوائي، وعبد الوارث بن سعيد. ذكره ابن حبان في ((الثقات)). انتهى. وقال المنذري في ((تلخيص السنن)): أبو عصام هذا لا يعرف اسمه، وانفرد به مسلم، وليس له في كتابه سوى هذا الحديث. انتهى.