النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَيه / باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ المُرَابِطِ
بِشُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ وهو في مُرَابَطٍ لَهُ وقد شقَّ عليه وعلى أصْحَابِهِ، فَقَالَ: ألا
أُحَدِّثُكَ يا ابنَ السِّمْطِ بِحَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ اللهِ وَّهِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَِّ يَقُولُ: ((رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ الله أفْضَلُ - وَرُبَّمَا قَالَ: خَيْرٌ - مِن صِيَام
شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، ومَنْ مَاتَ فِيهِ وُقِيَ فِتْنَةَ القَبْرِ، ونُمِّيَ لَهُ عَمَلُهُ إلى يَوْم القيامةِ)). قَالَ
وقال أبو الشيخ: سمعت جعفر بن أحمد بن فارس يقول: سمعت العباس بن يزيد يقول
لمحمد بن النعمان: أهل العلم يقولون: عاش سلمان ثلاث مئة وخمسين؛ فأما مئتين
وخمسین، فلا یشکون فيه.
قال الحافظ: قد قرأت بخط أبي عبد الله الذهبي: رجعت عن القول بأنه قارب الثلاث مئة،
أو زاد عليها ، وتبين لي أنه جاوز الثمانين، ولم يذكر مستنده في ذلك. والعلم عند الله. انتهى.
(بشرحبيل بن السمط) بكسر المهملة، وسكون الميم الكندي الشامي، جزم ابن سعد بأن
له وفادة، ثم شهد ((القادسية))، وفتح ((حمص))، وعمل عليها لمعاوية؛ كذا في ((التقريب)).
وقال في ((تهذيب التهذيب)): مختلف في صحبته.
قوله: (وهو في مرابط له) اسم ظرف من: الرباط.
قوله: (وقد شق) أي: صعب القيام فيه، قوله: (رباط يوم) وفي رواية مسلم: ((يَوْمٍ وَلَيْلَةْ)).
(وربما قال خير) أي: مكان أفضل. (من صيام شهر وقيامه) قال الحافظ في ((الفتح)): قال ابن
بزيزة: لا تعارض بين حديث سلمان: ((رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ من صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ))، وبين حديث
عثمان. ((رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ الله خَيْرٌ من أَلْفِ يُّوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ المَنَازِلِ))؛ لأنه يحمل على
الإعلام بالزيادة فيّ الثواب على الأول، أو باختلاف العاملين. انتهى.
(وفي فتنة القبر) أي: مما يفتن المقبور به من ضغطة القبر، والسؤال، والتعذيب (ونْمِي)
ضبط في النسخة الأحمدية: بضم النون، وكسر الميم، بصيغة المجهول، والظاهر: أن يكون
بفتح النون والميم، على البناء للفاعل؛ فإنه لازم.
قال في ((الصراح)): نمو بضمتین کوالیدن یعني نمو كردن وباليدن نبات وحيوان.
وقال في ((القاموس)): ((نما ينمو نموًّا)) زاد: كـ((نما ينمي ونميًا ونماء)). انتهى. (له عمله
إلى يوم القيامة) يعني أن ثوابه يجري له دائمًا، ولا ينقطع بموته. وفي رواية مسلم (١): ((جَرَی
عَلَيْهِ عَمَّلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ مِنَ الفَتَّانِ)).
(١) مسلم، كتاب الإمارة. حديث (١٩١٣).

٣٠٢
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ المُرَابِطِ
أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ. [م: ١٩١٣، ن: ٣١٦٧، حم: ٢٣٢١٥].
[١٦٦٦] (١٦٦٦) حَدَّثَنَا عليُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا الوَليدُ بْنُ مُسْلِم، عَن إسماعيلَ
بْنِ رَافِعٍ، عَن سُمَيٍّ، عَن أبي صَالحٍ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ:
((مَن لَقِيَ الله بِغَيْرِ أَثَرِ مِن جِهَادٍ، لَقِيَ الله وفِيهِ ثُلْمَةٌ)). [ضعيف: جه: ٢٧٦٣، حم: ٨٦٤٨].
قال النووي: هذه فضيلة ظاهرة للمرابط، وجريان عمله عليه بعد موته فضيلة مختصة به،
لا يشاركه فيها أحد، وقد جاء صريحًا في غير مسلم: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَله إِلَّا
المُرَابِطَ، فإنه يُنْمَى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)). انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن حبان،
والطبراني(١). وفي ((سند الترمذي)) المذكور انقطاع؛ كما صرح به الترمذي فيما بعد.
[١٦٦٦] قوله: (عن إسماعيل بن رافع) بن عويمر الأنصاري المدني، نزيل ((البصرة))،
يكنى: أبا رافع، ضعيف الحفظ، من السابعة (عن سمي) بصيغة التصغير، مولى أبي بكر بن
عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ثقة، من السادسة.
قوله: (مِن لقي الله بغير أثر من جهاد) قال القاري في ((المرقاة)): الأَثَّرُ بفتحتين: ما بقي
من الشيء دالًا عليه. قال القاضي: والمراد به هنا: العلامة؛ أي: من مات بغير علامة من
علامات الغزو؛ من جراحة، أو غبار طريق، أو تعب بدن، أو صرف مال، أو تهيئة أسباب،
وتعبية أسلحة. انتهى.
(لقي الله) أي: جاء يوم القيامة (وفيه ثُلْمَة) بضم المثلثة، وسكون اللام؛ أي: خلل ونقصان
بالنسبة إلى كمال سعادة الشهادة، ومجاهدة المجاهدة، ويمكن أن يكون الحديث مقيدًا بمن
فرض عليه الجهاد، ومات من غير الشروع في تهيئة الأسباب الموصلة إلى المراد؛ قاله القاري.
وقال المناوي: قيل: وذا خاص بزمن النبي وَه .
وقال الطيبي: قوله: ((من جِهَادٍ)) صفة ((أثر))، وهي نكرة في سياق النفي؛ فتعُمُّ كلَّ جهاد
مع العدو، والنفس، والشيطان؛ وكذلك الأثر بحسب اختلاف المجاهدة؛ قال تعالى:
﴿سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] والثلمة هاهنا مستعارة للنقصان، وأصلها: أن
تستعمل في نحو الجدار، ولما شبه الإسلام بالبناء في قوله: ((بُنيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ ... ))
جعل كل خلل فيه، ونقصان ثلمة على سبيل الترشيح، وهذا أيضًا يدل على العموم. انتهى.
(١) الطبراني في ((الكبير)). حديث (٥٣١٢)، وابن حبان. حديث (٤٦٢٣).

٣٠٣
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ المُرَابِطِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ غريبٌ مِن حديثِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَن إسماعيلَ بْنِ
رَافِعٍ، وإسماعيلُ بْنُ رَافِعٍ قد ضَعَّفَهُ بَعْضُ أصحاب الحديثِ، قالَ: وَسَمِعْتُ مُحمَّدًا
يَقُولُ: هُوَ ثِقَةٌ مُقَارِبُ الْحدِيثِ، وقد رُويَ هذا الحديثُ مِن غَيْرِ هذا الوجْهِ عَن
أبي هُرَيْرَةَ، عَن النبيِّ بَّهِ، وحديثُ سَلْمَانَ إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِمُتَصِلٍ، مُحمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ
لَمْ يُدْرِكْ سَلْمَانَ الفَارِسِيَّ، وقد رُويَ هذا الحديثُ عَن أيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَن
مَكْحُولٍ، عَن شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، عَن سَلْمَانَ، عنِ النبيِّ ◌َّ.
[١٦٦٧] (١٦٦٧) حَدَّثَنَا الحسَنُ بْنُ عليٍّ الخَلَّالُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عبدِ المَلِكِ،
حَدَّثَنَا اللَّيْتُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أبو عَقِيْلٍ زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ، عَن أبي صَالِحِ مَوْلَى
عُثْمَان بنِ عقَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَان وهُوَ على المِنْبَرِ يَقُولُ: إِنِّي كَتَمْتُكُمَّ حديثًا
قوله: (هذا حديث غريب ... إلخ) وأخرجه ابن ماجه، والحاكم(١).
(وسمعت محمدًا) يعني: البخاري (يقول: هو ثقة مقارب الحديث) قد تقدم معنى
((مقارب الحديث)) وضبطه في المقدمة (وقد روي هذا الحديث عن أيوب بن موسى) بن
عمرو بن سعيد بن العاص، وكنيته: أبو موسى المكي الأموي، ثقة، من السادسة.
(عن مكحول، عن شرحبيل بن السمط، عن سلمان، عن النبي (وَّ ر نحوه) أخرجه مسلم
في (صحيحه)) بهذا السند (٢).
[١٦٦٧] قوله: (حدثنا هشام بن عبد الملك) الباهلي، مولاهم، أو الوليد الطيالسي
البصري، ثقة، ثبت، من التاسعة.
(حدثنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري، ثقة، ثبت،
فقيه، إمام، مشهور، من السابعة.
(حدثني أبو عقيل) بالفتح (زهرة) بضم الزاي، وسكون الهاء (بن معبد) بفتح الميم،
وسكون العين المهملة، وفتح الموحدة: ابن عبد الله بن هشام القرشي التيمي المدني، نزيل
((مصر))، ثقة، عابد، من الرابعة (عن أبي صالح مولى عثمان بن عفان) مقبول، من الثالثة،
(١) الحاكم. حديث (٢٤٢٠) وقال: هذا حديث كبير في الباب غير أن الشيخين لم يحتجا بإسماعيل بن رافع،
وقال الذهبي: اسماعيل بن رافع ضعفوه.
(٢) مسلم، كتاب الإمارة، حديث (١٩١٣).

٣٠٤
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ المُرَابِطِ
سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ اللهِ وَّهِ كَرَاهِيَةَ تَفَرُّقِكُمْ عَنِّي، ثُمَّ بَدَا لِي أنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ؛ لِيَخْتَارَ
امْرُؤْ لِنَفْسِهِ مَا بَدَا لَهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: ((رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ الله، خَيْرٌ
مِن ألْفِ يَوْمٍ فيما سِوَاهُ مِنَ المَنَازِلِ)). [ن: ٣١٦٩، حم: ٤٤٤، مي: ٢٤٢٤].
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
وقال مُحَمَّدُ بْنُ إسماعيل: أبو صَالحِ مَوْلَى عُثمانَ اسْمُه: بِرْكَانُ.
اسمه: الحارث؛ ويقال: تركان بمثناة: أوله، ثم راء ساكنة؛ قاله في ((التقريب)).
وقال في ((تهذيب التهذيب)): ذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال العجلي: روى عنه زهرة بن معبد والمصريون، ثقة. انتهى.
قوله: (كراهية تفرقكم عني) أي: مخافة أن تتفرقوا عني، وتذهبوا إلى الثغور للرباط بعد
سماع الحديث؛ لما فيه من الفضيلة العظيمة (ثم بدا لي) أي: ظهر لي (خير من ألف يوم فيما
سواه) أي: فيما سوى الرباط، أو فيما سوى سبيل الله؛ فإن السبيل يذكَّر ويؤنَّث.
(من المنازل) قال القاري: وخص منه المجاهد في المعركة؛ بدليل منفصل: عقلي،
ونقلي؛ وهو لا ينافي تفسير الرباط بانتظار الصلاة بعد الصلاة في المساجد، وقوله وَّ:
((فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ))؛ لأنه رباطُ دونَ رباطٍ، بل هو مشبه بالرباط للجهاد؛ فإنه
الأصل فيه، أو هذا رباط للجهاد الأكبر؛ كما أن ذاك رباط للجهاد الأصغر تفسير لقوله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] فإن الرباط الجهادي قد
فهم مما قبله؛ كما لا يخفى.
وقال الطيبي: فإن قلت: هو جمع محلي بلام الاستغراق؛ فيلزم أن يكون المرابط أفضل
من المجاهد في المعركة، ومن انتظار الصلاة بعد الصلاة في المسجد، وقد قال فيه: ((فَذَلِكُم
الرِّبَاطُ فَذَلِكُم الرِّبَاطُ)) وقد شرحنا ثمة.
قلت: هذا في حق من فرض عليه المرابطة، وتعين بنصب الإمام.
قال القاري: في الفرض العين لا يقال: إنه خير من غيره؛ لأنه متعين لا يتصور خلافه؛
إذا اشتغاله بغيره معصية. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه) وأخرجه أحمد، والنسائي، وابن ماجه.

٣٠٥
كتاب فضائل الجهاد عن رسول اللّه وَّه / باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ المُرَابِطِ
[١٦٦٨] (١٦٦٨) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، وأحمدُ بْنُ نَصْرِ النَّيْسَابُورِيُّ وَغَيْرُ
وَاحِدٍ، قالوا: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنِ القَعْقَاعِ بْنِ
حَكِيمٍ، عَن أبي صَالحِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((ما يَجِدُ الشَّهِيدُ
مِن مَّسِّ القَتْلِ إلَّا كَّمَا يَجِدُ أحَدُكُمْ مِن مَسِّ القَرْصَةِ)). [ن: ٣١٦١، جه: ٢٨٠٢،
حم: ٧٨٩٣، مي: ٢٤٠٨] .
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح غريبٌ.
[١٦٦٩] (١٦٦٩) حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أيُّوبَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنبأنا الوَلِيدُ بْنُ
جَمِيلِ الفِلَسِطِينِيُّ، عَن القَاسِمِ أبي عبدِ الرَّحمنِ، عَن أبي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ قَالَ:
(لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبّ إلى الله مِن قَظْرَتَيْنِ وأَثَرَيْنِ: فَظْرَة من دُمُوعِ فِي خَشْيَةِ الله،
[١٦٦٨] قوله: (وأحمد بن نصر) بن زياد (النيسابوري) الزاهد المقري، أبو عبد الله بن
أبي جعفر، ثقة، فقيه، حافظ، من الحادية عشرة (حدثنا صفوان بن عيسى) الزهري،
أبو محمد البصري القسام، ثقة، من التاسعة.
قوله: (من مس القتل) وفي رواية: (أَلَمِ القَتْلِ)).
(من مس القرصة) وفي رواية: ((أَلَمِ القَرْصَةِ))، وهي بفتح القاف، وسكون الراء هي:
المرة من القرص. قال في ((القاموس)): القرص أخذك لحم إنسان بأصبعيك حتى تؤلمه،
ولسع البراغيث. انتهى. وذا تسلية لهم عن هذا الخطب المهول.
قوله: (هذا حديث حسن غريب صحيح) وأخرجه النسائي، وابن ماجه، والدارمي، وابن
حبان في (صحيحه)(١). ورواه الطبراني في ((الأوسط))(٢) عن أبي قتادة.
[١٦٦٩] قوله: (حدثنا الوليد بن جميل) الفلسطيني أبو الحجاج، صدوق، يخطئ، من
السادسة.
قوله: (قطرة من دموع) بجرها على البدل، ويجوز رفعها ونصبها؛ أي: قطرة بكاء
حاصلة (من خشية الله) أي: من شدة خوفه، وعظمته المورثة لمحبته.
(١) ابن حبان في ((صحيحه)). حديث (٤٦٥٥).
(٢) الطبراني في «الأوسط)). حديث (٢٨٠).

٣٠٦
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ المُرَابِطِ
وقَطْرَة دم تُهْرَاقُ في سَبيلِ الله، وأمَّا الأثَرَانِ: فَأَثَرٌّ في سَبيلِ الله، وأثَرٌ في فَرِيضَةٍ مِن
فَرَائِضِ الله)).
قَالَ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
آخر کتاب فضائل الجهاد ویلیہ کتاب الجهاد
(قطرة دم تهراق) بصيغة المجهول، وسكون الهاء، ويفتح، وهو بصيغة التأنيث، على أنه
صفة ((قطرة)) .
(في سبيل الله) وهو بعمومه يشمل الجهاد وغيره من سبيل الخير. ولعل وجه إفراد الدم،
وجمع الدموع: أن الدمع غالبًا يتقاطر ويتكاثر؛ بخلاف الدم.
وقال الطيبي: المراد بقطرة الدموع: قطراتها، فلما أضيفت إلى الجمع، أفردت؛ ثقة
بذهن السامع. وفي إفراد الدم، وجمع الدموع إيذان بتفضيل إهراق الدم في سبيل الله على
تقاطر الدمع؛ بکاء. انتهى.
ولما كان ما سبق في قوة قوله: فأما القطرتان فكذا وكذا، عطف عليه وقال: (وأما
الأثران فأثر في سبيل الله) كخطوة، أو غبار، أو جراحة في الجهاد، أو سواد حبر في طلب
العلم.
(وأثر في فريضة من فرائض الله) كإشقاق اليد، والرجل من أثر الوضوء في البرد، وبقاء
بلل الوضوء، واحتراق الجبهة من حر الرمضاء التي يسجد عليها، وخلوف فمه في الصوم،
واغبرار قدمه في الحج.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه الضياء المقدسي(١).
-
(١) الضياء المقدسي في ((المختارة)). حديث (٢١٩٨)، من حديث أنس.

٣٠٧
كتاب الجهاد عن رسول الله وَله / باب مَا جَاء في الرُّخصة لأهل العُذْرِ في القُعُودِ
صَلى الله
وَسِلاَ
(٢٤) كتاب الجهاد عن رسول اللّه
١- باب مَا جَاء في الرُّخصة لأهل العُذْرِ في القُعُودِ [ت ١، ٢ ٢٧]
[١٦٧٠] (١٦٧٠) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عليّ الجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ،
عَن أبِيهِ، عَن أبي إسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قَالَ: ((الْتُونِي
بالكَتِفِ أو اللَّوْحِ))، فكَتَبَ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَعَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُومِ
خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَقَالَ: هَلْ لي من رُخْصَة؟ فَنَزَلَتْ ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥].
[خ: ٢٨٣١، م: ١٨٩٨، ن: ٣١٠١، حم: ١٨٠١٦، مي: ٢٤٢٠].
٢٤ - كِتَابُ: الجِهَادِ عَنْ رَسُولِ الله
صَلَى اللّه
وَسْتَّة
١- باب مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ لأَهْلِ العُذْرِ في القُعُودِ
المراد بالعذر: ما هو أعم من المرض، وعدم القدرة على السفر. وأما حديث جابر عند
مسلم بلفظ: ((حَبَسَهُمُ المَرَضُ ... )) فكأنه محمول على الأغلب.
[١٦٧٠] قوله: (ائتوني بالكتف، أو اللوح) الظاهر: أن ((أو)) للتنويع، ويحتمل أن يكون
للشك. وفي رواية للبخاري: ((ادْعُوا فُلانًا)) فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف، وفي رواية
مسلم: فأمر رسول الله وَ# زيدًا فجاء بكتف.
قال النووي: فيه: جواز كتابة القرآن في الألواح والأكتاف، وفيه: طهارة عظم المذكى،
وجواز الانتفاع به.
(فكتب) أي: كتب بأمره، وفي حديث زيد بن ثابت: ((أَمَلَى عَلَيْهِ)).
(هل لي رخصة) وفي حديث زيد عند البخاري(١): فجاءه ابن أم مكتوم، وهو يملها عَلَيَّ.
قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد، لجاهدت. وكان أعمى، فنزلت ﴿غَيْرُ أُؤْلِ
الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] قال النووي: قرئ ((غير)) بنصب الراء، ورفعها قراءتان مشهورتان في
السبع: قرأ نافع، وابن عامر، والكسائي بنصبها. والباقون برفعها. وقرئ في الشاذ بجرها .
(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير. حديث (٢٨٣٢).

٣٠٨
كتاب الجهاد عن رسول الله وَّهَ / باب مَا جَاء في الرُّخصة لأهل العُذْرِ فِي القُعُودِ
وفي البابِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وجَابٍ، وزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وهذا حديثٌ حسنٌ
صحيحٌ، وهو حديثٌ غريبٌ مِن حَدِيثِ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ عَن أبي إسْحَاقَ، وقد رَوَى
شُعْبَةُ، والثَّورِيُّ، عَن أبي إسْحَاقَ هذا الحديث.
فمن نصب: فعلى الاستثناء. ومن رفع: فوصف لـ((القاعدين))، أو بدل منهم. ومن جر:
فوصف لـ((المؤمنين))، أو بدل منهم. وقال في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ
أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] الآية دليل لسقوط الجهاد عن المعذورين، ولكن لا يكون ثوابهم ثواب
المجاهدين، بل لهم ثواب نياتهم إن كان لهم نية صالحة؛ كما قال ◌َله: ((وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ)).
وفيه: أن الجهاد فرض كفاية ليس بفرض عين، وفيه رد على من يقول: إنه كان في زمن
النبي وَّ فرض عين وبعده فرض كفاية. والصحيح: أنَّه لم يزل فرض كفاية من حين شرع،
وهذه الآية ظاهرة في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىَّ وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ
أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] انتهى.
قوله: ( وفي الباب عن ابن عباس، وجابر، وزيد بن ثابت).
أما حديث ابن عباس: فأخرجه البخاري (١)، وأخرجه الترمذي أيضًا في التفسير.
وأما حديث جابر: فأخرجه مسلم(٢) عنه قال: كنا مع النبي وَلّفي غزاة فقال: ((إنَّ
بِالمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كانُوا مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ المَرَضُ)). وفي
رواية: ((إِلَّا شَرَكُوكُمْ فِي الأَجْرِ)»؛ وأخرجه أيضًا ابن ماجه، وابن حبان، وأبو عوانة(٣).
وأما حديث زيد: فأخرجه الشيخان (٤)، والترمذي في ((التفسير)).
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه أحمد، والشيخان، والنسائي، وابن
حبان، والترمذي في ((التفسير)).
(وقد روى شعبة، والثوري عن ابن إسحاق هذا الحديث) ذكر الحافظ في ((الفتح)) أن
ثمانية رجال رووا هذا الحديث، عن أبي إسحاق.
(١) البخاري، كتاب المغازي. حديث (٣٩٥٤)، والترمذي، كتاب التفسير. حديث (٣٠٣٢).
(٢) مسلم، كتاب الإمارة. حديث (١٩١١)، وابن ماجه، كتاب الجهاد. حديث (٢٧٦٥).
(٣) ابن حبان. حديث (٤١)، وأبو عوانة في ((صحيحه)). حديث (٦٠٠٤).
(٤) البخاري، كتاب الجهاد والسير. حديث (٢٨٣٢)، ومسلم، كتاب الإمارة. حديث (١٨٩٨)، والترمذي،
كتاب التفسير. حديث (٣٠٣٣).

٣٠٩
كتاب الجهاد عن رسول الله وَل﴿/ باب مَا جَاء فِيمَنْ خَرَجَ في الغَزوِ وتَرَكَ أَبَوَيْهِ
٢- باب مَا جَاء فِيمَنْ خَرَجَ في الغَزوٍ وتَرَكَ أبَوَيْهِ [ت ٢، م ٢٨]
[١٦٧١] (١٦٧١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن سُفْيَانَ
وشُعْبَةَ، عَن حَبِيبٍ بْنِ أبي ثَابِتٍ، عَن أبي العبَّاسِ، عَن عبدِ الله بْنِ عَمْرٍو، قَالَ:
جَاء رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ وَ يَسْتَأْذِنُهُ في الجِهَادِ، فَقَالَ: ((أَلَكَ وَالِدَانِ؟)) قَالَ: نَعَم،
قَالَ: ((فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ)). [خ: ٣٠٠٤، م: ٢٥٤٩، ن: ٣١٠٣، د: ٢٥٢٩، جه بنحوه: ٢٧٨٢،
حم: ٦٥٠٨].
٢ - باب مَا جَاءَ فِيمَنْ خَرَجَ إِلَى الغَزْوِ وَتَرَكَ أَبَوَيْهِ
[١٦٧١] قوله: (جاء رجل) قال الحافظ: يحتمل أن يكون هو جاهمة بن العباس بن
مرداس؛ فقد روى النسائي، وأحمد (١) من طريق معاوية بن جاهمة؛ أن جاهمة جاء إلى النبي
﴿* فقال: يا رسول الله، أردت الغزو، وجئت لأستشيرك. فقال: ((هَلْ لَكَ من أُمّ»، قال:
نعم، قال: ((الْزَمْهَا))، الحديث.
ورواه البيهقي (٢) من طريق ابن جريج، عن محمد بن طلحة بن ركانة، عن معاوية بن
جاهمة السلمي، عن أبيه قال: أتيت النبيَّ وَله أستأذنه في الجهاد، فذكره. انتهى.
(قال: ففيهما) أي: ففي خدمتهما (فجاهد) وفي رواية: ((فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ
صُحْبَتَهُمَا)).
قال الطيبي: ((فيهما)) متعلق بالأمر قدم؛ للاختصاص، والفاء الأولى جزاء شرط
محذوف، والثانية جزائية؛ لتضمن الكلام معنى الشرط؛ أي: إذا كان الأمر كما قلت؛
فاختص المجاهدة في خدمة الوالدين، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِتََّىَ فَأَعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] أي:
إذا لم تخلصوا إلي العبادة في أرض فأخلصوها في غيرها؛ فحذف الشرط، وعوض منه
تقديم المفعول المفيد للاختصاص ضمنًا. وقوله: ((فجاهد)) جيء به مشاكلة؛ يعني: حيث
قال: ((فجاهد)) في موضع ((فاخدمهما))؛ لأن الكلام في الجهاد، ويمكن أن يكون الجهاد
بالمعنى الأعم الشامل للأكبر والأصغر. قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِنَا لَنَّهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَأْ﴾.
[العنكبوت: ٦٩] انتهى.
(١) أحمد. حديث (١٥١١٠)، والنسائي، كتاب الجهاد. حديث (٣١٠٤).
(٢) البيهقي في ((الكبرى)). حديث (١٧٦١٠).

٣١٠
كتاب الجهاد عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في الرَّجُلِ يُبْعَثُ وَحْدَهُ سريّة
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ،
وأبُو العَبَّاسِ هُوَ: الشَّاعِرُ الأَعْمَى المَكِّيُّ، واسْمُهُ: السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخ.
٣- باب مَا جَاء في الرَّجُلِ يُبْعَثُ وَحْدَهُ سرِيَّة [ت ٣، م ٢٩]
وقال العيني في ((العمدة)) قوله: ((فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ))؛ أي: ففي الوالدين فجاهد، الجار
والمجرور متعلق بمقدر؛ وهو ((جاهد))، ولفظ ((جاهد)) المذكور مفسر له؛ لأن ما بعد الفاء
الجزائية لا يعمل فيما قبلها، ومعناه: خصصهما بالجهاد. وهذا كلام ليس ظاهره مرادًا؛ لأن
ظاهر الجهاد إيصال الضرر للغير، وإنما المراد إيصال القدر المشترك من كلفة الجهاد؛ وهو
بذل المال، وتعب البدن فيؤول المعنى إلى: ((ابذُلْ لي مالك، وأَتْعِبْ بدنك في رضى
والدیْكَ)). انتهى.
وقال في ((شرح السنة)): هذا في جهاد التطوع لا يخرج إلا بإذن الوالدين إذا كانا
مسلمين، فإن كان الجهاد فرضًا متعينًا، فلا حاجة إلى إذنهما، وإن منعاه، عصاهما وخرج.
وإن كانا كافرين، فيخرج بدون إذنهما فرضًا كان الجهاد أو تطوعًا، وكذلك لا يخرج إلى
شيء من التطوعات؛ كالحج، والعمرة، والزيارة، ولا يصوم التطوع إذا كره الوالدان
المسلمان، أو أحدهما إلا بإذنهما. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن ابن عباس) لينظر من أخرجه.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، وأبو داود، والنسائي (واسمه:
السائبُ بن فروخ) ثقة، من الثالثة.
٣ - باب مَا جَاءَ في الرَّجُلِ يُبْعَثُ وَحْدَهُ سَرِيَّةً
لا يظهر معنى هذه الترجمة، إلا أن يقدر لفظ: ((على)) قبل: ((سرية))، ويقال: إن المراد:
إنه يجوز أن يبعث الرجل وحده أميرًا على سرية، هذا ما عندي. والله تعالى أعلم بمراد
المصنف من هذه الترجمة.
وقال في هامش النسخة الأحمدية: لا يناسب هذه الترجمة حديث الباب؛ لأن عبد الله
جعل أميرًا، وله قصة مذكورة في الأصول؛ من أنه قال لرجال السرية: ((احرقوا أنفسكم إن
كنتم تطيعون أولي الأمر. فأبوا)). لعل المراد بالبعث وحده بعثه عَقِيبَ السرية وحده، وجعله
أميرًا عليها. والله أعلم؛ كذا بلغني عن شيخنا. انتهى ما في ((هامش النسخة الأحمدية)).

٣١١
كتاب الجهاد عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء في الرَّجُلِ يُبْعَثُ وَحْدَهُ سرِيَّة
[١٦٧٢] (١٦٧٢) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيسَابُوريُّ، حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ بْنُ
مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، في قَوْلِهِ: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾
[النساء: ٥٩] قَالَ عَبْدُ الله بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِي السَّهْمِيُّ: بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ وَله على
سَرِيَّةٍ، أَخْبَرَنِيهِ يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، عَن سعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. [خ: ٤٥٨٤،
م: ١٨٣٤، د: ٢٦٢٤].
قَالَ أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن حَدِيثِ ابنِ ◌ُرَيْجِ.
[١٦٧٢] قوله: (حدثنا محمد بن يحيى) هو: الإمام الذهلي.
قوله: (قال عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي: بعثه رسول الله وَّ﴿ على سرية)
ضمير ((قال)) راجع إلى ((ابن جريج))، و((عبد الله بن حذافة)) مبتدأ، و((بعثه)) خبره، والضمير
المنصوب لـ((عبد الله بن حذافة))؛ أي: قال ابن جريج: إن رسول الله وَّ ه. بعث عبد الله بن
حذافة على سرية.
وفي رواية مسلم: قال ابن جريج: نزل ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ مَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ
يَنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي، بعثه النبي وَّ في سرية
(أخبرنيه) هذا مقول ابن جريج (يعلى بن مسلم) بن هرمز المكي، أصله: من ((البصرة))، ثقة،
من السادسة.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان.
تنبيهان: الأول: قال العلماء: المراد بأولي الأمر: من أوجب الله طاعته من الولاة
والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم. وقيل: هم
العلماء. وقيل: الأمراء والعلماء.
وأما من قال: الصحابة خاصة فقط، فقد أخطأ؛ قاله النووي. وقال الحافظ: اختلف في
المراد بـ ﴿أُوْلِ الْأَمْرِ﴾ في الآية: فعن أبي هريرة قال: هم الأمراء؛ أخرجه الطبري(١) بإسناد
صحیح، وأخرجه عن ميمون بن مهران وغيره نحوه.
وعن جابر بن عبد الله: قال: هم أهل العلم والخير(٢).
(١) الطبري في ((التفسير)) (٩٨٥٦).
(٢) الطبري في ((التفسير)) (٩٨٦٢).

٣١٢
كتاب الجهاد عن رسول الله رََّ / باب مَا جَاء في الرَّجُلِ يُبْعَثُ وَحْدَهُ سرِيَّة
وعن مجاهد، وعطاء، والحسن، وأبي العالية: هم العلماء. ومن وجه آخر أصح منه
عن مجاهد: قال: هم الصحابة؛ وهذا أخص.
وعن عكرمة: قال: أبو بكر، وعمر، وهذا أخص من الذي قبله.
ورجح الشافعي الأول، واحتج له بأن قريشًا كانوا لا يعرفون الإمارة، ولا ينقادون إلى
أمير، فأمروا بالطاعة لمن ولي الأمر؛ ولذلك قال وَّ: ((مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي)). متفق
عليه(١) .
واختار الطبري حملها على العموم، وإن نزلت في سبب خاص. انتهى.
وذكر العيني في ((شرح البخاري)) في تفسير قوله: ﴿أُوْلِ الْأَمْرِ﴾ أحد عشر قولًا: وقال:
الحادي عشر عامّ في كل من ولي أمر شيء؛ وهو الصحيح، وإليه مال البخاري بقوله: ((ذوي
الأمر)). انتهى.
قلت: الصحيح عندي: هو ما صححه العيني، ومال إليه البخاري، من أن المراد ب﴿أُؤْلِ
اٌلْأَمْرِ﴾: كل من ولي أمر شيء، والدليل على ذلك: أن وَاحِدَ ((أولي)): ((ذو))؛ لأنها لا واحد
لها من لفظها، ومعنى أولي الأمر: ذوو الأمر، ومن الظاهر: أن ذا الأمر لا يكون إلا من
ولي أمر شيء. وأما أهل العلم، فهم أولو العلم، لا أولو الأمر.
الثاني: روى البخاري في ((صحيحه)) (٢)، عن علي، قال: بعث النبيُّ وَّ سريةً،
فاستعمل رجلًا من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه. فغضب. قال: أليس أمركم النبي وَّر أن
تُطِيعُونِي؟ قالوا: بلى. قال: فاجمعوا لي حَطَبًا، فجمعوا؛ فقال: أوقدوا نارًا، فأوقدوها.
فقال: ادخلوها. فَهَمُّوا؛ وجعل بعضهم يمسك بعضًا، ويقولون: فررنا إلى النبي ◌ِّ من
النار، فما زالوا حتى خمدت النار، فسكن غضبه، فبلغ النبي وَلّ فقال: (لَوْ دَخَلُوهَا مَا
خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ)).
اختلف أهل العلم في هذا الرجل الذي استعمله رَسُولُ اللهِ وَ لهر على السرية، فقيل: إنه
عبد الله بن حذافة السهمي. قال النووي: وهذا ضعيف؛ لأنه وقع في رواية أخرى أنه رجل
من الأنصار، فدل على أنه غيره. انتهى.
(١) البخاري، كتاب الأحكام. حديث (٧١٣٧)، ومسلم، كتاب الإمارة. حديث (١٨٣٥).
(٢) البخاري، كتاب المغازي. حديث (٤٣٤٠).

٣١٣
كتاب الجهاد عن رسول الله وَّهَ ر باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ أنْ يُسَافِرَ الرَّجُلُ وَحْدَه
٤- باب مَا جَاء في كَرَاهِيَةٍ أنْ يُسَافِرَ الرَّجُلُ وَحْدَه [ت ٤، ٢ ٣٠]
[١٦٧٣] (١٦٧٣) حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ
عُيَيْنَةَ، عَن عاصِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَن أبيهِ، عَن ابنِ عُمَرَ؛ أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَلَهِ قَالَ: (لَوْ أنَّ
النَّاسَ يَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِنَ الوَحْدَةِ، ما سَرَى رَاكِبُ بِلَيْلٍ)). يَعْنِي: وَحْدَهُ. [خ: ٢٩٩٨،
جه: ٣٧٦٨، حم: ٤٧٣٤، مي: ٢٦٧٩].
وقال ابن الجوزي: قوله: ((من الأنصار)) - وَهْمٌ من بعض الرواة، وإنما هو سهمي.
قال الحافظ: ويؤيده حديث ابن عباس عند أحمد (١) في قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] الآية نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن
عدي، بعثه رَسُولُ الله ◌ِّ في سرية. انتهى.
٤ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ أنْ يُسَافِرَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ
[١٦٧٣] قوله: (عن عاصم بن محمد) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمري،
المدني، ثقة، من السابعة.
(عن أبيه) أي: محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر المدني، ثقة، من الثالثة.
قوله: (ما أعلم من الوحدة) ((ما)) موصولة، والمعنى: لو يعلم الناس ما أعلم ما في
الوحدة من الآفات التي تحصل من ذلك.
(ما سار راكب بليل يعني وحده) ((ما)) نافية. قال الطيبي: وكان من حق الظاهر أن يقال:
ما سار أحد وحده، فقيَّده بالراكب، والليل؛ لأن الخطر بالليل أكثر؛ فإن انبعاثَ الشرِّ فيه
أكثر، والتحرز منه أصعب. ومنه قولهم: الليل أخفى لِلْوَيْلِ، وقولهم: أعذر الليل: لأنه إذا
أظلم كثر فيه العذر، لاسيما إذا كان راكبًا؛ فإنه له أخوف، وَوَجَلُ المركوب من النفور من
أدنى شيء، والتهوي في الوحدة بخلاف الراجل.
قال القاري: ويمكن التقييد بالراكب؛ ليفيد أن الراجل ممنوع بطريق الأولى، ولئلا
يتوهم أن الوحدة لا تطلق على الراكب؛ كما لا يخفى. انتهى.
قال ابن المنير: السير لمصلحة الحرب أخص من السفر، والخبر ورد في السفر؛ فيؤخذ
(١) أحمد. حديث (٣١١٤).

٣١٤
كتاب الجهاد عن رسول اللّه وَ﴿و / باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ أنْ يُسَافِرَ الرَّجُلُ وَحْدَه
[١٦٧٤] (١٦٧٤) حَدَّثَنَا إسحاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا
مَالِكٌ، عَن عَبْدِ الرَّحمنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَن أبيهِ، عَن جَدِّهِ؛ أنَّ
رَسُولَ الله ◌َّهِ قَالَ: ((الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، والرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانٍ،
من حديث جابر جواز السفر، منفردًا؛ للضرورة والمصلحة التي لا تنتظم إلا بالانفراد؛
كإرسال الجاسوس، والطليعة، والكراهة لما عدا ذلك.
ويحتمل أن تكون حالة الجواز مقيدة بالحاجة عند الأمن، وحالة المنع مقيدة بالخوف
حيث لا ضرورة.
وقد وقع في كتب ((المغازي)): بعثُ كلٍّ من حذيفة، ونعيم بن مسعود، وعبد الله بن
أنيس، وخوات بن جبير، وعمرو بن أمية، وسالم بن عمير [وبسبسة] في عدة مواطن،
وبعضها في الصحيح، ذكره الحافظ في ((الفتح)).
قلت: وحديث جابر الذي أشار إليه ابن المنير أخرجه البخاري(١) في الجهاد، وغيره،
ولفظه: ندب النبي ◌َل # الناس يوم ((الخندق))؛ فانتدب الزبير، ثم ندبهم؛ فانتدب الزبير، ثم
ندبهم؛ فانتدب الزبير ثلاثًا. قال النبي ◌َِّ: ((إِنَّ لِكُلِّ نَبِيِّ حَوَارِيًّا وَحَوَارِيّ الزُّبَيْرُ)).
[١٦٧٤] قوله: (الراكب شيطان، والراكبان شيطانان) قال المظهر: يعني: مشي الواحد
منفردًا منهيٌّ، وكذلك مشي الاثنين. ومن ارتكب منهيًّا، فقد أطاع الشيطان، ومن أطاعه،
فكأنه هو؛ ولذا أطلق وَلِّ اسمه عليه.
وفي ((شرح السنة)): معنى الحديث عندي: ما روي عن سعيد بن المسيب مرسلًا:
الشيطان يهم بالواحد والاثنين، فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم.
وقال الخطابي: معناه: أن التفرد والذهاب وحده في الأرض من فعل الشيطان؛ وهو
شيء يحمله عليه الشيطان، ويدعوه إليه، وكذلك الاثنان، فإذا صاروا ثلاثة؛ فهو ركب؛
أي: جماعة، وصحب. قال: والمنفرد في السفر إن مات لم يكن بحضرته من يقوم بغسله،
ودفنه، وتجهيزه، ولا عنده من يوصي إليه في ماله، ويحمل تركته إلى أهله، ويورد خبره
إليهم، ولا معه في سفره من يعينه على الحمولة؛ فإذا كانوا ثلاثة تعاونوا، وتناوبوا المهنة،
والحراسة، وصلُّوا الجماعةَ، وأحرزوا الحظ منها. انتهى.
(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير. حديث (٢٩٩٧).

٣١٥
كتاب الجهاد عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في كَرَاهِيَةٍ أنْ يُسَافِرَ الرَّجُلُ وَحْدَه
والثلاثَةُ رَكْبٌ)). [ د: ٢٦٠٧، حم: ٦٧٠٩، طا: ١٨٣١].
قَالَ أَبُو عِيْسَى: حديث ابن عمر حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا مِن هذا
الوجْهِ مِن حَدِيثٍ عَاصِمٍ، وهُوَ ابنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، قَالَ مُحمَّد:
هُوَ ثِقَةٌ صَدُوقٌ وعاصمَ بْنُ عمر العُمَرِيُّ ضَعِيفٌ في الحَدِيثِ لا أروي عنه شيئًا،
وحَدِيثُ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو حديثٌ حَسَنٌّ.
(والثلاثة رَكْب) بفتح فسكون؛ أي: جماعة. قال في ((النهاية)): الركب: اسم من أسماء
الجمع ك ((نفر)) و((رهط))، ولهذا صغر على لفظه. وقيل: هو جمع: راكب كـ ((صاحب))
و((صحب)). ولو كان كذلك لقيل في تصغيره: رويكبون؛ كما يقال: صويحبون. والراكب في
الأصل هو راكب الإبل خاصة، ثم اتسع فيه، فأطلق على كل من ركب دابة. انتهى.
قوله: (حديث ابن عمر حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والبخاري، وابن ماجه؛
كذا في ((الجامع الصغير)).
(لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث عاصم) قال الحافظ في ((الفتح)): ذكر الترمذي أن
عاصم بن محمد تفرد برواية هذا الحديث، وفيه نظر؛ لأن عمر بن محمد أخاه قد رواه معه
عن أبيه، أخرجه النسائي. انتهى.
قوله: (وحديث عبد الله بن عمرو) أي: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛
فإن جده هو: عبد الله بن عمرو.
(أحسن) كذا في النسخة الأحمدية، ووقع في بعض النسخ: ((حسن))، وهو الظاهر، بل
هو الصحيح.
وحديث عبد الله بن عمرو هذا؛ أخرجه أحمد، ومالك، وأبو داود، والنسائي،
والحاكم (١) وصححه.
(١) الحاكم. حديث (٢٤٩٥) وصححه، ووافقه الذهبي.

٣١٦
كتاب الجهاد عن رسول اللّه ◌َّ / باب مَا جَاء في الرُّخْصَةِ في الكَذِبِ وَالخَدِيعَةِ فِي الحَرْب
٥- باب مَا جَاء في الرُّخْصَةِ في الكَذِبِ وَالخَدِيعَةِ في الحَرْب [ته،م٣١]
[١٦٧٥] (١٦٧٥) حَدَّثَنَا أحمدُ بْنُ مَنِيع ونَصْرُ بْنُ عليٍّ، قالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ
عيينة، عَن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، سَمِعَ جَابَرَ بْنَ عَبْدِ الله، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ:
((الحَرْبُ خُدْعَةٌ)). [خ: ٣٠٣٠، م: ١٧٣٩، د: ٢٦٣٦، حم: ١٣٧٦٥].
٥ - باب مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ في الَذِبِ والخَدِيعَةِ ي الحَرْبِ
[١٦٧٥] قوله: (الحرب خدعة) قال النووي: فيها ثلاث لغات مشهورات، اتفقوا على
أن أفصحهن: (خَدْعة)) بفتح الخاء، وإسكان الدال. قال ثعلب وغيره: وهي لغة النبي ◌َّر.
والثانية: بضم الخاء، وإسكان الدال. والثالثة: بضم الخاء، وفتح الدال.
واتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب، وكيف أمكن الخداع، إلا أن يكون
فيه نقض عهد، أو أمان؛ فلا يحل.
وقد صُحِّح في الحديث جواز الكذب في ثلاثة أشياء: أحدها في الحرب. قال الطبري:
إنما يجوز من الكذب في الحرب المعاريض دون حقيقة الكذب؛ فإنه لا يحل.
قال النووي: والظاهر إباحة حقيقة نفس الكذب، لكن الاقتصار على التعريض أفضل.
وقال ابن العربي: الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص؛ رفقًا بالمسلمين؛
لحاجتهم إليه، وليس للعقل فيه مجال. ولو كان التحريم الكذب بالعقل ما انقلب حلالًا .
انتھی.
وقال القاضي عياض في ((المشارق)) بعد ذكر أربع لغات فيها؛ وهي: الخَدْعَةُ والخُدْعَةُ
والْخُدَعَةُ والخَدَعَةُ، ما لفظه: فالخدعة بمعنى: أن أمرها ينقضي بخدعة واحدة يخدع بها
المخدوع، فتزلُّ قدمه، ولا يجد لها تلافيًا، ولا إقالة؛ فكأنه نَبَّهَ على أخذ الحذر من ذلك.
ومن ضم الخاء، وفتح الدال، نسب الفعل إليها؛ أي: تخدع هي من اطمأن إليها، أو
أن أهلها يخدعون فيها .
ومن فتحهما جميعًا، كان جمع: خادع؛ يعني: أن أهلها بهذه الصفة، فلا تطمئن إليهم؛
كأنه قال: أهل الحرب خدعة. وأصل الخدع إظهار أمر، وإضمار خلافه.
وقال التوربشتي: روي ذلك من وجوه ثلاثة: بفتح الخاء، وسكون الدال؛ أي: أنها
خدعة واحدة لمن تَيَسَّر له حَقُّ الظَّفَر. وبضم الخاء، وسكون الدال؛ أي: معظم ذلك المكر

٣١٧
كتاب الجهاد عن رسول الله ◌َّه / باب مَا جَاء في الرُّخْصَةِ في الكَذِبِ وَالخَدِيعَةِ في الحَرْب
قَالَ أَبُو عِيْسَى: وفي البَابِ: عَنْ علي، وزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وعَائِشَةَ، وابنِ عَبَّاسٍ،
وأبي هُرَيْرَةَ، وَأسْمَاء بِنْتِ يَزِيدَ بْن السَّكن، وَكَعْبٍ بْنِ مالِكٍ، وأنَسٍ؛ وهذا حديثٌ
حسنٌ صحيحٌ.
والخديعة. وبضم الخاء، وفتح الدال؛ أي: أنها خداعة للإنسان بما تخيِّل إليه وتمنِّيه، ثم إذا
لا بسها وجد الأمر بخلاف ما خُيِّل إليه. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن علي، وزيد بن ثابت، وعائشة، وابن عباس، وأبي هريرة،
وأسماء بنت يزيد، وكعب بن مالك، وأنس بن مالك) .
أما حديث علي: فأخرجه أحمد(١) .
وأما حديث زيد بن ثابت: فأخرجه الطبراني في ((الكبير)(٢).
وأما حديث عائشة: فأخرجه ابن ماجه (٣) .
وأما حديث ابن عباس: فأخرجه أيضًا ابن ماجه (٤) .
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه الشيخان(٥) .
وأما حديث أسماء بنت يزيد: فأخرجه أحمد(٦)، والترمذي في باب: ((إصلاح ذات
البين)) من أبواب البر والصلة.
وأما حديث كعب بن مالك: فأخرجه أبو داود(٧) .
وأما حديث أنس بن مالك(٨): فأخرجه أحمد، وابن حبان.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان، وأبو داود.
(١) أحمد. حديث (٦٩٨).
(٢) الطبراني في ((الكبير)). حديث (٤٨٦٦)، وقال الهيثمي: وفيه فضالة بن المفضل؛ وهو ضعيف.
(٣) ابن ماجه، كتاب الجهاد. حديث (٢٨٣٣).
(٤) ابن ماجه كتاب الجهاد. حديث (٢٨٣٤).
(٥) البخاري، كتاب الجهاد والسير. حديث (٣٠٢٨)، ومسلم، كتاب الجهاد. حديث (١٧٤٠).
(٦) أحمد. حديث (٢٧٠٥٠)، والترمذي، كتاب البر والصلة. حديث (١٩٣٩).
(٧) أبو داود، كتاب الجهاد. حديث (٢٦٣٧).
(٨) أحمد، حديث (١٣٣٦٥).

٣١٨
كتاب الجهاد عن رسول الله وَّهِ ر باب مَا جَاء في غَزَوَاتِ النبيِّ ◌َِّ، وَكَمْ غَزَا؟
٦- باب مَا جَاء في غَزَوَاتِ النبيِّ ◌ِ﴿ِ، وَكَمْ غَزَا؟ [ت ٦، م ٣٢]
[١٦٧٦] (١٦٧٦) حَدَّثَنَا محمودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ وأبو دَاوُدَ
الطَّيالسيُّ، قالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن أبي إسْحَاقَ، قَالَ: كُنْتُ إلى جَنْبٍ زَيْدِ بْنِ
أرْقَمَ، فَقِيلَ لَهُ: كَمْ غَزَا النبيُّ بِّهِ مِن غَزْوَةٍ؟ قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ، فَقُلْتُ: كَمْ غَزَوْتَ
أنْتَ مَعَهُ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ،
٦- باب مَا جَاءَ في غَزَوَاتِ النَّبِيِّ ﴿ وَكَمْ غَزَا؟
((الغزوات)) جمع: ((غزوة))، وأصل الغزو: القصد، ومغزى الكلام: مقصده. والمراد
بالغزوات هنا: ما وقع من قصد النبي ◌َّ الكفار بنفسه، وبجيش من قبله، وقصدهم أعم من
أن يكون إلى بلادهم، أو إلى الأماكن التي حلوها حتى دخل مثل: ((أحد))، و((الخندق)).
[١٦٧٦] قوله: (فقيل له) قال الحافظ: القائل هو: الراوي أبو إسحاق بَيَّنَهُ إسرائيل بن
يونس، عن أبي إسحاق؛ كما سيأتي في آخر المغازي؛ بلفظ: سألت زيد بن أرقم.
(قال تسع عشرة) كذا قال، ومراده: الغزوات التي خرج النبي وَ لّ فيها بنفسه؛ سواء
قاتل، أو لم يقاتل.
قال الحافظ في ((الفتح)): لكن روى أبو يعلى من طريق أبي الزبير، عن جابر؛ أن عدد
الغزوات: إحدى وعشرون. وإسناده صحيح، وأصله في مسلم؛ فعلى هذا: فَاتَ زيد بن
أرقم ذكر ثنتين منها، ولعلهما: ((الأبواء))؛ ((وبواط))، وكأن ذلك خفي عليه؛ لصغره. ويؤيد
ما قلته: ما وقع عند مسلم؛ بلفظ: قلت: ما أول غزوة غزاها؟ قال: ((ذات العشير، أو
العشيرة)). انتهى، والعشيرة - كما تقدم - هي: الثالثة.
وأما قول ابن التين: يحمل قول زيد بن أرقم على أن العشيرة: أول ما غزا هو؛ أي:
زيد بن أرقم؛ والتقدير: فقلت: ما أول غزوة غزاها أي: وأنت معه؟ قال: العشير؛ فهو
محتمل أيضًا، ويكون قد خفى عليه ثنتان مما بعد ذلك، أو عد الغزوتين واحدة؛ فقد قال
موسى بن عقبة: قاتل رَسُولُ اللهِوَّ في ثمان: (بدر))، ثم ((أحد))، ثم ((الأحزاب))، ثم
((المصطلق))، ثم ((خيبر))، ثم ((مكة))، ثم ((حنين))، ثم ((الطائف)). انتهى. وأهمل غزوة
((قريظة))؛ لأنه ضمها إلى ((الأحزاب))؛ لكونها كانت في إثرها. وأفردها غيره؛ لوقوعها
منفردة بعد هزيمة ((الأحزاب))؛ وكذا وقع لغيره عدُّ ((الطائف))، و((حنين)) واحدة؛ لتقاربهما؛
فيجتمع على هذا قول زيد بن أرقم، وقول جابر.

٣١٩
كتاب الجهاد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في غَزَوَاتِ النبيِّ وَِّ، وَكَمْ غَزَا؟
قُلْتُ: أيَّتهُنَّ كَانَ أوَّلَ؟ قَالَ: ذَاتُ العُشَيْراء أو العُسَيْرَاءِ. [خ: ٤٤٠٤، م: ١٢٥٤،
حم: ١٨٧٩٦] .
وقد توسع ابن سعد، فبلغ عدة المغازي التي خرج فيها رسول الله وَلاه بنفسه سبعًا
وعشرين، وتبع في ذلك الواقدي؛ وهو مطابق لما عدَّه ابن إسحاق، إلا أنه لم يفرد ((وادي
القرى)) من ((خيبر))؛ أشار إلى ذلك السهيلي، وكأن الستة الزائدة من هذا القبيل، وعلى هذا
يحمل ما أخرجه عبد الرزاق(١)؛ بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب، قال: غزا رسول الله
وَّ ر أربعًا وعشرين، وأخرجه يعقوب بن سفيان، عن سلمة بن شبيب، عن عبد الرزاق، فزاد
فيه أن سعيدًا قال أولًا: ثمان عشرة، ثم قال: أربعًا وعشرين.
قال الزهري: فلا أدري أوهم، أو كان شيئًا سمعه بعد(٢) .
قال الحافظ: وحمله على ما ذكرته يدفع الوهم، ويجمع الأقوال. والله أعلم.
وأما البعوث والسرايا: فعند ابن إسحاق: ستًا وثلاثين. وعند الواقدي: ثمانيًا وأربعين.
وحكى ابن الجوزي في ((التلقيح)»: ستًا وخمسين. وعند المسعودي ستين. وبلغها شيخنا
في ((نظم السيرة)) زيادة على السبعين. ووقع عند الحاكم في ((الإكليل)) أنها تزيد على مئة؛
فلعله أراد ضم المغازي إليها. انتهى.
(وأيتهن كان أول) كذا في النسخ الحاضرة عندنا، والظاهر أن يكون: ((وأيتهن كانت)).
(ذات العشيراء أو العسيراء) الأول: بضم العين المهملة، وفتح الشين المعجمة مصغرًا.
والثاني كذلك، لكن بالسين المهملة؛ كذا في النسخ الحاضرة عندنا .
وقال الحافظ في ((الفتح)): ووقع في الترمذي: العشير، أو العسير بلا هاء فيهما.
وفي رواية مسلم: ((ذات العُسَيْرِ أو العُشَيْرِ)).
قال النووي في ((شرح مسلم)): قال القاضي في ((المشارق)): وهي ذات العشيرة؛ بضم
العين، وفتح الشين المعجمة. قال: وجاء في كتاب ((المغازي)) يعني: من ((صحيح
البخاري)): عسير؛ بفتح العين، وكسر السين المهملة؛ بحذف الهاء. قال: والمعروف فيها
العشيرة مصغرة بالشين المعجمة، والهاء قال: وكذا ذكرها ابن إسحاق، وهي: من أرض
«مَذْحِج)).
(١) عبد الرزاق في ((المصنف)) (٩٦٥٩).
(٢) عبد الرزاق في ((المصنف)) (٩٦٥٩).

٣٢٠
كتاب الجهاد عن رسول الله وَّ ر باب مَا جَاء في الصَّفِّ والتَّعْبِئِةِ عِنْدَ القِتَال
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٧- باب مَا جَاء في الصَّفِّ والتَّعْبِئةِ عِنْدَ القِتَال [ت ٧، ٢ ٣٣]
[١٦٧٧] (١٦٧٧) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الفَضْلِ، عَن
مُحمَّدِ بْنِ إسحاقَ، عَن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن عبدِ الرَّحمنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ:
وقال الحافظ: قول قتادة: العشيرة، بضم العين المهملة، وفتح الشين المعجمة، وإثبات
الهاء، هو الذي اتفق عليه أهل السير؛ وهو الصواب. وأما غزوة العسيرة بالمهملة فيه: غزوة
((تبوك))، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧] وسميت بذلك؛ لما
فيها من المشقة، وهي بغير تصغير. وأما هذه فنسبت إلى المكان الذي وصلوا إليه، واسمه:
العشير، أو العشيرة، يذكّر ويؤنَّث، وهو موضع.
وذكر ابن سعد أن المطلوب في هذه الغزاة هي عير قريش التي صدرت من ((مكة)) إلى
((الشام)) بالتجارة، ففاتهم، وكانوا يترقبون رجوعها، فخرج النبي وَ ئيلم يتلقاها ليغنمها؛ فبسبب
ذلك كانت وقعةُ ((بدر)).
قال ابن إسحاق: فإن السبب في غزوة ((بدر)): ما حدثني يزيد بن رومان، عن عروة؛ أن
أبا سفيان كان بـ((الشام)) في ثلاثين راكبًا منهم: مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص، فأقبلوا
في قافلة عظيمة فيها أموال قريش، فندب النبي وَّ إليهم، وكان أبو سفيان يَتَجَسَّسُ الأخبار،
فبلغه أن النبي ◌َّ استنفر أصحابه بقصدهم، فأرسل ضمضم بن عمرو الغفاري إلى قريش
بـ(مكة)) يحرضهم على المجيء؛ لحفظ أموالهم، ويحذرهم المسلمين، فاستنفرهم ضمضم؛
فخرجوا في ألف راكب، ومعهم مئة فرس، واشتد حذر أبي سفيان؛ فأخذ طريق الساحل،
وَجَدَّ في السير؛ حتى فات المسلمين، فلما أمن أرسل إلى من يلقى قريشًا يأمرهم بالرجوع،
فامتنع أبو جهل من ذلك؛ فكان ما كان من وقعة بدر. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
٧- باب مَا جَاءَ في الصَّفِّ وَالتَّعْبِيَةِ عِنْدَ القِتَالِ
قال في ((القاموس)): تعبية الجيش: تهيئته في مواضعه.
[١٦٧٧] قوله: (حدثنا سلمة بن الفضل) الأبرش، مولى الأنصار، قاضي ((الري))،
صدوق، كثير الخطأ، من التاسعة.