النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
كتاب الأطعمة عن رسول الله ﴿﴿ / باب مَا جَاء في أُكْلِ الأرْنَبِ
قَالَ: على هَذِهِ السُّفَرِ. [خ: ٥٣٨٦، جه: ٣٢٩٢، حم: ١١٩١٦].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، قَالَ مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ: ويُونُسُ هَذَا
هُوَ: يُونُسُ الإسْكَافُ، وقد روى عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ سعيد، عَن سَعِيدِ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ،
عَن قَتَادَةَ، عَن أَنَسٍ، عن النَّبِيّ ◌َِّ: نَحْوَهُ.
٢- باب مَا جَاء في أكّلِ الأرْنَبِ [ت ٢، م ٢]
[١٧٩٠] (١٧٨٩) حَدَّثَنَا مَحمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، أْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَن
هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أنسٍ، قال: سَمِعْتُ أنَسًا، يَقُولُ: أنْفَجْنَا أرْنَبَا
(قال) أي: قتادة (على هذه السفر) بضم ففتح جمع سفرة. في ((النهاية)): السفرة: الطعام
يتخذه المسافر، وأكثر ما يحمل في جلد مستدير، فنقل اسم الطعام إلى الجلد، وسمي به؛
كما سميت المزادة راوية وغير ذلك من الأسماء المنقولة. انتهى. ثم اشتهرت لما يوضع عليه
الطعام، جلدًا كان أو غيره، ما عدا المائدة؛ لما مر من أنه شعار المتكبرين غالبًا .
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه البخاري في ((الأطعمة))، والنسائي في ((الرقائق
والوليمة))، وابن ماجه في ((الأطعمة)).
٢ - باب مَا جَاءَ فيِ أَكْلِ الْأَرْنَبِ
قال الحافظ في ((الفتح)) هو دويبة معروفة تشبه العَنَاقَ، لكن في رجليها طول [بخلاف
يديها]، والأرنب اسم جنس للذكر والأنثى. ويقال للذكر أيضًا: الخُزَزُ، وزن ((عمر))
بمعجمات، وللأنثى: عكرشة، وللصغير خِرْنِقٌ، هذا هو المشهور.
وقال الجاحظ: لا يقال: أرنب إلا للأنثى. ويقال: إن الأرنب شديدة الجبن، كثيرة الشبق،
وأنها تكون سنة ذكرًا، وسنة أنثى، وأنها تحيض، ويقال: إنها تنام مفتوحة العين. انتهى.
ويقال للأرنب بالفارسية: خَركوش.
[١٧٩٠] قوله: (عن هشام بن زيد) بن أنس بن مالك الأنصاري، ثقة، من الخامسة.
قوله: (أنفجنا أرنباً) بفاء مفتوحة، وجيم ساكنة؛ أي: أثرنا، يقال: نَفَجَ الأرنب، إذا ثار
وعدا، وانتفج كذلك وأنفجته، إذا أثرته من موضعه. ويقال: إن الانتفاج: الاقشعرار، فكأن
المعنى: جعلناها بطلبنا لها تنتفج، والانتفاج أيضًا: ارتفاع الشعر وانتفاشه.

٥٠٢
كتاب الأطعمة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في أكْلِ الأرْنَبِ
بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَى أصحابُ النَّبِيِّ وََّ خِلْفَهَا، فَأَدْرَكْتُهَا فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُ بِهَا
أبَا طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا بِمَرْوَةٍ، فَبَعَثَ مَعِي بِفَخِذِهَا أَوْ بِوَرِكِهَا إلى النَّبِّ وَّلَهِ فَأْكَلَهُ، قَالَ:
قُلْتُ: أكَلَهُ؟ قَالَ: قَبِلَهُ. [خ: ٢٥٧٢، م: ١٩٥٣، ن: ٤٣٢٣، جه: ٣٢٤٣، د بنحوه: ٣٧٩١،
حم: ١٢٣٣٦، مي: ٢٠١٣].
(بمر الظهران) ((مرّ)): بفتح الميم وتشديد الراء، ((والظهران)) بفتح المعجمة، بلفظ تثنية
((الظهر)): اسم موضع على مرحلة من مكة، وقد يسمى بإحدى الكلمتين تخفيفًا، وهو المكان
الذي تسميه عوام المصريين ((بطن مرو))، والصواب ((مر)) بتشديد الراء.
(فذبحها بمروة) بفتح ميم، وسكون راء: حجر أبيض، ويجعل منه كالسكين.
(فبعث معي بفخذها أو بوركها) هو شك من الراوي، والورك: بالفتح والكسر
وكـ((الكتف)): ما فوق الفخذ مؤنثة؛ كذا في ((القاموس)).
(فأكله فقلت: أكله. قال: قبله) قال الطيبي الضمير راجع إلى المبعوث، أو بمعنى اسم
الإشارة؛ أي: ذاك. انتهى.
وحاصله: أنه راجع إلى المذكور، وهذا الترديد لهشام بن زيد وقف جده أنسًا على
قوله: ((أكله)) فكأنه توقف في الجزم به، وجزم بالقبول.
وقد أخرج الدار قطني(١) من حديث عائشة: أهدي إلى رسول الله وَليل أرنب - وأنا نائمة -
فخبأ لي منها العَجُزَ، فلما قمت أطعمني، وهذا لو صح، لأشعر بأنه أكل منها، لكن سنده
ضعيف .
ووقع في ((الهداية)) للحنفية: أن النبي ◌َّليل أكل من أرنب حين أهدي إليه مشويًا، وأمر
أصحابه بالأكل منه، وكأنه تلقاه من حديثين: فأوله من حديث الباب وقال: قد ظهر ما فيه.
والآخر: من حديث أخرجه النسائي(٢) من طريق موسى بن طلحة، عن أبي هريرة: جاء
أعرابي إلى النبي ◌َّر بأرنب قد شواها، فوضعها بين يديه فأمسك، وأمر أصحابه أن يأكلوا.
ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف فيه على موسى بن طلحة اختلافًا كثيرًا.
(١) الدارقطني (٢٩١/٤). حديث (٧٩).
(٢) النسائي، كتاب الصيام. حديث (٢٤٢١).

٥٠٣
كتاب الأطعمة عن رسول الله وَلَّ / باب مَا جَاء في أكْلِ الأَرْنَبِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن جَابِرٍ، وعمّار، ومُحمَّدٍ بْنِ صَفْوَانَ - ويُقَالُ
مُحمَّدُ بْنُ صَيْفِيٍّ - وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والعملُ على هذَا عِنْدَ أكْثَرِ أهلٍ
العِلْمِ: لا يَرَوْنَ بِأْلِ الأرْنَبِ بَأسًا؛ وقد كَرِهَ بَعْضُ أهلِ العِلْمِ أكْلَ الأرْنَبِ،
وقالُوا : إنَّهَا تُدْمِي.
قوله: (وفي الباب عن جابر وعمار ومحمد بن صفوان ويقال: محمد بن صيفي).
أما حديث جابر: فأخرجه الترمذي في ((باب: الذبح بالمروة))، وأخرجه أيضًا ابن حبان
والبيهقي(١).
وأما حديث عمار: فلينظر من أخرجه(٢).
وأما حديث محمد بن صفوان: فأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، وابن ماجه
وابن حبان والحاكم(٣) عنه؛ أنه صاد أرنبين، فذبحهما بمروتين، فأتى رسول الله وَعليه فأمره
بأكلهما، كذا في ((المنتقى)) و((النيل)).
وقال الحافظ في ((التلخيص)) بعد ذكر حديث محمد بن صفوان هذا: وفي رواية محمد بن
صيفي. قال الدارقطني: من قال: محمد بن صيفي فقد وهم.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة، كما في ((المنتقى)).
قوله: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم لا يرون بأكل الأرنب بأسًا) قال النووي
في ((شرح مسلم)): أكل الأرنب حلال عند مالك وأبي حنيفة، والشافعي وأحمد، والعلماء
كافة، إلا ما حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن أبي ليلى، أنهما كرهاها .
دليل الجمهور: هذا الحديث، يعني: حديث الباب مع أحاديث مثله، ولم يثبت في
النهي عنها شيء. انتهى.
(وقد كره بعض أهل العلم ... إلخ) كعبد الله بن عمرو من الصحابة، وعكرمة من
التابعين، ومحمد بن أبي ليلى من الفقهاء، واحتجوا بحديث خزيمة بن جزء، قلت:
(١) الترمذي، كتاب الصيد حديث (١٤٧٢)، والبيهقي في ((الكبرى)) (١٩١٨).
(٢) أحمد. حديث (٢١٠).
(٣) أحمد. حديث (١٥٤٤٣)، وأبو داود، كتاب الضحايا. حديث (٢٨٢٢)، والنسائي، كتاب الصيد والذبائح.
حديث (٤٣١٣)، وابن ماجه (٣٢٤٤)، وابن حبان. حديث (٥٨٨٧)، والحاكم. حديث (٧٥٨١)، وقال:
على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

٥٠٤
كتاب الأطعمة عن رسول الله وَّ/ باب مَا جَاءَ في أَكْلِ الضَّب
٣- باب مَا جَاء في أكْلِ الضَّب [ت ٣، م ٣]
[١٧٩١] (١٧٩٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أنَسٍ، عَن عَبْدِ الله بْنِ دِینَارٍ ،
عَن ابنِ عُمَرَ ؛ أنَّ النَّبِيَّ وَّرَ سُئِلَ عَن أكْلِ الضَّبِّ، فَقَالَ: ((لا آكُلُهُ ولا أُحَرِّمُهُ)).
[خ: ٥٥٣٦، م: ١٩٤٣، ن: ٤٣٢٥، جه بنحوه: ٣٢٤٢، حم: ٤٥٤٨، طا: ١٨٠٦، مي: ٢٠١٥].
يا رسول الله، ما تقول في الأرنب؟ قال: ((لا آكُلُهُ ولا أُحَرِّمُهُ)). قلت: فإني آكل ما لا
تحرمه. ولم يا رسول الله؟ قال: ((نُبِّئْتُ أَنَّهَا تَدْمِي)) (١).
قال الحافظ: وسنده ضعيف، ولو صح لم يكن فيه دلالة على الكراهة، وله شاهد عن
عبد الله بن عمرو؛ بلفظ: ((جيء بها إلى النبي ◌ََّفلم يأكلها، ولم يَنْهَ عنها)) (٢)، وزعم أنها
تحيض، أخرجه أبو داود، وله شاهد عن عمر عند إسحاق بن راهويه في ((مسنده)). انتهى.
قلت: حديث عبد الله بن عمرو في سنده خالد بن الحويرث. قال الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)) في ترجمته: قال عثمان بن سعيد الدارمي: سألت يحيى بن معين عنه؛ فقال: لا
أعرفه. وقال ابن عدي: إذا كان يحيى لا يعرفه، فلا يكون له شهرة، ولا يعرف، وذكره ابن
حبان في ((الثقات)). انتهى. وفي سنده أيضًا محمد ابنه، وهو مستور، كما صرح في
((التقريب))، و((تهذيب التهذيب)).
وأما حديث عمر: فقال الحافظ في ((باب: الضب)» بعد ذكره: سنده حسن.
٣- باب مَا جَاءَ فيٍ أَكْلِ الضَّبِّ
قال الحافظ: هو دويبة تشبه الجرذون، لكنه أكبر منه، ويكنى: أبا حسل، ويقال للأنثى:
ضَبَّة، ويقال: إن لأصل ذكر الضب فرعين، ولهذا يقال له: ذكران.
وذكر ابن خالويه أن الضب يعيش سبع مئة سنة، وأنه لا يشرب الماء، ويبول في كل
أربعين يوم قطرة، ولا يسقط له سن. ويقال: بل أسنانه قطعة واحدة.
وحكى غيره: أن أكل لحمه يذهب العطش. ومن الأمثال: لا أفعل كذا حتى يرد
الضب، يقوله من أراد ألَّا يفعل الشيء؛ لأن الضب لا يرد، بل يكتفي بالنسيم وبرد الهواء
ولا يخرج من جحره في الشتاء. انتهى. ويقال له بالفارسية: سوسمار، وبالهندية: كوه.
[١٧٩١] قوله: (لا آكله ولا أحرمه) فيه جواز أكل الضب.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٤٢٨٨)، ومن طريقه الطبراني في ((الكبير)) (٣٧٩٦).
(٢) أخرجه البيهقي في (الكبرى)). حديث (١٩١٨٧).

٥٠٥
كتاب الأطعمة عن رسول الله ◌َ﴿ / باب مَا جَاء في أكْلِ الضَّب
قال النووي: أجمع المسلمون على أن أكل الضب حلال ليس بمكروه، إلا ما حكي عن
أصحاب أبي حنيفة من كراهته، وإلا ما حكاه القاضي عياض عن قوم أنهم قالوا: هو حرام.
وما أظنه يصح عن أحد، وإن صح عن أحد، فمحجوج بالنصوص، وإجماع من قبله. انتهى.
فإن قلت: لما لم يكن الضب حرامًا، فما سبب عدم أكله وَالآن ؟
قلت: روى البخاري في ((صحيحه)(١) عن عبد الله بن عباس، عن خالد بن الوليد، أنه
دخل مع رسول الله وَّل بيت ميمونة، فأتي بضب محنوذ، فأهوى إليه رسول الله وَليل بيده.
فقال بعض النسوة: أخبروا رسول الله وَاليه بما يريد أن يأكل. فقالوا: هو ضب
يا رسول الله فرفع يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: ((لَا وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضٍ قَوْمِي
فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ)). قال خالد: فاجتررته، فأكلته ورسول الله وَّل ينظر.
قال الحافظ: قوله: ((فأجدني أعافه)) أي: أكره أكله.
ووقع في رواية سعيد بن جبير: فتركهن النبي ◌َّ﴾ كالمتقذر لهن. ولو كن حرامًا، لما
أكلن على مائدة النبي ◌َّي ولما أمر بأكلهن؛ كذا أطلق الأمر؛ وكأنه تلقاه من الإذن المستفاد
من التقرير، فإنه لم يقع في شيء من طرق حديث ابن عباس بصيغة الأمر، إلا في رواية
يزيد بن الأصم عند مسلم؛ فإن فيها: فقال لهم ((كُلُوا)). فأكل الفضل وخالد والمرأة.
وكذا في رواية الشعبي عن ابن عمر: فقال النبي ◌َِّ: ((كُلُوا وَأَظْعِمُوا فَإِنَّهُ حَلالٌ)) أو
قال: ((لَا بَأُسَ بِهِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ طَعَامِي)(٢). وفي هذا كله بيان سبب ترك النبي وَّةٍ، وأنه بسبب
أنه ما اعتاده.
وقد ورد لذلك سبب آخر، أخرجه مالك(٣) من مرسل سليمان بن يسار، فذكر معنى
حديث ابن عباس، وفي آخره، فقال النبي ◌َّ: ((كُلَا))، يعني: لخالد، وابن عباس ((فَإِنَّني
يَحْضُرُنِي مِنَ اللهِ حَاضِرَةٌ».
قال المازري: يعني: الملائكة، وکان للحم الضب ريحًا، فترك أکله لأجل ريحه، كما
ترك أكل الثوم مع كونه حلالًا .
(١) البخاري، كتاب الذبائح والصيد. حديث (٥٥٣٧).
(٢) مسلم، كتاب الصيد والذبائح، حديث (١٩٤٤).
(٣) مالك؛ كتاب الاستئذان، حديث (١٧٣٧).

٥٠٦
كتاب الأطعمة عن رسول الله وَ له / باب مَا جَاء في أُكْلِ الضَّب
قَالَ: وفي البابِ: عَن عُمَرَ، وأبي سَعِيدٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، وثَابِتِ بْنِ وَدِيعَة،
وجَابِرٍ، وَعَبْدِ الرَّحمنِ بْنِ حَسَنَةً.
قال الحافظ: وهذا إن صح يمكن ضمه إلى الأول، ويكون لتركه الأكل من الضب
سببان. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن عمر وأبي سعيد وابن عباس وثابت بن وديعة وجابر
وعبد الرحمن بن حسنة).
أما حديث عمر: فأخرجه مسلم وابن ماجه(١)، عن جابر؛ أن عمر بن الخطاب قال في
الضب: إن رسول الله وَّليّ لم يحرمه، وأن عمر قال: إن الله لينفع به غير واحد، وإنما طعام
عامة الرعاء منه، ولو كان عندي طعمته.
وأما حديث أبي سعيد: فأخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه(٢) عنه، قال رجل:
يا رسول الله، إِنَّا بأرض مضبة، فما تأمرنا؟ قال: ذُكِرَ لِي أَنَّ أُمَّةً من بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ))
فَلَمْ يَأْمُرْ وَلَمْ يَنْهَ.
وأما حديث ابن عباس: فأخرجه الشيخان(٣) عنه، قال: أهدت خالتي أم حفيد إلى النبي
وسل ◌ّ أقطّا وسمنًا وأضبًا، فأكل من الأقط والسمن، وترك الأضب تقذرًا.
قال ابن عباس: فأكل على مائدته، ولو كان حرامًا، لما أكل على مائدة رسول الله وَله،
كذا في ((نصب الراية)).
وأما حديث ثابت بن وديعة: فأخرجه أبو داود والنسائي(٤) عنه قال: كنا مع رسول الله
وَّر في جيش، فأصبنا ضبابًا قال: فشويت منها ضبًّا، فأتيت رسول الله مَّل فوضعته بين يديه،
قال: فأخذ عودًا، فعد به أصابعه، ثم قال: ((إِنَّ أُمَّةً من بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ دَوَابَّ فِي
الأَرْضِ، وَإِنِّي لا أَدْرِي أَيَّ الدَّوَابِّ هِيَ))، قال: فلم يأكل ولم ينه.
قال الحافظ: وسنده صحيح.
(١) مسلم، كتاب الصيد والذبائح. حديث (١٩٥٠)، وابن ماجه، كتاب الصيد. حديث (٣٢٣٩).
(٢) أحمد. حديث (١٠٦٣٠)، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح. حديث (١٩٥١)، وابن ماجه، كتاب الصيد.
حدیث (٣٢٤٠).
(٣) البخاري، كتاب الهبة. حديث (٢٥٧٥)، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح. حديث (١٩٤٥).
(٤) أبو داود، كتاب الأطعمة. حديث (٣٧٩٥)، والنسائي، كتاب الصيد والذبائح. حديث (٤٣٢٠، ٤٣٢١).

٥٠٧
كتاب الأطعمة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في أكْلِ الضَّب
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد اختلفَ أهلُ العلم في أكْلِ الضَّبِّ، فَرَخّصَ فيهِ بَعْضُ أهلِ العِلْم مِن
أصْحَابِ النبيِّ نَّهِ وغَيْرِهِمْ،
وأما حديث جابر: فأخرجه مسلم(١) عنه قال: أتي رسول الله وَل بضب، فأبى أن يأكل
منه، وقال: لا أدري لعله من القرون التي مسخت.
وروى ابن ماجه(٢) عنه؛ أن النبي ◌َّو لم يحرم الضب، ولكن قذره، وإنه لطعام عامة
الرعاء، وإن الله - عز وجل - لينفع به غير واحد، ولو كان عندي لأكلته.
وأما حديث عبد الرحمن بن حسنة: فأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن حبان، والطحاوي(٣)
عنه قال: نزلنا أرضًا كثيرة الضباب ... الحديث، وفيه: أنهم طبخوا منها، فقال النبي ◌ََّ: ((إِنَّ
أُمًَّ من بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ دَوَابَّ فِي الأرض، فَأَخْشَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ فَأَكْفِئُوهَا)).
قال الحافظ: وسنده على شرط الشيخين، إلا الضحاك، فلم يخرجا له. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
(وقد اختلف أهل العلم في أكل الضب: فرخص فيه بعض أهل العلم من أصحاب النبي
(* وغيرهم) وهو قول الجمهور؛ وهو الراجح المعول عليه.
وقد استدلوا على ذلك: بأحاديث تدل على إباحة أكله؛ فمنها: حديث ابن عمر المذكور
في الباب، ومنها: أحاديث ابن عباس وعمر وجابر التي أشار إليها الترمذي، وذكرنا
ألفاظها .
ومنها: حديث خالد بن الوليد، وقد تقدم لفظه.
ومنها: حديث ابن عمر، أخرجه البخاري ومسلم عنه(٤)، قال: كان ناس من أصحاب
النبي ◌َّ فيهم سعد، فذهبوا يأكلون من لحم، فنادتهم امرأة من بعض أصحاب النبي وَلّ أنه
لحم ضب؛ فأمسكوا. فقال رسول الله وَّهُ: (كُلُوا وَأَطْعِمُوا فَإِنَّهُ حَلَالٌ)). أو قال: ((لَا بَأْسَ
بِهِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ من طَعَامِي))؛ كذا في ((نصب الراية)).
(١) مسلم، كتاب الصيد والذبائح. حديث (١٩٤٩). (٢) ابن ماجه، كتاب الصيد. حديث (٣٢٣٩).
(٣) أحمد. حديث (١٧٣٠٣)، وابن حبان. حديث (٥٢٦٦)، والطحاوي في ((معاني الآثار)) (٥٨٦٢)؛ وأخرجه
أبو داود في سننه. حديث (٣٧٩٥) من حديث ثابت بن وديعة.
(٤) مسلم، كتاب الصيد والذبائح، حديث (١٩٤٤) بنحوه.

٥٠٨
كتاب الأطعمة عن رسول الله وَله/ باب مَا جَاء في أُكْلِ الضَّب
وكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ،
ومنها: حديث يزيد بن الأصم، أخرجه مسلم والطحاوي (١) عنه قال: دعانا عروس
بـ((المدينة)) فقرب إلينا ثلاثة عشر ضبًّا؛ فآكل وتارك. فلقيت ابن عباس من الغد، فأخبرته،
فأكثر القوم حوله، حتى قال بعضهم: قال رسول الله وَّة: ((لَا آكُلُهُ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ وَلَا
أُحَرِّمُهُ)). فقال ابن عباس: بئسما قلتم، ما بعث نبي الله وَّ إلا محللًا ومحرمًا؛ إن رسول الله
وَلا بينما هو عند ميمونة - وعنده الفضل بن عباس وخالد بن الوليد وامرأة أخرى - إذ قرب
إليهم خوان عليه لحم، فلما أراد النبي ◌َّ# أن يأكل قالت له ميمونة: إنه لحم ضب. فكف
يده، وقال: ((هَذَا لَحْمٌ لَمْ آكُلْهُ قَظُ)) وقال لهم: ((كُلُوا)). فأكل منه الفضل وخالد بن الوليد
والمرأة. وقالت ميمونة: لا آكل من شيء إلا شيء يأكل منه رسول الله وَلؤ.
ومنها حديث سليمان بن يسار المرسل؛ وقد تقدم.
ومنها: حديث أبي هريرة، أخرجه الطحاوي (٢) عنه؛ أن النبي ◌َّ أتي بصحفة فيها
ضباب؛ فقال: ((كُلُوا فَإِنِّي عَائِفُهُ)).
ومنها: حديث خزيمة بن جزء، أخرجه ابن ماجه (٣) عنه، قال: قلت: يا رسول الله،
جئتك لأسألك عن أحناش الأرض؛ ما تقول في الضب؟ فقال: ((لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ)). قال:
قلت: فإني آكل مما لم تحرم. ولم يا رسول الله؟ قال: ((فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَم وَرَأَيْتُ خَلْقًا
رابني)).
(وكرهه بعضهم) قال الطحاوي في ((شرح الآثار)): وقد كره قوم أكل الضب، منهم:
أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمة الله عليهم أجمعين.
واحتج لهم محمد بن الحسن؛ بحديث عائشة؛ أن النبي ◌َّر أهدي له ضب، فلم يأكله.
فقام عليهم سائل، فأرادت عائشة - ر﴿ُها - أن تعطيه. فقال لها النبي وَّ: ((أَتَعْطِينَهُ مَا لَا
تَأْكُلِينَ؟)) قال محمد: فقد دل ذلك على أن رسول الله وَّ كره لنفسه ولغيره أكل الضب.
قال: فبذلك نأخذ.
قال الطحاوي: ما في هذا دليل على الكراهة، قد يجوز أن يكون كره لها أن تطعمه
(١) مسلم، كتاب الصيد والذبائح. حديث (١٩٤٨)، والطحاوي في ((معاني الآثار)). حديث (٥٨٩٢).
(٢) الطحاوي في ((معاني الآثار)) حديث (٥٨٩٣).
(٣) ابن ماجه، كتاب الصيد. حديث (٣٢٤٥).

٥٠٩
كتاب الأطعمة عن رسول الله وَّ ر باب مَا جَاء في أكْلِ الضَّب
السائل؛ لأنها إنما فعلت ذلك من أجل أنها عافته؛ ولولا أنها عافته لما أطعمته إياه، وكان
ما تطعمه السائل، فإنما هو الله تعالى، فأراد النبي ◌ّل وألا يكون ما يتقرب به إلى الله - عز
وجل - إلا من خير الطعام؛ كما قد نهى أن يتصدق بالبُسْرِ الرديء والتمر الرديء.
قال: فلهذا المعنى الذي كره رسول الله وَّ لعائشة - ﴿هُنا - الصدقة بالضب، لا لأن أكله
حرام. انتهى.
واستدل لهم أيضًا: بحديث ابن عمر قال: قال رسول الله وَّهُ: ((وَدِدْتُ أَنَّ عِنْدِي خُبْزَةً
بَيْضَاءَ من بُرَّةٍ سَمْرَاءَ مُلبَّقَةٍ بِسَمْنٍ وَلَبَنٍ)). فقام رجل من القوم، فاتخذه فجاء به. فقال: ((فِي
أَيِّ شَيْءٍ كَانَ هَذَا؟)) قال: في عُكَّةٍ ضَب. قال: ((ارْفَعْهُ)). أخرجه أبو داود، وابن ماجه(١).
وأجيب عنه: بأن أبا داود قال بعد روايته: هذا حديث منكر على أنه ليس في هذا
الحديث دلالة على تحريم أكل الضب، أو على كراهته.
قال الطيبي: إنما أمر برفعه؛ لتنفر طبعه عن الضب؛ لأنه لم يكن بأرض قومه؛ كما دل
عليه حديث خالد، لا لنجاسة جلده، وإلا لأمره بطرحه، ونهاه عن تناوله.
واستدل لهم أيضًا: بحديث عبد الرحمن بن حسنة: نزلنا أرضًا كثيرة الضباب ...
الحديث، وفيه: أنهم طبخوا منها. فقال النبي ◌َّله: ((إِنَّ أُمَّةً من بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ دَوَابَّ
فِي الأَرْضِ، فَأَخْشَى أَنْ تكُونَ هَذِهِ فَأَكْفِئُوهَا))، وبحديث عبد الرحمن بن شبل؛ أن رسول الله
وَّ نهى عن أكل لحم الضب. أخرجه أبو داود(٢).
وأجيب عن ذلك: بأن علة الأمر بالإكفاء والنهي عن الأكل؛ إنما هي خشيته وَلّ أن
تكون الضباب من الأمم الممسوخة، وعدم علمه بأن الأمة الممسوخة لا يكون لها نسل، ولا
عقب؛ فلما علم وَّر أن الله - عز وجل - لم يهلك قومًا أو لم يمسخ قومًا فيجعل لهم نسلًا
ولا عاقبة؛ ارتفعت العلة. ومن المعلوم: أنه إذا ارتفعت العلة يرتفع المعلول، على أن هذين
الحديثين لا يقاومان الأحاديث الصحيحة المتقدمة التي تدل صراحة على إباحة أكل الضب.
وقال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر هذين الحديثين: والأحاديث الماضية وإن دلت على
الحل تصريحًا وتلويحًا، نصًّا وتقريرًا؛ فالجمع بينها وبين هذا: حمل النهي فيه على أول
(١) أبو داود، كتاب الأطعمة. حديث (٣٨١٨)، وابن ماجه، كتاب الأطعمة. حديث (٣٣٤١).
(٢) أبو داود، كتاب الأطعمة. حديث (٣٧٩٦).

٥١٠
كتاب الأطعمة عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاء في أكْلِ الضَّبُعِ
ويُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: أُكِلَ الضَّبُّ على مَائِدَةِ رسولِ اللهِ وَله، وإنَّمَا تَرَكَهُ
رسولُ اللهِ وَّهِ تَقَذَّرًا .
٤- باب مَا جَاء في أكّلِ الضَّبُعِ (ت ٤، ٢ ٤]
[١٧٩٢] (١٧٩١) حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا إسماعيلُ بْنُ إبراهيمَ، أخْبَرَنَا
ابنُ جُرَيْجٍ، عَن عَبْدِ الله بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَن ابنِ أبي عَمَّارٍ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرٍ:
الضَّبُعُ أصَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَم، قال:
الحال عند تجويز أن يكون مما مسخ، وحينئذٍ أمر بإكفاء القدور، ثم توقف، فلم يأمر به،
ولم ينه عنه، وحمل الإذن فيه على ثاني الحال؛ لما علم أن الممسوخ لا نسل له، ثم بعد
ذلك كان يستقذره، فلا يأكله، ولا يحرمه، وأكل على مائدته؛ فدل على الإباحة، وتكون
الكراهة للتنزيه في حق من يتقذره. وتحمل أحاديث الإباحة على من لا يتقذره، ولا يلزم من
ذلك أنه يكره مطلقًا . انتهى.
(ويروى عن ابن عباس أنه قال: أُكل الضب إلخ) رواه البخاري ومسلم وتقدم لفظه.
٤ - باب مَا جَاءَ في أَكْلِ الضَّبُعِ
بفتح الضاد المعجمة، وضم الباء الموحدة: حيوان معروف، يقال له بالفارسية: كفتار،
وبالهندية: بجو؛ بكسر الجيم الموحدة؛ وضم الجيم المشددة، كما في ((نفائس اللغات))
و((مخزن الأدوية)» وغيرهما .
وقيل هو بالهندية: هندار؛ كما في ((غياث اللغات))، والأول هو الظاهر؛ لأن الضبع
معروف بنبش القبور، والحيوان الذي يقال له بالهندية: هندار لم يعرف بنبش القبور. قال في
((النيل)): ومن عجيب أمره أنه يكون سنة ذكرًا، وسنة أنثى؛ فيلقح في حال الذكورة، ويلد في
حال الأنوثة، وهو مولع بنبش القبور؛ لشهوته للحوم بني آدم. انتهى.
[١٧٩٢] قوله: (عن عبد الله بن عبيد) بالتصغير (بن عمير) بالتصغير أيضًا الليثي المكي،
ثقة، من الثالثة، استشهد غازيًا سنة ثلاث عشرة ومئة.
(عن ابن أبي عمار) هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار بفتح العين، وتشديد
الميم المكي، حليف بني جمح الملقَّب بـ((القس)) ثقة عابد، من الثالثة.
قوله: (الضبع أصيد هي؟ قال: نعم) زاد في رواية أبي داود: ((ويجعل فيه كبش إذا صاده

٥١١
كتاب الأطعمة عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في أكْلِ الضَّبُعِ
قُلْتُ: آكُلُهَا؟ قَالَ: نَعَم، قال: قُلتُ له: أقَالَهُ رَسُولُ اللهِ وَلَ؟ قَالَ: نَعَم. [ن: ٢٨٣٦،
د بنحوه: ٣٨٠١، جه: ٣٢٣٦، حم: ١٣٧٥١، مي بنحوه: ١٩٤٢].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد ذَهَبَ بَعْضُ أهلِ العِلْمِ إلى هذا، وَلَمْ يَرَوْا بِأكْلِ الضَّبُعِ بَأْسًا، وهو قَوْلُ
أحمدَ، وإسحاقَ، ورُوِيَ عَن النبيِّ وَّهَ حَدِيثٌ فِي كَرَاهِيَةٍ أَكْلِ الضّبُعِ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ
بالقَوِيِّ، وقد كَرِهَ بَعْضُ أهلِ العِلْمِ أْلَ الضَّبُعِ، وهُوَ: قَوْلُ ابنِ المُبَارَكِ، قَالَ يَحْيَى
القَطَّانُ: وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ هذا الحدِيثَ عَن عَبْدِ الله بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَن ابنِ
أبي عَمَّارٍ، عَن جَابِرٍ، عَن عُمَرَ، قَوْلَهُ،
المحرم)» (قلت: آكلها) بصيغة المتكلم (قال: نعم) فيه: دليل على أن الضبع حلال؛ وبه قال
الشافعي، وأحمد.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه النسائي والشعبي وابن ماجه وابن حبان في
((صحيحه))، والبيهقي(١)، وقال الترمذي في «علله)): قال البخاري: حديث صحيح. انتهى.
وقال الحافظ: في ((التلخيص)). وصححه البخاري والترمذي وابن حبان وابن خزيمة(٢)
والبيهقي، وأعله ابن عبد البر(٣) بعبد الرحمن بن أبي عمار، فوهم؛ لأنه وثقه أبو زرعة
والنسائي، ولم يتكلم فيه أحد، ثم إنه لم ينفرد به. انتهى. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى
هذا، ولم يروا بأسًا بأكل الضبع.
(وهو قول أحمد وإسحاق) وهو قول الشافعي رحمه الله قال في ((النيل)): قال الشافعي:
مازال الناس يأكلونها، ويبيعونها بين الصفا والمروة من غير نكير؛ ولأن العرب تستطيبه
وتمدحه. انتهى.
(وروي عن النبي ◌َّير حديث في كراهية أكل الضبع ... إلخ) وهو حديث خزيمة بن جزء
الآتي بعد هذا.
(وقد كره بعض أهل العلم أكل الضبع؛ وهو قول ابن المبارك) وهو قول أبي حنيفة
(١) ابن حبان. حديث (٣٩٦٥)، والبيهقي في ((الكبرى)). حديث (٩٦٥٣).
(٢) ابن خزيمة. حديث (٢٦٤٥).
(٣) انظر ((التمهيد)) لابن عبد البر (١٥٢/١ - ١٥٣).

٥١٢
كتاب الأطعمة عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاء في أُكْلِ الضَّبُعِ
وحَدِيثُ ابنِ جُرَيْج أصَحُّ، وَابْنُ أَبِي عَمَّارٍ، هُوَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
أبِي عَمَّارٍ المَكِّيُّ.
[١٧٩٣] (١٧٩٢) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةَ، عَن إسماعيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَن
عَبْدِ الكَرِيمِ بْنِ أبي المخارق أبي أُمَيَّةَ، عَن حِبَّانَ بْنِ جَزْءٍ، عَن أخِيهِ خُزَيْمَةَ بْنِ جَزْءٍ،
رحمه الله ومالك رحمه الله، واستدل لهم: بحديث خزيمة بن جزء؛ وهو حديث ضعيف لا
يصح الاحتجاج به؛ كما ستقف عليه.
واستدل لهم أيضًا بأنه سبع. وقد نهى رسول الله وَليّ عن كل ذي ناب من السباع.
ویجاب: بأن حديث الباب خاص؛ فيقدم على حديث كل ذي ناب.
قال الخطابي في ((المعالم)): وقد اختلف الناس في أكل الضبع: فروي عن سعد بن
أبي وقاص: أنه كان يأكل الضبع، وروي عن ابن عباس: إياحة لحم الضبع، وأباح أكلها
عطاء والشافعي وأحمد وإسحاق [بن راهويه] وأبو ثور، وكرهه الثوري وأصحاب الرأي
ومالك، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب. واحتجوا: بأنه سبع، وقد نهى رسول الله وَلآدم
عن أكل كل ذي ناب من السباع.
قال الخطابي: وقد يقوم دليل الخصوص؛ فينزع الشيء من الجملة، وخبر جابر خاص،
وخبر تحريم السباع عام. انتهى.
وقال ابن رسلان: وقد قيل: إن الضبع ليس لها ناب، وسمعت من يذكر أن جميع
أسنانها عظم واحد؛ كصفيحة نعل الفرس؛ فعلى هذا لا يدخل في عموم النهي. انتهى.
(وحديث ابن جريج) أي: المرفوع المذكور في الباب (أصح) فإن ابن جريج قد تابعه
على رفعه إسماعيل بن أمية عند ابن ماجه. وأما جرير بن حازم: فلم يتابعه أحد على وقفه.
[١٧٩٣] قوله: (حدثنا أبو معاوية) اسمه محمد بن خازم الضرير الكوفي.
(عن إسماعيل بن مسلم) هو المكي أبو إسحاق البصري.
(عن حِبَّان) بكسر الحاء المهملة (بن جَزْء) بفتح الجيم، بعدها زاي ثم همزة، صدوق،
من الثالثة؛ قاله في ((التقريب)).
وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: أخرج له الترمذي وابن ماجه حديثًا واحدًا في
السؤال عن الضب والأرنب والضبع والذئب، وضعف إسناده الترمذي. انتهى.
(عن أخيه خزيمة بن جزء) صحابي، لم يصح الإسناد إليه؛ قاله في ((التقريب)).

٥١٣
كتاب الأطعمة عن رسول الله وَّهِ / باب مَا جَاءَ في أَكْلِ الضَّبُعِ
قَالَ: سألْتُ رسولَ الله وَلَةِ عَن أْلِ الضَّبُعِ؟ فَقَالَ: ((أو يَأْكُلُ الضَّبُعَ أحَدٌ؟)) وسَألْتُّهُ عَن
الذِّئْبِ؟ فقال: ((أو يَأْكُلُ الذِّئْبَ أحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ؟)). [ضعيف: جه: ٣٢٣٥].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بالقَوِيِّ، لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثٍ
إسماعيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَن عَبْدِ الكَرِيمِ أبي أُمَيَّةَ، وقد تكلّم بعض أهل الحديث في
إسماعيل، وعبد الكريم أبي أمية
وقال في (تهذيب التهذيب)) في ترجمته: روى عن النبي وَلّ وعنه أخواه: خالد، وحبان.
قال أبو منصور البارودي: لم يثبت حديثه؛ لأنه من حديث عبد الكريم بن أمية.
وقال البخاري في ((التاريخ)) لما ذكر حديثه في الحشرات: فيه نظر.
وقال البغوي: ولا أعلم له غيره. وقال الأزدي: لا يحفظ [أحد]. روى عنه إلا
((حبان))، ولا يحفظ له غير هذا الحديث. قال: وفي إسناده نظر. انتهى.
قوله: (سألت رسول الله ( * عن أكل الضبع؛ فقال: ويأكل الضبع أحد؟ ) بتقدير همزة
الاستفهام الإنکاري.
وفي ((المشكاة)): (أَوَ يَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ))؟ وفي رواية ابن ماجه (١): ((وَمَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ؟ »
(وسألته عن أكل الذئب) بالهمز، ويبدل (ويأكل). وفي ((المشكاة)): ((أَوَ يَأْكُلُ)) أي:
أجهلت حكمه أو يأكل (الذئب أحد فيه خير) أي: صلاح وتقوى، صفة ((أحد)). واستدل
بهذا الحديث من قال بحرمة الضبع. والحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج.
قوله: (هذا حديث ليس إسناده بالقوي، لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن مسلم عـ
عبد الكريم أبي أمية، وقد تكلم بعض أهل الحديث في إسماعيل وعبد الكريم أبي أمية).
قال الزيلعي في ((نصب الراية)» بعد نقل كلام الترمذي هذا: وضعفه ابن حزم؛ بأن
إسماعيل بن مسلم ضعيف، وابن أبي المخارق ساقط، وحبان بن جزء مجهول. انتهى.
وقال الحافظ في ((التقريب)) إسماعيل بن مسلم المكي: أبو إسحاق، ضعيف الحديث.
وقال في ((التلخيص)). وأما ما رواه الترمذي(٢) من حديث خزيمة بن جزء قال: ((أَيَأْكُلُ الضَّبُعَ
أَحَدٌ)». فضعيف؛ لاتفاقهم على ضعف عبد الکریم أبي أمية، والراوي عنه إسماعيل بن مسلم انتهى.
(١) ابن ماجه، كتاب الصيد. حديث (٣٢٣٧).
(٢) الترمذي، كتاب الأطعمة عن رسول الله. حديث (١٧٩٢).

٥١٤
كتاب الأطعمة عن رسول الله وَلاَّ / باب مَا جَاء في أكْلِ الضَّبُعِ
وهُوَ: عَبْدُ الكَرِيمِ بْنُ قَيْسٍ بْنِ أبي المُخَارِقِ، وَعَبْدُ الكَرِيمِ بْنُ مَالِكِ الجزَرِيُّ: ثِقَةٌ.
(وهو عبد الكريم بن قيس هو: ابن أبي المخارق) قال في ((التقريب)): عبد الكريم بن
أبي المُخَارق بضم الميم، وبالخاء المعجمة: أبو أمية المعلم البصري، نزيل ((مكة)). واسم
أبيه: قيس. وقيل: طارق، ضعيف، من السادسة.
وقد شارك الجزري في بعض المشايخ، فربما التبس به على من لا فهم له. انتهى.
(وعبد الكريم بن مالك الجزري ثقة) قال في ((التقريب)): عبد الكريم بن مالك الجزري:
أبو سعيد مولى بني أمية، وهو الخضرمي؛ بالخاء والضاد المعجمتين، نسبة إلى قرية من
((اليمامة)) ثقة متقن، من السادسة. انتهى.
تنبيه: قال القاري في ((المرقاة)) معترضًا على قول الترمذي: ليس إسناده بالقوى ما لفظه:
وفيه: أن الحسن أيضًا يستدل به على أن اجتهاد المستند إليه سابقًا يدل على أنه صحيح فى
نفس الأمر، وإن كان ضعيفًا بالنسبة إلى إسناد واحد من المحدثين، ويقويه رواية ابن
ماجه(١)، ولفظه: ((وَمَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ)). ويؤيده: أنه ذو ناب من السباع؛ فأكله حرام. ومع
تعارض الأدلة في التحريم والإباحة، فالأحوط حرمته.
وأما قوله - عليه السلام -: ((الضَّبُعُ لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ)) كما رواه الشيخان(٢)
وغيرهما؛ فيفيد ما اختاره مالك من أنه يكره أكله؛ إذ المكروه عنده ما أثم آكله، ولا يقطع
بتحريمه، ومقتضى قواعد أئمتنا: أن أكله مكروه كراهة تحريم؛ لا أنه حرام محض؛ لعدم
دليل قطعي مع اختلاف فقهي. انتهى كلام القاري بلفظه.
قلت: في كلام القاري هذا أوهام وأغلاط؛ فأما قوله: ((إن الحسن أيضًا يستدل به))،
ففيه: أنه لا شك أن الحديث الحسن يستدل به، لكن حديث خزيمة بن جزء هذا ليس
بحسن، بل هو ضعيف لا يصلح للاحتجاج؛ كما عرفت.
وأما قوله: ((إن اجتهاد المستند إليه سابقًا يدل على أنه صحيح في نفس الأمر ... إلخ))
ففاسد؛ وقد بينا فساده فيما سبق.
وأما قوله: ويقويه رواية ابن ماجه ولفظه: ((وَمَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ)) ففيه: أن في رواية ابن
ماجه أيضًا عبد الكريم، فكيف تقویه؟
(١) ابن ماجه، كتاب الصيد. حديث (٣٢٣٧).
(٢) البخاري، كتاب الذبائح والصيد. حديث (٥٥٣٦)، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح. حديث (١٩٤٣).

٥١٥
كتاب الأطعمة عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاء في أكْلِ الضَّبُعِ
وأما قوله: ((إنه ذو ناب من السباع)) فممنوع، وسند المنع حديث جابر المذكور في
الباب، ولو سلم أنه ذو ناب من السباع، فحرمته ممنوعة لهذا الحديث.
وأما قوله: ((ومع تعارض الأدلة في التحريم والإباحة فالأحوط حرمته)) فيه: أن هذا إذا
كان دليل الحرمة، ودليل الإباحة كلاهما صحيحين، ممنوع.
وأما قوله: ((إن قوله - عليه الصلاة والسلام -: الضَّبُعُ لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ))؛ كما رواه
الشيخان وغيرهما يفيد ... إلخ)) ففيه وهم فاحش؛ فإنه لم يرو الشيخان ولا غيرهما: ((الضَّبُعُ
لَسْتُ آلْلُ وَلَا أُحَرِّمُهُ))، بل رووا: ((الضَّبُّ لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ)). والضب غير الضبع.
قال الحافظ ابن القيم في ((الأعلام)): وأما الضبع: فروي عنه فيها حديث صححه كثير
من أهل العلم بالحديث؛ فذهبوا إليه، وجعلوه مخصصًا لعموم أحاديث التحريم؛ كما
خصصت العرايا الأحاديث المزابنة. وطائفة لم تصححه، وحرموا الضبع؛ لأنها من جملة
ذات الأنياب.
وقالوا: وقد تواترت الآثار عن النبي وَ ه بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع،
وصحت صحة لا مطعن فيها من حديث علي وابن عباس وأبي هريرة وأبي ثعلبة الخشني.
قالوا: وأما حديث الضبع، فتفرد به عبد الرحمن بن أبي عمارة، وأحاديث تحريم ذوات
الأنياب كلها تخالفه.
قالوا: ولفظ الحديث يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون جابر رفع الأكل إلى النبي - صل 1 - وأن يكون إنما رفع إليه كونه صيدًا
فقط، ولا يلزم من كونها صيدًا جواز أكلها، فظن جابر أن كونها صيدًا يدل على أكلها،
فأفتى به من قوله، ورفع إلى النبي - وَلير - ما سمعه من كونها صيدًا.
فروى الترمذي(١) عن عبد الرحمن بن أبي عمارة قال: قلت لجابر بن عبد الله آكل
الضبع؟ قال: نعم. قلت: أصيد هي؟ قال: نعم. قلت: أسمعت ذلك من رسول الله وَلّ؟
قال: نعم. وهذا يحتمل أن المرفوع منه هو كونها صيدًا، ويدل على ذلك أن جرير بن حازم
قال: عن عبيد بن عمير، عن ابن أبي عمار، عن جابر، عن رسول الله وَّ ه أنه سئل عن
الضبع؛ فقال: ((هِيَ صَيْدٌ وَفِيهَا كَبْشٌ)).
(١) الترمذي، كتاب الحج. حديث (٨٥١).

٥١٦
كتاب الأطعمة عن رسول الله وَّ﴿ / باب مَا جَاء في أكْلِ الضَّبُعِ
قالوا: وكذلك حديث إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابر يرفعه: ((الضَّبُعُ صَيْدٌ إِذَا أصَابَهُ
المُحْرِمُ فَفِيهِ جَزَاءُ كَبشٍ مُسِنّ وَيُؤْكَلُ)).
قال الحاكم(١): حديث صحيح. وقوله: ((ويؤكل)) يحتمل الوقف والرفع، وإذا احتمل
ذلك لم يعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تبلغ التواتر في التحريم.
قالوا: ولو كان حديث جابر صريحًا في الإباحة، لكان فردًا، وأحاديث تحريم ذوات
الأنياب مستفيضة متعددة، ادعى الطحاوي وغيره تواترها؛ فلا يقدم حديث جابر عليها .
قالوا: والضبع من أخبث الحيوان وأشرهه، وهو مُغْرَى بأكل لحوم الناس، ونبش قبور
الأموات وإخراجهم وأكلهم، ويأكل الجيف، ويكسر بنابه.
قالوا: والله - سبحانه - قد حرم علينا الخبائث، وحرم رسول الله وَل ذوات الأنياب،
والضبع لا يخرج عن هذا وهذا.
قالوا: وغاية حديث جابر: يدل على أنها صيد يفدى في الإحرام، ولا يلزم من ذلك
أكلها، وقد قال بكر بن محمد: سئل أبو عبد الله؛ يعني: الإمام أحمد؛ عن محرم قتل ثعلبًا .
فقال: عليه الجزاء، هي صيد، ولكن لا يؤكل.
وقال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله؛ سئل عن الثعلب. فقال: الثعلب سبع؛ فقد
نص على أنه سبع، وأنه يفدى في الإحرام، ولما جعل النبي ◌َّ* في الضبع، كبشًا، ظن جابر
أنه یؤکل؛ فأفتی به.
والذين صححوا الحديث جعلوه مخصصًا لعموم تحريم ذي الناب من غير فرق بينهما؛
حتى قالوا: ويحرم أكل كل ذي ناب من السباع إلا الضبع، وهذا لا يقع مثله في الشريعة أن
يخصص مثلًا على مثل من كل وجه من غير فرقان بينهما، وبحمد الله إلى ساعتي هذه ما
رأيت في الشريعة مسألة واحدة كذلك، أعني: شريعة التنزيل لا شريعة التأويل، ومن تأمل
ألفاظه وَّ الكريمة، تبين له اندفاع هذا السؤال؛ فإنه إنما حرم ما اشتمل على الوصفين أن
يكون له ناب، وأن يكون من السباع العادية بطبعها؛ كالأسد والذئب والنمر والفهد. وأما
الضبع: فإنما فيها أحد الوصفين؛ وهو كونها ذات ناب، وليست من السباع العادية، ولا
ريب أن السباع أخص من ذوات الأنياب. والسبع إنما حرم؛ لما فيه من القوة السبعية التي
(١) الحاكم. حديث (١٦٦٣) وقال: صحيح.

٥١٧
كتاب الأطعمة عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاء في أكْلِ لُّحُومِ الخَيْلِ
٥- باب مَا جَاء في أكْلٍ لُحُومِ الخَيْلِ [ت ٥، ٥٢]
[١٧٩٤] (١٧٩٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ونَصْرُ بْنُ عليٍّ، قالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن عَمْرِو بْنِ
دِينَارٍ، عَن جَابِرٍ، قَالَ: أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللهِ وَلِّ لُحُومَ الخَيْلِ،
تورث المغتذي بها شبهها؛ فإن الغاذي شبيه بالمغتذي، ولا ريب أن القوة السبعية التي في
الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية بينهما في التحريم، ولا
يعد الضبع من السباع لغة وعرفًا. انتهى ما في ((الأعلام)).
قلت: في أقوال المحرمين التي نقلها الحافظ ابن القيم خدشات:
أما قولهم: ((إن حديث الضبع انفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار)) ففيه: أنه ثقة، ولم
یتفرد به .
قال الحافظ في ((التلخيص)): وأعله ابن عبد البر بعبد الرحمن بن أبي عمارٍ، فوهم؛ لأنه
وثقه أبو زرعة والنسائي، ولم يتكلم فيه أحد، ثم إنه لم ينفرد به. انتهى.
وقال في ((الفتح)): وقد ورد في حل الضبع أحاديث لا بأس بها. انتهى.
وأما قولهم: ((لفظ الحديث يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون جابر رفع الأكل إلى
النبي ◌َّ وأن يكون إنما رفع إليه كونها صيدًا فقط)) ففيه: أن ظاهر لفظ الحديث يدل على أن
جابرًا - ظُبه - رفع الأكل، وكونها صيدًا كليهما إلى النبي وَله، ويؤيده: رواية أحمد(١)؛
بلفظ: سألت جابر بن عبد الله عن الضبع. فقال: حلال. فقلت عن رسول الله وَالله؟ قال:
نعم .
وأما قولهم: ((والضبع لا يخرج عن هذا وهذا)) ففيه: أن حديث جابر المذكور صحيح
ثابت قابل للاحتجاج، فخروج الضبع عن هذا وهذا ظاهر. وللفريقين مقالات أخرى في
ذكرها طول.
٥ - باب مَا جَاءَ فيِ أَكْلٍ لحُومِ الخَيْل
[١٧٩٤] قوله: (قالا: حدثنا سفيان) هو: ابن عيينة.
قوله: (أطعمنا رسول الله وَ ﴿ لحوم الخيل) وفي رواية البخاري: ((رخص في لحوم
الخيل)) وفي رواية مسلم: ((أذن)) بدل ((رخص)).
(١) أحمد. حديث (١٣٧٥١).

٥١٨
كتاب الأطعمة عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في أكْلِ لُحُومِ الخَيْلِ
وفي حديث ابن عباس عند الدارقطني(١): ((أمر)).
قال الطحاوي في ((شرح الآثار)): وذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل، وخالفه
صاحباه وغيرهما واحتجوا بالأخبار المتواترة في حلها، ولو كان ذلك مأخوذًا من طريق
النظر، لما كان بين الخيل والحمر الأهلية فرق، ولكن الآثار إذا صحت عن رسول الله وَيه
وتواترت. أولى أن يقال بها من النظر، ولا سيما إذ قد أخبر جابر أنه رَّ أباح لهم لحوم
الخيل في الوقت الذي منعهم فيه من لحوم الحمر الأهلية؛ فدل ذلك على اختلاف حكمهما .
انتهى كلام الطحاوي.
قلت: الأمر كما قال الطحاوي، ولا شك أن القول بحل أكل لحوم الخيل من دون
كراهة هو الحق؛ لأحاديث الباب التي هي صحيحة صريحة في الحل؛ وهو قول جمهور أهل
العلم، وقد نقل الحل بعض التابعين عن الصحابة من غير استثناء أحد.
فأخرج ابن أبي شيبة(٢) بإسناد صحيح على شرط الشيخين، عن عطاء قال: لم يزل
سلفك یأکلونه.
قال ابن جريج: قلت له: أصحاب رسول الله وَّه؟ فقال: نعم. ذكره الحافظ في
((الفتح)).
قال النووي: اختلف العلماء في إباحة لحوم الخيل: فمذهب الشافعي، والجمهور من
السلف والخلف: أنه مباح لا كراهة فيه؛ وبه قال عبد الله بن الزبير، وفضالة بن عبيد،
وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر، وسويد بن غفلة، وعلقمة، والأسود، وعطاء،
وشريح، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وحماد بن سلمان، وأحمد،
وإسحاق، و[أبو ثور]، وأبو يوسف، ومحمد، وداود، وجماهير المحدثين وغيرهم.
وكرهها طائفة منهم: ابن عباس، والحكم، ومالك وأبو حنيفة.
قال أبو حنيفة: يأثم بأكله، ولا يسمى حرامًا. انتهى كلام النووي.
وقال الحافظ: وصح الكراهة عن الحكم بن عيينة ومالك، وبعض الحنفية، وعن بعض
المالكية والحنفية التحريم.
(١) الدارقطني في ((السنن)) (٢٨٩/٤). حديث (٧٣).
(٢) ابن أبي شيبة (١٢١/٥) بنحوه.

٥١٩
كتاب الأطعمة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في أكْلٍ لُحُومِ الخَيْلِ
-
وقال الفاكهي: المشهور عند المالكية: الكراهة، والصحيح عند المحققين منهم :
التحريم. انتهى.
وقال العيني في ((شرح البخاري)) في ((باب: لحوم الخيل)): قيل الكراهة عند أبي حنيفة
كراهة تحریم. وقيل: كراهة تنزيه.
وقال فخر الإسلام، وأبو معين: هذا هو الصحيح. قال: وأخذ أبو حنيفة في ذلك بقوله
تعالى: ﴿وَالْخَيَّلَ وَالِْغَالَ وَالْحَمِيَرَ لِّكَبُوهَا وَزِينَةٌ﴾ [النحل: ٨] خرج مخرج الامتنان، والأكل من
أعلى منافعها، والحكيم لا يترك الامتنان بأعلى النعم، ويمتن بأدناها .
قال: واحتج أيضًا بحديث أخرجه أبو داود(١)، عن خالد بن الوليد؛ أن رسول الله وَله
نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير.
وأخرجه النسائي وابن ماجه والطحاوي، ولما رواه أبو داود سكت عنه، فسكوته دلالة
رضاه به، ويعارض حديث جابر والترجيح للمُحرم. انتهى.
وقال العيني: وفي غزوة: خيبر مثل هذا، وقال: سند حديث خالد جيد ولهذا لما
أخرجه أبو داود سكت عنه؛ فهو حسن عنده. انتهى.
قلت: قول العيني: ((سند حدیث خالد جید)) لیس بجید، ولیس ممَّا یلتفت إليه؛ فإن مدار
هذا الحديث على صالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب، وصالح هذا قال البخاري:
فيه نظر؛ كما في ((تهذيب التهذيب)).
وقال ابن الهمام في ((التحرير)): إذا قال البخاري للرجل: ((فيه نظر)) فحديثه لا يحتج به،
ولا یستشهد به، ولا یصح للاعتبار. انتھی.
فحديث خالد هذا لا يصلح للاحتجاج، ولا للاستشهاد، ولا للاعتبار.
وقد ضعفه أحمد، والبخاري، والدارقطني، والخطابي، وابن عبد البر، وعبد الحق
وآخرون؛ فلا يصح لمعارضة حديث جابر وغيره من أحاديث الباب.
فإن قلت: قال العيني: وصالح هذا وثقه ابن حبان، وحديثه حسن عند أبي داود. فإذا
كان كذلك صحت المعارضة؛ فإذا تعارضا يرجح المحرم.
(١) أبو داود، كتاب الأطعمة. حديث (٣٧٩٠)، والنسائي كتاب الصيد والذبائح، حديث (٤٣٣١)، وابن ماجه
كتاب الذبائح، حديث (٣١٩٨)، والطحاوي في ((معاني الآثار)). حديث (٥٩٣٧).

٥٢٠
كتاب الأطعمة عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في أكْلٍ لُحُومِ الخَيْلِ
وَنَهَانَا عَن لُحُوم الحُمُرِ. [خ: ٤٢١٩، م: ١٩٤١، ن: ٤٣٤٠، د: ٣٧٨٨، جه بنحوه: ٣١٩١،
حم: ١٤٠٤١، مي: ١٩٩٣].
قَالَ: وفي البابِ: عَن أسْمَاء بِنْتِ أبِي بَكْرٍ .
قلت: توثيق ابن حبان صالحًا هذا، وسكوت أبي داود على حديثه لا يزن بشيء في
جنب قول البخاري: ((فيه نظر))، وتضعيف الأئمة المذكورين؛ ولذلك لم يسكت عنه المنذري
في ((تلخيص السنن))، بل قال: قال أبو داود هذا منسوخ، وقال الإمام أحمد: هذا حديث
منكر .
وقال البخاري: صالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب الكندي الشامي عن أبيه فيه
نظر .
وذكر الخطابي : أن حديث جابر إسناده جيد.
وأما حديث خالد بن الوليد: ففي إسناده نظر، وصالح بن يحيى بن المقدام، عن أبيه
عن جده لا يعرف سماع بعضهم عن بعضهم.
وقال موسى بن هارون الحافظ: لا يعرف صالح بن يحيى، ولا أبوه إلا بجده.
وقال الدارقطني: هذا حديث ضعيف.
وقال الدار قطني أيضًا: هذا إسناد مضطرب. وقال الواقدي: لا يصح هذا؛ لأن خالدًا
أسلم بعد فتح ((مكة)).
وقال البخاري: خالد لم يشهد ((خيبر)). وكذلك قال الإمام أحمد بن حنبل: لم يشهد
((خيبر))، إنما أسلم بعد الفتح.
وقال أبو عمر النمري: ولا يصح لخالد بن الوليد مشهد مع رسول الله وَّر قبل الفتح.
وقال البيهقي: إسناده مضطرب، ومع اضطرابه مخالف لحديث الثقات. انتهى.
(ونهانا عن لحوم الحمر) أي: الأهلية. وسيأتي حكم الحمر الأهلية في الباب الذي
بعده .
قوله: (وفي الباب عن أسماء بنت أبي بكر) أخرجه البخاري(١): قالت: ذبحنا على عهد
رسول الله ◌َّ﴿ فرسًا، ونحن بـ ((المدينة)) فأكلناه. وأخرجه مسلم أيضًا.
(١) البخاري، كتاب الصيد والذبائح. حديث (٥٥١١)، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح. حديث (١٩٤٢).