النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب فضائل الجهاد عن رسول اللّه ◌َّ / باب مَا جَاء في فَضْلِ الرَّمي في سَبيل الله
[١٦٣٨] (١٦٣٨) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هشَام، عَن أبيهِ، عَن
قَتَادَةَ، عَن سَالِم بْنِ أبي الجَعْدِ، عَن مَعْدَانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَن أبَيِّ نَجِيحِ السُّلَمِيِّ
رَُّبه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((مَن رَمَى بِسَهْمٍ في سبيلِ اللهِ، فَهُوَ لَهُ
عِدْلُ مُحَرَّرٍ)). [ن: ٣١٤٣، جه بنحوه: ٢٨١٢] .
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وأبو نَجِيحٍ: هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ
السُّلَمِيُّ، وعبدُ الله بْنُ الأَزْرَقِ هو عبدُ الله بْنُ یزیدَ.
أحدهما: أن يقوم بجنب الرامي، أو خلفه يناوله النبل واحدًا بعد واحد حتى يرمي.
والآخر: أن يرد عليه النبلَ المرميَّ به. ويروى: ((والممد به))، وأي الأمرين فعل، فهو
ممد به. انتهى.
قال المنذري: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ((منبله))؛ أي: الذي يعطيه للمجاهد،
ويجهّز به من ماله إمدادًا له، وتقوية، ورواية البيهقي تدل على هذا. انتهى.
قلت: في رواية البيهقي(١): ((إنَّ الله - عز وجل - يُدخلُ بالسَّهم الواحدِ ثلاثةَ نفرِ الجنَّةَ:
صانعَهُ الذي يحتسبُ في صنعتهِ الخيرَ، والذي يجهّزُ به في سبيلِ الله، والذي يرمي بهِ في
سبيل الله)).
[١٦٣٨] قوله: (فهو له عدل محرر) بكسر العين، ويفتح، أي: مثل ثواب معتق.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود، والحاكم(٢)، وقال: صحيح على
شرطهما، ولم يخرجاه (وأبو نجيح) بفتح النون، وكسر الجيم، وسكون التحتية، وبالحاء
المهملة (وهو: عمرو بن عبسة) بفتح العين، والباء الموحدة، وبالسين المهملة، صحابي
مشهور، أسلم قديمًا، وهاجر بعد ((أحد))، ثم نزل ((الشام)).
(وعبد الله بن الأزرق هو: عبد الله بن زيد) والأزرق صفة لـ((زيد)؛ فهو: عبد الله بن زيد
الأزرق، كما في ((الخلاصة))، و((تهذيب التهذيب))، و((ميزان الاعتدال)).
(١) البيهقي في ((الكبرى)) (١٩٥١٥).
(٢) الحاكم. حديث (٢٥٦٠)، وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

٢٦٢
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في فَضْلِ الحَرسِ فِي سبِيلِ الله
١٢ - باب مَا جَاء في فَضْلِ الحَرسِ في سبِيلِ الله [ت ١٢، م ١٢]
[١٦٣٩] (١٦٣٩) حَدَّثَنَا نصرُ بْنُ عليٍّ الجهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا
شُعَيْبُ بْنُ رُزَيْقٍ أبو شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ الخُراسَانِيُّ عَن عَطَاءِ بْنِ أبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ◌َّهُ يقول: ((عَيْنَانِ لا تَمسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِن
خَشْيَةِ الله، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحرُسُ في سبيلِ الله)).
١٢ - باب ما جاءَ في فَضْلِ الحَرسِ في سَبيلِ الله
[١٦٣٩] قوله: (حدثنا بشر بن عمر) هو: الزَّهراني الأزدي (حدثنا شعيب بن رزيق)
بضم الراء المهملة، وفتح الزاي مصغرًا، الشامي أبو شيبة، صدوق، يخطئ، من السابعة.
(حدثنا عطاء) بن أبي مسلم، أو عثمان الخراساني، واسم أبيه: ميسرة. وقيل: عبد الله،
صدوق، يهم كثيرًا، ويرسل، ويدلس، من الخامسة، لم يصح أن البخاري أخرج له، كذا في
((التقریب)).
قوله: (عينان لا تمسهما النار) أي: لا تمس صاحبهما، فعبَّر بالجزء عن الجملة، وعبَّر
بالمس، إشارة إلى امتناع ما فوقه بالأولى، وفي رواية: ((أبدًا))، وفي رواية: ((لا تريانِ
النَّار)).
(عين بكت من خشية الله) وهي مرتبة المجاهدين مع النفس، التائبين عن المعصية، سواء
كان عالمًا أو غير عالم.
(وعين باتت تحرس) وفي رواية: تَكلأُ، (في سبيل الله)، وهي مرتبة المجاهدين في
العبادة، وهي شاملة لأن تكون في الحج، أو طلب العلم، أو الجهاد، أو العبادة، والأظهر:
أن المراد به: الحارس للمجاهدين، لحفظهم عن الكفار.
قال الطيبي: قوله: ((عين بكت)) هذا كناية عن العالم العابد المجاهد مع نفسه؛ لقوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾ [فاطر: ٢٨] حيث حصر الخشية فيهم غير متجاوز
عنهم، فحصلت النسبة بين العينين: عين مجاهد مع النفس والشيطان، وعين مجاهد مع
الكفار.

٢٦٣
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَليهِ / باب مَا جَاء في ثوابِ الشَّهِيدِ
قَالَ أبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن عُثْمَانَ، وأبي رَيْحَانَةَ، وحديثُ ابنِ عباسٍ
حديثٌ حسنٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِن حديثٍ شُعَيْبٍ بْنِ رُزَيْقٍ.
١٣- باب مَا جَاء في ثوابِ الشَّهِيدِ [ت ١٣، م ١٣]
[١٦٤٠] (١٦٤١) حَدَّثَنَا ابنُ أبي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن عَمْرِو بْنِ
دِينارٍ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَن ابنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ، عَن أبيهِ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((إِنَّ
أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ في طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ مِن ثمرة الجَنَّةِ أو شَجَرِ الجَنَّةِ)). [جه: ١٤٤٩،
حم: ١٥٣٤٩، طا: ٥٦٦].
قوله: (وفي الباب عن عثمان، وأبي ريحانة) أما حديث عثمان: فأخرجه الحاكم(١) وقال:
صحيح الإسناد، ولفظه: ((حرسُ ليلةٍ في سبيلِ الله أفضلُ من ألفِ ليلةٍ يُقامُ ليلهَا ويُصامُ
نهارُها)). وأما حديث أبي ريحانة: فأخرجه أحمد، ورواته ثقات، والنسائي ببعضه، والطبراني
في ((الكبير))، و((الأوسط))(٢)، والحاكم(٣)، وقال: صحيح الإسناد، كذا، في ((الترغيب).
قوله: (حديث ابن عباس حديث حسن صحيح)، وأخرجه الضياء، والطبراني(٤) في
«الأوسط» عن أنس.
١٣ - باب ما جَاءَ في ثَوَابِ الشَّهِيدِ
[١٦٤٠] قوله: (في طير) جمع طائر، ويطلق على الواحد (خضر) بضم، فسكون،
جمع: أخضر.
(تعلق) قال المنذري: بفتح المثناة فوق، وعين مهملة، وضم اللام، أي: ترعى من
أعالي شجر الجنة. انتهى.
وقال في ((النهاية)): أي: تأكل، وهو في الأصل للإبل إذا أكلت العضاه، يقال: علقت
تعلق علوقًا، فنقل إلى الطير. انتهى.
(من ثمر الجنة، أو شجر الجنة) شك من الراوي.
(١) الحاكم. حديث (٢٤٢٦) وصححه، ووافقه الذهبي.
(٢) أحمد. حديث (١٦٧٦٢)، والنسائي، كتاب الجهاد (٣١١٧)، والطبراني في ((الأوسط)). حديث (٨٧٤١).
(٣) الحاكم. حديث (٢٤٣٢) وصححه، ووافقه الذهبي.
(٤) الطبراني في ((الأوسط)) (٥٧٧٩)، والضياء المقدسي في ((المختارة)) (٢١٩٨).

٢٦٤
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاء في ثوابِ الشَّهِيدِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[١٦٤١] (١٦٤٢) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمرَ، أْبَرَنَا عليُّ بْنُ
المبارَكِ، عَن يَحْيَى بْنِ أبي كَثِيرٍ، عَن عَامِرٍ العُقَيْليِّ، عَن أبيهِ، عَن أبي هُرَيْرَةَ؛ أنَّ
رَسُوْلَ اللهِ وَ لَهِ قَالَ:
وفي حديث ابن مسعود عند مسلم: ((أرَواحُهم في أجوافِ طيرٍ خُضرٍ لها قناديلُ مُعلَّقَةٌ
بالعرشِ تسرحُ من الجنَّة حيثُ شاءتْ ثُمَّ تأوي إلى تلك القناديلِ)) الحديث(١).
قال في ((المرقاة)): وقد تعلق بهذا الحديث وأمثاله بعض القائلين بالتناسخ، وانتقال
الأرواح، وتنعيمها في الصور الحسان المرفهة، وتعذيبها في الصور القبيحة، وزعموا أن هذا
هو الثواب والعقاب. وهذا باطل مردود، لا يطابق ما جاءت به الشرائع من إثبات الحشر،
والنشر، والجنة، والنار، ولهذا قال في حديث آخر: ((حتَّى يُرجعَهُ الله إلى جسدهِ يومَ بِعْئةٍ
الأجسادِ))، قال ابن الهمام: اعلم: أن القول بتجرد الروح يخالف هذا الحديث، كما أنه
يخالف قوله تعالى: ﴿فَأَدْخُلِ فِ عِبَدِى﴾ [الفجر: ٢٩]. انتهى.
وفي بعض حواشي ((شرح العقائد)): اعلم: أن التناسخ عند أهله هو: رد الأرواح إلى
الأبدان في هذا العالم لا في الآخرة؛ إذ هم ينكرون الآخرة، والجنة، والنار، ولذا كفروا.
انتھی.
قلت: على بطلان التناسخ دلائل كثيرة واضحة في الكتاب والسنة. منها قوله تعالى:
٣٠َ لَعَلَّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَّكْتُ كَلََّّ إِنَّهَا كَلِمَةُ هُوَ
﴿حَتَّىَ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ أَرْجِعُونِ
قَائِلُهَا وَمِن وَرَآيِهِم بَرََّغُ إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠].
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد في ((مسنده)).
[١٦٤١] قوله: (حدثنا عثمان بن عمر) بن فارس العبدي، بصري، أصله من ((بخارى))
ثقة. قيل: كان يحيى بن سعيد لا يرضاه، من التاسعة.
(عن عامر العقيلي) بالضم، قال في ((التقريب)): عامر بن عقبة. ويقال: ابن عبد الله
العقيلي، مقبول، من الرابعة.
(عن أبيه) هو: عقبة. قال في ((تهذيب التهذيب)): عقبة العقيلي روى عن أبي هريرة، عن
(١) مسلم، كتاب الإمارة، حديث (١٨٨٧).

٢٦٥
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في ثوابِ الشَّهِيدِ
((عُرِضَ عَلَيَّ أوَّلُ ثلاثَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: شَهِيدٌ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ، وَعَبْدٌ أحْسَنَ
عِبَادَةَ الله، وَنَصَحَ لمَوالِيهِ)). [يحيى مدلّس حم: ٩٢٠٨].
النبي ◌َّهِ: ((عُرِضَ عليٍّ أوَّلُ ثلاثةٍ يدخلونَ الجنَّةِ ... )) الحديث، وعنه: ابنه عامر العقيلي.
انتھی .
وقال في ((التقريب)) في ترجمته: مقبول، من الثالثة.
قوله: (عرض) بالبناء للمفعول (أول ثلاثة يدخلون الجنة) بصيغة الفاعل، ويجوز كونه
للمفعول.
قال الطيبي: أضاف أفعل إلى النكرة، للاستغراق؛ أي: أول كل ثلاثة من الداخلين في
الجنة هؤلاء الثلاثة. وأما تقديم أحد الثلاثة على الآخرين، فليس في اللفظ إلا التنسيق عند
علماء المعاني. انتهى.
قال القاري: وقوله: ((للاستغراق)) كأنه صفة النكرة، أي: النكرة المستغرقة؛ لأن النكرة
الموصوفة تعم؛ فالمعنى: أول كُلِّ ممن يدخل الجنة ثلاثة ثلاثة هؤلاء الثلاثة، ثم لا شك أن
التقديم الذكري يفيد الترتيب الوجودي في الجملة، وإن لم يكن قطعيًا، كما في آية الوضوء،
وقد قال ◌َله: ((ابدءوا بما بدأ الله بهِ)) في ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] وروي
(ثلة)) بالضم وهي: الجماعة، أي: أول جماعة يدخلون الجنة.
وروي برفع ((ثلاثة)) فضم ((أول)) للبناء، كضم ((قبل)) و((بعد)) وهو ظرف ((عرض))، أي:
عرض على أول أوقات العرض ثلاثة، أو ثلة يدخلون الجنة.
(شهيد) فعيل بمعنى الفاعل أو المفعول (وعفيف) عن تعاطي ما لا يحل (متعفف) أي:
عن السؤال، مُكتفٍ باليسير عن طلب المفضول في المطعم والملبس، وقيل: أي: متنزه عما
لا يليق به، صابر على مخالفة نفسه وهواه (وعبد) أي: مملوك (أحسن عبادة الله) بأن قام
بشرائطها وأركانها .
وقال الطيبي: أي أخلص عبادته من قوله وَله: ((الإحسَانُ أن تعبدَ الله كأنَّك تراهُ)(١).
(ونصح لمواليه) أي: أراد الخير لهم، وقام بحقوقهم.
(١) مسلم، كتاب الإيمان، (٨).

٢٦٦
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في ثوابِ الشَّهِيدِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ.
[١٦٤٢] (١٦٤٠) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ اليربوعيُّ الكُوفيُّ، حَدَّثَنَا أبو بكر بْنُ
عَيَّاشٍ عَن حُمَيْدٍ، عَن أَنَسٍ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((القَتْلُ في سبيلِ الله، يُكَفِّرُ
كُلَّ خَطِيَةٍ)) فَقَالَ جبريلُ: إِلَّا الدَّيْنَ، فَقَالَ النَِّيّ ◌َهُ: ((إِلَّ الدَّيْنَ)).
قَالَ أبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ، وجابِرٍ، وأبي هُرَيْرَةَ،
وأبي قَتَادَةَ؛
قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد، والحاكم، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١).
[١٦٤٢] قوله: (حدثنا يحيى بن طلحة) بن أبي كثير اليربوعي الكوفي، ليّن الحديث،
من العاشرة.
قوله: (القتل) مصدر بمعنى المفعول.
قوله: (يكفر كل خطيئة) أي: يكون سببًا لتكفير كل خطيئة عن المقتول (إلا الدين) أي:
وما في معناه من حقوق العباد.
قال النووي: فيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين، وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من
أعمال البر لا يكفّر حقوق الآدميين، وإنما تكفّر حقوق الله تعالى.
قوله: (وفي الباب عن كعب بن عجرة، وجابر، وأبي هريرة، وأبي قتادة).
أما حديث كعب بن عجرة: فلينظر من أخرجه(٢).
وأما حديث جابر: فأخرجه الترمذي (٣) في التفسير، وابن ماجه، والحاكم، وقال:
صحيح الإسناد.
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه ابن ماجه (٤) عنه قال: ذكر الشهداء عند النبي وَّل
فقال: ((لا تجفُّ الأرضُ من دم الشَّهيدِ حتَّى تبتدرَهُ زوجتاهُ كأنَّهما ◌ِئِرَانِ أضلَّتا فصيلهُما في
براحٍ من الأرضِ، وفي يد كُلِّ واحدةٍ حلَّةٌ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها))، وله أحاديث أخرى في
هذا الباب ذكرها المنذري في ((الترغيب)) في الشهادة، وما جاء في فضل الشهداء.
(١) الحاكم. حديث (١٤٢٩)، والبيهقي في («الكبرى» (٧٠١٩).
(٢) الطبراني في ((الكبير)) (١٩١٤٧). حديث (٣٢٣).
(٣) الترمذي، كتاب تفسير القرآن. حديث (٣٠١٠)، وابن ماجه (١٩٠)، والحاكم (٤٩١٤).
(٤) ابن ماجه، كتاب الجهاد. حديث (٢٧٩٨).

٢٦٧
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَل﴿ / باب مَا جَاء في ثوابِ الشَّهِيدِ
وحديث أنس حَديثٌ غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ من حَديثِ أبي بكرٍ، إلَّا من حديثٍ هذا
الشَّيْخ، قَالَ: وسألْتُ مُحمَّدَ بْنَ إسماعيلَ عَن هذا الحديثِ؟ فلم يَعْرِفْهُ، وقال: أَرَى
أنه أرَادَ حديثَ حُمَيْدٍ، عَن أَنَسٍ، عَن النبيِّ وَِّ أنه قَالَ: ((ليس أحَدٌ من أهلِ الجَنَّةِ
يَسُرُّهُ أن يَرْجِعَ إلى الدُّنْيَا إِلَّ الشَّهِيدُ)).
[١٦٤٣] (١٦٤٣) حَدَّثَنَا عليُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا إِسماعيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَن حُمَيْدٍ،
عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ أَنَّهُ قَالَ: ((مَا مِن عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ الله خَيْرٌ يُحِبُّ أنْ يَرْجِعَ
إِلَى الدُّنْيَا، وَأنَّ لَهُ الدنيا وما فيها، إلَّا الشَّهِيدُ لِمَا يَرَى مِن فَضْلِ الشهادَةِ؛ فَإِنَّهُ
يُحِبُّ أنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أَخْرَى)). [خ: ٢٧٩٥، م: ١٨٧٧، ن بنحوه: ٣١٦٠،
حم: ١١٥٩٢، مي بنحوه: ٢٤٠٩].
وأما حديث أبي قتادة: فأخرجه مسلم(١)، وأخرجه الترمذي أيضًا في باب: من
یستشهد، وعليه دين.
قوله: (وحديث أنس حديث غريب) وأخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو بلفظ: ((القتلُ
في سبيلِ الله يكفّرُ كلَّ شيءٍ إلا الدَّين)).
(لا نعرفهُ من حديث أبي بكر، إلا من حديث هذا الشيخ) يعني: يحيى بن طلحة الكوفي
(وقال) أي: محمد بن إسماعيل البخاري (أُرى) بضم الهمزة، وفتح الراء، أي: أظن (أنه)
أي: يحيى بن طلحة (أراد حديث حميد، عن أنس، عن النبي ◌َّقى: أنه قال: ((ليس أحد من
أهل الجنة ... إلخ) يعني: أراد يحيى بن طلحة أن يحدث هذا الحديث، فأخطأ ووهم،
وحدث بحديث: ((القتلُ يكفِّرُ كُلَّ شيءٍ .. إلخ)).
[١٦٤٣] قوله: (يموت) صفة لـ((عبد)) (له عند الله خير) أي: ثواب صفة أخرى لـ((عبد))
(يحب أن يرجع) كلمة ((أن)) مصدرية، و((يرجع)) لازم.
(وأن له الدنيا) بفتح الهمزة، عطف على ((أن يرجع)) ويجوز الكسر على أن يكون جملة
حالية (إلا الشهيد) مستثنى من قوله: (يحب أن يرجع) ((لما يرى)) بكسر اللام التعليلية (فيقتل)
على صيغة المجهول بالنصب، عطف على ((أن يرجع)).
(١) مسلم، كتاب الإمارة. حديث (١٨٧٧).

٢٦٨
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَ ر / باب مَا جَاء في فضل الشهداء عند الله
قَالَ أبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ
عُيَيْنَةَ: كَانَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَسَنَّ مِنَ الزُّهْرِيِّ.
١٤ - باب مَا جَاء في فضل الشهداء عند الله [ت ١٤، م ١٤]
[١٦٤٤] (١٦٤٤) حَدَّثَنَا قتيبةُ، حَدَّثَنَا ابن لهيعةَ، عَن عطاء بْنِ دينارٍ، عَن
أبي يَزِيدَ الخَوْلَانِيِّ؛ أنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ،
يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((الشُّهَدَاءُ أَرْبَعَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإِيمَانِ لَقِيَ
العَدُوَّ فَصَدَقَ الله حَتَّى قُتِلَ؛ فَذَلِكَ الَّذِي يَرْفَعُ النَّاسُ إليهِ أعْيُنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ هَكَذَا))
وَرَفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى وَقَعَتْ
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان.
١٤ - باب ما جاءَ في فَضْلِ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ الله
وفي بعض النسخ: (في أفضل الشهداء) مكان ((في فضل الشهداء)) وهو الظاهر.
[١٦٤٤] قوله: (عن عطاء بن دينار) الهذلي، مولاهم، أبو الربان، وقيل: أبو طلحة
المصري، صدوق، إلا أن روايته عن سعيد بن جبير من صحيفته، من السادسة.
(عن أبي يزيد الخولاني) المصري، مجهول، من الرابعة (أنه سمع فضالة بن عبيد) بن
نافذ بن قيس الأنصاري الأوسي، أول ما شهد ((أحد)) ثم نزل ((دمشق)) وولي قضاءها، مات
سنة ثمان وخمسين. وقيل: قبلها .
قوله: (الشهداء أربعة) أي: أربعة أنواع، أو أربعة رجال (رجل مؤمن جيد الإيمان) أي:
خالصه، أو كامله (لقي العدو) أي: من الكفار (فصدق الله) بتخفيف الدال؛ أي: صدق
بشجاعته ما عاهد الله عليه، أو بتشديده؛ أي: صدقه فيما وعد على الشهادة.
(حتى قتل) بصيغة المجهول، أي: حتى قاتل إلى أن استشهد. قال الطيبي رحمه الله:
يعني: أن الله وصف المجاهدين الذين قاتلوا لوجهه صابرين محتسبين، فتحرى هذا الرجل
بفعله، وقاتل صابرًا محتسبًا؛ فكأنه صدق الله - تعالى - بفعله. قال تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا
عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣].
(فذاك) أي: المؤمن (الذي يرفع الناس) أي: أهل الموقف (هكذا) مصدر قوله: ((يرفع))،
أي: رفعًا، مثل: رفع رأسي هكذا، كما تشاهدون. (ورفع رأسه حتى وقعت) أي: سقطت

٢٦٩
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَل ◌َه/ باب مَا جَاء في فضل الشهداء عند الله
قَلَنْسُوَتُهُ - قال: فما أدْرِي أَقَلَنْسُوَةَ عُمَر أرَادَ أمْ قَلَنْسُوَةَ النبيِّ ◌ِ. قَالَ: ((وَرَجُلٌ
مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإِيْمَانِ لَقِيَ العَدُوَّ فَكَأَنَّمَا ضُرِبَ جِلْدُهُ بِشَوْكُ طَلْحِ مِنَ الجُبْنِ أَتَاهُ سَهْمٌ
غَرْبٌ فَقَتَلَهُ، فَهُوَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّنَا لَقِيَ
العَدُوَّ فَصَدَقَ اللهِ حَتَّى قُتِلَ؛ فَذَاكَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ أسْرَفَ على نَفْسِهِ
لَقِيَ العَدُوَّ فَصَدَقَ الله حَتَّى قُتِلَ؛ فَذَاكَ في الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ)). [ضعيف، أبو يزيد، مجهولٌ لا
يعرف حم: ١٥١].
(قَلَنْسُوتُه) بفتحتين، فسكون، فضم؛ أي: طاقيته. وهذا القول كناية عن تناهي رفعة منزلته.
(فلا أدري) هذا قول الراوي عن فضالة، بناء على أن قوله: ((حتى وقعت)) كلام فضالة،
أو كلام عمر، والمعنى: فلا أعلم (قلنسوة عمر أراد) أي: فضالة (أم قلنسوة النبي ◌َّ قال)
أي: النبي ◌َ ل ◌ّ وإعادته للفصل (ورجل مؤمن جيد الإيمان) يعني: لكن دون الأول في مرتبة
الشجاعة (فكأنما ضرب) أي: مشبهًا بمن طعن (جلده بشوك طلح) بفتح فسكون؛ وهو شجر
عظيم من شجر العِضَاءِ.
قال الطيبي: إما كناية عن كونه يقشعر شعره من الفزع والخوف، أو عن ارتعاد فرائصه
وأعضائه. وقوله: (من الجبن) بيان التشبيه.
قال القاري: الأظهر أن ((من)) تعليلية، و((الجبن)) ضد الشجاعة، وهما خصلتان جبلّيتان
مركوزتان في الإنسان، وبه يعلم أن الغرائز الطبيعية المستحسنة من فضل الله، ونعمه
يستوجب العبد بها زيادة درجة.
(أتاه سهم غرب) بفتح المعجمة، وسكون الراء، وفتحها؛ أي: مثلًا، والتركيب توصيفي،
وجوز الإضافة، والمعنى: لا يعرف راميه (فقتله) أي: ذلك السهم مجازًا (فهو في الدرجة الثانية).
وفي الحديث إشعار بأن المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، كما روي.
(ورجل مؤمن خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا) الواو بمعنى الباء، أو للدلالة على أن كل
واحد منها مخلوط بالآخر، كما ذكره البيضاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَءَآخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ
بِذُنُوبِهِمْ خَطُواْ عَمَلًا صَلِهَا وَءَاخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] (حتى قُتل) أي: بوصف الشجاعة.
(ورجل مؤمن أسرف على نفسه) أي: بكثرة المعاصي (حتى قُتل) أي: بوصف
الشجاعة. المفهوم من قوله: ((فصدق الله)) (فذاك في الدرجة الرابعة) في الحديث دلالة على
أن الشهداء يتفاضلون، وليسوا في مرتبة واحدة.

٢٧٠
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَ﴿ / باب مَا جَاء في غَزوِ البَحْرِ
قَالَ أَبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ؛ لا نعرفه إلَّا مِن حديثٍ عَطَاءِ بْنِ
دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ محمدًا يقولُ: قد رَوَى سَعيدُ بْنُ أبي أيوبَ هذا الحديثَ عَن
عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ، وَقَالَ: عن أشْيَاخِ مِن خَوْلَانَ ولَمْ يَذْكُرْ فيه عَن أبي يَزِيدَ، وَقَالَ:
عَطَاءُ بْنُ دِینارٍ : لَيْسَ بِهِ بَاسٌ.
١٥- باب مَا جَاء في غَزوِ البَحْرِ [ت ١٥، م ١٥]
[١٦٤٥] (١٦٤٥) حَدَّثَنَا إسحاقُ بْنُ مُوسَى الأنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا
مَالِكٌ، عَن إِسْحَاقَ بْنِ عبدِ الله بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَن أنَس بْنِ مالكٍ، أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ:
كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَدْخُلُ على أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، فَتُطْعِمُهُ،
قال الطيبي: الفرق بين الثاني والأول مع أن كليهما جيد الإيمان: أن الأول صدق الله
في إيمانه؛ لما فيه من الشجاعة، وهذا بذل مهجته في سبيل الله، ولم يصدق لما فيه من
الجبن.
والفرق بين الثاني والرابع: أن الثاني جيد الإيمان، غير صادق بفعله، والرابع عكسه،
فعلم من وقوعه في الدرجة الرابعة أن الإيمان والإخلاص لا يعتريه شيء، وأن مبنى الأعمال
على الإخلاص.
قال القاري: فيه: أنه لا دلالة للحديث على الإخلاص، مع أنه معتبر في جميع مراتب
الاختصاص، بل الفرق بين الأولين بالشجاعة وضدها، مع اتفاقهما في الإيمان، وصلاح
العمل، ثم دونهما ((المخلط))، ثم دونهم «المسرف)» مع اتصافهما بالإيمان أيضًا، ولعل
الطيبي أراد بـ((المخلط)): من جمع بين نية الدنيا والآخرة، وبـ((المسرف)) من نوى بمجاهدته
الغنيمة، أو الرياء والسمعة. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد (عن أشياخ من خولان) بفتح الخاء،
وسكون الواو: قبيلة بـ((اليمن))، ومنها: أبو يزيد الخولاني.
١٥ - باب ما جاءَ في غَزْوِ البَحْرِ
[١٦٤٥] قوله: (كان رسول الله ◌َ﴿ يدخل على أم حَرَام) بفتح المهملتين؛ وهي: خالة

٢٧١
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَّ / باب مَا جَاء في غَزوِ البَحْرِ
وكانَتْ أُمُّ حَرَام تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عليها رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَومًا
فَأْعَمَتْهُ، وَحبسته تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ الله ◌ِهِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وهُوَ يَضْحَكُ،
قَالَت: فَقُلْتُ: ما يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: ((نَاسٌ مِن أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً
فِي سَبِيلِ الله يَرْكِبُونَ ثَبَجَ هذا البَحْرِ
أنس، صحابية مشهورة، ماتت في خلافة عثمان. وفي رواية البخاري(١) في الاستئذان: ((كانَ
رسُولُ اللهِ وَّهَ إذا ذَهَبَ إلى قُباء يدخُلُ على أُمِّ حَرَامٍ)).
(وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت) هذا ظاهره: أنها كانت حينئذٍ زوج عبادة.
وفي رواية البخاري(٢) في باب: غزو المرأة في البحر من كتاب ((الجهاد)): (فتزوجت عبادة بن
الصامت فركبت البحرَ). وفي رواية لمسلم: فتزوج بها عبادة بعد(٣).
وظاهر هاتين الروايتين: أنها تزوجته بعد هذه المقالة، ووجه الجمع: أن المراد بقوله:
((وكانت تحت عبادة بن الصامت)» الإخبار عما آل إليه الحال بعد ذلك؛ وهو الذي اعتمده
النووي وغيره تبعًا لعياض، ذكره الحافظ في ((الفتح)) في كتاب ((الاستئذان))، وقد بسط
الكلام في هذا هناك؛ فمن شاء الوقوف عليه فليراجعه.
(وحبسته تفلي رأسه) بفتح المثناة، وسكون الفاء، وكسر اللام؛ أي: تفتش ما فيه من
القمل ((فنام رسُولُ الله ◌ِ﴾)).
وفي رواية لمسلم: أتانا النبي ◌َّ﴿ فقالَ عندنا (ثم استيقظ وهو يضحك) أي: فرحًا
وسرورًا؛ لكون أمته تبقى بعده متظاهرة أمور الإسلام، قائمة بالجهاد حتى في البحر.
(قال: ناس من أمتي عرضوا عليّ غزاةً) جمع: ((غازٍ)) كـ((قضاة)) جمع ((قاض)) بالنصب
على الحالية. وقوله: ((عرضوا)) بصيغة المجهول، و((علي)) بتشديد التحتية.
(يركبون ثبج هذا البحر). قال الحافظ: الثبج: بفتح المثلثة، والموحدة، ثم جيم: ظهر
الشيء؛ هكذا فسره جماعة.
وقال الخطابي: متن البحر وظهره، وقال الأصمعي: ثبج كل شيء: وسطه. قال:
والراجح أن المراد هنا: ظهره؛ كما وقع في رواية عند مسلم(٤): ((يركبُون ظهرَ البحرِ)).
(١) البخاري، كتاب الاستئذان. حديث (٦٢٨٢).
(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير. حديث (٢٨٧٨).
(٣) مسلم، كتاب الإمارة، حديث (١٩١٢).
(٤) مسلم، كتاب الإمارة. حديث (١٩١٢).

٢٧٢
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَّر / باب مَا جَاء في غَزوِ البَخْرِ
مُلُوكًا على الأسِرَّةِ، أوْ مِثْلَ المُلُوكِ على الأسِرَّةِ))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! ادْعُ الله أنْ
يَجْعَلَنِي منهم، فَدَعَا لها، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وهو يَضْحَكُ، قالت:
فَقُلْتُ لَهُ: ما يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((نَاسٌ مِن أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً في
سبيلِ الله)) نَحْوَ ما قَالَ في الأوَّلِ، قَالَت: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي
(ملوكًا على الأسرَّة، أو مثل الملوك على الأسرة) بالشك من إسحاق الراوي عن أنس؛
كما في رواية البخاري: ووقع في رواية: ((كالمُلوك على الأسِرَّةٍ))(١) من غير شك. وفي
رواية: ((مثلُ المُلُوك على الأسرَّةِ»(٢) بغير شك أيضًا.
وفي رواية لأحمد (٣): ((مثلُهُم كمثلِ المُلُوك على الأسرَّة)»، ذكر الحافظ هذه الروايات في
((الفتح)).
قال ابن عبد البر: أراد - والله أعلم - أنه رأى الغزاة في البحر من أمته ملوكًا على الأسرة
في الجنة، ورؤياه وحي، وقد قال الله - تعالى - في صفة أهل الجنة: ﴿عَ سُرُدٍ مُتَّقَبِلِينَ﴾
[الحجر: ٤٧] وقال: ﴿عَلَى الْأَرَآيَكِ مُتَّكِّمُونَ﴾ [يس: ٥٦] والأرائك: السرر في الحِجَالِ.
وقال عياض: هذا محتمل، ويحتمل، أيضًا أن يكون خبرًا عن حالهم في الغزو من سعة
أحوالهم، وقوام أمرهم، وكثرة عددهم، وجودة عُددهم؛ فكأنهم الملوك على الأسرة.
قال الحافظ: وفي هذا الاحتمال بُعْد، والأول أظهر، لكن الإتيان بالتمثيل في معظم
طرقه يدل على أنه رأى ما يؤول إليه أمرهم، لا أنهم نالوا ذلك في تلك الحالة، أو موقع
التشبيه أنهم فيما هم من النعيم الذي أثيبوا به على جهادهم؛ مثل ملوك الدنيا على أسرتهم؛
فالتشبيه بالمحسوسات أبلغ في نفس السامع.
(فدعا لها) وفي رواية: ((اللهم اجعلهَا منهُم)). وفي رواية لمسلم: ((فإنَّك مِنهم))، ويجمع
بأنه دعا لها، فأجيب، فأخبرها جازمًا بذلك (نحو ما قال في الأول) ظاهره: أن الفرقة الثانية
يركبون البحر أيضًا .
قال الحافظ: ولكن رواية عمير بن الأسود تدل على أن الثانية إنما غزت في البر؛ لقوله:
((يغزون مدينة قيصر)). وقد حكى ابن التين أن الثانية وردت في غزاة البر وأقره، وعلى هذا
(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير، حديث (٢٨٩٤ - ٢٨٩٥)، ومسلم، كتاب الإمارة، حديث (١٩١٢).
(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، حديث (٢٧٨٨ - ٢٧٨٩)، ومسلم، كتاب الإمارة، حديث (١٩١٢).
(٣) أحمد، حديث (١٣٨١٦).

٢٧٣
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وََّ / باب مَا جَاء في غَزِ البَحْرِ
منهم، قَالَ: ((أَنْتٍ مِنَ الأوَّلِينَ))، قَالَ: فَرَكِبَتْ أُمُّ حَرَامِ البَحْرَ في زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ
أبي سُفْيَانَ،
يحتاج إلى حمل المثلية في الخبر على معظم ما اشتركت فيه الطائفتان، لا خصوص ركوب
البحر. ويحتمل أن يكون بعض العسكر الذين غزوا مدينة قيصر ركبوا البحر إليها .
وعلى تقدير أن يكون المراد: ما حكى ابن التين فتكون الأولية مع كونها في البر مقيدة
بقصد مدينة قيصر، وإلا فقد غزوا قبل ذلك في البر مرارًا.
وقال القرطبي: الأولى في أول من غزا البحر من الصحابة. والثانية في أول من غزا
البحر من التابعين.
وقال الحافظ: بل كان في كلٌّ منهما من الفريقين، لكن معظم الأولى من الصحابة،
والثانية بالعكس.
وقال عياض، والقرطبي: في السياق دليل على أن رؤياه الثانية غير رؤياه الأولى، وأن
في كل نومة عرضت طائفة من الغزاة.
وأما قول أم حرام: ((ادع الله أن يجعلني منهم)) في الثانية؛ فلظنها أن الثانية تساوي
الأولى في المرتبة؛ فسألت ثانيًا؛ ليتضاعف لها الأجر، لا أنها شكت في إجابة دعاء النبي
وير لها في المرة الأولى، وفي جزمه بذلك.
قال الحافظ: لا تنافي بين إجابة دعائه، وجزمه بأنها من الأولين، وبين سؤالها أن تكون
من الآخرين؛ لأنه لم يقع التصريح لها أنها تموت قبل زمان الغزوة الثانية، فجوزت أنها
تدركها، فتغزو معهم، ويحصل لها أجر الفريقين، فأعلمها أنها لا تدرك زمان الغزوة الثانية،
فكان كما قال له انتهى.
(أنتِ من الأولين) قال النووي: هذا دليل على أن رؤياه الثانية غير الأولى، وأنه عرض
فيه غير الأولين (فركبت أم حرام البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان) ظاهره يوهم أن ذلك
كان في خلافة معاوية، وليس كذلك، وقد اغتر بظاهره بعض الناس فوهم؛ فإن القصة إنما
وردت في حق أول من يغزو في البحر، وكان عمر ينهى عن ركوب البحر، فلمَّا ولي عثمان
استأذنه معاوية في الغزو في البحر؛ فأذن له، ونقله أبو جعفر الطبري عن عبد الرحمن بن
یزید بن أسلم.
ويكفي في الرد عليه التصريح في الصحيح بأن ذلك كان أول ما غزا المسلمون في البحر.

٢٧٤
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَّ﴿و / باب مَا جَاء في غَزوِ البَحْرِ
فَصُرِعَتْ عَن دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ البَحْرِ فَهَلَكَتْ. [خ: ٢٧٨٩، م: ١٩١٢، ن: ٣١٧١،
د: ٢٤٩٠، حم: ١٣١٠٨، طا: ١٠١١، مي: ٢٤٢١].
ونقل أيضًا من طريق خالد بن معدان قال: أول من غَزَا البحرَ معاوية في زمن عثمان،
وكان استأذن عمر، فلم يأذن له، فلم يزل بعثمان حتى أذن له، وقال: ((لا تنتخِبْ أحدًا، بل
من اختار الغزو فيه طائعًا، فأعِنْهُ، ففعل))؛ كذا في ((الفتح)) (فصرعت) بصيغة المجهول (عن
دابتها حين خرجت من البحر، فهلكت) وفي رواية: ((فلما انصرفوا من غزوهم قافلين إلى
((الشام)) قربت إليها دابة لتركبها، فصرعت، فماتت)).
وفي رواية عند أحمد(١): ((فوقصتْها بغلة لها شهباء، فوقعت، فماتت)).
وفي رواية: ((فوقعت، فاندقت عنقها)). والحاصل: أن البغلة الشهباء قربت إليها
لتركبها، فشرعت لتركب، فسقطت، فاندقَّت عنقُها، فماتت.
تنبيه: قد أشكل على جماعة نومه وَ ﴿ عند أم حرام، وتفليتها رأسَه:
فقال النووي: اتفق العلماء على أنها كانت محرمًا له وَّه واختلفوا في كيفية ذلك، فقال
ابن عبد البر، وغيره: كانت إحدى خالاته وَّ ر من الرضاعة.
وقال آخرون: بل كانت خالة لأبيه، أو لجده؛ لأن عبد المطلب كانت أمُّه من بني
النجار. انتهى.
قلت: في ادعائه الاتفاق نظر ظاهر، على أن في كونها محرمًا له وَ ل* تأملا، فقد بالغ
الدمياطي في الرد على من ادعى المحرمية؛ فقال: ذهل كل من زعم أن أم حرام إحدى
خالات النبي صل﴿ من الرضاعة، أو من النسب، وكل من أثبت لها خؤولة تقتضي محرمية؛
لأن أمهاته من النسب واللاتي أرضعنه معلومات، ليس فيهن أحد من الأنصار ألبتة، سوى أم
عبد المطلب؛ وهي: سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خراش بن عامر بن غنم بن عدي بن
النجار، وأم حرام، هي: بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر المذكور،
فلا تجتمع أم حرام وسلمى، إلا في عامر بن غنم جدهما الأعلى، وهذه خؤولة لا تثبت بها
محرمية؛ لأنها خؤولة مجازية؛ وهي كقوله ◌َّله لسعد بن أبي وقاص: ((هذا خالي)) لكونه من
بني زهرة، وهم أقارب أمه آمنة، وليس سعد أخًا لآمنة: لا من النسب، ولا من الرضاعة.
انتھی .
(١) أحمد. حديث (٢٦٤٩٢).

٢٧٥
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَ ﴿ / باب مَا جَاء فيمَن يُقَاتِلُ رِيَاءٌ وللُّنْيَا
قَالَ أبُو عِيْسَى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وَأُمُّ حَرَامٍ بِنتُ مِلْحَانَ هِيَ أْتُ أُمّ
سُلَيْمِ، وهي خَالَةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ.
١٦ - باب مَا جَاء فيمَن يُقَاتِلُ رِيَاءً وللدُّنْيَا [ت ١٦، م ١٦]
[١٦٤٦] (١٦٤٦) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةَ، عَن الأعْمَشِ، عَن شَقِيق بْنِ
سلمة، عَن أبي مُوسَى، قَالَ: سُئِلَ رسُولُ اللهِ نَّهِ عَنِ الرَّجُلِ يُقاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ
حَمِيَّةً، ويُقَاتِلُ رِيَاءً، فأيُّ ذَلِكَ في سبيلِ الله؟ قَالَ:
وذكر ابن العربي عن بعض العلماء: أن هذا من خصائصه وَلي؛ لأنه كان معصومًا يملك
إربَّهُ عن زوجته، فكيف عن غيرها مما هو المنزه عنه، وهو المُبَرَّأَ عن كل فعل قبيح، وقولةٍ
رفپٍ.
ورده عياض بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، وثبوت العصمة مسلّم، لكن الأصل
عدم الخصوصية، وجواز الاقتداء به في أفعاله حتى يقوم على الخصوصية دليل .
قيل: يحمل دخوله عليها أنه كان قبل الحجاب.
قال الحافظ: ورد بأن ذلك كان بعد الحجاب جَزمًا، وقد قدمت في أول الكلام على
شرحه أن ذلك كان بعد حجّة الوداع.
وقال الدمياطي: ليس في الحديث ما يدل على الخلوَةِ بها، فلعل كان ذاك مع ولد، أو
خادم، أو زوج، أو تابع.
قال الحافظ: وهو احتمال قوي، لكنه لا يدفع الإشكال من أصله، لبقاء الملامسة في
تفلية الرأس؛ وكذا النوم في الحجر. ثم قال: وأحسن الأجوبة دعوى الخصوصية، ولا
يردها كونها لا تثبت إلا بدليل؛ لأن الدليل على ذلك واضح. والله أعلم. انتهى.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي،
وابن ماجه .
١٦ - باب مَا جَاءَ فِيمَنْ يُقَاتِلُ رِيَاءً وللدُّنْيَا
[١٦٤٦] قوله: (سئل رسول الله ﴿﴿ عن الرجل يقاتل شجاعة) أي: ليذكر بين الناس،
ويوصف بالشجاعة (ويقاتل حمية) أي: لمن يقاتل لأجله من أهل، أو عشيرة، أو صاحب.
(ويقاتل رياء) أي: ليرى الناس منزلته في سبيل الله.

٢٧٦
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَليه / باب مَا جَاء فيمَن يُقَاتِلُ رِيَاءً وللدُّنْيًا
((مَن قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ الله هيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ الله)). [خ: ١٢٣، م: ١٩٠٤،
ن: ٣١٣٦، د: ٢٥١٧، جه: ٢٧٨٣، حم: ١٨٩٩٩].
وفي رواية البخاري في الجهاد: ((ليُرَى مكانُهُ)).
(من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله) قال الحافظ: المراد بكلمة الله:
دعوة الله إلى الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد: أنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان سبب
قتاله طلبَ إعلاء كلمة الله فقط؛ بمعنى: أنه لو أضاف إلى ذلك سببًا من الأسباب المذكورة
أخل بذلك. ويحتمل أن لا يخل إذا حصل ضمنًا لا أصلًا ومقصودًا، وبذلك صرح الطبري؛
فقال: إذا كان أصل الباعث هو الأول لا يضره ما عرض له بعد ذلك؛ وبذلك قال الجمهور،
لکن روی أبو داود، والنسائي(١) من حديث أبي أمامة بإسناد جيد قال: جاء رجل، فقال: یا
رسول الله، أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذِّكر ما له؟ قال: ((لا شيءَ لهُ)). فأعادها ثلاثًا
كل ذلك يقول: ((لا شيءَ لهُ)). ثم قال رسول الله ◌َّهِ: ((إنَّ الله لا يقبلُ منَ العملِ إلَّا ما كانَ
لهُ خالصًا وابتغيَ به وجهُهُ)).
ويمكن أن يحمل هذا على من قصد الأمرين معًا على حد واحد، فلا يخالف المرجح
أولًا، فتصير المراتب خمسًا :
أن يقصد الشيئين معًا، أو يقصد أحدهما صرفًا، أو يقصد أحدهما، ويحصل الآخر
ضمنًا؛ فالمحذور أن يقصد غير الإعلاء، فقد يحصل الإعلاء ضمنًا، وقد لا يحصل، ويدخل
تحته مرتبتان، وهذا ما دل عليه حديث أبي موسى، ودونه أن يقصدهما معًا؛ فهو محذور
أيضًا؛ على ما دل عليه حديث أبي أمامة. والمطلوب أن يقصد الإعلاء صرفًا، وقد يحصل
غير الإعلاء، وقد لا يحصل، ففيه مرتبتان أيضًا.
قال ابن أبي جمرة: ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله
لم يضره ما انضاف إليه. انتهى.
قال الحافظ: ويدل على أن دخول غير الإعلاء ضمنًا لا يقدح في الإعلاء إذا كان
الإعلاء هو الباعث الأصلي؛ ما رواه أبو داود (٢) بإسناد حسن عن عبد الله بن حوالة قال:
((بعثنا رسول الله ◌َّر على أقدامنا لنغنم، فرجعنا، ولم نغنم شيئًا، فقال: ((اللهم لا تكِلْهُم
(١) النسائي، كتاب الجهاد. حديث (٣١٤٠).
(٢) أبو داود، كتاب الجهاد. حديث (٢٥٣٥).

٢٧٧
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَ ل﴿ / باب مَا جَاء فيمَن يُقَاتِلُ رِيَاءً وللدُّنْيَا
قَالَ أبُو عِيْسَى: وفي البابِ: عَن عُمرَ.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
[١٦٤٧] (١٦٤٧) حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ المِثَنَّى، حَدَّثَنَا عبدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَن
يَحْيَى بْنِ سعيدٍ، عَن مُحمَّدِ بْنِ إبراهيمَ، عَن عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصِ اللَّيْئِيِّ، عَن عُمَرَ بْنِ
الخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَةِ: ((إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّيَّةِ،
إليٍّ ... )) الحديث. قال: وفي الحديث بيان أن الأعمال إنما تحتسب بالنية الصالحة، وأن
الفضل الذي ورد في المجاهد يختص بمن ذكر، وفيه ذم الحرص على الدنيا، وعلى القتال
لحظ النفس في غير الطاعة. انتهى.
قوله: (وفي الباب عن عمر) أخرجه الترمذي (١) بعد هذا.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[١٦٤٧] قوله: (إنما الأعمال) قال جماهير العلماء من أهل العربية، والأصول،
وغيرهم: لفظة ((إنما)) موضوعة للحصر، تثبت المذكور، وتنفي ما سواه، فتقدير هذا
الحديث: أن الأعمال تحسب بنية، ولا تحسب إذا كانت بلا نية؛ قاله النووي.
والأعمال أعم من أن تكون أقوالًا أو أفعالًا، فرضًا أو نفلًا، قليلة أو كثيرة، صادرة من
المكلفين المؤمنين.
(بالنية) بالإفراد، ووقع في رواية البخاري في أول ((صحيحه)): ((بالنِّيَّات)) بالجمع. قال
الحافظ: كذا أورد هنا، وهو من مقابلة الجمع بالجمع؛ أي: كل عمل بنيته.
وقال الحربي: كأنه أشار بذلك إلى أن النية تتنوع كما تتنوع الأعمال، كمن قصد بعمله
وجه الله، أو تحصيل موعوده، أو الاتقاء لوعيده. ووقع في معظم الروايات بإفراد ((النية))،
ووجهه: أن محل النية القلب، وهو متحد؛ فناسب إفرادها، بخلاف الأعمال؛ فإنها متعلقة
بالظواهر، وهي متعددة؛ فناسب جمعها، ولأن النية ترجع إلى الإخلاص، وهو واحد
للواحد الذي لا شريك له. انتھی.
قال النووي: والنية: القصد، وهو عزيمة القلب. وتعقبه الكرماني بأن عزيمة القلب قدر
زائد على أصل القصد.
(١) الترمذي، كتاب فضائل الجهاد. حديث (١٦٤٧).

٢٧٨
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَل﴿و / باب مَا جَاءَ فيمَن يُقَاتِلُ رِيَاءً وللدُّنْيَا
وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى،
وقال البيضاوي: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرض من جلب نفع،
أو دفع ضرر، حالًا أو مالًا، والشرع خصصه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل؛ لابتغاء رضا الله،
وامتثال حكمه، والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي؛ ليصح تطبيقه على ما بعده،
وتقسيمه أحوال المهاجر، فإنه تفصيل لما أجمل، ولا بد من محذوف يتعلق به الجار
والمجرور، فقيل: تعتبر. وقيل: تكمل. وقيل: تصح. وقيل: تحصل. وقيل: تستقر.
وقيل: الكون المطلق. قال البلقيني: هو الأحسن.
قال الطيبي: كلام الشارع محمول على بيان الشرع؛ لأن المخاطبين بذلك هم أهل
اللسان؛ فكأنهم خوطبوا بما ليس لهم به علم، إلا من قبل الشارع؛ فيتعين الحمل على ما
يفيد الحكم الشرعي. انتهى.
(وإنما لامرئ ما نوى) قال الحافظ في ((الفتح)): قال القرطبي: فيه تحقيق الاشتراط النية،
والإخلاص في الأعمال، فجنح إلى أنها مؤكدة.
وقال غيره: بل تفيد غير ما أفادته الأولى؛ لأن الأولى نبهت على أن العمل يتبع النية
بصاحبها، فيترتب الحكم على ذلك، والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه.
وقال ابن دقيق العيد: الجملة الثانية تقتضي أن من نوى شيئًا يحصل له، يعني: إذا عمله
بشرائطه، أو حال دون عمله ما يعذر شرعًا بعدم عمله، وكل ما لم ينوه لم يحصل له.
ومراده بقوله: ((ما لم ينوه))، أي: لا خصوصًا، ولا عمومًا.
أما إذا لم ينو شيئًا مخصوصًا، لكن كانت هناك نية عامة تشمله، فهذا مما اختلف فيه
أنظار العلماء، ويتخرج عليه من المسائل ما لا يحصى.
وقد يحصل غير المنوي لمدرك آخر؛ كمن دخل المسجد، فصلى الفرض، أو الراتبة قبل
أن يقعد؛ فإنه يحصل له تحية المسجد، نواها أو لم ينوها؛ لأن القصد بالتحية شغل البقعة،
وقد حصل؛ وهذا بخلاف من اغتسل يوم الجمعة عن الجنابة؛ فإنه لا يحصل له غسل
الجمعة على الراجح؛ لأن غسل الجمعة ينظر فيه إلى التعبد، لا إلى محض التنظيف، فلا بد
فيه من القصد إليه؛ بخلاف تحية المسجد. والله أعلم.
وقال النووي: أفادت الجملة الثانية اشتراط تعيين المنوي؛ كمن عليه صلاة فائتة لا
يكفيه أن ينوي الفائتة فقط؛ حتى يعينها ظهرًا مثلًا أو عصرًا، ولا يخفى أن محله ما إذا لم
تنحصر الفائتة .

٢٧٩
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله وَّه / باب مَا جَاء فيمَن يُقَاتِلُ رِيَاءً وللُّنْيَا
فَمَنْ كَانَتِ هِجْرَتُهُ إلى الله وإلى رَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إلى الله وإلى رَسُولِهِ، ومَنْ كَانَتِ هِجْرَتُهُ
(فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله، فهجرته إلى الله وإلى رسوله) الهجرة: الترك،
والهجرة إلى الشيء: الانتقال إليه عن غيره. وفي الشرع: ترك ما نهى الله عنه، وقد وقعت
في الإسلام على وجهين:
الأول: الانتقال من دار الخوف إلى الأمن؛ كما في هجرتي ((الحبشة)) وابتداء الهجرة من
((مكة)) إلى ((المدينة)).
الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان؛ وذلك بعد أن استقر النبيُّ وَّر بـ((المدينة))
وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين، وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى
((المدينة)) إلى أن فتحت ((مكة)) فانقطع الاختصاص، وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن
قدر عليه باقيًا .
فان قيل: الأصل تغاير الشرط والجزاء، وقد وقعا في هذا الحديث متَّحدين.
فالجواب: أن التغاير يقع تارة باللفظ؛ وهو الأكثر، وتارة بالمعنى؛ ويفهم ذلك من
السياق، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:
٧١] وهو مؤول على إرادة المعهود المستقر في النفس، كقولهم: أنت أنت؛ أي: الصديق
الخالص، وقولهم: هم هم؛ أي: الذين لا يقدر قدرهم.
وقول الشاعر: [من الرجز]
أنا أبو النجم وشعري شعري
أو هو مؤول على إقامة السبب مقام المسبب؛ لاشتهار السبب.
وقال ابن مالك: قد يقصد بالخبر الفرد بيان الشهرة، وعدم التغير؛ فيتحد بالمبتدأ لفظًا
كقول الشاعر: [من الطويل]
خليلِي خليلي دُونَ رَيبٍ ورُبَّمَا
ألانَ امرؤٌ قولًا فظُنَّ خَليلًا
وقد يفعل مثل هذا بجواب الشرط؛ كقولك: من قصدني فقد قصدني؛ أي: فقد قصد
من عرف بإنجاح قاصده.
وقال غيره: إذا اتحد لفظ المبتدأ والخبر، والشرط والجزاء؛ علم منهما المبالغة: إما في
التعظيم، وإما في التحقير.

٢٨٠
كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله مَّ / باب مَا جَاء فيمَن يُقَاتِلُ رِيَاءً وللدُّنْيَا
إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا أو امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلى مَا هَاجَرَ إليهِ)). [خ: ١، م: ١٩٠٧، ن: ٧٥، د.
٢٢٠١، جه: ٤٢٢٧، حم: ١٦٩] .
(إلى دنيا) بضم الدال، وبكسر، وهي فعلى من: الدنو، وهو القرب؛ لدنوها إلى
الزوال، أو لقربها من الآخرة زمنًا. ولا تنون؛ لأن ألِفَها مقصورة للتأنيث، أو هي تأنيث:
((أدنى))، وهي كافية في منع الصرف، وتنوينها في لغة شاذة. ولإجرائها مجرى الأسماء
وخلعها عن الوصفية، نكرت كـ ((رجعى)). ولو بقيت على وصفيتها، لعرفت؛ كـ ((الحسنى)).
واختلفوا في حقيقتها: فقيل: هي اسم مجموع هذا العالم المتناهي. وقيل: هي ما على
الأرض من الجو والهواء، أو هي كل المخلوقات من الجواهر، والأعراض الموجودة قبل
الآخرة.
قال النووي: وهذا هو الأظهر، ويطلق على كل جزء منها مجازًا، وأريد هاهنا شيء من
الحظوظ النفسانية (يصيبها) أي: يحصلها لكن لسرعة مبادرة النفس إليها بالجِبِلَّة الأصلية،
شبه حصولها بإصابة السهم للغرض، والأظهر أنه حال؛ أي: يقصد إصابتها .
(أو امرأة يتزوجها) خصت بالذكر؛ تنبيهًا على سبب الحديث، وإن كانت العبرة بعموم
اللفظ؛ كما رواه الطبراني(١) بسند رجاله ثقات، عن ابن مسعود: كان فينا رجل خطب امرأةً
يقال لها: أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها. قال: فكنا نسميه مهاجرَ
أمِّ قیس.
وفيه: إشارة إلى أنه مع كونه قصد في ضمن الهجرة سنة عظيمة أبطل ثواب هجرته،
فكيف يكون غيره؟ أو دلالة على أعظم فتن الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ
مِنَ النِّساءِ﴾ [آل عمران: ١٤] ولقوله عليه السلام: ((ما تركتُ بعدي فتنةً أضرَّ عَلَى الرِّجالِ من
النساء)» لكن المرأة إذا كانت صالحة تكون خير متاعها، ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((الدنيا
كُلُّها متاعٌ وخيرُ متاعِهَا المرأةُ الصالحةُ)).
(فهجرته إلى ما هاجر إليه) أي: منصرفة إلى الغرض الذي هاجر إليه، فلا ثواب له؛
لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ فَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْيِّهِ، مِنْهَا
وَمَا لَهُ فِ اُلْآَخِرَةِ مِن تَّصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠].
أو المعنى: فهجرته مردودة، أو قبيحة.
(١) الطبراني في ((الكبير)) حديث (٨٥٤٠)، وقال الهيثمي (١٠١/٢): ورجاله رجال الصحيح.