النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ كتاب الجهاد عن رسول الله رَّهِ / باب مَا جَاء في الفَيْءِ [١٧١٩] (١٧١٩) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عمرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بنُ عيينة، عَن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ، عَن ابنِ شهَابٍ، عَن مَالِكِ بنِ أوْسٍ بنِ الحَدَثَانِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بن الخطّابِ يَقُولُ: كَانَت أمْوالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أفاء الله على رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِف المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ ولا رِكَابٍ، فكانَتْ لِرَسُولِ الله وَّهِ خَالِصًا، فَكَانَ رَسُولُ الله وٌَّ: يَعْزِلُ نَفَقَةَ أهْلِهِ سَنَةً، ثُمَّ يَجْعَلُ ما بَقِيَ في الكُرَاعِ والسِّلَاحِ عُدَّةً في سَبيلِ الله . [خ: ٢٩٠٤، م: ١٧٥٧، د: ٢٩٦٥، ن: ٤١٥١، حم: ١٧٢] . وقال: الغنيمة: ما أصيب من أموال أهل الحرب، وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب. يقال: غنمت أغنم غنمًا وغنيمة، والغنائم جمعها، والمغانم جمع: مغنم. والغُنْمُ بالضم: الاسم، وبالفتح المصدر. والغانم: آخذ الغنيمة، والجمع: الغانمون. انتهى. [١٧١٩] قوله: (عن مالك بن أوس بن الحدثان) بفتح المهملة، والمثلثة النصري بالنون المدني، له رؤية، وروى عن عمر؛ قاله في ((التقريب)). (مما لم يوجف المسلمون عليه) في ((النهاية)): الإيجاف: سرعة السير، وقد أوجف دابته يوجفها إيجافًا؛ إذا حثَّها. انتهى. (بخيل ولا ركاب) قال في ((القاموس)): الركاب كـ ((كتاب)): الإبل، واحدتها: راحلة ج كـ ((كُتُب)) وركابات وركائب. انتهى (فكانت لرسول الله وَ ﴿ خالصًا) كذا في نسخ الترمذي بالتذكير. وفي رواية للبخاري: ((خالصة)) بالتأنيث؛ وهو الظاهر. وفي رواية أخرى ((له خاصة)) . (ثم يجعل ما بقي في الكراع، والسلاح عدة في سبيل الله) الكُرَاعُ بالضم: اسم لجميع الخيل؛ كذا في ((النهاية)): والعدة: ما أعد للحوادث أهبة وجهازًا للغزو. وقال الحافظ: وهذا لا يعارض حديث عائشة: أنه وَّ توفي ودرعه مرهونة على شعير؛ لأنه يجمع بينهما؛ بأنه كان يدخر لأهله قوت سنتهم، ثم في طول السنة يحتاج لمن يطرقه إلى إخراج شيء منه، فيخرجه؛ فيحتاج إلى أن يعوض من يأخذ منها عوضه؛ فلذلك استدان. انتهى. وقال السيوطي: لا يعارضه خبر؛ أنه كان لا يدخر شيئًا لغد؛ لأن الادخار لنفسه، وهذا لغيره. وقال النووي: في هذا الحديث جواز إدخار قوت سنة، وجواز الادخار للعيال، وأن هذا ٣٨٢ كتاب الجهاد عن رسول اللّه ◌َّرِ / باب مَا جَاء في الفَيْءِ قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، ورَوَى سُفيانُ بن عُيَينة هذا الحَدِيثَ عَن مَعْمَرٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ. لا يقدح في التوكل. وأجمع العلماء على جواز الادخار فيما يستغله الإنسان من قريته؛ كما جرى للنبي وَلهو. وأما إذا أراد أن يشتري من السوق ويدخره لقوت عياله، فإن كان في وقت ضيق الطعام لم يجز، بل يشتري ما لا يضيق على المسلمين؛ كقوت أيام أو شهر. وإن كان في وقت سعة، اشترى قوت سنة، وأكثر؛ هكذا نقل القاضي هذا التفصيل عن أكثر العلماء. وعن قوم: إباحته مطلقًا. انتهى. واختلف العلماء في مصرف الفيء: فقال مالك: الفيء والخمس سواء، يجعلان في بيت المال، ويعطي الإمام أقارب النبي ◌َّه بحسب اجتهاده. وفرق الجمهور بين خمس الغنيمة، وبين الفيء. فقالوا: الخمس موضوع فيما عينه الله فيه؛ من أصناف المسلمين في آية الخمس من سورة ((الأنفال))، لا يتعدى به إلى غيرهم. وأما الفيء: فهو الذي يرجع النظر في مصرفه إلى رأي الإمام؛ بحسب المصلحة. وانفرد الشافعي؛ كما قال ابن المنذر وغيره: بأن الفيء يخمس، وأن أربعة أخماس للنبي وَّ وله خمس الخمس؛ كما في الغنيمة، وأربعة أخماس الخمس لمستحق نظيرها من الغنيمة. وقال الجمهور: مصرف الفيء كله إلى رسول الله وَّر، واحتجوا بقول عمر: فكانت هذه لرسول الله ومصلحة خاصة. وتأول الشافعي قول عمر المذكور؛ بأنه يريد الأخماس الأربعة؛ كذا في ((الفتح)). قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، وأبو داود، والنسائي. ٣٨٣ كتاب اللباس عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في الحَرِيرِ والذَّهَبِ (٢٥) كتاب اللباس عن رسول اللّه وَاريخ :- ١- باب مَا جَاء في الحَرِيرِ والذَّهَبِ (ت ١، ٢ ١] [١٧٢٠] (١٧٢٠) حَدَّثَنَا إسحاقُ بْنُ منصورٍ، حَدَّثَنَا عبدُ الله بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ عُمَرَ، عَن نَافِعٍ، عَن سَعيدِ بْنِ أبِي هِنْد، عَن أبي موسى الأشعَرِيِّ، أنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قَالَ: ((حُرِّمَ لِبَاسُ الحَرِيرِ والذّهَب على ذُكُورٍ أُمَّتِي وَأُحِلَّ لإِنَائِهِمْ)). [ن: ٥١٦٣، جه بنحوه: ٣٥٩٥] . قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن عُمَرَ، وعَليٍّ، وعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وأنسٍ، وحُذَيْفَةَ، وأُمّ هانئ، وعبدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وعبدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، وجابرٍ، وأبي رَيْحَانَة، وابنٍ عُمَرَ، وواثلة بْنِ الأسقع، ٢٥ - كِتَابُ اللَّاسِ تمن رَسُولِ الله صَلى الله وَسيِّلة ـلة ١ - باب مَا جَاءَ في الحَرِيرِ والذَّهَبِ لِلرِّجَالِ · [١٧٢٠] قوله: (حرم لباس الحرير والذهب) بالرفع عطف على ((لباس الحرير)) (على ذكور أمتي) والذكور بعمومه: يشمل الصبيان أيضًا، لكنهم حيث لم يكونوا من أهل التكليف، حرم على من ألبسهم. والمراد بالذهب: حلية، وإلا فالأواني من الذهب والفضة حرام على الذكور والإناث، وكذا حلي الفضة مختص بالنساء، إلا ما استثني للرجال من الخاتم وغيره (وأحل) أي: ما ذُكر، أو كل منهما. (لإناثهم) بكسر الهمزة؛ أي: لإناث أمتي. قوله: (وفي الباب عن عمر، وعلي، وعقبة بن عامر، وأم هانئ، وأنس، وحذيفة، وعبد الله بن عمرو، وعمران بن حصين، وعبد الله بن الزبير، وجابر، وأبي ريحانة، وابن عمر، والبراء) . ٣٨٤ كتاب اللباس عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاء في الحَرِيرِ والذَّهَبِ أما حديث عمر(١)، وأنس(٢)، وابن الزبير(٣): فأخرجه الشيخان؛ ففي ((المشكاة)): وعن عمر، وأنس، وابن الزبير، وأبي أمامة (٤) عن النبي وَّ قال: ((مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ)). متفق عليه. انتهى. وأما حديث علي - رَّتُه - فأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان(٥)، ولفظه: أن النبي وَ ل﴿ل أخذ حريرًا؛ فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا؛ فجعله في شماله، ثم قال: ((إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورٍ أُمَّتِي)) . وأما حديث عقبة بن عامر(٦): فأخرجه الشيخان. وأما حديث أم هانىء(٧): فأخرجه أحمد. وأما حديث حذيفة(٨)، والبراء (٩): فأخرجه الجماعة. وأما حديث عبد الله بن عمرو(١٠): فأخرجه ابن ماجه، والبزار، وأبو يعلى، والطبراني، وفي إسناده الإفريقي، وهو ضعيف. وأما حديث عمران بن حصين(١١): فأخرجه أحمد، وأبو داود. وأما حديث جابر(١٢): فأخرجه أحمد. (١) البخاري، كتاب اللباس. حديث (٥٨٣٤)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة. حديث (٢٠٦٩). (٢) البخاري، كتاب اللباس. حديث (٥٨٣٢)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة. حديث (٢٠٧٣). (٣) البخاري، كتاب اللباس. حديث (٥٨٣٣). (٤) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة. حديث (٢٠٧٤). (٥) أحمد. حديث (٩٣٧)، وأبو داود، كتاب اللباس. حديث (٤٠٥٧)، والنسائي، كتاب الزينة، حديث (٥١٤٤)، وابن ماجه، كتاب اللباس، حديث (٣٥٩٥). (٦) البخاري، كتاب مسند الشاميين. حديث (٣٧٥)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة. حديث (٢٠٧٥). (٧) الطبراني في ((الكبير)) (٤٣٧/٢٤) حديث (١٠٦٩)، وقال الهيثمي (١٤٢/٥): وفيه يزيد بن أبي زياد، وقد وثق على ضعفه وبقية رجاله ثقات. (٨) البخاري، كتاب الأشربة، حديث (٥٦٣٣)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، حديث (٢٠٦٧)، وسيأتي برقم (١٨٧٨). (٩) أحمد. حديث (١٨٠٣٤). (١٠) ابن ماجه، كتاب اللباس. حديث (٣٥٩٧). (١١) أحمد. حديث (١٩٤٧٨)، وأبو داود كتاب اللباس. حديث (١٧٣٨). (١٢) أحمد. حديث (١٤٢١٠). ٣٨٥ كتاب اللباس عن رسول الله وَِّ﴿ / باب مَا جَاء في الحَرِيرِ والذَّهَبِ وحديث أبي موسی حدیث حسنٌ صحيحٌ. [١٧٢١] (١٧٢١) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنَا أبي، عَن قَتَادَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَن سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، عَن عُمَرَ؛ أنَّهُ خَطَبَ بَالجَابِيَةِ فَقَالَ: نَهَى نِبِيُّ الله ◌َِّ عَنِ الحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ أُصْبَعَيْنِ وأما حديث أبي ريحانة(١): فأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي. وأما حديث ابن عمر(٢): فأخرجه الشيخان عنه، قالا: قال رسول الله عَ لٍ: ((إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة». قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والحاكم، وصححه والطبراني(٣)، وفي إسناده: سعيد بن أبي هند عن أبي موسى. قال أبو حاتم: إنه لم يلقه، وقال الدارقطني في ((العلل)): لم يسمع سعيد بن أبي هند من أبي موسى. وقال ابن حبان في ((صحيحه))(٤): حديث سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى معلول لا يصح، وقد روي من طريق يحيى بن سليم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر؛ ذكر ذلك الدارقطني في ((العلل))، قال: والصحيح عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى، وقد اختلف فيه على نافع؛ فرواه أيوب وعبيد الله بن عمر عن نافع عن سعيد مثله. ورواه عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن سعيد، عن رجل، عن أبي موسى؛ كذا في ((النيل)). [١٧٢١] قوله: (عن سويد بن غفلة) بفتح المعجمة والفاء. كنيته: أبو أمية الجعفي، مخضرم، من كبار التابعين، قدم ((المدينة)) يوم دفن النبي ◌ّ﴿ وكان مسلمًا في حياته، ثم نزل ((الكوفة))، ومات سنة ثمانين، وله مئة وثلاثون سنة؛ كذا في ((التقريب)). قوله: (بالجابية) بالجيم وكسر الموحدة مدينة بـ ((الشام)) إلا موضع (أصبعين) أي: مقدار (١) أحمد. حديث (١٦٧٥٨)، وأبو داود، كتاب اللباس. حديث (٤٠٤٩)، والنسائي كتاب الزينة، حديث (٥١١٢). (٢) البخاري، كتاب البيوع. حديث (٢١٠٤)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة. حديث (٢٠٦٨). (٣) الطبراني في «الأوسط)). حديث (٨٩٢٤). (٤) ابن حبان في ((صحيحه)) تحت حديث (٥٤٣٤). ٣٨٦ كتاب اللباس عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في الحَرِيرِ والذَّهَبِ أو ثلاثٍ أو أرْبَعٍ. [م: ٢٠٦٩]. قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. أصبعين (أو ثلاث أو أربع) أو هاهنا للتنويع والتخيير. وفيه: دلالة على إباحة العلم من الحرير في الثوب، إذا لم يزد على أربع أصابع؛ وعليه الجمهور. قال قاضي خان: روى بشر عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، أنه لا بأس بالعَلَم من الحرير في الثوب، إذا كان أربع أصابع أو دونها، ولم يحك فيها خلافًا؛ كذا قال القاري في ((المرقاة)). وقال النووي في ((شرح مسلم)): في هذه الرواية إباحة العَلَم من الحرير في الثوب، إذا لم يزد على أربع أصابع؛ وهذا مذهبنا، وهو مذهب الجمهور. وعن مالك: رواية بمنعه، وعن بعض أصحابه: رواية بإباحة العلم بلا تقدير بأربع أصابع، بل قال: يجوز، وإن عظم؛ وهذان القولان مردودان بهذا الحديث الصريح. والله تعالى أعلم. انتهى. وقال الحافظ في ((فتح الباري)): وفيه حجة لمن أجاز لبس العَلَم من الحرير، إذا كان في الثوب، وخصه بالقدر المذكور، وهو أربع أصابع؛ وهذا هو الأصح عند الشافعية. وفيه: حجة على من أجاز العلم في الثوب مطلقًا، ولو زاد على أربعة أصابع؛ وهو منقول عن بعض المالكية. وفيه: حجة على من منع العَلَم في الثوب مطلقًا؛ وهو ثابت عن الحسن، وابن سيرين، وغيرهما. ولكن يحتمل أن يكونوا منعوه وَرَعًا، وإلا فالحديث حجة عليهم؛ فلعلّهم لم يبلغهم. انتهى. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم. قال النووي: هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم، وقال: لم يرفعه عن الشعبي إلا قتادة؛ وهو مدلس. ورواه شعبة، عن أبي السفر، عن الشعبي من قول عمر موقوفًا . ورواه بيان، وداود بن أبي هند، عن الشعبي، عن سويد بن عمر موقوفًا عليه. وكذا قال شعبة، عن الحكم، عن خيثمة، عن سويد. وقاله ابن عبد الأعلى، عن سويد، وأبو حصين، عن إبراهيم، عن سويد؛ هذا كلام الدار قطني. وهذه الزيادة في هذه الرواية انفرد بها مسلم لم يذكرها البخاري، وقد قدمنا أن الثقة إذا انفرد برفع ما وقفه الأكثرون؛ كان الحكم ٣٨٧ كتاب اللباس عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في الرُّخصة في لُبْسِ الحَرِيرِ فِي الحَرْبِ ٢ - باب مَا جَاء في الرُّخصة في لُبْسِ الحَرِيرِ في الحَرْبِ [ت ٢، م ٢] [١٧٢٢] (١٧٢٢) حَدَّثَنَا مَحمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عبدُ الصَّمَد بْنُ عبدِ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَن أَنَسِ بْنِ مالكٍ؛ أنَّ عبدَ الرَّحمنِ بْنَ عَوْفٍ والزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ شَكَيَا القَمْلَ إلى النَّبِّ وَّهِ فِي غَزَاةٍ لهما، فَرَخّصَ لهما في قُمُصِ الحَرِيرِ؟ قَالَ: ورأيْتُهُ علَيهما. (خ: ٢٩٢٠، م: ٢٠٧٦، ن بنحوه: ٥٣٢٥، د بنحوه: ٤٠٥٦ جه بنحوه: ٣٥٩٢، حم: ١١٨٢١] . لروايته، وحكم بأنه مرفوع على الصحيح الذي عليه الفقهاء، والأصوليون، ومحققو المحدثين؛ وهذا من ذاك، والله أعلم. انتهى. قلت: لم يجب النووي عن تدليس قتادة، إلا أنه قال في مقدمة شرحه: اعلم أن ما في ((الصحيحين)) عن المدلسين بـ((عن)) ونحوها فمحمول على ثبوت السماع من جهة أخرى، وقد جاء كثير منه في ((الصحيحين)) بالطريقين جميعًا، فيذكر رواية المدلس ثم يذكرها بالسماع، ويقصد به هذا المعنى الذي ذكرته. انتهى. ٢ - باب مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ في لُبْس الحَرِيرِ ي الحَرْبِ [١٧٢٢] قوله: (شكيا القمل) قال في ((الصراح)): قمل سبس قملة يكي. انتھی (فرخص لهما في قُمُص الحرير) بضم القاف والميم، جمع: قميص. وفي رواية عند الشيخين(١): ((رخص رسول الله وَّ﴾ للزبير، وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير؛ لحكَّة بهما)). ورجح ابن التين الرواية التي فيها الحكة، وقال: لعل أحد الرواة تأولها، فأخطأ. وجمع الداودي باحتمال أن يكون إحدى العلتين بأحد الرجلين. وقال ابن العربي: قد ورد أنه أرخص لكلٍّ منهما فالإفراد يقتضي أن لكل حكمة. قال الحافظ في ((الفتح)): ويمكن الجمع: بأن الحكة حصلت من القمل؛ فنسبت العلة تارة إلى السبب، وتارة إلى سبب السبب. انتهى. وقد ترجم الإمام البخاري في ((صحيحه)) باب: ((الحرير في الحرب))، وروى فيه حديث الباب من خمس طرق: وفي بعضها: أن عبد الرحمن والزبير شكيا إلى النبي ◌َّر؛ يعني: القمل فأرخص لهما في الحرير، فرأيته عليهما في غَزَاةٍ. (١) البخاري، كتاب الجهاد والسير. حديث (٢٩٢٢)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة. حديث (٢٠٧٦). ٣٨٨ كتاب اللباس عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في الرُّخصة في لُبْسِ الحَرِيرِ فِي الحَرْبِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. قال الحافظ في ((الفتح)): وأما تقييده بالحرب، فكأنه أخذه من قوله [في رواية همام]: فرأيته عليهما في غزاة. ووقع في رواية أبي داود: ((في السفر من حكة)). وجعل الطبري جوازه في الغزو مستنبطًا من جوازه للحكة؛ فقال: دلّت الرخصة في لبسه؛ بسبب الحكة: أن من قصد بلبسه ما هو أعظم من أذى الحكة؛ كدفع سلاح العدو ونحو ذلك؛ فإنه يجوز. وقد تبع الترمذي البخاري، فترجم له: باب: ((ما جاء في لبس الحرير في الحرب)). ثم المشهور عن القائلين بالجواز: أنه لا يختص بالسفر. وعن بعض الشافعية: يختص. وقال القرطبي: الحديث حجة على من منع، إلا أن يدعي الخصوصية بالزبير، وعبد الرحمن؛ ولا تصح تلك الدعوى. قال الحافظ: قد جنح إلى ذلك عمر؛ فروى ابن عساكر من طريق ابن عوف، عن ابن سيرين؛ أن عمر رأى على خالد بن الوليد قميص حرير؛ فقال: ما هذا. فذكر له خالد قصة عبد الرحمن بن عوف. فقال: وأنت مثل عبد الرحمن، أو لك مثل ما لعبد الرحمن. ثم أمر من حضره فمزقوه. ورجاله ثقات، إلا أنَّ فيه انقطاعًا . وفيه اختلف السلف في لباسه: فمنع مالك، وأبو حنيفة مطلقًا . وقال الشافعي، وأبو يوسف بالجواز؛ للضرورة، وحكى ابن حبيب، عن ابن الماجشون: أنه يستحب في الحرب. وقال المهلب: لباسه في الحرب؛ لإرهاب العدو؛ وهو مثل الرخصة في الاحتيال في الحرب. ووقع في كلام النووي تبعًا لغيره: أن الحكمة في لبس الحرير للحكة؛ لما فيه من البرودة. وتعقب بأن الحرير حار؛ فالصواب أن الحكمة فيه لخاصة فيه؛ لدفع ما تنشأ عنه الحكة؛ كالقمل. انتهى كلام الحافظ. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة. ٣٨٩ کتاب اللباس عن رسول اللهێ / باب ٣- باب [ت ٣، م ٣] [١٧٢٣] (١٧٢٣) حَدَّثَنَا أبو عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسى، عَن مُحمَّدٍ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا وَاقِدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، قَالَ: قَدِمَ أنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَأْتَيْتُهُ، فَقَالَ: مَن أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: أنا وَاقِدُ بْنُ عَمْرو بْنِ سعد بْنِ معاذٍ، قَالَ: فَبَكى وقالَ: إِنَّكَ لَشَبِيهُ بِسَعْدٍ، وإنَّ سَعْدًا كَانَ مِن أعْظَمِ النَّاسِ وأْوَلِهم، وإنَّهُ بُعِثَ إلى النَّبِيِّ وَّل جُبَّةً مِن دِيبَاج مَنْسُوجٌ فيها الذَّهَبُ، فَلَبِسَهاَ رَسُولُ اللهِوَ ◌ّهِ فَصَعِدَ المِنْبَرَ فَقَامَ أو قَعَدَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْمِسُونها، فقالوا: ما رأيْنَا كاليَوْمِ ثَوْبًا قَظُ، فَقَالَ: ((أتعجبُونَ مِن هذه؟ لَمَنادِيلُ سَعْدٍ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا تَرَوْنَ)). [خ: ٢٦١٥، م: ٢٤٦٩، ن: ٥٣١٧، حم: ١١٦٨٣]. ٣ - بَابٌ [١٧٢٣] قوله: (حدثنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ) الأنصاري الأشهلي أبو عبد الله المدني، ثقة، من الرابعة. قوله: (فبكى) أي: أنس (وقال: إنك لشبيه بسعد) أي: سعد بن معاذ (وإن سعدًا) أي: ابن معاذ (كان من أعظم الناس) أي: رتبة (وأطولهم) أي: جسمًا (وإنه بعث إلى النبي ◌َّ جبة من ديباج منسوج فيها الذهب) الضمير في ((إنه)) للشأن، و((بعث)) بصيغة المجهول، و((جبة)) بالرفع نائب الفاعل، و((منسوج)) بالرفع على أنه صفة لـ ((جبة)) والذي بعثها هو: أكيدر دومة؛ كما يدل عليه رواية أحمد؛ فإنه روى في ((مسنده)(١) عن أنس بن مالك - ظُبه - أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي وَ له جبة سندس، أو ديباج قبل أن ينهى عن الحرير؛ فلبسها؛ فتعجب الناس منها. فقال: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْن مُعَاذٍ فِي الجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْهَا)). (فلبسها رسول الله وَّة) كان هذا قبل النهي عن الحرير؛ كما في رواية أحمد المذكور (فقام أو قعد) شك من الراوي؛ أي: قام على المنبر، أو جلس عليه. (لمناديل سعد) جمع ((مِنْدِيل)) بكسر الميم: ما يحمل في اليد؛ للوسخ والامتهان (خير مما ترون) يعني: الجبة؛ أشار به إلى عظم رتبته؛ أي: أدنى ثياب سعد بن معاذ الأوسي خير من هذه الجبة. وخصه؛ لكون منديله كان من جنس ذلك الثوب لونًا؛ أو كان الحال يقتضي (١) أحمد. حديث (١٢٧٣٦). ٣٩٠ كتاب اللباس عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في الرُّخْصَةِ في الثَّوْبِ الأخْمَرِ للرِّجَالِ قَالَ: وفي البابِ: عَن أسْمَاء بِنْتِ أبي بَكْرٍ، وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ٤- باب مَا جَاء في الرُّخْصَةِ في الثَّوْبِ الأحْمَرِ للرِّجَالِ [ت ٤، م ٤] [١٧٢٤] (١٧٢٤) حَدَّثَنَا مَحمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وكيعُ، حَدَّثَنَا سُفْيَان، عَن أبي إسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ، قَالَ: مَا رأيْتُ من ذِي لِمَّةٍ في حُلَّةٍ حَمْراء أحْسَن مِن استمالة قلبه، أو كان يحب ذلك الجنس، أو كان اللامسون المتعجبون من الأنصار؛ كذا في ((المجمع)). قوله: (وفي الباب عن أسماء بنت أبي بكر) أخرجه مسلم(١) بلفظ: أنها أخرجت إليَّ جبة طَيَالِسَةٍ كِسْرَوَانِيَّةٍ، لها لِيْنَةُ دِيبَاجٍ وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ)). وقالت: هذه جبة رسول الله وَ لّه كانت عند عائشة، فلما قبضت قبضتها، وكان النبي ◌َّم يلبسها؛ فنحن نغسلها للمرضى، نستشفي بها . قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والنسائي. ٤ - باب مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ في الثَّوْبِ الأَحْمَرِ لِلرِّجَالِ [١٧٢٤] قوله: (ما رأيت من ذي لِمَّةٍ) بكسر اللام، وتشديد الميم. قال الجزري في ((النهاية)): الجمة من شعر الرأس: ما سقط على المنكبين، واللمة من شعر رأس: دون الجمة، سميت بذلك؛ لأنها ألمت بالمنكبين. والوفرة من شعر الرأس: إذا وصل إلى شحمة الأذن. (في حلة) قال في ((القاموس)): الحُلّة بالضم: إزار، ورداء برد، أو غيره: ولا يكون حلة إلا من ثوبين، أو ثوب له بطانة. انتهى. وقال النووي: الحلة هي: ثوبان: إزار، ورداء. قال أهل اللغة: لا تكون إلا ثوبين، سميت بذلك؛ لأن أحدهما يحل على الآخر. وقيل: لا تكون الحلة إلا الثوب الجديد الذي يحل من طيه. (حمراء) قال ابن الهمام: الحلة الحمراء: عبارة عن ثوبين من ((اليمن)) فيها خطوط حمر وخضر، لا أنه أحمر بحت. (١) مسلم، كتاب اللباس والزينة. حديث (٢٠٦٩). ٣٩١ كتاب اللباس عن رسول الله ◌ِّه / باب مَا جَاء في الرُّخْصَةِ في الثَّوْبِ الأحْمَرِ للرِّجَالِ رَسُولِ اللهِ وَّةِ، لَهُ شَعْرٌ يَضْرِبُ مَنكِبِيْهِ، بَعِيدٌ ما بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، لَمْ يَكُنْ بِالقَصِيرِ ولا بالطّوِيلِ. [خ: ٣٥٤٩، م: ٢٣٣٧، ن: ٥٠٧٧، د: ٤١٨٣، جه بنحوه: ٣٥٩٩، حم: ١٨٠٨٦]. وقال ابن القيم: غلط من ظن أنها كانت حمراء بحتًا لا يخالطها غيرها، وإنما الحلة الحمراء: بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمراء مع الأسود؛ كسائر البرود اليمانية؛ وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط، وإنما وقعت شبهة من لفظ ((الحلة الحمراء)». انتهى. قال الشوكاني: ولا يخفاك أن الصحابي قد وصفها بأنها حمراء، وهو من أهل اللسان، والواجب الحمل على المعنى الحقيقي؛ وهو الحمراء البحث، والمصير إلى المجاز - أعني: كون بعضها أحمر دون بعض - لا يحمل ذلك الوصف عليه إلا لموجب؛ فإن أراد - يعني: ابن القيم - أن ذلك معنى الحلة الحمراء لغة؛ فليس في كتب اللغة ما يشهد لذلك. وإن أراد أن ذلك حقيقة شرعية فيها، فالحقائق الشرعية لا تثبت بمجرد الدعوى. والواجب: حمل مقالة ذلك الصحابي على لغة العرب؛ لأنها لسانه ولسان قومه. فإن قال: إنما فسرها بذلك التفسير؛ للجمع بين الأدلة، فمع كون كلامه آبيًا عن ذلك، لتصريحه بتغليط من قال: إنها الحمراء البحت لا ملجئ إليه؛ لإمكان الجمع بدونه، مع أن حمله الحلة الحمراء على ما ذكر ينافي ما احتج به في أثناء كلامه، من إنكاره ◌َ ليل على القوم الذين رأى على رواحلهم أكسية فيها خطوط حمر. وفيه: دليل على كراهية ما فيه الخطوط، وتلك الحلة كذلك بتأويله. انتهى (له شع يضرب منكبيه) أي: إذا تدلى شعره الشريف يبلغ منكبيه (بعيد ما بين المنكبين) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وروي: مكبرًا ومصغرًا؛ أي: عريض أعلى الظهر. ووقع في حديث أبي هريرة عند ابن سعد: رحب الصدر (ليس بالقصير ولا بالطويل أي: المعيوبين. والحديث يدل على جواز لبس الثوب الأحمر للرجال، ويدل على ذلك أيضًا حديث أبي جحيفة عند البخاري(١)، قال: رأيت رسول الله وَليل في قبة حمراء من أدم ... الحديث، وفيه: وخرج النبي وسه في حلة حمراء، مشمرًا، صلى إلى العنزة بالناس ركعتين ... إلخ. وحديث هلال بن عامر، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله صل له بـ ((منى)) يخطب على بغلة، (١) البخاري، كتاب الصلاة، حديث (٣٧٦). ٣٩٢ كتاب اللباس عن رسول الله وَ ل﴿ / باب مَا جَاء في الرُّخْصَةِ في الثَّوْبِ الأخْمَرِ للرِّجَالِ وعليه برد أحمر، وعليّ أمامه يعبر عنه. أخرجه أبو داود(١). قال الحافظ في ((الفتح)): وإسناده حسن. وللطبراني(٢) بسند حسن، عن طارق المحاربي نحوه، لكن قال بسوق المجاز، وحديث جابر عند البيهقي(٣): أنه كان له وَلّ ثوب أحمر يلبسه في العيدين والجمعة. وروى ابن خزيمة في ((صحيحه))(٤) نحوه بدون ذكر الأحمر. وحديث بريدة قال: خطبنا رسول الله وَ له فأقبل الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان ... الحديث. أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه(٥) . وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ونقل المنذري تحسين الترمذي، وأقره. قال الشوكاني في ((النيل)): قد احتج بهذه الأحاديث من قال بجواز لبس الأحمر؛ وهم: الشافعية، والمالكية وغيرهم. وقال الحافظ في ((الفتح)): جاء الجواز مطلقًا عن علي، وطلحة، وعبد الله بن جعفر، والبراء، وغير واحد من الصحابة، وعن سعيد بن المسيب، والنخعي، والشعبي، وأبي قلابة، وأبي وائل، وطائفة من التابعين. وذهبت الحنفية إلى الكراهة، واحتجوا بحديث عبد الله بن عمر، وقال: مرَّ بالنبيِّي وَله رجل، وعليه ثوبان أحمران، فسلم عليه؛ فلم يردَّ عليه. أخرجه الترمذي، وأبو داود(٦) . وقال الحافظ: هو حديث ضعيف الإسناد، وإن وقع في بعض نسخ الترمذي أنه قال: حدیث حسن. وقال المنذري في إسناده أبو يحيى القتات. وقد اختلف في اسمه: فقيل: عبد الرحمن بن (١) أبو داود، كتاب اللباس، حديث (٤٠٧٣). (٢) الطبراني في ((الكبير)). حديث (٨١٧٥). (٣) البيهقي في ((الكبرى)). حديث (٥٧٧٨، ٥٧٧٩). (٤) ابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٧٦٦). (٥) أحمد. حديث (٢٢٤٨٦)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (١١٠٩)، والترمذي، كتاب المناقب عن رسول الله. حديث (٣٧٧٤)، والنسائي، كتاب الجمعة، (١٤١٣)، وابن ماجه (٣٦٠٠). (٦) الترمذي، كتاب الأدب عن رسول الله. حديث (٢٨٠٧)، وأبو داود، كتاب اللباس. حديث (٤٠٦٩). ٣٩٣ كتاب اللباس عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاء في الرُّخْصَةِ في الثّوْبِ الأخْمَرِ للرِّجَالِ دينار. وقيل: زاذان. وقيل: عمران. وقيل: مسلم. وقيل: زياد. وقيل: يزيد؛ وهو كوفي لا یحتج بحديثه. وقال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ، إلا عن عبد الله بن عمرو، ولا نعلم له طريقًا إلا هذه الطريق، ولا نعلم رواه عن إسرائيل، إلا إسحاق بن منصور. ومن أدلتهم: حديث رافع بن خديج عند أبي داود(١)، قال: خرجنا مع رسول الله وَّر في سفر؛ فرأى على رواحلنا وعلى إبلنا أَكْسِيَةً، فيها خُطُوط عُهْنٌ حُمْرٌ. فقال رَسُولُ اللهِ وَلّهِ: ((ألا أَرَى هَذِهِ الحُمْرَةَ قَدْ عَلَتْكُم»، فقمنا سراعًا لقول رسول الله ◌َّته، حتى نفر بعض إبلنا، فأخذنا الأكسية؛ فنزعناها عنها. وهذا الحديث لا تقوم به حجة؛ لأن في إسناده رجلًا مجهولًا . ومن أدلتهم: حديث: أن امرأة من بني أسد قالت: كنت يومًا عند زينب امرأة - رسول الله وَّ﴿ - ونحن نصبغ ثيابًا لها بِمَغْرَةٍ، فبينا نَحْنُ كذلك إذ طَلَعَ علينا رسول الله وَّه فلما رأى المَغْرَةَ رَجَعَ، فلما رأت زينب، علمت أن رسول الله وَّه قد كره ما فعلت، فأخذت فغسلت ثيابها، ووارت كل حمرة، ثم إن رسول الله وَل ﴿ رجع فاطلع فلما لم يَرَ شيئًا دخل. أخرجه أبو داود(٢). وقال الحافظ: وفي سنده ضعف. وقال المنذري: في إسناده إسماعيل بن عياش، وابنه: محمد بن إسماعيل بن عياش، وفيهما مقال. انتهى. ومن أقوى حججهم: ما في ((صحيح البخاري)) من النهي عن المياثر الحمر، وكذلك ما في ((سنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي)) (٣) من حديث علي، قال: نهاني رسول الله ◌َّي عن لبس القسي، والميثرة الحمراء. ولكنه لا يخفى عليك: أن هذا الدليل أخص من الدعوى، وغاية ما في ذلك تحريم الميثرة الحمراء، فما الدليل على تحريم ما عداها من ثبوت لبس النبي ◌ُّ له مرات. (١) أبو داود، كتاب اللباس. حديث (٤٠٧٠). (٢) أبو داود، كتاب اللباس، حديث (٤٠٧١). (٣) أبو داود، كتاب اللباس. حديث (٤٠٥١)، والنسائي (٥١٧٧)، وابن ماجه (٣٦٠٢، ٣٦٤٢) والترمذي، (٢٦٤). ٣٩٤ كتاب اللباس عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في الرُّخْصَةِ في الثَّوْبِ الأخْمَرِ للرِّجَالِ ومن أصرح أدلتهم: حديث رافع بن برد، أو رافع بن خديج؛ كما قال ابن قانع مرفوعًا بلفظ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ الحُمْرَةَ؛ فَإِيَّاكُمْ والحُمْرَةَ، وَكُلَّ ثَوْبٍ ذِي شُهْرَةٍ))؛ أخرجه الحاكم في ((الكنى))، وأبو نعيم في ((المعرفة))، وابن قانع، وابن السكن، وابن منده، وابن عدي(١) . ويشهد له ما أخرجه الطبراني (١) عن عمران بن حصين مرفوعًا بلفظ: ((إِيَّاكُمْ وَالحُمْرَةَ؛ فَإِنَّهَا أَحَبُّ الزّينَةِ إِلَى الشَّيْطَانِ». وأخرجه نحوه عبد الرزاق(٣) من حديث الحسن مرسلًا. قال الشوكاني: وهذا إن صح، كان أنص أدلتهم على المنع، ولكنك قد عرفت لبسه وَيل للحلة الحمراء في غير مرة، ويبعد منه و 84* أن يلبس ما حذرنا من لبسه؛ معللا ذلك بأن الشيطان يحب الحمرة، ولا يصح أن يقال هاهنا: فعله لا يعارض القول الخاص بنا؛ كما صرح بذلك أئمة الأصول؛ لأن تلك العلة مشعرة بعدم اختصاص الخطاب بنا؛ إذ تجنب ما يلابسه الشيطان هو وَّر أحق الناس به. فإن قلت: فما الراجح إن صح ذلك الحديث؟ قلت: قد تقرر في الأصول، أن النبي ◌َّه إذا فعل فعلًا لم يصاحبه دليل خاص يدل على التأسي به فيه، كان مخصصًا له عن عموم القول الشامل له بطريق الظهور؛ فيكون لبس الأحمر مختصًا به، ولكن ذلك الحديث غير صالح للاحتجاج به؛ كما صرح بذلك الحافظ، وجزم بضعفه؛ لأنه من رواية أبي بكر الهذلي، وقد بالغ الجوزقاني؛ فقال: باطل. فالواجب البقاء على البراءة الأصلية المعتضدة بأفعاله الثابتة في الصحيح، لا سيما مع ثبوت لبسه لذلك بعد حجة الوداع، ولم يلبث بعدها إلا أيامًا يسيرة. واحتجوا أيضًا بالأحاديث الواردة في تحريم المصبوغ بالعصفر، قالوا: لأن العصفر يصبغ صباغًا أحمر، وهي أخص من الدعوى؛ وستعرف: أن الحق أن ذلك النوع من الأحمر لا یحل لبسه. وقد احتج من قال بتحريم لبس الأحمر للرجال بهذه الأحاديث؛ وقد عرفت أنه لا يصلح واحد منها للاحتجاج. (١) ابن عدي في ((الكامل)) (٣٢٥/٣)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)). حديث (٢٣٧١). (٢) الطبراني في ((الكبير)) (١٤٨/١٨) (٣١٧). (٣) عبد الرزاق. حديث (١٩٩٧٥) مرسلاً. ٣٩٥ كتاب اللباس عن رسول الله وَه / باب مَا جَاء في الرُّخْصَةِ في الثَّوْبِ الأخْمَرِ للرِّجَالِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن جَابرِ بْنِ سَمُرَةَ، وأبي رِمْئَةً، وأبي جُحَيْفَةَ، وقد ذكر الحافظ: في هذه المسألة سبعة أقوال: الأول: الجواز مطلقًا. والثاني: المنع مطلقًا. والثالث: يكره لبس الثوب المشبع بالحمرة، دون ما كان صبغه خفيفًا؛ جاء ذلك من عطاء، وطاوس، ومجاهد. وكأن الحجة فيه: حديث ابن عمر: نهى رسول الله وَ﴿ عن المفدَّم: أخرجه ابن ماجه. والمُفَدَّم بالفاء، وتشديد الدال؛ وهو: المشبع بالعصفر؛ فسره في الحديث. والرابع: يكره لبس الأحمر مطلقًا؛ لقصد الزينة، والشهرة، ويجوز في البيوت والمهنة؛ جاء ذلك عن ابن عباس. والخامس: يجوز لبس ما كان صبغ غزله، ثم نسج، ويمنع ما صبغ بعد النسج؛ جنح إلى ذلك الخطابي، واحتج بأن الحلة الواردة في الأخبار الواردة في لبسه ﴿ الحلة الحمراء إحدى حلل ((اليمن)). وكذلك البرد الأحمر؛ وبرود ((اليمن)» يصبغ غزلها، ثم ينسج. والسادس: اختصاص النهي بما يصبغ بالعصفر، لورود النهي عنه، ولا يمنع ما صبغ بغيره من الأصباغ. قال الحافظ: ويعكر عليه حديث المغرة المتقدِّم. والسابع: تخصيص المنع بالثوب الذي يُصْبَغ كله، وأما ما فيه لون آخر غير الأحمر من بياض وسواد وغيرهما، فلا. وعلى ذلك تحمل الأحاديث الواردة في الحلة الحمراء؛ فإن الحلل اليمانية غالبًا تكون ذات خطوط حمر وغيرها . وقال الطبري بعد أن ذكر غالب هذه الأقوال: الذي أراه: جواز لبس الثياب المصبغة بكل لون، إلا أني لا أحب لبس ما كان مشبعًا بالحمرة، ولا لبس الأحمر مطلقًا ظاهرًا فوق الثياب؛ لكونه ليس من لباس أهل المروءة في زماننا؛ فإن مراعاة زيِّ الزمان من المروءة ما لم يكن إثما، وفي مخالفة الزي ضرب من الشهرة؛ وهذا يمكن أن يلخص منه قول ثامن. انتهى كلام الحافظ . قلت: الراجح عندي من هذه الأقوال: هو القول السادس. وأما قول الحافظ: ((ويعكر عليه حديث المغرة المتقدم))؛ ففيه أن في سنده ضعفًا؛ كما صرح به الحافظ نفسه. وقال المنذري: في إسناده إسماعيل بن عياش، وابنه: محمد بن إسماعيل بن عياش، وفيهما مقال. انتهى. هذا ما عندي. والله تعالى أعلم. قوله: (وفي الباب عن جابر بن سمرة، وأبي رمثة، وأبي جحيفة) أما حديث جابر بن ٣٩٦ كتاب اللباس عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في كَرَاهِيَةِ المُعَصْفَرِ لِلرِّجَالِ وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ٥- باب مَا جَاء في كَرَاهِيَةِ الْمُعَصْفَرِ لِلرِّجَالِ [ت ٥، ٥٢] [١٧٢٥] (١٧٢٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا مالكُ بْنُ أَنَسٍ، عَن نافِعٍ، عَنِ إبراهيمَ بْنِ عبدِ الله بْنِ حُنَيْنٍ، عَن أبيهٍ، عَن عليٍّ، قَالَ: نهى رسول الله وَلَه عَن لُبْسِ القَسِّيِّ والمُعَصْفَرِ. [ن: ١٠٤٠، د: ٤٠٤٤، جه: ٣٦٠٢، حم: ٦٠٢، طا: ١٧٧]. سمرة: فأخرجه الترمذي (١) في باب: ((الرخصة في لبس الحمرة للرجال)) من أبواب: الأدب. وأما حديث أبي رمثة: فلينظر من أخرجه(٢). وأما حديث أبي جحيفة: فأخرجه البخاري (٣) في باب: ((الصلاة في الثوب الأحمر))، وفي عدة أبواب من ((صحيحه)). قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه . ٥ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الْمُعَصْفَرِ للرِّجَالِ [١٧٢٥] قوله: (عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين) الهاشمي مولاهم المدني (عن أبيه) أي: عبد الله بن حنين الهاشمي، مولاهم مدني، ثقة، من الثالثة. قوله: (نهى رسول الله وَ﴿ عن لبس القَسِّيّ) بفتح القاف، وكسر السين المهملة المشددة على الصحيح. قال أهل اللغة، وغريب الحديث: هي: ثياب مضلعة بالحرير، تعمل بالقَسِّ؛ بفتح القاف: موضع من بلاد ((مصر)) على ساحل البحر، قريب من ((التنيس)). وقيل: إنها منسوبة إلى القز؛ وهو: رديء الحرير؛ فأبدلت الزاي سيئًا . (والمعصفر) هو: المصبوغ بالعصفر؛ كما في كتب اللغة، وشروح الحديث. والعصفر يصبغ صباغًا أحمر. والحديث دليل على تحريم لبس المعصفر للرجال؛ لأن الأصل في النهي التحريم. قال الشوكاني في ((النيل)): الراجح تحريم الثياب المعصفرة، والعصفر وإن كان يصبغ (١) الترمذي، كتاب الأدب عن رسول الله. حديث (٢٨١١). (٢) انظر مسند أحمد. حديث (١٧٠٣٧). (٣) البخاري، كتاب الصلاة. حديث (٣٧٦، ٥٨٥٩). ٣٩٧ كتاب اللباس عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ المُعَصْفَرِ لِلرِّجَالِ قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن أَنَسٍ، وعبدِ الله بْنِ عَمْرو، وحديثُ عليّ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. صبغًا أحمر - كما قال ابن القيم - فلا معارضة بينه وبين ما ثبت في ((الصحيحين))؛ من أنه وَله. كان يلبس حلة حمراء؛ لأن النهي في هذه الأحاديث يتوجه إلى نوع خاص من الحمرة؛ وهي الحمرة الحاصلة عن صباغ العصفر. انتهى. وقد عقد الترمذي(١) في أبواب ((الآداب)) بابًا أيضًا؛ بلفظ: باب: ((ما جاء في كراهية لبس المعصفر للرجال))، وأورد فيه حديث عبد الله بن عمرو؛ أنه قال: مرَّ رجل - وعليه ثوبان أحمران - فسلم على النبيِّ ◌ٍَّ فلم يردَّ عليه النبيُّ ◌َّةِ، ثم قال: ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم: أنه كره لبس المعصفر، ورأوا أن ما صبغ بالحمرة بالمدر، أو غير ذلك؛ فلا بأس به، إذا لم یکن معصفرًا. انتهى. قوله: (وفي الباب عن أنس، وعبد الله بن عمرو) أما حديث أنس: فلينظر من أخرجه (٢). وأما حديث عبد الله بن عمرو ظه: فأخرجه مسلم(٣) عنه، قال: رأى رسول الله عَليه عَلَيَّ ثوبين معصفرين؛ فقال: ((إِنَّ هَذِهِ من ثِيَابِ الكفار؛ فلا تلبسها)). وفي الرواية الأخرى(٤) قال: رأى رسول الله مح لل عليّ ثوبين معصفرين؛ فقال: ((أُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا؟)) قلت: أغسلهما. قال: ((بَلْ أَحْرِ قْهُمَا)). وفي الباب أيضًا عن عمرو بن شعيب(٥)، عن أبيه، عن جده قال: أقبلنا مع رسول الله وَ﴿ من ثنية، فالتفت إليّ - وعليّ رَيْطَةٌ مُضَرَّجَةٌ بالعُصْفُرِ - فقال: ((ما هَذِهِ؟)) فعرفت ما كره. فأتيت أهلي - وهم يسجرون تَتُّورَهُمْ - فقذفتها فيه، ثم أتيته من الغد؛ فقال: يا عَبْدَ الله؟ ما فَعَلَتِ الرَّيْطَةُ؟ فأخبرته؛ فقال: ((أَلَا كَسَوْتَهَا بَعْضَ أَهْلِكَ؟)) أخرجه أحمد، وكذلك أبو داود، وابن ماجه، وزاد: ((فَإِنَّهُ لا بَأْسَ بِذَلكَ لِلنِّسَاءِ)). قوله: (حديث علي حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة، إلا البخاري، وابن ماجه؛ كذا في ((المنتقى)). (١) الترمذي، كتاب الأدب. حديث (٢٨٠٧). (٢) الترمذي، كتاب الأدب. حديث (٢٨١٥). (٣) مسلم، كتاب اللباس والزينة. حديث (٢٠٧٧). (٤) مسلم، كتاب اللباس والزينة. حديث (٢٠٧٧). (٥) أحمد. حديث (٦٨١٣)، وأبو داود، كتاب اللباس. حديث (٤٠٦٦)، وابن ماجه كتاب اللباس. حديث (٣٦٠٣). ٣٩٨ كتاب اللباس عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في لُبْسِ الفِرَاءِ ٦- باب مَا جَاء في لُبْسِ الفِرَاءِ [ت ٦، م ٦] [١٧٢٦] (١٧٢٦) حَدَّثَنَا إسماعيلُ بْنُ مُوسَى الفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ هارُونَ البُرجميّ، عَن سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ، عَن أبي عُثمانَ، عَن سَلْمانَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله وَ عَنِ السَّمْنِ والجُبن والفِرَاءِ، فَقَالَ: ((الحَلَالُ ما أحَلَّ الله في كِتَابِهِ، والحَرَامُ، ما حَرَّمَ الله في كِتَابِهِ، ٦ - باب مَا جَاءَ في لُبْسِ الْفِرَاءِ بكسر الفاء، جمع: فرو، وهو لبس، كالجبة يبطن من جلود بعض الحيوانات؛ كالأرانب والسمور. يقال له بالفارسية: بوستين. [١٧٢٦] قوله: (عن سيف بن هارون) البرجمي، قال في ((النيل)): هو ضعيف متروك. وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: روى له الترمذي، وابن ماجه حديثًا واحدًا في السؤال عن الفراء، والسمن والجبن ... الحديث. قوله: (عن السمن والجُبُن) كـ((عُتُل)) هو: لبن يجمد. يقال له بالفارسية: بنير. (والفراء) قال القاري: بكسر الفاء، والمد، جمع، الفراء، بفتح، الفاء مدًّا وقصرًا؛ وهو: حمار الوحش. قال القاضي: وقيل: هو هاهنا جمع: الفرو الذي يلبس، ويشهد له صنيع بعض المحدثين؛ كالترمذي؛ فإنه ذكره في باب: ((لبس الفرو))، وذكره ابن ماجه في باب: ((السمن والجبن)). وقال بعض الشراح من علمائنا: وقيل هذا غلط، بل جمع: الفرو الذي يلبس. وإنما سألوه عنها؛ حذرًا من صنيع أهل الكفر في اتخاذهم الفراء من جلود الميتة من غير دباغ، ويشهد له أن علماء الحديث أوردوا هذا الحديث في باب: ((اللباس)). انتھی . (الحلال ما أحل الله) أي بيَّن تحليله (في كتابه، والحرام ما حرم الله) أي: بيَّن تحريمه (في كتابه) يعني: إما مبينًا، وإما مجملًا بقوله: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧] لئلا يشكل بكثير من الأشياء التي صح تحريمها بالحديث، وليس بصريح في الكتاب. قال الشوكاني في ((النيل)): المراد من هذه العبارة وأمثالها مما يدل على حصر التحليل والتحريم على الكتاب العزيز: هو باعتبار اشتماله على جميع الأحكام، ولو بطريق العموم، ٣٩٩ كتاب اللباس عن رسول الله ◌َّ / باب مَا جَاء في لُبْسِ الفِرَاءِ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عفى عنهُ)). [ جه: ٣٣٦٧]. قَالَ أبُو عِيْسَى: أو الإشارة، أو باعتبار الأغلب، لحديث: ((إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ)). وهو حديث صحیح. انتھی. (وما سكت) أي: الكتاب (عنه) أي: عن بيانه، أو وما أعرض الله عن بيان تحريمه، وتحليله، رحمة من غير نسيان. (فهو مما عفا عنه) أي: عن استعماله، وأباح في أكله، وفيه: أن الأصل في الأشياء الإباحة، ويؤيده قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم ◌َا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. تنبيه: اعلم أن بعض أهل العلم قد استدل على إباحة أكل التنباك، وشرب دخانه، بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وبالأحاديث التي تدل على أن الأصل في الأشياء الإباحة. قال القاضي الشوكاني في ((إرشاد السائل إلى أدلة المسائل)) - بعد ما أثبت أن كل ما في الأرض حلال إلا بدليل - ما لفظه: إذا تقرر هذا، علمت أن هذه الشجرة التي سماها بعض الناس: التنباك، وبعضهم: التوتون؛ لم يأت فيها دليل يدل على تحريمها، وليست من جنس المسكرات، ولا من السموم، ولا من جنس ما يضر آجلاً أو عاجلًا؛ فمن زعم أنها حرام، فعليه الدليل، ولا يفيد مجرد القَالِ والقِيل. انتهى. قلت: لا شك أن الأصل في الأشياء الإباحة، لكن بشرط عدم الإضرار. وأما ما إذا كانت مضرة في الآجل أو العاجل، فَكلا ثم كلا. وقد أشار إلى ذلك الشوكاني - رحمه الله - بقوله: ولا من جنس ما يضر آجلاً أو عاجلًا. وأكل التنباك، وشرب دخانه مُضِرٌّ بلا مرية، وإضراره عاجلًا ظاهر غير خفي، وإن كان لأحد فيه شك، فليأكل منه وزن ربع درهم أو سدسه، ثم لينظر كيف يدور رأسه، وتختل حواسه، وتنقلب نفسه بحيث لا يقدر على أن يفعل شيئًا من أمور الدنيا، بل لا يستطيع أن يقوم أو يمشي، وما هذا شأنه؛ فهو مضر بلا شك. فقول الشوكاني: ولا من جنس ما يضر آجلا أو عاجلاً، ليس بصحيح. وإذا عرفت هذا، ظهر لك أن إضراره عاجلًا هو الدليل على عدم إباحة أكله، وشرب دخانه. هذا ما عندي. والله - تعالى - أعلم. ٤٠٠ كتاب اللباس عن رسول الله وَّهَ ل باب مَا جَاء في جُلُودِ المَيْتَةِ إذا دُبِغَتْ وفي البابِ: عَن المُغِيرَةِ، وهذا حديثٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ مرفوعًا إلَّا مِن هذا الوجهِ، ورَوَى سُفْيَانُ، وَغَيْرُهُ، عَن سُليمانَ التَّيْمِيِّ، عَن أبي عُثمانَ، عَن سلمان، قَوْلَه. وكأنَّ الحديثَ المَوْقُوفَ أصَحُّ، وسألت البُخَاريَّ عَن هذا الحديث، فَقَالَ: ما أَراهُ محفوظًا، روى سُفيانُ، عَن سليمان التَّيميِّ، عَن أبي عُثْمَان، عَن سلمان، موقوفًا، قَالَ البخاري: وسيف بْنُ هارون مقارب الحديث، وسيف بْنُ مُحمَّد عَن عاصم ذاهب الحدیث. ٧- باب مَا جَاء في جُلُودِ المَيْتَةِ إذا دُبِغَتْ [ت ٧، م ٧] [١٧٢٧] (١٧٢٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَن يزيدَ بْنِ أبي حَبيبٍ، عَن عَطَاءَ بْنِ أبي رَبَاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عباسٍ يَقُولُ: ماتَتْ شَاةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَه لأَهْلِهَا: ((أَلَّا نَزَعْتُمْ جِلْدَهَا، ثُمَّ دَبَغْتُمُوهُ، فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ)). [خ بنحوه: ١٤٩٢، م: ٣٦٣، ن: ٤٢٤٨، د: ٤١٢٠، جه بنحوه: ٣٦١٠، حم: ١٨٩٨، طا: ١٠٧٨، مي: ١٩٨٥]. قَالَ أبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن سَلَمَةَ بْنِ المُحَبِّق، قوله: (وفي الباب عن المغيرة) لينظر من أخرجه(١). قوله: (هذا حديث غريب) وأخرجه ابن ماجه، والحاكم في ((المستدرك))، وفي سنده: سيف بن هارون؛ وهو ضعيف، كما عرفت. ٧ - باب مَا جَاءَ في جُلُودِ المَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ [١٧٢٧] قوله: (ألا نزعتم جلدها، ثم دبغتموه؛ فاستمتعتم به) فيه: دليل على أن جلود الميتة لا يجوز الاستمتاع بها؛ أيَّ استمتاع كان، إلا بعد الدباغ، وأما قبل الدباغ، فلا يجوز الانتفاع؛ كالبيع وغيره؛ وهو القول الراجح المعوَّل عليه. ولم يقع في رواية البخاري، والنسائي ذكر الدباغ؛ فهي محمولة على الرواية المقيدة بالدباغ. قوله: (وفي الباب عن سلمة بن المحبق) بضم، وفتح حاء مهملة، وشدة موحدة مكسورة، وبقاف. والمحدثون يفتحون الباء، كذا في ((المغني)). (١) أحمد. حديث (١٧٧٥٨)، وأبو داود، كتاب الصلاة. حديث (٦٥٩).